الوهّابيّون
والبيوت المرفوعة
تأليف:
العلامة المحقّق المحدّث
الشيخ محمّد علي بن حسن الهمداني السنقريّ الكردستاني
(1293 ـ 1378هـ )
تحقيق:
لجنة من العلماء
بسم الله الرحمن الرحيم
}في بيوت أذن الله أن تُرفعَ ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال{
}رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلبُ فيه القلوب والأبصار{
القرآن الكريم، سورة النور (24)، الآيتان (36 ـ 37)
بسم الله الرحمن الرحيم
}في بيوت أذن الله أن تُرفعَ ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال{
}رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلبُ فيه القلوب والأبصار{
القرآن الكريم، سورة النور (24)، الآيتان (36 ـ 37)
الطبعة الاُولى 1345هـ
باسم: المشاهد المشرّفة والوهابيون
الطبعة الثانية 1418هـ
محقّقة ومفهرسة
المؤلّف والكتاب
المؤلّف:
ولد في السابع من جمادى الاُولى عام 1293، وكان والده من علماء مدينة همدان في غرب إيران، فأخذ منه ومن جمع من علماء عصره وتعلّم اللّغات المختلفة منها «العبرية والسريانية، عند أحد القساوسة الذي اعتنق الإسلام، وهو فخر الإسلام صاحب (أنيس الأعلام) فكان يحاجج اليهود والنصارى، بما في كتبهم، وهدى الله جمعاً منهم إلى الإسلام على يديه وهاجر إلى المحاضر العلمية، وأخذ منها ما يروي الغلة.
ثمّ استقر في مدينة (سنقر) الكردستانية في إيران، لتبليغ الإسلام، فكانت له محاضر ومجالس ضخمة، وعلى يديه اهتدى جمع كثير من اصحاب المذاهب الاُخرى لقوة حجّته وسلامة منطقه.
وتوفي في شهر محرم عام 1378هـ في زيارة له إلى العراق، له مؤلّفات عديدة، نشر بعضها.
هذا الكتاب:
الّفه الشيخ العلامة السنقريّ، لمّا قام اصحاب الفرقة بهدم بعض المساجد والبيوت المنسوبة إلى زوجات النبي اُمهات المؤمنين وبعض الصحابة الكرام، وكذلك ما كان لأهل البيت النبويّ الطاهر وقرباه، من البيوت والمشاهد والقباب التي كانت تظلّل قبورهم، ويستظلّ بها الذين كانوا يصلون إلى هذه الأماكن
لتجديد الذكرى بأصحابها.
مع أن القاصدين لهذه المواضع كانوا من طوائف المسلمين والمذاهب المختلفة وكلها تجوّز قصدها للتقرّب إلى الله عزّوجلّ بتجديد العهد مع الله بمشاهدة تلك الأماكن التي وقعت فيها حوادث السيرة النبويَّة، ووضعت فيها جثثت شهداء الإسلام، ومع أن الفقهاء للمذاهب يجوّزون زيارة تلك المواضع، اعتماداً على أدلة الكتاب والسنّة والإجماع إلاّ أن الدعاة حاولوا تحكيم رأيهم وفرض فتاواهم، على سائر المسلمين، ولقد قاموا بهدم تلك البيوت، على فتاوى من علمائهم.
وقد ألّف علماء المسلمين في هذا كتباً قيّمة، للاستدلال على بطلان تلك الفتاوى ومنها هذا الكتاب.
وقد احتوى على الإجابة عن كل الأدلّة التي ذكرها مؤسس الفرقة وإمامها في كتابه الموسوم بـ (كشف الشبهات) وهو أهم كتبه في هذا الباب.
قدّم المؤلّف لكتابه مقدمة قصيرة، مركّزاً على أهم ما قصدهُ في جوابه هذا.
ثمّ بناه على مقامات ثلاثة:
المقام الأول: في أنّ مجرّد دعاء شخص لشخص، ليس عبادة من الداعي، للمدعوّ، فالعبادة تحتاج إلى أكثر من مجرّد الدعاء، وهو قصد العبودية من الداعي والألوهية في المدعوّ:
فالاستغاثة بالأنبياء والأئمة والأولياء بجعلهم وسائط إلى الله، لقربهم منه، ليس عبادة لهم، بل هو عبادة له، لأنّه أمرنا بهذا.
ومثل ذلك الاستشفاع بهؤلاء.
ثم أثبت الأدلة على ثبوت الشفاعة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأجاب عن أدلّة الوهابيّة في إنكارها وكل ذلك في المقام الثاني.
وأثبت أنّ الاستشفاع يتحقّق في الحيّ والميّت بلا فرق، لورود ذلك في
الأدعية والزيارات المأثورة، كما عليها سيرة الأمة الإسلامية، مدى العصور والقرون الاُولى التي هي خير القرون، وعلى طول الأعوام المتعاقبة.
ولأنّ الذين يزورهم المسلمون: أحياء في قبورهم يرزقون، بنصّ الكتاب والسنّة.
وفيه الردّ على التفريق بين الحياة والموت في شأن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والتوسّل به.
وكذا الدعوى على المسلمين كافة، بقصد الشرك وغيره من الباطل، رجماً بالغيب وافتراء وبهتاناً.
وفي المقام الثالث: أتيت الأوامر الشرعيّة بالتوسل والاستغاثة وزيارة الأموات وبناء الضرائح والقباب.
والجواب عن الشبهات بدعوى أن البناء تصرّف في الأرض المسبلة والوقف.
وإثبات أنّ قباب آل البيت في البقيع، كانت ملكاً لهم، لا وقفاً مُسبّلا.
والإجابة عن شبهة تسنيم القبور، وعن حرمة زيارة القبور.
وفيه شىء من انتهاك اولئك لحرمات الأموال والدماء عندما سيطروا على الحرمين والطائف.
وفي الخاتمة: أورد المؤلّف الأحاديث النبوية التي دلّت على ظهور هذه الفرقة، وحذّرت منها، وهي من (دلائل النبوّة ومعاجزها).
إن المؤلّف العلامة، عرض جميع هذه المواضيع، بشكل هادىء، ومستند وقويّ، وأوجز في العرض بشكل رائع وواضح.
وناقش بحجج علمية متينة، ممّا دلّ على امتلاكه لأزمّة العلم والتحقيق.
عـملنا:
وقد قمنا بإخراج الكتاب في حلّة حديثة، مع التعريف بالمؤلّف، وتوزيع الكتاب بشكل فنّي، ووضع العناوين اللازمة في مواقعها بين المعقوفتين.
كما قمنا بتخريج الأحاديث المهمة للتسهيل والتوثيق.
وعملنا فهارس للآيات والأحاديث والألفاظ تسهيلا على المراجعين.
والحمد لله على إحسانه ونسأله الرضا عنا بجلاله وإكرامه إنّه ذو الجلال والإكرام.
لجنة التحقيق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[المقدّمة]
الحمدُ لله الذي توحيدُه في تنزيهه، وغاية معرفته في تقديسه. تفرّد بالكبرياء والأحَديّة، وتسربل بالعظمة والمعبوديّة.
والصلاة والسلام على من اصطفاه الله واختاره واجتباه، ختم به النبوّة، وحباه بالوسيلة والشفاعة، فصدع بأمره في أُمّته، وقَرَنَ بين كتاب الله وعترته، بعد أن اختصّهم بفرض المودّة واتّباع الأُمّة.
محمّد وآله الذين صلّى الله عليهم وسلّم تسليماً، وأذْهِبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وبعدُ: فإنّي بعدما أسلفتُ شطراً من الكلام فى الجواب عمّا كان قد نسجته أوهام ابن تيميّة في شبهاته، وأورده في «منهاج سُنّته» فقد ظفرت اليوم برسالة اُخرى للمقتفي آثاره مرجع الوهّابيّين «محمد بن عبد الوهاب» الموسومة بـ «كشف الشبهات» في التشكيك بالمتشابهات.
فمحصّل الجواب عمّا نسجه بوهمه وتشكيكه في رسالته لمعنى العبادة والشرك ; بأنّ دعآء الغير عبادة له، والتوسّل به عبوديّة له، منافية لتوحيد الله
والإخلاص به.[الفرق بين الدعاء، والعبادة]
هو أنّه لا ريب في أنّ مطلق الدعاء للغير ليس عبادة له ولا مطلق الاستغاثة والاستعانة به عبوديّة له ; ضرورة افتقار العباد في حاجاتهم ونيل أمورهم في
عاديّاتهم، بل وفي عباديّاتهم، كما أمر الله تعالى بالتعاون على البرّ والتقوى.
وكذا لاشبهة في أنّ مطلق الخضوع والانقياد وخفض الجناح لغيره تعالى، ليس بعبادة له، ومنافية لتوحيد الله والإخلاص له تعالى.
فلو كان مطلق التعاون والاستعانات والاستغاثات والتوسّلات شِركاً، لكان الوّهابيّون بذلك أوّل المشركين. ولو كان مطلق الخضوع والانقياد والخفض للغير شركاً في عبادة الله، لما أمر الله تعالى به، ولكان الأمر بالسجدة في قوله تعالى لملآئكته: }اُسجُدُوالآدَمَ{ أمراً بالشرك؟!
وكان لإبليس أن يعترض عليه سبحانه في ذلك، فيقول:
ياربِّ لِمَ تأمُرني بالسجودِلِغيِرِك، وهوالشرك المنافي لتوحيدك والإخلاص لك!
ولكان الاستدلال بذلك أولى من استدلاله بالقياس الفاسد.
ولكان إبليس بامتناعه هذا من السجدة أوّل الموحّدين، كمازعمه جمع من الصوفيّة، وقاله بعضهم في «فصوص حكمه»، وتبعه أتباعه في شروحهم عليه، فالمدار على الحقائق دون الصور !
فلو كان مطلق الخضوع شركاً وعبادة للغير، لكان خضوع العبيد للموالي والرعايا للرؤساء والملوك، والزوجات للأزواج والتلميذ للمعلّم، كلّها خضوعاً لغير الله وشركاً به وعبادة لغيره !
ولم يقل به أحد، ومعه لا يقوم حجر على حجر.
ولو كان ذلك شِرْكاً في عبادته، لكان تقبيل الحجر الأسود واستلامه عبادته !
ولكان مسّ الأركان والتبرّك بها عبادتها !
ولكان أمر الله لبني إسرائيل في أريحا يوم دخول القرية بالخضوع لباب حطّة.
وأمر الله نبيّه بخفض الجناح لمن اتّبعه من المؤمنين.
وأمر الله عباده بالخفض للوالدين، والزوجة للزوج. كل ذلك أمراً بالشرك؟!
ولكان يعقوب وولده بسجودهم ليوسف حين خرّواله ساجدين، وكلُّ من أُولئك في خضوعهم المأمورين به مشركين ؟ !
وذلك لوضوح أنّ كلّ هذا إنّما هو عبادة الآمر بها، لا عبادتها إيّاها.
سبحان الله.
ما أجهل المعترضين على الآيات، وما أغفلهم عن البيّنات.
وما أشدّ إعراضهم عن المحكمات إلى المتشابهات.
[حقيقة العبادة]
فليس ذلك إلاّ لأنّ العبادة ليس المراد منها معناها اللغوي ـ أعني مطلق الطاعة والدعاء ـ. بل إنّما حقيقة العبادة هي مجرّد الطاعة والامتثال لأمر الله الواجب وجوده، العظيم لذاته ; ونفسُ الانقياد وإتباعه بكلّ ما أمر به دعاءً كان أو نداءً أو خضوعاً أو سجدة أو توسّلا أو استشفاعاً إلى غير ذلك، ممّا يرجع إليه بالاعتبار اللفظي أو العقلي أو العادي. وتدور العبادة والشرك ـ وجوداً وعدماً ـ مدار الطاعة والانقياد بقصد الامتثال والاستقلال في المألوهية ; بمعنى أنّ العبادة هي ما قُصد به الامتثال بداعي الأمر بها مطلقاً.
[حقيقة الشرك]
وأمّا الشرك: فهو تشريك الغير بالاستقلال في المعبوديّة، واتّخاذه دون الله أو مع الله بالألوهية. فما هذا التمويه والمغالطة؟! وما هذا الخلط الظاهر وخبط العشواء؟! وما أغفلهم عن كلمات الله؟! وليتهم تعلّموا من إبليس ; حيث إنّه لم يَرَ الأمر بالسجدة للغير شرْكاً بالله منافياً لتوحيده تعالى.
بل، ودرى بها ـ من حيث إنّها مأمور بها ـ عين توحيده وعبوديّته، فلم يردّ
على الله بشيء من ذلك، إلاّ باختياره عصيانه ومخالفته، وسلوكه مسلك الاستكبار بحسده وعُتُوّه وكِبْره وغُلُوّه، ولذلك طغى وعصى وتمرّد وأدبر واستكبر فكفر.
[منكرو الشفاعة]
وأمّا الذين ينكرون ويجحدون ما جاء في مأثور السُّنّة ; من الاستشفاع إلى الله بالأنبياء والأولياء، فحق أن يُتلى فيهم قوله تعالى: }أمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَ آتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عظيماً{.
فلا يُغرّنّك الانتساب إلى التوحيد، ولا تلاوة آيات الله المجيد.
ولا تحكُمْ بأوّلِ ما تراهُ فأوّلُ طالع فجرٌ كذوبُ
ها هنا مقامات
الأوّل: بيان جواز مطلق الدعاء للغير والاستعانة بالغير، وأنّها لا تكون شركاً بالله وعبادة لغيره.
الثاني: ثبوت الشفاعة ـ من حيث الكبرى ـ للشافعين من الأنبياء والمرسلين، بل وغيرهم من المؤمنين، وأنّها تعّم الأحوال والنشآت دنياً أو آخرة ; حيّاً كان الشفيع أو ميّتاً.
الثالث: ثبوتها ـ من حيث الصغرى ـ بالعمومات الواردة في الاستشفاعات والتوسّلات ; كتاباً وسُنّة وإجماعاً وعقلا.
المقام الأوّل
[أن مطلق الدعاء ليس عبادةً ولا شركاً]
قد ظهر ممّا تقدّم في معنى العبادة والشرك ما يُعرف به فساد ما ادّعاه المتكلّف.
[هل الدعاء عبادة؟]
فقوله: «والدعاء مخّ العبادة...» إلى آخره.
تمويه في استدلاله بالمغالطة الواضحة، وما اكتفى به حتّى بنى عليها قذفه لعباد الله وموحّديه بالشرك والارتداد، وسعى في خراب العباد والبلاد، فهاك فصيح الجواب عنها بالإشارة إلى موضع تمويهه:
أمّا قوله: «فإنّ الدعاء مُخّ العبادة».
فمسلّم، كما هو المرويّ عن أئمّتنا ـ سلام الله عليهم ـ لكن هذه المغالطة غير مُجدية لدعواه، فإنّه إن جعلها صُغرى لقياسه ; بأن يقول: الدعاء مُخّ العبادة، وكلّ عبادة لغير الله شِرك.
قلنا: وهل يخفى على أحد أنّ قوله ذلك لا يصحّ منه إلاّ قضيّة شخصيّة، وهي دعاء الله، فإنّ دعاءه يكون مخّ عبادته ; من حيث معرفته والالتجاء إليه، والاعتراف بأنّه الإلـه الواحد القادر المطلق.
وأين هذا من دعائي ولدي، وأقول: يا فلان أعطني كذا، أو توسّط لي عند فلان بكذا.
هذا، وإن زعم أنّها كلّيّة ; بمعنى: أنّ كلّ دعاء من كلّ أحد لكلّ أحد في كلّ
عنوان، هو عبادة له ومخّ العبادة.
فهذا الزعم واضح البطلان، فلينظر إلى أصحابه وعلمائه وأُمرائه، فكم يدعو وينادي الرجل منهم غيره، ويستعين به في حوائجه في حَلّهم وارتحالهم، وسلمهم وحربهم، وقضائهم وسياستهم.
فهل كلّ هذا عبادة لغير الله وشِرْك به؟! وهل كلٌّ منهم مشركون؟!
[الاستغاثة بالوسائط]
وأمّا قوله فيما استشهد به من قول الله في سورة القصص: }فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ{.
فقد دلّت الآية على جواز الاستغاثة بالمخلوق في إبقاء الحياة ; وحفظ النفس من الهلكة; أولغيرذلك من الغايات، كمااستشهدبه هولذلك،وناقض به دعواه الأولى.
وأمّا دعواه جواز حصرها في أمر الدنيا وفيما هو المقدور للعباد من الأحياء بزعمه وقياسه.
فإنّما تردّها الآيات المطلقة التي استدلّ بها على دعواه ; حسبما ادّعاه على أنّ مطلق الاستعانة بالغير والابتهال إليه والتضّرع لديه شرْك به تعالى.
على أنّه يردّها قوله تعالى في غير موضع من القرآن }فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ{.
حيث دلّت الآية على لزوم الدعاء إلى الله في قضاء الحاجات، والنجاة من الهلكات منه سبحانه تعالى، وأنّ ما عداه شِرْك مُناف للإخلاص.
وعليه يلزم التناقض بين الآيتين.
ودفعه لا يكون إلاّ بدعوى: أنّ الاستعانة بالغير على وجه الاستقلال والاستبداد ـ بإلغاء ذي الواسطة ـ فيكون شركاً مُنافياً للعبادة والخلوص، كما تقدّم في معنى الشرك.
وهذا من غير فرق بين جعل الواسطة في الأُمور المتعلّقة بهذه النشأة أو غيرها ; حيث إنّ الشرك حرام شرعاً وقبيح عقلا، وحكم العقل ليس قابلا للتخصيص ولا التبعيض، وقد قَبِله الشرع مع اتّحاد المناط في الحرمة.
[أدلة المنع من الاستشفاع]
فدعوى المتكلّف: أنّ الاستشفاع بغير الله شرك، مستدلاّ:
تارة بقوله: }مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإذْنِهِ{.
وأخرى بقوله تعالى: }وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَن اِرْتَضَى{.
ومرّة بقوله تعالى في سورة سبأ:
}وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ{.
وتارة بقوله تعالى في سورة طه: }يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً{.
وأُخرى بقوله تعالى: }مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى{.
إلى آخر ما استشهد به لدعواه.
[الردّ على ذلك]
فقد يردّها: أنّ الشفاعة من المعاني النسبيّة القائمة بالطرفين، نظير العقود والمعاملات القائمة بالموجب والقابل، فمتى لم يرضَ المُشفِّع، كما لو لم يشفع الشفيع، تقع الشفاعة لغواً.
فعدم الشفاعة تارة لفقد المقتضي، أعني قابليّة الشفيع للشفاعة، أو المشفَّع له.
أو لوجود مانع هناك ; أعني بلوغ المعصية إلى حدّ تمنع عنها حسبما نراه في المتعارفات الخارجية.
[الأدلة على جواز الشفاعة]
مضافاً إلى دلالة غير واحدة من الآيات عليه، مثل قوله: }إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح {الآية، حيث نهى الله نبيّه من الشفاعة في ولده ; لأنّه قد بلغ في المعصية والمخالفة مالا تصحّ معها الشفاعة له.
ومثله قوله تعالى: أمّا في المنافقين ففي موضعين من القرآن:
أحدهما: في سورة براءة (التوبة): }إنْ تَسْتَغفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ{.
والأُخرى: في سورة المنافقين قوله تعالى: }سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ{.
وأمّا في المشركين فقوله تعالى في سورة براءة (التوبة): }مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالّذِينَ آمَنُوا أن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ{، فتأمّل في قوله }مِنْ بعْدِ مَا تَبَيَّن{ ولا تغفل.
وقال بعض المفسّرين في قوله تعالى في سورة المدثّر: }فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ{: إنّ معناه لا شافع ولا شفاعة، فالنفي راجع إلى الموصوف والصفة معاً، والآية من باب }لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً{ من حيث إنّها سالبة بانتفاء الموضوع.
بل، وإذا اشتدّ المانع تجافى الشفيع عن الشفاعة.
وربّما ينقلب الشفيع خصيماً، كما في سورة نوح قوله تعالى: }رَبِّ إنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً{، وهذا معنى قوله: }وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى{ وقوله: }مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ{، فمتى صحّ الإذن صحّت الشفاعة، ومتى لم يأتِ الإذن تقع الشفاعة لغواً، والطلب من المشفَّع له باطلا.
وهذا لا دخل له بحديث الشرك وتضمّن بعض الآيات غايتها الدالة على أنّ العبادة للشفيع بإزاء شفاعته يكون شركاً باطلا، لا أنّ جعل الشفيع يكون كفراً وارتداداً.
بل يكون أمراً راجحاً يحكم به ضرورة العقل، فضلا عن الشرع، كما سيجيء بيانه في المقام الثاني.
[استدلال آخر لنفي الشفاعة]
وأمّا الجواب عن [استدلاله بـ ] قوله تعالى في سورة مريم: }لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً{.
فليس في ظاهر الآية أنّ المقصود منها خصوص أنّ المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم، أو خصوص أنّهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم.
لأنّ المصدر كما يجوز ويحسن إضافته إلى الفاعل، كذلك يجوز ويحسن إضافته إلى المفعول.
إلاّ أن نقول: إنّ حمل الآية على الوجه الثاني أولى ; لأنّ حملها على الوجه الأوّل يجري مجرى إيضاح الواضحات، فإنّ كلّ أحد يعلم أنّ المجرمين الذين يُساقون إلى جهنّم وِرْداً، لا يملكون الشفاعة لغيرهم، فتعيّن حملها على الوجه الثاني.
[الآية صريحة في إثبات الشفاعة]
بل الآية صريحة في الاستدلال بها للشفاعة لأهل الكبائر لقوله تعالى: }إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ{ فكلّ من اتّخذ عند الرحمن عهداً بالتوحيد والإسلام أو الإيمان بالله، فهو ممّن يجب أن يكون داخلا تحت هذه الآية، فالآية بظاهرها حجّة عليهم، لالهم.
[التقرّب بالأصنام]
وأمّا قوله تعالى عن المشركين في سورة الزمر: }مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى{.
فلوضوح أنّ المذمّة واللوم لم تكن على اعتقاد الشفاعة أو التقرّب إلى الله زُلفى، بل على العبادة الحقيقيّة منهم لأصنامهم، بأنّ لهم مع الله تعالى التصرّف الاستقلالي في الأكوان، وعلّلوها: بأنّا لا نقدر على عبادة الله، فنكتفي بعبادة هؤلاء الأصنام.
[الآيات المانعة عن الاستشفاع خاصة]
وأمّا الجواب عن [الاستدلال بـ ]سائر الآيات كلّها:
أنّها مختصّة بالكفّار ; جمعاً بينها وبين الأدّلة.
فإنّها بين ما سيقت لذلك، ولدفع توهّم الاستقلال بالشفاعة، مع بيان عظمة الله وكبريائه، وأنّه لا يُدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده شفاعة وضراعة ; فضلا عن أن يدافعه عناداً أو مناصبة.
كما في قوله تعالى: }مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإذْنِهِ{.
فالآية مُثبتة للشفاعة، و نظيرها الآيات السابقة التي استدلّ بها المتكلّف.
وتؤكّدها الاستثناءات الكاشفة عن ثبوتها.
قال الرازي في قوله تعالى: }مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ{: استفهام معناه الإنكار والنفي، أي لا يشفع عنده أحد إلاّ بأمره، وذلك أنّ المشركين كانوا يزعمون أنّ الأصنام تشفع لهم، وقد أخبر الله عنهم: أنّهم يقولون: هؤلاء شفعاؤنا، ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زُلفى.
فأخبر الله أنّه لا شفاعة عنده لأحد إلاّ من استثناه الله بقوله: }إلاّ بإذنه{.
ونظيره قوله في سورة النبأ: }يَوْمَ يُقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَ يَتَكَلَّمُونَ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقَالَ صَوَاباً{ إنتهى.
وفي سورة النجم: }وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَواتِ لاَتُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ إلاّ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى{.
وبين ما نزلت ردّاً للمشركين من عَبَدة الأصنام، ورغماً عمّا كانوا يزعمونه من الشفاعة لآلهتهم.
كما في سورة بني إسرائيل (الإسراء): }قلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلا{.
وكما في سورة سبأ في قوله تعالى: }قُلِ ادْعُو الذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة{ إلى قوله: }وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ{.
وَكَما في قوله تعالى في سورة الزمر: }أَم اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِِ الشَّفَاعَةُ{.
والعجب من المتكلّف حيث أعجبه التمسّك بهذه الآية في منع الاستشفاعات في غير موضع من كتابه.
وهي كما ترى، والمغالطة في إسقاطهم لصدر الآية كما عرفت.
ومثلها ما في سورة يونس: }وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَالاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ{.
وفي سورة الروم: }وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الُْمجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ{.
وفي سورة الأعراف: }يَوْمَ يَأتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا{.
وفي سورة الكهف: }وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً{.
وفي سورة الأنعام }وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةِ بَاسِطُوا أَيدِيهُمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ...{ إلى قوله: }وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ شُرَكَاء{ إلى غيرها فانها صريحة وافية للمقام.
وبين ما سيقت للردّ على مقالة اليهود ; حيث قالوا: نحن أبناء الأنبياء، وآباؤنا
يشفعون لنا.
فأجابهم الله بقوله تعالى في سورة البقرة: }وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ{.
وقال تعالى في هذه السورة: }وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ{.
قال المفسّرون: إنّ حكم هذه الآيات مختصّ باليهود ; حيث قالوا: نحن أبناء الأنبياء وآباؤنا يشفعون لنا، فآيسهم الله من ذلك، فخرج الكلام مخرج العموم، والمراد به الخصوص.
أقول: وهب أنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصيّة السبب، إلاّ أنّ تخصيص مثل هذا العامّ بمثل هذا السبب المخصوص، ممّا يكفي فيه أدنى دليل ; وكيف بالدلائل القطعيّة القائمة للشفاعة؟! فيخصّص بها قطعاً.
فسقط الاستدلال بالنكرة في سياق النفي تارة.
وبعدم الانتصار اُخرى.
وبعدم إجزاء نفس عن نفس ثالثة.
وهكذا الكلام في نظائرها.
وبين ما سيقت لبيان شدّة الموقف وأهواله، وأنّه ـ يومئذ ـ لا ينفع الكفّار بيعهم وخلّتهم وشفاعتهم ـ بعضهم ـ في دفع العذاب عن خليله أو مولاه:
مثل ما في سورة الدخان قوله تعالى: }يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ{.
وقوله في سورة البقرة: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ{.
قال الرازي: لما قال: }وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ{ أوهم ذلك ـ أي ألخُلّة والشفاعة مطلقاً ـ فذكر تعالى عقيبه: }والْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ{ ليدلّ على أنّ ذلك النفي
مختصّ بالكافرين، وعلى هذا التقدير تكون الآية دالّة على إثبات الشفاعة في حقّ الفسّاق.
وبين ما لبيان أنّ الشفاعة الثابتة مختصّة بالمرضيّين:
كقوله تعالى في سورة طه }يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا{.
وقوله تعالى: }وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى{ أي لمن ارتضى الله دينه، وسيأتي بيانه.
أو لبيان أنّ المجرمين غير قادرين على الشفاعة إذ لا يملكونها:
كما في سورة مريم قوله تعالى: }وَنَسُوقُ الُْمجْرِمِينَ إلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ{ ألا تنظر إلى قوله بعده: }إلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً{ إلى غير ذلك.
المقام الثاني
[ثبوت الشفاعة في العقيدة الإسلاميّة]
اعلم: أنّ الشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئاً، ويطلب له حاجة، وأصلها من الشفع الذي هو ضدّ الوتر، كأنّ صاحب الحاجة كان فرداً، فصار الشفيع له شفعاً، أي صارا زوجاً.
وقد أجمع المسلمون كافّة على ثبوت الشفاعة، خلافاً للخوارج وبعض المعتزلة، حيث خصّوها بزيادة المنافع للمؤمنين ورفع درجات المثوبين والمستحقّين.
مع ضرورة حكم العقل بحسن العفو عن الكبائر وصريح الُمحْكمات من الكتاب والسُّنّة، كما سيجيء ذكرها.
مع ما عرفت من الجواب عمّا تمسّك به المانع المتكلّف من المتشابهات.
[الاجماع على الشفاعة]
ولو لم يقم الإجماع على ثبوتها بهذا المعنى، وكانت الشفاعة بحيث يصحّ إطلاقها على مجرّد طلب الزيادة، لكنّا شافعين للرسول بقولنا: «اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد».
ضرورة أنّا لم نطلب له(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ الزيادة في فضله.
وحيث بطل هذا القسم تعيّن الثاني.
لا يقال: إنّ ذلك إنّما كان لوضوح علوّ رتبة الشفيع على المشفوع له وانحطاطهم عنه، وإنّ غرض السائل من الصلوات هو التقرّب بذلك إلى
المسؤول ; وإن لم يستحقّ المسؤول له بذلك السؤال منفعة زائدة.
فإنّا نقول: إنّ الرتبة غير معتبرة في الشفاعة، ويدّل عليه لفظ الشفيع المشتقّ من الشفع.
على أنّا، وإن قطعنا أنّ الله يكرّم رسوله ويعظّمه ; سواء سألت الأُمّة ذلك أو لم تسأله، ولكنّا لم نقطع بأنّه لا يجوز أن يزيد في إكرامه بسبب سؤال الأُمّة ; على وجه لولا سؤالهم لما حصلت الزيادة، ومع جواز هذا الاحتمال وجب أن يبقى جواز كوننا شافعين للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
قال العلامة القوشجي: اتّفق المسلمون في ثبوت الشفاعة ; لقوله تعالى: }عَسَى رَبُّك أَنْ يَبْعَثَكَ مَقَاماً مَحْمُوداً{، وفُسّر بالشفاعة.
قال: ثمّ اختلفوا: فذهب المعتزلة إلى أنّها زيادة المنافع للمؤمنين المستحقّين للثواب.
وأبطله المصّنف: بأنّ الشفاعة لو كانت كذلك لكُنّا شافعين للنبيّ ; لأنّا نطلب زيادة المنافع له.
والتالي باطل ; لأنّ الشفيع أعلى رتبة من المشفوع له. انتهى.
وقال العلاّمة في «البحار» في ما حكاه عن النَوَويّ في «شرح صحيح مسلم»(1): إنّه قال: قال القاضي عياض: مذهب أهل السُّنّة جواز الشفاعة عقلا.
ووجوبها سمعاً بصريح الآيات وبخبر الصادق(عليه السلام)، وجاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحّة الشفاعة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف ومن بعدهم من أهل السُّنّة عليها.
ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتعلّقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار، واحتجّوا بقوله تعالى: }فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ{ وأمثاله، وهي في الكفّار.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح صحيح مسلم، للنووي 3/35 باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحّدين من النار.
وأمّا تأويلهم أحاديث الشفاعة وغيرها فهي صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار. انتهى.
[العقل يدل على صحّة الشفاعة]
وأمّا العقل فقد قالت الفلاسفة في هذا المقام: إنّ واجب الوجود عامّ الفيض تامّ الجود، فحيث لا تحصل الشفاعة فإنّما هو لعدم كون القابل مستعدّاً، ومن الجائز أن لا يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شىء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء كالمتوسّط بين واجب الوجود وبين ذلك الشيء الأوّل.
ومثاله في المحسوس أنّ الشمس لا تضيء إلاّ للقابل المقابل، وسقف البيت لما لم يكن مقابلا لجِرْم الشمس، فلا جَرَمَ لم يكن فيه استعداد لقبول النور عن الشمس، إلاّ أنّه إذا وضع طشت مملوّ من الماء الصافي، ووقع عليه ضوء الشمس، انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف، فيكون ذلك الماء الصافي متوسّطاً في وصول
النور من قُرص الشمس إلى السقف الذي غير مقابل للشمس.وأرواح الأنبياء والأوصياء والصالحين، كالوسائط بين واجب الوجود وبين الخلق.
والتحقيق: أنّ المعصية ليست بما هي علّة للتعذيب والخلود، وإنّما هي المقتضي له لولا المانع ; من الاستشفاعات المنصوبة من الله الرؤوف المالك للشفاعة.
كما يشهد به الكتاب والسُّنّة وبداهة حكم العقل مع قرينة شدّة الرأفة والرحمة منه تعالى.
ولذلك فرّق الشارع بين نيّة الحسنة ونيّة السيّئة في الاستحقاق وعدمه، مع أنّهما في الاقتضاء سواء ; سبقت رحمته غضبه.
فقد ظهر: أنّ الحديثين إنّما سيقا لبيان الاقتضاء:
أمّا الأوّل: فبدليل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في النبوي: (لو لم ترسلوا عليها ناراً فتحرقوها).
أمّا الثاني: فبضرورة ما في السباق من احتمال العثرات، وصريح ما ورد في الحَبْط من الآيات والعمومات، النافية لاستحقاق العقوبة على نيّة السيّئات، وأنّها لا تكتب مالم يتلبّس بها.
وبالجملة: فلو لم تكن المعاصي مقتضيات لما كان النادم عليها ماحياً لها تائباً عنها، كما صحّ: أنّ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من سرّته حسنته وسأته سيّئته فهو مؤمن).
وذلك لوضوح أنّ من ساءته سيّئة، فهو النادم منها التائب عنها الماحي لها، ومعه فلا غَرْوَ ولا عجب أن يجعل الله الأمر بالمودّة والتمسّك والتوسّل بذوي القربى من أهل بيت رسوله، مانعاً لتأثير المعصية، شافعاً فيها، توبة عنها، ماحياً لها، وإن رغم الراغمون، وخسر هنالك المبطلون.
[تذبذب بين المعتزلة والأشعرية]
وليت شعري، ولا يكاد ينقضي تعجبي، من هؤلاء الإخوان، وما أدري أنّهم - في إنكارهم للشفاعة - أشعريّة أم معتزلة، وبأيّهما اقتدوا ؟ وبأيّ ديانة دانوا فتديّنوا ؟
فإن كانوا في الأُصول أشعرية فقد عرفت أنّ مذهبهم على ثبوتها وإثباتها.
وإلاّ فيرد عليهم ما يرد على المعتزلة من المناقضة لأصلهم، فإنّ من قال بقاعدة التقبيح والتحسين، فقد التزم في المسألة موافقة الأشعريّين، فظهر أنّهم دانوا بالشفاعة من حيث لا يشعرون.
[الآيات الدالة على ثبوت الشفاعة]
وأمّا الآيات: فقد قال الله تعالى في سورة الإسراء: }عَسى رَبُّكَ أن يَبْعَثَكَ مَقاماً مَحْمُوداً{ .
وقال في سورة الضحى: }وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى{ .
وقال في سورة المؤمن: }ألَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤمِنونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْن الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهمْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ .
وقال تعالى في سورة يوسف حاكياً مقالة الأسباط: }قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا{ إلى قوله: }سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ{ .
وقال تعالى في سورة النساء: }وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جَاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً{ .
وقال تعالى في حكايته عن عيسى(عليه السلام): }إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ .
وقال تعالى حكاية عن إبراهيم: }فَمَنْ تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ{ .
فقد دلّت الآيات كغيرها على ثبوت الشفاعة لنبيّنا خاصّة وللملائكة والنبيّين والأولياء والصالحين عامّة وشفاعة القرآن أيضاً.
حيث لا يجوز حمل هذه الآيات على الكافر، فإنّه ليس أهلا للمغفرة بالإجماع.
ولا يجوز حملها على صاحب الصغيرة.
ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة ; لأنّ غفرانه لهم واجب عقلا عند الخصم، فلا حاجة له إلى الشفاعة.
فلم يبقَ حملها إلاّ على صاحب الكبيرة قبل التوبة.
[الروايات الدالة على ثبوت الشفاعة]
ويؤيّد ذلك: ما رواه الرازي عن البيهقي: (أن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا تلا هاتين الآيتين رفع يديه، وقال: إلهي أُمّتي أُمّتي، وبكى، فقال الله: يا جبرائيل اذهب إلى محمّد ـ وربّك أعلم ـ فَسَلْهُ ما يبكيك؟ فأتاه جبرائيل، وسأله فأخبره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بما قال، فقال الله: يا جبرائيل اذهب إلى محمد وقل له: إنّا سنُرضيك في أُمّتك)(1).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الصحيح: (ادّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي) (2).
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (واُعطيت الشفاعة) رواه البخاري(3).
وصحّ أيضاً عنه فيما أخرجه بإسناده عن عمران بن حصين، قال: (يخرج من النار بشفاعة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فيدخلون الجنّة، ويسمّون الجهنّمّيين)(4) إلى غير ذلك.
وقال الرازي في قوله تعالى: }وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ{ إجلالا له حيث أكرمه بوحيه، وجعله سفيراً بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فإنّ الله لا يردّ شفاعته، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى الغيبة ما ذكرناه(5).
أقول: ومثلها في الدلالة قوله: }الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ{ فإنّ هذه الآية نصّ صريح في المدّعى، ولا سيّما بقرينة ذكر الاستغفار الملازم لإسقاط العقاب وذكر }الذين آمنوا{ و}الذين تابوا{ إلى غير ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التفسير الكبير للرازي.
(2) مجمع الزوائد 7/5، مسند أحمد 2/313 و 3/20 بلفظ أخّرت، ولاحظ سنن ابن ماجة 2/1441، والترمذي 4/45، والحاكم في المستدرك 1/69 و 2/382.
(3) صحيح البخاري 1/113 و 211، وصحيح مسلم 2/63، وسنن النسائي 1/211، والدارمي 1/323، ومسند أحمد 4/434.
(4) صحيح البخاري 7/202 و 203 الرقاق، وصحيح مسلم 1/123 الإيمان، والترمذي 4/114، وسنن ابن ماجة 2/1443 الزهد، ومسند أحمد 4/434، وراجع مجمع الزوائد للهيثمي 10/379، وكنز العمال 14/408 و 506 و 513 و 541.
(5) التفسير الكبير للفخر الرازي.
والمناقشة فيها: بأنّ قيد التوبة واتّباع السبيل مما هي قرينة على ثبوت الشفاعة بالمعنى الخاصّ وصرفها عن عموم الدعوى لأنّ التائب والمتّبِع للسبيل لا يفتقران إلى الشفاعة بالمعنى العامّ.
مدفوعة: بالنقض بقيد المغفرة الظاهرة في معنى الحطّ والستر للذنب، وحلاّ: بأنّ القيدين هنا من باب ذكر بعض أفراد العامّ وأقسامه، فلا يُخصّص العامّ بها، وهذا ثابت في علم أُصول الفقه.
ثم يدلّ أيضاً على ثبوت الشفاعة للملائكة قوله تعالى في صفتهم في سورة الأنبياء: }وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى{.
ووجه الاستدلال: أنّ صاحب الكبيرة هو المرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده، وكلّ من صدق عليه أنّه المرتضى عند الله بهذا الوصف وجب أن يكون من أهل الشفاعة، فإنّ الاستثناء من النفي إثبات.
وإذا ثبت أنّ صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة، وجب دخوله في شفاعة الأنبياء وشفاعة نبيّنا محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)بعدم القول بالفصل.
(لا يقال:) إنّ صاحب الكبيرة فاسق، والفاسق ليس بمرتضىً بحسب فسقه وعصيانه.
لأنا نقول: قد تبيّن في العلوم المنطقية أنّ المهملتين لا تتناقضان، فالمرتضى بحسب إيمانه لا ينافيه عدمه بحسب فسقه.
وقال الرازي: اعلم أنّ هذه الآية أقوى الدلائل لنا في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر.
وتقريره: هو أنه من قال: «لا إلـهَ إلاّ الله» فقد ارتضاه في ذلك، ومتى صدق عليه أنّه ارتضاه الله في ذلك فقد صدق عليه أنّه ارتضاه الله، لأنّ المركّب متى صدق فقد صدق ـ لا محالة ـ كلّ واحد من أجزائه، وإذا ثبت أنّ الله قد ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية.
وقال في قوله تعالى: }فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ{، كما نرى في المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيّين.
ثم قال: احتجّ أصحابنا بمفهوم هذه الآية، وقالوا: إنّ تخصيص هؤلاء بأنّهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلّ على أنّ غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
وفي تفسير آخر: فما تنفعهم شفاعة الشافعين كما نفعت للموحّدين.
وقال في قوله تعالى: }عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّك مَقَاماً مَحْمُوداً{:
قال الواحدي: أجمع المفسّرون على أنّه مقام الشفاعة كما قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية (هو المقام الذي أشفع فيه لأُمّتي).
ثمّ أخذ في بيان وجوه الاستدلال بها، وتضعيف ما فسّره البعض بآرائهم.
ورواه أبو السعود في تفسيره عن أبي هريرة.
وقال في قوله تعالى: }وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى{: عن تفسير وكيع قال: ولسوف يُشفّعك، يا محمّد، يوم القيامة في جميع أهل بيتك وفي أُمّتك، وتدخلهم الجنّة ترضى بذلك عن ربّك.
وعن فردوس الديلمي قال: الشفعاء خمسة: القرآن والرحم والأمانة ونبيّكم وأهل بيت نبيكم.
والعلاّمة أبو السعود في تفسيره عن سعيد بن جبير قال: يدخل المؤمن الجنّة، فيقول: أين أبي وولدي؟ وأين زوجي؟ فيقال له: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: إنّي كنتُ أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنّة بشفاعته وسبق الوعد بالإدخال.
ثمّ قال في الجواب عن شبهة هؤلاء: والإدخال لا يستدعي حصول الموعود بلا توسّط شفاعة واستغفار، وعليه مبنى من قال: إنّ فائدة الاستغفار زيادة الكرامة والثواب، والأوّل هو الأولى، لأنّ الدعاء بالإدخال فيه صريح، وفي الثاني ضمنيّ، انتهى كلامه.
وعن بشر بن ذريح البصري، عن محمّد بن عليّ(عليهما السلام) في قوله تعالى:
}وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى{ قال: قال: (الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة).
وقال الرازي في هذه الآية: يعني به الشفاعة تعظيماً لنبيّه.
قال: عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وابن عبّاس: إنّ هذا لهو الشفاعة في الآية.
يروى أنّه لما نزلت الآية قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (إذن لا أرضى وواحد من أُمّتي في النار).
ثمّ قال: واعلم أنّ الحمل على الشفاعة متعيّن، ويدلّ عليهوجوه ذكرها هناك(1).
وفي «النهاية» لابن الأثير قال في ترجمة «وحا» من في حديث أنس: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي حتّى حكم وحاء)(2). قال: وهما قبيلتان جافيتان من وراء رمل يَبْرِيْنَ، ومثله قال في ترجمة «حَكَم».
وفي مرفوعة جابر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث له أنّه قال: (أنا سيّد ولد آدم ولا فخر، وفي ظلال الرحمن يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه ولا فخر، ما بال قوم يزعمون أنّ رحمي لا ينفع، بل حتّى يبلغ حانكم أنّي لأشفع فأُشفّع) الخبر إلى قوله: (حتّى إنّ إبليس ليتطاوَل طمعاً في الشفاعة)(3).
وعن عبدالله بن عبّاس عن النبيّ أنّه قال: ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئاً، إلاّ شفّعهم الله فيه(4).
إلى غير ذلك من الآيات والروايات في إثبات عموم الشفاعة بما ورد من أعيان علماء السُّنّة والجماعة ومفسّريهم، مالا يحتمله هذا المختصر، فليراجع المطوّلات.
[تمويه في إنكار الشفاعة]
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التفسير الكبير للرازي.
(2) انظر كنز العمال 14/412.
(3) مجمع الزوائد 10/376 و 380 عن الطبراني في الأوسط.
(4) مسلم 3/53، والترمذي 2/247، وابن ماجة 1/477، والنسائي 4/75، مسند أحمد 3/66 كلهم في الجنائز، وانظر كنز العمال 15/581، ومجمع الزوائد 5/292.
وبعدما أسلفناه وما سيأتي في معنى الاستشفاع بالأولياء، فلا يُصغى إلى شىء ممّا تكلّف به محمد بن عبد الوهّاب في رسالته من التمويه والمغالطة تبعاً لإمامَيْهِ ابن القيّم وابن تيميّة بقوله:
فإن قال: إنّ النبيّ أُعطي الشفاعة وأطلبه مما أعطاه الله.
فالجواب: إنّ الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا ; يعني به الشرك، وقال }فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً{.
فإن كنت تدعو الله أن يشفّعه فيك فأطعه في قوله: }فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً{.
وأيضاً فإنّ الشفاعة أعطاها غير النبيّ، فصحّ أنّ الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون أتقول: إنّ الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟! فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين.
أقول: إعلم أنّ موضع المغالطة من كلامه، هو أنّه زعم أنّ الشفاعة هي شفع الغير مع الله في المسألة والدعوة لقضاء الحوائج.
ولم يَدْرِ المسكين أنّ الشفاعة ـ كما مرّ تعريفها في صدر المقام ـ هو شفع الغير وضمّه مع المستشفع للذهاب إلى الله وتوجّههما معاً إليه سبحانه، ودعاؤنا الشفيع دعوته لذلك، لا ما توهّمه المغالط.
[ليست الشفاعة بشرك]
وبعدما ثبتت الشفاعة إجمالا وتفصيلا، كتاباً وسنةً، إجماعاً وعقلا، حيّاً كان الشفيع أو ميّتاً، فقد علم بالضرورة من الشريعة:
أنّها ليست بشرك.
وأنّ الاستشفاعات والتوسّلات لا تنافي شيئاً من التوحيد ولا الإخلاص.
وأنّ دعاء الصالحين والالتماس منهم إنّما هو لكي يدعو الله للعباد بالرحمة والمغفرة، فليس من الدعاء المنهيّ عنه .
وإنّما الدعاء المنهيّ عنه في قوله تعالى: }فَلاَ تَدْعوا مَعَ اللهِ أَحَداً{ هو أنّ العبد يقرن الصالحين بالله في دعائه، ويسألهما معاً في عرض واحد، وذلك بقرينة لفظ «مع»، وكما هو معنى الشرك والتشريك في العبادة، فإنّ الإشراك هنا وضع المعبوديّة في غير الله.
كما في قوله: }يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{.
وقوله تعالى عن إبليس: }إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ{.
قال الرازي: أي بإشراككم إيّاي مع الله في الطاعة.
وقوله تعالى عن موسى: }وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي{.
بجعله شريكاً له معه في النبوّة.
وأمّا إذا لم يكن سؤاله حقيقة إلاّ من الله، ولم يكن له النظر مستقلاّ إلاّ إليه تعالى دون غيره، فيدعو الله ويسأله بوجه نبيّه، فهذا ليس من الشرك في شىء.
يفصح منه لفظ الشرك المشتقّ من مادّة الإشراك بجعل الشريكين على نمط واحد.
فلو سأل العبد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يغفر له ذنبه، أو سأل النبيّ مع الله بقوله: يا ألله ويا نبيّ الله اغفرا لي ذنبي، كان ذلك شركاً منه.
وأمّا لو سأله أن يسأل الله غفران ذنبه، فهذا من غفران الذنب الموعود من الله بالشفاعة، والسؤال منه تعالى، لا من النبيّ.
وإنّما المسؤول من النبيّ التماس دعائه من الله تعالى ليسأله بوجهه.
[صور من الأدعية المأثورة]
وهذه دعواتنا المأثورة عن الأئمّة(عليهم السلام)، حيث نقول:
(اللّهمّ إن كانت الذنوب والخطايا قد أخلقت وجهي، فإنّي أسألك بوجه حبيبك محمّد).
وفي الدعاء عند النوافل الليليّة:
(اللّهمّ إنّي أتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأُقدّمهم بين يدي حوائجي في الدنيا والآخرة، فاجعلني بهم عندك وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين.
أللّهمّ ارحمني بهم، ولا تعذبّني بهم...) الدعاء.
فليس المراد بالاستغاثات والتوسّلات إلاّ طلب الدعاء من المستغاث، كما في قوله عزّوجلّ في القدسيّات: (يا موسى ادعُني بلسان لم تعصِني به، فقال: يا ربّ وأين ذلك؟ فقال: بلسان الغير).
وأيضاً، فإنّ بني إسرائيل قد دعوا الله بلسان نبيّهم في مواضع من القرآن ; حيث حكى الله عنهم في قوله تعالى: }لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعَام وَاحِد فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ {الآيات.
فأنِصفْ وراجع.
أين هذا من دعاء الغير أو شركة الغير مع الله في الدعاء؟!
سُبحانك إنْ هذا إلاّ بهتان عظيم.
وكيف كان، فقد عرفت أنّ الآيات والروايات لاتدلّ على النهي بشيء من ذلك كلّه، بل الآيات على خلافه كما عرفت.
[الاستشفاع بالأموات]
ثمّ، ومن أوهن المناقشات والشفاعات والتوسّلات، هو المناقشة في جوازها بعد موت الشفيع.
وذلك لثبوت جوازها مطلقاً ; من غير فرق بين النشآت.
بعد صريح عبارته في رسالته بشفاعة الملائكة والأولياء والأفراط.
وصريح الآيات بحياتهم المستقرّة بعد موتهم.
ومع اتّحاد المناط في الغايات.
وحكم العقل بحسن الواسطة من غير تخصيص ولا تبعيض.
وبالجملة: فقد أطنب الوهابيّة في شبهة العابد بالمعبود، وشبهة الزيارة بالعبادة ; حتّى صاروا بجمودهم وخضوعهم لشبهتهم هذه، كأنّهم آلة هدم الإسلام باسم الإسلام.
قد أوضحنا الجواب عن الأُولى.
[الزيارة والعبادة]
وأمّا الثانية: فأمّا قوله فيما نسجه:
«ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء التي لا يقدر عليها إلاّ الله...» إلى قوله: «وأمّا بعد موته ـ يعني به النبيّ ـ فحاشا إنّهم ما سألوه عند قبره، بل أنكر السلف...» إلى آخر كلماته.
فأقول:
وليت شعري ما هذا النكير؟!
وما قياس الأنبياء والشهداء ـ المصرّح بحياتهم المستقرّة في القرآن ـ بسائر الموتى؟!
وما معنى إضافة الاستغاثة إلى العبادة؟!
وما المانع من الاستغاثة عند قبور الأولياء؟!
وما المراد بقوله: «لا يقدر عليها إلاّ الله»؟!
وما هذا الخبط؟!
ثمّ وما هذا التحاشي والخلط ودعوى الإنكار ؟
أفعلى عمد تركوا كتاب الله ونبذوه وراء ظهورهم؟
فإن كان المانع منها هو شبهة الشرك، فقد عرفت فساده بما لا مزيد عليه.
وقد تقدّم أنّ الساعي لحاجة إخوانه عند باب مولاه لا يرتفع عن مقام العبودية بشيء.
فليست الشفاعة والاستشفاع إلاّ قسماً من الدعاء الشامل لجميع الناس، واختصاص الأولياء والخواصّ بها باعتبار قبولها.
وقد ورد في باب زيارة النبيّ ـ كما عن حُجّة الإسلام الغزالي ـ قال: «ثمّ ترجع وتقف عند رأس رسول الله ـ بين القبر والأُسطوانة اليوم ـ وتستقبل القبلة...» إلى قوله: «ثمّ تقول: (أللّهمّ إنّك قلت ـ وقولك الحقّ.. }وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ وَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحيماً{.
أللّهمّ إنّا قد سمعنا قولك، وأطعنا أمرك، وقصدنا نبيّك متشفّعين به إليك في ذنوبنا وما أثقل ظهورنا من أوزارنا، تائبين من زللنا)...» إلى قوله: (أللّهمّ لا تجعله آخر العهد من قبر نبيّك ومن حرمك يا أرحم الراحمين).
ومعاذ الله أن يرفع المسلمون أحداً من هؤلاء المَزُورين عن مقام العبوديّة، أو يذكرهم في الدعاء بغير الاستشفاع والتوسّل.
فأين وصمة الشرك؟!
ثم وما حديث التبعيض والتخصيص؟!
وهل ظفر المتكلّف بعد ما تقدّم في الشفاعات والتوسّلات بآية أو رواية تخصّص بها العمومات، أو تقيد بها المطلقات ؟
أو يناقض بها ما صرّح به من قبل بقوله: «فصحّ أنّ الملائكة يشفعون، والأوليآء يشفعون، والأفراط يشفعون» ؟ !
وليت شعري، فإن كان المناط في الشرك هو مجرّد التوسّل بالغير والاستشفاع به.
فهو الموجود عيناً في الآخرة، كما ورد أنّ الناس يسألونهم الشفاعة يوم القيامة، فيشفعون لهم عند الله، فيُشفَّعون فيهم.
وإذا كانت المسألة والتوسّل موجوداً في النشأتين، والمناط قائم في المقامين.
فمن أين جاءت هذه الخصوصية؟!
على أنّه يلزم منه أن يكون الباطل بما هو باطل ينقلب في الآخرة حقّاً، والحقّ بما هو حقّ يكون في الدنيا باطلا وشركاً.
وهذا هو التناقض البيّن وصريح الانقلاب المحال.
[المزورون أحياء في قبورهم]
وإن كان المانع منهما هو الموت فقد أثبت محكم القرآن حياتهم المستقرّة حياةً مخصوصة بهم، فيسمعون ويعقلون ويعرفون من يخاطبهم.
ولا غرو في الحياة بعد الموت مع الإقرار بعموم قدرته تعالى، فجاعل الروح في النطفة يضعها في التراب وحيث يشاء.
فلو كان خطاب الموتى ممّا يوجب عند الجاهل عبثاً، فلا يوجب كفراً وشركاً.
وبالجملة: فإطلاق الموت وخصوصيّة كيفيّة عود الأجسام المختصّة بالقيامة، ممّا لا ينافي شىء منها لحياتهم المستقرّة الثابتة لهم بعد الموت.
وعليه اعتقاد أعاظم المحققين من علماء السُّنّة والجماعة.
ويعاضده الأحاديث المعتبرة كما لا يخفى.
وكما في تفسير قوله تعالى: }واسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا{.
وكان الأُستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي شيخ الشافعي يقول: إنّ الأنبياء لا تبلى أجسادهم، ولا تأكل الأرض منهم شيئاً، ولقد التقى نبيّنا مع إبراهيم وموسى بن عمران.
وقال الرازي في قوله تعالى: }بَلْ أَحْيَاءٌ{:
«إنّهم في الوقت أحياء كان الله أحياهم لإيصال الثواب إليهم، وهذا قول أكثر
المفسّرين».
ثمّ أخذ يستدلّ على حياتهم المستقرّة بوجوه، سادسها: زيارة قبور الشهداء وتعظيمها انتهى.
على أنّهم يسمعون السلام، ويفهمون الكلام.
وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يبلغه صلوات المصلّين عليه، ويسمعهم، وهو يعلم بهم وبمقامهم، كما ورد في الصحاح:
منها: ما عن سنن أبي داود، رواه عن أبي هريرة قال: قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ السلام)(1).
وعن صحيح النسائي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إنّ لله ملائكة في الأرض يبلّغوني من أُمّتي السلام)(2).
وفي مرفوعة ابن عبّاس عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ... ـ إلى قوله ـ: فإنّ الله حرّم على الأرض لحوم الأنبياء)(3).
وفي حديث آخر صحّ عنه قال: (علمي بعد مماتي كعلمي في حياتي)(4).
وفي آخر قال: (إنّ الله وكّل ملَكاً يُسمعني أقوال الخلائق، يقوم على قبري، فلا يصلّي عليّ أحد إلاّ قال: يا محمّد إنّ فلان بن فلان يصلّي عليك، صلّوا عليّ حيثما كنتم، فإنّ صلاتكم تبلغني)(5).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السنن الكبرى للبيهقي 5/245 باب زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومجمع الزوائد للهيثمي 10/162 عن الطبراني في الأوسط، وكنز العمال 1/491 عن أبي داود.
(2) سنن النسائي 3/43 في نوع آخر من التشهّد.
(3) سنن النسائي 3/91، وسنن الدارمي 1/369، وسنن ابن ماجة 1/345 و 524، ومستدرك الحاكم 1/278 و 4/560، والسنن الكبرى للبيهقي 3/249، وكنز العمال 1/499 و 7/708.
(4) لم أجده، لكن في مجمع الزوائد 4/2: من حجّ، فزار قبري في مماتي كان كمن زارني في حياتي، رواه الطبراني في الكبير والأوسط.
(5) مجمع الزوائد 10/162 عن الطبراني في الكبير والأوسط، وكنز العمال 1/494 عن الفردوس.
كما في المرويّ عن الدار قطني في السنن عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي)(1).
وعن ابن عمر ـ مرفوعاً عنه ـ أنّه قال: (من جاءني زائراً ليس له حاجة إلاّ زيارتي، كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)(2).
وفي آخر: (من زارني كنت له شهيداً أو شفيعاً).
ثمّ إنّ هؤلاء المزورين من الأولياء والصالحين، إن هم إلاّ عباد الله الذين تشرّفوا بطاعتهم وعبادتهم وتوحيدهم له جلّ شأنه، ولهم التقدّم بسابقتهم في الإسلام، واجتهادهم في الدين.
وقد ورد في الشريعة المطهّرة والسُّنّة النبويّة من الرجحان في زيارة سائر المؤمنين من أهل القبور والتسليم عليهم، فكيف بهؤلاء؟!
وهل يكون التسليم على مثل هؤلاء الصالحين شِركاً وقد سلّم الله ـ عزّوجلّ ـ في كتابه على آحاد من الأنبياء والمرسلين، فقال: }سَلاَمٌ عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَ هَرُونَ{.
وقد سلّم على يحيى وإلْياسين، وصلّى على الصابرين من المؤمنين، وأمر رسوله بالسلام عليهم.
وأوجب على المسلمين كافّة أن يُخاطبوا نبيّهم في كلّ يوم خمس مرّات إلى يوم القيامة بالصلوات عليه فيقولوا: (السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته).
وفرض السلام على عباد الله الصالحين من جميع المؤمنين السالفين منهم واللاحقين.
وأن لا يتمّ لأحد صلاته إلاّ بالصلوات على نبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) الطاهرين. ولَنِعْم ما قال الشافعي، كما روى عنه ابن حجر في «الصواعق»:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الزوائد 4/2 عن البزار.
(2) مجمع الزوائد 4/2 عن الطبراني في الكبير والأوسط.
يا آل بيتِ رسول الله حبُّكُمُ فرضٌ من الله في القرآنِ أنزلَهُ
كفاكُمُ من عظيم الفخرِ أنّكُمُ من لا يصلّي عليكم لا صلاةَ لَهُ
[دفاع الآلوسي]
وأمّا ما ذكره ابن الآلوسي البغدادي فيما رّوج به أمر الوهابيين من «تاريخ نجد» ـ في صفحة 48 ـ قال:
والذي اعتقدوه في النبيّ أنّ رتبته أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنّه حيّ مرزوق في قبره حياة مستقرّة أبلغ من [حياة] الشهداء المنصوص عليها في التنزيل ; إذ هو أفضل منهم، وأنّه يسمع سلام من يسلّم عليه، وأنّه تسنّ زيارته غير أنّه لا تُشدّ إليه الرحال.
ففيه أوّلا: أنّ صراحة الآيات الُمحكمة في التنزيل، كما تراها ممّا تعمّ النبيّ وغيره من الشهداء والأولياء ممّن قُتل في سبيل الله، فلا اختصاص لها بالنبيّ، وإلاّ لأفرده الله بالذكر دونهم.
وإذا كان كذلك فيتبعها لا محالة آثارها ولوازمها، من السلام والدعاء والتوسّل، كما في حياتهم.
وثانياً: أنّ المراد من الحياة الثابتة لهم بقوله تعالى: }بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ{ إنّما هو الأكمل والأبلغ من الحياة البرزخيّة الثابتة لعموم الموتى، وذلك لوجهين:
الأوّل: تخصيص الشهداء بالذكر هنا دونهم.
والثاني: إفراد سائر الموتى بالذكر في آية أُخرى، لقوله تعالى فيهم: }وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً{.
وقال في حياة الكفّار منهم: }أَلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً{ ; وذلك لأنّ
حياة القيامة ليس فيها بُكرة ولا عشيّ. هذا مع رعاية الأفضليّة.
وفي المعتبرة أنّه لما سُئل النبيّ عن تكلّم الموتى، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) (نعم إنّهم يتزاورون).
وشواهد المقام لا تُحصى.
فقد ظهر فساد قوله في رسالته: ونحن أنكرنا الاستغاثة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، التي لا يقدر عليها إلاّ الله.
فإنّك بعدما عرفت النصوص الصريحة من القرآن، مع تصريح هؤلاء الوهّابيين واعترافهم للأولياء والصالحين بحياتهم المستقرّة، وأنّهم فيها مرزوقون منعّمون، فرحون مستبشرون، متزاورون، ولمن حيّاهم بتحيّة، أو سألهم مسألة سامعون، وبهم عارفون، وإلى الله متضرّعون سائلون، فقد اعترفوا بالمقدور.
وأمّا رفع الحاجة والسؤال في كلّ حال من الأحوال إلى الله القادر على كلّ شىء فممّا ليس فيه إشكال.
[السنة والسيرة في زيارة القبور]
وأما شدّة إنكارهم لزيارة القبور والوقوف عليها والدعاء لديها.
فالجواب عنه فضلا عمّا عرفت: هو البيان بدليل القرآن وجميع المأثور في زيارة القبور وما ورد في فضلها، وأنها من السُّنّة، وما ورد من الأعمال والأدعية هناك.
فضلا عن سيرة رسول الله في زيارته شهداء أُحد، وحضوره لزيارة مقابر البقيع، ووقوفه عليها في الترحيم والتسليم، وأمره وحثّه وترغيبه وتقريره عليها.
كما ورد قوله: (كنتُ قد نهيتُكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنّها تذكّركم الآخرة)(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنن النسائي 4/90 و 7/235، وفي مسلم 3/65 وفيه: تذكّر الموت، وكذا ابن ماجة 1/501، ومستدرك الحاكم 1/375، والسنن الكبرى للبيهقي 4/76، وعقد البيهقي باباً لخصوص زيارة القبور في البقيع فلاحظ 5/249، ولاحظ مجمع الزوائد 3/58 و 4/26، وكنز العمال 5/108 و 377 و 859، وانظر 15/646 وما بعدها.
وفي المروي عن الحاكم عن أبي ذر قوله: (زر القبور تذكر بها الآخرة)، ومثله المرويّ عن أبي هريرة فيما سيأتي بيانه.
وقد روى حجّة الإسلام الغزالي في الإحياء عن ابن أبي مليكة، قال: «أقبلت عائشة يوماً من المقابر، فقلت: يا أُمّ المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبدالرحمن. فقلت: أليس كان رسول الله نهى عنها؟ قالت: نعم، ثمّ أمر بها».
والسرّ في النهي الأوّل: أنه كان ذلك بدوَ الإسلام، وفي زيارة القبور وتذكار الموتى كان باعثاً على الجبن عن الجهاد، حتّى إذا قوي الإسلام أمرهم بها.
ومثله غير عزيز.
وقد سُئل عليّ(عليه السلام) في الخضاب عن قول النبيّ (غيّروا الشيب، ولا تشبّهوا باليهود) فقال: (إنّما قال(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك والدين قلّ، فأما الآن وقد اتّسع نطاقه، وضرب بجرانه، فامرؤ وما اختار).
وفي الإحياء عن ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (زوروا موتاكم، وسلّموا عليهم، فإن لكم فيهم عبرة).
وفيه عن نافع، عن ابن عمر: أنّه كان لا يمرّ بقبر أحد إلاّ وقف عليه، وسلّم عليه.
وكانت فاطمة بنت النبيّ تزور قبر عمّها حمزة في الأيّام، فتصلّي وتبكي عنده.
وفيه: قال قال النبيّ: (من زار قبر أبويه أو أحدهما في كلّ جمعة غُفر له وكُتب بَرّاً).
وقال: قال رسول الله: (ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلاّ استأنس
به وردّ عليه روحه حتى يقوم).
وقال: قال سليمان بن سحيم: «رأيت رسول الله في النوم قلنا: يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك يُسلّمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال: نعم وأردّ عليهم».
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة الواردة عن آل محمد وحثّهم على زيارة الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام).
[ابن تيمية يعترف بمشروعية الزيارة]
وقال أحمد بن تيميّة في رسالته التي عملها في «مناسك الحج»(1): «فالزيارة الشرعية المقصود بها السلام على الميّت والدعاء له، كما يقصد بالصلاة على جنازته، فزيارته بعد موته من جنس الصلاة عليه، فالسنّة أن يسلّم على الميّت، ويدعو له ; سواء كان نبيّاً أو غير نبيّ، وكما كان النبيّ يأمر أصحابه إذا زار القبور أن يقول أحدهم: السلام عليكم أهل الديار... إلى آخر الزيارة.
قال: وهكذا يقول إذا زار أهل البقيع ومن به من الصحابة.
وفي المنقول عن كتاب له في فتاواه (مسألة 22)(2) قال: «لو سافر إلى المسجد النبوي، ثم ذهب معه إلى قبا، فهذا يستحبّ، كما يستحبّ زيارة أهل البقيع وشهداء أُحد» انتهى كلامه.
وأما الدعاء عندها فلقو له تعالى: }وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ{.
حيث ذكر المفسّرون ـ كأبي السعود والإمام الرازي وغيرهم من أعاظم المفسّرين ـ: أنّ النبيّ كان من عادته إذا دُفن الميّت، وقف على قبره ساعة، ودعا له.
ففي الآية دلالة على أنّ القيام على القبور للدعاء عبادة مشروعة، ولولا ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صفحة 392.
(2) ص186.
لم يخصّ بالنهي عن الكافر.
[إسلام السلفية والوهابية]
وبها استدلّ أيضاً شيخ الوهّابية ومؤسّس ديانتهم أحمد بن تيمية فيما نقل عنه من كتاب له في فتاواه (في جواب مسألة 518)(1) قال:
«فأمّا الزيارة الشرعية فهي من جنس الصلاة على الميّت ; يقصد بها الدعاء للميّت، كما يقصد بالصلاة عليه، كما قال الله في حقّ المنافقين }وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ{ فلمّا نهى عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم، دلّ ذلك بطريق مفهوم الخطاب وعلّة الحكم على أنّ ذلك مشروع في حقّ المؤمنين.
والقيام على قبره بعد الدفن هو من جنس الصلاة عليه قبل الدفن ; يُراد به الدعاء له.
وهذا هو الذي نطقت به السُّنّة، واستحبّه السلف عند زيارة قبور الأنبياء والصالحين».
انتهى كلامه على غلوّهم فيه وغلوّه في تحريم إتيان القبور والوقوف عليها والدعاء لديها وقراءة القرآن عندها.
وقد أورد الغزالي أيضا في «الإحياء» عن محمد بن أحمد المروزي، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر، فإنه يصل إليهم...
إلى غير ذلك.
وبالجملة: فإذا كان الأمر كذلك.
فما معنى تخصيص جواز زيارة القبور بالنبيّ خاصّة دون غيره.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلد 4 ص306.
وما خصوصية الحاضر دون السفر إليه وشدّ الرحل نحوه؟!
أليس هذا هو التقوّل بالغيب والفتوى في دين الله بالريب؟!
هذا، وأصالة الجواز فيما لم يرد فيه النهي كما تراها في الكّل محكّمة، وليست بمخصّصة، وعلى مدّعيه الإثبات، ودونه خرط القتاد.
أوليس قد صحّ ما ورد عن الغزالي عن النبي أنه قال: (من وجد سعة ولم يغدُ إليّ فقد جفاني).
فإنّ وجدان السعة إنما هو يصح للمسافر الذي يشدّ الرحل إليه.
[حديث لا تشدّ الرحال...]
ومن العجب تمسّكهم في ذلك بحديث: (لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد) المروي عن أبي هريرة.
مع أنّ ذكر المساجد في المستثنى بعد تسليم الحديث وصحّته، دليل على أنّ المستثنى منه هو خصوص المساجد، لا مطلق السفر ; أي لا تُشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد، فيكون الحديث ناظراً إلى الأمر بشدّ الرحال إلى المساجد المعظّمة لإدراك جمعتها وجماعتها، وليس المراد النهي عن مطلق شدّ الرحل، وإلاّ لزم تخصيص الأكثر إذ لو أُخذ بعمومه لانتقض بمطلق الأسفار المباحة والمندوبة والواجبة، مع وجوب شدّ الرحل إليها، فليكن منها شدّ الرحال إلى المشاهد المشرّفة والبيوت التي أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسم الله، ولتعظيم شعائر الله.
فإن قالوا هناك بالتخصيص قلنا فيها أيضاً، وإن قالوا بالتخصّص فكذلك قلنا فيها.
[المؤلّفات في جواز الزيارات]
هذا مع ما روى بعض أجلّة الأعلام بما شاهد ممّا أُلّف وصُنِّف في هذا المقام.
فمنها: كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام»، «شنّ الغارة على من أنكر فضل الزيارة) تأليف قاضي قضاة المسلمين في القرن الثامن، الشيخ الحافظ تقي الدين أبي الحسن السبكي، المطبوع بمصر ـ القاهرة، المرتّب على أبواب في إثبات حياة الأنبياء والشفاعة وفضل الزيارة والسفر إليها ومسنونيتها، وأنها من القربة، وأبواب في الاستغاثات والتوسّلات.
ومنها: «الجوهر المنظّم في زيارة قبر النبي المكرّم» تأليف أحمد بن حجر الشافعي كذلك...
إلى غير ذلك من المؤلفات.
[تناقض التصرّفات]
وأما قوله فيما اعترف به من حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه يسمع سلام من يسلّم عليه»، فهذا كلام من ينقض فعلُهُ قولَهُ، ولا يعتقد بشيء مما يتفوّه به.
وإلاّ، فلِمَ لم يُراعوا بالأمس حرمته في حرمه وضريحه، وقاتلوا وقتلوا من المسلمين حول حرمه وحماه ; ممّن يستغيث برسول الله ; وذلك بمراءىً منه ومسمع فيسمعه إغاثته بقوله: وا محمّداه !(1)
والناس إلى اليوم يُضربون على قول: «يا رسول الله» ! ؟
[لا فرق بين حياة الرسول وموته في تعظيمه]
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد انتشر نبأ قتل الوهابية للمسلمين اللاجئين بحرم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع كتب التاريخ، فراجع.
وأيضاً ما يرون هؤلاء في قول الله }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ{، وكذا قوله تعالى: }لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ{ الآية.
هل هي من الأحكام الباقية إلى القيامة أم لا؟
فإن قالوا: لا، فقد كذبوا وخالفوا كتاب الله والسيرة المستمّرة وإجماع الأُمّة.
وإلاّ فليخبرونا ما الوجه في ذلك ؟
ولْيذعنوا أنها ليس إلاّ لحياته ولمعاملة الأُمّة معه معاملة الأحياء.
والعجب ممّن يظهر التحاشي، وينكر إنكار السلف على من قصد دعاء الله عند القبر، وقد شاع ما ورد في الكتب المعتبرة من فعل أعاظم الصحابة، من الشيخين وغيرهما إلى زمان التابعين والخلفاء.
ولم يزالوا خلفاً عن سلف يتشرّفون بزيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتبرّكون بحرمه وتقبيل قبره ومنبره من خارج الحرم، بعدما كانوايدخلون عليه في بُرهة من الزمان، وفي الحجرة عائشة ليس بينها وبين القبر إلاّ حائل من ستر أو بناء من جدار.
ثمّ بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حول القبر، وبقي كذلك إلى أن بنوا جدارين من ركني القبر الشماليّين، وحرّفوهما حتّى التقيا ; لئلاّ يتمكّن أحد من استقبال القبر.
هذا ولم تزل الحجرة مزاراً للمؤمنين معاذاً للاّئذين.
ومن أحاط خبراً بتاريخ السلف وترجمة أحوال مهاجري الصحابة علم أنّهم كانوا كثيراً ما يقصدون المدينة لإدراك زيارة الحجرة المنوّرة.
ولولا خوف الإطالة لأتيتُ على ذكرهم ولملأتُ هذا الكرّاس من تراجمهم.
هذا، ولم ينكر عليهم لا الشيخان ولا كبار الصحابة بشيء.
وهذا أمير المؤمنين علي(عليه السلام) أتى بعد موت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ووقف على قبره الشريف، وخاطبه بقوله: (طبت حيّاً، وطبت ميّتاً... إلى قوله: بأبي أنت وأُمّي اذكرنا
عند ربك، واجعلنا من بالك وهمّك...) إلى آخر كلماته.
ووقف أيضاً يوم دفنه فاطمةَ (عليها السلام) على قبره، وخاطبه بقوله: (السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة بفنائك، البائتة في الثرى ببقعتك. قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري، وعفا عن سيّدة نساء العالمين تجلّدي...) إلى آخر كلماته.
وهذا الحسين بن علي(عليهما السلام) سبطه وفرخه ; لما أراد المسير إلى العراق، أتى قبر جدّه وضريحه ثلاثة أيّام، زائراً مودّعاً داعياً مصلّياً، سائلا منه التكليف لأمره وحرمه وصحبه ; مخاطباً إيّاه بقوله: (يا جدّاه أنا الحسين بن فاطمة، فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلّفته في أُمّتك).
هل ترون أنّه كان بذلك مخاطباً للأموات ؟
أم كان يسأله من أمره وتكليفه ؟
ولم يزل حتّى أجابه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (اُخرج إلى العراق، فإنّ الله شاء أن يراك قتيلا...) إلى آخر ما أجابه من أمر حرمه وعيالاته.
وبالجملة: فإن كان المراد من النكير مجرّد الزيارة للقبور والتبرّك بها والصلوات والدعاء عندها، فقد عرفت أنه أمر راجح مسنون، وستعرف الأمر بها في العمومات من الآيات والقرآن العظيم، فانتظر المقام الثالث.
وإن أراد من ذلك عبادتها واتّخاذها ـ معاذ الله ـ آلهة تُعبد من دون الله، فحاشا، ثمّ حاشا من ذلك.
حيث لم نَرَ ولم نشهد ولم نسمع أنّ أحداً من المسلمين اعتقد بشيء من ذلك، أو خطر بباله، فكيف بالشيعة الإماميّة، وهم أوّل الموحّدين، وأحوطهم في تقديس الله ربّ العالمين، وأدقّهم في تقديسه ومعرفته(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ ورثوا وأخذوا علومهم ومعارفهم عن مهابط الوحي والتنزيل؟!
فما معنى إنكار التبرّك بالقبور وزيارتها وتعاهدها، وبناء القِباب عليها والوقوف عندها؟!
وأيّ وجه للرمي بأنّها وسيلة للشرك؟!
وقد علمت أنّه ليس ذلك إلاّ للغايات الدينية، حفظاً لآثارهم وقبورهم الكريمة، وصيانة عن الاندراس والانطماس وفوات انتفاع المؤمنين بزيارتهم، والإسراج بها لتلاوة القرآن وذكر الله عندها.
أو ما تقدّم أنّ العبادة ليست مطلق الخضوع، وإلاّ لكان الوهّابيّون الخاضعون لشهواتهم العابدون لأهوائهم في معاصيهم كفّاراً.
وإنّما العبادة هي الخضوع الخاصّ المقرون بالإخلاص عند أمر الله الواجب العظيم لذاته.
[تعظيم ما أمر الله، هو من عبادة الله وطاعته]
على أنّ تعظيم المأمور به لتعظيم أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ إنّما هو في الحقيقة عبادة الله وتعظيمه تعالى ; من غير فرق بين أن يكون ذلك المأمور به إنساناً أو حجراً أو مدراً أو غيرها، كالأمر بالسجود لآدم فإنّه كان تعظيماً لأمر الله تعالى وعبادة له، كما أنّه كان للملائكة امتحاناً، ولآدم تشريفاً، فإنّ الغايات تتعدّد بالاعتبارات.
وكذلك أمر الشارع بفرض الطواف على أحجار البيت، وتقبيل الحجر الأسود واستلام الأركان والتزام المستجار.
وإلاّ لكان الأمر بجميع ذلك أمراً بالشرك.
فمن تبّرك بشيء لأمر الله، كان في الحقيقة عبادة الآمر به.
وهذا عبدالله بن أحمد بن حنبل ـ كما هو المروي عن كتاب «العلل والسؤالات» ـ قال: سألتُ أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول الله، ويتبّرك بمسّه وتقبيله، ويفعل بالقبر ذلك رجاء ثواب الله.
فقال: لا بأس به.
فالتواضع والتبرّك والإكرام والاحترام لما هو معظَّم عند الله، إنّما هو من تعظيم الله.
كما أنّ تعظيم بيوته ومساجده وقرآنه، بل والجلد والغلاف منه، إنّما هو لانتسابها إلى الله.
فمن قبّل الحجر الأسود أو عظّم البيت أو استلم الأركان أو وجد شيئاً من آيات القرآن وكلماته ملقىً مهاناً، فبادر إليها برفعها وتعظيمها وتقبيلها، فإنّما قبّل آيات الله وعظّم شعائر الله وتبّرك بآثار ربّه أينما وجدها وحيثما رآها.
فلها منزل على كلّ أرض وعلى كلّ دِمْنةِ آثارُ
ونعم ما قال العامري:
أمرّ على الديارِ ديارِ ليلى أُقبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حبُّ الديارِ شَغفْنَ قلبي ولكنْ حبُّ مَنْ سَكَن الديارا
كلا، وليس استلام الحجر إلاّ لاستحضار [معنى] المبايعة لله على طاعته، والتصميم من المكلف لعزيمته على الوفاء ببيعته }وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً{.
ولذلك قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (الحجر الأسود يمين الله في الأرض ; يصافح بها خلقه، كما يصافح الرجل أخاه).
ولـمّا قبّله عمر، قال: «لأعلم إنّك حجر ; لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبّلك لما قبّلتك»(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحديث إلى هنا في صحيح البخاري 2/160، ومسلم 4/66، سنن النسائي 5/227، ولاحظ التخريج التالي.
فقال عليّ: (يا عمرُ مَهْ بل يضرّ وينفع، فإنّ الله سبحانه أخذ الميثاق على بني آدم حيث يقول: }وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ{ الآية، القمه هذا الحجر ليكون شاهداً عليهم بأداء أمانتهم، وذلك معنى قول الإنسان عند استلامه: (أمانتي أدّيتها، وميثاقي تعاهدته ; لتشهد لي عند ربّك بالموافاة)(1).
وكذلك التعلّق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم، إنّما هو لاستحضار طلب القرب من الله حبّاً لله، وشوقاً إلى لقائه، وتبرّكاً بالمماسّة، والإلحاح في طلب الرحمة.
وهكذا أسرار السعي والهرولة بين الصفا والمروة والوقوفين والرمي والهدي...
إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية، فإنّ لكلٍّ منها أسراراً إلهيّة وحكماً ومصالح روحية، كما هي المروية عن أهل بيت العصمة.
والمسكين المحروم منها هو الجامد على الظواهر، القاصر عن إدراكها.
[زيارة القبور سنّة نبويّة وغايتها]
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أورد جواب علي(عليه السلام) لعمر، الحاكم في المستدرك على الصحيحين 1/458 وفي آخره:
فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لستَ فيهم، يا أبا حسن.وأورده في كنزالعمّال (5/177) رقم 12521 عن ابن الجنديّ في فضائل مكة وأبي الحسن القطّان في الطوالات والمستدرك وعبد الرزّاق في الجامع . أقول : ونقله الأميني فى الغدير (6/103) وفى الطبعة الحديثة (6/148-149) عن الجامع الكبير للسيوطي كما في ترتيبه (3/35) وأضاف : تاريخ عمر لابن الجوزي(106) وفي طبعة (115) وإرشاد الساري للقسطلاني(3/195) وفي طبعة (4/135)ح 1597 وعمدة القاري للعيني (4/606) وفي طبعة (9/240) والأزرقي في أخبار مكّة (1/323) والإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان (9/130) ح 3821 و3822 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(3/122) وفي طبعة (12/100)الخطبة 223 والفتوحات الإسلاميّة لأحمد زيني دحلان (2/486) وفي طبعة (2/318) .
وكما أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المشرّع لزيارة قبور المؤمنين المُسِنّ لها ; بتعاهدها والوقوف لديها والدعاء عندها، فقد أشار إلى بعض غاياتها ومصالحها فيما تقدّم من الصحيح بقوله: (ألا فزوروها، فإنها تذكّركم الآخرة).
وفي حديث آخر المروي عن الحاكم عن أبي ذر: (زر القبور تذكر بها الآخرة).
وما رواه الغزالي عن ابن أبي مليكة قال: (زوروا موتاكم وسلّموا عليهم، فإنّ لكم فيهم عبرة).
إلى غير ذلك من الغايات.
وذلك لأن الحضور عند المزور إنّما يمثّل للزائر شخصيات المزور بجوامع مآثره ومجامع صفاته وآثاره، ولا سيّما إذا كان المزور من أكابر الأولياء والشهداء ; ممّن له في الإسلام ـ لهمّته وسابقته وعلمه وزهده وفتاواه ـ مقامات تاريخية ومواقف كريمة ومزايا عظيمة.
فتُلقي الزيارة على الزائرين ـ حينئذ ـ أبحاثاً جليّة، علميّة مبدئيّة مَعاديّة أخلاقيّة اجتماعيّة، يعتبر بها حسبما يتجلّى له من الحكم والمصالح العائدة إلى النفس التي لا ينبغي تفويتها، ويجب على الشارع الرؤوف الرحيم الحريص على تربية الأُمّة التنبيه عليها.
فالظاهريّة بجمودهم غَلَوا وأفرطوا فقتلوا حقائق الديانة، كغُلُوّ الباطنية في تفريطهم واعتبارهم القشريّة لظواهر الكتاب والسُّنّة.
فكأنّ الفريقين تظاهرا على قتل الشريعة ظهراً وبطناً.
مع أنّ الأحرى لهم التحرّي إلى التوسّط والاعتدال، وسلوكهم في الدين مسلك النبيّ محمّد والآل.
[بناء المشاهد والمزارات عمل شرعيّ]
ثمّ بعدما عرفت الغايات الدينية لبناء القباب وزيارتها وتعاهدها، فلا يخفى عليك أنه ليس في بناء القباب وتعليتها تجديداً للقبر، وإنّما هو وضع علامة عليها بعيدة عنها ; لتكون كما عرفت دلالة وعَلَماً على المزور، وحفظاً لبقاء الآثار، وتوصّلا لزيارة الأطهار، وإرغاماً لغير المسلمين من الكفّار، وتعظيماً لشعائر الله المندوب إليها بالرفع والتشييد، ومعاونة على البّر لزوّارهم، واستكثاراً لتلاوة القرآن وذكر الله لديهم، وإهداء ثوابها لهم وإليهم.
كلّ هذا تقرّباً بالمسنونات، وأداء لحقّ سابقتهم في الإسلام، ووقاية للزائرين من الحرّ والبرد.
أو ليسوا من كبار الصحابة والتابعين ودعائم الدين وأئمّة المسلمين ؟ ؟
ومن الواضح غير الخفيّ أنّ التعظيم ليس لقبورهم بما هي حفرة وتراب، بل إنّما هو لذلك الشأن العظيم لهم في الإسلام.
أو ليس عمر أوّل من بنى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وسوّاه باللبن ؟ !
واقتدى به بعده الخلفاء خلفاً عن سلف من تسقيفه وعمارة ما حوله؟!
كما بنى عثمان المسجد بعد ذلك بالحجارة المنقوشة إلى أن بنوه بأحسن بناء.
أو ما كان قصد عمر والخلفاء من بعده هو التعظيم لشعائر الله.
أو هل قصد عمر بفعله هذا عبادة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعله وسيلة للشرك بربّه، حاشاه؟!
هذا، ولم يكن وضع القباب على القبور حادثاً في هذه القرون، بل كان ثابتاً في القرون السالفة من قبل الهجرة إلى أعصار الصحابة والتابعين والخلفاء الراشدين.
كما يظهر من تراجم الماضين وأحوالهم في الكتب المعتبرة، وأنّ للمعتبر بها وبالآثار الباقية منها لعبرة.
فمنها قبر إبراهيم الخليل بفلسطين، وقبور سائر الأنبياء السالفين ببيت المقدس.
وبمكّة في الحجر قبر إسماعيل وأُمّه هاجر، وفي تستر قبر دانيال... إلى غيرها من القبور وقبابها في أقطار العالم.
وكذلك تعلية القبور في الإسلام، فهذا «صحيح البخاري» فيما رواه عن خارجة بن زيد قال رأيتني ونحن شبّان في زمن عثمان، وإنّ أشدّنا وثبةً الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه.
وقال: قال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمّه يزيد بن ثابت قال: إنّما كره ذلك لمن أحدث عليه.
وقال نافع: كان ابن عمر يجلس على القبر. وفيه أيضاً بإسناده إلى أبي بكر بن عباس عن سفيان التمار: أنه حدّثه: أنه رأى قبر النبيّ مسنَّماً.
وهذا التاريخ يعلن بقبر العباس بن عبد المطلب عمّ النبيّ وبناء القبّة عليه، الباقية إلى أواخر القرن الأول، كما عن ابن خلّكان.
وقد كان ينبغي لهم الأُسوة بإمضاء الشيخين وبقيّة الخلفاء.
أو ليس إبقاء هذه الآثار في عصرهم ـ مع قدرتهم وسلطنتهم على تلك الأقطار والديار ـ إمضاءً منهم وتقريراً لهم، وهي السُّنّة الباقية منهم؟!
أو ليس النكير عليهم ومخالفتهم وترك سنّتهم بدعة وضلالة؟!
والحاصل: أنّ حرمة موتى المؤمنين وقبورهم مما ثبت شرعاً.
وقد صحّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (حرمة المؤمن ميّتاً كحرمته حيّاً).
وضرورة المسلمين بل الملّيّين، بل وجبلّة البشر على زيارة قبور موتاهم وتعاهدها.
فضلا عمّا ورد في الشريعة من وجوب احترام موتى المسلمين، كالآمرة بوجوب تغسيلهم وتكفينهم وتطييبهم، والرفق بهم، ودفنهم ومواراتهم.
وحرمة إهانتهم بجسارة أو بجناية، أو بمثلة بأجسادهم، وهتك لقبورهم.
كما ورد في مناهي النبيّ: من كراهة الجلوس على قبر المؤمن ووطئه بإهانة.
وحرمة سبّ الموتى، كما في البخاري في باب «ما ينهى عنها سبّ الاموات».
ففي المعتبرة أيضاً قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) (من وطىء قبراً فكأنما وطىء جمراً).
وفيما أخرجه النووي في «الكنوز»(1) عن الديلمي: (إياكم والبول في المقابر، فإنه يورث البرص).
وروى الرازي في تفسيره الكبير عن «الكشّاف» في حديث طويل، رواه عند قوله تعالى }قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى{ إلى قوله: (ألا ومن مات على حُبِّ آلِ مُحمّد فُتح في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزاراً لملائكة الرحمة).
هذا كلّه في قبور سائر الموتى.
فكيف إذا كان الميّت نبيّاً أو وصيّاً أو وليّاً أو أحداً من الصالحين؟؟
[كرامات الأولياء من قبورهم]
وحسبك ما يظهر منها من الكرامات وخوارق العادات، المشهودة المشهورة في كلّ عصر، ما يفتح أبواب معرفة الله الواهب لآثار صنعه، وعجائب قدرته
وبركاته لأوليائه.وهذا هو الإمام الشافعي في المرويّ عن الشيخ في «اللمعات» حيث قال: «إنّ قبر الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) تِرياق مجرّب للإجابة»(2).
وبالجملة: فمن المغالطة الواضحة والافتراء العظيم نسبة هؤلاء الزائرين في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في 52.
(2) لم أجده، ولكن روى الذهبي في سير أعلام النبلاء 9/343 عن إبراهيم الحربي، قوله في قبر معروف الكرخي: إنه الترياق المجرّب.
إقامة الصلوات والدعوات وقراءة القرآن والآيات في المشاهد المشرّفة والمقامات المتبرّكة، إلى عبادتها ! !
وإنّما هو البهتان العظيم والإفك الكبير.
فليت شعري متى خصّ الله هؤلاء المفترين بعلم الغيب؟!
وكيف اطّلعوا على سرائر العباد وضمائرهم؟!
ومن أين وقفوا على نيّاتهم؟!
أو ما علموا ودَرَوا أنّ لمكان المصلّي دخلا في الراجحية والمرجوحية من حيث الخِسّة والشرافة؟
أو مانهى النبيّ عن الصلاة في المزابل والمذابح ومبارك الإبل ومرابط الخيل وقُرى النمل والأراضي السبخة وبيت فيه المسكر والطرق والشوارع؟!
أو ليس لله أن يفضّل الناس بعضهم على بعض ؟
كما فضّل الرسل، وقال: }وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعض{.
وَفضّل بعض الناس على بعض، فقال: }وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض{.
وفضّل الرجال على النساء، فقال: }أَلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ{.
أوَ ما شرّف الله بقعة على بقعة كما شرّف المساجد أيضاً على البقاع، وكما شرّف المساجد الأربع على سائر المساجد، وشرّف المسجدين على غيرهما؟!
أوَ لم يرد في الأحاديث: أنّ الأعمال يتضاعف أجرها لشرف المكان أو الزمان؟!
أوَ لم يفضّل الله الأشهر الحُرُم على سائر الشهور، وفضّل شهر رمضان عليها؟!
أوَما صحّ أنّ النبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب خطبته التي خطبها آخر جمعة من شعبان في فضيلة شهر رمضان، ومنها قوله(صلى الله عليه وآله وسلم)فيها: (شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات...) إلى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من أدّى فيه فرضاً كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور،
ومن قرأ فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور) الخطبة.
وبالجملة: فقد شرّف الله بعض الأحجار على بعض، والمقامات بعضها على بعض، كما شرّف أحجار البيت والحرم والحجر الأسود وزمزم وركن الحطيم ومقام إبراهيم، فقال: }وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً{ أو ليست هي إلاّ صخرة عليها أثر قدم إبراهيم الخليل، وفيه قبر إسماعيل؟!
أوَ ما قرأت قوله تعالى: }قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً {حيث أمضى الله سبحانه فعلهم، وهم المؤمنون، وعليه المفسّرون ؟
وهذا وجه رغبة الشيخين في دفنهما مع الرسول في الروضة المنوّرة وجواره الشريف ; تبرّكاً بحرمته وشرفه وبركته.
وكذلك حكم العقل في حرمة حرمه وقبره.
فإنّ حرمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لا تذهب بعد موته ضياعاً.
أفهل كان رغبتهما في الدفن عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ التبرّك بعظمته وتعظيماً لمضجعه بجميع مراتب التعظيم؟!
ومن ذلك رغبة عائشة، وادّخارها مكان القبر لها لكنّها آثرت عمر لما استأذن منها.
أوَ هل يستطيع المسلم أن يُنكر المقام العظيم في الإسلام لمثل هؤلاء الذين هُتكت حرمتهم بهدم قبابهم؟!
[يفترون على المسلمين]
ثم، وهذا الافتراء منهم وإفكهم، كقياسهم الحلف والنذورات والهدايا وذبائح المسلمين الواقعة لله رب العالمين، بما كان يفعله المشركون.
سُبحانك اللهم ونعوذ بك من هذا البهتان العظيم، وتفريق الكلمة وشقّ عصا
الاُمّة من غير رويّة وبيّنة وحجّة.
وما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حُرمات الله ورمي عباده الموحّدّين!
وهل يخفى على مثل هؤلاء الموحّدين من أعلام الدين: أنّ الحلف بغير الله على وجه إرادته تعالى منه مما يوجب الخروج من رِبْقة المسلمين ؟
[الحلف عند المسلمين]
فالأيمان الواقعة بغيره تعالى ممّا لا يُراد منها حقيقة القسم.
وحاشا أن يقع منهم ذلك على وجه إرادته تعالى، وإنما هو مجرّد العبارة وزيادة التأكيد.
فإنّ مثل هذا الصادر كثيراً في كلمات أعاظم الصحابة غير عزيز، كما لا يخفى على المتتّبع في كلماتهم.
وهل الحلف ببيت الله وكلمات الله وآيات الله، أو بضريح النبيّ وشيبته ومنبره وتربته، إلاّ لمجّرد التثبّت والتأكيد؟!
فإن لم يحضروا بلاد الشيعة الموحّدين، ولم يطّلعوا على سرائرهم، فهاهي بين أيديهم الكتب من فقه الإمامية وسائر المسلمين ـ المطبوع منها وغير المطبوع ـ التي ملأت أقطار العالم، فإنّ فيها ما يزجرهم عن هذا الافتراء العظيم.
وهل جعل الله للمسلمين حرمة أعظم من حرمة بيته وكعبته؟!
أوَ ما حرّم الله ظنّ السوء وسوء القول؟!
وهل يخفى على فحول العلماء والفقهاء ـ من أهل الجمعة والجماعة وإمعان النظر في الأحكام ـ أنّ الذبح لغير الله العظيم ـ تعالى شأنه ـ حرام ؟
وهذه أبواب فقههم مصرّحة بأنّ النذر لا ينعقد إلاّ لله سبحانه، ولا الذبائح والقرابين إلاّ له جلّ شانه، ولا تحصل التذكية إلاّ باسمه ـ تعالى اسمه ـ.
فلو لم يخصّ النذر بالله وبإنشائه له تعالى لم ينعقد، كما أنه إذا لم يُستقبل
بالذبيحة ولم يسمّ الله عليها لا تحلّ ; وتقع ميتة نجسة.
وأمّا نسبتها بعد ذلك إلى النبيّ والوصيّ والوليّ، فإنّما هي لكي يصل الثواب إليهم، كما نقرأ القرآن ونهدي إليهم ثوابه، ونصلّي وندعو لهم، ونفعل جميع الخيرات عنهم، وفيه أجر عظيم.
وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يذبح بيده، ويقول: (أللّهمّ هذا عنّي وعمّن لم يضحِّ من أُمّتي).
وكان عليّ يضحّي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بكبش، وكان يقول: (أوصاني أن أُضحّي عنه دائماً).
كذلك النذر، فانه لا يقع لغير الله بل على معنى أنها صدقة منذورة لله يهدي ثوابها إلى أولياء الله، وهذا لا يزيد عمن نذر لأبيه وأمه أو حلف أو عاهد أن يتصدق عنهما.
كما أن اختيارهم لها الأماكن المشرفة ليس إلا لشرف المكان وتضاعف الحسنات فيها.
وبالجملة فان النذر عنهم، لا لهم.
فاين تذهبون وأنّى تؤفكون؟
وما هذا الرمي بالباطل والإفك العظيم ؟
سبحانك اللهم ما أحلمك !
وكيف كان، فقد انقدح بما ذكرنا في المقامين: أنّ استدلال المموِّه المغالط بالمتشابه من آيات الشفاعة على دعواه، غلط باطل، وخلط ظاهر فساده.
كفساد استدلال المعتزلة والخوارج على نفي الشفاعة بها تارة، واُخرى بقوله تعالى: }وَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ{، ومرّة بقوله: }مَآ لِلظَّالِمينَ مِنْ حَمِيم وَلاَ شَفِيع يُطَاعُ{.
فإنّ الآيات ـ كما عرفت ـ سوقها للكفّار، وأنّ الظالم على إطلاقه هو الكافر
بقرينة العهد وخصوصية مورد النزول.
فسلب المقيّد لا يستلزم سلب المطلق، ونفي المطاع لا يستلزم نفي المجاب ; بمعنى أنّ نفي الشفيع الخاصّ لا ينافي إثبات مطلق الشفيع والشفاعة.
وبداهة العلم بأنه تعالى ليس فوقه أحد، وكون الشفيع لا محالة دون المشفوع ممّا لا يوجب حملها على نفي المجاب، إذ غايتها أنّها سالبة كلّية، ونقيضها السلب الجزئي الملازم للإيجاب الجزئي.
فسوق الآيات لعموم السلب لا لسلب العموم.
على أنّا لا نسلّم عموم الأزمان والأحوال فيها ; لجواز اختصاصها بموردها.
كما أن قوله تعالى: }مَا لِلظَّالِمِينَ من أنصار{ وقوله: }وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ{ ممّا لا تدلاّن على دعواه، فإنّ نفي النصرة لاتستلزم نفي الشفاعة ; لانها طلب على خضوع، وأما النصرة فربما ينبىء عن مدافعة ومكافأة.
المقام الثالث
في ثبوت الأمر بالتوسّلات والاستغاثات والاستشفاعات.
وفيه الأمر ببناء الضرائح والقِباب المتعلّقة بمشاهدهم.
[توسل آدم(عليه السلام) بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)]
فقد صحّ حديث توسّل آدم بالنبيّ من قبل أن يخلقه الله، ويبعثه إلى الدنيا، وكذا غيره من الأنبياء.
كما في آيات المواثيق عن الأنبياء بنبوّته(صلى الله عليه وآله وسلم) قال الله تعالى: }فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ{.
وقال تعالى: }وَإِذِ ابْتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ{ فيما ورد التفسير به.
فقد أجمع السنّة والجماعة على حديث التوسّل حتّى ابن تيميّة وابن القيّم.
وممّا ورد في التوسّل ما أورده الحاكم وصحّحه، قال: (إنّ آدم لما اقترف الخطيئة، قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد لمّا غفرت لي. فقال: يا آدم كيف عرفته؟
قال: لأنك لما خلقتني نظرت إلى العرش فوجدت مكتوباً فيه: «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله»، فرأيت اسمه مقروناً مع اسمك، فعرفته أحبّ الخلق إليك)(1).ويؤيّده: أنه لما سأل أبو جعفر المنصور الإمام مالكاً، فقال له: أأستقبل القبلة وأدعو الله، أو أستقبل قبر النبيّ؟
فقال له: يا أبا عبدالله، ولِمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم 2/615.
أبيك آدم!؟(1)
والقاضي أبو عمرو عثمان ابن أحمد رواه مرفوعاً عن ابن عبّاس، عن النبي أنه قال: (لما اشتملت آدم الخطيئة، نظر إلى أشباح تضيء حول العرش فقال: يا ربّ إنّي أرى أشباحاً تشبه خلقي، فما هي؟
قال الله تعالى: هذه الأنوار أشباح اثنين من ولدك:
أحدهما محمد، أبدأ النبوّة بك، وأختمها به.
والآخر أخوه وابن أخي أبيه، اسمه عليّ، أُأيّد محمّداً به، وأنصره على يده.
والأنوار التي حولهما أنوار ذرّيّة هذا النبيّ من أخيه هذا ; يزوّجه ابنته تكون له زوجة، يتصل بها أول الخلق إيماناً وتصديقاً له، أجعلها سيّدة النسوان، وأفطمها وذرّيّتها من النيران، فتقطع الأسباب والأنساب يوم القيامة إلاّ سببه ونسبه.
فسجد آدم شكراً لله أن جعل ذلك في ذرّيّته فعوّضه الله عن ذلك السجود أن اسجد له ملائكته... ) إلى آخره.
وما رواه القاضي زكريا الحنفي ـ قاضي قسطنطينة في عصر السلطان محمد الفاتح ـ ذكره في حاشية له على «الكشاف» في تفسير قوله تعالى: }وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ{، رُوي: أنّه الميثاق في المهدي من ولده، القائم في آخر الزمان.
وتبعه تلميذه خرّم اُوغْلي في تعليقته عليه.
[البيوت المرفوعة]
ومنها: ما رواه الشيخ ابن بِطْريق في «العمدة» عن الشيخ الحافظ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن نعيم الثعلبي في كتاب «الكشف والبيان في تفسير القرآن»، روى بإسناده عن القابوسي، عن الحسين بن سعيد، عن أبان بن تغلب، عن نفيع
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكر ذلك القاضي عياض في الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى وانظر شفاء السقام للسبكي، الباب الرابع، دفع الشبه للحصني ص140.
بن الحارث، عن أنس بن مالك، عن بريدة.
ورواه غيره ـ من أعاظم أهل السُّنّة بطرقهم ـ عن أنس وبريدة وابن عباس أنه قال: قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) }في بُيُوت أذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآْصَالِ رِجَالٌ{.
فقام إليْه رجل، وقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: بيوت الأنبياء.
فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت عليّ وفاطمة، فقال: نعم، من أفاضلها.
ثم ذكر:
وبيت تقاصر عنه البيوت وطال عُلوّاً على الفَرْقَدِ
تحوم الملائكُ من حولِهِ ويصلح للوحي دار الندي
بيان: الآية عقيب آية النور(1).
والتقدير: أن المشكاة الثابتة في بيوت هذه صفتها.
والرازي: أنّ التقدير كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله، وهو اختيار كثير من المحّققين انتهى.
ولا شكّ أنّ البيوت أعمّ من المساجد، ومن بيت علم الله ووحيه وأنوار هدايته تعالى.
كما أنها تعمّ الرجال ومساكنهم ومحلّ التعاهد إليهم.
ويؤيّده: قرينة المشكاة، فإنّ مجرّد كون المشكاة في المساجد ممّالا معنى محصّل لها، ولا فائدة مهمّة لذكرها.
فالآية تمثيل لنور هدايته تعالى، وإعلانه عن شرافة أهل بيت نبيّه وأطائب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي قوله تعالى }الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة{ الآية ( 35 ) سورة النور: 24.
عترته ; ممن خصّهم الله بعلمه ونور هدايته، ومن نصبهم لإرشاد عباده، ومثّل نور هدايتهم المقتبسة من نوره تعالى بالمشكاة، فالظرفية متعلّقة بالنور المذكور في صدر الآية، لمظهريّته عن نور الله تعالى، ولم تكن قيداً للمشبَّه، ولا خبراً عن رجال.
ويؤيّد هذا التفسير للبيت: قوله تعالى: }إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً{.
وقد صحّ تفسيرها وتواتر من طرق السُّنّة والجماعة، نزولها في خصوص الخمسة ممّن اجتمع تحت العباء الخيبريّة.
كما ورد في تفسير قوله تعالى: }وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا{: أنّها ليس المراد منها ظاهرها، بل هي من الكنايات، كما هو المتعارف في المحاورات.
ويؤِّيده أيضا قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله اختار من البيوتات أربعة، ثمّ تلا قوله تعالى: }إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ ونُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ{.
ويؤيّده قراءة أهل البيت «يُسبَّح» بالمبني للمفعول، والوقف على «الآصال»، والابتداء بـ «برجال».
وفي المعتبرة من طرق الخاصّة عن الإمام جعفر بن محمد(عليه السلام)أنه قال: (التمسوا البيوت التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، فإنّ الله أخبركم أنهم رجال).
ولما حضر قتادة قاضي قضاة البصرة عند الإمام أبي جعفر محمد ابن علي(عليه السلام)قال: «أصلحك الله يابن رسول الله، والله لقد جلستُ بين يدي الفقهاء وقُدّام ابن عبّاس، فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قُدّامك؟
فقال أبو جعفر: (أما تدري أين أنت؟! أنت بين يدي }بيوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتاَءِ الزَّكَاةِ{ ونحن أُولئك).
فقال له قتادة: صدقت والله جعلنى الله فداك ما هي بيوت حجارة ولاطين». الخبر.
فقد ظهر: أن البيوت أعمّ من ذلك.
[معنى رفع البيوت]
كما أنّ الرفع بإطلاقه يعمّ جميع معانيه:
فكما أنّ رفعها يكون بالسير إليها ; لأخذ علومهم ومعارفهم التي ورثوها عن لسان الوحي، وارتضعوها من ثدْي الرسالة.
كذلك يكون بالتعهّد لمشاهدهم وضرائحهم، والتبّرك بها وتعظيمها، والدعاء عندها وبتعميرها وبنائها وتشييدها ; لقوله تعالى: }رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا{، وقوله تعالى: }وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ{.
ويؤيّد هذا المعنى من الرفع حديث أبي عامر البناني ـ واعظ أهل الحجاز ـ قال: أتيت أبا عبدالله جعفر بن محمد الصادق(عليهما السلام)، وقلت له: يابن رسول الله ما لمن زار قبره ـ يعني أمير المؤمنين ـ وعمّر تربته؟
قال: يا أبا عامر، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه الحسين بن عليّ، عن عليّ(عليهما السلام): أنّ رسول الله قال: (والله لَتُقتلَنّ بأرض العراق وتُدفن بها. قلت: يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وتعاهدها؟ فقال لي: يا أبا الحسن إنّ الله جعل قبرك وقبر ولدك، بِقاعاً من بقاع الجنّة، وعَرْصة من عَرَصاتها، وإنّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده، تحنّ إليكم، وتحتمل المذلّة والأذى، فيعمرون قبوركم، ويُكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلى الله ومودّة منهم لرسوله، أولئك ـ يا علي ـ المخصوصون بشفاعتي، الواردون حوضي، وهم زُوّاري غداً في الجنّة.
يا علي من عمّر قبوركم وتعاهدها، فكأنّما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس.
ومن زار قبوركم عدل ذلك ثواب سبعين حجّة بعد حجّة الإسلام، وخرج من ذنوبه حتّى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أُمّه.
فأبشر وبشّر محبّيك من النعيم وقُرّة العين بما لاعين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولاخطر على قلب بشر.
ولكن حُثالة من الناس يعيِّرون زُوّار قبوركم كما تعيَّر الزانية بزنائها، أُولئك شرار أُمّتي، لا أنا لهم الله شفاعتي، ولا يردون حوضي).
رواه السيّد الإمام المعظّم الزاهد العابد، أبو المظفّر غياث الدين بن طاوس الحسيني بسلسلة إسناده، عن عمارة بن يزيد، عن أبي عامر البناني. ورواه غير واحد بإسناد آخر، كما رواه الشيخ العلاّمة عن محمد بن علي بن الفضل.
فالحديث يدلّ على تعمير القباب، وعليه استمرار طريقة الأصحاب.
[الوسيلة إلى الله]
ومنها: قال الله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ{.
ولا شكّ أنّ حسن التوسّل إنّما تحكم به الأدلّة الأربعة ; من الكتاب والسُّنّة والإجماع والعقل، بل وعرف العادات في الملوك والسلاطين.
وهل العبادات والطاعات إلاّ القُرُبات والوسائل لنيل المثوبات؟!
أو لا ترى أنّ لرفع الحاجات إلى الله وسائل واقعية، من الدعاء والإلحاح ونوافل الصلوات والصدقات وأنحاء القُرُبات ; من الذبائح والتوسّلات.
وذلك لأنّها جرت عادة الله في الاُمور مجرى العرف والعادة بتوسّط الأسباب والمسبّبات، فجعل للعقاقير دخلا في الاستشفاء بها وأثراً في عالم الطبيعة، وهو خالق الطبيعة وجاعل آثارها فيها.
ولكلّ نفل من العبادة خواصّ وآثار تزداد لفاعلها آثارها، وهو تعالى يقدر على إعطائها بدونها، مع علمه بحوائج عباده ولطفه الشامل لخلقه، وجواز قضائها
وإنجاحها بعلمه من غير توسيط تلك الوسائل، ولولا ذلك لزم إلغاء كثير من العمومات الآمرة بها، ولكان الأمر بها لغواً وعبثاً، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً.
مع أنّ المشهود من الإجابة بتوسيطها ضروريّ محسوس لا ينكره إلاّ مكابر.
ولا يتخلّف المشروط بها إذا لم يكن محتوماً، وكان موافقاً لحكمته ومشيّته تعالى، كما أنّها ربّما تتخلّف إن بلغت المسمّى المحتوم، كما قال(عليه السلام): (يامن لا تبدِّل حكمته الوسائل).
ألم تَرَ أنّ الله قال لمريم وهزّي إليك الجذع تَسَّاقطِ الرُّطَبْ
فلوشاء أن تجنيهِ من غير هزِّهِ جنتْهُ ولكن كلّ شىء له سببْ
فمن شدّة رأفته تعالى بعباده جعل لهم وسائل بينه وبينهم ; ليتشفّعوا للمرتضين منهم بإذنه، وللمتّخذين عهد التوحيد والإيمان به بكرمه ورحمته، كما قال: }وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى{، أو }مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً{.
فلا بأس بمن توسّل إلى الله بمعظَّم ; من قرآن أو نبيّ أو وصيّ أو وليّ ونحوها من آياته العظيمة، وسأل الله بحقّهم، فإنّ حقّ الشيء وحاقّه وسطه، وأوساطه، وهم الوسائط بين عباده.
قال الجوهري: سقط فلان على حاقّ رأسه ; أي وسط رأسه، وجئته في حاقّ الشتاء، أي وسطه.
والفيروزآبادي: حقّه وحاقّه وسطه.
والمخلوقيّة ممّا لا تمنع الوساطة، بل وإنّما تؤكّد العلاقة العابديّة والمعبوديّة، وتؤيد ربطها بها ربط المتضايفين، بل وهي الأنسب بمقام العبوديّة بما فيها من الإشارة إلى جلالة مولاه وعظمة معبوده.
فتفسير بعضهم الوسيلة بخصوص الفرائض ـ مع ما عرفت أنّها تعمّ الوسائل
إلى الله كلّها ـ تفسير بالرأي.
قال ابن الأثير في «النهاية» في حديث الأذان: أللّهمّ آتِ محمّداً الوسيلة ; هي في الأصل ما يتوصّل به إلى الشيء ويتقرّب به، وجمعها وسائل. يقال: وَسَلَ إليه وسيلة وتوسّل، والمراد به في الحديث القرب من الله، وقيل: هي الشفاعة. انتهى.
وفي تفسير «الكشف والبيان» لأبي إسحاق الثعلبي عن الإمام جعفر بن محمّد(عليهما السلام)أنّه قال: (ابتغوا إليه الوسيلة: تقرّبوا إليه بالامام).
وهب أن المراد من الوسيلة الفريضة، أوليست المودة لذوي القربى من الفرائض؟! بل وأهمّها المسؤول عنها في قوله تعالى: }قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى{.
وإذ قد تبيّن من الآيات ثبوت الشفاعة للمرتضين وللمتّخذين عهد توحيدهم وإيمانهم بربّ العالمين.
وظهر: أنّ اتّخاذ العهد والارتضاء بحسب الإيمان ممّا لا يُنافي عدمها باعتبار فسق المعصية، كما تقدّم، فلا توجب المعصية ارتداداً وكفراً، ولا تخرج العباد عن
الارتضاء شيئاً، فقد ثبت أنّ المعاصي ليست علّة تامّة للتعذيب، وإنّما هي مقتضيات لولا المانع عن التأثير.فكما أنّ الله جعل بفضله وكرمه الندم عن المعصية توبةً وعفواً، فلا غرو أن جعل الله الأمر بابتغاء الوسيلة بأوليائه، وإيجاب فرض المودّة لذوي قربى نبيّه وأطائب عترته ولحمته، مانعاً لهارافعاً لتأثيرها، ماحياً لموضوعها، مقرّباً أولياءهم إلى الله، موجباً لنيل حوائجهم وإن رغم الراغمون، وهنالك يخسر المبطلون.
ثمّ لا يخفى أنّ تفسيرهم الوسيلة هنا، ليس بأعجب من تفسيرهم ( الإمام ) في الحديث المتواتر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة الجاهلية)(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وفي مسند أحمد 4/96: من مات بغير إمام...، وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم 1/77 و 117: ومن مات وليس عليه إمام...، ونقله في مجمع الزوائد 5/224، ورواه بلفظ بغير إمام في مجمع الزوائد 5/218، وبلفظ: ليس لإمام... 5/219، ورواه في كنز العمال 1/103 بلفظ (بغير إمام) عن أحمد والطبراني، وبلفظ (ليس عليه إمام) في 1/207 وانظر 208 و 6/65، ولكن أكثر مصادر الحديث اثبتوها بألفاظ اُخرى مثل (بغير سلطان، أو أمير أو بغير طاعة، أو من فارق الجماعة، أو ليس في عنقه بيعة...، ولاحظ قوله(صلى الله عليه وآله): يا علي، من مات وهو يبغضك مات ميتة جاهلية. رواه الطبراني في الكبير رواه في مجمع الزوائد 9/111 و 9/121 و122، وكنز العمال 11/611 و 13/159.
حيث قالوا: إنّ المراد من الإمام القرآن؟
مع وضوح فساده، الظاهر من إضافة الإمام إلى الزمان، المضاف إلى ما صدق عليه الموصول في الحديث.
مع أنّ القرآن إنّما هو الإمام المستمرّ الباقي، الذي لا يختصّ بزمان دون زمان.
فلم يكن لتفسيرهم في المقامين وجه، فتدبّر.
[التوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)]
هذا، وقد صحّ حديث التوسّل بالنبيّ من أعيان الصحابة من قبل، بل والتوسّل بغير النبيّ من الصحابة.
ومن ذلك حديث استسقاء عمر بن الخطاب بوجه العبّاس بن عبد المُطّلِب عمّ النبي، وقوله: «أللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّك فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّك فاسقِنا». رواه البخاري في الصحيح.
مع أنّ صحّة التوسّل بغير النبيّ ممّا يدلّ بالفحوى على التوسّل بأطائب عترته وأهل بيته.
ورواه ابن عبد البر في «الاستيعاب»، وغيره في غيره، وفيه: «فأرْختِ السماء عَزالِيَها(1)، فأخصبت الأرض. فقال عمر: «هذه والله الوسيلة إلى الله والمكان منه».
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العَزالي والعَزالَى: مصبّ الماء من القِرْبة ونحوها.
[تعظيم الشعائر]
ومنها قوله تعالى في سورة الحجّ: }وَمَنْ يُعَظِّمُ شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ{.
فسّر الشعائر بمعالم الدين وطرقه المنصوبة إلى الله تعالى وإلى معارفه، بل وإطلاقه شامل لكلّ ما يُشعر ويشير إليه تعالى ويعرّفه سبحانه.
ففي «النهاية» لابن الأثير عن الأزهري قال: الشعائر المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها.
وقال السيوطي: الشعار العلامة، فالبدنة ـ وهي النُّسُك للحاجّ القارن ـ من
إحدى مصاديق الشعار، كما هو الظاهر من قرينة «من» التبعيضية، ودخولها على منتهى الجموع.على أن ذكر البعض ممّا لا ينافي ثبوت الآخرين، فتخصيص الشعائر بالهدْي والنُّسُك خاصّة دون غيره، تخصيص بلا دليل.
فإن قلت: إنّ الدليل هو الجعل فيه دون غيره، فتكون النُّسُك مجعولا في الشعارية.
قلت: لما كانت البدنة لذاتها مع قطع النظر من اعتبار النُّسكيّة للحجّ، غير ظاهرة في الشِّعاريّة، كما أنّ النعل وتقليدها أيضاً كذلك، فكانت ـ لا جرم ـ تحتاج إلى ما يصرفها إليها، وهو قرينة الجعل.
كما أنّ الصفا والمروة والهرولة فيهما، ممّا هي بذاتها مفتقرة إليها، ولم تكن غنيّة عنها، فنصّ عليها بقوله تعالى: }إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله{.
بخلاف ما إذا كان الشيء ظاهراً في الشعاريّة، فإنّه لا يحتاج إليها، فالتمسّك بإطلاق الشعار كاف في مصاديقه مالم يقم دليل على خلافه في الشعاريّة.
هذا، وأنت ترى أنّ المشاهد والقِباب المشرّفة للأئمّة وأكابر الصحابة من عترة الرسول، بمظهريّتها عن أُولئك الأطائب، من آيات الله، وحملة علمه ووحيه
وحماة دينه وشريعته والدعاة إليه، من أظهر مصاديق الشعائر ؟
كيف، وهي البيوت التي }أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ{.
كما أنّ الحليّ والحُلَل والزينة اللائقة بها فيها، مما يقصد بها الأُبّهة الدينيّة، تجاه الأجانب من منكري دين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ربّما تُعدّ أيضاً من الشعائر.
هذا كلّه لأنّ تعظيم ما هو شعائر الله مما يرجع إلى تعظيم الله سبحانه، بل هو تعظيمه في الحقيقة، والإنفاق في هذه السبيل إنّما هو من امتحان القلب للتقوى تقوى القلب.
قال الرازي في قوله تعالى: }أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى{: أي امتحنها ليعلم منه التقوى، فإنّ من يعظّم واحداً من أبناء جنسه لكونه رسولا مُرسلا، يكون تعظيمه للمُرسِل أعظم، وخوفه منه أقوى.
وهذا كما في قوله تعالى: }وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ{ ; أي تعظيم أوامر الله تعالى من تقوى القلوب. انتهى.
[تعظيم حرمات الله]
ومنها: قوله تعالى في سورة الحجّ: }وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ{.
والحرمة والحرمات والحرام ما لا يحلّ انتهاكه، وقيل: ما وجب القيام به، وحَرُم التفريط فيه.
وتعظيمها ترك ملابستها تعظيماً لله سبحانه، وتكريماً وإجلالا لأمره ونهيه، ومنه المَشْعر الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والبيت الحرام والشهر الحرام، كلّ هذا باعتبار وجوب رعاية القيام بتعظيمها وحرمة انتهاكها، والتبرّك بها بإضافتها إلى معظمها.
وعقد الإحرام هو الالتزام بتروكه والإتيان بواجباته.
والُمحرِم للحجّ هو الممنوع عمّا حرّمه الله عليه بدخوله في حرمه.
وتكبيرة الإحرام ; لأنّ المصلّي يكون معها ممنوعاً من الكلام ومن سائر المنافيات.
والمسلم محرم ; أي يحرم أذاه ; يعني بتسليمه إلى الله وخضوعه لوجه الله كأنه داخل في حرم الله.
فحرمة هذه العناوين كلّها بسبب إضافتها التشريفية وانتسابها إلى مشرّفها ومظهريّتها عنه سبحانه.
ومنه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في «أُحُد» كما في «صحيح البخاري» عن النبي لما طلع له «أُحد»، فقال: (هذا جبل يُحبّنا ونحبّه. أللّهمّ إنّ إبراهيم حرّم مكّة وإنّي أُحرّم ما بين لابتيها، يعني المدينة)(1).
فتخصيصها بالمناسك دون غيرها تخصيص بغير دليل، والإطلاق كاف لشموله جميع المصاديق، كما تقدّم في الشعائر، وقرينة اتّصالها بآية النُّسك لا تزيد على الإشارة إلى إحدى مصاديقها شيئاً، فكيف بتخصيصها بها؟!
هذا وقد ورد في تفسير أهل البيت وباطن القرآن تفسيرها بهم(عليهم السلام)، كما عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر(عليهما السلام) في المعتبر أنه قال: (نحن حرمات الله الأكبر).
وفي المروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليهما السلام) أنه قال: (إنّ لله حرمات ثلاثاً ليس مثلهن: كتابه هو حكمته ونوره، وبيته الذي جعله قبلة للناس، وعترة نبيّكم)(2).
وفي المرفوعة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (ستّة لعنتُهم ولعنهم الله، وكلّ نبيّ مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذّب بقدر الله، والمتسلّط بالجبروت، ليذلّ من أعزّه الله،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 5/136 باب نزول النبي(صلى الله عليه وآله) الحجر.
(2) رواه الصدوق الإمامي في كتابه (معاني الأخبار ص118 وانظر كتابه الخصال ص146 باب: لله عزّوجلّ حرمات ثلاث).
ويعزّ من أذلّه الله، والمستحلّ لحرم الله، والمستحلّ لعترتي ما حرّم الله، والتارك لسُنّتي).
[الاعتصام بحبل الله]
ومنها: قوله تعالى في سورة آل عمران: }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا{.
قال الرازي في هذه الآية: أمر الله بالتمسّك والاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعات، وهو الاعتصام بحبل الله.
واعلم أنّ كلّ من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله، فإذا تمسّك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق، أمن من الخوف.
ولا شك أنّ طريق الحقّ طريق دقيق، وقد زلقت أرجل الكثير من الخلق عنه، فمن اعتصم بدلائل الله وبيّناته، فإنّه يأمن من ذلك الخوف.
فكأنّ المراد من الحبل ههنا كلّ شىء يمكن التوصّل به إلى الحقّ في طريق الدين، وهو أنواع كثيرة.
ثمّ عُدّ منها العهد في قوله تعالى: }وَأَوْفُوا بِعَهْدِي{.
ومنها القرآن...
إلى قوله: وروي عن أبي سعيد الخدري، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبلٌ ممدود من الأرض وعترتي أهل بيتي) والحديث متواتر بين الفريقين(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حديث الثقلين متواتر بحكم جمع من أعلام الحديث وهو على كل حال مجمع على صحته، فأورده مسلم في صحيحه 7/122 ـ 123، وبشرح النووي 15/179 ـ 181، وأحمد في المسند 3/14 و 17 و 26 و 59 و 4/371، والدارمي في السنن 2/432، والحاكم في المستدرك على الصحيحين 3/109، وقال: صحيح على شرط الشيخين و 3/148 وقال مثله، والبيهقي في السنن الكبرى 7/30 و 10/114، وانظر مجمع الزوائد للهيثمي 9/163، وكنز العمال 1/186 و 5/290 و 13/104 و 3/641 و 14/435، واقرأ بحثاً مفصّلا عن الحديث ومصادره ودلالته في مجلة (علوم الحديث) العدد الأول لسنة 1418هـ.
وزاد فيما رواه عبدالله بن أحمد بن حنبل، وأخرجه بإسناده عن ابن نمير، عن عبدالملك بن سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال بعده: (إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض).
وقال: قال ابن نمير: قال بعض أصحابنا عن الأعمش أنّه قال: (أُنظروا كيف تخلّفوني فيهما).
وفي رواية: (ألا وإنّي مخلّف فيكم الثقلين: الثقل الأكبر القرآن، والثقل الأصغر عترتي أهل بيتي، وهما حبل الله ممدود بينكم وبين الله عزّوجلّ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ; سبب ـ أو طرف ـ منه بيد الله وسبب بأيديكم ; إن اللطيف الخبير قد نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض كإصبعيَّ هاتين وجمع بين سبّابتيه) الحديث.
وعن تفسير «الكشف والبيان» لأبي إسحاق الثعلبي في هذه الآية، روي بإسناده، رفعه إلى الإمام جعفر بن محمد(عليهما السلام) أنّه قال: (نحن حبل الله الذي قال الله: }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا{).
وفي حديث العنبري وقوله: (يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما هذا الحبل الذي أمرنا الله بالاعتصام به وألاّ نتفرّق عنه؟
فأطرق مَليّاً، ثمّ رفع رأسه، وأشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب، وقال: هذا حبل الله الذي من تمسّك به عُصم به في دنياه، ولم يضلّ به في آخرته.
فوثب الرجل إلى عليّ(عليه السلام)، فاحتضنه من وراء ظهره، وهو يقول: اعتصمت بحبل الله وحبل رسوله) الحديث.
وفي حديث محمد بن عبدالله المعمّر الطبري الناصبي ـ بطبرية سنة 333 ـ
رواه في وفد اليمانيّين على رسول الله، والحديث مشهور إلى قوله: (فقالوا يا رسول الله بيّن لنا ما هذا الحبل؟ فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): هو قول الله: }إلاّ بِحَبْل مِنَ اللهِ وَحَبْل مِنَ النَّاسِ {فالحبل من الله كتابه، والحبل من الناس وصيّيّي، ولم يعلم تأويله إلاّ الله) الحديث.
فالآية كناية عن الالتزام بمودّة ذوي القربى من أهل البيت وأخذ العلم منهم والتعظيم لآثارهم.
ومثله «العروة الوثقى» فيما أخرجه أبو المؤيّد موفّق ابن أحمد، عن عبدالرحمن ابن أبي ليلى، قال: قال رسول الله لعليّ(عليه السلام): (أنت العروة الوُثقى).
[أبواب البيوت]
ومنها: قوله تعالى: }وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا{.
والتقريب: أنّ الهداة من عترة الرسول إنّما هم أبواب مدينة علمه وخزنة وحيه ورسالته، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، ولا تُؤتى البيوتُ إلاّ من أبوابها)(1).
والحديث متواتر اللفظ والمعنى في طرق الفريقين.
ورواه ابن بِطريق في ( العمدة ) بإسناده عن ابن المغازلي الواسطي الفقيه الشافعي في «المناقب» بإسناده عن علي بن عمر، عن حذيفة، عنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي غير: (أنا مدينة الحكمة وعلي بابها، ومن أراد الحكمة فَلْيأتِ الباب).
وفيما أخرجه المناوي عن الترمذي (أنا دار الحكمة)، وفي بعضها ما رواه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أورده الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3/127، وفي مجمع الزوائد 9/114، وكنز العمال 13/148 وتكلموا حول إسناده.
وقد أشبع الإمام المجتهد الحافظ أحمد بن محمّد بن الصديق الغماري الحسني المغربي المتوفّى (1380هـ ) البحث عنه، وأثبت صحّته في كتاب (فتح الملك العليّ بصحة حديث باب مدينة العلم علي) المطبوع طبعة ثانية بالقاهرة عام 1389هـ.
بإسناده عن ابن المغازلي، عن أحمد بن محمد بن عيسى سنة عشر وثلاث مائة معنعناً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (يا عليُّ أنا المدينةُ وأنت البابُ، كذب من زعم أنه يصل المدينة إلاّ من الباب).
قال الرازي: فجعل الله إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطريق الصحيح، وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسّك بالطريق المستقيم، وهذا طريق مشهور في الكناية، فإن من أرشد غيره على الوجه الصواب، يقول له: ينبغي أن تأتي الأمر من بابه، وفي ضدّه يقال: إنّه ذهب إلى الشيء من غير بابه.
قال الله: }فَنَبَدُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ{، وقال: }وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيّاً{.
فلمّا كان هذا طريقاً مشهوراً معتاداً في الكنايات ذكره الله ههنا. انتهى.
فقد ظهر: أنّ الآية كناية عن التمسّك والتوسّل بأهل البيت.
[اتخاذ المساجد]
ومنها قوله تعالى في سورة الكهف: }وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً{.
دلّت الآية بالتقرير والإمضاء على جواز العبادة عند قبور الأولياء والصالحين، بل وعلى اتّخاذها للمسجديّة تبريكاً للمكان.
ففي «تفسير الجلالين» و«الكشّاف» وأبي السعود: }أَلَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ {وهم المؤمنون }لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً{ يصلّي فيه المسلمون، ويتبرّكون بمكانهم، وفعل ذلك على باب الكهف. انتهى.
وممّا أخرجه المناوي في «الكنوز»(1) عن الديلمي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ بمسجد الخَيْف قبرَ سبعين نبيّاً) ورواه أيضاً في (صفحة 105) عن الطبراني.
وفي (صفحة 41) فيما أخرجه عن الحكيم الترمذي في «النوادر» قوله(عليه السلام): أنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صفحة 57.
قبر إسماعيل في الحِجْر، ورواه أيضاً «صفحة 106) عن الديلمي.
[الوهابيون والشعائر]
هذا كلّه، مع ما كان الأحرى والأجدر بهؤلاء النجديّين ـ في صيانتهم لشعائر الدين، ووجوب التحفّظ والرعاية لحرمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أطائب عترته ولحمته وأركان أصحابه وأعاظم العلماء والشهداء من حملة وحيه وعلمه.
إبقاء مآثرهم وضرائحهم وبقاعهم التي كان قد بناها المسلمون، أداءً لفرض المودّة وأجر الرسالة.
كما كان الأوفق والأصلح لهم بجمع الكلمة واجتماع الأُمّة، التبيُّن والتثبُّت فيما بلغهم عن موحّدي المسلمين من الإفك العظيم، أو راموها بظنونهم فيهم، فرموهم بها.
لا التهجّم عليهم بالهمجية بهدم قباب هؤلاء الأئمة وأطائب العترة، ففعلوا ما فعلوا، والتاريخ يعلن عمّا فعلوا، وأغضبوا الله ورسوله.
كما كان الأوفى والأقرب بالنَّصف أن يكون لهؤلاء غنىً فيما استدلّ به السمهودي والسبكي والمدني والنووي والمناوي بالإجماع والكتاب والسُّنّة على الزيارات والتوسّلات.
وفيما أرسل إليهم الشيخ الوحيد والمصلح الكبير بذلك الكتاب الناصح المشفق ; بما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين القويّة، من الكتاب والسُّنّة وإجماع الأُمّة في جوامع ما عليه الإماميّة من التوحيد وتنزيهم عن إفك الشرك لو أنصفوا ولم يعودوا.
[أهداف الفرقة]
وكان الباعث لهم في الحقيقة إلى تعذيب المسلمين وإلقاء نار الشِّقاق في الموحّدين، هو ما تمكّن في نفوسهم من حبّ الاستئثار بالسطوة والسلطان، وجشع استعمار البلاد، واسترقاق العباد ; من غير رأفة ولا رقّة ولا شفقة
بإخوانهم في الدين، فضلا عن البشرية.فقاموا بمقتضاه وشمّروا على هتك حرمات الله، ولقد جاؤوا بها شيئاً إدّاً }تَكَادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَْرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً{.
وأمّا بحسب الظاهر فبجهلهم وجمودهم:
[شبهة تسنيم القبور]
فتارة بشبهة التمسّك بحديث أبي الهياج المروي في صحيح مسلم في قوله: (لا تدع تمثالا إلاّ طمسته، ولا قبراً مُشرِفاً إلاّ سوّيته)(1).
مع وضوح فساد التمسّك به بما تقدّم من السيرة النبويّة، وما ورد من أمره(صلى الله عليه وآله وسلم)بزيارة القبور وحثّه [عليها] وتعاهدها والدعاء عندها.
والنبيّ من لا ينطق عن الهوى }إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى{.
كيف يأمر بهدم القبور من هو يأمر بزيارتها؟!
أم كيف يأمر بهدمها وهو يزورها، ويقف عليها، ويدعو الله عندها؟!
على أنّ تسوية القبور وتسطيحها وتعديلها المقابل لتسنيمها، المشتقّ من سنام البعير شرفه وعُلُوّه، كما يدلّ عليه قوله: مُشرِفاً، وإلاّ كان هذا القيد لغواً عبثاً.
وعليه فالحديث يدلّ على مرجوحيّة التسنيم للقبور الذي أخذته العامّة لها شعاراً، مع مخالفته فعل رسول الله بتسطيحه قبر ولده إبراهيم، وكما استشهد به لذلك شُرّاح الحديث كالقسطلاني وغيره.
ويدلّ بمفهومه على أفضلية ما ذهبت إليه الإماميّة، ووافقهم عليه الإمام
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم 3/61.
الشافعي من التسطيح.
هذا، مع أنّ الحديث بمعزل عن ذلك كلّه لوروده مورد قبور عظماء الكفّار وتماثيلهم وآلهتهم هناك.
وفي ذمّ اليهود والنصارى من كفّار الحبشة، وما كانوا عليه من اتّخاذهم لقبور صلحاء موتاهم كهيئة تمثال صاحب القبر أصناماً يعبدونها من دون الله.
فأمر النبيّ عليّاً(عليه السلام)بطمس تلك الهياكل والتماثيل وهدمها وتخريبها ومحوها ومساواتها، ويدلّ عليه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (ولا تدع تمثالا).
[اتخاذ القبور مساجد]
ومثلها ما ورد من [الأحاديث] الناهية عن اتّخاذ القبور مساجد للصلاة.
والمغالطة فيها، فإنّها ـ كما ترى ـ مقيّدة بما كان [عليه] اليهود وغيرهم من المشركين، كانوا يمّثلون هناك الصور والتماثيل لصاحب القبر.
أو ما كانوا يجعلون البارز من القبر قبلة يستقبلونها بأيّ جهة كانت، ويصلّون تجاهها، فنهى النبيّ عن ذلك.
حتّى أنّه روى البخاري عن أنس قال: (كان قِرامٌ لعائشة ـ أي ستر خفيف ـ سترتْ به جانب بيتها، فقال النبيّ: أميطي عنّا قِرامك، فإنّه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي)(1).
وكلّ هذا ممّا لا يُنكره أحد من المسلمين.
ويدلّ على الوجه الأوّل: ما رواه كلٌّ من البخاري ومسلم في صحيحه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (إنّ أُولَئِكَ إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات فبنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصورة)(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 1/99.
(2) صحيح البخاري 1/111 و 112 و 4/245، وصحيح مسلم 2/66.
وعلى الوجه الثاني: ما ورد أيضاً في الصحيحين عن عائشة عن النبي قوله: (لعن الله اليهود والنصارى أتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد)(1).
ولذلك قالت عائشة: «ولولا ذلك أبرزقبره غير أنه خشي أن يُتّخذ مسجداً»(2).
فالظاهر من الرواية ـ بمساعدة ما فهمته عائشة منها، بحيث لم يُنكر عليها أحد ممّن روى الخبر عنها ـ:
أنّ المنهيّ عنه إنّما هو خصوص الصلاة إلى القبر باتّخاذ البارز من القبر قبلة.
لا مجرّد الصلاة عند القبر بالتوجّه إلى الكعبة.
وقد عرفت صحّة الاتّخاذ بهذا المعنى فيما مضى وستأتي الحجّة عليه من القرآن والسُّنّة الصحيحة.
وهذا معنى الحديث.
ولولا ذلك لما كان الإبراز سبباً لحصول الخشية، فإنّ المخشيّ منه هو استقبال القبر بجعله واتّخاذه قبلة، وأمّا الصلاة إلى الكعبة فممّا لا يتوقّف على البارز.
ويؤكّد هذا المعنى للحديث صريح ما رواه المناوي(3)، وأخرجه عن ابن حِبّان في صحيحه: (أنّ النبيّ نهى عن الصلاة إلى القبور).
[الصلاة في المقابر؟]
ومثله في الوهن ما أوردوه من الشبهة في النهي عن الصلاة في المقابر.
وكذا كلّ ما يتشبّث به الوهّابيّون من المناهي حول عنوان القبر ; من
التجصيص والتجديد والكتابة عليها، كما تراها بمعزل عمّا رموا به المسلمين.فإنّ المشاهد المشرّفة ممّا ليس هناك قبر بارز، وإنّما هو مجرّد الصندوق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 1/110 و112 و113، و2/91 و106، و4/144، و5/139 و140، و7/41، وصحيح مسلم 2/67.
(2) لاحظ صحيح البخاري 2/91، ولاحظ ص106 و 5/139، وصحيح مسلم 2/67.
(3) في ص169 من الكنوز.
والشّباك الواقعين على السرداب الأجنبي عن القبر ; ليكون حريماً وعلامة لا يوطأ ولا يُصلّى عليه، عملا بالنهي.
هذا، مع أنّ النهي محمول على الكراهة، بل ومخصوص بمافسّره شُرّاح الحديث.
وقد قال ابن الأثير في «النهاية»، وإنّما النهي عن الصلاة في المقابر، لاختلاط ترابها بصديد الموتى، وإلاّ فإن صلّى في مكان طاهر منها صحّت صلاته.
قال: ومنه الحديث: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر) أي لا تجعلوها كالقبور، فلا تصلّوا فيها، فإنّ العبد إذا مات، وصار في قبره لم يصلّ، ويشهد له قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتّخذوها قبوراً). انتهى كلامه.
وهذا أحمد بن حنبل، فقد روى في مسنده ما يفسّر الحديثين المذكورين، كما روى عنه المناوي في «الكنوز».
أمّا بالنسبة إلى العنوان الأوّل ; أي اتّخاذ القبور مساجد:
فقد روى عن مسنده(1) عن النبي أنه قال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها). وما روى فيه أيضا عن الطبراني في الحديث قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تصلّوا إلى قبر، ولا على قبر).
وأمّا بالنسبة إلى العنوان الثاني:
فقد روى عن مسند أحمد(2) عن النبي قال: (لاتتّخذوا بيوتكم قبوراً، صلّوا فيها).
ومثله ما تقدّمه عن ابن الأثير.
فلا يغني المتكلّف مطلق النهي، ولا النهي عن مطلق الاتّخاذ.
نعم هكذا يُراد قتل الحقائق، ورمي عباد الله الموحّدين بسهم العصبية، فانظر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كنوز المناوي ص181، ومسند أحمد 4/135.
(2) كنوز المناوي ص179، ومسند أحمد 4/114.
وراجع وانتصف.
فأين مناسبة هذه الروايات لما رامه الجاهل المعاند؟!
ويا ليتهم دروا من الروايات مواردها، أو من التسوية والمساواة اشتقاقها.
وليتهم إذا لم يدروا وقفوا، ولم يُفتوا.
[البناء في الأرض المسبلة]
كما أطالوا الكلام تارة حول الأرض المُسْبلة، وأفتوا بغير ما أنزل الله ; لشبهة أنّ البناء في المُسْبلة مانع عن الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهو غصب يجب رفعه، وبه أفتى قاضي قضاتهم على هتك حُرُمات الله.
ومن الواضح أنّ هذه المختصّات من الأبنية وغيرها في نظر الشارع الإسلامي، كأملاك لا يسوغ لغير مالكها أو من يقوم مقامه في التصرف فيها.
مع ما تقدّم من وجوب حرمة المؤمن ميّتاً كوجوبه حيّاً، فيحرم هتك حرمته بهدم حرمه وقبره.
وكيف التجرّؤ عليه بمجرّد دعوى التسبيل من غير حجّة ودليل؟
على أنّ مقتضى القاعدة فيها ونظائرها التمسّك في الإباحة الأصليّة مالم يثبت هناك عروض الملكيّة، ودونه خَرْط القتاد.
وحيث لم يقرع سمع أحد من المسلمين، ولم يوجد حديث أو تاريخ على أنّ البقيع ممّا استملكها أحد، ثم وقفها أحد وسبّلها لدفن الموتى، فهي باقية بعدُ على إباحتها، يحوزها من يشاء من المسلمين من غير أن يتعرّضه أحد، ومع الشكّ في العروض يبقى استصحاب الإباحة الأصليّة سليمة عن المزاحم.
ثمّ لو فرض مع هذا ثبوت الوقف قبل الحيازة ـ ومن المحال ثبوته ـ فلا ينفع المتكلّف بشيء، ولم يسمع منه ذلك إلاّ بعد إثباته وقوعه منه على غير مجرى عرف أهل المعرفة من المسلمين وعاداتهم في مجاري البرّ والخير، من الرعاية
لحقّ العظيم في الإسلام والمحترمين من الصحابة والأولياء ; ممّن يكثر زوّارهم من المسلمين التالين لكتاب الله لديهم وإهداء ثوابها إليهم ; عملا بالسُّنّة المأثورة وقياماً لأداء حقّ عظيم شرفهم في الإسلام.
كلاّ وليس في المسلمين أحد ممّن يوقف مقبرة للمسلمين على غير الوجه الأمثل، لرعاية البرّ والطاعة، والأقرب بأداء الحقوق، والأوفى بتعظيم الشعائر.
ولم تزل السيرة القطعية ـ من أكابر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلى زمان الأئمة الأربعة والخلفاء، من الاُمويين والعبّاسيين، وجهابذة العلماء وأساطين الدين باقتدارهم وسلطنتهم وكمال تضلّعهم في إجراء السنّة ومحو البدعة طول هذه المدّة ـ جارية في إبقاء ما ثبت من الأبنية، من غير نكير منهم في حين.
وسيرتهم حجّة قاطعة لا يزاحمها شىء، ولم يحتمل أحد منهم أُحدوثة التسبيل أو توهّمه.
سوى ماظهر في يومنا هذا من العلم المخزون والديانة المحتكرة في أعراب نجد !
وهذا أحمد بن تيميّة [شيخ إسلام] مؤسّس الوهّابيّة وإمام زعيمهم، ممّن صرّح بسيرة هؤلاء.
فحكم في باب الوضوء بغسل الرجلين تمسّكاً بها، بأن رعاية الأقرب في العطف في قوله تعالى: }فَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأرْجُلَكُم{ ممّا كان يوجب مسح الرجلين، لولا السيرة المستمرّة على الغسل ؟
وقد استدلّ قاضي قضاة الوهّابيّين بمكّة المكرمّة في الحين بعمل المسلمين على إمامة من قهر الناس، واستولى عليهم: بأنه على ذلك جرى المسلمون في غالب الأعصار.
كما في (صفحة 5) في سؤال وجوابه في مدّعي الخلافة المطبوع في سنة (1344).
وفي (صفحة 9) منها حيث قال: كما جرى على ذلك عمل المسلمين من بعد الخلفاء الراشدين. انتهى كلامه.
[قبور أئمة البقيع ملك لبني هاشم]
هذا، وقد تقدّم ما يشهد به التاريخ على قُبّة العباس بن عبد المطلب، المحتوي على قبور الأئمة الأربعة مع جدّتهم فاطمة بنت رسول الله على قول، وفاطمة بنت أسد، في القرن الأوّل.
وما يظهر منها أنه أوّل مقبرة في البقيع لبني هاشم بُنيت في دار عقيل بن أبي طالب المختصّة بهم، كما ذكره السمهودي عن عبد العزيز وكما يظهر منه: أنها كانت تُدعى يومئذ مسجد فاطمة.
وروي عن الطبري عن الشيخ أبي العبّاس المرسي: أنه كان إذا زار البقيع وقف أمام قبلة قبّة العبّاس، وسلّم على فاطمة.
وفيما حكاه عن ابن جماعة: أنّ في قبر فاطمة قولين:
أحدهما: أنه الصّندوق الذي أمام المصلّي... إلى قوله:
وثانيهما: أنه المسجد المنسوب إليها بالبقيع ; أي البناء المربع في جهة قبلة قبّة العبّاس للمشرق، وهو المعنيّ بقول الغزالي: ويصلّي في مسجد فاطمة. انتهى كلامه.
وروي عن المسعودي وسبط ابن الجوزي في ما نقله عن الطبري المدني ـ المولود بالمدينة سنة ثلاثين ومائة ـ ما يؤيّد هذا المقام.
وروى بإسناده عن زيد بن السائب، عن جدّه، أنّ عقيل بن أبي طالب بنى على قبر أُمّ حبيبة أُمّ المؤمنين بيتاً.
قال: قال ابن السائب: فدخلت ذلك البيت ورأيت فيه ذلك القبر انتهى.
وبالجملة: وبعدما عرفت ـ كما تقدّم ـ من الحجج الواضحة في الجواب عن
الشبهات بالأحاديث المتشابهات.
فبأيّ وجه تجرّؤوا على هتك حرمات الله ورسوله في حَرَمه، وسَفْك دماء الصالحين من عترته، والموحّدين من أُمّته؟!
فلا يستخفنّهم المَهَل والاستدراج، فإنّه ـ عزّ وجلّ ـ لا يخفره البدار، ولا يخاف عليه فوت الثار، وهو العالم بالعباد، وبالظالمين لبالمرصاد.
[المقامات المهدومة]
وهذه مساجد الله ومحاريبه والمزارات والمقامات والقِباب المهدومة بأيدي هؤلاء، أصبحت تشتكي إلى الله.
وحرماته المهتوكة بظلمهم في الحرمين الشريفين والطائف، أمست تصرخ وتستغيث بعدل الله }وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا{ الآية.
وإليك أسماء القباب الشريفة التي هدموها في الثامن من شوال سنة (1344) في البقيع خارجه وداخله:
الأوّل: قبّة أهل البيت(عليهم السلام) المحتوية على ضريح سيدة النساء فاطمة الزهراء ـ على قول ـ ومراقد الأئمة الأربعة: الحسن السبط، وزين العابدين، ومحمد الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق عليهم الصلاة والسلام، وقبر العبّاس ابن عبد المطلب عمّ النبيّ، وبعد هدم هذه القِباب دَرَست الضرائح.
الثاني: قُبّة سيّدنا إبراهيم ابن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
الثالث: قُبّة أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
الرابعة: قُبّة عمّات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
الخامسة: قُبّة حليمة السعدية مرضعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
السادسة: قُبّة سيّدنا إسماعيل ابن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام).
السابعة: قُبّة أبي سعيد الخدري.
الثامنة: قُبّة فاطمة بنت أسد.
التاسعة: قُبّة عبدالله والد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
العاشرة: قُبّة سيّدنا حمزة خارج المدينة.
الحادية عشرة: قبّة علي العريضي ابن الإمام جعفر بن محمد خارج
المدينة.الثانية عشرة: قُبّة زكي الدين خارج المدينة.
الثالثة عشرة: قُبّة مالك أبي سعد من شهداء أُحد داخل المدينة
الرابعة عشرة: موضع الثنايا خارج المدينة.
الخامسة عشرة: مصرع سيّدنا عقيل بن أبي طالب(عليه السلام).
السادسة عشرة: سيّدنا عثمان بن عفان.
السابعة عشرة: بيت الأحزان لفاطمة الزهراء.
ومن المساجد مسجد الكوثر، ومسجد الجنّ، ومسجد أبي قبيس، ومسجد جبل النور، ومسجد الكبش... إلى ما شاء الله.
كهدمهم من المآثر والمقامات وسائرالدور والمزارات المحترمة، كما صرّح بها في ( المفاوضات ).
[نهب الأملاك والأموال]
هذا، بعدما نهبوا جميع ما فيها.
كما قد نهبوا حرم النبيّ من قبل، ولم يراعوا حرمته، فأخذوا في تلك السنة ما كان في خزانة الرسول من الحُليّ والحُلَل، كما عن تاريخ عجائب الآثار للجبرتي.
قال ـ في ضمن تاريخ سنة 1223 ـ: ويقال: إنّه ملأ الوهّابي أربعة صناديق من الجواهر الُمحلاّة بالألماس والياقوت العظيمة القدر.
من ذلك أربع شمعدانات من الزُّمُرُّد وبدل الشمعة قطعة الماس تضيء في الظلام.
ونحو مائة سيف لا تُقوّم قِراباتها، ملبّسة بالذهب الخالص، ومنزّل عليها ألماس والياقوت، ونصابها من الزُّمُرُّد واليشم ونحو ذلك، ونصلها من الحديد الموصوف، وعليها أسماء الملوك والخلفاء، السالفين.
وليت شعري بأيّ حقّ لهم، وبأي وجه نهبوا وأخذوا؟!
وبأيّ حكم حكموا في أموال المسلمين، وخالفوا كتاب الله و[سُنّة] رسوله وسُنّة الشيخين؟!
أو ماذُكر عند عمر بن الخطاب حُليّ الكعبة، فقال قوم: لو أخذته فجهّزتَ به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، وما تصنع الكعبة بالحُليّ؟!
فَهمّ عمر بذلك، وسأل عنه أمير المؤمنين، فقال: (إنّ القرآن أُنزل على النبي والأموال أربعة: أموال المسلمين، فقسّمها بين الورثة، والفرائض والفيء، فقسّمها على مستحقّيها، والخمس فوضعه حيث وضعه، والصدقات فجعلها حيث يجعلها. وكان حُليّ الكعبة فيها ـ يومئذ ـ فتركه الله على حاله، ولم يتركها نسياناً، ولم يخفَ عنه مكاناً فأقرّه حيث أقره الله ورسوله).
فقال عمر: «لولاك لافتضحنا»، وترك الحُلْيّ بحاله.
[سفك الدماء]
ثمّ، وبعدما اجترؤوا على هتك حرمات الله ورسوله بهدم قبابها ونهب ما فيها، تجاسروا على سفك دماء المسلمين، وأشراف المؤمنين من الموحّدين، والسادة المنتجبين من قاطني حرم الله، ومجاوري الطائف من بيت الله.
وما ذنبهم إلاّ التوحيد وقراءة القرآن المجيد، فسفكوا دماءهم، وأباحوا أموالهم وأعراضهم وحرائرهم بمرْأىً من الله ورسوله ونصب عينه.
وهم يصرخون ويضجّون ويعجّون وينادون: يا ألله، يا محمّداه، يا رسول الله.
وكان قد تألّف في هذه السنة (1345) وفد من أشراف الهند ومؤمنيهم، قاصدين إلى الحجاز بعنوان «جمعيّة خدّام الحرمين» ; وذلك ليتحقّقوا عظمة سلطان نجد والوهّابيّين عن مهاجماتهم للطائف والحرمين الشريفين.
فسألوهم حول هذه العناوين عن مسائل (89) تسع وثمانين.
فكان نتيجة التحقيق من أمر الطائف ما ذكروه في الصحيفة الخامسة، نمرة (هـ ) من منشورها بعنوان «المفاوضات الخطّيّة» المتبادلة المطبوعة في محروسة الهند، غضون يناير ـ فبراير سنة (1926) ـ.
قال: كلّ أحد حتّى السلطان ومستشاره اعترفوا بأنّ النجديين أعطوا أهل الطائف الأمان، ثمّ نهبوا تلك البلدة، وقتلوا بالرصاص الرجال والنساء.
وأخرجوا بعض النساء وحبسوهنّ في بستان ثلاثة أيّام بلا طعام، وبعد ذلك أعطوا لكلّ مائة شخص منهم كيساً من دقيق.
وجرّوا أجساد الموتى كما تُجرّ البهائم إلى الدفن بلا صلاة ولا تغسيل.
وعذّبوا أناساً كثيرين لإخراج الكنوز.
وأرسلوا الباقين حفاة عراة إلى مكّة.
ونهبوا أموال المسلمين كغنيمة.
وأُمراء الطائف اليوم في مكّة فقراء، والمخدّرات اللواتي لم تكن غير السماء ترى وجوههن، يشتغلن اليوم بغسل الحوائج وطحن الحنطة بحالة تفتّت الأكباد.
والسلطان يظهر البراءة من هذه الفظائع، ويتمثّل في الجواب عنها بقصّة خالد ابن الوليد.
ولكنّه في الوقت نفسه أخذ خمس الغنائم ومنهوبات المسلمين، ودخل جند ابن السعود مكّة سلماً لا حرباً.
وهدموا المساجد والمزارات والقباب والمقامات، وصور أنقاضها لدينا،
وسننشرها على حِدَة مع إحصاء المساجد والمزارات والمقامات الجليلة المهدّمة.
[هتك حرمة العقائد]
قال: وأمّا حرمة المعتقدات فهي مفقودة في الحجاز، وليس للسلطان حرمة والناس يُضربون على قول: «يا رسول الله» !
والنجديّون إذا طافوا يدفعون الناس ويحقّرون المذاهب «المدارس».
ودور الكتب أقفلها النجديّون أو بعضها.
والسلطان أعطى قليلا منها إعانات زهيدة، بشرط تعلّم مبادىء الوهّابيّة.
والتي لا تفعل، لا تفتح.
التدخين: يعاقِبون عليه عقاباً شديداً.
ولكلّ نجديّ الحقّ بإنزال العقاب حسب مشيّته.
والسلطان يتقاضى رسوم الدخان !
ويغري الناس على جلبه ! حتّى إذا شرِبوه عاقبهم. انتهى.
فاعتبر أيّها المنصف.
أو لم يكن لبلاد المسلمين ـ ولا سيّما لمجاوري حرم الله ورسوله ومن بحماه ـ حرمة وأمن؟!
أو لم يجعل الله لهم بشرف جوارهم احتراماً؟!
أو لم يلعن الله ورسوله من حقّر مسلماً، أو استحلّ حرمةً، كما لعن المستحلين لحرمة عترته في الحديث المتقدّم؟!
أو لم يلعن الله من أحدث في المدينة أو آوى محدثاً؟!
[حرمة المدينة]
ففي «الكنوز» للمناوي باب الميم قال: (من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ) أخرجه من مسند أحمد(1).
وفيه عن صحيح ابن حِبّان: (من أخاف أهل المدينة أخافه الله)(2).
وفي «جامع البخاري» قال: (لو رأيت الظِّباء بالمدينة ترتع لما ذعرتها)، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (ما بين لا بَتَيْها حرام)(3).
وفيه عن النبيّ: (لا يكيد أهل المدينة أحد إلاّ انماع كما ينماع الملح في الماء)(4).
وعن «الجمع بين الصحيحين» للحميدي، من الثامن والأربعين من أفراد مسلم، في الصحيح من مسند أبي هريرة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبيّ قال: (المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثاً، أو آوى مُحدِثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه عدلا ولا صرفاً)(5).
وزاد في حديث سفيان: (وذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أحقر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة عدلا ولا صرفاً).
أقول: وبعد ذلك فإن أردت الحقيقة فأنسب حديث الانتحال إلى التوحيد تارة، والتشبّث بحديث أبي الهياج أُخرى.
ثمّ اعتبرهما بما ورد من النبيّ في الصحاح والقياس إلى بعض الأقلّ من هذه الصادرات، من الدماء المسفوكات وهتك الحرمات، فتجد الحقيقة كالشمس الضاحية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 4/55.
(2) لاحظ مجمع الزوائد 3/307.
(3) صحيح البخاري 2/221.
(4) صحيح البخاري 2/222.
(5) صحيح البخاري 2/221 و 4/67 و 8/10 و 8/148، وصحيح مسلم 4/115 و 217.
[منع الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)]
واعتبرها أيضاً بعد ذلك بحديث المنع من الصلوات على سيّد الكائنات.
فإنّ شيخهم وزعيمهم ممّن كان يكره الصلوات على رسول الله، ويتأذّى من استماعها، ويمنع منها وإلاعلان بها على المنارات في ليالي الجمعة.
وكان بحيث لو سمعها ممّن جهر بها عاقبه بها، يزعم أنّها منافية للتوحيد.
وقد سبقه إلى هذا عبد الله بن الزبير، فقطعها من الجمعة والجماعة، ومنع عنها أتباعه وأشياعه.
قال ابن أبي الحديد فيما رواه عن المدائني، قال:قطع عبدالله بن الزبير في الخطبة ذكر رسول الله جُمُعاً كثيرة، فاستعظم الناس ذلك.
فقال: إنّي لا أرغب عن ذكره، ولكن له أُهيل سوء ! إذا ذكرته أتلعوا أعناقهم، فأنا أُحبّ أن أكبتهم(1)...
إلى قوله: ولم يذكر رسول الله في خطبته ; لا يوم الجمعة ولا غيرها، عاتبه قوم من خاصّته وتشاءموا بذلك منه، وخافوا عاقبته.
فقال: ما تركت ذلك علانية إلاّ وأنا أقوله سرّاً وأُكثر منه، لكن لما رأيت بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبوا واحمرّت ألوانهم، وطالت رقابهم.
والله ما كنت لآتي سروراً وأنا أقدر عليه.
والله لقد هممتُ أن اُحْظِرَ لهم حظيرة، ثم أُضرمها ناراً.
فإنّي لا أقتل منهم إلاّ آثماً كفّاراً سحّاراً.
لا أنماهم الله ولا بارك عليهم.
بيت سوء لا أوّل لهم ولا آخر...
إلى آخر ما كفر به.
ومن بعده زياد ابن أبيه حيث خطب الخطبة البتراء، لم يحمد الله فيها، ولم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ تاريخ اليعقوبي 2/261، ومروج الذهب 3/88.
يصلّ على النبيّ وآله، كما في تفسير «مجمع البيان» سورة الكوثر(1).
وأمّا محمّد بن عبد الوهّاب:
فقد كان في مسجد الدرعية وعاصمة بلده ومركزه، وهو يقول في خطبته: من توسّل بالنبيّ فقد كفر.
واعلم أن أمر ابن الزبير وابن سميّة أهون من أمر الرجل وأشياعه.
فإنّ اعتذارهما فيما أنكراه من الصلوات إن كان من أهل محمّد، فقد كان الرجل إنكاره من محمّد نفسه.
والعياذ بالله ممّن طبع الله على قلبه وأعماه.
مع ما عرفت من إجماع أهل القبلة على وجوب التوسّل به، فكيف بالصلوات عليه؟
فلعن الله منكري الضرورة من الدين، وجاحدي آيات القرآن المبين.
[الله: يصلّي في القرآن على نبيّه]
وهذا كتاب الله الحَكَم الفَصْل.
وقد صلّى الله وملائكته على نبيّه، فقال تعالى: }إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ
ــــــــــــــــــــــــــــ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيماً{.
(1) لاحظ الصحاح للجوهري (مادة: بتر) 2/584، وكذلك لسان العرب.
خاتمة
[من دلائل النبوّة: التحذير من الفتنة]
ومن معجزات نبيّنا الباقية.
ما أخبر به ـ زُهاءَ ألف سنة قبل هذا ـ بظهور هذه الفتنة ممّن يسعى ويجدّ في هدم أعلام الدين وبقيّة النبيّين، وإطفاء مآثرهم وتخريب آثارهم ومشاهدهم وبقاعهم، وتعيير الصالحين من زوّارهم والمعاهدين لديهم، فلا يزداد بذلك أمر الله إلاّ عُلُواً ونوراً، كما أخبر الله تعالى به في قوله: }وَيَأْبَى اللهُ إلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ{:
[أحاديث تنبىء بالمنع عن الزيارة وبالعداء للمشاهد](1)
منها: ما صحّ لي روايته ورواه الحفّاظ وأجلّة الأثبات والثقات، وهو الحديث المتقدّم بإسنادهم إلى عمارة بن يزيد، عن أبي عامر البناني واعظ أهل الحجاز، عن الإمام جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه الحسين بن علي(عليهم السلام) عن أبيه عليّ، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (ولكن حثالة من الناس يُعيِّرون زوّار قبوركم، كما
تعير الزانية بزنائها، أُولئك شرار أُمّتي لا أنا لهم الله شفاعتي، ولا يَرِدون حوضي)(2).ومنها: ما رواه رئيس المحدّثين في المائة الثالثة مولانا الشيخ أبو جعفر محمّد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ كتاب (شفاء السقام) للامام السبكي في الحث على زيارة المشاهد وتعظيمها.
(2) رواه الطوسي الإمامي في تهذيب الأحكام 6/22 و 107، ورواه العلامة الحلي الإمامي في كتاب منتهى المطلب 2/890، والشهيد في الذكرى ص69 و 155، وانظر الحدائق الناضرة 17/405، وجواهر الكلام 4/341 و 20/92، وانظر وسائل الشيعة 10/298، ومستدرك الوسائل 10/215.
بن قولويه(1)، وأخرجه بإسناده عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام)، عن عقيلة أهل البيت عمّته زينب بنت علي بن أبي طالب، عن أبيها أمير المؤمنين(عليه السلام).
وأُخرى روته عن أُم أيمن، عن رسول الله، عن جبرئيل، عن الله ـ عزّوجلّ ـ في حديث طويل يذكر فيه ما سيكون من أُمته، وما يجري منهم من بعده على أهل بيته، من عظيم شهادة ولده وعترته في يوم الطفّ... .
إلى قوله: (ثمّ يبعث الله قوماً من أُمّتك لا يعرفه الكفّار، ولم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، فيوارون أجسامهم، ويقيمون رسماً لقبر سيّد الشهداء بتلك البطحاء، ويكون علماً لأهل الحقّ، وسبباً للمؤمنين إلى الفوز، وتحفّه ملائكة من كلّ سماء مائة ألف مَلَك في كلّ يوم وليلة يُصلّون عليه، ويسبِّحون الله عنده، ويستغفرون الله لزواره، ويكتبون أسماءَ من يأتيه زائراً من أُمّتك متقرّباً إلى الله وإليك بذلك، وأسماءَ آبائهم وعشائرهم وبلدانهم، ويوسَمون بميسم نور الله: «هذا زائر قبر خير الشهداء وابن خير الأنبياء»، فإذا كان يوم القيامة
يطلع في وجوههم من أثر ذلك الميسم نور تغشى منه الأبصار تدلّ عليهم ويُعرفون به.وكأني بك يا محمّد بيني وبين ميكائيل وعلي أمامنا، ومعنا من ملائكة الله ما لا تُحصى، ونحن نلتقط من ذلك الميسم في وجهه من بين الخلائق، حتى ينجيهم الله من هول ذلك اليوم وشدائده.
وذلك حكم الله وعطاؤه لمن زار قبرك يا محمد أو قبر أخيك أو قبر سبطيك لا يريد به غير الله عزّوجلّ.
ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم): وسيجدّ أُناس ممّن حقّت عليهم من الله اللعنة والسخط أن يعفوا رسم ذلك القبر ويمحوا أثره، فلا يجعل الله تعالى لهم إلى ذلك سبيلا).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه في كامل الزيارات ص265، وعنه في مستدرك الوسائل 10/229.
وممّا رواه الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) أنها قالت في حديثها له يوم الطفّ وتسليتها إيّاه:
(يابن أخي لا يجزعنّك ما ترى، فوالله إنّ ذلك لعهد معهود من رسول الله جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ الله ميثاق أُناس من هذه الأُمّة لا يعرفهم فراعنة أهل الأرض، وهم معروفون في أهل السموات، وإنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة، فيوارونها، وهذه الجسوم المضرّجة.
وينصبون لهذا الطف عَلَماً لقبر أبيك سيّد الشهداء، لا يُدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الأيّام والليالي.
وليجتهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً وأمره إلاّ عُلُوّاً)(1).
تنبيه: أُمّ أيمن في الحديث تعدّ من الثقات جدّاً، وهي المنعوتة في لسان النبيّ أنّها امرأة من أهل الجنّة، وفيما أخرجه المناوي عن ابن عساكر قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (أُم أيمن
أُمّي بعد أُمّي).[أحاديث في نجد وشروره]
ومنها: مارواه حجّة الإسلام السيّد العلاّمة صدر الدين الحسيني العاملي الكاظمي، عن شيخ الإسلام أحمد بن زيني دحلان في كتابه «خلاصة الكلام»، رواه عن النبيّ أنه قال: (سيظهر من نجد شيطان تتزلزل جزيرة العرب من فتنته).
ويؤيّد هذا الحديث في ذمّ نجد باعتبار أهله، أحاديث رواها أهل الحديث، تكون جواباً عن اعتذار العالم النجدي للعالم العراقي عن الصحيحة التي رواها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ بحار الأنوار للمجلسي الإمامي 28/57.
البخاري عن ابن عمران: (هنالك الزلازل والفتن، وفيها يطلع قرن الشيطان)(1).
ومثله ما رواه في الصحيحين عن أبي هريرة عنه أنّه قال: (رأس الكفر نحو المشرق، والفتنة ههنا حيث يطلع قرن الشيطان)(2) وغيرها.
فاعتذر عنهما: بأنّ ما ورد في ذمّ نجد ممّا لا يوجب الرمي به أهله:
فمنها: ما رواه في «شرح السُّنّة» بإسناده عن عُقبة بن عامر، قال: (أشار رسول الله بيده نحو اليمن، وقال: الإيمان يمانيّ ههنا، إلاّ أنّ القسوة وغلظ القلوب في الفدّادين، عند أُصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرن الشيطان في ربيعة ومضر)(3).
ويؤيّده: حديث عُيَيْنة بن حصين يوم عرض الخيل، وذلك لما أغضب النبيّ بما مدح به النجديّين، فغضب حتى ظهر الدم في وجهه فردّ عليه بقوله: (كذبت، بل الجفاء والقسوة في الفدّادين أصحاب الوبر ربيعة ومضر، من حيث يطلع قرن الشمس...» إلى قوله: (لعن الله الملوك الأربعة جمداً ومِخْوَساً ومشرحاً وأبضعة وأُختهم العمرّدة)(4) الحديث.
وقد أخرج المناوي بعض هذا الحديث في «الكنوز» عن الدار قطني(5)عنه(عليه السلام)قوله: (الجفاء والقسوة وغلظ القلوب في الفدّادين).
وليكن هنا آخر كلامنا من هذه الرسالة.
والحمد لله ربّ العالمين(6).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 2/23 و 8/95، مسند أحمد 2/118 و 126، وسنن الترمذي 5/390.
(2) صحيح البخاري 4/46 و93، و5/122، و8/95، وصحيح مسلم 8/180، ومسند أحمد 2/18 و 72 و 93 و 111.
(3) صحيح البخاري 4/97، وانظر 4/154، و5/122، و6/178، وصحيح مسلم 1/51، ومسند أحمد 2/258، و2/270 و272 و408 و418 و426 و457 و484 و506، و3/332، و 4/118، و 5/273.
(4) مسند أحمد 4/387، والمستدرك على الصحيحين 4/81، ومجمع الزوائد 10/43، وكنز العمال 12/54.
(5) الكنوز للمناوي 67 الكافي ، لابي جعفر الرازي 8/70 .
(6) الفدّ: صوت الحدي للإبل، كنّى به عن الجمالين من أصحاب الإبل.
أصحاب الوبر: أهل البوادي، فإنّ بيوتهم يتّخذونها منه. قال الجوهري: قرن الشمس أعلاها، وأوّل مايبدو منه في الطلوع، والمراد منه شرقيّ المدينة. قال الفيروز آبادي: مِخْوَس ـ كمِنْبر ـ ومِشْرح، وجمد وأبضعة: بنو معدي كرب، الملوك الاربعة الذين لعنهم رسول الله ولعن أُختهم العمرّدة وفدوا مع الأشعث، فأسلموا ثمّ ارتّدوا، فقُتلوا يوم النجير فقال نائحتهم: يا عينُ إبكي للملوك الأربعة جمداً ومِخْوساً مِشَرْحاً أبضعة ونجد: يطلق على نجد برق، ونجد خال، ونجد الثرا، ونجد عفر، ونجد العقاب، ونجد كب كب، ونجد اليمن. قال ياقوت الحموي: وبعض نجد اليمن في شرقي تهامة، وهي قليلة الجبال مستوية البقاع، ونجد اليمن غير نجد الحجاز، غير أنّ جنوبي نجدالحجاز يتّصل بشمالي نجد اليمن، وبين النجدين برّيّة ممتنعة. «معجم البلدان».