وصول الأخيار إلى أصول الأخبار
تأليف
شيخ الإسلام عزّ الدين
الحسين بن عبدالصمد بن محمّد
الحارثي الهَمْدانيّ العامليّ
والد الشيخ البهائي
(918 ـ 984هـ )
تحقيق
السيد محمد رضا الحسينيّ الجلاليّ
قم المقدّسة - 1420هـ
هويّة الكتاب
دليل الكتاب
مقدّمة التحقيق : المؤلّف والكتاب
مقدّمة المؤلّف
مقدّمة الكتاب وفيها فصول ثلاثة.
أصول خمسة : مَنْ نقلنا عنه حاديثنا وأخذنا معالم ديننا، والأصول الحمسة للحديث الشريف ومؤلّفوها .
أصول سبعة : التعريفات والتقسيمات والاصطلاحات فى الألقاب .
أصول ثلاثة :آداب المحدّثين والعلماء.
أصول خمسة : آدار طلاّب العلم والحديث .
فصلٌ: في كيفيّة سماع الحديث وتحمّله .
فصلٌ: في الإسناد العالي والنازل .
أصول خمسة : في كيفيّة رواية الحديث .
فصلان: في أحوال الصحابة .
أصول ثلاثة في اختلاف الحديث .
أصلٌ: موافقة الحديث للكتاب ومخالفته .
؟صلٌ: بطلان القياس والاستغناء عنه .
أصلٌ: حجيّة الخبرووجوب العمل به .
؟صلٌ: في مَنْ تقبل روايته .
؟صلٌ: في ألفاظ التعديل والجرح .
؟صلٌ: في كيفيّة كتابة الحديث وضبطه .
خاتمة : في الرموز والاحتصارات .
الفهارس العامّة
مقدّمة التحقيق
الحمد لله ربّ العالمين الذي جعل حديث رسوله الكريم حُجّةً مع القُرآن العظيم ومصدراً ثرّاً للمعرفة بالدين القويم في الأصول والفروع.
والصلاة على سيّدنا محمّد الرسول الأعظم الذي صدع بالوحي المبين فبيّنه بما آتاه الله من الفصاحة والبالغة ، وأدّى حقّ بلاغه بما بثّه من الحديث الشريف روايةً وتدويناً، لا تأخذه في ذلك لومة لائم ولا يصدّه منعُ مانع.
وعلى الأئمة المعصومين من آله الأطهار الذين قرن الله طاعتهم بطاعته وأوجب مودّتهم على المؤمنين بدينه وملّته وجعلهم خزّاناً لعلمه وحكمته وأمناء على وحيه وشريعته فكانوا للمسلمين سفن النجاة وسط العواصف والزوابع وقد عرف المخلصون من المسلمين واجبهم في الجفاظ على الحديث الشريف كما صنعوا مع القرآن الكريم فجدّوا في صيانته وتكريمه وحاطوه بكل رعاية وعناية وصانوه من كلّ ما يمسّ قدسه وطهره، فها هو القرآن المجيد يتلألؤ وجوده الشريف مزداناً بكلّ ما يتصوّر من قدس وعظمة ومجد، وها هو الحديث الشريف بما له من سعة وضخامة يتمتّع بالصيانة الكاملة والرعاية التامّة كما تواتر عليه العمل والجهد البيغ منذ الأعوام والقرون الطوال وبالأدوات العلمية الرصينة وطبقاً للموازين والاسس المقبولة التي زاولوا بها عملية الجمع والتدوين والنقل ومن تلك الأدوات : هي ما ابتكروه من قوانين « علم الدراية ومصطلح الحديث » التي تهدف إلى معرفته متناً وسنداً وتجديد معالمه وتقويم أسسه فحقّ أنْ يعدّ هذا العلم « ميزاناً » لمعرفة الحديث كالمنطق بالنسبة إلى الاستدلال العقلي. وكان للشيعة الكرام ـ زاد اللهُ في عزِّهِم وجَلالِهِم ـ القدم الراسخة في توطيد أركان الحديث وعلومه وتشييد مبانيه تدويناً ونشراً وتأسيساً وتحقيقاً، ولهم في هذا العلم كما في سائر العُلُوم الأسلاميّة من التُراث المسجّل كُنُوزٌ واسعةُ الأطراف يعيدةُ الأغْوار، بين ما هو مبثوثٌ منتشرٌ في المؤلّفات الكبيرة والموسوعات الضخمة، وما هو مجموعٌ في الكتب المستقلّة الخاصّة بالفنّ، ومن أبدعها منهجاً وأفضلها جمعاً وعرضاً هو كتاب «وصول الأخيار إلى أصول الأخبار» لشيخ الإسلام عزّ الدين الحسين بن عبدالصمد بن محمّد الحارثي الهَمْدانيّ العامليّ (918 ـ984هـ) والد الشيخ البهائي، وهو ثاني كتاب بعد البداية وشرحها للشهيد الثاني «911 ـ965 هـ».
وقد وفّقني الله للعمل على هذا الكتاب بالضبط والتخريج بما في وسعي عسى أنْ أؤدّي ما في ذمّتي من واجب إحيائه وتسهيل أمر مراجنه على الأعزّاء من إخواني أهل العلم ومحبّي الحديث الشريف.
وأسأل الله ـ عمّت آلاؤه ـ أنْ يتقبّلَ أعمالي بأحسن القبول، بفضله وكرمه إنّه المنعمُ الكريمُ.
ولنقدّم تعريفاً بالمؤلّف والكتاب وعملنا فيه.
المؤلّفُ
شيخُ الإسلام الحسينُ بنُ عبدالصَمَد بن محمّد، عزُّ الدين الحارثيُّ الهَمْدانيُّ العامِليُّ والد الشيخ البهائي
(918 ـ 984 هـ)
حياته ونشاطه العلميّ()
اسمه ونسبه:
الشيخ عزّ الدين، الحسين بن عبدالصمد بن شمس الدين محمّد بن علي بن حسين بن محمّد بن صالح، العامليّ،الجبعيّ، الحارثيّ، الهَمْدانيّ، والد الشيخ البهائيّ.
مولده ووفاته ومدفنه:
في الرياض عن خطّ المترجم له أنّه قال: مولد هذا الفقير الكاتب أوّل يوم من المحرّم سنة (918هـ).
وكتب ولده الشيخ البهائيّ بخطّه تحت مولد أبيه: انتقل إلى دار القرار ومجاورة النبيّ والأئمّة الأطهار(عليهم السلام) في (8 ربيع الأوّل سنة 984هـ) فكان عمره (66) سنة وشهرين وسبعة أيّام().
وكانت وفاته بالبحرين بقرية المصلّى من قرى هجر، ودفن بها.
نسبته:
الحارثيّ:نسبة إلى الحارث بن عبدالله الأعور الهَمْداني صاحب أميرالمؤمنين(عليه السلام)ومن أخَصّ أصحابه، وللحارث مع أمير المؤمنين(عليه السلام)أخبار كثيرة ذكرت في ترجمته، والهَمْدانيّ: نسبة إلى هَمْدان ـ بسكون الميم وبالدال المهملة ـ قبيلةٌ من اليمن.
أقوال العلماء في حقّه:
كان المترجَم تلميذاً للشهيد الثاني، وهو صاحبه في سفرته إلى إسلامبول، وأجازه الشهيد الثاني بإجازة طويلة مفصّلة ذكرها بتمامها الشيخ يوسف البحراني في كشكوله() وهي بتاريخ (941هـ) قال فيها:
«إنّ الأخ في الله المصطفى في الاُخوّة المختار، المرتقي عن حضيض التقليد إلى أوج اليقين، الشيخ الإمام العالم الأوحد، ذا النفس الطاهرة الزكيّة، والهمّة الباهرة العليّة، والأخلاق الزاهرة الإنسيّة، عضد الإسلام والمسلمين، عزّ الدنيا والدين، حسين ابن الشيخ الصالح العالم العامل المتقن المتفنّن خلاصة الأخيار الشيخ عبدالصمد ابن الشيخ الإمام شمس الدين محمّد الشهير بالجبعي أسعد الله جدّه، وجدّد سعده، وكبت عدوّه وضدّه، ممّن انقطع بكليّته إلى طلب المعالي وواصل يقظة الأيّام بإحياء الليالي، حتّى أحرز السبق في مجاري ميدانه، وحصّل بفضله السبق على سائر أترابه وأقرانه، وصرف برهة من زمانه في تحصيل هذا العلم، وحصل منه على أكمل نصيب وأوفر سهم، فقرأ على هذا الضعيف، وسمع كتباً كثيرة في الفقه والاُصولين والمنطق وغيرها.
فممّا قرأه من كتب اُصول الفقه: مبادىء الوصول، وتهذيب الاُصول، من مصنّفات الداعي إلى الله تعالى جمال الدين الحسن بن يوسف بن المطهّر(قدس سره) وشرح جامع البين في مسائل الشرحين، للشيخ الإمام الأعلى شمس الدين محمّد بن مكّي عرج الله بروحه إلى دار القرار، وجمع بينه وبين أئمّته الأطهار.
ومن كتب المنطق: رسائل كثيرة منها: الرسالة الشمسيّة للإمام نجم الدين الكاتبي القزوينيّ، وشرحها للإمام العلاّمة سلطان المحقّقين والمدقّقين قطب الدين محمّد بن محمّد بن أبي جعفر بن بويه الرازي أنار الله برهانه وأعلى في الجنان شأنه.
وممّا سمع من كتب الفقه: كتاب الشرائع، والإرشاد، وقرأ جميع كتاب قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام من مصنّفات شيخنا الإمام الأعلم أستاذ الكلّ في الكلّ جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر; قراءةً محقّقةً جمعت بين تهذيب المسائل وتنقيح الدلائل حسبما وسعته الطاقة واقتضت الحال، وقرأ وسمع كتباً أُخرى().
وفي أمل الآمل(): كان عالماً ماهراً محقّقاً مدقّقاً متبحّراً جامعاً أديباً منشئاً شاعراً عظيم الشأن جليل القدر ثقة من فضلاء تلامذة شيخنا الشهيد الثاني، وقد أجازه الشهيد الثاني إجازة عامّة مطوّلة مفصّلة، نقلنا منها كثيراً في هذا الكتاب.
وكان المحقّق الكركي الشيخ علي بن عبدالعالي أمر أهل عراق العجم وخراسان أن يجعلوا الجَدْيَ حال الصلاة بين الكتفين، وغيّر محاريب كثيرة، فخالفه المترجم في ذلك، وألّف فيه رسالةً سمّاها (تحفة أهل الإيمان في قبلة عراق العجم وخراسان) لأنّ طول تلك البلاد يزيد على طول مكّة كثيراً، وكذا عرضها، فيلزم انحرافهم عن الجنوب إلى المغرب كثيراً، ففي بعضها - كالمشهد - بقدر نصف المسافة خمساً وأربعين درجة، وفي بعضها أكثر، وفي بعضها أقلّ.
وكان سافر إلى خراسان وأقام في هرات، وكان شيخ الإسلام بها، ثمّ انتقل إلى البحرين وبها مات سنة 984 وكان عمره 66 سنة.
ييوفي رياض العلماء: كان فاض عالماً جلي أُصولياً متكلّماً فقيهاً محدّثاً شاعراً، ماهراً في صنعة اللغز، وله ألغاز مشهورة خاطب بها ولده البهائي، فأجابه هو بأحسن منها، وهما مشهوران، وفي المجاميع مسطوران.
وكان والده وجدّه أيضاً من العلماء، وكذا ولده الآخر الشيخ عبدالصمد.
وكان معظّماً عند الشاه طهماسب الصفوي بعد ما جاء إلى بلاد العجم، لمّا توفّي المحقّق الشيخ علي الكركيّ، وهو من القائلين بوجوب الجمعة في زمن الغيبة عيناً، والمواظبين على إقامتها في بلاد العجم، لا سيّما خراسان.
وقال المولى مظفّر علي - أحد تلاميذ ولده البهائيّ - في رسالته الفارسية التي عملها في أحوال شيخه البهائيّ، على ما حكاه صاحب الرياض: وكان والد هذا الشيخ ـ أي البهائي ـ في زمانه من مشاهير فحول العلماء الأعلام والفقهاء الكرام، وكان في تحصيل العُلُوم والمعارف وتحقيق مطالب الاُصول والفروع مشاركاً ومعاصراً للشهيد الثاني، بل لم يكن له قدّس الله سرّه - في علم الحديث والتفسير والفقه والرياضيّ - عديلٌ في عصره، وله فيها مصنّفات.
وقال المولى نظام الدين محمّد - تلميذ ولده البهائيّ - في كتابه نظام الأقوال في أحوال الرجال، في حقّه: الحسين بن عبدالصمد بن محمّد الجبعيّ الحارثيّ الهَمْدانيّ، الشيخ العالم الأوحد صاحب النفس الطاهرة الزكيّة والهمّة الباهرة العليّة، والد شيخنا أدام الله ظلّه البهيّ، من أجلّة مشايخنا يقدّس الله روحه الشريفة، كان عالماً فاض مطّلعاً على التواريخ ماهراً في اللغات، مستحضراً للنوادر والأمثال، وكان ممّن جدّد قراءة كتب الأحاديث ببلاد العجم، له مؤلّفات جليلة ورسالات جميلة، ويدلّ على اعتنائه بعلم الحديث أنّه كتب التهذيب بخطّ يده، وقابله مع شيخه الشهيد الثاني على النسخة التي بخطّ المؤلّف.
في الرياض: «رأيت نسخة التهذيب التي بخطّ المترجم، وهي التي قابلها مع الشهيد الثاني بالنسخة التي بخطّ الشيخ الطوسيّ، ورأيت مجلّدين من النسخة التي بخط الشيخ الطوسيّ -أيضاً- بين كتب الشهيد الثاني، وعليها خطّ المترجم بأنّه قابل بها»().
وقرأ فهرست الشيخ الطوسيّ على شيخه المذكور،وصحّحه وضبطه واشتغل بذلك في شهر رمضان الذي تشتغل الناس فيه بالعبادة، لأنّهما رأيا أنّ ذلك من أفضل العبادات.
في الرياض: رأيت نسخةً من فهرست الشيخ الطوسي قرأها المترجم على الشهيد الثاني، وكتب الشهيد الثاني بخطّه في آخرها: «أنهاه أيّده الله تعالى وسدّده وأدام مجده وأسعده قراءةً وتصحيحاً وضبطاً، في مجالس آخرها يوم الأحد منتصف شهر رمضان المبارك سنة 954، وأنا الفقير إلى الله تعالى زين الدين بن علي بن أحمد الشاميّ العامليّ حامداً مصلّياً مسلّماً».
قال الأمين: وأنا رأيتُ هذه النسخة بعينها في طهران عام (1353هـ) وعليها خطّ الشهيد الثاني المذكور كما ذكر، وهو خطّ جميل، وقد كتب تحته: «هذا خطّ شيخنا الشهيد الثاني» وأظنّ أنّ الكاتب هو الشيخ البهائي، وكتب كاتب النسخة في آخرها ما لفظه: «وافق الفراغ من هذا الكتاب عشيّة نهارالسبت العاشر من شهر ربيع الأوّل 954 وكتبه العبد الفقير إلى رحمة ربّه محمّد بن محمّد الحسيني البعلي».
وكانت هذه النسخة ملك المترجم، ثمّ انتقلت إلى ولديه الشيخ البهائي وأخيه عبدالصمد، وكتب عليها الشيخ البهائيّ بخطّه الجميل: «هذا مشترك بيني وبين أخي عبدالصمد أطال الله بقاءه»ثمّ انتقلت النسخة إلى من وقفها،وكتب صورة وقفها على ظهرها،وكانت رؤيتي لها قبل مغادرتي طهران بيسير، فتعهّد لي السيّد الفاضل الصالح النجيب السيّد مصطفى الموسوي الشيرازي البيرمي الرازي الحجازي لقباً بنسخها، فنسخها وأحضرهالي معه إلى دمشق في طريقه إلى الحجاز جزاه الله عنّي خيراً.
وبالجملة، فقد دلّت مؤلّفاته على رسوخ قدمه وتقدّمه في العُلُوم الدينيّة من الفقه وعلم الحديث والدراية والتفسير والعُلُوم الأدبية والرياضيات، حتّى خطّأ المحقّق الثاني في أمر القبلة، ومكانته بين العلماء معروفة.
وذكره اسكندر بك التركماني منشىء الشاه عبّاس الصفوي في كتابه تاريخ عالم آراي عبّاسي، الذي هو في تاريخ دولة الشاه عبّاس الأوّل يالصفوي، فقد عقد فيه فص في آخر سيرة الشاه طهماسب الصفوي لذكر المشايخ والعلماء الأعلام والفضلاء ذوي العزّ والاحترام الذين كانوا في يدولة الشاه طهماسب، وعدّ منهم الشيخ البهائيّ وذكر ترجمة والده أوّ فقال يما تعريبه: كان من مشايخ جبل عامل العظام، وكان فاض عالماً في جميع العُلُوم خصوصاً الفقه والتفسير والحديث والعربية، وصرف خلاصة أيّام شبابه في صحبة الشهيد الثاني زبدة العلماء الشيخ زين الدين عليه الرحمة، وكان مشاركاً ومساهماً له في تصحيح كتب الحديث والرجال وتحصيل مقدّمات الاجتهاد وكسب الكمال، وبعد ما نال الشيخ زين الدين درجة الشهادة بسبب التشيّع على يد الروميين الملوك العثمانية، توجّه المشار إليه المترجم له من وطنه المألوف إلى بلاد العجم، فحظي عند الشاه طهماسب، وصار مصاحباً له معظّماً عنده في الغاية، وأذعن له علماء العصر بمرتبة الفقاهة والاجتهاد، وسعى سعياً بليغاً في إقامة صلاة الجمعة وكانت متروكة لاختلاف العلماء في شروطها، وصار يقيمها، ويأتمّ به خلق كثير، ثمّ فوّض إليه منصب شيخ الإسلام، وهو أكبر منصب ديني وتصدّى للشرعيّات والقضاء بالنيابة في ممالك خراسان عموماً وفي بلدة هرات خصوصاً، وتقلّد تلك المناصب بها برهةً طويلةً، وكان يشتغل فيها بترويج الشريعة، وتنسيق بقاع الخير، وإفادة العُلُوم الدينيّة، وإفاضة المعارف اليقينيّة، وتصنيف الكتب والرسائل، وحلّ المشكلات، وكشف غامض المعضلات، إلى أن اشتاق إلى حجّ بيت الله الحرام وزيارة قبر سيّد الأنام وقبور أبنائه الأئمّة الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فتوجّه إلى الحجّ والزيارة، وبعد ما وفّق لذلك ذهب إلى بلد الاحساء والبحرين، وأقام بها وصاحب علماءها وفضلاءها، إلى أن وافاه أجله في بلد البحرين.
وبالجملة فهذا الرجل مفخرةٌ من مفاخر جبل عامل، فهو لا يقتصر على أن يكون فقيهاً بارعاً ومحدّثاً جامعاً حتّى تصبو نفسه إلى السفر مع شيخه الشهيد الثاني إلى عاصمة ملك العثمانيين، وأخذ التدريس في أحد مدارس المدن العثمانية، ويسافر في البلاد، ويُدْخل بعض علماء حلب في مذهب أهل البيت، بحجّته البالغة.
ثمّ لمّا وقع على شيخه ما وقع من القتل الفظيع، بسبب التعصّب الدينيّ الشنيع الذي أوجب الخوف والاستذلال في علماء بلاده، لم ترض نفسه بتحمّل ذلك، فهاجر بأهله وعياله وأولاده إلى بلاد إيران، ولم تمنعه الغربة عن أن يكون المقدّم على علماء تلك البلاد أوّل وروده إليها، فيسند إليه أكبر منصب دينيّ فيها، ويكون معظّماً إلى الغاية عند ملوكها وأُمرائها وعلمائها، وأن يختاره ملكها المسلّط الواسع المملكة، لمشيخة الإسلام في عاصمة ملكه قزوين، فيقيم فيها سبع سنين، يدرّس ويعظ وينشر علوم أهل البيت، ولابدّ أن يكون تعلّم الفارسية لسان أهلها وأتقنه، حتّى يتيسّر له ذلك ويقيم صلاة الجمعة المتروكة.
ثمّ يختاره لمشيخة الإسلام في المشهد المقدّس الرضوي، أحد مدن ايران الكبرى، ثمّ شيخاً للإسلام في هرات عاصمة بلاد الأفغان بعد فتح الصفوية لها، وما اختاره لذلك إلاّ لما رأى فيه من الكفاءة التامّة لإرشاد أهلها - وجلّهم على غير مذهب أهل البيت - وغير خفيّ حراجة مثل هذا الموقف، فيتمكّن ببراعته وسعة علمه وقوّة معرفته من تأدية هذه الرسالة على أكمل وجه، فيقيم فيها ثمان سنين، ثمّ يفارقها ويترك تلك المناصب زُهْداً في الحياة الفانية، وهي من أنزه بلاد الله وأجملها وأكثرها خيرات، كما يدلّ عليه وصف البهائي لها في اُرجوزة مذكورة في ترجمته، ويعزم على مجاورة بيت الله الحرام، ثمّ يعدل المترجم عن هذا العزم، ويسكن بلاداً على الضدّ ممّا كان فيه، فيسكن البحرين بلد الفقر والفاقة كجبل عامل، لِطَيْف يراه ويستدلّ منه على أنّ سكناها أقرب لمرضاة الله، ولم يكتف بذلك لنفسه حتّى طلب الرخصة لولده، وحاول أن يحمله على مثل ذلك، وكتب إليه في ذمّ سكني إيران، ليس ذلك إلاّ زُهْداً في الدنيا وحبّاً بالعزلة، وإلاّ فلم يلقَ هو وولده في إيران إلاّ كلّ تعظيم وإكرام.
يإنّ رج كهذا لهو قويّ الإرادة ماضي العزيمة حاكمٌ على شهوة نفسه قبل أن تحكم عليه ولم تشغله هذه الحالات عن أن يصنّف ويؤلّف المؤلّفات النافعة، ويستنسخ كتب الحديث بيده ويقابلها بنفسه، وكان ما كتبه المترجم إلى ولده البهائيّ بقي في مخيّلته وانطبع في نفسه، فلم تمض مدّة طويلة حتّى ترك الرئاسة العظيمة وفارق إيران، وساح في الدنيا ثلاثين سنة بزيّ الدروايش، وتحمّل مشقّة الأسفار على تلك الصفة، وشظف العيش، ليس سنة أو سنتين بل ثلاثين سنة، وهو يقول في كشكوله، تبرّماً بما هو فيه من الرئاسة: «لو لم يأت والدي إلى بلاد إيران لما ابتليت بصحبة السلطان» ويأسف على أن لا يكون عيشه كعيش شيخ والده الشهيد الثاني، الذي يحرس كرمه في الليل، ويحضر إلى الدرس نهاراً، ويبني داره بيده، وكعيش يشيخ الشهيد الثاني الشيخ علي الميسيّ الذي يحتطب بنفسه لي له ولتلاميذه، كلّ ذلك يدلّنا على زُهْد هؤلاء في الدنيا الفانية، وانصراف أنظارهم إلى الدار الباقية.
وقد أصاب علماء جبل عامل في عصر الملوك الصفويّة - لا سيّما عصر الشاه عبّاس الأوّل وعصر الشاه طهماسب الذي ملك أربعاً وخمسين سنةً - حظّاً عظيماً، فكانوا شيوخ الإسلام في هذه الدولة في أهمّ مدنها، وكان هذا المنصب أعظم منصب علميٍّ ودينيٍّ، وقال صاحب الرياض وأمل الآمل: إنّ معناه «قاضي القضاة» وفوّضت إليهم الأحكام وشؤون الدولة الدينيّة واُطيعت أوامرهم، وكان إلى جملة منهم القضاء والإفتاء، وكفى أنّ الشاه طهماسب يأمر وزيره بإلزام ابنه خدابنده بحضور درس المترجم له ووعظه كلّ جمعة.
منهم: المحقّق الكركيّ، وولده، والشيخ علي المنشار، والمترجم، وولده البهائيّ، والسيّد حسين بن حسن الموسوي الكركي، والسيّد حسين بن حسن الأعرجيّ الحسينيّ الكركيّ، والسيّد حسين بن حيدر الحسيني الكركيّ، ومحمّد بن الحسن الحرّ ، وغيرهم ممّن ذكرنا أحوالهم واعتلاء شأنهم في إيران.
وممّا سمعت تعلم اجتهاد الملوك الصفوية في إكرام العلماء وتأييد المذهب الجعفريّ والدعاية إليه، وتعيين والد البهائي لمشيخة الإسلام بهراة بعد فتحها وفي غيرها قبل ذلك، دليل على ما ذكرناه.
أحواله وأخباره وعلاقته بالشهيد الثاني وسفره معه إلى إسلامبول:
كان مواطناً للشهيد الثاني في جُبَع، وقرأ عليه وتخرّج به، وصاحبه في سفره إلى إسلامبول سنة (952هـ) لطلب تدريس مدرسة من المدارس، وكانت لهذه المدارس أوقافٌ يقبضها المدرّسون ويأخذون بذلك مرسوماً من السلطان العثمانيّ في إسلامبول، فذهبا جميعاً برّاً من طريق حلب إلى إسلامبول، ووصلا إلى حلب يوم الأحد (16 المحرّم 952هـ) وأقاما بها إلى (7 صفر) من السنة المذكورة، ثمّ ارتحلا إلى إسلامبول، فوصلا في (17 ربيع الأوّل منها) فأخذ الشهيد الثاني تدريس المدرسة النوريّة ببعلبك، والمترجم تدريس مدرسة في بغداد، وأقاما في إسلامبول ثلاثة أشهر ونصفاً، وخرج الشهيد منها يوم السبت (11 رجب 952هـ) إلى أسكدار، وأقام بها ينتظر وصول صاحبه الشيخ حسين بن عبدالصمد، لأنّه احتاج إلى التأخّر عنه تلك الليلة.
قال الشهيد الثاني: ومن غريب ما اتّفق لي، حينما نزلت بأسكدار، أنّي اجتمعت برجل هنديٍّ له فضل ومعرفة بفنون كثيرة منها الرمل والنجوم، فقلت له: إنّ قاضي العسكر أشار عليّ بأن أُسافر يوم الاثنين وخالفته، وجئت في يوم السبت، حذراً من نحس يوم الاثنين، لكونه ثالث عشر الشهر، وكان قد ذكر لي قاضي العسكر: إنّ يوم الاثنين جيّد للسفر لا يكاد يتّفق مثله بالنسبة إلى أحكام النجوم، وأنّ سعده يغلب نحسه بسبب كونه ثالث عشر، فقال لي الهندي على البديهة: صدق القاضي، وأمّا يوم السبت الذي خرجت فيه فهو صالح، لكنّه يقتضي أنّك تقيم في هذه البلدة أيّاماً كثيرة، فاتّفق الأمر كما قال، فإنّ الشيخ حسين بعد مفارقتي بحث أمر المدرسة التي كان أعطاه إيّاها القاضي ببغداد، فاحتاج إلى إبدالها بغيرها، فتوقّف لأجل ذلك أحد وعشرين يوماً.
هذا ما نقله الشيخ بهاء الدين محمّد بن علي بن الحسن العودي الجزّيني - تلميذ الشهيد الثاني - عن الشهيد الثاني في رسالته في أحوال شيخه المذكور عرضاً من أحوال المترجم.
وهذا من الشهيد الثاني وتلميذه يدلّ على علوّ الهمّة وبعد النظر وعدم الجمود في علماء جبل عامل، مع ما كانوا فيه من الضغط والاضطهاد من ملوك الدولة العثمانيّة واُمرائها وعلمائها.
ولم يعلم تدريس أيّ مدرسة أخذ بعد أن ترك مدرسة بغداد، أم أنّه لم يأخذ تدريس غيرها، لكن علمنا من تاريخ ولادة ولده الشيخ البهائيّ ببعلبك في (18 ذي الحجّة 953هـ) أنّه كان في ذلك الوقت ببعلبك، ولعلّه أخذ تدريس مدرسة اُخرى بها، أو جاء مع الشهيد الثاني إليها وبقي يقرأعليه؟الله أعلم.
فانّ الصواب أنّ ولادة البهائي كانت ببعلبك،ومن قال: إنّه ولد بقزوين، فقد اشتبه بأخيه عبدالصمد، مع أنّ سفر المترجم إلى إيران كان بعد قتل شيخه الشهيد الثاني الذي استشهد سنة (965هـ).
ويمكن أن يكون المترجم فارق الشهيد الثاني من أسكدار، وعاد إلى بعلبك أو غيرها، فالشهيد الثاني يقول في وصف رحلته هذه: خرجنا من أسكدار يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان سنة (952هـ) ووصلنا إلى مدينة سيواس يوم الاثنين لخمس بقين من شعبان، وخرجنا منها يوم الأحد (2 شهر رمضان) وخرجنا في حال نزول الثلج وبتنا ليلة الاثنين على الثلج، ومن غريب ما اتّفق لي تلك الليلة: أنْ نمتُ يسيراً فرأيتُ كأنّي في حضرة شيخنا الجليل الكلينيّ، ومعي جماعة من أصحابي منهم رفيقي وصديقي الشيخ حسين بن عبدالصمد ...إلى آخره.
وظاهر قوله: «رفيقي» أنّه رفيقه في ذلك السفر، حال رؤيته المنام، لا يالذي كان رفيقه قب.
ثمّ إنّه ما انتظره في أسكدار إلاّ ليرافقه، ولو كان فارقه من أسكدار لذكر ذلك، ولم يذكر أنّه بقي معه لأنّه باق على ما كان عليه قبل، وإذا كان الشهيد الثاني وصل اسكدار (11 رجب سنة 952هـ) وانتظر المترجم بها (21) يوماً ثمّ خرجا يكون خروجهما منها في (2 شعبان سنة 952هـ) كما ذكره الشهيد الثاني في الرحلة.
هذا، ولكن الشهيد الثاني قال في آخر الرحلة: وكان وصولنا إلى البلاد (15 صفر سنة 953هـ) وبعدها باشر التدريس في بعلبك، ولم يعلم مدّة بقائه فيها.
قال: ثمّ فارقناها إلى بلدنا وبقينا في بلدنا إلى سنة (955هـ)».
وإذا كانت ولادة البهائي في بعلبك في (18 ذي الحجّة سنة 952هـ) تكون ولادته قبل ورود الشهيد الثاني إليها بشهرين إلاّ يومين، فيكون المترجم قد وردها في ذلك التاريخ أو قبله إلاّ أن يكون البهائيّ ولد في غياب أبيه أو يكون قد فارق الشهيد الثاني من العراق وجاء قبله بمدّة إلى بعلبك، أو فارقه من اسكدار؟ الله أعلم.
ثمّ إنّ المترجم كان في سنة (954هـ) باقياً في جبل عامل، كما يدلّ عليه مقابلته كتب الحديث مع شيخه المذكور بهذا التاريخ كما مرّ، ثمّ سافر بأهله وعياله وأتباعه، وفيهم ولده البهائيّ إلى إيران، بعد شهادة شيخه الشهيد(قدس سره) .
أُسرته:
في روضات الجنّات، عن صاحب حدائق المقرّبين، عن المولى محمّد تقي المجلسي الأوّل، عن الشيخ البهائي، أنّه كان يقول: إنّ آباءنا وأجدادنا في جبل عامل كانوا دائماً مشتغلين بالعلم والعبادة والزهد، وهم أصحاب كرامات ومقامات.
وقد كان والده وجدّه شمس الدين محمّد بن علي الذي ينقل صاحب البحار عن خطّه كثيراً بعنوان صاحب المجموعة، من كبار العلماء، وكذلك كثير من بني أبيه وعمومته، وكذلك أخوه العالم الفقيه الشاعر نور الدين أبو القاسم علي بن عبدالصمد، وابن ابنه الشيخ حسين بن عبدالصمد بن حسين بن عبدالصمد، ومن ذريّة ولده عبد الصمد آل مروّة العامليّون.
أولاده:
له من الذكور ولدان:
أحدهما: محمّد، الشيخ البهائيّ الذائع الصيت المشتهر زيادة عن أبيه، ولذلك يعرّف به أبوه، فيقال: والد الشيخ البهائيّ.
ثانيهما: الشيخ عبدالصمد، وله صنّف البهائيّ الصمدية في النحو.
ما وجد بخطّه من تواريخ إخوته وأولاده وغيرهم:
يفي الرياض: رأيت في أردبيل على ظهر نسخة من إرشاد العلاّمة نق عن خطّ المترجم له، وكتبه الكاتب في حياته ما صورته: «مولد أخي الأكبر الشيخ نور الدين سنة (898هـ) وأخي الشيخ محمّد (903هـ) ووفاته (952هـ) واُختي ... سنة (950هـ) ووفاتها (970هـ) ومولد أخي الحاج زين العابدين أطال الله بقاءه (909هـ).
ثمّ كتب غيره أو هو بعده بزمان: أنّ وفاته (965هـ) ثمّ كتب الشيخ: ومولد ابنه - أي ابن أخيه المذكور - الشيخ تقي الدين سنة (920هـ) ووفاته (972هـ).
ومولد هذا الفقير الكاتب أوّل يوم من المحرّم (918هـ) وتوفّيت زوجتي خديجة بنت الحاج علي رحمهما الله تعالى في مدينة هرات (976هـ) ونقلت إلى جوار ثامن الأئمّة علي بن موسى الرضا(عليه السلام)».
وكتب الشيخ البهائي تحته ما صورته: «كتب الوالد: ولدت المولودة الميمونة بنتي ... ليلة الاثنين (3 صفر سنة 950) وأخوها أبو الفضائل محمّد بهاء الدين أصلحه الله وأرشده عند غروب الشمس يوم الأربعاء (17 ذي الحجّة 953هـ) واُختهما اُمّ أيمن سلمى بعد نصف الليل (16 المحرّم 955هـ) وأخوهم أبو تراب عبدالصمد ليلة الأحد وقد بقي من الليل نحو ساعة (3 صفر سنة 966هـ) في قزوين، وابن أُخته السيّد محمّد ليلة السبت صفر من السنة المذكورة.
مولد شيخنا الشيخ زين الدين رفع الله قدره سنة (911هـ) ووفاته (965هـ)» انتهى.
مشايخه في الدراية والرواية:
عرفنا منهم:
1 ـ الشهيد الثاني (911 ـ 965هـ) وكان يكبره بـ(7) سنوات فقط، ومع أنّ أخذه منه يدلّ على نوع من تواضع شيخنا المصنّف وعدم تكبّره، فقد كانا صديقين ورفيقين، بل وعبّر بعض المترجمين عنهما بأنّهما كانا مشاركين، ويظهر ذلك من التقريظ البليغ الذي ذكره الشهيد له في إجازته، كما سبق.
2 ـ السيّد حسن بن جعفر الكركيّ، وقد أجاز له أيضاً.
تلاميذه:
1 ـ الشيخ أبو منصور حسن بن الشهيد الثاني الشهير بصاحب المعالم، يروي عنه بإجازة تاريخها (983هـ).
2 ـ السيّد حسن بن علي بن شَدْقَم الحسينيّ المدنيّ، يروي عنه إجازة.
وقال الشيخ حسين بن عبدالصمد والد الشيخ البهائي في إجازته لهذا السيّد على ما في الرياض: وبعد فلمّا منّ الله تعالى عليّ سنة (983هـ) بالتشرّف بحجّ بيت الله الحرام وزيارة أشرف أنبيائه وأطائب عترته عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتمّ السلام، وكان ممّا تزيّنت به بعد ذلك الشرف وتأنيّت به عن تجشّم التكلّف والكلف، أن أنزلني في بيته المولى الأجلّ الأكرم والشريف الأمجد الأعظم، الكريم العرق العريق الكرم، القديم العلى العالي القدم، غصن الشجرة العَلَوِيّة، بل ثمرة تلك الأغصان الحسينيّة، الأمير الكبير السيّد السند الخطير، حسن بن علي بن حسن المشهور بابن شَدْقَم، فبالغ في الإحسان والإكرام،وتجاوز الحدّ العرفيّ في التلطّف والإنعام،حتّى كان كماقال بعضهم:
ونكرم جارنا ما دام فينا***وتتبعه الكرامة حيث سارا ثمّ إنّه استجازني ـ أدام الله توفيقه وسهّل إلى بلوغ آماله طريقه ـ وكأنّي بإجابته قد سلمت القوس إلى باريها، ورددت المياه إلى مجاريها، لأنّ اُصول العُلُوم منهم وقد ردّت إليهم، وروايتها إنّما صدرت عنهم وقد خلفت عليهم، فقد أجزتُ له تقبّل الله أعماله وبلّغه في الدارين آماله، ولأولاده الثلاثة: السيّد محمّد، والسيّد علي، والسيّد حسين، ولاُختهم اُمّ الحسين، متّعه الله بطول بقائهم ومتّعهم بطول بقائه، ويّسر إلى أعلى المعالي ارتفاعهم وارتقاءه، مع جميع ما أجازه لي في إجازته شيخُنا الأعظمُ الأفخمُ الأوحدُ الأمجدُ الأكرمُ الأعلمُ جمالُ المجتهدين ووارثُ علوم الأئمّة الهادين زين الدنيا والدين قدّس الله روحه الزكيّة وجمع بينه وبين أحبّائه في المرتبة العليّة.
وأجزتُ لهم أيضاً - أدام الله غوثهم وأهطل غيثهم - جميع ما ألّفته وأنشأته من منثور ومنظوم ومعقول ومنقول، فليرووا ذلك كما شاؤوا، ملاحظين شرائط الرواية، بين أهل الدراية.
قال ذلك بلسانه ورقم ببناه فقيرُ رحمة ربّه الغنيّ حسينُ بن عبدالصمد الحارثيّ في(19 ذي الحجّة الحرام) من السنة المذكورة أعلاه، في مكّة المشرّفة زادها الله شرفاً وتعظيماً.
والسيّدُ المجاز هو صاحب كتاب أخبار الفضائل، ونسبه: أبو المكارم بدر الدين حسن بن علي بن حسن بن علي بن شدقم بن ضامن بن محمّد بن عرمة بن ثوية بن ثبينة بن حمزة بن عبدالواحد بن مالك بن حسين بن المهنّا الأكبر بن داود بن هاشم بن القاسم نقيب المدينة بن عبيدالله بن طاهر بن يحيى النسّابة بن حسين بن جعفر الحجّة بن عبيدالله الأوّل بن الحسين الأصغر بن السجّاد(عليه السلام).
قال الطهراني: ذكره في الرياض، بعنوان «الرسالة» وذكر نسبه كما مرّ، وأورد إجازة الشيخ عزّ الدين الحسين بن عبدالصمد له ولأولاده الثلاثة: السيّد محمّد، والسيّد علي، والسيّد حسين، واُختهم السيّدة اُمّ الحسين، سنة (983هـ) وكذا إجازة صاحب المدارك سنة (987هـ) ونقل مقدار ورقة من أوّل رسالته هذه، وفيها ذكر مشايخه بدأً بالشيخ حسين بن عبدالصمد، ثمّ الشيخ نعمة الله علي بن أحمد بن خاتون، وقال: إنّه أجازني يوم الغدير بعد عقد الإخاء بمكّة المعظّمة سنة (977هـ)».
وقال شيخنا الطهرانيّ: هو صاحب الجواهر النظامية، الذي ألّفه سنة (992هـ) وأورد قطعة من أوائله أيضاً في الرياض، وقال: وفيه أخبار كثيرة في أحوال الأئمّة ومحاسن الأخلاق والأعمال().
3 ـ الشيخ رشيد الدين بن الشيخ إبراهيم الأصفهاني، ويروي عنه إجازة بتاريخ (971هـ) بالمشهد الرضوي، ورأى صاحب الرياض إجازته له على ظهر إرشاد العلاّمة.
4 ـ الشيخ أبو محمّد الشهير ببايزيد البسطامي،
في الذريعة: يروي عن الشيخ عزّ الدين الحسين بن عبدالصمد الحارثي العاملي.
5 ـ المسمّى ملك علي،
يروي عنه إجازة ورأينا إجازته له بخطّ يده في طهران في مكتبة فضل الله النوريّ الشهيد، وهذه صورتها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله على ما أنعم وكفى، وصلاة وسلام على سيّدنا محمّد المصطفى، وعلى آله وخلّص أصحابه أهل الكرم والوفا، وبعد، فيقول فقيرُ رحمة ربّه الغنيّ حسينُ بن عبدالصمد الحارثيّ أصلح الله شأنه وصانه عمّا شانه: إنّي أروي كتاب الكافي، لمحمّد بن يعقوب الكليني رفع الله درجته، وكتابي التهذيب والاستبصار، للشيخ الطوسيّ رحمه الله تعالى، وجميع كتب من نظم في هذه السلسلة، بالطريق المذكور فيها، وهو ما أخبرنا به السيّد الجليل الورع الربّاني المتألّه ذو المفاخر والمناقب خلاصة آل أبي طالب السيّد حسن ابن السيّد جعفر الحسيني نوّر الله تُربَتَه ورفع دَرَجَتَه، والشيخ الجليل النبيل زبدة الفضلاء العظام وفقيه أهل البيت (عليهم السلام)زين الدنيا والدين ابن علي بن أحمد العاملي أفاض الله على روحه الزكيّة المراحم الربّانية وأسكنه مع أئمّته الطاهرين في الدرجة العليّة، عن شيخهما التقي الفاضل الورع الشيخ علي بن عبدالعالي الميسيّ رحمه الله تعالى، عن الشيخ الجليل التقيّ الأصيل شمس الدين محمّد بن داود المؤذّن الجزّينيّ، عن الشيخ ضياء الدين علي، عن والده السعيد الشهيد محمّد بن مكّي، عن السيّد فخّار.
(ح) وعن الشيخ ضياء الدين بن محمّد بن مكّي، عن السيّد تاج الدين بن معيّة الحسيني، عن الشيخ العلاّمة جمال الدين ابن مطهّر، عن الشيخ المحقّق نجم الدين بن سعيد، عن السيّد فخّار، عن شاذان بن جبرئيل، عن أبي القاسم محمّد ابن أبي القاسم الطبري، عن الشيخ الفقيه أبي علي الحسن، عن أبيه شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ، عن الشيخ الأعظم أبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد، عن الشيخ الإمام أبي جعفر ابن قولويه، عن الشيخ الإمام أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ رحمه الله تعالى، عن عدّة من أصحابنا عن علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام): أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول: «طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم يَنْسَ ذكر الله بما تسمع أُذناه، ولم يحزنْ صدره بما اُعطي غيره».
وقد أجزتُ للأخ في الله المحبوب لوجه الله، ملك علي أعلى الله قدره، رواية جميع كتب من اندرج في هذه السلسلة، فليروِ ذلك، بشرائطه، محتاطاً لي وله، فهو أهل ذلك، لا زال مسدّداً مؤيّداً إلى يوم الدين».
6 ـ السيّد حسن بن نور الدين الحسيني الشفتي.
ذكر روايته عن شيخنا المصنّف، في إجازته للسيّد حسين بن روح الله الطبسي، فلاحظ الذريعة (1/173) رقم 873.
7 ـ منصور بن عبدالله الشيرازي المعروف براستو، مؤلّف الفصول والفوائد المنصورية في شرح تهذيب الاُصول، للعلاّمة الحلّي: ذكره شيخنا في الذريعة (13/170).
8 ـ السيّدالمير محمّد باقر الداماد(ت1040هـ) أجازه في رجب سنة (983هـ).
9 ـ السيّد محمّد علاء الدين بن هداية الله الحسيني الخيروي ـ من أعمال فارس ـ أجازه بتاريخ (967هـ) قال شيخنا الطهراني: رأيتها من ظهر كتاب (النصوص).
10 ـ ولده محمّد بهاء الدين المعروف بالشيخ البهائي(953 ـ 1030هـ).
11 ـ ولده الآخر أبو تراب عبدالصمد.
كتب والدهما الإجازة لهما في المشهد الرضوي بتاريخ (971هـ).
14-16 -السادة محمّد، وعلي، و حسين، أولاد السيّد حسن ابن شدقم.
17 ـ أُختهم اُمّ الحسين بنت السيّد حسن ابن شدقم.
أشركهم الشيخ مع إجازة والدهم التي أصدرها لهم عام (983هـ) في مكّة المكرّمة، كما ذكره شيخنا الطهراني، مكرّراً().
وقد ذكر في الرواة عنه:
18 ـ السيّد حسين بن حيدر الحسيني الكركي، المفتي بأصبهان.
19 ـ الميرزا تاج الدين حسين الصاعدي.
20 ـ المولى معاني التبريزي.
21 ـ السيّد محمود شجاع الدين بن علي الحسيني المازندراني.
22 ـ السيّد حيدر بن علاء الدين الحسيني الحسني النيروبي التبريزي.
23 ـ السيّد محمّد شمس الدين بن علي الحسيني الموسوي الشهير بأبي الحسن.
ولم أتحقّق من تراجمهم.
ولابدّ أن يكون الرواة عنه أكثر من هذا العدد بكثير.
مؤلّفاته:
اعتمدنا في إعداد هذه القائمة على ما أورده شيخنا العلاّمة الطهراني في موسوعة الذريعة، مستدركين بما ذكره السيّد الأمين في الأعيان، وبما حصّلنا عليه من فوائد ومعلومات إضافية، والله المستعان .
أوّلاً - إجازاته
1 ـ إجازته للسيّد المحقّق الأمير محمّد باقر الداماد المتوفّى سنة (1040هـ) مختصرة تاريخها (رجب سنة 983هـ).
2 ـ إجازته للشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن العامليّ صاحب المعالم (ت 1011هـ) ابن الشهيد الثاني، مختصرة تاريخها سنة (983هـ).
3 ـ إجازته للسيّد الحسن بن علي بن الحسن المشهور بابن شدقم المدني، ولأولاده السيّد محمّد والسيّد علي والسيّد حسين واُختهم اُمّ الحسين .
كتبها لهم عام تشرّفه بمكّة المعظّمة ونزوله بدار المجاز، بعد يوم الغدير سنة (983 هـ) مختصرة أوردها في الرياض في ترجمة المجاز، وأوردناها عند ذكره .
4 ـ إجازته للشيخ رشيد الدين بن إبراهيم الأصفهاني، مختصرة تاريخها تاسع جمادى الاُولى سنة (971هـ) كتبها له بالمشهد الرضوي.
5 ـ إجازته لولديه الشيخ بهاء الدين محمّد، والشيخ أبي تراب عبدالصمد.
مختصرة كتبها لهما بالمشهد الرضوي ثاني رجب سنة (971هـ).
6 ـ إجازته للسيّد علاء الدين محمّد بن هداية الله الحسيني الخيروي من فارس.
تاريخها سنة (967هـ) مختصرة وهي بخطّ المجاز على ظهر كتاب النصوص.
7 ـ إجازته للمولى ملك علي، متوسطة، روى فيها عن السيّد حسن بن جعفر والشهيد الثاني، كلاهما عن الشيخ علي الميسي، ولعلّ المجاز والد ملك حسين بن ملك علي التبريزي المجاز من الشيخ البهائي، وقد أوردنا نصّها في ما سبق.
ثانياً: سائر كتبه
8 ـ الأربعون حديثاً في الأخلاق.
يكتبه باسم شاه طهماسب الصفوي، ذكر أوّ فضل رواية الأربعين، وأنّه ممّا بلغ عليه الثواب، فجمع هذا في الأخلاق الممدوحة والمذمومة والأفعال الحسنة والقبيحة. الحديث الأوّل منها في الإخلاص، ويتبعه الخوف والرجاء، ومتمّم الأربعين في الموت وذكر أهواله، وأتبع كلّ حديث بمؤكّداته وشواهد صدقه، وصدوره، أوّله: «الحمد لله على نعمائه الغزار» رأيت منها نسخاً أقدمها ضمن مجموعة في مكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في النجف بتاريخ (989هـ) وسمّاه الأمين: شرح الأربعين حديثاً، وطبع بتحقيق علي أوسط ناطقي في مجموعة: ميراث حديث شيعه، المجلد الثاني (ص 135 - 184) في قم 1420هـ.
أقول: وذكر الطهراني كتاب: الأربعون حديثاً في مناقب الأئمّة الطاهرين، مكتوب عليه أنّه للشيخ عبدالصمد والمظنون أنّه والد حسين بن عبدالصمد جدّ الشيخ البهائي وابن الشيخ شمس الدين محمّد الجبعي وتوفّي سنة (935 هـ) عن ثمانين سنة، استخرج فيه الأحاديث من الكتب المعتبرة مثل (الأمالي) للشيخ الصدوق و(الأمالي) للشيخ الطوسي و(الكافي) و(التهذيب) وغيرها، وجعله (التحفة الشاهية) الصفوية، ولعلّه شاه إسماعيل المتوفّى (930 هـ) وبدأ بأحاديث فضل حفظ الأربعين حديثاً، ثمّ بأحاديث فضل السلطان والترغيب إلى إطاعته، والنسخة ضمن مجموعة رأيتها عند الشيخ قاسم بن الشيخ حسن محيي الدين الجامعي النجفي، وألحق بها خاتمة فيها أحاديث التحذير من الوسواس().
أقول: ومن هنا، فلعلّ الكتاب من تأليف ولده الحسين بن عبدالصمد، فلاحظ في هذه الترجمة: (الرسالة الوسواسية) برقم (47).
9 ـ إصلاح جامع البين من فوائد الشرحين.
إنّ العلاّمة الحلّي ألّف تهذيب طريق الوصول إلى علم الاُصول، وعليه شرحان للأخوين الأعرجيّين السيّد عميد الدين، والسيّد ضياء الدين، ابني اُخت العلاّمة الحلّي، وقد جمع الشهيد الأوّل الشرحين في كتاب وزاد عليهما، وسمّاه (جامع البين من فوائد الشرحين)
وعن كتاب كشف الحجب: أنّ الشهيد ألّف هذا الكتاب في أوائل شبابه، ولم يراجع المسوّدة، لذلك بقيت النسخة غير منقّحة، فوجدها المترجم وأصلحها سنة (941هـ) جامعاً فيها كلا الشرحين وزيادة الشهيد.
وقال شيخنا الطهراني: جمع فيه بين فوائدهما وزاد عليهما فوائد اُخر قال في كشف الحجب إنّ (الجامع) هذا تأليف الشيخ السعيد أبي عبدالله محمّد بن مكّي بن محمّد الشهيد 786هـ ، وقال بعد تمام الإصلاح: ثمّ إنّ الشيخ الشهيد ميّز ما اختصّ به شرح الضياء بعلامة (ض) وما اختصّ به شرح العميد بعلامة (ع) وأنا تابعته في ذلك، وما كان زائداً عليهما كتبت في أوّله لفظة (زيادة) وفي آخره (هـ) فصارت هذه النسخة مميّزة مختّصات الشرحين، والزائد عليهما، ومختّصة بمزيد الإصلاح والتصحيح.
ثمّ قال في كشف الحجب: وقد ظفرت بحمد الله تعالى على نسخة خطّ الشيخ حسين بن عبدالصمد، أوّله: أحمدك اللهمّ على سوابغ نعمائك بأبلغ محامدك وأسألك المزيد من فضلك.
10 ـ الاعتقادات الحقّة.
يوجد النقل عنها في بعض المجاميع، ولعلّه المذكور في الرياض قال: رأيت له (الواجبات المَلَكَيّة في الاعتقاديات والعمليات التي يجب معرفتها وجعلها مَلَكَةً، كتبه عبده الأصغر ومحبّه الأكبر محمّد بن جعفر النباطي.
11 ـ تحفة أهل الإيمان في قبلة عراق العجم وخراسان.
بيّن فيه خطأ المحقّق الكركي في أمره بلزوم جعل الجَدْي بين الكتفين، وتغييره لكثير من المحاريب في إيران، مع أنّ طول تلك البلاد يزيد على طول مكّة كثيراً وكذا عرضها، فيلزم انحرافهم عن الجنوب إلى المغرب كثيراً، ففي المشهد الرضوي بقدر خمس وأربعين درجة، وفي بعضها أكثر وفي بعضها أقلّ.
وقال الطهراني بعنوان: قبلة عراق العجم وخراسان: رأيت نسخة منه في مجلس الشورى الإسلامي بطهران وينقل عنه الآقا رضيّ القزويني في قبلة الآفاق، والحرّ في مقدّمات تحرير الوسائل.
12 ـ تراجم مشايخ الشيعة.
كانت في مكتبة سيّدنا الحسن صدر الدين طاب ثراه نسخة كان يعتقد أنّها تأليف الشيخ عزّ الدين والد الشيخ البهائي، ويحتمل اتّحاده مع ما مرّ أنّه لتلميذه:الشيخ حسين بن مفلح الذي توفّي (933هـ) وكان المؤلّف ملازمه مدّة ثلاثين سنة.
13 ـ تطهير الحصر والبواري.
مختصر أوّله: الحمد لله كما ينبغي، ذكره الأمين باسم: رسالة في طهارة الحصر والبواري بالشمس.
14 ـ تعليقات على خلاصة الأقوال في الرجال،للعلاّمة.
ذكره الأمين.
15 ـ جوابات السيّد بدر الدين الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن شدقم الحسيني المدني.
وهي إحدى عشرة مسألة مختصرة سألها ابن شدقم، وكتبها المترجم له مع جواباتها بخطّه، ثمّ كتب الشيخ عبداللطيف الجامعي في (1014هـ) عن نسخة خطّ ابن شدقم قال الطهراني: وقد رأيت النسخة المنقولة عن خطّ الشيخ عبداللطيف، عند السيّد آقا التستري في النجف.
16 ـ جواب الاعتراضات العشرة على قول النبي (صلى الله عليه وآله) «إنّي أُحبّ من دنياكم ثلاثاً النساء، والطيب، وقرّة عيني الصلاة ».
يوجد ضمن مجموعة من رسائله التي سنذكرها،
أقول: الموجود في المجموعة باسم: شرح حديث »أُحِبُّ من دُنْياكم ...»
وقد ذكره الطهراني أيضاً بعنوان الشرح، وهو هذا بعينه.
17 ـ جواب مكتوب الشاه سليمان العثماني المتوفّى (974هـ) إلى الشاه طهماسب الصفوي الذي مات في (984هـ)يطلب منه في الكتاب إطلاق ولده.
كتب الجواب والد الشيخ البهائي، وهو مدرج بتمامه في فضائل السادات، المطبوع().
18 ـ الحاشية على الإرشاد.
ذكر في فهرس تصانيفه بعنوان التعليقة، قال الأمين: لم تتمّ.
19 ـ الحكم الشرعيّ، في تحقيقه وبيان أقسامه.
قال الطهراني: رأيته ضمن مجموعة من رسائله في مكتبة الخوانساري.
20 ـ الحواشي على الكتب الحديثيّة والرياضيّة والفقهيّة.
ذكرت في فهرس تصانيفه.
21 ـ ديوان الشيخ عزّ الدين حسين بن عبدالصمد الحارثي العاملي.
ذكره الشيخ الحرّ في الأمل. وقال الطهراني: وله قصيدة رائية في مدح الأمير(عليه السلام)شرحها بنفسه، رأيتها في المجموعة الفقهيّة التي سنذكرها.
22 ـ الرائية، قصيدة في مدح الأمير(عليه السلام)مَطْلَعُها:
إلى مَ اُلامُ وَأَمْرِي شَهِيْرْ***وَأُشْفِقُ مِنْ كُلّ نَذْل حَقِيْرْ
قال الطهراني: إلى تمام خمسة وأربعين بيتاً، أنشأها قبل مهاجرته إلى العراق، وطلبوا منه شرحها، لكن لم يتيسّر له إلى أن جاء إلى كربلاء فشرحها هناك، والتزم في الشرح أن لا يحتجّ بحديث إلاّ بما هو موجود في الكتب الصحيحة المعتمدة عند الجمهور، وأوّل الشرح: « الحمد لله حمداً لا يُحْصى» رأيتُ النسخة في المجموعة الفقهيّة التالية.
وهي من القصائد الغديرية منها قوله:
وَنُوْرُ الظلامِ وكافي العِظامْ***ومَوْلى الأنامِ بِنَصِّ الغَدِيْرْ().
23 ـ الرسالة التساعية تسع مسائل.
أوّلها: «الحمد لله هادي من أراد إلى سبيل الرشاد ... وفّقني الله لتحقيق مسائل عديدة فقهيّة غفل عن الغور في تحقيقها أكثر المتأخّرين ...» وهي ممّا يتعلّق بالصلاة فقط، لأنّها أفضل الأعمال ...وقد خالف فيها بعض المتقدّمين مع أنّ أكثر المتأخّرين وافقوا ذلك البعض غفلة.
قال الطهراني: ليست التسمية في متن الرسالة، وسمّاها بهذا الإسم كاتبها الحاج الشيخ علي القمّي، رأيتها في المجموعة الفقهية عند الشيخ علي القمّي، وتأتي بعنوان (المسائل الصلاتية) وذكرنا فهرس المسائل في عنوان المجموعة الفقهية.
24 ـ رسالة في تعداد المخالفين لأمير المؤمنين وتعيينهم.
أوّلها: «الحمد لله حقّ حمده ...» كتبها بأمر العالي. المطاع ! لم يسمّ المصنّف اسمه لكن يستظهر من بعض القرائن أنّها للشيخ عزّ الدين الحسين بن عبدالصمد والد البهائي، منها انضمامها مع (رسالة الحصر والبواري) في ما رأيناه من النسخ.
25 ـ رسالة في تقديم الشياع الظنّي على اليد.
قال الطهراني: أوّلها: الحمد لله الذي شاع فضله وكرمه، موجودة عندي واستنسخ المرحوم الميرزا محمّد الطهراني بخطّه عن نسخة بخطّ تلميذ المصنّف المولى ملك محمّد تاريخها ثامن جُمادى الأخِرة (1037هـ) ونسخه رأيتها في كتب الشيخ علي القمّي في النجف، سنذكرها باسم المجموعة الفقهيّة.
26 ـ رسالة في الرحلة .
يذكر فيها وقائع ما اتّفق له في أسفاره، قال الأمين: وهذه لا وجود لها، ولو وجدت لكانت من الرسائل الممتعة لأنّه مع علمه وكثرة اطّلاعه قد طاف شرق الأرض وغربها، فلابدّ أن يكون حصل له اُمور شتّى نادرة.
أقول: لاحظ الرقم الآتي (45).
27 ـ الرضاعيّة.
أوّلها: الحمد لله كما هو أهله، إلى قوله: اشتهر على ألسنة الطلبة في هذا العصر تحريم المرأة على بعلها بإرضاع بعض من سنذكره، قال الطهراني: رأيته عند الشيخ محمّد علي الأردوبادي في النجف.
28 ـ شرح ألفيّة الشهيد.
أوّله: «اللهمّ إنّا نحمدك حمداً لا يدرس ولا يندرس، بل يسرد ما تعاقبت الدروس ... » إلى آخره، قال الطهراني: توجد نسخة الأصل منه بخطّ المؤلّف في مكتبة الإمام الرضا(عليه السلام) في خراسان، كما ذكر في فهرسها (ج2 ص84) وذكر الشارح: إنّه فرغ منه في هرات أواخر المحرّم سنة (981هـ).
وقال الأمين: ممزوج مع المتن، مبسوط، في (نظام الأقوال): لم يعمل مثله.
29 ـ شرح آخر على ألفيّة الشهيد.
ذكره الأمين، وقال: فيه مناقشات مع الشهيدين والمحقّق الكركي ذكره صاحب رياض العلماء.
30 ـ شرح (الرائية الغديريّة) من نظمه.
نظمها في مدح أمير المؤمنين(عليه السلام) وما ورد في فضله في الكتاب والسنّة، وكان نظمها قبل هجرته إلى العراق، وعاقه عن شرحها اشتغاله بالفرض المضيّق إلى أن تشرّف إلى الحائر بكربلاء، وحصلت له فرصة يسيرة فشرحها ملتزماً بذكر خصوص ما روته العامّة في كتبهم المعتبرة في كلّ ما نظمه من المناقب، ليكون أتمّ في الحجّة، أوّله: الحمد لله حمداً لا يحصى، والصلاة والسلام على من أسرى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ... إلى آخره، قال الطهراني: ضمن المجموعة رأيتها عند الشيخ علي القمّي في النجف كما سيأتي.
31 ـ شرح الصحيفة السجّادية.
على نحو التعليق وذكرها الأمين باسم: تعليقات.
32 ـ شرح قواعد الأحكام.
ذكره في رياض العلماء، ونظام الأقوال، تأليف نظام الدين الساوجي تلميذ البهائي.
33 ـ رسالة في صرف سهم الإمام (عليه السلام) من الخمس إلى فقراء السادة.
في الرياض: لطيفة حسنة فرغ منها سنة (968هـ).
34 ـ رسالة صلاة الجمعة واختيار وجوبها عيناً.
أوّلها: «اللهمّ أجمعنا على الحقّ والهدى، وارفعنا عن الآثام والردى ...» كتبها في عصر الشاه طهماسب، وقال في أواخرها: «إنّ في هذه الدولة القاهرة الظاهرة الطاهرة المسدّدة المؤيّدة العَلَوِيّة الحسينيّة الطهماسبية لا مانع من فعل الجمعة فيجب امتثال أمر الله وأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأمر الأئمّة(عليهم السلام)والعلماء الراشدين في فعلها ...» إلى آخر كلامه، وينقل فيها عن كتاب تهذيب المرشدين، للقاضي أبي الفتح محمّد بن علي بن عثمان الكراجكي، في مجموعة رأيتها بمكتبة الشريعة الأصفهاني النجفي.
35 ـ العقد الحسيني أو الطهماسبي.
قال الطهرانيّ: هو في أسرار الصلاة، ممّا وجد في المجموعة الخطيّة التي رآها وذكرها بعنوان :«مجموعة فقهيّة».
وقد طبع في (ميراث إسلامي إيران) السنويّة التي تصدّرها مكتبة السيد المرعشي في قم(10/177-222)إعداد محمد حسين روحاني.
36 ـ الغرر والدرر.
حكاه صاحب الروضات عن بعض الفضلاء، وقال الأمين: في الرياض: رأيت فائدة في مسألة صلاة الجمعة منقولة منه.
37 ـ الفضائل المنجية.
قال الطهراني: نقل عنه الشيخ أحمد بن سليمان بن أبي ظبية في كتابه (عقد اللآل) مصرّحاً بأنّه لوالد البهائي، ونقل عنه مؤلّف (الدمعة الساكبة) المولى محمّد باقر.
38 ـ فهرست الشيخ حسين بن عبدالصمد الحارثي
39 ـ القبلة وتحقيقها.
ذكرها في نظام الأقوال، قال الطهراني: ولعلّها رسالته في قبلة خراسان، وهي المذكورة برقم (11) باسم (تحفة أهل الإيمان في قبلة عراق العجم وخراسان).
40 ـ رسالة في مناظرته مع بعض علماء حلب في الإمامة سنة (951هـ).
قال الأمين: رأيتها بالنجف الأشرف، وعليها خطّ الشهيد الثاني بإجازتها لبعض آل سليمان العامليين، ثمّ استنسختها في كرمانشاه سنة (1353هـ) وقد طبعت بتحقيق شاكر شبع في قم عام (1412هـ) طبعة منقّحة محقّقة.
41 ـ منظومة في الجبر والمقابلة. فارسية للشيخ حسين بن عبدالصمد، كذا ذكره الطهراني.
42 ـ لغز للشيخ حسين بن عبدالصمد .
كتبه إلى ولده البهائي. أوّله: أيّها الولد، المؤيّد بالإكرام والإعزاز، الموفّق في حلّ المغيبات والألغاز، أخبرني عن اسم آخر أوّله آخر الحروف ...
فأجابه ولده الشيخ البهائي، قال الطهراني: يوجد منه في جامعة طهران برقم: (42197) من القرن الثالث عشر كما في فهرسها.
المجموعة الفقهيّة
وذكر الطهراني مجموعة فقهيّة للشيخ حسين بن عبدالصمد والد الشيخ البهائي بخطّ الحاج بابا بن الميرزا جان القزويني تلميذ البهائي كتبها عن خطّ مؤلّفها في (985هـ) فيها:
-رسالة دفع الوسواس.
-وأسرار الصلاة الموسوم بالعقد الحسيني أو الطهماسبي.
-وتعارض اليد والشياع.
-والمسح على الخفّين.
-وشرح حديث :«أحبّ من دنياكم ثلاثاً...»
-ومسائل تسع فقهيّة:
1ـ في تخليل الشعر في الوضوء.
2ـ في التيمّم على الحجر.
3ـ في طهارة النجس بالشمس.
4ـ عدم لزوم العصر في بول الصبي.
5ـ فعل الكثير في الصلاة نسياناً.
6ـ في نيّة البدلية في التيمّم.
7ـ إبطال الشكّ في الثانية والمغرب.
8ـ إبطال النواقض مطلقاً.
9ـ إقامة جمعتين في ما دون الفرسخ،
-وفيها شرح القصيدة الرائية في مدح الأمير(عليه السلام)ناقصة الآخر، الموجود منها خمسة وأربعون بيتاً.
واستنسخ المرحوم الشيخ علي بن إبراهيم القمّي منها نسخة بتاريخ (1345هـ).
وتذكر بعنوان: المسائل الصلاتية وأنّها تسعة مسائل في الصلاة ممّا غفل عنها أكثر المتأخّرين فبسط القول في تحقيقها الشيخ عزّ الدين حسين بن عبدالصمد، توجد في المجموعة السابقة الذكر، لكنّها ليست كلّها «صلاتية» لوجود ما يرتبط بالطهارة، وهي المسائل الأربع الاُولى، ولعلّ التسمية باعتبار مقدّمية الطهارة للصلاة.
43 ـ مسح الرجلين أو وجوب المسح وتعيينه وعدم جواز غسل الرجلين، والمسح على الخفّين.
قال الطهراني: أوّلها: «الحمد لله على نعمه وأرفاده» وفيها الردّ على العامّة في اُصولهم وفروعهم وتعييرهم والتشنيع عليهم بترك قول الأئمّة(عليهم السلام)والنسخة ضمن المجموعة الفقهيّة التي رأيتها في كتب الشيخ علي القمّي.
44 ـ مقالة في وجوب الإفتاء وبيان الحقّ على كلّ من علم به.
قال الطهراني: منضمة إلى (مقالة السيّد ماجد في العامّ المخصّص) أوّلها: يجب بيان الحقّ في أحكام الشريعة على كلّ من علم به مجتهداً كان أو غيره ... وفي آخرها: عدم جواز التورّع عن مال اليتيم المعرّض للتلف بل يجب حفظه.
45 ـ مكتوب الشيخ حسين بن عبدالصمد والد البهائي إلى شيخه الشيخ زين الدين الشهيد.
قال الطهراني: يقرب من (700) بيت في شرح مسافرته إلى العراق، وما عرض له فيها وبعض أخلاق أهلها، بخطّ الشيخ علي كاشف الغطاء ضمن مجموعة دوّنها لنفسه.
أقول: لعلّها رسالة الرحلة، المذكورة برقم (26).
46 ـ الواجبات المَلَكِيّة.
قال صاحب الرياض: رأيته بزنجان، ذكر فيه الاُمور التي يجب معرفتها وجعلها مَلَكَةً، من الاعتقاديات والعمليات، وهي خمسة فوائد.
47 ـ الرسالة الوسواسيّة.
كما في رسالة مظفّر علي، وفي أمل الآمل رسالة في الردّ على أهل الوسواس، سمّاها العقد الحسيني ألّفها باسم الشاه طهماسب، وفي الرياض: رأيت من مؤلّفاته (العقد الطهماسبي) فيه مسائل عديدة من الطهارة والصلاة، ومن جملتها مسألة الوسواس ألّفها باسم السلطان المذكور، أورد فيها مسألة الوسواس، وأطال الكلام في المنع عنه، حيث كان السلطان المزبور مبتلىً به، أمّا (العقد الحسيني) فلم أظفر به، والظاهر أنّه الطهماسبي. وأورد المصنّف في خاتمة (الأربعين حديثاً جملة من الأحاديث في التحذير عن الوسواس، فيحتمل أنّه ألّفه لشاه طهماسب الذي ملك بعد شاه إسماعيل، لأنّه كان مبتلىً بالوسواس، وكتب له الشيخ حسين بن عبدالصمد (العقد الطهماسبي) لذلك.
48 ـ وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار.
كتبه في علم دراية الحديث. مرتّب على اُصول، أوّله: الحمد لله فاتح الأغلاق ... طبع مع الوجيزة للبهائي والبداءة للشهيد سنة (1306هـ)
في طهران وسيآتي التعريف بنسخه المخطوطة في نهاية هذه المقدّمة. وسمّاها بعضهم بالرجال، وهو غلط، وهو هذا الكتاب الذي نقدّمه.
وفي الرياض: هو ثاني مؤلّف في علم الدراية من أصحابنا، وقد سبقه أُستاذه الشهيد الثاني بذلك.
يعني من العلماء المتأخّرين، وبهذا الطرز المتأخّر الذي انفردَ به الشهيد الثاني وتلميذه المصنّف، فهذه مفخرة للعلماء العاملين انفردوا بها.
49 ـ تعليقات عديدة على كتب الحديث والفقه غير مدوّنة.
كما في الرياض، ذكره الأمين.
50 ـ فتاوي كثيرة متفرّقة.
في الرياض: رأيت بعضها، ذكره الأمين.
تتميم:
أورد شيخنا الطهراني بعنوان: نُوْر الحقيقة، ونَوْر الحديقة لعزّ الدين الحسين بن عبدالصمد الحارثي، والد البهائي، أوّله: الحمد لله الذي خلق العقل بكمال قدرته ... وفي آخره: فرغ من مشقّة مشقه مؤلّفه الفقير إلى رحمة ربّه حسين بن عبدالصمد الحارثي، لثلاث خلت من شهر رمضان سنة (945هـ).
رأيت النسخة قديماً بخطّ المؤلّف، في مكتبة الطهراني بكربلاء، وقد كتب على النسخة تقريضات للاُدباء، بخطوطهم، منها تقريض تقي الدين بن علاء الدين بن تقي بن عبدالصمد من أحفاد المصنّف ..().
وقد عثر على هذه النسخة شقيقي العلاّمة السيّد محمّد حسين الجلالي في مكتبة جستربتي بمدينة دبلن الإيرلندية برقم (إم، إس ـ 3820) فصوّرها، وقدّم لها بمقدّمة ضافية، مؤكّداً نسبة الكتاب إلى والد البهائي، وقد طبعت المقدّمة في ما طبع من الكتاب بتحقيق السيّد محمّد جواد الجلالي، معتمداً على هذه النسخة، ونسخة اُخرى في مكتبة السيّد المرعشي في قم، في المجموعة برقم(393)() نسب الكتاب فيها صريحاً إلى والد البهائي، كما في الاُولى.
هذا، ولكنّا بمراجعة الكتاب ومطالعته، وجدنا فيه عبارة «من أصحابنا الشافعية» فشككنا في صحّة نسبته إلى الشيخ والد البهائي، وبعد التأمّل وجدت عبارة الكتاب ونظمه وترتيبه، ومطالبه كلّها موافقة لكتاب (أدب الدين والدنيا) للماوردي الشافعي، وهو مطبوع محقّق، فقارنته به، فوجدته هو هو بعينه، وإنّما عَمَدَ الشيخ الحارثي والد البهائي إلى اختصاره فقط، من دون أدنى تصرّف، سوى بعض الزيادات، فلا يعتبر الكتاب له، بل هو كاتب وناسخ له،كما توحيه عبارة « فرغ من مشقّة مشقه » التي كتبها في آخرها.
نعم، لو اعتبرنا المؤلّف مختصِراً لكتاب الماوردي فربما صحّت النسبة.
وأضاف بعضهم، عناوين اُخرى، هي:
51 ـ التحفة الطهماسبية في المواعظ الفقهيّة.
ولاحظ:العقدالطهماسبي رقم(35)
52 ـ الاعتقادات الحقّة.
ذكره في الروضات، ولاحظ: الواجبات المَلَكِيّة، رقم(46).
أسفاره:
قال السيّد الأمين: كان لا يترك التجوال في البلاد، للهداية والإرشاد، ويستصحب معه الكتب، ويرحل إلى حلب وغيرها التي تبعد عن وطنه مسيرة أيّام.
وقد ألّف (رحلةً) تحتوي على وقائع ما اتّفق له في أسفاره ذكرناها في مؤلّفاته، ممّا يدلّ على سعة المنطقة التي تجوّل فيها.وأما أسماء البلادالتي دخلها فهي:
1 ـ مصر:
قال في المناظرة الحلبيّة: وصنّف بعض فضلاء الشافعية كتاباً سمّاه (النكت الشريفة في الردّ على أبي حنيفة) رأيته في مصر، ذكر فيه جميع ما ذكره الغزالي في (المنخول) وزاد عليه().
2 ـ حلب:
خرج من جبل عامل إلى حلب عام(951هـ) وفيها أجرى المناظرة مع أحد علماء العامّة بها، وهي مطبوعة.
3 ـ إسلامبول:
وسافر من جبل عامل إلى إسلامبول مع شيخه الشهيد الثاني، فوصلاها في (17 ربيع الأوّل عام 952هـ).
4 ـ بعلبك:
والظاهر أنّه كان هناك في (18 ذي الحجّة من عام 953هـ) حيث ولد ابنه محمّد بهاء الدين.
5 ـ كربلاء:
ففيها ألّف كتاب (الشرح على الغديريّة الرائيّة من نظمه، قال شيخنا الطهراني: الظاهر أنّ ذلك كان بعد هجرته من جبل عامل، أي بعد استشهاد شيخه الشهيد عام(965هـ)() وقد كتب إلى شيخه الشهيد الثاني رسالة ضمّنها «شرح مسافرته إلى العراق وماعرض له فيهاوبعض أخلاق أهلها» لاحظها في قائمة مؤلّفاته برقم (45).
6 ـ أصفهان:
وكانت مهجَرَه بعد خروجه من جبل عامل، فسكنها ثلاث سنين، حتّى استدعاه الشاه الصفوي إلى قزوين.
7 ـ قزوين:
جاءها بدعوة من الشاه، فقلّده شيخوخة الإسلام قال في الرياض: إنّه ولي ذلك بها سبع سنين، ثمّ عاد إليها قبل خروجه من إيران كما سيأتي.
8 ـ مشهد الرضا(عليه السلام) في خراسان:
ألّف فيها كتاب وصول الأخيار ـ هذا ـ قال عند ذكر الإمام الرضا(عليه السلام): «الذي ألّفتُ هذه الرسالة وأنا متشرّف بحضرته الشريفة وسدّته المنيفة»()ولم يؤرّخ ذلك، إلاّ أنّ من المقطوع كونه قبل (969هـ) لأنّ الكتاب قد قرئ على الشيخ في هذا التاريخ، وكتب فيه بلاغ الإنهاء على النسخة المعتمدة، كما سيأتي.
قال في الرياض: «فوّض إليه منصب شيخ الإسلام في المشهد المقدّس الرضوي والإقامة فيه، فأقام فيه مدّة».
9 ـ هرات :
وردها شيخاً للإسلام بها، وأقام بها (8) سنوات، كما أجمع عليه المترجمون له، وكان فيها عام (981هـ) حيث ألّف في المحرّم منه شرحه على ألفيّة الشهيد، كما سبق في مؤلّفاته، ومنها خرج إلى قزوين للمرّة الأخيرة.
فيظهر من ذلك أنّ وجوده في هرات كان في الأعوام الثمانية، قبل (983هـ) عام خروجه من إيران إلى الحجّ.
10 ـ قزوين ـ أيضاً ـ:
ومن هرات عاد إلى قزوين عام (983 هـ) ليستأذن في الخروج إلى الحجّ.
11 ـ مكّة المكرّمة
و12 ـ المدينة المنوّرة: وصل إليهما حاجّاً عام (983 هـ) وهناك في (19 ذي الحجّة الحرام) أجاز للسيّد الحسن بن علي بن شدقم وأولاده.
13 ـ المصلّى من البحرين:
خرج إليها راجعاً من الحجّ، حيث لبّى نداء ربّه بهذه القرية في(8 ربيع الأوّل 984 هـ) وقبره بها مشهور مزور.
وأهمّ أسفاره هجرته الكبرى إلى إيران، وإليك تفاصيلها:
سفره إلى إيران وسببه:
ثمّ سافر بأهله وعياله وأتباعه، وفيهم ولده البهائي، إلى إيران، بعد شهادة شيخه الشهيد الثاني، كما صرّح به صاحب (تاريخ عالم آراي) في ما مرّ، وكما يدلّ عليه قول المترجم في خطبة رسالته في الدراية التي ألّفها في إيران:« وممّا حثّني على تأليف هذه الرسالة، بعد هربي من أهل الطغيان والنفاق، وأوجبه عليّ بعد اتّصالي بدولة الإيمان والوفاق »إلى آخر كلامه، فدلّ على أنّه كان الباعث على سفره ما حدث من الخوف على العلماء في جبل عامل بسبب ما جرى على الشهيد الثاني، ولم يكن لهم ملجأٌ في ذلك الوقت غير إيران التي عرف ملوكها بتعظيم أهل العلم، مضافاً إلى علوّ همّته واعتياده على الأسفار وتحمّل المشاقّ.
أمّا تاريخ سفره إلى إيران: فيمكن كونه في أثناء سنة (965هـ) التي استشهد فيها شيخه المذكور، ويمكن كونه في السنة التي بعدها، أو أكثر، والاعتبار يقتضي أن يكون سفره فيها أو بعدها بقليل.
أمّا ما حكاه صاحب اللؤلؤة عن بعض مشايخه المعاصرين من أنّ المترجم لمّا سافر من جبل عامل إلى إيران كان عمر ولده البهائي سبع سنين فلا يكاد يصحّ، لأنّ البهائي ولد سنة (953هـ) ، فإذا كان عمره عند سفر أبيه سبع سنين يكون سفر أبيه سنة (960هـ) فيكون سفره في حياة الشهيد الثاني لابعد شهادته،وقد عرفت أنّه كان بعدها.
وصوله إلى أصفهان وانتقاله إلى قزوين:
يفوصل أوّ إلى أصفهان، وكانت عاصمة الملك يومئذ قزوين، وبها الشاه طهماسب الصفوي الأوّل، وكان في أصفهان عالم من علماء جبل عامل، وهو الشيخ زين الدين علي العاملي المعروف أبوه بمنشار، وهو الذي تزوّج الشيخ البهائي بعد ذلك ابنته، وكان الشيخ علي المذكور شيخ الإسلام بأصفهان في ذلك الوقت، فعطفته على المترجم عاطفة الوطن، بكون كلّ منهما عامليّاً، وما رأى من فضل المترجم ومن مهاجرته بأهله وعياله، مع قلّة ذات يده في مثل تلك الحال، وهو في بلاد الغربة، ولابدّ أنّ الشيخ علي كان على جانب من التقوى والإخلاص، فأخبر الشيخ علي الشاه طهماسب بورود المترجم إلى أصفهان ووصف له علمه وفضله وجلالة قدره، وكان الملوك الصفوية في حاجة إلى مثل المترجم، لينصبوه شيخ الإسلام، فأرسل الشاه إليه بهدايا، ولعلّ هذه العاطفة سبّبت تزوّج البهائي بابنة الشيخ علي المنشار المذكور.
وفي الرياض: إنّ المترجم توجّه في زمن الشاه طهماسب الصفوي من جبل عامل، مع جميع توابعه وأهل بيته، إلى أصفهان، وأقام بها ثلاث سنين يمشتغ بإفادة العُلُوم الدينيّة وإفاضة المعارف اليقينّة، ويستفيد منه فيها علماء عراق العجم، ولمّا اطّلع الفاضل الشيخ علي الملقّب بالمنشار، الذي هو شيخ الإسلام بأصفهان على وروده، أخبر الشاه طهماسب بوروده، وكان الشاه في بلدة قزوين، فكتب الشاه كتاباً بخطّ يده إلى المترجم، وأرسل له الخلعة، وطلب منه الحضور إلى بلدة قزوين مقرّ سلطنته في ذلك الوقت، فحضر إلى قزوين فعظّمه الشاه وبجّله غاية التعظيم والتبجيل، وجعله شيخ الإسلام بقزوين، وهو أكبر منصب علمي ديني في الدولة الصفوية، كما كان في الدولة العثمانية، وصاحب الرياض يقول: إنّه بمنزلة منصب قاضي القضاة، واستمرّ على ذلك سبع سنين.
وكان يقيم بها صلاة الجمعة بدل الظهر، فإنّه ممّن يرى وجوب صلاة الجمعة عيناً، كما هو رأي شيخنا الشهيد الثاني.
يقال السيّد الأمين: ربّما كان رأي الشهيد أوّ، ثمّ عدل عنه إلى الوجوب التخييريّ.
سفره إلى المشهد المقدّس الرضوي:
قال: ثمّ فوّض إليه منصب شيخ الإسلام في المشهد المقدّس الرضوي، والإقامة فيه، فأقام فيه مدّة.
وإلى هرات:
قال: ثمّ لمّا كان أكثر أهل هرات في ذلك الوقت غير عارفين بالأئمّة الاثني عشر، وبمذهب أهل البيت(عليهم السلام) أمره الشاه المذكور بالتوجّه إلى هرات والإقامة بها، لإرشاد أهلها، وأعطاه ثلاث قرىً من قرى تلك البلاد، وأمر الشاه المذكور الأمير شاه قلي سلطان يكان أعلى حاكم بلاد خراسان بأن يحضر الأمير محمّد خدابنده ميرزا ولد الشاه طهماسب كلّ يوم جمعة بعد الصلاة إلى الجامع الكبير بهراة، إلى خدمة المترجم لاستماع الحديث والفقه، وأمر حاكم خراسان المذكور أن يكون منقاداً لأوامر المترجم ونواهيه، وأن يلا يخالفه أحد، فأقام المترجم بهراة ثمان سنين على هذا المنوال، مشتغ بإفادة العُلُوم الدينيّة، وإجراء الأحكام الشرعيّة، وإظهار الأوامر الملّية، فتشبّع لذلك خلق كثير ببركة أنفاسه في هرات ونواحيها، وتوجّه إلى حضرته الطلبة بل والعلماء والفقهاء من الأطراف والأكناف من أهل إيران وتوران، لأجل مقابلة الحديث، وأخذ العُلُوم الدينيّة، وتحقيق المعارف الشرعيّة.
ثمّ إنّه توجّه من هرات إلى قزوين لملاقاة الشاه بها، وطلب الرخصة منه له ولولده البهائي بحجّ بيت الله الحرام، فأذن الشاه له، ولم يأذن لولده، لئلاّ تخلو هرات من مرشد، وأمر ولده الشيخ البهائي بالإقامة في هرات والاشتغال بتدريس العُلُوم الدينيّة، وبالطبع كان ولده المذكور مقيماً معه في هرات مدّة مقامه بها، وكذلك في قزوين والمشهد، وقد اقتفى طريق أبيه في هذه المدّة، وتعلّم منه وسلك مسلكه، وهو في ريعان الشباب، لا يزيد سنّه يعن خمس وعشرين سنة إلاّ قلي.
وتوجّه الوالد إلى الحجّ، وزار المدينة المنوّرة، ورجع من طريق البحرين وتوطّنها، وكتب إلى ولده الشيخ البهائي ما معناه:«إنْ كنت تريد الدنيا فاذهب إلى الهند، وإنْ كنت تريد الآخرة فاذهب إلى البحرين، وإنْ كنت لا تريد الدنيا ولا الآخرة فتوطّن ببلاد العجم».
قال: وأقام المترجم في بلاد البحرين واشتغل بتدريس العُلُوم الدينيّة برهةً من الزمان في أواخر عمره إلى أن توفّي بها،وقبره معروف متبرّك به. انتهى ما في الرياض.
ميله إلى التصوّف:
في رياض العلماء: كان له(رضي الله عنه) رغبة في مدح مشايخ الصوفية ونقل كلماتهم، كما هو ديدن ولده الشيخ البهائي أيضاً، وكأنّه أخذ ذلك من اُستاذه الشهيد الثاني ومن ذلك ما أورده في رسالته المسمّاة بالعقد الطهماسبي حيث قال في أواخرها في أثناء موعظته للشاه طهماسب الصفوي ما لفظه: ولهذا كان بعض الملوك والأكابر من أهل الدنيا، إذا علت همّتهم وكثر علمهم بالله، ولحظتهم العناية الربّانية، تركوا الدنيا بالكليّة، وتعلّقوا بالله وحده، كإبراهيم بن أدهم، وبشر الحافي، وأهل الكهف، وأشباههم، فإنّهم لكمال رشدهم لا يرضون أن يشغلوا قلوبهم بغير الله لحظة عين، ولكن هذه مقامات اُخر (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ.4.ƒ.( ]سورة الشرح(94)[.
قال السيّد الأمين: قد ذكرنا في ترجمة ولده البهائي أنّ الميل إلى التصوّف الصحيح لا منقصة فيه، كما كان عليه جماعة من علمائنا، كالشيخ أحمد بن فهد الحلّي وغيره، أمّا التصوّف الباطل فينزّه عنه أمثال المترجم وابنه وشيخه الشهيد الثاني، وأما مدح مشايخ الصوفية ونقل كلماتهم فلا شكّ أنّه كان لهم فيه غرض صحيح، ومن مدحوهم كانوا غالباً على طريقة مستقيمة، وتصوّف إبراهيم بن أدهم، وبشر الحافي، وأهل الكهف كان محض الزهد في الدنيا، ومن مثل أهل الكهف غير الأنبياء والمرسلين، وكفى هؤلاء العلماء مدحاً وفخراً ما جرى على أيديهم من المنافع العامّة والهداية والإرشاد والمؤلّفات التي انتفع بها الناس إلى اليوم وإلى يوم القيامة.
سبب سكناه البحرين وما جرى له فيها:
في لؤلؤة البحرين)(): ذكر بعض مشايخنا المعاصرين أنّه لمّا هاجر من بلاد العجم كان لابنه البهائي سبع سنين وفي اللؤلؤة وكشكول البحراني: أخبرني والدي قدّس الله سرّه وبحظيرة القدس سرّه: أنّ السبب في مجيء الشيخ إلى البحرين أنّه كان في مكّة المشرّفة قاصداً الجوار فيها إلى أن يموت، وأنّه رأى في المنام أنّ القيامة قد قامت وجاء الأمر من الله سبحانه بأن ترفع أرض البحرين وما فيها إلى الجنّة، فلمّا رأى هذه الرؤيا آثر الجوار فيها، والموت في أرضها، ورجع من مكّة المشرّفة، وجاء البحرين، ولمّا سمع علماء البحرين بقدومه، وكان لهم مجتمع يجتمعون فيه للدرس ويحضره الفضلاء منهم في مسجد من مساجد قرية جَدْحَفْص، علموا أنّ الشيخ لابدّ أن يحضر بعد قدومه هذا المجتمع، وكان من جملة فضلاء البحرين الشيخ داود بن أبي شافير، وكانت له يد طولى في علم الجدل، وقد كانت بينهم وبينه منافرة أوجبت غضبه وعدم حضوره ذلك المجتمع مدّة، وخروجه من جدحفص، ولمّا سمعوا بقدوم الشيخ أرسلوا للشيخ داود المذكور، وصالحوه والتمسوا منه الحضور، كما كان سابقاً، فاتّفق أنّ الشيخ لمّا وصل إلى البحرين زاروه وعظّموه بما هو أهله، فاتّفق أنّه سمع بذلك المجتمع فحضره ذات يوم، وليس في ذلك الوقت فيهم من هو في مرتبته، واتّفق البحث كما هي العادة الجارية بين العلماء في جميع الأصقاع، فابتدر الشيخ داود لمنازعة الشيخ والبحث معه مع أنّه لا نسبة له في ذلك،فأطال النزاع والجدال معه،فلمّا انقضى المجلس مضى الشيخ(قدس سره) وكتب هذين البيتين،ثمّ لم يحضر بعد هناك حتّى توفّي:
اُناسٌ في أوال قد تصدّوا***لمحو العلم واشتغلوا بِلِمْ لِمْ
فإنْ باحثتهم لَمْ تلقَ منهم***سوى حرفين «لِمْ لِمْ» لا نُسلّمْ
وأقام الشيخ في البلاد المذكورة حتّى توفّي إلى رحمة الله، وقبره في قرية المصلّى من قرى البحرين معروف إلى الآن.
وعن السيّد نعمة الله الجزائري: أنّه كان قاضياً بالبحرين في قرية هَجَر، ولم نجده لغيره.
أخلاقه مع عياله:
في مجموعة الشيخ محمّد بن علي بن حسين بن محمّد بن صالح الجباعي، بخطّ الشيخ البهائيّ ما صورته: كان والدي طاب ثراه إذا استشير في طبخ طعام جعل الخيرة إلى المستشير، ولم أذكر أنّه أمر بطعام يشتهيه أبداً.
نثره:
جمع المترجم له إلى تفوّقه في علوم عصره المتداولة، تضلّعه في علوم الأدب العربي نثراً ونظماً، حتّى ذكروا ذلك في أوصافه، فقالوا: «كان ... أديباً يمنشئاً شاعراً» و «كان فاض، مطلّعاً على التواريخ، ماهراً في اللغات مستحضراً للنوادر والأمثال».
والوقوف على ما كتبه، خاصة في مقدّمات كتبه ومؤلّفاته، يغني عن الاستشهاد بشيء من ذلك، حيث لا يخلو ـ بعد استعمال الفصاحة والبلاغة ـ من أنواع البديع المعروفة، وتطعيم الكلام بأشكال من الشعر والأمثال، والاقتباس من الآيات والأحاديث بأفضل الصور والأشكال، كما هو في مقدّمة كتاب «وصول الأخيار»().
ومن المناسب أن نورد قطعةً من ديباجة رسالته التي كتبها عن لسان السلطان الإيراني السيّد طهماسب الصفوي العَلَويّ، رسالة جوابية إلى السلطان التركي سليمان العثمانيّ،وقد نقله صاحب فضائل السادات() عن خطّ المترجم له،وهذا نصّ ما فيه:
هذا جواب كتابة السلطان سليمان، لمّا أرسل، يطلب أولاده من الشاه طهماسب أدام نصره وتأييده، لمّا هربوا إلى عنده، فكتبت هذا الكتاب على لسان الشاه، جواباً عن كتابه، وذلك سنة (ثمان وستّين وتسعمائة هـ) أحسن الله تقضّيها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، المخاطب بـ(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ .107.ƒ.)( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ.29.ƒ.(
] [.ذلك جدّنا سيّد الأوّلين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه صلاةً وسلاماً دائمين بدوام الأعصار.
وعلى أبينا أمير المؤمنين، أخ النبيّ وابن عمّه ووصيّه ووليّ المؤمنين بنصّ: (إِنَّمَاوَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.55.ƒ.( ] [.إنّ في ذلك لآيةً وذكرى لاُولي الأبصار.
باب مدينة العلم ومحبوب رسوله وممدوحهما، ومولى من كان النبيّ مولاه، كما شهدت به الأخبار.
وعلى اُمّنا سيّدة النساء، فاطمة الزهراء، المغصوبة حقّها جهراً، المدفونة لغضبها على غاصبها سرّاً،بعد ما سمعوا: «فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني» و(إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ.57.ƒ.(] [
)أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ .159.ƒ.( ] [فيالها عبرة لذوي الاعتبار.
وعلى جدّتنا خديجة الكبرى، ذات الفضل على نساء الأنام، الفائقة بالفوز بشرف السبق إلى الإسلام، ورضا النبيّ المختار.
وعلى آبائنا المطهّرين بنصّ الكتاب: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ.22.ƒ. جَنَّاتُ عَدْن يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب .23.ƒ. سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ .24.ƒ.( ]من سورة الرعد(13)[.
وعلى المتمسّكين بكتاب الله وعترة النبيّ أهل بيته الذين قد جاء النصّ الصحيح: «أنّ المتمسّك بهما لن يضلّ أبداً» (إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور.5.ƒ.( ]سورة إبراهيم (14)[.
أُولئك نحن، أعني أبناء أهل البيت وشيعتهم، لأنّا لن نتمسّك إلاّ بكتاب الله، والذين أمر الرسول بالتمسّك بهم، فيا لنا فخراً يفوق كلّ فخار.
فأنسابُنا أنورُ من ليلة القدر، وأحسابُنا أشهرُ من يوم بدر.
وقصرُ مجدنا أقرّت له القصورُ بالقصور، ولبستْ منه شعرى عيور شعارَ الغيور.
وجوهرُنا من جوهر الشرف، لا من جوهر الصدف، ويواقيتُنا من يواقيت الأحرار، لا من يواقيت الأحجار.
لسنا ـ بحمد الله ـ في شكٍّ من الدين، و (إنّا لعلى هدىً) بيقين وأيّ يقين.
رأيُنا فيه ـ ولله المنّة ـ سديدٌ، وبأسُنا شديدٌ، وكيدُنا عتيدٌ، لكلّ جبّار عنيد، وحيُّنا سعيدٌ، وقتيلُنا شهيدٌ(وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ.198.ƒ. ( ]سورة آل عمران(3)[
إلى آخر الكتاب.
شعره:
قد عرفت أنّ له ديوان شعر كبير، ومن شعره قوله الذي أورده ولده في الكشكول:
ما شممت الورد إلاّ زادني شوقاً إليكْ***وإذا ما مال غصنٌ خلته يحنو عليكْ
لست تدري ما الذي قد حلّ بي من مقلتيكْ***إن يكن جسمي تناءى فالحشا باق عليكْ
كلّ حسن في البرايا فهو منسوب إليكْ***رشق القلب بسهم قوسه من حاجبيكْ
إنّ ذاتي وذواتي يامنايا في يديكْ***آه لو اسقى لاُشفى خمرة من شفتيكْ
وله قصيدة طويلة تبلغ (69) بيتاً قال ولده في الكشكول() مطلعها:
سحرٌ حلالٌ أفي جفنيك أم سقم***أم السيوفُ لقتل العرب والعجمِ
قال صاحب السلافة: يزعم أنّه عارض بها البردة ! مشيراً إلى انحطاطها عن البردة، وزاد في ذلك التزامه أنواع البديع المتكلّفة التي تؤثّر انحطاطاً في يالشعر البارع فض عن غيره كقوله:
أنا الملومُ وقلبي مولعٌ برشا***ساق غدا قلبه قاس على الاُممِ
قلبي غضى وضلوعي منحنى وله***عقيق جفني بسفح ناب عن ديمِ
وما سقاني رحيقاً بل حريق أسىً***وكان من أملي منه شفا ألمي
بكيتُ والشمل مجموعٌ لخوف نوىً***فكيف حالي وشملي غير ملتئمِ
وكلّما متّ هجراً عشتُ من أملي***فكم أموتِ وكم أحيى من القدمِ
دمعٌ طليقٌ وقلبٌ في قيود هوىً***والرشد ظلّ بذات الضالّ والسلمِ
وقد أقام قوام القدّ لي حججاً***وبالعذار بدا عذري فلا تلمِ
وجدي عليك ونفسي في يديك وذا***قلبي لديك فقلْ ما شئت واحتكمِ
ونحن في سفر نمضي إلى حفر***فكلّ آن لنا قربٌ من العدمِ
نقلنا منها هذا نموذجاً لما تركناه منها، لا لأنّه ممّا يختار، وأوردها ولده في كشكوله بتمامها يقول فيها:
إنّ الإقامة في دار تضام بها***والأرض واسعةٌ عجزٌ فلا تقمِ
أرجو الخلاص وما أخلصت في عمل***أرجو النجاة وما ناجيت في الظلمِ
لكن لي شافعاً ذو العرش شفّعه***أرجو الخلاص به من زلّة القدمِ
محمّدُ المصطفى الهادي المشفّع في***يوم الجزاء وخير الخلق كلّهمِ
كفاك فخراً كمالات خصّصت بها***أخاك حتّى دعوه بارىء النسمِ
خليفة الله خير الخلق قاطبةً***بعد النبيّ وباب العلم والحكمِ
ربّ اللواء ومخصوص الولاء ومحـ***ـفوف الكساء وصيّ المصطفى العلمِ
والبيضُ في كفّه سودٌ غوائلها***حمرٌ غلائلها تدلي على القممِ
بيضٌ متى ركعت في كفّه سجدت***لها رؤوس هوت من قبل للصنمِ
ولا ألومهم أنْ يحسدوك فقدْ***حلّتْ نعالك منهم فوق خامهمِ
مناقبٌ أدهشتْ من ليس ذا نظر***وأسمعتْ في الورى من كان ذا صممِ
من لم يكنْ بقسيم النار معتصماً***فما له من عذاب النار من عصمِ
من لم يكن ببني الزهراء مقتدياً***فلا نصيبَ له من دين جدّهمِ
فإنْ يشاركهم الأعداءُ في نسب***فالتبرُ من حجر والمسك بعض دمِ
هم الولاةُ وهمْ سفنُ النجاة وهمْ***لنا الهداةُ إلى الجنّات والنعمِ
ومن سرى نحوهم أغناه نورهم***عن الدليل ونجمُ الليل في الظلمِ
عذابُ قلبي عذبٌ في محبّتهم***ومرُّ ما مرَّ بي حلوٌ لأجلهمِ
رجوتُهُمْ لعظيم الهولِ من قدمِ***وهلْ يرجّى سوى ذي الشأن والعظمِ
ومنها في المهدي(عليه السلام):
يامظهر الملّة العظمى وناصرها***لأنت مهديّها الهادي إلى اللقمِ
ياوارثَ العلم يرويهِ ويسندهُ***إلى جدود تعالوا في علومهمِ
مآثر الفخر فيكم غيرُ خافية***والشمسُ أكبرُ أنْ تخفى على الاُممِ
أوضحتمُ للورى طرق الوصول كما***صيّرتمُ العلمَ بين الناس كالعلمِ
لم يبقَ غيرُك إنسانٌ يلاذُ به***فأنتَ إنسانُ عين الأمن والكرمِ
ولا تقلْ قلّ أنصاري فناصرك الـ***باري ومن ينصر الرحمن لم يضمِ
أقصر حسينٌ فلن تُحصي فضائلهم***لو أنّ في كلّ عضو منك ألفُ فمِ
عليهم صلوات لا انتهاء لها***كمثل قدرهم العالي وعلمهمِ
وقال البهائي :ممّا أنشدنيه والدي طاب ثراه وكان كثيراً ما ينشده لي: صِلْ من دنا وتناسَ من بعدا***ولا تكرهنّ على الهوى أحدا
قد أكثرتْ حواء ما ولدتْ***فإذا جفا ولدٌ فخذْ ولدا
وقال الشيخ حسين بن عبدالصمد على طريقة أهل التصوّف:
فاح ريحُ الصبا وصاح الديكْ***فانتبهْ وأنفِ عنك ما ينفيكْ
واخلع النعلَ في الهوى ولهاً***وادنُ منّا فإنّنا ندنيكْ
واستلمها سلافةً سلمتْ***من أذى من بغى لها تشريكْ
وأدر مدحها الفصيح وقلْ***كلّ مدح لغير تلك ركيكْ
وتعشّقْ وكنْ إذاً فطناً***كلّ شيء عشقته يغنيكْ
وانفِ عنك الوجود وافنَ تجدْ***نفحةً من قبولنا تبقيكْ
إنْ تَسِرْ صوبنا تسرُّ وإنْ***متَّ في السير دوننا نحييكْ
وإذا هانك الحميم فحمْ***في حمانا فإنّنا نحميكْ
وتخلّق بما خلقت له***فهو من مورد الردى منجيكْ
جُدْ بنفس تجدْ نفيس هدىً***كفَّ كفّاً عن غيرنا نكفيكْ
خلِّ خِلّي مُناكَ لي بمِنى***واجعل النفسَ هديَنا نهديكْ
وانتصب رافعاً يديك بها***واخفض القدر ساكناً نعليكْ
وابْكِ تمحو قبائحاً كتبتْ***قبل أن تلتقي الذي يُبكيكْ
تدّعي غير ما وصفت به***والذي فيك ظاهرٌ من فيكْ
تجتري والجليلُ مطّلعٌ***ما كان النهي إذا ناهيكْ
تتلاهى عن الهدى ولهاً***مبتلىً دائماً بما يبليكْ
تلبس الكبر تائهاً سفهاً***والنجاسات كائناتٌ فيكْ
وإذا ما ذكرت موعظةً***حدت عنها كأنّها تنسيكْ
وفي (أنوار الربيع): من الاقتباس من الفقه قول أبي الفضل الدارمي، وقيل القاضي عبدالوهاب المالكي:
يزرع ورداً ناضراً ناظري***في وجنة كالقمر الطالع
أمنع أن أقطف أزهاره***في سنّة المتبوع والتابع
فلِمْ منعتم شفتي قطفها***والحكم أنّ الزرع للزارع
قال: وقد أجاب عن ذلك جماعة من الاُدباء، منهم شيخنا الشيخ حسين ابن عبدالصمد العاملي(رحمه الله) فقال:
لأنّ أهل الحبّ في حكمنا***عبيدنا في شرعنا الواسع
والعبدُ لا ملكَ له عندنا***فحقّه للسيّد المانع
مراثيه:
في الرياض: رثاه جماعة من الشعراء، وفي (كشكول) البهائي: رثى السيّدُ الأجلُّ، والدَ جامع الكتاب بقصيدة مطلعها:
جارتي كيف تحسنين ملامي***أيُداوى كَلْمُ الحشا بكلامِ
ولم يذكر مَن هو هذا السيّد الأجلّ، ويمكن كونه الذي ذكره البهائي في (كشكوله) في موضع آخر فقال: ممّا كتبته إلى السيّد الأجلّ قدوة السادات العظام السيّد رحمة الله قدّس الله روحه.
وممّن رثاه ولدُهُ الشيخُ البهائيُّ بقصيدة ذكرها في (كشكوله) أوّلها:
قف بالديار وسلْها أينَ سلماها***وروِّ من جرع الأجفان جرعاها
وردّد الطرفَ في أطراف ساحتها***وروّح الروح من أرواح أرجاها
وإنْ يفتك من الأطلال مخبرها***فلن يفوتك مرآها وريّاها
ربوعُ فضل تباهي التبرَ تربتُها***ودارُ اُنس تحاكي الدرَّ حصباها
عدا على جيرة حلّوا بساحتها***صرفُ الزمان فأبلاهم وأبلاها
بدورُ تمٍّ غمامُ الموت جلّلها***شموسُ فضل سحابُ القرب غشّاها
فالمجدُ يبكي عليها جازعاً أسفاً***والدينُ يندبُها والفضلُ ينعاها
ياحبّذا أزمناً في ظلّهم سلفتْ***ما كان أقصرها عمراً وأحلاها
أوقاتُ اُنس قضيناها فما ذكرتْ***إلاّ وقطّع قلبَ الصبّ ذكراها
ياجيرةً هجروا واستوطنوا هَجَراً***واهاً لقلبي المعنّى بعدكم واها
رعياً لليلاتِ وصل بالحمى سلفتْ***سقياً لأيّامنا بالخيف سقياها
لفقدكمْ شقّ جيبُ المجد وانصدعتْ***أركانه وبكم ما كان أقواها
وخرّ من شامخات العلم أرفعُها***وهدّ من باذخات الحلم أرساها
ياثاوياً بالمصلّى من قرى هَجَر***كسيتَ من حُلَل الرضوانِ أرضاها
أقمتَ يابحرُ بالبحرين فاجتمعتْ***ثلاثةٌ كنّ أنداداً وأشباها
ثلاثةٌ أنتَ أندادها وأغزرُها***جوداً وأعذبُها طبعاً وأصفاها
حويتَ من دُرَرِ العلياء ما حويا***لكنَّ دُرَّك أعلاها وأغلاها
ياأعظماً وطئتْ هامَ السهى شرفاً***سقاكِ من ديم الوسمي أسماها
وياضريحاً سما فوق السِماك عُلىً***عليك من صلوات الله أزكاها
فيكَ انطوى من شموس الفضل أضوؤها***ومن معالم دين الله أسناها
ومن شوامخ أطواد الفتوّ***ة أرساها وأرفعها بدراً وأبهاها
فاسحبْ على الفلك الأعلى ذيولَ عُلاً***فقدْ حويتَ من العلياء أعلاها
عليك منّا سلام الله ما صدحتْ***على غصون أراك الدوح ورقاها()
كتابنا هذا
هو ثاني كتاب ألّفه علماؤذنا الأبْرارُ في علم الدراية بشكل مجموع مستقلٍّ يجمعُ أهمَّ مَباحثه وقَواعده، وبِترتيب مُنفرد عمّا تُدُووِلَ عندَ العامّة .
وانفردَ كتابُنا هذا من بينها بمَزايا حتّى على كتابي شيخه الشهيد الثاني قدّس الله سرهما، ولا مَجال لتفصيل البحث عن هذه المزايا لحاجته إلى المقارنة، ونسأل الله التوفيق لذلك في محل آخَر. وهذا الكتاب حَظِيَ بعناية العلماء فتداوَلُوه واستنسخُوه بكثرة ملحوطة ممّا يُوحي أنّ الكتاب كان من المنهج الدراسي لطلبة الفنّ.
نسخه المطبوعة:
طبع هذا الكتاب على الحجر في طهران عام 1306 هـ في مجموعة تضمُّ الوجيزة للبهائي، وقد مُنِيَ بالسقط والتصحيف .
وطبع حديثاً بالحروف في قم المقدّسة عام 1401هـ بشكل لا يختلف عن الحجرية في ما مُنِيَتْ به.
وأمّا نسخه المخطوطة:
فمخطوطاته كثيرة جدّاً ،الأمر الذي يدلّ على اهتمام العلماء به باعتباره من نوادر ما أُلّف في هذا الفنّ، على يد عَلَم من أعلام الطائفة، ونُثبتُ هُنا قائمةً بما وقفنا عليه من النسخ :
1- نسخة منه كتبت عن نسخة كتابتها (11 رمضان 982هـ) موجودة عند الشيخ حسين القديحي، ذكرها في الذريعة.
2- في المرعشيّة - قم : رقم(ا/744) كتبها حسين بن عبد السيد بن خليفة بن أحمد، في ربيع الأوّل (1073هـ) في الأوراق(61ظ -150و) مذكورة في فهرستها (2:345)
3- في آستان قدس رضوي- مشهد، رقم(7677)و (48) ورقة، كما في فهرستها (6:631).
4- في آستان قدس رضوي-مشهد ،رقم (9884)بخط محمد بسطامي في (1010هـ)كما في فهرستها(6:631).
5- في دانشگاه - طهران ، رقم (1/1044) وهي النسخة المعت مدة في عملنا هذا.
6- في دانشگاه - طهران ، رقم (4/3598) بخط محمد حسن بن محمد حسين خاتون آبادي، في الصفحات (118ظ- 189و)كما في فهرستها(15:4241).
7- في مَلِك - طهران : رقم(2586) بخط فضل الله بن محمد ،في (1066هـ) و(88) ورقة، كما في فهرستها(1:584).
8- في گلپايگاني- قم، رقم(2/196) بخط محمد علي الغروي في (1007هـ) و(137)ورقة.
9- في گلپايگاني - قم، رقم(2/160) بخط وجيه الدين بن إسماعيل، في(1030هـ) و(141) ورقة.
10- في مجلس الشورى الإسلامي- طهران، رقم(2/3566) بخط سعد ابن خزعل الحويزي الحلي في (1096هـ) في الصفحات (4-109) كما في فهرستها (10/1531).
11- في مجلس الشورى الإسلامي- طهران، رقم(3/854) في الصفحات (86-159) كما في فهرستها(23/139).
وأمّا عملنا في الكتاب :
فقد كنتُ قابلتُ مطبوعة هذا الكتاب بمخطوطته القيّمة المحفوظة في دانشگاه طهران برقم(1044) المقروءة على المصنّف، والتي عليها إنهاء قراءتها في(17) شوّال عام (967هـ)بقزوين، وهي نسخةٌ شهيرةٌ ذائعةُ الصيت، فأثبتُّ التصويبات والفوارق على النسخة المطبوعة، وقد اشترك معي في قسم من مقابلة الكتاب صاحب الفضيلة الأخ الأعزّ العلاّمة المحدّث السيّد حسن آل المجدّد أدام الله مجده، وتمّ ذلك عام(1408هـ) في مدينة قم المقدّسة .
وقد راجعنا نسخاً أ أخرى للتأكُّد من الضبط في مواضع الشبهة وهي :
1 - في مكتبة السيّد الكلپايگاني في قم ، رقم (2/ 196) بخطّ محمد علي الغروي في (137) ورقة بتاريخ (1007هـ).
2 - في مكتبة السيّد الگلپايگاني - قم، رقم(2/160) بخط وجيه الدين بن إسماعيل، في(141) ورقة بتاريخ (1030هـ).
3 - في المكتبة المرعشيّة - قم : رقم(ا/744) كتبها حسين بن عبد السيد بن خليفة بن أحمد، في ربيع الأوّل (1073هـ) في الأوراق(61ظ -150و) مذكورة في فهرستها (2:345) وساعدنا في مراجعة هذه النسخ الشيخ الفاضل العزيز أبو الفضل حافظيان.
ولمّا كان العزمُ على طبع الكتاب، أعدتُ النَظَرَ في نسختي من الكتاب، وحاولتُ قراءته مرّةً ثانيةً، فقوّمتُ نصّه ، وضبطتُه، مع التخريج الواسع لما ذكره المصنّف من المصادر، معرضاً عمّا لم يذكر له مصدراً، خصوصاً في البحث الطويل الذي ذكره حول الإمامة، حذراً من التطويل على المراجعين الذين يطلبون من هذا الكتاب المواضيع الباحثة عن علوم الحديث.
وقدّمتُ أمام الكتاب ترجمة ضافيةً للمصنّف(قدس سره)تستوعبُ جميع ما تفرّق عنه من مواضيع، وبالأخَصّ ما يدور حول مؤلّفاته.
فإلى المجامع العلميّة ،وإلى محبّي الحديث الشريف وهُواته، نقدّم هذا الكتاب الذي يعدُّ - بحقٍّ - ثانيَ أنفس كتاب في علم المصطلح في تراثنا الشيعيّ الغالي. والله المسؤول أن يوفّقنا لخدمة العلم وأهله، إنّه الموفّق المعين . حرّر في(20 رجب المرجّب 1420هـ)الحوزة العلميّة - قم المقدّسة. وكتب
السيّد محمد رضا الحسيني الجلالي
كان الله له
الصفحة الأخيرة من صورة النسخة المعتمدة
وفيها إنهاء المصنّف بخطه
وصول الأخيار إلى أصول الأخبار
تأليف
شيخ الإسلام عزّ الدين
الحسين بن عبدالصمد بن محمّد
الحارثي الهَمْدانيّ العامليّ
والد الشيخ البهائي
(918 ـ 984هـ)
تحقيق
السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ
قم المقدّسة - 1420هـ
الحمدُ لله فاتحِ الأغْلاق، مانحِ الأعْلاق، مُسْبِغِ العطاء، مُسْبِلِ الغطاء، الذي خَلَقَ الإنسان فأجزل عليه الإحسان، حيثُ أقامَ من نوعه أقْواماً فجعلهم لملّته قِواماً، يوعلى أُمّته قُوّاماً، ثمّ قَرَنَ طاعتَهم بطاعته، تفضُّ بمنّه الغَمْر، فقال عزّ من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ)]سورة النساء(4)الآية 59[.
ثمّ أوجبَ على مَنْ سِواهم الاهْتداء بمنارِهِمْ، والاقْتداء بمَبارِّهِمْ، فاستَنْفَرَ ذوي الهِمَمِ للرُجُوع في الأحْكام إليهم، والاعْتماد في سُلُوْك طُرُق الإنْذار عليهم، فقالَ جلَّ ثناؤُه: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) ]سورة التوبة(9)الآية22[.
أحْمَدُهُ على مَنٍّ طَوَّقَهُ، وأمْن وَفَّقَهُ، ويُمْن دَفَّقَهُ، وظَنٍّ حَقَّقَهُ، ونِعْمَة أوْلاها، ونِقْمَة ألْواها، ورَحْمة والاها.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لهُ، شهادةَ مَنْ صَدَعَ بالحقّ لِسانُهُ، ونَزَعَ عن التقليد جِنانُهُ، شهادةً يَحْظى بها الشاهِدُ، ويَلْظى بها الجاحِدُ، ويُرْغَمُ بها المُنافِقُ، ويُعَظَّمُ بها الخالِقُ.
وأُصلّي على سيّدنا محمّد خاتَمِ الأنْبياء، وحاتَمِ الأسْخياء، الذي أرْسَلَهُ بكتاب أحْكَمَهُ، وصواب ألْزَمَهُ، وغَمَراتُ الشِرْكِ حِيْنَئِذ طافِحةٌ، وجَمَراتُ الشَكِّ لافِحةٌ، فلمْ يَزَلْ بِزِنادِ الإيمان قادِحاً، ولِعُبّاد الأوْثان مكافِحاً، وبالحُقُوْق طالِباً، وعن الفُسُوْق ناكِباً، حتّى شَدَّ من الحقّ قواعِدَهُ، وهَدَّ من الباطِلَ أوابِدَهُ، وأظْهَرَ من الدين حقائِقَهُ، وأنْوَرَ من اليقين شوارِقَهُ، فأقامَ بإرْساله الحُجّةَ، وقَوَّمَ بآلِهِ وأنْسالِهِ المحَجَّةَ، فأنارَ بهم الهُدى، وأبارَ الرَدى، وجَعَلَهُم الحُجَجَ على خلقه، والبابَ المؤدّي إلى معرفة حقّه، ليَدينَ بهداهم العبادُ، وتُشْرِقَ بنورهم البلادُ، وجَعَلَهُم حياةً للأنام، ومصابيحَ للظلام، ومفاتيحَ للكلام، ودعائمَ للإسلام، بعد أنْ اختارهم من أرحج الخليقة مِيْزاناً، وأوْضَحها بَياناً، وأفصحها لِساناً، وأسمحها بَناناً، وأعلاها مَقاماً، وأحلاها كلاماً، وأوفاها ذِماماً، وأبعدها هِمَماً، وأطهرها شِيَماً، وأغْزَرها دِيَماً، فأوْضَحُوا الحقيقةَ، ونَصَحُوا الخليقةَ، وشَهَرُوا الإسلامَ، وكَسَرُوا الأصنامَ، وأظْهَرُوا الأحكامَ، وحَظَرُوا الحرامَ.
فعليهم جميعاً أفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام، صلاةً وسلاماً دائمين بدوام الليالي والأيّام.
وبعدُ: فيقولُ فقيرُ رحمة ربّه الغنيّ حسينُ بنُ عبدالصمد، الحارثيُّ الهَمْدانيُّ، أصلح اللهُ أعمالَه وبلغه آمالَه: لمّا كانَ التَفَقُّهُ - في زماننا هذا - واجباً على كلّ المكلّفين، وبه تحصل السعادةُ في الدنيا والدين، وهو ميراثُ النبيّين، وحليةُ الأولياء والمقرّبين.
فقد رُوِّيْنا بطريقنا الآتي ذكره وغيره، عن محمّد بن يعقوب الكُلَيْنيّ رحمه الله تعالى، عن عليّ بن محمّد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عليّ بن أبي حمزة، قال: سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «تفقّهوا في الدين، فإنّه مَنْ لم يتفقّه في الدين فهو أعرابيٌّ، إنّ الله يقول: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ]سورة التوبة(9)الآية122[().
]وعنه، عن الحسين بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن القاسم بن الربيع، عن مفضّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول:[() «عليكم بالتفقّه في دين الله، ولا تكونوا أعراباً، فإنّه مَنْ لم يتفقّهْ في دين الله لم ينظر اللهُ إليه يومَ القيامة ولم يُزكِّ لَهُ يعم»().
ورُوِّيْنا - بالطريق المذكور - عنه، عن الحسين بن محمّد، عن مُعَلّى بن محمّد، عن الحسن بن علي الوشّآء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا أراد الله بعبد خيراً فقّهَهُ في الدين»().
ولا ريبَ أنّ التفقّهَ موقوفٌ على الأحاديث المطهّرة المرويّة عن النبيّ والأئمّة المعصومين، إذْ قد تواترَ عنهم (عليهم السلام)ببطلان القياس النقْلُ، وحكم بذلك أيضاً صحيحُ العقل، فكان الفحصُ عن أحاديثهم - الواردة عنهم في المعارف والحلال والحرام - من أعظم المهمّات، وإهمال ذلك ـ خصوصاً في زماننا هذا ـ من أكبر المُلمّات.
ولقد رُوِّيْنا بطريقنا الآتي وغيره من الطرق: عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن أبي البَخْتَريّ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
«العلماء ورثةُ الأنبياء، وذاك أنّ الأنبياءَ لم يُورّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنّما ورّثوا أحاديثَ من أحاديثهم، فمَنْ أخذَ بشيء منها فقد أخذَ حظّاً وافراً، فانظروا يعلمكم هذا عمّن تأخذونه، فإنّ فينا أهلَ البيت في كلّ خَلَف عدو ينفونَ عنه تحريفَ الغالين وانتحال المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ»().
ورُوِّيْنا - بطرقنا - عنه، عن الحسين بن محمّد، عن أحمد بن إسحاق، عن سُعدان بن مُسلم، عن مُعاوية بن عمّار (رضي الله عنه) قال: قلتُ لأبي عبدالله (عليه السلام): رجلٌ راويةٌ لحديثكم يَبُثُّ ذلك في الناس ويشدّدهُ في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ولعلّ عابداً من شيعتكم ليستْ له هذه الرواية، أيّهما أفضل؟؟
قال: «الراوية لحديثنا يشدُّ به قلوبَ شيعتنا أفضلُ من ألف عابد»().
ورُوِّيْنا - أيضاً، بطرقنا ـ عنه، عن محمّد بن الحسن، عن سَهْل بن زياد، عن ابن سنان، عن محمّد بن مروان العِجْليّ، عن عليّ بن حنظلة، قال: سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «اعْرفوا منازلَ الناس على قدر روايتهم عنّا»().
ورُوِّيْنا ـ من غير طريق محمّد بن يعقوب ـ بسندنا المتّصل إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «رحمَ اللهُ خلفائي». قيل: يارسول الله، ومَنْ خلفاؤُك؟ قال: «قومٌ يأتونَ من بعدي يروونَ آثاري وسُنّتي يُعلّمونها الناسَ»().
ورُوِّيْنا ـ أيضاً من غير طريقه - بسندنا المتّصل إلى جعفر بن محمّد الصادق، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه (عليهم السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «سارعوا في طلب العلم، فَلَحَديثٌ واحِدٌ عن صادِق خَيْرٌ من الدُنْيا وما فيها»().
وَجَبَ على كلّ ذي لُبٍّ وحميّة في الدين صَرْفُ العِناية إلى البحث عن طُرُق أحاديثهم وراويها، وكيفيّة الاستدلال بها، واصطلاح الفرقة الناجية فيها.
وكنتُ ممّن منَّ اللهُ عليه، فصرفَ فيها جملةً من زمانه، ووجّه إليها عنان قلبه ويده ولسانه، ورأيتُ فنّ أُصول الحديث قد اندرس في ما بيننا رسمُهُ وامَّحى اسمُهُ، بل ذهبَ في زماننا هذا علمُهُ وظنُّهُ ووهمُهُ، ولم يزلْ سلفُنا الماضونَ يعتنونَ بشأنه، ويبنونَ إفادة الأحاديث واستفادتها على قواعد بُنيانه، فلقد كانت قواعده بينهم متداولةً غنيّةً عن التعريف، وإنْ لم يُفردوا لها كتاباً بالتأليف، لكنّهم ضمّنوا كتبهم الاُصوليّةَ والفقهيّةَ وكتبَ الحديث والرجال كثيراً من ذلك، ولبعد ما بين مظانّها تتعسّرُ الإحاطةُ بها على مريد سلوك هذه المسالك، مع أنّهم تركوا كثيراً من قواعده لم يكتبوها، وإنْ كانت متداولةً بينهم يعرفها ذووها.
فجمعتُ من مظانّ ذلك شواردَ يعسُرُ جمعُها، وقيّدتُ منه أوابدَ يكثُرُ نفعُها، فجاءتْ في الحقيقة أنورَ من نَوْرِ الحديقة، وفي نظر العين أنضَرَ من نظرة العين، قد اتّضح بها علمُ أُصول الحديث واستبان، وافتضح بها جهله واستكان، ولقد يصدّق الناظرُ فيها المثلَ السائرَ: «كم ترك الأوّل للآخر» وسمّيتها «وصول الأخيار إلى اُصول الأخبار». فدونك كلمات ينزرُ عددُها ويغزرُ مددُها، تُكسبك خلّةَ الأولياء، وتلبسك حلّةَ الأنبياء، وتُرشدك إلى طُرُق النقل والتحصيل، وتُخرج قوّتك القريبة إلى الفعل الجميل.
]وممّا حثّني على تأليف هذه الرسالة - بعد هربي من أهل الطغيان والنفاق - وأوجبه عليّ - بعد اتّصالي بدولة الإيمان والوفاق - ما شاهدتُهُ من إقبال أهلها على اقتباس الفقه والحديث وحسن سلوكهم، وتحقّقت به صدق المثل السائر: «الناس على دين ملوكهم».
فياللهِ من دولة صافية المشارع، ضافيةَ المزارع، ماتعة الظلّ، بحورها زاخرةٌ، وبدورها زاهرةٌ.
دولة ملك تُزجى الركائبُ إلى حرمه، وتُرجى الرغائبُ من كرمه، وتُنزَلُ المطالبُ بساحته، وتُستنزلُ الراحةُ من راحته، قد بلغ نهاية الأطوار، وبلغ غاية الأوطار، فهو قبلةُ الصِلاتِ إنْ لم يكن قِبلةَ الصلاة، وكعبةُ المحتاج إنْ لم يكن كعبةَ الحُجّاج، ومشعرُ الكرام إنْ لم يكن المشعرَ الحرام، ومُنى الضيف إنْ لم يكن مِنى الخَيْف، بابُهُ غير مُرْتَج عن كلّ مُرْتَج، ونوابُهُ() أيُّ منهج لكلّ ذي مَنْهج.
إذا غُلِّقتْ أبوابُ قوم لِعِلّة***فبابُكَ مَفْتُوحٌ وليسَ بمُرْتَجِ
وسيفُكَ مَوْقُوفٌ على طلب العُلى***وسيْبُكَ موقُوفٌ على كلّ مُرْتَجِ
فهو للأرزاق في الخصْبِ والجَدْبِ قاسمٌ، وللأعمار بالحرب والضرب قاصمٌ، فمِنَحُهُ رغائب، ومِحَنُهُ غرائب، قد أصبح لحجم الكفر ماحياً، ولحمى الإيمان حامياً، بهمّته تعزلُ السماك الأعزل لسموّها، وتجرّ على المجرّة ذيل علوّها.
هممٌ لم تزلْ لهام المعالي***يمُقَ عنْ أوْبِها() لا تنامُ
ولقدْ أوطأتْكَ ذِرْوةَ مجد***لا تُسامى ورُتْبةً لا تُسامُ
فصّلتْ هذهِ المساعي غِيَر القَوْ***لِ فَضَلّتْ في وصفها الأفْهامُ
وكيف لا يكون كذلك ؟ وهو ثمرةُ غصن شجرة (...أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ .24.ƒ. ( ]اقتباس من سورة إبراهيم(14)الآية24[ لدى العزيز الغفور (...مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونِة لاَ شَرْقِيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُور...)]اقتباس من سورة النور(24)الآية 35[.
فماذا عسى بمثلي أنْ يُطْري ويقول، بعد مدح الله لهذه الشجرة والرسول، لكنّي يييأتبرّكُ فأقولُ إجما وإجلا، وإنْ استلزم للقصور إخلا: هي شجرةٌ أُصولها في التخوم، وفروعها في النجوم، فهم غيوثُ غامات في الجدب، وليوثُ غابات في الحرب، وصدورُ مجالس المعالي، وبدورُ حنادس الليالي، وجُنّةُ الخائف والجاني، وجَنّة الحارف والجاني، وسماءُ السموّ والعلاء، وسمام السماح والعطاء، أقوالهم أشهرُ من يوم بدر، وأفعالهم أنورُ من ليلة القدر.
قد فتّشت أنسابكم***مذْ كانَ آدمُ في الوجودِ
فرجحتموا كلّ الأنامِ***بِخِصْلتَيْ فضل وجودِ
كيف لا ؟ وهم معدن عهده...[().
واللهُ حسبي ونعم الوكيل.
مقدّمةٌ
وفيها فصولٌ] ثلاثة[:
الفصلُ الأَوّلُ
قد تطابق العقلُ ـ وهو البُرهانُ القاطعُ ـ والنقلُ ـ وهو النورُ الساطعُ ـ على شرف العُلُوم بأسرها، وعلى جلالة شأنها، وارتفاع قدرها، إذْ لم يزلْ العقلاء في جميع الأزمان وكلّ الأديان يعظّمون موقعَ العلم، ويُجْهدونَ أنفسهم في استفادته وإفادته، ويعظّمون أهله على مقدار ما لهم فيه من الخوض، ويُسقِطونَ الجهّالَ عن درجة الاعتبار، بل يُلحقونهم بقسم البهائم.
ويكفينا شاهداً على ذلك قولُهُ تعالى: (...هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ...)]سورة الزمر(39)الآية9 [وقوله تعالى: (
...إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ...)]سورة فاطر(35)الآية28[.
وغير ذلك ممّا يدلّ على شرفه.
وأمّا ما يدلّ على شرفه وفضله والحثّ عليه من السنّةِ المطهّرةِ فهو أكثرُ من أن يُحصر.
فقد رُوِّيْنا بأسانيدنا المتّصلة إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن عبدالرحمن بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «طلب العلم فريضةٌ على كلّ مسلم، ألا إنّ اللهَ يحبّ بغاةَ العلم»().
وروّيْنا - أيضاً - عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن القَدّاح، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من سلكَ طريقاً يطلبُ فيه علماً سلكَ اللهُ به طريقاً إلى الجنّة، وإنّ الملائكةَ لتضَعُ أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وإنّه ليستغفرُ لطالب العلم مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض، حتّى الحوت في البحر، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلةَ البدر، وإنّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، إنّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا درهماً ولا ديناراً وإنّما ورّثُوا العلمَ، فمَنْ أخذَ منه أخَذَ بحظٍّ وافر»().
ورُوّيْنا عنه، عن الحسين بن محمّد، عن عليّ بن محمّد بن سعيد، رفعه، عن أبي حمزة، عن عليّ بن الحسين(عليهما السلام)أنّه قال: «لو يعلم الناسُ ما في طلب العلم لطلبوهُ ولو بِسَفْك المُهَجِ وخَوْضِ اللُجَجِ، إنّ اللهَ تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال(عليه السلام): إنّ أمقتَ عبيدي إليَّ الجاهلُ، المستخفُّ بحقّ أهل العلم، التارك للاقتداء بهم، وإنّ أحبَّ عبيدي إليَّ التقيُّ الطالبُ للثواب الجزيل الملازمُ للعلماء»().
ورُوّينا عنه، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عُمَيْر، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عُمَيْر، عن سَيْف بن عَمِيْرة، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «عالمٌ يُنتفعُ بعلمه أفضلُ من سبعين ألف عابد»().
ورُوِّيْنا عنه، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن جميل، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «يغدو الناسُ على ثلاثةِ أصناف: عالم، ومتعلّم، وغثاء: فنحنُ العلماءُ، وشيعتُنا المتعلّمونَ، وسائرُ الناس غثاءٌ»().
وأمّا ما رُوِّيْنا من غير طريقه:
فقد رُوِّيْنا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «من طلب باباً من العلم ليعلّمهُ الناسَ ابتغاءَ وجه اللهِ أعطاهُ اللهُ أجرَ سبعين نبيّاً صدّيقاً»().
وروّيْنا عنه(صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «فضلُ العالم على العابد كفضلي على أدناكم»().
ورُوّيْنا عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: إنّ من الذُنُوب ذُنُوباً لا يغفرُها صلاةٌ ولا صيامٌ ولا صدقةٌ ولا حجٌّ ولا جهادٌ إلاّ الجِدَّ في طلب العلم.
ورُوّيْنا عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «العالمُ الواحدُ أشدُّ على إبليس وجنوده من ألف عابد»().
ورُوِّيْنا عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: إذا كان يومُ القيامة يقولُ اللهُ تبارك وتعالى للعُبّاد: «ادخلوا الجنّةَ فإنّما كانتْ منفعتُكم لأنفسكم» ويقول للعالم: «اشفَعْ تشفّعْ، فإنّما كانتْ منفعتُك للناس».
ورُوّيْنا عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «نَظْرَةٌ في وجه العالم أحبُّ إلى الله تعالى من عبادة سبعين سنة صائم نهارَها وقائم ليلها» ثمّ قال: «لولا العلماءُ لهلكَتْ أُمّتي».
فصلٌ]2[
ولا شبهةَ أنّ العُلُومَ تتفاضلُ - أيضاً - في أنفسها، وأفضليّةُ بعضها على بعض إمّا بحسب شرف الموضوع، أو بحسب تفاوت الغاية.
ولا يخفى أنّ العُلُوم الإسلاميّة أفضلُ ممّا عداها: أمّا الكلامُ فلشرف موضوعه وغايته.
وأمّا باقي العُلُوم الإسلاميّة من التفسير والحديث والفقه وما يتبع ذلك، فلما يترتّب عليها من المصالح والسعادة الدنيويّة والأُخرويّة.
ويؤيّد ذلك ما رُوِّيْناه، بطرقنا المتّصلة إلى محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن الحسن، وعليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عن عُبَيْدالله بن عَبْدالله الدِهْقان، عن دُرُسْت الواسطيّ، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) قال: «دخل رسول الله(صلى الله عليه وآله)المسجد، فإذا جماعةٌ قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقيل: علاّمةٌ. فقال: وما العلاّمةُ ؟ فقالوا: أعلمُ الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيّام الجاهليّة والأشعار والعربيّة.
فقال النبيُّ(صلى الله عليه وآله) :«ذلك علمٌ لا يضرُّ مَنْ جهلهُ، ولا ينفعُ مَنْ علمهُ».
ثمّ قال النبيُّ(صلى الله عليه وآله): «إنّما العلمُ ثلاثةٌ: آيةٌ محكمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، أو سنّةٌ قائمةٌ، وما خلاهنَّ فهو فضلٌ»().
فعلى هذا يكون الزائدُ عمّا يحتاجُ إليه في العُلُوم الإسلاميّة - من المنطق يوالحكمة والعُلُوم الرياضيّة والأدبيّة وغير ذلك - كلّهُ فض لا يضرُّ مَنْ جهله، ولا ينفعُ مَنْ علمهُ، بنصّ الرسول والأئمّة عليهم الصلاة والسلام.
بل يكون الاشتغال به - في مثل زماننا هذا - سفهاً حراماً على مَنْ لم يتفقّهْ في دينه، لإفضائه إلى ترك الواجب، كما لا يخفى على مَنْ يؤمنُ بالله واليوم الآخر، وإنْ كانتْ هذه العُلُومُ شريفةً في أنفسها، فيكون الساعي فيها - كذلك - التارك لما يهمّه من أمر دينه من (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.104.ƒ. ( ]اقتباس من سورة الكهف(18)الآية104[.
اللهمّ وفّقنا لصرف أوقاتنا في ما يُرضيك عنّا، وتقبّلْ ذلك بفضلك وإحسانك منّا، إنّك أنت الجوادُ الكريمُ.
فصلٌ]3[
ولما رُوِّيْنا بأسانيدنا المتّصلة إلى محمّد بن يعقوب(رحمه الله) عن الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن المعلّى بن محمّد،عن ابن جُمْهور،عن عبدالله بن أبي نجران،عمّن ذكره، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مَنْ حَفِظَ من أحاديثنا أربعينَ حديثاً بَعَثَهُ اللهُ يومَ القيامة عالماً فقيهاً»().
ورُوِّيْنا من غير طريقه، بسندنا المتّصل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مَنْ حَفِظَ على اُمّتي أربعين حديثاً في ما ينفعهم من أمر دينهم بُعِثَ يومَ القيامة من العلماء»().
ورُوِّيْنا أيضاً عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مَنْ تعلّمَ حديثين ينفعُ بهما نفسه ويعلّمهما غيره فينتفع بهما، كان خيراً له من عبادة ستّين عاماً»().
ورُوِّيْنا أيضاً، بسندنا المتّصل إلى ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: قال
رسول الله(صلى الله عليه وآله): «مَنْ حَفِظَ على اُمّتي حديثاً واحداً كان له أجرُ سبعين نبيّاً صدّيقاً»().
ولا شبهةَ أنّ الحديثِ المعتبرِ عند أهل النقل كافّةً، الذي يجبُ العمل به، هو المتّصلُ، لا المنقطع، عند علمائنا كافّةً، وعند جمهور العامّة.
وقد منّ اللهُ تعالى، فاستخرجتُ من الكافي ما يزيدُ عن أربعين حديثاً، وقد تلوتُ عليك منها جملةً، بعضها يتعلّقُ بفضل التفقّه في الدين، وبعضها يتعلّقُ بفضل رواية الأحاديث، وبعضها يتعلّقُ بفضل العلم بقول مطلق، وأكثرُها يتعلّقُ بفنّ أُصول الحديث الذي هو المقصود من هذه الرسالة، وسأتلوه عليك في أبوابه إن شاء الله تعالى. أردتُ أنْ أذكر طريقاً واحداً من طرقي إلى محمّد بن يعقوب(رحمه الله)ليتّصلَ إسنادها، وليحصلَ لمتداول رسالتي هذه ثوابُ مَنْ روى أربعين حديثاً، يفض عن الحديث الواحد والحديثين:
أخبرني بكتابه (الكافي) بتمامه شيخاي الإمامان الفاضلان الورعان:
السيّدُ الجليلُ المتألّهُ حسنُ بن السيّد جعفر الحسيني نوّرَ اللهُ تربته، إجازةً، والشيخُ الجليلُ النبيلُ زينُ الدين بن عليّ بن أحمد العامليّ زيّنَ اللهُ تعالى الوجودَ بوجوده وأفاض عليه من منّه وجوده، ،قراءةً لبعضه، وسماعاً لبعضه، وإجازةً لباقيه.
كلاهما عن شيخهما الفاضل التقيّ الورع الشيخ عليّ بن عبدالعالي الميسيّ رحمه اللهُ تعالى، عن الشيخ شمس الدين محمّد بن داود المؤذّن الجزّينيّ، عن الشيخ ضياء الدين عليّ، عن والده السعيد الشهيد محمّد بن مكّي، عن رضيّ الدين المزيدي، عن محمّد بن صالح، عن السيّد فخّار().
(ح)() وعن الشيخ ضياء الدين بن مكّي، عن السيّد تاج الدين ابن مُعَيَّه الحسيني، عن الشيخ العلاّمة الجليل جمال الدين ابن مطهّر، عن الشيخ المحقّق نجم الدين بن سعيد، عن السيّد فخّار، عن شاذان بن جبرئيل، عن أبي القاسم محمّد بن أبي القاسم الطبريّ، عن الشيخ الفقيه أبي علي الحسن، عن أبيه شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ، عن الشيخ الإمام الأعظم أبي عبدالله محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد، عن الشيخ الإمام الفقيه أبي القاسم جعفر بن قُوْلَوَيْه، عن الشيخ الإمام أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكلينيّ.
أصُولٌ]خمسة[
في ذكر من نقلنا عنه أحاديثنا وأخذنا معالم ديننا
أصلٌ]1[
المَعْصُومُون:
وقد جرت عادةُ المؤلّفين في أُصول الحديث من علماء العامّة بتعريف من نقلوا عنه الأحاديث، وذكر فضائلهم وتواريخهم، وتمجيد مؤلّفيهم وذكر تواريخهم وفضائلهم ومؤلّفاتهم، ترويجاً لأمرهم.
فلنذكر مَنْ نقلنا عنه أحاديثنا، وأخذنا معالم ديننا، وسبب العدول عمّا تفرّد العامّة بنقله، فإنّ لنا في ذلك العذر اللائح، بل البرهان الواضح.
ثمّ نذكر بعضاً من أصحاب حديثنا، وبعضاً من مؤلّفاتهم فيه، تذكرةً للطالبين، وجرياً على عادات المؤلّفين، فنقول:
قد أخذنا أحاديثنا التي فيها معالمُ ديننا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأخيه عليّ، وابنته فاطمة، وولديهما الحسن والحسين، وأولاده التسعة صلوات الله عليهم أجمعين.
أمّا رسول الله(صلى الله عليه وآله):
فهو أبو القاسم محمّد بن عبدالله بن عبدالمطلّب بن هاشم بن عبد مناف، ولد بمكّة في شِعْب أبي طالب،يومَ الجمعة، بعد طلوع الفجر، سابع عشر شهر ربيع الأوّل، عام الفيل.
وكانت أُمّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، قد حملت به أيّام التشريق في منزل أبيه عبدالله بمنى، عند الجمرة الوسطى.
قلت: هذا ما عليه الأكثرُ، ويلزمه أنْ تكون مدّةُ الحمل به صلوات الله عليه وآله إمّا أكثر من سنة، أو أقلّ من ستّة أشهر، وكلاهما خلافُ العادة والشرع؟!
وجوّز بعضهم كون أحد اللازمين من خواصّه، وهو متحتّم على تقدير صحّته، ولكن الذي ذكره السيّدُ الجليلُ المتألّهُ عليّ ابن طاوس(رحمه الله) في كتاب الإقبال على الأعمال: أنّ ابتداء الحمل به كان ليلةَ تسع عشرة من جمادى الآخرة.
وذكر الشيخ الإمام العلاّمة محمّد بن بابويه(رحمه الله) في الجزء الرابع من كتاب النبوّة: أنّ الحملَ به صلوات الله عليه وآله كان ليلةَ الجمعة، لاثنتي عشرة ليلة ذهبتْ من جمادى الآخرة.
وهاتان الروايتان توافقان الشرع والعادة، ويضعفُ معهما الاعتماد على ما عليه الأكثر.
ونزل عليه الوحيُ،وتحمّلَ أعباءَ الرسالة في اليوم السابع والعشرين من رجب لأربعين سنة.
واصطفاه ربّه إليه بالمدينة يومَ الاثنين، لِليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة بقيتْ من شهر ربيع الأوّل، عن ثلاث وستّين سنة().
وأمّا فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله):
فإنّها ولدتْ بعد المبعث بخمس سنين، واصطفاها ربُّها إليه بعد أبيها بنحو
مائة يوم.
وأمّا عليٌّ:
فهو أبو الحسن، ابن أبي طالب بن عبدالمطلّب بن هاشم، وأبو طالب وعبدالله أخوان للأبوين، وأُمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهو وإخوته أوّل هاشمي ولد بين هاشميّين.
ولد يومَ الجمعة، ثالث عشر رجب، وروي: سابع شعبان، بعد مولد
رسول الله(صلى الله عليه وآله)بثلاثين سنة.
يواصطفاه الله إليه واختار له جواره، قتي بالكوفة ليلةَ الجمعة، لتسع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربعين، عن ثلاث وستّين سنة، ودفن بالغريّ من نجف الكوفة بمشهده الآن.
وأمّا الحَسَنُ ابنه:
فهو الإمام الزكيّ أبو محمّد سيّد شباب أهل الجنّة، ولد بالمدينة يومَ الثلاثاء منتصف شهر رمضان سنة اثنين من الهجرة، وقال المفيد: سنة ثلاث().
واصطفاه ربّه إليه مسموماً في المدينة أيضاً، يومَ الخميس سابع صفر سنة سبع أو ثمان وأربعين، وقيل: سنة خمسين من الهجرة، عن سبع وأربعين سنة.
وأمّا أخوه الحُسَيْنُ:
فهو أبو عبدالله(عليه السلام)الشهيدُ المظلومُ، ولد بالمدينة آخرَ شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: يوم الخميس ثالث عشر شهر رمضان، وقال المفيد: لخمس خلون من شعبان سنة أربع()،
يواصطفاه ربّه إليه قتي بكربلاء، يومَ السبت عاشوراء سنة إحدى وستّين، عن ثمان وخمسين سنة.
وأمّا أولاده التسعة صلوات الله عليه وآله وعليهم:
(فالأوّل)الإمام أبو محمّد زين العابدين، عليّ بن الحسين(عليه السلام) ولد بالمدينة يومَ الأحد، خامس شعبان سنة ثمان وثلاثين، واصطفاه الله إليه بالمدينة - أيضاً - يومَ السبت ثاني عشر المحرّم، سنة خمس وتسعين، عن سبع وخمسين سنة وأُمّه شاه زنان بنت شِيْرَوَيْه بن كِسْرى، وقيل: ابنة يزدجرد.
(والثاني) الإمام أبو جعفر محمّد بن علي الباقرُ لعلم الدين، ولد بالمدينة يوم الاثنين ثالث صفر سنة سبع وخمسين، واصطفاه الله إليه بها يومَ الاثنين سابعَ ذي الحجّة سنة أربع عشرة ومائة، وروي: سنة ستّ عشرة، أُمّه أُمّ عبدالله بنت الحسن بن علي(عليه السلام)، فهو علويّ بين علويّين.
(الثالث) الإمام أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادقُ العالمُ، ولد بالمدينة يومَ الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأوّل، سنة ثلاث وثمانين، واصطفاه الله تعالى بها في شوّال، وقيل: منتصف رجب، يومَ الاثنين سنة ثمان وأربعين ومائة، عن خمس وستّين سنة، أُمّه فاطمة بنت فروة ابنة الفقيه القاسم بن محمّد النجيب بن أبي بكر.
قبره، وقبر أبيه، وجدّه، وعمّه الحسن(عليهم السلام) بالبقيع، في مكان واحد.
(الرابع) الإمام الكاظم أبو الحسن وأبو إبراهيم وأبو علي، موسى بن جعفر(عليه السلام)أُمّه حميدة البربرية، ولد بالأبواء بين مكّة والمدينة، سنةَ ثمان وعشرين ومائة، وقيل: سنة تسع وعشرين ومائة، يومَ الأحد سابع صفر، واصطفاه الله مسموماً ببغداد في حبس السنديّ بن شاهَك، لستٍّ بقينَ من رجب، سنة إحدى وثمانين ومائة،ودفن بمقابر قريش في مشهده الآن.
(الخامس) الإمام الرضا أبو الحسن عليّ بن موسى(عليه السلام) وليّ المؤمنين، أُمّه أُمّ البنين أُمّ ولد، ولد بالمدينة سنةَ ثمان وأربعين ومائة، وقيل: يومَ الخميس حادي عشر ذي القعدة، واصطفاه الله مسموماً، بطوس، في صفر، سنة ثلاث ومائتين، وقبره بسناباذ بمشهده الآن، صلوات الله وسلامه عليه.
(السادس) الإمام الجواد أبو جعفر، محمّد بن عليّ الرضا(عليه السلام) أُمّه الخيزُران أُمّ ولد كانتْ من أهل بيت مارية القبطيّة سُرِّيَة النبيّ(صلى الله عليه وآله) ولد بالمدينة، في شهر رمضان، سنةَ خمس وتسعين ومائة، واختار اللهُ له جواره ببغداد، في آخر ذي القعدة، وقيل: يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة، سنةَ عشرين ومائتين، ودفن في ظهر جدّه الكاظم(عليه السلام)بمقابر قريش، في مشهدهما الآن.
(السابع) الإمام الهادي، المنتجب، أبو الحسن عليّ بن محمّد، أُمّه سُمانة أُمّ ولد، ولد بالمدينة، منتصفَ ذي الحجّة، سنةَ اثنتي عشرة ومائتين، واختار اللهُ له جواره، بسرّ مَنْ رأى، في يوم الاثنين ثالث رجب، سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن بداره بها التي هي مشهده الآن.
(الثامن) الإمام التقيّ، الهادي، أبو محمّد، الحسن بن عليّ، أُمّه حديث أُمّ ولد، ولد بالمدينة، في شهر ربيع الآخر; رابعه، يومَ الاثنين، سنةَ اثنتين وثلاثين ومائتين، واختاره اللهُ بسرّ مَنْ رأى، يومَ الأحد، وقال المفيد: يومَ الجمعة ثامنَ شهر ربيع الأوّل، سنةَ ستّين ومائتين، ودفن إلى جانب أبيه صلوات الله عليهما.
(التاسع) الإمام المهديّ، صاحب الزمان، الحجّة على أهله، أبو القاسم، محمّد يبن الحسن، العسكريّ عجّل الله فرجه، ولد بسرّ مَنْ رأى، يومَ الجمعة لي، خامسَ عشر شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين، أُمّه نرجس، وقيل: مريم بنت زيد العَلَوِيّة، وهو المتيقّن ظهوره وتملّكه بإخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله).
اللهمّ إنّا نسألك بحقّهم عليك أنْ تصلّيَ عليهم أجمعين، وأنْ تجعلنا من أتباعهم،
وأوليائهم، وأشياعهم، في الدنيا والآخرة، إنّك حميدٌ مجيدٌ.
أصلٌ]2[
وأكثر أحاديثنا الصحيحة وغيرها في أُصولنا الخمسة() وغيرها عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعن الأئمّة الاثني عشر المذكورين، وكثيرٌ منها يتّصل منهم بالنبيّ(صلى الله عليه وآله)وقلّ أنْ يتّفق لنا حديثٌ صحيحٌ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) ويكون من غير طريقهم، وهذا هو السببُ في كون أحاديثنا أضعاف أحاديث العامّة، حيث أنّ زمان أئمّتنا(عليهم السلام) امتدَّ يزماناً طوي، واشتهر الإسلام، وكثرَ في زمانهم العلماء والنقلة عنهم من المخالفين والمؤالفين.
مع أنّ زمانهم في الأكثر زمان تقيّة، وإلاّ لظهر عنهم أضعافُ ذلك أضعافاً مضاعفةً.
وزمان جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) لمّا كان الخوفُ فيه أقلَّ ـ حيثُ كان آخر دولة بني أُميّة وأوّل دولة بني العبّاس ـ ظهر عنه من العُلُوم ما لم يظهرْ عن أحد قبلَهُ ولا بعدَهُ.
وإنّما تمّسكنا بهذه الأئمّة الاثني عشر من أهل بيت النبيّ(عليهم السلام)ونقلنا أحاديثنا وأُصول ديننا عنهم:
لما ثَبَتَ عندنا من عصمتهم، لوجوب كون الإمام معصوماً، ليؤمن وقوع الخطأ منه، ويستقيم النظام، وتتمّ الفائدة بنصبه، كما تقرّر في الكلام.
وغيرهم ليس بمعصوم إجماعاً.
ولما ثَبَتَ عندنا من نصّ كلّ سابق على لاحقه، بالعصمة، ووجوب الطاعة.
بل، لنصّ القرآن العزيز على طهارتهم وعصمتهم بآية التطهير التي قد احتوت من التأكيدات واللطائف على ما لا يخفى على أهل المعاني والبيان، وقد تواتر النقل عندنا بكونهم هم المقصودين بهذه الآية.
وقد روى الترمذي في الجامع، عن عُمَر بن أبي سلمة ربيب رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: نزلتْ هذه الآيةُ على رسول الله في بيت أُمّ سلمة، فدعا النبيُّ فاطمةَ وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء وعليٌّ خلف ظهره، ثمّ قال: «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهبْ عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» فقالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يارسول الله؟ فقال: «أنتِ على مكانك، وأنتِ إلى خير»().
وروى نحوه أحمد بن حنبل في مسنده بثمان طرق مختلفة الألفاظ متّفقة المعنى،
وأنّها نزلتْ في النبيّ، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين().
ونحو ذلك روى البخاري() ومسلم() في صحيحيهما، ورواه إمامهم الحميدي في الجمع بين الصحيحين().
ورواه إمامهم الثعلبي في تفسيره، بسبع طرق().
وروى أحمد بن حنبل أيضاً في مسنده عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)كان يمرّ بباب فاطمة، ستّة أشهر، إذا خرج إلى الفجر يقول: الصلاة ياأهل البيت (...إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً .33.ƒ.( ]سورة الأحزاب (33)الآية33()[. قال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم().
وبالجملة لا ريبة عند أحد أنّهم هم المقصودون بها. كما لا شبهة في أنّها نصّ في عصمتهم، لأنّ التطهّر هو التنزّه عن الآثام والقبائح، كما ذكره الإمام أحمد بن فارس اللغوي صاحب «المجمل»() وهذا معنى العصمة. فقد أَمِنّا وقوع الخطأ منهم، ولم نأمن وقوعه من غيرهم، وثبت أنّ ما هَدَوْا إليه هو الحقّ، ومَن كان كذلك كان أحقّ بالاتّباع، لقوله تعالى: (...أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ .35.ƒ.( ]سورة يونس(10)الآية35[.
أَصل]3[
ولأنّهم هم المقرونون مع القرآن المجيد في قول النبيّ(صلى الله عليه وآله): «إنّي تاركٌ فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا: كتابَ الله، وعترتي أهلَ بيتي».
فقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده بثلاث طرق() ورواه أيضاً مسلم في صحيحه بثلاث طرق() ورواه الحميدي في (الجمع بين الصحيحين) بطريقين()ورواه في (الجمع بين الصحاح الستّ) ورواه الثعلبي في تفسيره، ثمّ روى أيضاً فيه عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّي تركتُ فيكم الثقلين خليفتين، إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي»().
فقد أمرنا النبيّ(صلى الله عليه وآله)بالاقتداء بهم إلى انقطاع التكليف، باعتراف خصومنا، ولم يأمرنا بالتمسّك بأبي بكر وعمر، ولا بأبي حنيفة، والشافعي.
ولأنّهم مثل سفينة نُوْح مَنْ ركب فيها نجا ومَنْ تخلّف عنها هلك.
روى الحاكم في (المستدرك) وحكم بصحّته، عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه، وهو آخِذٌ بباب الكعبة قال: مَنْ عرفني فقد عرفني، ومَنْ أنكرني فأنا أبو ذر، سمعتُ النبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، مَنْ ركبها نجا، ومَنْ تخلّف عنها هلك»().
ومن المعلوم أنّه لم يتمسّك بهم ولم يركب في سفينتهم إلاّ الشيعة، لأنّ الباقين قدّموا أعداءهم عليهم، ورفضوهم، وغصبوهم، وأغضبوهم، وحاربوهم، فهل يكون الفرقة الناجية إلاّ مَنْ تمسّك بهم؟ وركبَ معهم؟.
وروى الحاكم في (المستدرك) عن عبدالرحمن بن عوف أنّه قال: خُذُوا عنّي قبل أنْ تُشَابَ الأحاديث بالأباطيل، سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: «أنا الشجرةُ وفاطمةٌ فرعها وعليٌّ لقاحها، والحسنُ والحسينُ ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصلُ الشجرة في جنّة عدن، وسائر ذلك في الجنّة»().
إنْ قلتَ: سلّمنا أنّ البارىء طهّر هؤلاء الخمسة، فأمنتم وقوع الخطأ منهم، وحكمتم بعصمتهم، فمن أين علمتم عصمة الأئمّة التسعة الباقية، حتّى اعتمدتم عليهم - أيضاً - في أُمور دينكم؟
قلتُ: للإجماع المركّب() فإنّ كلّ مَنْ قال بعصمة هؤلاء الخمسة، قال بعصمة الباقين، ومَنْ لا، فلا().
فالقول بعصمة الخمسة فقط، يكون خرقاً لإجماع الاُمّة. وإذْ قد قام الدليل على عصمة الخمسة، ثبت عصمة الجميع.
وأيضاً: قد ثَبَتَ عندنا نصُّ هؤلاء المطهّرين على عصمة مَنْ بعدهم ،واحداً واحداً، ونصّ كلّ سابق على لاحقه ممّا يُعلَمُ ثُبُوتُهُ، ولا يُمْتَرَى فيه إلاّ كما يُمْتَرَى في المُتَواتِرات من أحوال الصحابة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله).
ولو سلّمنا أنّهم غير معصومين، فهم مجتهدون لهم أهليّةُ الحلّ والعقد، كما لا ينكره مسلمٌ، فعلى كلّ حال لا يقصرُ التمسّكُ بمحمّد الباقر وجعفر الصادق وأولادهما - المجمع على عدالتهم وطهارتهم واجتهادهم - عن التمسّك بأبي حنيفة والشافعيّ.
فنحنُ على يقين من أمرنا، ولابدّ لخصومنا من القول بصحّة معتقدنا، وهذا بحمد الله واضحٌ جليٌّ.
وأمّا ما جاء من النصّ على الأئمّة الاثني عشر من طرق مخالفينا:
فقد روى ذلك البخاري في صحيحه بطريقين:
أوّلهما: إلى جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: «يكون بعدي اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، قال أبي: «كلّهم من قريش»().
وثانيهما: إلى ابن عُيَيْنة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «لا يزال أمرُ الناس ماضياً ما يوَلِيَهُم اثنا عشر رج» ثمّ تكلّم بكلمة خَفِيَتْ عليَّ، فسألتُ أبي: ماذا قال
رسول الله؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش»().
وقد روى مسلم - أيضاً - الحديث الأوّل بثمان طرق، ألفاظ متونها لا تختلف يإلاّ قلي() ورواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين بست طرق() ورواه الثعلبي في تفسيره بثلاث طرق،ورواه أيضاً في الجمع بين الصحاح الستّ بثلاث طرق()وروى مسلم أيضاً الحديث الثاني بلفظه في صحيحه().
و«الأمير» كما في الحديث الأوّل و «الوالي» كما في الحديث الثاني: هو الذي يجب اتّباعه في أُمور الدين والدنيا، لقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ)]سورة النساء(4)الآية59[.
وغير هؤلاء الاثني عشر ممّن ولي أُمور الناس بالغصب والسيف أكثرهم - بل كلّهم- عُلم منهم الفسقُ عند كلّ أحد، بل الكفرُ، لمحاربتهم أهلَ البيت المطهّرين، ونصبهم العداوةَ لهم. والحال أنّ علوّ قدرهم وعظم شأنهم من ضروريات الدين، لما علم من تعظيم الله ورسولهم لهما وثنائهما عليهم. فالمستخفّ بهم، والمنكر لقدرهم، والمخالف لهم، والمحارب والباغض، كمنكر وجوب الصوم والصلاة وغيرهما، ممّا علم من الدين ضرورةً. فكما يكفر المنكرُ لذلك، كذلك يكفرُ المستخفُّ بهم، والناصب لهم العداوة.
فكيف يجب اتّباعهم وطاعتهم وأخذُ معالم الدين منهم؟ وهم على الوصف المذكور؟ وفيهم مثل معاوية المعلن بعداوة أهل البيت وحربهم وقتل أصحاب النبيّ، وابنه يزيد المعلن مع ذلك بالفجور والخمور والمناكر، وبنو أُميّة الذين ظهرت منهم المناكر والقبائح التي لم تخفَ على مسلم!مع أنّهم ليسوا من أهل البيت الذين أمر النبيُّ باتبّاعهم إلى انقطاع التكليف، وقرنهم مع الكتاب المنيف.
فلمّا وقع النصّ المذكور من النبيّ عليهم، وجب الرجوعُ إليهم، ونقل الأحكام عنهم، لعدم حصول ذلك في غيرهم، وعلمنا أنّهم هم المقصودون بالنصوص، بحيث لا يرتابُ فيه، بل ولا يرتابُ فيه ذو لبٍّ وإنصاف.
]فُصُولٌ ثلاثةٌ[
فصلٌ]1[
وكيف لا نأخُذُ أحاديثنا ومعالم ديننا عن هؤلاء الذين جاء فيهم ما تلوناه عليك، وهم الذين جعل الله ودّهم أجر الرسالة، بقوله تعالى:(...قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى...)]سورة الشورى(42)الآية20[؟.
فإنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين. كما رواه أحمد بن حنبل في مسنده() والبخاري في صحيحه() والثعلبي في تفسيره().
وهم أمان الأنام، لقول النبيّ(صلى الله عليه وآله): «النجومُ أمانٌ لأهل السماء إذا ذهبت ذهبوا، وأهل بيتي أمانٌ لأهل الأرض فإذا ذهب أهلُ بيتي ذهب أهلُ الأرض».
كما رواه أحمد بن حنبل في مسنده().
وهم الذين يطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، حتّى أتى فيهم (هَلْ أَتَىْ...)]سورة الإنسان(76)الآية76[كما لا ينكره أحدٌ من المسلمين.
وقد اتّفق كلّ الناس على طهارتهم، وشرف أُصولهم، ووفور عدالتهم وورعهم، وغزارة علمهم، وبراءتهم ممّا يُشينهم حسباً ونسباً وخَلقاً وخُلقاً، لا يخفى على مسلم.
وقصورُ الألسنةِ عن القدح فيهم، واتّفاقُها - كلّها - على مدحهم والاعتراف بعلوّ شأنهم من جميع الطوائف - مَنْ قال بعصمتهم، ومَنْ لم يقلْ - كما لا يخفى على
مَنْ تتّبع الآثار والنقل، وتداول كتب التواريخ والسير.
هذا، مع إعراض سلاطين أزمنتهم عنهم كلَّ الإعراض! وإظهارهم العداوة لهم! وبسط أيديهم إليهم بالإيذاء!!تارةً بالقتل بالسمّ!وتارةً بالحبس! وحُبّهم للنقص من شأنهم! والتعرّض للوقيعة فيهم!!!.
فلولا أنّهم من الكمال في حدٍّ تقصُرُ الفِكَرُ والألسُنُ عن القدح فيهم، ويتحقّق كلُّ أحد كِذْبَ الطاعن عليهم، لما سَلِمُوا من قدح أعدائهم فيهم، فيكون الأمرُ كما قيل:
وهَبني قلتُ هذا الصبحُ لَيْلٌ***أَيغَشى العالمونَ عن الضياءِ()
فصل]1[
وقبيح بذي اللُبّ أنْ يتركَ أحاديث أهل بيت النبيّ، وفيهم:
أخو النبيّ، بإجماع الاُمّة، ولو يرى أفضل منه لواخاه.
ومحبوب الله ومحبوب رسوله، بنصّ النبيّ - يوم خيبر - بقوله(صلى الله عليه وآله) : ي«لأعطينّ الرايةَ غداً رج يحبّ اللهَ ورسولَه ويحبّه اللهُ ورسولُه».فقد رواه أحمد في مسنده باثني عشر طريقاً() ورواه البخاري في صحيحه بستّ طرق() ورواه مسلم أيضاً بستّ طرق() ورواه في الجمع بين الصحاح الستّ().
ومولى الأنام بنصّ النبيّ يوم الغدير، الذي تواتر خبره.
فقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده بستّة عشر طريقاً(). ورواه الثعلبي بأربع طرق في تفسير قوله تعالى: (يْا أَيُّها الرَسُولُ بَلِّغْ مْا أُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)]سورة المائدة(5)الآية67 [وأنّها نزلت في عليٍّ، وأنّها لمّا نزلتْ أخذ رسولُ الله(صلى الله عليه وآله) بيد عليٍّ وقال: «مَنْ كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ»() ورواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين()ورواه ابن المغازلي بثلاث طرق ثمّ قال: رواه عن النبيّ نحو مائة رجل.().
وتأويل المتوغّلين في بُغضِهِ والانحراف عنه، لهذا الحديث، كتغطية وجه النهار.
وباب مدينة العلم، كما اشتهر نقله بين كلّ الفرق().
وأقضى الصحابة، بنصّ الرسول، كما اشتهر في النقل أيضاً().
وممدوح الله بآية التطهير، وباقي الآيات التي جاءت فيه، حتّى روى مجاهد أنّه نزل - في حقّ علي(عليه السلام)بخصوصه - سبعون آية() وروى أحمد بن حنبل عن ابن عبّاس أنّه قال: ما من آية فيها: (الّذِيْنَ آمَنُوْا ) إلاّ وعليٌّ رأسُها وقائدُها وشريفُها وأميرُها، وقد عاتب اللهُ أصحابَ محمّد في القرآن، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير().
وممدوح الرسول بما قد نقلنا بعضه عن الصحاح الستّ وغيرها.
وأحبُّ الأنام إلى الله تعالى، كما يشهد به حديث الطير، الذي رواه أحمد بن حنبل في مسنده() ورواه في الجمع بين الصحاح الستّ() وغيره().
ونفس الرسول، لقوله تعالى في آية المباهلة: (...فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ...)رواه مسلم في صحيحه بطريقين() ورواه الثعلبي في تفسيره().
ولم يَصْحَبْ للمباهلة والدعاء سِواه، وسِوى زوجته وولديه، وهذا يدلّ على أنّهم أقربُ الخلق إلى الله.
ومَنْ هو من النبيّ بمنزلة هارون من موسى، لقول النبيّ له: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».
رواه أحمد بن حنبل في مسنده باثني عشر طريقاً() ورواه البخاري بثلاث طرق() ورواه مسلم بستّ طرق() ورواه في الجمع بين الصحاح الستّ().
ومَنْ هو مثل آدم، ونوح، ويحيى، وموسى، وعيسى، كما رواه إمامهم البيهقيّ في صحيحه() والثعلبي في تفسيره في الصحيح عن أبي الحمراء قال: قال
رسول الله(صلى الله عليه وآله): «مَنْ أراد أنْ ينظر إلى آدمَ في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى يحيى بن زكريا في زهده، وإلى موسى في بطشه، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب»().
والصدّيقُ الأفضلُ، لقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ..)]سورة الحديد(57)الآية19 [روى أحمد بن حنبل في مسندهِ أنّها نزلت في عليّ().
وقوله تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ.33.ƒ.( ]سورة الزمر(39)الآية33[ رَوَوْا في تفاسيرهم عن مجاهد أنّه قال: هو عليّ بن أبي طالب().
وقوله تعالى: (...وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ .119.ƒ.( ]من سورة التوبة(9)[ روى الثعلبي وغيره من المفسّرين أنّها نزلت في علي بن أبي طالب().
ولقول النبي(صلى الله عليه وآله): «الصدّيقون ثلاثة: حبيبُ بن موسى النجّار، وهو مؤمنُ آل يسن، وَحِزْقِيْلُ مؤمنُ آل فرعون، وعليُّ بن أبي طالب، وهو أفضلهم» رواه أحمد بن حنبل في مسنده بثلاث طرق، ورواه الثعلبي في تفسيره بطريقين().
والسابق إلى الإسلام، فقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده بعشر طرق، ورواه الثعلبي في تفسيره بطريقين، عند قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الاَْوَّلُونَ...)]سورة التوبة(9)الآية100[().
ونظير النبيّ في المؤاخاة والنسب.
وكونه وليّ الاُمّة، لقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ.55.ƒ.( ] من سورة المائدة(5)[.
ومولى الاُمّة، لحديث: «من كنتُ مولاه».
و مَنْ فَتَحَ بابَهُ إلى المسجد، كما رواه أحمد بن حنبل في مسنده().
و قول النبيّ(صلى الله عليه وآله) لعلي: «أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة، من أحبّك فقد أحبّني وحبيبك حبيب الله، وعدوّك عدوّي وعدوّ الله».
وروى ابن المغازلي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) بأربع طرق أنّه قال: «ياعلي إنّك سيّد المسلمين وإمام المتّقين وقائد الغرّ المحجّلين ويعسوب المؤمنين»().
وخيرُ البريّة بعد النبيّ، لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .7.ƒ.( ]سورة البيّنة(98)[ روى أهل التفاسير من أهل السنّة وغيرهم عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت هذه الآية قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): « هم أنت وشيعتك ياعليّ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين، ويأتي أعداؤُك غِضاباً مُقْمَحِْينَ»().
وروي عن جابر الأنصاري(رضي الله عنه) وقد قيل له: كيف كان عليّ فيكم؟ فقال: كان من خير البشر، ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم إيّاه.
ومن جاء فيه قوله تعالى: (ومَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتاب )]سورة الرعد(13)الآية43[.
روى الثعلبي في تفسيره بطريقين أنّه علي بن أبي طالب(عليه السلام)().
ووارث النبيّ،لقوله(صلى الله عليه وآله):«أنت وارثي وحامل لوائي» رواه أحمد بن حنبل بأربع طرق().
والمكتوب اسمه على باب الجنّة. رواه أحمد بن حنبل بطريقين().
ومَنْ ذكره عبادة،كما روي عن عائشة و جابر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: « ذكرُ عليٍّ عبادةٌ»().
ومَنْ هو من النبيّ والنبيُّ منه،لقوله(صلى الله عليه وآله):«عليٌّ منّي وأنا من عليٍّ». رواه أحمد بسبع طرق() ورواه البخاري بثلاث طرق()ورواه في الجمع بين الصحاح الست بثلاث طرق().
والذي لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق. رواه أحمد بثمان طرق()ورواه في الجمع بين الصحيحين وفي الجمع بين الصحاح الستّ.
ومن رقى على كتِفِ النبيّ(صلى الله عليه وآله) وكسر الأصنام. كما اشتهر.
ووليّ المؤمنين، لقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللهُ وَرَسُولُهُ)]سورة المائدة(5) الآية55[. فقد روى الثعلبي في تفسيره: أنّ المراد بالذين آمنوا علي، وأنّها نزلت لمّا تصدّق بخاتمه وهو راكع، والحديث مشهور، ورواه في الجمع بين الصحاح الستّ من طريق النسائي، واختصاصها به إجماعيّ.
فقد ثَبَتَ له بالنصّ من الولاية ما ثَبَتَ للهِ ولِرسولِهِ، وهو نصٌّ في وجوب طاعته على أبلغ وجه،
فبأيِّ دليل قُصِدَ بيتُهُ بالإحراق، ليبايعَ أبا بكر؟؟!!().
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .37.ƒ.
(]سورةق(50)[.
وأمثال ذلك ممّا جاء فيه لا يمكن حصره لكثرته، ومن تتبّع كتب المناقب لأهل السنّة فقط، علم صدق ذلك.
فصلٌ]3[
وممّن نقلنا عنه أحاديثنا ومعالِمَ دِيننا:
فاطمة سيّدة نساء العالمين وبضعة الرسول: التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها، كما رووه في صحاحهم().
ومنهم الحسن والحسين: سيّدا شباب أهل الجنّة.
ومنهم السجّاد زين العابدين: الذي انتهى إليه العلم والزهد والعبادة كما لا يخفى على مسلم.
ومنهم محمّد الباقر: الذي سمّي باقر العلم لاتّساع علمه وانتشاره.
وأخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله) جابر الأنصاري(رضي الله عنه) أنّه سيدركه، وأنَّ اسمَهُ اسمُهُ، وأنّه يَبْقَرُ العلمَ بَقْراً، وقال: «إذا لقيتَهُ فاقرأْ عليه منّي السلامَ»().
ولم ينكر تلقيبه بباقر العلم منكرٌ، بل اعترفوا بأنّه وقع موقعه وحلّ محلّه().
ومنهم جعفر الصادق: ابنه الذي اشتهر عنه من العُلُوم ما بَهَرَ العقولَ، حتّى غلا فيه جماعةٌ وأخرجوه إلى حدّ الإلهيّة.
ودوّن العامّة والخاصّة ممّن بَرَزَ ومَهرَ بتعليمه من العلماء والفقهاء أربعةُ آلاف رجل، كزُرارة بن أعْيَن، وأخويه بُكَيْر وحُمْران، وجميل بن دَرّاج، ومحمّد بن مُسلم، وبُرَيْد بن مُعاوية العِجْلي، وهشام بن الحَكَم، وهشام بن سالم، وأبي بَصير، وعبدالله بن سِنان، وأبي الصبّاح. وغيرهم من أعيان الفضلاء من أهل الحجاز والعراق والشام وخراسان، من المعروفين والمشهورين من أصحاب المصنّفات المتكثّرة والمباحث المشهورة، الذين ذكرهم العامّة في كتب الرجال وأثنوا عليهم بما لا مزيدَ عليه، مع اعترافهم بتشيّعهم وانقطاعهم إلى أهل البيت.
وقد كُتِبَ من أجوبة مسائله ـ هُوَ فقطْ ـ أربعمائةُ مُصَنَّف لأربعمائة مُصَنِّف، تسمّى «الأُصول» في أنواع العُلُوم.
ومنهم عليّ بن موسى الرضا: - الذي ألَّفْتُ هذه الرسالةَ وأنا مُتشرّفٌ بحضرته الشريفة وسُدّته المُنيفة - الذي أجمع أولياؤه وأعداؤه على عظم شأنه، وغزارة علمه.
]ومنهم محمّد بن عليّ الجواد: الذي قام بالإمامة بعد أبيه[().
وحاول أعداؤُه من بني العبّاس وغيرهم الغَضَّ منه، لمّا رأوا ميلَ المأمون إليه وحبّه له، وأرادَ أنْ يجعله وليَّ عهده، فأحضروا له رؤساءَ العلماء في كلّ الفُنون; فأفْحَمَهُم جميعاً، وأعجزهم مِراراً شتّى، فكانوا يخرجون خَجِلينَ مدحورين، وهُوَ يومئذ صغيرَ السنّ. واعترف المأمون بفضله على كلّ الناس، فجعله وليَّ عهده، كما لا يخفى على أهل النقل.
ومنهم محمّد بن الحسن المهديّي القائم بالحقّ، فيملأُ الأرضَ عد وقسطاً كما ملئتْ جوراً وظلماً، لإخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله) بذلك.
فقد روى ذلك في الجمع بين الصحاح الستّ بستّ طرق ألفاظ مُتونها مختلفة() ورواه في كتاب المصابيح بأربع طرق()
وبالجملة هُوَ ممّا لا يمتري فيه أحدٌ.
وباقي أحوالهم، وأحوال باقيهم، شهيرةٌ غنيّةٌ عن التعريف، لو فتحنا فيها باب المقال، لطال واتّسع المجال، شعر:
والأديبُ اللبيبُ يعرفُ ماضمّـ***من طيَّ الكتاب بالعُنوانِ
ولقد عُلِمَ بين كلّ الخلق - من العامّة والخاصّة - أنّه لم يُسألْ أحدٌ منهم قطُّ يفتردّدَ، ولا توقّفَ، ولا استشكل أحدٌ منهم سؤا قطُّ، ولا عوّلَ في جوابه على كتاب() ولا مباحث. مع أنّهم لم يُشاهَدوا - قطُّ - مختلفينَ إلى معلّم() ولا ادّعى ذلك عليهم مدّع من أوليائهم ولا من أعدائهم، بل كلّ واحد منهم يُسْنِدُ عن آبائه عن رسول الله.
وهذا من أقوى الأدلّة على اختصاصهم بالمزايا التي يقطعُ كلُّ ذي لبٍّ بأنّها من الله، مَيَّزَهُمْ بها عن الخلق.
ومعجزاتُهُمُ الباهراتُ، وإخبارُهُم بالمُغيَّبات، ممّا قد نقله الثِقاتُ، واشتهر في كلّ الأمكنة والأوقات.
أُولئكَ آبائي فجئني بمثلهم***إذا جمعتْنا ياجريرُ المجامعُ
ثمّ إنّهم ـ صلواتُ الله وسلامُهُ عليهم - مع هذه الأخلاق الطاهرة والكرامات الظاهرة والعُلُوم الباهرة، يُصَوِّبُونَ شيعتَهُم في الأخذ عنهم، والعمل بفتاواهم، ولم يزالوا يَعِيبُونَ على غيرهم ممّن قال برأيه اعتماداً على استحسان أو قياس، وينسبونهم إلى الضلال والقول في الدين بغير الحقّ، ويستخفّون رأيَ مَنْ يأخذُ عنهم وينسبونه إلى الجهل! يعلم ذلك علماً ضرورياً صادراً عن النقل المُتَواتِر.
ومن رام إنكار ذلك كان كمن رام إنكار المُتَواتِرات من سنن النبيّ(صلى الله عليه وآله) وسيرته ومعجزاته.
ولا مِرْيَةَ أَنَّ النَّقَلَةَ والنقل عنهم تزيدُ أضعافاً كثيرةً عمّا نُقِلَ عن كلّ واحد من رؤساء العامّة، ومَنْ أنكرَ ذلكَ كانَ كمنْ أنكرَ الضروريّات من المُشاهدات.
وإذا اعتبرَ ذو أدنى عقل وإنصاف جَزَمَ بصحّة نسبة ما نُقِلَ عنهم إليهم، فإنْ أنكرهُ كانَ ذلك مُكابرةً محضةً، وتعصّباً صِرْفاً، وحينئذ نقول: الجمعُ بينَ الإجماعِ على عدالتهم وتواترِ هذا النقل عنهم، معَ بُطلانِهِ، ممّا يأباهُ العقلُ ويُبطله الاعتبارُ بالضرورة، وبالله التوفيقُ.
ولقد بحثتُ مع بعض فضلائهم من أهل فارس، وكان ذا إنصاف شهير وفضل يكثير، ولكنّه لم يكنْ يعرفُ شيئاً من أحوال الشيعة أص، لأنّه هَرَبَ مع والده من الشاه إسماعيل الحسينيّ(رحمه الله) إلى بلاد الهند، وبها نَشَأ، فكانَ ممّا قال: إنَّ جعفرَ الصادقَ(عليه السلام)وأباهُ، لا يشكُّ أحدٌ في عدالتهم واجتهادهم وغزارة علمهم، وأنّ مذاهبَهُم كانت حقّةً، لكنْ لم تُنْقَلْ مذاهبُهم كما نقلتْ مذاهبُ الأئمّة الأربعة، ولم يُفرّعْ العلماءُ على مذاهبهم كما فرّعوا على مذاهب هؤلاء، ولو نقلتْ مذاهبُهم لم نَشُكَّ في تصويب مَنْ اتّبعها.
فقلتُ له: إنْ كانَ مقصودُك أنَّ أهلَ السُنّة لم تَنْقُلْ مذاهبَهُم فهو حقٌّ، لكنّه غيرُ قادح في ماالشيعةُ عليه، لأنَّ أصحابَ كلّ إمام من أئمّتكم لم ينقلوا فروعَ الإمام الآخر، ولا فرّعوا على مذهبه، وإنْ كانَ مقصودُك أنّ الشيعةَ - أيضاً - لم ينقلوها ولم يفرّعوا عليها، فهذا مُكابرةٌ في الضروريّات والمُشاهَدات، لأنّهم أحرصُ الناس على نقل مذاهبهم والتفريع عليها، ونقلهم مذاهبهم وتفاريعهم عليها ومؤلّفاتهم في ذلك أكثرُ من أن تحصى، لايُنكرُها ذو بصيرة، لأنّهم يعتقدون عِصْمَتَهم، وأنّ ما يقولونَهُ هُوَ قولُ الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، لا كأهل السُنّة الذين يعتقدون أنَّ ما يقولُهُ إمامُهم بالاجتهاد، وأنّ المجتهدَ قد يُخطىءُ وقد يُصيبُ. وأُصولُهم التي نقلُوها عنهم تزيدُ أضعافاً كثيرةً عمّا نقلتموهُ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله).
وعندي منها جانبٌ إنْ شئتَ أريتُكَهُ.
فقال: نعم، ولكنْ لهم الآنَ نحوُ ثمانمائة، والرجالُ والوسائطُ الذين نقلوه غيرُ معروفين، فكيفَ نحكمُ بصحّة ذلك عنهم؟.
قلتُ: الجوابُ كالأوّل، لأنَّ رجالَ الأئمّة(عليهم السلام) ومَنْ نَقَلَ عنهم إلى يومنا هذا كلُّهم عندهم معروفون، قد ألّفوا فيهم كتباً كثيرة في الجرح والتعديل، ونقل الأسانيد وتقسيمها إلى الصحيح والحَسَن والمُوَثّق والضعيف، على أكمل الوجوه، بل علماؤُهم لا يقبلون إلاّ رواية مَنْ نُصّ على توثيقه، لأنّ الشرطَ - عندَهم - علمُ العَدالة، لا عدم علم الفسق; كما يقوله ]بعض[أهل السُنّة، وعندي من كُتُب رجالهم شيءٌ إنْ شئتَ عرضتُهُ عليك.
فسكتَ، ولم يجبْ بشيء().
أصْلٌ]4[
وقبيحٌ بذي العقل أنْ يتركَ أحاديثَ أهل بيت نبيّهِ ودينَهُم ـ بعدَ ما تلوناهُ من شأنهم، وهو قليلٌ من كثير، إذْ لسنا هُنا بصَدَد استقصائه ـ ويأخذَ معالم دينِهِ عن جماعة ظَهَرَ منهم الفسقُ والكُفْرُ، إمّا بنصٍّ من الله، أو بنصٍّ الرسول، أو شهادة ييبعضهم على بعض، إمّا إجما أو تفصي.
ولنذكر من ذلك أُنموذجاً يسيراً، يكون عُذْراً لنا في رَفْضهم، ونقتصرُ من ذلك على ما جاء في القرآن العزيز، أو رَوَوْهُ - هُمْ - في صحاحهم، لتكونَ الحجّةُ أوضحَ، دونَ ما نحنُ تفرَّدْنا بنقله.
أمّا الإجمالُ فيكفينا القرآنُ شاهداً، حيث أخبرَ سبحانَه وتعالى بفرارهم من الزَحْف، وهو من أكبر الكبائر، في قوله تعالى: (ويَوْمَ حُنَيْن)]سورة التوبة(9)الآية 25 [كانوا أكثرَ من أربعة آلاف رجل، فلم يتخلّفْ معه إلاّ سبعةُ أنفس: عليّ، والعبّاس، والفضل ابنه، وربيعة، وسفيان ابنا الحارث بن عبدالمُطّلب، وأُسامة بن زيد، وعبيدة بن أُم أيمن، وأسْلَمَهُ الباقُون إلى الأعْداء والقَتْل، ولم يَخْشَوُا العارَ ولا النارَ، وآثَرُوا الحياةَ الدُنْيا، ولم يَسْتَحْيُوا من الله، ولا من نَبِيّه، وهو يُشاهِدُهُم عَياناً.
وقد فرّوا من الزَحْف في مواردَ أُخرى كثيرة، لا تخفى على أهل النقل.
وقال الله تعالى: (وَإذا رَأَوْا تِجارةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إليها وَتَرَكُوْكَ قائِماً
)]سورة الجمعة(62)الآية11[ رَوَوْا أنّهم كانوا إذا سَمِعُوا بوصول تجارة تركوا الصلاةَ معه.
فإذا كانوا مَعَهُ ـ وهُوَ بينَ أظهرهم ـ بهذه المثابة، كيفَ يستبعدُ منهم الفسقُ، بل يالكفرُ بعده؟ مي إلى هوى أنفسهم في طلب الملك وزهرة الحياة الدنيا؟؟.
وقال سبحانه وتعالى: (وما محمّدٌ إلاّ رسولٌ قد خلتْ من قبلهِ الرسلُ أفإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انقلبتمْ على أعقابكمْ ومَنْ ينقلبْ على عقبيهِ فلنْ يضرَّ اللهَ شيئاً)]سورة آل عمران(3)الآية144[ فلولا علمُهُ - تعالى - بانقلابهمْ لم يحسنْ منهُ التوبيخُ عليه!.
يوأمّا ما رووه في شأن الصحابة، إجما أيضاً:
فمنه، ما رواه في الجمع بين الصحيحين() من مسند سَهْل بن سَعْد، في الحديث الثامن والعشرين من المتّفق عليه قال: سمعتُ رسولَ الله(صلى الله عليه وآله)يقول: أنا فَرطُكُمْ على الحوض، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ ومَنْ شَرِبَ لم يظمأْ أبداً، وليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفُهُم ويعرفُونني، ثُمَّ يُحالُ بيني وبينهم.
قال أبو حازم: فسمع النعمانُ بن أبي عيّاش، وأنا أُحدّثهم بهذا الحديث، فقال: يهكذا سمعتَ سه يقول ؟ فقلتُ: نعم. فقال: أنا أشهدُ على أبي سعيد الخُدريّ لسمعتُهُ يزيدُ:
فيقول: إنّهم من أُمّتي؟ فيُقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟! فأقول: سُحقاً سُحقاً لمَنْ يبدّلَ بعدي.()
ومنه، ما رواه في الجمع بين الصحيحين - أيضاً - من المتّفق عليه في الحديث الستّين من مسند عبدالله بن عبّاس رضي الله عنهم، قال: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: إنّه سيُجاءُ برجال من أُمّتي، فيؤخذُ بهم ذاتَ الشمال، فأقولُ: ياربِّ! أصحابي! فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول، كما قال العبدُ الصالحُ: (وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم فلمّا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أنتَ الرقيبَ عليهم وأنْتَ على كلّ شيء شهيدٌ * إنْ تُعَذِّبْهُم فإنَّهُم عِبادُك)]سورة المائدة(5)الآية117ـ118[ قال: فيُقال لي: إنّهم لم يزالوا مُرْتدّينَ على أعقابهم مُنْذُ فارقتَهُم().
ومنه، في الجمع بين الصحيحين - أيضاً - في الحديث الحادي والثلاثين بعد المائة من المتّفق عليه من مسند أنس بن مالك، قال: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: لَيرِدَنَّ عليّ الحوضَ رجالٌ ممّن صاحَبَني، إذا رأيْتُهُم ورفعوا إليّ رؤوسَهم اخْتُلِجُوا، فلأقولنّ: أيْ ربّ! أصحابي! أصحابي!. فليقالنّ: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟().
ومنه، فيه - أيضاً - في الحديث السابع والستّين بعد المائتين من المتّفق عليه من مسند أبي هريرة، رواه بعدّة طرق، قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): بينا أنا قائمٌ إذا زُمْرَةٌ حتّى إذا عرفتُهُم خَرَجَ رجلٌ بيني وبينهم، فقال: هلُمُّوا، فقلتُ: إلى أينَ؟ قال: إلى النارِ! والله! قلتُ: ما شأنُهُمْ؟ قال: إنّهم ارْتَدُّوا - بعدك - على أدبارهم القهقرى، ثمّ إذا زُمْرَةٌ حتّى إذا عرفتُهُم خَرَجَ رجلٌ بيني وبينهم، فقال: هلُمُّوا! فقلتُ: إلى أينَ؟ فقالَ: إلى النارِ! والله! قلتُ: ما شأنُهُم؟ قال: إنّهم ارْتَدَّوا على أدبارهم!، فلا أراهُ يخلص منهم إلاّ مثلُ ما يخلصُ من هَمَل النعم().
وقد روى الحميدي نحو ذلك من مسند عائشة من عدّة طرق. ونحو من مسند أسماء بنت أبي بكر، من عدّة طرق. ونحوه من مسند أُمّ سلمة. ونحوه من مسند سعيد بن المسيّب من عدّة طرق.
كلّ ذلك في الجمع بين الصحيحين().
ومنه أيضاً من مسند أبي الدرداء في الحديث الأوّل من صحيح البخاري قالت أُمّ الدرداء: دخل عليَّ أبو الدرْداء وهو مُغْضَبٌ، فقلتُ: ما أغضبكَ؟ فقال: والله ما أعرفُ من أمر أُمّة محمّد شيئاً إلاّ أنّهم يصلّونَ جميعاً().
وروى البغوي في كتاب المصابيح، في حديث طويل، في صفة الحوض، قال، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : أنا فرطكم على الحوض، ومن مرّ عليَّ شَرِبَ، ومن شَرِبَ لم يظمأْ أبداً، وليردنّ عليّ أقوامٌ أعرفُهُم ويعرفُونني ثمّ يُحال بيني وبينهم، فأقول: إنّهم أُمّتي. فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول: سُحقاً سُحقاً لمن غيّرَ بعدي.
وقد رووا في صحاحهم من شكوى النبيّ منهم ومن مخالفتهم له، أشياءَ كثيرةً لو عددناها لطال.
وأمّا شكوى عليّ(عليه السلام)وتظلّمه من الثلاثة الأُوَل، فهو أوضحُ من الشمس، قد نقله كلُّ الطوائف، ونهج البلاغة مشحونٌ به:
كقوله: أما والله لقد تقمصّها أخو تيم وهو يعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرحى(). وقوله: وطفقتُ أرتأي بينَ أنْ أصُولَ بيد جذّاء أو أصبرَ على طِخْية عَمْياء.
وقوله: أرى تُراثيَ نَهْباً، حتّى إذا مضى الأوّلُ لسبيله عَقَدَها لأخي عَدِيٍّ بعدَهُ، فواعَجَباً! بَيْنا هُوَ يستقيْلُها في حياته إذْ عَقَدَها لآخَرَ بعدَ وفاته().
ونحو ذلك ممّا هو كثيرٌ وصريحٌ بالتظلّم.
ومن المحال ادّعاؤهُ الكذبَ بعدَهم، وقد وصلتْ إليه، حيثُ إنّ الباريَ طهّرهُ، وأجمعت الأُمّةُ على زُهْدِهِ وورعِهِ.
وروى ابن المغازليّ الشافعيّ في كتاب المناقب عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال لعليّ: إنّ الأُمّة ستغدرُ بك بعدي، وروى أبو بكر الحافظ ابن مردويه من أكابر السنّة بإسناده إلى ابن عبّاس أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)بكى حتّى علا بكاؤُهُ. فقال له عليٌّ: ما يُبْكيك يارسولَ الله؟. قال: ضغائنُ في صدور قوم لا يُبْدونها لَكَ حتّى يَفقدوني.
فصلٌ
وأمّا التفصيل: فنذكرُ بعضاً ممّا رَوَوْهُ في أكبر أكابرهم:
فمنهم المتخلّفانِ عن جَيْش أُسامة إجماعاً. والنبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول: «جَهِّزُوا جيشَ أُسامة، لَعَنَ اللهُ مَنْ تخلّفَ عن جيش أُسامة»().
فكيفَ يُقتدى بمَنْ لعنهُ النبيُّ؟ ولِمَ لم نَتَأسَّ بِهِ؟.
ومَنْ قال: إنّ لي شيطاناً يعتريني.
ومَنْ كانت بيعتُهُ فلتةً، بشهادة عمر.
ومَنْ طلب الإقالة ممّا دخل فيه، وليس إلاّ لعلمه بعدم صُلُوحه له.
ومَنْ شكّ عندَ موته فقال: ليتني كنتُ سألتُ النبيَّ: هَلْ للأنصار في هذا الأمر شيءٌ؟ وهذا شكٌّ في ما هو فيه، مع أنّه هو الذي دَفَعَ الأنصارَ لمّا قالوا: منّا أميرٌ ومنكم أميرٌ، بقوله: الأئمّة من قريش!!.
فإنْ كانَ ما رواهُ حقّاً؟! كيفَ حَصَلَ له الشكُّ؟ وإلاّ فقد دَفَعَ بالباطل!.
ومَنْ لم يُوَلِّهِ النبيُّ(صلى الله عليه وآله)شيئاً من الأعمال، إلاّ تبليغَ سُورة براءة(9) ثمّ نَزَلَ جبرئيلُ بِرَدِّهِ فقال: «لا يؤدّيها إلاّ أنْتَ أو رجلٌ منك» كما رواه أحمد بن حنبل في مسنده بخمس طرق، ورواه البخاري في صحيحه بطريقين، ورواه في الجمع بين الصحاح الستّ،
ورواه الثعلبي في تفسيره().
وفي هذا، مع قوله تعالى: (فمَنْ تَبِعَني فإنّهُ مِنّي)]سورة إبراهيم(14)الآية36 [أوضحُ بيان لذوي العرفان.
ومَنْ لا يصلح لتبليغ سورة من القرآن، كيفَ يُسلّمُ إليهِ زِمامُ الإيمان؟.
ومَنْ مَنَعَ فاطمة(عليها السلام)إرثَها برواية مُخالِفة للقرآن!.
وقد روى البخاريّ بطريقين :أنّ فاطمة أرسلتْ تُطالبهُ بميراثها، فَمَنَعَها ذلك، فوجدتْ فاطمةٌ على أبي بكر، وهَجَرَتْهُ، فلم تكلّمْهُ حتّى ماتَتْ()ي ودَفَنَها عليٌّ لي، ولم يُؤْذِنْ بها أبا بكر.
ويلزم أنْ يكونَ النبيُّ قد خالفَ اللهَ تعالى في قوله: (وأنذرْ عشيرتَكَ الأقربين)]الشعراء، الآية 214[!!.
فكيفَ لم يُنْذِرْ عليّاً وفاطمة والحسن والحسين والعبّاس، ولا أحداً من بني هاشم الأقربين، بل، ولا أحداً من نسائه، ولا من المسلمين؟!!.
وقد روى في الجمع بين الصحيحين: أنّ فاطمة والعبّاس أتيا يَطلُبانِ ميراثهما من النبيّ. وروى فيه - أيضاً - أنّ أزواج النبيّ بَعَثْنَ يطلبنَ ميراثَهُنّ().
وروى الحافظ ابن مردويه بإسناده إلى عائشة ـ وذكرتْ كلام فاطمة لأبي بكر، وقالتْ في آخره:وأنْتُم تزعمون أنْ لا إرثَ لنا!(أفحكمَ الجاهليّة تَبْغُون)]سورة المائدة(5)الآية50[.
أيْه، مَعْشَرَ المسلمين! أنّه لا أرِثُ أبي!يابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أنْ ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئتَ شيئاً فريّاً، فدُونَكَهَا مرحولةً مَخْطُومَةً تلقاكَ يومَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الحَكَمُ اللهُ والغريمُ محمّدٌ والموعدُ القيامةُ، وعندَ الساعة يخسرُ المبطلون().
ومَنْ أخذ فَدَكاً من فاطمة، وقد وهبها إيّاها أبوها، بأمر الله تعالى، روى الواقدي وغيره منهم أنّ النبيّ لمّا افتتح خيبر اصطفى لنفسه قرىً من قرى اليهود، فنزلَ عليه جبرئيلُ بهذه الآية (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ... )]سورة الإسراء(17)الآية26، سورة الروم(30)الآية38[. فقال محمّد: ومَنْ ذا القربى؟ وما حقُّهُ؟ قال: فاطمةٌ. فدفع إليها فَدَكَ والعَوالي. فاستغلّتها حتّى توفّي أبوها، فلمّا بُويِعَ أبو بكر مَنَعَها، فكلّمتْهُ فقال: لا أمنعك ما دفع إليكِ أبوكِ، فأراد أنْ يكتبَ لها كتاباً، فاستوقفهُ عُمِر وقال: إنّها امرأةٌ، فلتأتِ على ما ادّعت ببيّنةٌ. فأمرها أبو بكر فجاءت بأُمّ أيمن وأسماء بنت عميس وعلي(عليه السلام)فشهدوا بذلك، فكتبَ لها أبو بكر، فبلغَ ذلك عمرَ فأخذ الصحيفةَ فمحاها فحلفت ألاّ تكلّمهما، وماتَتْ وهي ساخطةٌ عليهما.
وفي بعض الروايات: فشهد لها علي فقال: إنّه يجرُّ نفعاً إلى نفسه! وشهد لها الحسنان فقال: ابناك. وشهدت لها أُمّ أيمن، فقال: امرأة!!.
فعند ذلك غضبتْ عليه، وحلفتْ ألاّ تكلَّمَهُ، حتّى تلقى أباها وتشكو إليه!!.
وهذا يدلّ على نهاية جهله بالأحكام! وعلى أنّهما لم يكن عندهما مثقال ذرّة من الإسلام!!.
وهل يجوزُ على الذين طهّرهم اللهُ بنصّ الكتاب أنْ يتقدّموا على غَصْب المسلمين أموالَهُم؟؟ وأنْ يدلّهم أبو بكر على الصواب؟؟؟.
فاعتبروا ياأُولي الألباب.
مع أنّه قد روى مسلم في صحيحه بطريقين أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)قال: فاطمةٌ بضعةٌ منّي يؤذيني ما آذاها().
وروى البخاري في صحيحه أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: فاطمةٌ بضعةٌ منّي فمَنْ أغضبها فقد أغضبني().
وكذلك روى هذين الحديثين في الجمع بين الصحيحين. وروى في الجمع بين الصحاح الستّ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: فاطمةٌ سيّدةُ نساء أهل الجنّة().
وروى بطريق آخر أنّه قال: ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الاُمّة. وكذلك رواه البخاري في صحيحه() كذلك رواه الثعلبيّ في تفسيره عند قوله تعالى:(وإنّي سمّيتُها مَرْيَم )]سورة آل عمران(3)الآية36[.
وهذه الأخبار الصحيحة عندهم تدلّ على أنّ مَنْ آذى فاطمة أو أغضبها، فقد آذى أباها أو أغضبه. وقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ...)]سورة الأحزاب(33)الآية37[ وقد صحّحوا أنّ أبا بكر وعمر أغضباها وآذياها، وهَجَرَتْهُما إلى أنْ ماتتْ.
فاعتبروا ياأُولي الأبصار.
فصلٌ]2[
وفيهم مَنْ خالَفَ النبيَّ، بل خالَفَ اللهَ!؟ لأنّه لا ينطقُ عن الهوى، في إحضار الدواة والقرطاس، ليكتبَ للمسلمين كتاباً، لن يضلّوا بعده أبداً، وشَتَمَ النبيَّ حينئذ، فقال: دعوهُ فإنّه يَهْجُرُ!!.وهذا لا يجوزُ أنْ يُواجِهَ به المثلُ لمثلِهِ، فكيفَ هذا النبيُّ الكريمُ ذُو الخُلُق العظيم!؟.
فقد روى ذلك مسلم في صحيحه، ورواه غيره من أهل النقل، وكان ابن عبّاس يقول: الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بينَنا وبينَ كتاب نبيّنا().
ومَنْ أوجَبَ بيعةَ أبي بكر. وخاصَمَ عليها بغيرِ دليل. وقَصَدَ بيتَ النُبُوَّة وذُرِيَّة الرسول - الذين فَرَضَ اللهُ طاعتَهم ومودّتَهم وأكَّد النبيُّ في الوصيّةِ بهم - بالإحْراق بالنار!!!.
وكيف يُوجِبُ عليهم شيئاً لم يُوجبه اللهُ ولا رسولُهُ عليهم؟؟ فهل كانَ أعلمَ من الله ورسوله ومن أهل البيت بالأحكام ومصالح العباد؟؟.
والنبيُّ قد قَنَعَ من اليهود والنصارى بالجِزْية، ولم يُوجب عليهم مُبايَعَتَهُ قَهْراً؟؟ ولا عاقَبَهُم بالإحْراق بالنار؟!.
فكيفَ استجازَ إحْراق أهل بيت نبيّه؟؟().
ومَنْ أَمَرَ برجم حامل، ورجم مجنونة، فنهاهُ عليٌّ، فقال: لولا عليٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ.
ومَنْ مَنَعَ من المُغالاة في المَهْر، فنَبََّهَتْهُ امرأةٌ، فقال: كلُّ الناس أفْقَهُ من عمرَ حتّى المخدّراتُ في البُيُوت.
ومَنْ أعطى حفصةَ وعائشةَ من بيت المال ما لا يجوزُ.
ومَنْ عَطَّلَ حدَّ الله في المُغيرة بن شُعْبة، ولقّن الشاهدَ الرابعَ، فامتنعَ، حتّى كان عمرُ يقولُ - إذا رآه - : قد خِفْتُ أنْ يرميَني الله ُ بحجارة من السماء.
ومَنْ كان يَتَلَوَّنُ في أحكامه، لجهله، حتّى قضى في الحدّ بسبعين قضيّة.
ومَنْ قال: مُتْعتانِ - كانتا على عهد رسول الله - وأنا أنهى عنهما، وأُعاقبُ عليهما!!!. وهذا يقدحُ في إيمانه، إنْ كانَ آمَنَ.
وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من عدّة طرق عن جابر وغيره: كنّا نستمتعُ بالقبضة من التمر والدقيق، والأيام على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)وأبي بكر، حتّى نهانا عنها عمرُ، لأجل عَمْرو بن حُريث لمّا استمتعَ، وقد روى في الجمع بين الصحيحين نحو ذلك من عدّة طرق(). وروى أحمد في مسنده عن عمران بن حصين قال: أُنزلت متعة النساء في كتاب الله وعلمناها وفعلناها مع النبيّ ولم ينزِل قرآن بحرمتها ولم ينه عنها حتّى مات().
وروى الترمذي في صحيحه قال: سئل ابن عمر عن متعة النساء؟ فقال: هي حلال، فقيل: إنّ أباك قد نهى عنها!. فقال: سبحانَ الله إنْ كانَ أبي قد نهى عنها، وصَنَعَها رسولُ الله؟ تتركُ السنّةَ وتتّبع قولَ أبي؟؟!().
ومَنْ أبدع في الشُورى عدّة بِدَع، فخرج بها عن النصّ والاختيار، وحصرها في ستّة شَهِدَ على كلّ مَنْ سوى عليٍّ بعدم صُلُوحه لها، وأمر بضرب رقابهم إنْ تأخّروا أكثرَ من ثلاثة أيّام، وأمر بضرب رقاب مَنْ يُخالف عبدَ الرحمن.
وكلُّ ذلك حكمٌ بما لم يُنزل اللهُ، وتقوّلٌ في الدين().
وأبْدَعَ في ترتيب التراويح جماعة، وقد أجمعَ كلُّ الاُمّة على أنّها بدعةٌ، حتّى هُوَ قال: بدعةٌ، ونعمت البدعةُ.
وقد قال رسولُ الله كلُّ بدعة ضلالةٌ وكلُّ ضلالة سبيلُها إلى النار().
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما أنّ عمر قال للعبّاس وعليّ: فلمّا تُوُفِّيَ رسولُ الله قال أبو بكر :«أنا وليُّ رسول الله» فجئتما - أنتَ تطلبُ ميراثَك من ابن أخيك، ويطلبُ هذا ميراثَ امرأته - فقال أبو بكر: قال رسول الله: «لا نُورّثُ ما تركناهُ صدقة» فرأيتماهُ كاذباً آثماً غادراً خائناً، والله إنّه لراشد تابع للحقّ!!!.
ثمّ لمّا تُوُفِّيَ أبو بكر قال عمر:«أنا وليُّ رسول الله ووليُّ أبي بكر» فرأيتُماني كاذباً خائناً آثماً غادراً، والله يعلم أنّي لصادق بارٌّ تابع للحقّ!!!().
ولم يعتذر العبّاسُ ولا عليٌّ عن هذا الاعتقاد، ولا شبهةَ أنّ اعتقادَهُما حقٌّ، لأنّ اللهَ قد طهّر عليّاً، وجعل النبيُّ الحقَّ دائراً مع عليٍّ في قوله في حديث غدير خُمٍّ:«وأدِر الحقَّ مَعَهُ كيفما دارَ»(5) وكما جاء في غيره أيضاً.
فصلٌ]3[
وفيهم() مَنْ وَلّى أُمور المسلمين لمن ظَهَرَ منه الفسقُ والفسادُ، ولا علم عنده، يمراعاةً لحُرمة القرابة، وعدو عن مراعاة حُرمة الدين.
كالوليد بن عُقبة، فشربَ الخمرَ حال إمارته، وصلّى وهو سَكْرانُ، والتفتَ إلى مَنْ خلفَهُ وقال: أزِيدُكُم في الصلاة.
وسعد بن العاص ظَهَرَ منه في الكوفة المناكرُ، فتكلّموا فيه وفي عثمان، وأرادوا خَلْعَ عثمان، فعزله عنهم قهراً.
وعبيدالله بن أبي سَرْح، ظلم في مصر وغَشَمَ، وتَكلّم فيهما أهلُ مصر، فصرفه عنهم بمحمّد بن أبي بكر، ثمّ كاتَبَهُ سِرّاً بأنْ اسْتَمِرَّ على الولاية، وأمرهُ بقتل محمّد وغيره ممّن يَرِدُ عليه، ولمّا ظفروا بذلك الكتاب، كان أحدَ الأسباب في قتله.
ومَنْ ردَّ الحَكَمَ بن العاص إلى المدينة، وقد طَرَدَهُ رسولُ الله، وكان قد كَلَّمَ أبا بكر وعمرَ في ردّه فلم يقبلا، وزَبَراهُ، ولمّا رَدَّهُ جاءَهُ عليٌّ وطلحةُ والزُبَيْرُ وأكابرُ الصحابة وخَوَّفُوهُ من الله فلم يَسمعْ.
ومَنْ ضَرَبَ أبا ذرّ، مع تقدُّمِهِ في الإسلام، وعُلُوِّ شأْنِهِ عند النبيّ، ونفاهُ إلى الرَبَذَةِ.
وذمُّ أبي ذرٍّ لعثمان ووقائعُهُ معهُ كثيرةٌ مشهورةٌ.
ومَنْ ضَرَبَ عبدَالله بن مسعود، حتّى كَسَرَ بعضَ أضلاعه، فعاهَدَ ألاّ يُصلّيَ عليه عثمانُ، وقال عثمانُ له لمّا عادَهُ في مرض موته: استغفرْ لي. فقال عبدُالله: أسألُ اللهَ أنْ يأخُذَ لي حقّي منك.
ومَنْ ضَرَبَ عمّارَ بن ياسر، حتّى حَدَثَ فيه فَتْقٌ، بغير جُرْم منه()، إلاّ أنّه نهاهُ عن بعض المناكر، وكانَ عمّارٌ من أكبر المؤلّبين على قتله، هُوَ ومحمّدُ بنُ أبي بكر، وكانا يقولان: قتلناهُ كافراً، وكان عمّارٌ يقول: ثلاثةٌ يشهدون على عثمانَ بالكفر - وأنا الرابع - : (ومَنْ لم يحكمْ بما أنْزَلَ اللهُ فأُولئك هُمُ الكافرون... )]سورة المائدة( )الآيات:47-45-44[.
وقيل لزيد بن أرقم: بأيّ شيء كَفَّرْتُمْ عثمانَ؟ فقال: بثلاث: جعل المال دُوْلَةً بين الأغنياء، وجعل المهاجرين من الصحابة بمنزلة مَنْ حاربَ اللهَ ورسولَه، وعمل بغير كتاب الله.
وكان حذيفةُ بن اليمان يقول: ما في كفر عثمانَ بحمد الله شكٌّ.
ومَنْ كان يُؤْثِرُ أهلَهُ بالأموال العظيمة من بيت مال المسلمين، حتّى دفع إلى أربعة - زوّجهم بناته - أربعمائة ألف دينار، وأعطى مروان مائة ألف دينار.
ومَنْ عَطَّلَ الحدَّ الواجبَ على عُبيدالله بن عمر، حيثُ قَتَلَ الهُرْمَزانَ مسلماً، وكان قد أوصى عمرُ بقتله، فدافَعَ عُثمانُ عنه وحمله إلى الكوفة وأقطعه بها داراً وأرضاً، ونَقِمَ عليه المسلمون في ذلك.
ومَنْ تَبَرَّأَ منه كلُّ الصحابة، فكانوا بين قاتل له وراض، حتّى تركوه بعد قتله ثلاثةَ أيّام بغير دفن، ومنعوا من الصلاة عليه.
وحكمُه بغير ما أنزل الله، وبِدَعُهُ أكثرُ من أنْ تُحْصَرَ.
فصلٌ]4[
ومنهم مَنْ هو رأسُ الفئة الباغية، بإخبار النبيّ في قتل عمّار، وأنّه يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار().
ومَنْ هو دعيٌّ ابن دعيٍّ، روى هشام بن السائب الكلبيّ قال: كان معاويةُ لأربعة نفر: لعمارة بن الوليد، ولمسافر بن أبي عمرو، ولأبي سفيان، ولرجل سمّاه، وكانت أُمّه هندٌ من المُغْتَلمات، وكان أحبَّ الرجال إليها السُودان، وكانت إذا ولدتْ أسودَ قَتَلَتْهُ، وحَمامَةُ جَدَّةُ معاوية كانتْ من ذوات الرايات، أي الغايات في الزنا.
ومَنْ دعا عليه النبيُّ فقال: «لا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ» واستجيبتْ دعوةُ النبيّ فيه، واشتهر ذلك فكانَ لا يَشْبَعُ().
وكان النبيُّ يستغفرُ لقومه عموماً وخصوصاً، ولهذا جاء قوله تعالى: (إنْ تستغفرْ لهم سبعين مرّةً فلن يغفرَ اللهُ لهم)]سورة التوبة(9)الآية80[ .
فلو لم يكن من أشدّ المنافقين نفاقاً ما دعا عليه خصوصاً، وهو يدعو لهم عموماً.
ومَنْ حارَبَ عليّاً ـ الذي جاء فيه ما تلوناهُ ـ طلباً لزهرة الحياة الدنيا، وزهداً في الله والدار الآخرة.
وتعظيمُ عليٍّ ثَبَتَ بضرورة الدين، ووجوب طاعته ثَبَتَ لكونه مولى المؤمنين.
ومَنْ لم يزلْ مشركاً مدّة كون النبيّ مبعوثاً، يكذّبُ بالوحي، ويهزأُ بالشرع، فالتجأ إلى الإسلام لمّا هَدَرَ النبيُّ دَمَهُ، ولم يجد ملجأً، قبل موت النبيّ بخمسة أشهر.
ومَنْ روى عبدُالله بن عمر، في حقّه، قال: أتيتُ النبيَّ فسمعتُهُ يقولُ: «يطلعُ عليكم رجلٌ يموتُ على غير سنّتي» فطلعَ معاويةُ.
وكان النبيُّ يخطبُ، فأخَذَ معاويةُ بيد ابنه يزيد وخرج، ولم يسمع الخطبة، فقال النبيُّ: «لَعَنَ اللهُ القائدَ والمقودَ».
ومَنْ سنّ السبَّ على عليّ بن أبي طالب، وقد ثَبَتَ تعظيمُه بالكتاب والسنّة.
وسَبُّهُ بعدَ موته يدُلُّ على غِلٍّ كامِن وكُفْر باطِن.
ومَنْي سَمَّ الحسنَ على يَدِ زوجته بنت الأشعث، ووعدها على ذلك ما يجزي، وأنْ يزوّجَها يزيدَ، فوفى لها بالمال فقط.
ومَنْ جعلَ ابنَهُ يزيدَ الفاسقَ وليَّ عهده على المسلمين، حتّى قَتَلَ الحسينَ وأصحابَه وسبى نساءَهُ، وتظاهَرَ بالمناكر والظلم وشرب الخمر، وهَدَمَ الكعبةَ، ونَهَبَ المدينةَ، وأخاف أهلها وأباح نساءها ثلاثة أيّام.
وكَسَرَ أبوه ثَنِيَّةَ النبيّ، وأكلتْ أُمّه كَبِدَ حمزة.
ومَنْ قَتَلَ حُجْرَاً وأصحابه، بعد أنْ أعطاهم العهودَ والمواثيقَ، وقَتَلَ عَمْرَو بن الحَمِقْ حامل راية رسول الله الذي أبْلَتِ العِبادةُ وجهه، بغير جُرم إلاّ خوفاً أنْ يُنكروا عليه منكره().
ومَنْ قَتَلَ أربعين ألفاً من الأنصار والمهاجرين وأبناءَهم، وقد قال تعالى: (مَنْ يقتلْ مؤمناً متعمّداً فجزاؤُهُ جهنّم)]سورة النساء(4)الآية93[.
وقال النبيُّ(صلى الله عليه وآله): مَنْ أعانَ على قتل مؤمن ،ولو بشطر كلمة، لقيَ اللهَ يوم القيامة مكتوباً على جبهته: «آيِسٌ من رحمة الله»().
فلا أدري بأي عقل يجوزُ:
أنْ يكون هذا خليفةَ الرسول على المسلمين؟.
وأنّه كان مجتهداً في قتال أمير المؤمنين وقتله الأنصار والمهاجرين؟.
وأنّه يجوّز أنْ يعوّلَ عليه في معالم الدين؟.
(إنّها لا تَعْمى الأبصارُ ولكنْ تَعْمى القلوبُ التي في الصُدُور)().
فصلٌ]5[
هذا قليلٌ من كثير ممّا نقلوه من قبائح أكابر الصحابة عندهم.
وأكبرُ النساء عندهم أزواجُ النبيّ، وأكبرُهنّ عائشة، وقد خرجتْ إلى قتال عليٍّ ومَنْ معه من الأنصار والمهاجرين، بعد أنْ بايعهُ المسلمون، وخالفت اللهَ في قوله: (وقَرْنَ في بُيُوْتِكُن)]سورة الأحزاب(33)الآية33[ فخالفتْ أمرَ الله، وهتكتْ حجابَ رسوله، وتبرجّتْ في جيش عظيم، واعتلّتْ بدم عُثمان، وليست بوليِّ الدم، ولا لها حكمُ الخلافة.
مع أنّها طلبته من غير مَنْ هُوَ عليه، لأنّ عليّاً لم يحضرْ قَتْلَهُ -إجماعاً- ولا أَمَرَ به،كما رَوَوْهُ.
مع يأنّها كانتْ من أكبر المؤلِّبين على قتل عثمان، وكانت تقول: «اقتلوا نعث، يقتلَ اللهُ نعث» ولمّا بلغها قتلُه فرحتْ به، فلمّا بايعوا عليّاً أسندت القتلَ إليه، وقامتْ تُطالبُ بدمه، لبُغْضها عليّاً، وتبعها على ذلك ما يزيدُ على ستّة عشر ألفاً.
وفاطمة(عليها السلام) لمّا جاءتْ تطالب بحقّ إرثها الذي جعله اللهُ لها في كتابه، وتطالب بنحلتها من أبيها، وكانت محقّةً مطهّرةً، لم يتّبعها مخلوقٌ، ولم يساعدها بَشَرٌ.
فليعتبرْ في ذلك ذو اللبّ، فإنّ فيه معتبراً.
ثمّ إنّها جعلتْ بيتَ النبيّ مقبرةً لأبيها ولعمر، وهما أجنبيّان، فإنْ كان هذا البيت ميراثاً وَجَبَ استئذانُ كلّ الوَرَثَة، ولزم كذبُ أبي بكر، وإنْ كان صدقةً وَجَبَ استئذانُ المسلمين، وإنْ كان ملكَ عائشة كذّبَها أنّها لم يكنْ - لها ولا لأبيها - في المدينة دارٌ.
وقد روى في الجمع بين الصحيحين أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: «ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنّة»().
وروى الطبري: أنّ النبيَّ قال: «إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري»().
ولم يقلْ في الموضعين: بيت عائشة.
وقُتِلَ بسببها نحوُ ستّة عشر ألفاً من الأنصار والمهاجرين وغيرهم.
وأفشتْ سرَّ النبيّ، كما حكاه اللهُ عنها.
ونقل الغزالي كثيراً من سوء صحبتها للنبيّ، فروى أنّ أبا بكر دَخَلَ يوماً على النبيّ، وقد وَقَعَ في حقّهِ منها مكروهٌ، فكلّفه النبيُّ أنْ يسمعَ ما جرى، ويدخل بينهما. فقال النبيُّ: تتكلّمين أو أتكلّمُ. فقالت: تكلّمْ، ولاتقولنَّ إلاّ حقّاً.
وأيّمُ الله، لو خاطَبَ المثلُ لمثله بذلك لَعُدَّ مُسيئاً للأدب، بل هذا يدلُّ على أنّها تعتقدُ أنّ النبيَّ قد يقولُ غيرَ الحقّ.
وروى البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمر قال: قام النبيُّ خطيباً فأشارَ نحو مسكن عائشة وقال: الفتنة هُنا ـ ثلاثاً ـ حيثُ يطلعُ قَرْنُ الشيطان..
وروى فيه - أيضاً - قال: خرجَ النبيُّ من بيت عائشة، وقال: رأسُ الكفر من ههنا حيثُ يطلعُ قرنُ الشيطان().
فصلٌ]6[
وهذا الذي نقلناه من الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة - عندهم - من مدائح الفريقين ومذامّهما قليلٌ من كثير، ونزرٌ حقيرٌ من جمٍّ غفير، يعلمُ صدق ذلك مَنْ طالعَ صحاحهم وصحاحَنا وكتبَ المناقب والمثالب والسير والأخبار، لنا ولهم.
وحيثُ أنّهم نقلوه في صحاحهم وغيرها لم يكن لهم سبيلٌ إلى إنكاره. ولهذا تمحلّوا للجواب عنه بما يصغُرُ عن النقل، ويحكم بفساده مَنْ له أدنى عقل.
وهو في الحقيقة يفيدُ العلم بعدالة الفرقة الأُولى وصُلوحهم لأخذ معالم الدين عنهم، ويفيدُ العلم بفسق الفرقة الثانية أو كفرها، لأنّه من قبيل التواتُر معنىً، خصوصاً ومَنْ ذكرناهم هم أفضلُ الصحابة - عندهم - فما ظنُّك بالمفضول؟!
سلَّمْنا أنّه لا يفيدُ العلم فهو يفيدُ الظنَّ الغالبَ، قطعاً، فكيفَ يعدلُ عنه إلى الوهْم بغير دليل؟.
سلّمْنا أنّ جميع ما نقلوه فيهما كذب، فكيفَ نصنعُ بالكتاب العزيز؟ وكيفَ تركنُ النفسُ حينئذ إلى صدق باقي ما نقلوه؟
ونحن - بحمدِ اللهِ - قد أفادنا الكتابُ العزيزُ والسنّةُ الثابتةُ - عندهم - والأحاديثُ الصحيحةُ - عندنا - الكثيرةُ المستفيضةُ، بل المُتَواتِرةُ معنىً، والبراهينُ يالقاطعةُ المقرّرةُ في الكلام، علماً ضروريّاً بعصمة الفرقة الأُولى، فض عن عدالتها، يوبكفر الفرقة الثانية، فض عن فسقها، بحيثُ لا نشكّ فيه ولا نمتري.
ولو تنزّلنا وسلّمْنا أنّه في نفس الأمر ليس كذلك، لم نكن مأثومين، حيثُ أنّ هذا هو الذي أدانا إليه اجتهادُنا (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا... )]سورة البقرة(2)الآية286[.
والعجب! كيفَ جوّزوا الاجتهاد:
في تخلّف أبي بكر وعمر عن جيش أُسامة، وقد لَعَنَ النبيُّ مَنْ تَخَلَّفَ عنه؟، وفي إحراقهما بالنار عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، وهم أهلُ البيت الذين طهّرهم اللهُ وحَثَّ النبيُّ على التمسُّك بهم، وأَكَّدَ في الوصيّة بهم؟.
وفي سفك الصحابة بعضهم دمَ بعض، وسفك طلحة والزبير وعائشة دماءَ الأنصار والمهاجرين، وقتال أمير المؤمنين؟.
وفي قتال معاوية عليّاً(عليه السلام) وسفك دمه ودم مَنْ مَعَهُ من الأنصار والمُهاجرين؟.
ولم يجوّزوا لأئمّتنا وأكابر علمائنا الاجتهاد في سبّهم، والعدول عمّا نقلوه من أحكام الدين إلى ما نقلوه عن أهل البيت المطهّرين، بعد ما نقلوه في شأن الفريقين من الأمر الواضح المبين؟؟!.
ولمّا رأينا الإلهَ العظيمَ، ورسولَهُ الكريمَ، قد مَدَحا أهلَ البيت وأمرا بالتمسّك بهم، كما ذكرناه، وذمّا عامّةَ أصحابه، ونصّا على ارتدادتهم بعده، بما نقلناه:
تمسّكنا بأهل البيت المطهّرين الذين أخبر النبيُّ أنّ المتمسّكَ بهم لن يضلَّ أبداً، ونقلنا أحاديثهم وأخذنا معالم شرعنا عنهم، ورفضنا عامّة أصحابه وطرحنا ما تفرّدوا بنقله، إلاّ مَنْ علمنا منه الصلاح كسلمان والمقداد وعمّار بن ياسر وأبي ذرّ وأشباههم من أتقياء الصحابة، وأجلاّئهم المقرّرين في كتب الرجال - عندنا - ممّن لم يَحُلْ عن أهل البيت طرفةَ عين، أو رجع إليهم عند ما ظَهَرَ له الحقُّ.
وعليهم حملنا ما جاءَ في القرآن العزيز والسنّة المطهّرة من المدح للصحابة، على سبيل الإجمال. فاستقامَ لنا في الجمع بين مدحهم وذمّهم الحالُ،واهتدينا بذلك - من فضل الله - إلى سواء الطريق. والله ولي التوفيق.
أصلٌ]5[
]في ذكر كتب الحديث ومؤلفيها[
وأُصولُنا الخمسة :«الكافي» و «مدينة العلم» و «كتاب مَنْ لا يحضرهُ الفقيه» و «التهذيب» و «الاستبصار» قد احتوتْ على أكثر الأحاديث المرويّة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)والأئمّة المعصومين(عليهم السلام) عندنا، وأهمّها بحيث لا يشذُّ عنها إلاّ النزرُ القليلُ.
وجمعتْ من الأحاديث الصحيحة وغيرها ممّا قد اشتملَ على الأحكام العلميّة والعمليّة، والسنن والآداب والمواعظ والأدعية والتفسير ومكارم الأخلاق، ما لا يكادُ يحصى، ولا يوجد في سواها.
أمّا كتابُ «الكافي» فهو للشيخ أبي جعفر، محمّد بن يعقوب، الكليني، شيخ عصره في وقته ووجه العلماء والنبلاء.
كان أوثقَ الناس في الحديث وأنقدَهم له وأعرَفهم به. صنّفَ الكافيَ وهذّبه وبوّبه في عشرين سنة، وهو يشتملُ على ثلاثين كتاباً، تحتوي على ما لا يحتوي عليه غيره، ممّا ذكرناه من العُلُوم، حتّى أنّ فيه ما يزيد على ما في الصحاح الستّ للعامّة، متوناً وأسانيد. وهذا لا يخفى على مَنْ نَظَرَ فيه وفيها.
توفّي هذا الشيخ(رحمه الله) ببغداد، سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وقيل: سنة سبع وعشرين سنة تناثُر النجوم. ودُفِنَ في باب الكوفة، بمقبرتها، في صُراة الطائي.
قال الشيخ أبو عبدالله أحمد بن عبدون(رحمه الله): رأيتُ قبره في صُراة الطائي، وعليه لوحٌ مكتوبٌ عليه اسمُهُ واسمُ أبيه، رحمه الله تعالى.
وأمّا كتاب «مدينة العلم» و «مَنْ لا يحضرهُ الفقيه» فهما للشيخ الجليل النبيل أبي جعفر، محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابَوَيْه، القمّي رحمه الله تعالى.
وكان هذا الشيخُ جليلَ القدر عظيمَ المنزلة في الخاصّة والعامّة، حافظاً للأحاديث بصيراً بالفقه والرجال والعُلُوم العقليّة والنقليّة، ناقداً للأخبار، شيخَ الفرقة الناجية وفقيهها وجهها بخراسان وعراق العجم.
وله - أيضاً - كتبٌ جليلةٌ، منها:كتاب «دعائم الإسلام» وكتاب «غريب حديث النبيّ والأئمّة(عليهم السلام)» وكتاب «ثواب الأعمال وعقابها» وكتاب «التوحيد» وكتاب «دين الإماميّة» إلى نحو ثلاثمائة مصنّف.
لم يُرَ في عصره مثلُه، في حفظه وكثرة علمه، وَرَدَ بغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع منه شيوخُ الطائفة وهو حدث السنّ. وماتَ في الريّ، سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. رحمه الله تعالى.
وأمّا كتاب «التهذيب» و «الاستبصار» فهما لإمام وقته وشيخ عصره و رئيس هذه الطائفة وعمدتها، بل رئيس العلماء كافّة في وقته، أبي جعفر، محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسي، رحمه الله تعالى. حاله وجلالة قدره أوضحُ من أنْ توضّح، اعترف بفضله وغزارة علمه و عُلُوّ شأنه الخاصّة والعامّة. وُلِدَ في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وقَدِمَ العراقَ سنة ثمان وأربعمائة، وتُوُفّيَ ليلةَ الاثنين ثاني عِشْرِي الُمحَرَّم سنة ستّين وأربعمائة، بالمشهد الشريف الغرويّ، على مشرفه السلام، ودُفِنَ بداره، وقبرُهُ الآنَ هُناك معروفٌ، رحمه الله تعالى().
أُصُولٌ]سبعةٌ[
في التعريفات والتقسيمات والاصطلاحات في الألقاب
أصلٌ]1[
موضُوع هذا العلم في الأصل المقصود بالذات السنّة المطهّرة. وهي: طريقةُ النبيّ(صلى الله عليه وآله)أو الإمام، المحكيّة عنه، فالنبيّ بالأصالة، والإمام بالنيابة. وهي: قولٌ، وفعلٌ، وتقريرٌ.
ويتبعُ ذلك البحث عن الآثار، وهي أقوالُ الصحابة والتابعين وأفعالهم.
وأكثر أهل الحديث يطلقون على الكلّ اسم «الحديث» ولهذا يقسمُونه إلى مرفوع وموقوف، وقد مشينا - هنا - على طريقتهم في ذلك.
ثمّ إنّ البحث في السُنّة القوليّة إمّا: في المَتْن، أو في السَنَد.
أمّا البحثُ في المتن: وهو - في الأصل - ما اكْتَنَفَ الصُلْب من الحيوان. ومَتُنَ الشيءُ: قَوِيَ، ومنه :«حبلٌ متينٌ» ومَتْنُ الشيء: ما به يَتَقَوَّمُ ويتقوّى، كما أنّ الحيوان يتقوّى بالظهر.
وفي الاصطلاح هو: ألفاظُ الحديث المقصودة بالذات، التي تتقوّمُ بها المعاني. فإنّه ينقسمُ باعتبار وُضُوح الدلالة على المراد منه وخفائها إلى «نصٍّ» و «مجمل» و «ظاهر» و «مُأَوَّل» لأنّ اللفظ:
إنْ كان له معنىً واحدٌ لا يحتمل غيره فهو «النَصّ».
وإنْ احتمل; فإنْ تساوى الاحتمالان فهو «المُجْمَلُ».
وإنْ ترجّحَ أحدهما; فإنْ أُريد المرجوح لدليل، فهو «المُأَوَّل».
وإنْ أُريد الراجح فهو «الظاهِرُ».
ورجحانُه: إمّا بحسب الحقيقة الشرعيّة، كدلالة الصوم على الإمساك() عن المُفَطِّرات. أو بحسب العُرْف، كدلالة الغائط على الفضلة() وهذان - وإنْ كانا نصّين باعتبار الشرع والعرف - إلاّ أنّ إرادة الموضوع له الأوّل لم تنتفِ انتفاءاً يقينيّاً.
ومن الراجح «المطلق» وهو: اللفظُ الدالُّ على تعلّق الحكم بالماهيّة، لا بقيد منضمٍّ، دلالةً ظاهرةً.
ومنه «العامّ» وهو: اللفظُ الدالُّ على اثنين فصاعداً، من غير حصر، فإنّ دلالته على استيعاب الأفراد ظاهرةٌ لا قاطعةٌ.
وقد ينقسمُ باعتبار آخَر إلى «حقيقة» و «مَجاز» و «مُشْتَرَك» و «مَنْقول» و «مطلق» و «مقيّد» و «عامّ» و «خاصّ» و «مبيّن» في نفسه، وما لحقه «البيانُ» وهو «المبيِّنُ» - اسم فاعل - و «ناسخ» و «منسوخ» أي يأتي في ألفاظ هذه الأُمور() وتحقيق ذلك ونحوه من وظائف الأُصولي، وإنّما الواجب على المحدّث معرفتها من الأُصول، ليضعَ الأحاديثَ على مواضعها منها، فيُعطي كلَّ حديث حقّه، إذا أرادَ العملَ بالأحاديث، وذلك من وظائف الفقيه، فإذا عرفها وأعطى الحديثَ حقّه من ذلك عملَ به، بعد صحّة سنده.
وإنّما نبّهنا على ذلك لئلاّ يجترىءَ بعضُ القاصرين عن درجة الاستنباط على العمل بما يجده من الأحاديث صحيحاً، فإنّ دون العمل به - بَعْدَ صحّة سنده - بِيْداً لا تكاد تَبِيْدُ.
أصلٌ]2 [
وأمّا البحث في السَنَد:
وهو المقصود من هذا الباب: فاعلم إنّ «السند» هو طريق المتن، أعني مجموع مَنْ رَوَوْهُ، واحداً عن واحد، حتّى يصلَ إلى صاحبه، مأخوذٌ من قولهم :«فلانٌ سَنَدٌ» أي يُسْنَدُ إليه في الأُمور، أي يُعْتَمَدُ عليه. فسُمّي الطريقُ «سَنَداً» لاعتماد المحدّثين والفقهاء في صحّة الحديث وضعفه على ذلك.
و«الإسْنادُ» هو: ذكر طريقه حتّى يرتفع إلى صاحبه.
وقد يطلق «الإسْناد» على «السند» فيقال: إسْناد هذا الحديث صحيح أو ضعيف، وذلك لأنّ المتن إذا ورد فلابدَّ له من طريق موصل إلى قائله، فهذا الطريقُ:
باعتبار كونه معتمَداً للعلماء في الصحّة والضعف يُسمّى:«سَنَداً» وباعتبار تضمّنه رفعَ الحديث إلى القائل يُسمّى «إسْناداً».
ثمّ إنّ أسماء متن الحديث تختلف باعتبار اختلاف سنده في القوّة والضعف، والاتّصال، والقطع، ونحو ذلك. ويترتّب على ذلك فوائد: جواز العمل به وعدمه، وأنواع الترجيحات المقرّرة في الأُصول.
وأمّا السُنّة الفعليّة:
فإنّ فعلهم(عليهم السلام) إذا وقع بياناً تبع المبيِّن في وجوبه وندبه وإباحته. وإنْ فعلوه ابتداءاً() فلا حجّة فيه على الأقوى إلاّ أنْ يعلمَ الوجهُ الذي وقع عليه.
وأمّا فعلهم المجرّد فإنّه يدلّ على الجواز، إنْ كان في الأفعال العُرفيّة، وعلى الرجحان إنْ كان في العبادات.
وأمّا السُنّة التقريريّة:
فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لا يقرّرُ على مُنْكَر، وكذلك الأئمّة المعصومون بعده صلوات الله عليهم، إلاّ لتقيّة.
فما فُعِلَ بحضرتهم أو غيرها ممّا علموا به، ولم ينكروه من غير تقيّة، فإنّه يدلُّ على جوازه.
وأمّا البحث في سند السنّة الفعليّة والتقريريّة، ففيه ما في سند السنّة القوليّة من الأقسام والكلام، كما نبيّنه إن شاء الله تعالى.
أصلٌ ]3[
الخَبَرُ:
إمّا صدقٌ قطعاً: كخبر الله تعالى، وخبر الرسول.
أو كذبٌ قطعاً: كخبر مسيلمة بأنّه أُوحي إليه.
أو مظنون الصدق: كخبر العدل.
أو الكذب: كبعض أخبار الفسّاق.
أو مشكوك: كبعض أخبار المجهولين.
ثمّ الأخْبارُ:
منها «مُتَواتِرٌ»: وهو ما رواه جماعة يحصل العلم بقولهم للقطع بعدم إمكان تواطؤهم على الكذب، عادةً، ويشترط ذلك في كلّ طبقاته، صحيحاً كان أو لا،
وهو مقبول، لوجوب العمل بالعلم، وهذا لا يكاد يعرفه المحدّثون في الأحاديث، لقلّته، وهو كالقرآن، وظهور النبيّ، والقبلة، والصلوات، وأعداد الركعات، والحجّ، ومقادير نُصُب الزكوات.
نعم، المُتَواتِر بالمعنى كثيرٌ، كشجاعة عليٍّ، وكرم حاتم.
وشرطه:
كونُهُ ضروريّاً لا مظنوناً.
مُستنداً إلى محسوس، لا مثل حدوث العالم، وصدق الأنبياء.
وأنْ لا يسبق إلى السامع شُبْهةٌ أو تقليدٌ تنافي مُوْجَبَ الخبر، كما حقّقه السيّد المُرتضى() وتبعه المحقّقون، لأنّ حصول الشُبْهة والتقليد مانعان عن حصول العلم العادي من الخبر المُتَواتِر، ولهذا أنكر الكُفّارُ ما تواترَ من معاجز نبيّنا، وأنكر المخالفون ما تَواتَرَ من النصّ على عليّ(عليه السلام) بالإمامّة.
والقدر الذي يحصل به التَواتُرُ غيرُ معلوم لنا، لكنّا بحصول العلم نستدلُّ على كمال العدد، وذلك يختلف باختلاف الأخبار والمخبرين، ويعسُرُ تجربة ذلك، وإن تكلّفناه: فسبيلُهُ أنْ نُراقبَ أنفسنا، فإذا أُخبرنا بوجود شيء خَبَراً متوالياً، فإنّ قولَ الأوّل يحرّكُ الظنَّ، وقول الثاني والثالث يؤكّده، وهَلُمَّ جَرّاً إلى أنْ يصيرَ ضروريّاً.
وحديثُ الغَدِيْر مُتَواتِر عندنا، وحديث «مَنْ كَذِبَ عليَّ مُتعمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من االنار»() مُتَواتِرٌ عند العامّة، لأنّه نقله عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) الجَمُّ الغَفِيْرُ، قيل: أربعون، وقيل: اثنان وستّون، ثمّ لم يَزَلْ العَدَدُ في ازْدِياد على التوالي إلى يومنا هذا.
وحديث: «إنّما الأعمال بالنيّات»() غير مُتَواتِر وإن نقله الآن عدد التواتر وزيادة. لأنّ ذلك طرأ عليه في وسط إسناده.
ومنها «آحادٌ»:ي وهو بخلافه، وهو ينقسم - أوّ - إلى: صحيح وحَسَن، وموثّق، وضعيف.
الأوّل: الصحيح:
وهو: ما اتّصل سنده بالعدل الإمامي الضابط عن مثله، حتّى يصل إلى المعصوم من غير شذوذ ولا علّة.
ومَنْ رأينا كلامه من أصحابنا لم يعتبر هذين القيدين، وقد اعتبرهما أكثرُ محدّثي العامّة. وعدم اعتبار الشذوذ أجود، إذْ لا مانع أن يقال: «صحيحٌ شاذّ، أو شاذّ غيرُ صحيح» وهو «المنكر» كما يأتي.
وأمّا «المُعَلَّل» فغير صحيح: أمّا إذا كانت العلّةُ في السند فظاهرٌ. أمّا إذا كانت في المتن فكذلك; لأنّ المتن حينئذ يكون غيرَ صحيح، لما فيه من الخلل بالعلّة، فيعلم أو يغلب على الظنّ أنّه - على ما هو عليه - ليس من كلامهم، نعم، يقال فيه: صحيح السند.
فالصحيح على هذا: ما صحّ سندُه من الضعف والقطع، ومتنُه من العلّة.
وكيف كان، هو اختلاف في الاصطلاح. وقد يُطلق عليه «المتّصلُ» و «المُعَنْعَنُ» وإنْ كانَ كلٌّ منهما أعمَّ منه.
وقد يُطلق نادراً «الصحيح» على: سليم الطريق من الطعن، وإن اعتراه إرسالٌ يأو قطعٌ، فيُطلق على ما كان رجالُه المذكورون عدو، وان اشتمل بعد ذلك على أمر آخر; فيقولون: «روى ابن أبي عمير في الصحيح» وإن كانت تلك الرواية مرسلةً أو يمقطوعةً، أو كان ذلك الراوي لها - الذي أسندت إليه - ليس عد إماميّاً، ولكن صحّ ما سواه، وإذا قيل: «صحيحٌ» فهذا معناه، لا أنّه مقطوعٌ بصحّته، وإذا قيل: «غير صحيح» فمعناه لم يصحّ إسناده، لا أنّه كذب.
ولا شبهة في تفاوت طبقات صحّة الصحيح، كما تتفاوت طبقات ضعف الضعيف، وحُسن الحَسن.
وهو مقبولٌ عند أكثر أصحابنا المتأخّرين مطلقاً، وعند الكلّ إذا اعتضدَ بقطعيٍّ، كفحوى الكتاب، أو فحوى المُتَواتِر، أو عمومهما، أو دليل العقل، أو كان يمقبو بين الأصحاب.
وقد يقبلون غيرَ الصحيح - أيضاً - إذا اعتضدَ بما ذكرناه.
ويرُدُّون الخبرَ - مطلقاً - بمخالفة مضمونه الكتابَ، أو السُنّةَ، أو الإجماعَ. لامتناع ترجيح الظنّ على العلم، وبإعْراض الأكثر عنه، وبمعارَضته أقوى إسناداً أو متناً، أو لمُرجِّح من المُرجّحات.
إذا عرفتَ ذلك، فصحاحُ العامّة كلُّها وجميعُ ما يروُونه غيرُ صحيح. فلا يُحكم بِكِذْبِ كُلِّ واحِد واحِد من أحاديثها ولا بِصِدْقِهِ إلاّ بدليل من خارج، ولهذا لم يَزَلْ علماؤُنا المتقدِّمُون والمُتَأَخِّرُون يتداوَلُون نَقْلَ صِحاحهم ورواياتهم بالرواية، وصارَ ذلك متعارَفاً بينهم حتّى اتّصلَ إلينا من طُرُقنا وطُرُقِهم، وإنّما نقلها أصحابُنا لما يترتّبُ عليها من جواز العَمَل بالسُنَن والآداب وفضائل الأعمال والمواعظ وكلّ ما لا يتعلّقُ بالأحكام وصفات ذي الجلال والإكرام، على ما اشتهرَ بين العُلماء.
ويمكنُ أن يُستدلَّ لذلك بحديث: «مَنْ بَلَغَهُ شيءٌ من أعمال الخير فعَمِلَ به أعطاهُ اللهُ ذلك; وإنْ لم يكن الأمْرُ على ما بَلَغَهُ»(). ولما تفيده من الاعتبار والشواهد في بعض الموارد. كما نبيّنه في موضعه إن شاء الله تعالى().
تَنْبِيْهٌ : ما حُذف من مبتدأ إسناده واحدٌ أو أكثر، أو من وسطه، أو آخره كذلك: فما كان منه بصيغة الجزم كـ«قال» و «فَعَلَ» و «روى» و «ذَكَرَ فلانٌ» فهو حكمٌ ذدئو.× من المُسنِد بصحّته عن المضاف إليه، في الظاهر. وما ليس فيه جزم كـ«يُروى» و «يُذكَرُ» و «يُحْكى» فليس فيه حكمٌ بصحّته عن المضاف إليه.
وقد أورد الشيخُ في التهذيب من القسمين أحاديث عديدة، أسندَ كثيراً منها إلى أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) فما كان من ذلك مذكورَ السند في ضوابطه() فهو متّصل، يوما لم يكن داخ في ضوابطه، فما كان بصيغة الجزم; فهو حكمٌ بصحّته في الظاهر، وما لا; فلا. فليتدبّر ذلك.
الثاني: الحَسَنُ:
وهو عندنا: ما رواه الممدوح، من غير نصٍّ على عدالته. كذا قاله الشهيد والمتأخّرون. وفيه نظر، لأنّه شاملٌ لصحيح العقيدة وفاسدها، ولمن كان ممدوحاً من وجه وإن نصّ على ضعفه من وجه آخر، وشاملٌ لأقسام المدح كلّها، وبعضُها لا يخرج الممدوح بها عن قسم المجهولين، مثل «مصنِّف» و «كثير الرواية» و «له كتابٌ» و «أُخِذَ عنه» وشبه ذلك، والأنسب أن يقال: هو ما رواه الممدوح مدحاً يقرب من التعديل، ولم يصرّح بعدالته ولا ضعفه مع صحّة عقيدته. والقيد الأخير لإخراج مَنْ كان فاسد العقيدة ولم ينصّ على ثقته ومُدِحَ، فإنّه من قسم الضعيف على ما قلناه، ومن الحسن على ما عرّفوه ]والمراد أنّه رواه مَنْ هو كذلك، وباقي رجاله عدولٌ، وإلاّ كان ضعيفاً، لأنّ الحديث يتبعُ في تسميته أخسّ صفاته، على ما اصطلحوا عليه.
واعلم أنّ ما تقدّم في الصحيح آت هنا، وهو أنّ الحديث يوصف بالحسن وإن اعتراه قطع أو إرسال بل أو ضعف، إذا وقع الحسن بعد من نسب إليه، كما حكم العلاّمة بأنّ طريق الفقيه إلى «مُنذِر بن جُبير» حَسَنٌ، مع أنّ منذراً مجهول، وكذا طريقه إلى إدريس بن زيد، وأنّ طريقه إلى سماعة حسن، مع أنّه واقفيّ().
وذكر جماعةٌ: أنّ رواية زرارة في «أنّ مفسِدَ الحجّ إذا قضاه تكون الأُولى حجّة الإسلام» حَسَنَةٌ، مع أنّها مقطوعةٌ[.
وعلى كلّ حال فالحسنُ وسطٌ بين الصحيح والضعيف. فهو قريب إلى الصحيح، حيث أنّ رجاله مستورون، واحتمالُ الكذب أقرب إليه من الصحيح، وأبعد من الضعيف.
والحاصل أنّ شرائط الصحيح معتبرةٌ في الحسن، لكنّه لابدّ في الصحيح من يكون العدالة ظاهرة وكون الإتقان والضبط كام، وليس ذلك شرطاً في الحسن.
وعند العامّة هو: ما عُرِفَ مُخْرِجُهُ واشتهر رجاله. وقال بعضهم: هو الذي فيه ضعفٌ قريبٌ محتملٌ يصلحُ للعمل به. ولهم تعريفات أُخرى متقاربة. وعليه مدار أكثر أحاديثهم، وقَبِلَه أكثر علمائهم، وعمل به عامّة فقهائهم، بناءاً على قاعدتهم من عدم اشتراط علم العدالة والاكتفاء بعدم علم الفسق في الشاهد والراوي.
وأمّا أكثر علمائنا فلم يعملوا به، بناءاً على قاعدتهم من اشتراط علم العدالة وعدم الاكتفاء بعدم علم الفسق فيهما، ولكنّ كثيراً ما يحتجّون به كما يحتجّون بالصحيح، وإن كان دونه في القوّة، ويعملون به إذا اعتضد بما يقوّيه من عموم أو حديث آخر أو شبههما، وقد عمل به الشيخ وجماعة ممّن اكتفى في العدالة بظاهر الإسلام() ولم يشترط ظهورها.
وفصّل المحقّقُ في المعتبر والشهيد، فقبلوا الحَسَنَ والموثّقَ بل والضعيفَ، إذا كان العمل بمضمونه مشتهراً بين الأصحاب، حتّى قدّموه على الصحيح حيث لا يكون العمل بمضمونه مشتهراً().
وربّما قالوا: «حديث حَسَنُ الإسناد» أو «صحيحه» دون قولهم «حديث حَسَنٌ» أو «صحيح» لأنّه قد يصحّ أو يحسن الإسنادُ دون المتن، لعلّة أو لشذوذ، على ما قرّرناه في ما سبق.
تَنْبِيْهٌ : قد يُروى الحديث من طريقين أو أكثر، أحدهما صحيح، والآخر حسن أو موثّق أو ضعيف، فيُغلّبُ فيه الأقوى، ويكونُ الآخرُ شاهداً ومقوّياً له. وقد يحكم بعض علمائنا بصحّة حديث، والآخرُ بحسنه أو توثيقه أو ضعفه. إمّا لأنّه رواه بطريق صحيح لم يقف عليه الآخرُ. وإمّا لاعتقاده ثقة الراوي وعدم اعتقاد الآخر ذلك، فيحكم كلّ واحد بحَسَبِ ما وصل إليه().
الثالث: الموثّق:
وهو من خواصّنا، لأنّ العامّة يُدخلونه في قسم الصحيح. وهو ـ عندنا ـ: ما رواه مَنْ نصّ أصحابُنا على ثقته، مع فساد عقيدته بوقف أو عاميّة أو شبههما. وقد يُسمّى: «القوّيّ». وقد يراد بالقويّ مرويّ الإمامي غير الممدوح ولا المذموم.
قولي: «غير الممدوح ولا المذموم» خيرٌ من قول الشهيد وغيره: «غير المذموم»() مقتصرين عليه، لأنّه يشمل الحسن، فإنّ الإماميّ الممدوحَ غيرُ مذموم، وقد يراد بالقويّ - أيضاً-: مرويّ المشهور في التقدّم غير الموثّق.
والأوّلُ هو المتعارفُ بين الفقهاء، والمرادُ أنّه لم يشتمل على ضعف، وإلاّ كان ضعيفاً، كما تقدّم في الصحيح والحسن.
الرابع: الضعيف:
وهو: ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن أو الموثّق، أعني ما في سنده مذمومٌ، يأو فاسدُ العقيدة غيرُ منصوص على ثقته، أو مجهولٌ، وإن كان باقي رجاله عدو. لأنّ الحديث يتبع لقبُه أدنى رجاله.
تَنْبِيْهٌ : قد يُروى الحديث من طريقين حسنين، أو موثّقين، أو ضعيفين، أو بالتفريق، أو يُروى بأكثر من طريقين كذلك، فيكون مُسْتَفِيضاً. وكيف كان، لا شبهة أنّه أقوى ممّا رُوي بطريق واحد من ذلك الصنف. وهل يعادل في القوّة ما فوقه من الدرجة؟ لم أقف لأصحابنا في هذا على كلام. وبعض العامّة حكم بأنّه لا يبلغ، وبعضهم حكم ببلوغه. والذي أقوله: إنّ هذا الأمر يختلف - جدّاً- بحسب تفاوت الرواة في المدح، وبحسب تكثّر الطرق وقلّتها، وبحسب المتن من حيث موافقته لعمومات الكتاب، أو السنّة، أو عمل العلماء، أو نحو ذلك. فقد يساوي الحسنُ - إذا تكثّرتْ طرقه- الصحيحَ، أو يزيد عنه إذا كان ذا مرجّحات أُخر. لأنّ مدار ذلك على غلبة الظنّ بصدق مضمونه التي هي مناط العمل، وإن كان لا يسمّى في العرف صحيحاً.
واعلم أنّ ما يقارب الصحيح عندنا في الاحتجاج ما رواه عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. لأنّ أباه ممدوحٌ جدّاً، ولم نَرَ أحداً من أصحابنا نصَّ على ثقته، ولكنّهم وثّقوا ابنه. بل هو عندنا من أجلاّء الأصحاب، وأكثر رواياته عن أبيه.
أصلٌ ]4[
هذا التقسسيم الذي قسّمناه هو أصل التقسيم عند أصحابنا والعامّة لكن بإسقاط الموثّق.
وقد ينقسم إلى أقسام أُخرى باعتبار ما يعرض له، فتختلف ألقابُه، وهو أنواعٌ:
الأوّل: المقبول: وهو: ما تلقّاه العلماء بالقبول والعمل بمضمونه من أيّ الأقسام كان، ويجب العمل بمضمونه عندهم، وذلك كحديث عمر بن حنظلة().
الثاني: المشهور: وهو: ما زاد رواته على ثلاثة أو اثنين عند بعضهم، ويسمّى «المستفيض» أيضاً.
وقد يُطلق على ما اشتهر العمل به بين الأصحاب، وعند العامّة هو ما شاع عند أهل الحديث خاصّة، بأن نقله رواةٌ كثيرون.
أو عندهم وعند غيرهم، نحو «إنّما الأعمال بالنيّات»().
أو عند غيرهم خاصّة، كقوله(صلى الله عليه وآله): «للسائل حقٌّ وإن جاء على فرس»() و «نحرُكم يَوم صومكم»() قال بعضهم: هذان حديثان يدوران في الأسواق وليس لهما أصلٌ في الاعتبار().
الثالث: المُسنَد: وهو :ما اتّصل سنده كائناً من كان، أي لم يسقط منه أحدٌ من الرواة،بأن يكون كلّ واحد أخذه ممّن هو فوقه حتى يصل إلى منتهاه كائناً من كان، ويقال له: «المتّصل» و«الموصول» ويقابله «المُنْقَطِعُ» مُرْسَلاً أو مُعَلَّقاً أومُعْضَلاً، كما يأتي وبعض العامّة يجعل المسند: ما اتصل سنده إلى النبيّ، وعندنا يكون: ما اتصل بالمعصوم، فيخرج الموقوف على غيره إذا جاء بسند متصل، فإنّه لا يُسمّى في العرف مسنداً.
والمتصل ما اتصل سنده بقائله مرفوعاً كان آو موقوفاً.
والأول أضبط وأشهر.
الرابع: المُعَنْعَن: وهو ما يُقال في سنده: «فلان عن فلان» أي من غير بيان للتحديث أو السماع أو الاخبار، والصحيح - عند العامة - أنّه متّصلٌ إذا أمكن اللقاءُ وأمِنَ من التدليس، بأن لا يكون معروفاً به.
وفي اشتراط «ثبوت اللقاء، وطول الصحبة، ومعرفته بالرواية عنه» خلافٌ بين المحدّثين، والأصحّ عدم اشتراط شيء من ذلك، لحمل المسلم على الصحّة، وأما عندنا: فلا شبهة في اتصاله بالشرطين المذكورين .
وقال بعض متأخّري العامّة: قد كثر في زماننا وما قاربه استعمال «عن» في الإجازة. وأمّا عندنا فالذي يظهر أنّه يستعمل في الأعمّ منها ومن القراءة والسماع.
الخامس: المُسَلْسَل: وهو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة تارةً للرواة، وتارةً للرواية. قال الشيخ محيي الدين: أنا أروي ثلاثة أحاديث مسلسلة بالدمشقيّين. وقد اعتنى العامّة بهذا القسم. وقلّ أن يسلم لهم منه شيءٌ إلاّ بتدليس أو تجوّز أو كذب يُزيّنون به مجالسهم وأحوالهم. وهو مع ندرة اتّفاقه عديم الجدوى. وقد نقلنا عنهم منه أنواعاً. كـ«المسلسل بالأوّليّة» و «التشبيك باليد» و «العدّ فيها» و «الضيافة» ونحو ذلك. وقد يكون باتّفاق أسماء الرجال، أو صفاتهم، أو بصفات الرواية كـ«المسلسل بسمعتُ وأخبرنا» و «أخبرنا فلانٌ والله». وقد اعترف نقّادُهم بأنّه لا يكادُ يسلمُ من خلل، حتّى حديث المسلسل بالأوّليّة، تنتهي السلسلةُ فيه يإلى سفيان بن عُيَيْنة، ومَنْ رواهُ مسلس إلى مُنتهاهُ فقد وَهَمَ، كما اعترف به نقّادُهم.
وأمّا علماؤنا ومحدّثونا فهم أجلُّ شأناً وأثقلُ ميزاناً من الاعتناء بمثل ذلك.
السادس: المُضْمَر: وهو: ما يقول فيه الصحابيُّ أو أحدُ أصحاب الأئمّة(عليهم السلام): «سألتُهُ عن كذا؟ فقال كذا» أو «أمرني بكذا» أو ما أشبه ذلك، ولم يُسَمِّ المعصومَ، ولا ذكر ما يدلّ على أنّهُ هُو المرادُ. وهذا القسمُ غيرُ معروف بين العامّة. وكثيراً ما كان يفعله أصحابنا للتقيّة، لعلم المحدَّث (اسم مفعول) بالإمام في ذلك الخطاب. وهو مضعِّف للحديث، لاحتمال أن يكون المراد غيرَ الإمام، وإن كان إرادة الإمام بقرينة المقام أظهر.
السابع: المجهول: وهو: المرويّ عن رجل غير موثّق ولا مجروح ولا يممدوح، أو غير معروف أص، ومنه قولهم: «عن رجل» أو «عمّن حدّثه» أو «عمّن ذكره» أو «عن غير واحد» أو نحو ذلك. وبعض العامّة يخصّه باسم «المنقطِع»، والأوّل أشهرُ وأحسنُ.
وهو قد يكون مجهول الأوّل، أو الوسط، أو الآخر، أو الطرفين، أو مع الوسط أيضاً.
تَنْبِيْهٌ : لو قال: «عن ثقة» أو «عن بعض الثِقات» أو نحو ذلك، وقبلنا توثيق يالواحد من غير ذكر السبب، لم يكن مجهو من هذه الحيثيّة.
وقال بعض العامّة: لا يُجزي ذلك، لأنّه لابدّ من تسمية المعدِّل وتعيينه، لأنّه قد يكون ثقةً عنده، وغيرُه قد اطّلعَ على جرحه بما هو جارحٌ عنده، وإضرابُه عن اسمه مريبٌ في القلوب.
وليس بشيء، إذ الأصلُ عدم ذلك، ومثلُ هذا الاحتمال غيرُ مضرٍّ ولا قادحٌ.
الثامن: المرفوع: وهو: ما أُضيف إلى النبيّ أو أحد الأئمّة(عليهم السلام) من أيّ الأقسام يييكان، متص كان أو منقطِعاً، قو كان أو فع أو تقريراً، وكلّ واحد من هذه الثلاثة إمّا أن يكون صريحاً أو في حكمه، فالأقسام ستّة:
أ ـ المرفوع صريحاً من قولهم، مثل قول الصحابيّ وأصحاب الأئمّة: «سمعتُ رسول الله» أو «الصادق(عليه السلام) يقول كذا» ونحوه.
ب ـ المرفوع من فعلهم صريحاً، مثل «رأيتُهُ يفعل كذا» أو «فعل كذا».
ج ـ المرفوع من تقريرهم صريحاً، مثل «فعلتُ بحضرته كذا» أو «فعل فلانٌ بحضرته كذا» ولم يذكر إنكاراً، ولا كان موضع تقيّة بالنسبة إلى الإمام.
د ـ ما له حكمُ المرفوع من القول، مثل أقوال الصحابة وأصحاب الأئمّة في ما لا مدخل للاجتهاد فيه، كالإخبار عن الجنّة والنار وأحوال يوم القيامة والقبر، والإخبار عمّا يحصل على فعله ثوابٌ مخصوصٌ أو عقابٌ مخصوصٌ، والإخبار عن بدء الخلق، إذا لم يكونوا أخذوه من الكتب القديمة وأقوال المنجّمين، فهذا في حكم قولهم: «قال المعصومُ كذا».
وكذا قولهم: «أُمرنا بكذا» و «نُهينا عن كذا» و «من السنّة كذا» فإنّ الأرجح أنّه ملحق بالمرفوع حكماً.
هـ ـ ما له حكم المرفوع من الفعل، مثل أن يفعلوا ما لا مدخلَ للاجتهاد فيه، كالصلاة بالهيئة المخصوصة.
و ـ ما له حكم المرفوع من التقرير، كأن يخبر الصحابيّ وأصحاب الأئمّة أنّهم كانوا يفعلون في زمن المعصوم كذا، ممّا يبعدُ خفاؤه عنهم، لتوفّر دواعيهم على السؤال عن أمر دينهم، فلا يستمِرُّون على فعل شيء إلاّ وقد علموا به وأقرّوا عليه، أو أمروا به ابتداءاً وإن لم ينقل الأمر.
واعلم أنّه من المرفوع قول الراوي: «يرفَعُهُ» أو «يُنْميهِ» أو «يبلغُ به» إلى النبيّ أو أحد الأئمّة(عليهم السلام)ي فمثل هذا الآنَ يُقالُ له: «مرفوع» وإن كان منقطعاً أو مرس أو يمعلّقاً بالنسبة إلينا الآن. فقول محمّد بن يعقوب ـ مث في الكافي ـ: عليّ بن إبراهيم رفعه إلى أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «طَلَبَةُ العِلمِ ثلاثةٌ...» إلى آخره، كما ننقله في ما يأتي - ييُقال له: «مرفوع» لاتّصاله بالمَعْصُوم، وإن كان مُنْقَطِعاً بل مُعْضَ.
يوأمّا علي بن إبراهيم فإنّه بالنسبة إليه يمكن أن يكون متّص، وكذا بالنسبة إلى يمحمّد بن يعقوب إذا كان علي بن إبراهيم قد رواه إيّاه متّص، ومحمّد بن يعقوب هو الذي حذف السند فقطعه.
التاسع: الموقوف: وهو: المرويّ عن الصحابة أو أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)ي قو ييلهم أو فع، متّص كان أو منقطعاً، صحيحاً أو غيره.
يويستعمل في غيرهم مقيّداً، فيقال: «وقفه فلان على فلان» مث، إذا لم يكن من أصحاب المعصومين. وبعض الناس يُسمّي الموقوف «أَثَراً» كالمقطوع الآتي.
وليس بحجّة وإن صحّ سندُهُ.
واعلم أنّ من الموقوف قول الراوي: «كنّا نقول» أو «نفعل كذا» أو «كانوا لا يرون بأساً بكذا» إذا لم يُضَفْ ذلك إلى زمان المعصوم. أمّا إذا أُضيف فقد يكون مرفوعاً إذا دلّت قرائن الأحوال على أمرهم بذلك أو عدم خفائه عنهم، كما تقدّم.
وقال بعض المحدّثين: تفسيرُ الصحابيّ مرفوعٌ. وهو قريبٌ إذا كان ممّا لا مدخل للاجتهاد فيه، كسبب النزول ونحوه. وإلاّ فهو موقوف.
العاشر: المَقْطُوع:يي وهو: المرويّ عن التابعين قو لهم أو فع.
وأصحابُنا لم يفرِّقوا بينه وبين الموقوف، في ما يظهر من كلامهم.
الحادي عشر: المُنْقَطِع - بِالمعنى الأَعَمّ-: وهو: ما لم يتّصل إسنادُه إلى معصوم على أيّ وجه كان.
وهو ستّةُ أقسام: لأنّ الحذف إمّا من الأوّل، أو من الوسط، أو من الآخر، إمّا واحداً أو أكثر:
الأوّل والثاني: ما حُذف من أوّل إسناده واحدٌ أو أكثرُ: وهو «المُعَلَّق» مأخوذ من تعليق الجدار لقطع الاتّصال فيه. وقد استعمله بعضهم في حذف كلّ الإسناد، كقولهم: «قال النبيّ» أو «قال الصادق كذا» أو «قال ابن عبّاس» وقد ألحقه العامّة بالصحيح، ولا يسمّى عندهم «تعليقاً» إلاّ إذا كان بصيغة الجزم كـ«قال» و «فعل» و «أمر» و «نهى» لا مثل «يُروى» و «يُحكى».
تَنْبِيْهٌ : لا تظنَنَّ ما رواه الشيخ - في التهذيب والاستبصار، عن الحسين بن سعيد ونحوه ممّن لم يلحقهم، وكذا ما رواه في الفقيه، عن أصحاب الأئمّة وغيرهم - معلّقاً. بل هو متّصل من هذه الحيثيّة; لأنّ الرجال الذين بينهم وبين مَنْ رووا عنه معروفةٌ لنا، لذكرهم لها في ضوابط بيّنوها() بحيث لم يَصِرْ فرقٌ بين ذكرهم لهم وعدمه، وإنّما قصدوا الاختصار. نعم إن كان شيءٌ من ذلك غير معروف الواسطة ـ بأن يكون غير مذكور في ضوابطهم ـ فهو معلَّقٌ. وقد رأيتُ منه شيئاً في التهذيب، لكنّه قليلٌ جدّاً.
الثالث والرابع: المنقطعُ بالمعنى الأخصّ، وهو: ما حُذِفَ من وسط إسناده واحدٌ أو أكثر. واعلم أنّ القطع في الإسناد -مطلقاً- قد يكون معلوماً بسهولة، كأن يعلم أنّ الراوي لم يلق من أخبر عنه، وهو الواضح. وقد يكون خفيّاً لا يدركه إلاّ المتضلّع بعلم الرجال ومعرفة مراتبهم، وهو المدلَّس. وقد يقع ذلك من سهو المصنّف أو الكاتب.
الخامس والسادس: المُرْسَلُ والمُعْضَل: وهو: ما رواه عن المعصوم مَنْ لم يُدركه بغير واسطة، أو بواسطة نسيها أو تركها عمداً أو سهواً، أو أبهمها كـ«عن رجل» أو «بعض أصحابنا»، واحداً كان المتروك أو أكثر. وقد اتّفق علماء الطوائف كلّها على يأنّ قول كبراء التابعين «قال رسول الله كذا» أو «فعل كذا» يُسمّى مرس. وبعض العامّة يخصّ «المرسل» بهذا، ويقول: إن سقط قبل النبيّ اثنان فهو منقطع، وإن سقط أكثر فهو معضلٌ،
والمشهور في الفقه وأُصوله أنّ الكلّ يُطلق عليه اسم «المُرْسَل».
وقد اختلف العلماء في الاحتجاج به. فقيل: يحتجّ به، مطلقاً. وقيل: لا، مطلقاً. وقيل يحتجّ به إذا اعتضد بفحوى كتاب أو سنّة مُتَواتِرة، أو عمومهما، أو دليل العقل، يأو كان مقبو بين الأصحاب، أو انضمّ إليه ما يؤكّده، كأن جاء من وجه آخر مسنَداً وإن لم يكن صحيحاً، فيكون له كالشاهد، إذْ لو كان صحيحاً كان العملُ به دون المرسل. أو كان مُرِسِلُه معلومَ التحرّز عن الرواية عن مجروح، ولهذا قبلت الأصحابُ مراسيلَ ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن أبي نصر البَزَنْطيّ، لأنّهم لا يُرْسِلون إلاّ عن ثقة. ولا بأس بذلك وإن كان في تحقّق ذلك نظرٌ. لأنّ مستند العلم:
إن كان استقراء أحاديثه فوُجد أنّها مسندة ـ كما يظهر من كلام أصحابنا، وقد نازعهم صاحبُ البُشرى() ومنع دعواهم ـ فهذا إسنادٌ، ولا بحثَ فيه إذا كان الاستقراء تامّاً. وإلاّ فأشكل.
وإن كانَ حُسْنَ الظنّ، فهو غيرُ كاف شرعاً.
وإن كان استناداً إلى إخباره، فمرجعه إلى شهادته بعدالة الراوي المجهول،
و سيأتي ما فيه.
وليس من المرسل ـ عندنا - ما يُقال فيه: «عن الصادق(عليه السلام) قال قال النبيّ كذا»، بل هو متّصلٌ من هذه الحيثيّة، لما نُبيّنه إن شاء الله تعالى().
ويُعلمُ الإرسالُ بعدم المُلاقاة، ومِن ثَمَّ احْتِيجَ إلى التاريخ.
تتميمٌ: كثيراً ما استعمل قدماءُ المحدّثين منّا ومن العامة قطعَ الأحاديث بالإرسال ونحوه، وهو مكروهٌ، أو حرامٌ إذا كان اختياراً، لا إذا كان لسبب كنسيان ونحوه،
فقد رُوِّيْنا بطرقنا إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عن أحمد ابن محمّد بن خالد، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إذا حَدَّثْتُم بحديث فأسْنِدُوهُ إلى الذي حَدَّثَكُمْ، فإنْ كانَ حقّاً فَلَكُمْ، وإنْ كان كذباً فعليه»().
ورُوِّيْنا عن أبي عبدالله(عليه السلام)أنّه قال: «إيّاكُمْ والكِذْب المُفْتَرَع. قيل له: وما الكِذْبُ المُفْتَرَعُ؟ قال: أنْ يُحُدِّثَكَ الرجلُ بالحديث فَتَتْرُكَهُ، وَتَرْوِيَهُ عن الذي حَدَّثَكَ عَنْهُ»().
الثاني عشر: المُعْضَل:
وهو: من أعْضَلَهُ أي صَعّبه، وهو ما سقط من إسناده اثنان أو أكثر من الوسط، أو الأوّل، أو الآخِر، فهو عبارة عن الثلاثة الأقسام من الستّة المذكورة في المنقطع().
الثالث عشر: الشاذُّ، والنادِرُ، والمُنْكَرُ:
أمّا «الشاذُّ» و «النادِرُ» فهو - عندنا وعند الشافعي -: ما خالف المشهور، وإن كان راويه ثقةً، لا: أنْ يرويَ ما لا يرويه غيره. وقد عمل بعضهم به، كما اتّفق للشيخين في صحيحة زرارة في «مَنْ دخلَ في الصلاة بتيمّم ثمّ أحدث»: أنّه يَتَوَضَّؤُ حيثُ يُصيبُ الماءَ ويبني على الصلاة»() وإن خصّاها بحالة الحدث تأسّياً.
وأمّا «المُنْكَرُ» فما خالف المشهور، وكان راويه غير ثقة.
وقد يُطلق «الشاذُّ» -عندنا خاصّة- على ما لم يعمل بمضمونه العلماءُ، وإنْ صَحَّ إسناده ولم يعارضه غيره أو تكرّر.
وقال بعض العامّة: الشاذُّ ما ليس له إلاّ إسنادٌ واحدٌ، تفرّدَ به ثقةٌ أو غيره. وهو مُشْكِلٌ، فإنّ أكثرَ أحاديثنا وأحاديثهم من هذا القبيل، ولم يُطلِقْ أَحَدٌ عليها اسمَ الشاذّ.
وقد يُطلقُ على الشاذّ اسم «المنكر».
وقال بعض المحدّثين: الشاذُّ هو الفردُ الذي لا يُعرف متنُه من غير راويه.
وفصّل ابنُ الصلاح من العامّة فقال: الحديثُ، إن خالفَ مَنْ تفرّدَ به أحفظُ منه وأضبطُ فشاذّ مردودٌ، وإن لم يُخالَف وهو عدلٌ ضابطٌ فصحيحٌ، وإن رواهُ غيرُ عدل ضابط، لكن لا يبعدُ عنهما، فحسنٌ، وإن بَعُدَ فمنكرٌ().
فالمنكرُ - على هذا-: ما يرويه الضعيفُ مخالِفاً لما رواهُ الناسُ، كما قدّمناه.
واعلم أنّ قول الفقهاء والمحدّثين: «هذا الحديث تفرّدَ به فلان» أو «لم يروه سوى فلان» لا يقتضي ذلك في الحديث شذوذاً ولا نكراً، بل يبقى له حكمه المقرّرُ، وأولى بذلك ما لو قالوا: تفرّدَ به أهلُ الحجاز أو العراق.
تتميمان:
(الأوّل) الشذوذُ قد يكونُ بزيادة لفظة في حديث قد رواه الثقات أو غيرهم ناقصاً. ومذهبُ الجماهير منّا ومن العامّة قبولُ الزيادة مطلقاً، إذا كانت على شرط ما يقبل. وقيل: لا تقبل مطلقاً، وقيل إن رواها غير مَنْ رواه ناقصاً، ولا تقبل ممّن رواه ناقصاً. والمعتمد الأوّل.
(الثاني)يي إذا روى بعض الثقات الحديث مرس، وبعضهم رواه متّص، أو يبعضهم موصو وبعضهم موقوفاً، أو رفعه الراوي الواحد في وقت ووقفه في آخر، أو وصله في وقت وأرسله في آخر، أو نحو ذلك، فالصحيحُ أنّ الحكم للأرفع، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر منه وأقوى، لأنّ ذلك زيادة ثقة، وهي مقبولةٌ.
وقيل: الحكمُ للأدنى، وقيل للأكثر، ومع التساوي، فالأقوى بالضبط ونحوه.
والتحقيق ما قلناه.
يوليس وصلُ الحديث تارةً وإرساله أُخرى -مث- قادحاً في عدالة الراوي أو في الحديث، وقال بعض العامّة: يقدح في عدالته وصلُ ما أرسله الحفّاظُ، وليس بشيء، فيكون لهذا الموصول حكمه من القبول إن جمع شرائطه. وكذا لو رفع ما أوقفوه، لأنّ ذلك كالزيادة، وهي مقبولة بشروطها.
إن قلتَ: الإرسال قادحٌ في الاتصال، وترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل فيقدّم.
قلتُ: الجرحُ إنّما قدّم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة هُنا مع الواصل.
الرابع عشر: الغريب، والعَزِيْز: كلّ مَنْ يَجْمَعُ الحديثَ ويُرْوَى عنه لعدالته وضبطه كالحُسين بن سعيد وابن أبي عُمَيْر، إذا تَفَرَّدَ عنه بالحديث رجلٌ، سُمِّيَ «غَرِيباً»، فإنْ رواه اثنان أو ثلاثة سُمِّيَ «عَزِيْزاً» وإنْ رواه جماعةٌ سُمِّيَ «مشهوراً».
ويدخل في الغريب ما انفرد راويه بزيادة في متنه أو سنده، وقد يكون صحيحاً، وقد يكون غير صحيح.
وهو أيضاً: إمّا أن يكون غريباً متناً وإسناداً، وهو ما انفرد برواية متنه واحدٌ، أو إسناداً لا متناً، كحديث يعرف متنَه جماعةٌ عن رجل، إذا تفرّد واحدٌ برواية متنه عن آخر، ولا يوجد ما هو غريبٌ متناً لا إسناداً، إلاّ إذا اشتهر الحديثُ المفردُ فرواه عمّن تفرّدَ به جماعةٌ كثيرةٌ، فإنّه يصيرُ غريباً مشهوراً، كحديث: «إنّما الأعمالُ بالنيّات»() فإنّ إسناده متّصفٌ بالغرابة في طرفه الأوّل، وبالشهرة في طرفه الآخر.
وكذا سائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف ثمّ اشتهرت.
الخامس عشر: المُعَلَّل:
والعلّةُ عبارةٌ عن سَبَب غامض خفيٍّ مضعِّف للحديث، إمّا في متنه، أو في سنده، مع أنّ ظاهره السلامة، وإنّما يتفطّنُ لها غالباً الماهرُ في فنّ الحديث طرقه ومتونه ومراتب رواته، ويقال للحديث الواقع فيه العلّة: «مُعَلَّل» بفتح اللام، ولحن مَنْ قال «مَعْلُول».
أمّا وقوع العلّة في المتن:
فَكَرِكَّةِ تركيبه، أو مخالفته لقواعد العربية، أو لدليل قاطع، أو بوقوع الاضطراب فيه من الراوي الواحد، فيدلّ على عدم ضبطه وعدم تحقّقه.
وأمّا وقوعه في السَنَد:
فكاشتراك الراوي بين الثقة وغيره، ورواية الراوي عمّن لم يلقه قطعاً، أو مخالفة غيره له في السند مع قرائن أُخرى تنبّهُ الحاذقَ على وَهْم بإرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو إدخال سند في سند، أو نحو ذلك، بحيث يغلبُ على ظنّه الخَلَلُ فيحكمُ بعدم الصحّة أو يتوقّف فيه.
وقد يطلق العلّة على غير ما ذكرنا، ككذب الراوي وغفلته، وقطعه الحديث، وإرساله، ونحو ذلك ممّا يوجب ضعفه.
السادس عشر: المُضْطَرِب: وهو: ما اختلف لفظ راويه، والاضطراب هو الاختلاف. وهو قد يكون في السند، كأن يرويه مرّةً عن ابن أبي عمير، ومرّةً عن محمّد بن مسلم، وقد يكون في المتن كأن يرويه مرّةً بما يخالف المرّة الأُخرى، كخبر: «اعتبار الدم - عند اشتباهه بالقرح - بخروجه من الجانب الأيمن، فيكون حيضاً أو بالعكس» فرواه في الكافي، بالأوّل، وكذا في التهذيب، في كثير من النسخ، وفي بعضها بالثاني().
واختلفت الفتوى في ذلك حتّى من الفقيه الواحد، مع أنّ الاضطراب يمنع من العمل بمضمون الحديث. وربّما قيل بترجيح الثاني، ودفع الاضطراب من حيث عمل الشيخ في النهاية، بمضمونه، لأنّ الشيخ أضبطُ من الكليني، وأعرفُ بوجوه الحديث،
وفيهما - معاً - نَظَرٌ، يعرفه مَنْ وَقَفَ على أحوال الشيخ وطرق فتواه،
وقد يكون ذلك من راو واحد وهو أقبحُ، وقد يكون ذلك من أكثر. وهو يضعف الحديث، للإشعار بعدم الضبط، نعم، إن رجّحت إحدى الروايتين بحفظ راويها وضبطه ونحو ذلك، فالحكم للراجحة، ويخرج بذلك من الاضطراب.
السابع عشر: المَقْلُوب: والقلبُ عبارةٌ عن أن يكون الحديثُ عن راو، فيجعل عن آخر، ليُرغَبَ فيه، كأن يكون عن محمّد بن قيس، فيجعل عن محمّد بن مسلم، وقد يكون في كلّ الطريق، وهو حرامٌ، لتضمّنه الكذب، ومَنْ عُرِفَ به سقطتْ عدالتُهُ().
الثامن عشر: المُدَلَّس: وهو: ما أُخفي عيبُهُ، مأخوذٌ من الدَّلَسِ - بالتحريك - وهو اختلاط الظلام، سُمّيَ بذلك لاشتراكهما في الخفاء، حيث أنّ الراوي لم يصرّحْ بمَنْ حدّثه وأوهم سماعه بالحديث. وهو قسمان: تدليس، الإسناد، وتدليس، الشيوخ. أمّا تدليس، الإسناد: فكأن يروي عمّن عاصرهُ ما لم يسمعه منه مُوهِماً يسماعَهُ، قائ: «قال فلان» أو «عن فلان» بأن يأخذه من كتابه، أو يحدّثه به رجلٌ آخر، وقَصْدُه بذلك الترفُّعُ عن أن يرويه عمّن رواه عنه، أو ترويجُ الحديث وتحسينُه أو علوُّ الإسناد، إمّا بحذف شيخه كما قلناه، أو بحذف رجل ضعيف في أثناء السند، وهو مكروهٌ جدّاً بين أهل الحديث، حتّى قال بعضُهم: مَنْ عُرِفَ به صارَ مجروحاً مردودَ الرواية.
أمّا لو قال: «سمعتُ» أو «حدّثني» وعُلِمَ أنّه لم يسمعْ منه كان ذلك جَرْحاً لا يمحالةَ. ولو احتُمِلَ سماعُه منه لم يحكم عليه بالتدليس، حم للمسلم على الصحّة.
وهذا القسم من التدليس لا يخرجُ عن الأقسام المتقدّمة من «التعليق» و «القطع» و «الإرسال».
ويعلم عدم اللقاء بإخباره عن نفسه بذلك، وبجزم عالم مطّلع عليه، ولا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادة واو، لاحتمال أن يكون ذلك الحديث رُوي بالزيادة، دون غيره، فيكون رُوي مرّةً بواسطة ومرّةً بغيرها.
وأمّا تدليس الشيوخ: فبأن يُسمِّيَ شيخاً أو يكنّيَه أو ينسبَه بما لا يُعْرَف به، لغير ضرورة، وكراهيّته أخفُّ من الأوّل، وسببُ الكراهة فيه توعُّر طريق معرفته. ويختلف الحال في كراهيّته بحسب غرضه، ككون المدلَّس ضعيفاً أو صغيراً أو سمع منه كثيراً فامتنع من تكراره لئلاّ يُسْمَج أو نحو ذلك.
التاسع عشر: المُدْرَج: والإدراج: أن يذكر الراوي حديثاً، ثمّ يُتبعه كلاماً يلنفسه أو لغيره، فيرويه مَنْ بعدَه متّص، فيتوهّم أنّه من الحديث. ويقال للزائد: «مُدْرَج» بفتح الراء، وللحديث «مُدْرَج فيه».ومن أقسام الإدراج أن يكون عنده حديثان بإسنادين فيرويهما بأحدهما، أو يسمع حديثاً من جماعة مختلفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم باتّفاق.
وكلّه حرامٌ، وإنّما يتفطّنُ له الحُذّاقُ. وكثيراً ما يقع عن غير عَمْد، كأن يُلحق الراوي بالحديث تفسيراً أو نحوه، لقصد التوضيح، فيتوهّمه مَنْ بعدَه منه. ومثل هذا يتطّرق في إجازات الكتب كثيراً، وقد وَقَعَ لنا في كتاب التهذيب، مواضعُ، حكمنا فيها بالإدراج، ومواضعُ يغلبُ فيها ذلك، ومواضعُ يُشَكُّ فيها.
وسبب ذلك عدمُ فصل النُّساخ الحديثَ عن غيره بدائرة ونحوها، فإذا وقعَ كلامٌ للمصنِّف مناسبٌ للحديث أوهمَ كونه منه.
المكمِّل للعشرين: المَوْضُوع: وهو شَرُّ الأحاديث، ويَحْرُمُ روايتُهُ مع العلم به، من أيّ الأقسام كانَ، إلاّ مع البيان، ويُعرفُ الوضعُ بإقرار واضعه، أو معنى إقراره، أو ركاكة لفظه، أو قرينةٌ في الواضع أو الموضوع له، كما وضعه الغلاةُ في حقّ عليّ(عليه السلام)وكما وُضِعَ لبني أُميّة من الأحاديث في أنّ الإمامة لهم().
والواضعون أقسام: أعظمهم ضرراً قومٌ ينتسبون إلى الزُهْد، وضعوا أحاديثَ حِسْبَةً في زَعْمهم، فتلقّى الناسُ موضوعاتِهم بالقبول ثِقةً بهم. وجوّزت الكرَّاميِيَّةُ() الوضعَ في الترغيب والترهيب، وهو خلافُ إجماع المسلمين.
ومن الموضُوع الأحاديثُ المرويّة عن أُبيّ بن كَعْب في فضائل القرآن سورةً سورةً، كما ذكره بعضُ العامّة، حتّى ضمّنها أكابرُ المفسّرين تفاسيرهم.
وقد صنّفَ ابنُ الجوزي من العامّة في الموضوعات مجلدات() والحسنُ بن محمّد الصغّاني() «الدُرَّ المُلْتَقَط في تَبْيِين الغَلَط».
ويتبعُ ذلك ألقابٌ أُخرى اصطلحَ عليها أهلُ الرواية:
منها: رواية الأقران: وهي بأن يستوي الراوي والمرويّ عنه في السنّ، أو اللقاء، وهو الأخذ عن المشايخ; كالشيخ والمرتضى، فإنّ الشيخ أخذ عن المرتضى وقرأ عليه مصنّفاته، وكلاهما أخذ عن الشيخ المفيد.
سمّي بذلك; لأنّ أحدهما روى عن قرينه.
ومنها: المُدَبَّج - بضمّ الميم، وفتح الدال المهملة، وتشديد الباء الموحّدة، آخره جيم - وهو: أن يروي كلٌّ من القرينين عن الآخر، مأخوذٌ من ديباجة الوجه، كأن كلاًّ منهما بذلَ ديباجة وجهه للآخر. وهو أخَصّ من الأوّل، وذلك كروايات الصحابة بعضهم عن بعض.
ومنها: رواية الأكابر عن الأصاغر: كرواية الصحابيّ عن التابعيّ. ومن هذا القسم رواية الآباء عن الأبناء، كرواية العبّاس بن عبدالمطلّب، عن ابنه الفضل، أنّ النبيّ جمع بين الصلاتين بالمزدلفة.
ولكنّ الأكثر العكس. ثمّ قد تكون الرواية عن أبيه فقط، وهو كثيرٌ لا يحصر، وقد تتصاعدُ في الأجداد.
أصلٌ ]5[
]في الزيادة والنقصان في الأسانيد [
ينبغي للحاذق التنبّهُ للزيادة في السند والنقص.
يفالزيادةُ أنْ يزيدَ الراوي في أوّل السَنَد أو وَسَطِهِ أو آخِرِهِ رَجُ أو أكثرَ، والمحلُّ مُسْتَغْن عنه، بأنْ يكونَ الراوي قد رَوَى عن شخص بغير واسِطة، فيزيدُ يراوي الحديث بينهما رج أو أكثر.وإنّما يتنبّه له المتفطّنون، وهو - عندنا وعند العامّة - نادر الوقوع، بل لا أعلم أنّي وقفت منه على شيء.
وأمّا النقص: فبأن يروي الرجل عن آخر، معلوم أنّه لم يلحقه أو لحقه ولم يرو يعنه، فيكون الحديث مرس أو منقطعاً. وإنّما يتفطّن له المتضلّع بمعرفة الرجال ومراتبهم ونسبة بعضهم إلى بعض. وقد يقع من سهو الناسخ كثيراً، كما وقع في كثير من التهذيب، فتنبهّنا له وأصلحناه من فهرست الشيخ الطوسي أو من باقي كتب الأحاديث.
وممّا يُعِيْنُ على ذلك معرفةُ أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)واحداً واحداً، ومَنْ لَحِقَ من الرُواة الأئمّةَ ومَنْ لَمْ يلحقه.
وقد صَنَّفَ أصحابُنا في أصحاب الأئمّة كُتُباً ذكروا فيها أصحابَ كلّ إمام ومَنْ لَحِقَ منهم إمامَيْنِ أو أكثر. وكتابُ ابن داوُد(رحمه الله)في الرجال، مُغْن لنا عن جميع ما صُنِّفَ في هذا الفنّ، وإنّما اعتمادُنا الآنَ في ذلك عليه، ومطالعة الفهرست، للشيخ الطوسيّ رحمه الله تعالى تفيدُ في ذلك فائدةً جليلةً، وتفتحُ فيه باباً واسعاً.
أصلٌ ]6[
في الناسخ والمنسوخ
والحديثُ الناسخُ: ما دلّ على رفع حكم شرعيٍّ سابق.
يخرج برفع الحكم الشرعيّ الجديد الذي رفع الإباحة الأصليّة، وبالسابق نحو الاستثناء والشرط.
والمنسوخُ: ما رفع حكمه الشرعيّ بدليل شرعيّ متأخّر عنه، وقيوده ظاهرةٌ من الأوّل.
من المهمّ على الفقيه في الأحاديث معرفةُ ناسخها ومنسوخها، فإنّ كثيراً من الاختلاف فيها وفي الأحكام إنّما نشأ من ذلك.
فقد رُوّيْنا بطرقنا المتّصلة عن محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيّوب الخَزّاز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: قلتُ له: ما بالُ أقوام يَرْوُون عن فلان، عن فلان، عن
رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يُتّهَمون بالكذب، فيجيءُ منكم خلافُه؟ قال: إنّ الحديثَ يُنسخُ كما يُنسخُ القُرآنُ().
ورُوّيْنا عنه، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نَجْران، عن عاصم بن حُمَيْد، عن منصور بن حازِم، قال: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام): أخْبِرني عن أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله)صَدَقُوا عليه أمْ كذبوا؟ قال: بل صَدَقُوا. قلتُ: فما بالُهم اختلفُوا؟ قال: أما تعلم أنّ الرجلَ كان يأتي رسول الله(صلى الله عليه وآله)فيسألُه عن المسألة فيُجِيبُه فيها بالجواب، ثمّ يُجِيبُه بعد ما نسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديثُ بعضُها بعضاً().
ومثل ذلك أيضاً ورد عن عليّ(عليه السلام)().
ثمّ منه ما عُرِفَ بتصريح الرسول كـ«كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور، فزُورُوها»().
ومنه ما يُعلَم بقول الصحابيّ كـ«كان آخِرُ الأمرين من رسول الله تركُ الوضوء ممّا مسّته النارُ»().
ومنه ما عُرِفَ بالتاريخ.
ومنه ما عُرِفَ بدلالة الإجماع. والإجماع لا يَنْسَخُ ولا يُنْسَخُ ولكنّه يدلُّ على ناسخ.
وهذان النوعان لا يوجدان في أحاديث أئمّتنا(عليهم السلام)يأص، لعدم النسخ بعد
رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإنّما هم مثبتون لما استقرَّ عليه الشرعُ، نعم، قد يدلُّ حديثُهم على أنّ بعضَ الأحاديث أو بعض الأحكام المستفادة من السنّة قد نُسِخَتْ، لا أنّها هي بنفسها ناسخةٌ.
أصلٌ ]7[
ومن المهمّ أيضاً على الفقيه والمحدّث معرفةُ «المُصَحَّف» و «المُحَرَّف» وقَلَّ أنْ يتنبهَ له إلاّ الحُذّاقُ. ويكون في الإسناد والمتن،
فمن الإسناد: مثل «بُرَيْد بن معاوية» بالباء المضمومة والراء، ربّما يصحّف بالياء المثنّاة تحت والزاي. و «العوّام بن مراجم» بالراء والجيم، صحّفه بعضُهم بالزاي والحاء.
ومن المتن: نحو حديث زيد بن ثابت: «إنّ النبيّ احْتَجَرَ في المسجد» أي اتّخذ حُجْرةً من حصير يصلّي فيها، صحّفه بعضُهم فقال «احْتَجَمَ» وحديث: «من صام رمضان وأتبعه سِتّاً من شوّال». صحّفه الصُولي «شيئاً» بالمعجمة.
وقد يكون تصحيف سَمْع، كحديث (عاصِم الأحْوَل) حوّله بعضهم فقال: (واصِل الأحْدب).
وكتاب ابن داود، وإيضاح الاشتباه، والخلاصة، للعلاّمة(رحمهم الله) قد تكفّلتْ بأكثر المهمّ من ذلك. ولله الحمد والمنّة.
وقد يكون التصحيفُ في المعنى، كما حكي عن أبي موسى محمّد بن المثنى العَنَزيّ أنّه قال: نحنُ قومٌ لنا شَرَفٌ، نحنُ من عَنَزَة، صلّى إلينا رسولُ الله(صلى الله عليه وآله). يُريد بذلك ما روي «أنّه(صلى الله عليه وآله)صلّى إلى عنزة» وهي حربةٌ تُنْصَبُ بينَ يديه سُتْرةً، فتوهّم أنّه(صلى الله عليه وآله)صلّى إلى قبيلته. وهو تصحيفٌ معنويٌّ عجيبٌ().
أصُولٌ ]ثلاثةٌ[
آدابُ المُحَدِّثين والعُلماء
أصلٌ ]1[
اعلم أنّ الحديث علمٌ شريفٌ جليلٌ، وهو من علوم الآخرة، مَنْ حُرِمَهُ حُرِمَ يخيراً عظيماً، ومن رُزِقَه رُزِقَ فض جسيماً.
قال بعض العلماء: لكلّ دين فُرسان، وفُرسانُ هذا الدين أصحابُ الأسانيد.
وقال بعضهم: ليس في الدنيا مبتدعٌ إلاّ وهو يبغضُ أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجلُ نُزِعَتْ حلاوةُ الحديث من قلبه.وقال بعض الفضلاء: ليس أثقلَ على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سماع الحديث وروايته.
فالواجبُ على مريده وحامله: ملازمةُ التقوى، ومكارم الأخلاق، والتواضع، ومحاسن الشِيَم، وتصحيح النيّة، وتطهير قلبه من نَجَسِ المُباهاة والمُباراة.
فقد رُوّيْنا بطرقنا عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن رِبْعي بن عبدالله، عمّن حدّثه، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: مَنْ طلب العلمَ ليُباهي به العلماءَ أو يُماري به السفهاءَ أو يصرفَ به وجوهَ الناس إليه; فلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ من النار().
ورُوّيْنا بالطرق عنه، عن عليّ بن إبراهيم، رفعه إلى أبي عبدالله(عليه السلام) قال: طلبة العلم ثلاثةٌ، فاعرفوهم بأعيانهم وصفاتهم: صنفٌ يطلبهُ للجهل والمِراء، وصنفٌ يطلبه للاستظهار والحيل، وصنفٌ يطلبه للفقه والعقل:
فصاحب الجهل والمِراء: مؤذ ممار يتعرّضُ للمقال في أندية الرجال يتذاكرُ العلم وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع وتخلّى من الورع، فدقَّ اللهُ من هذا خيشومَهُ وقطعَ منه حيزومَهُ.
وصاحب الاستطالة والحيل: ذو خِبْ ومَلَق، يستطيلُ على مثله من أشباهه، ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوائهم هاضمٌ، ولدينه حاطمٌ، فأعمى اللهُ على هذا خبره، وقطع من العلماء أثره،
وصاحب الفقه والعقل: ذو كآبة وحُزْن وسَهَر، قد تحنّكَ في بُرْنُسِهِ، وقام الليل ييفي حِنْدِسِهِ، يعمل ويخشى وَجِ داعَياً مُشفِقاً مقبِ على شأنه، عارِفاً بأهل زمانه، مستوحشاً من أوثق إخوانه، فشدَّ اللهُ من هذا أركانَهُ، وأعطاهُ يوم القيامة أمانَهُ().
أصلٌ ]2[
]آداب مجالس العلم [
ويُستحبُّ للعالم والمحدّث إذا أرادَ حضور مجلس الدرس أو الحديث أن يتطهّرَ ويتطيّبَ ويلبسَ الثياب البيض النظيفة، ويجلس بوقار، متمكّناً في مجلسه.
وإذا رفع أحدٌ صوتَهُ زَبَرَهُ بما يناسبه، ويُقبل على الحاضرين كلّهم، ويجلس مستدبر القبلة ليستقبلها أصحابُهُ، لأنّهم في الأغلب أكثرُ منه، ويفتح مجلسه ويختمه بحمد الله والصلاة على نبيّه وآله، ودعاء يليقُ بالحال، ولا يسرد الحديث سرداً فيمنع ذلك عن فهمه، وليسْتَنْصِت الناسَ إذا حصل في المجلس لَغَطٌ. وكلّما ذَكَرَ النبيَّ أو أَحَدَ الأئمّة صلّى عليه، وكذا خُلّصُ الصحابة وأصحاب الأئمّة وأكابر العلماء ينبغي التَرَحُّمُ عليهم أو التَرَضِّي عنهم، وإنْ كان عنه عن أبيه ترضّى عنهما.
ويحسن بالُمحَدِّث وغيره الثناءُ على شيخه باللفظ والكتابة بما هو أهله، والدعاء له، ولا بأسَ بذكره بِلَقَب أو وَصْف أو حِرْفة أو أُمٍّ إذا عُرِفَ بها. وإذا روى الحديث عن جماعة قَدَّمَ أَرْجَحَهُم.
وليُنَبِّهْ على صحّة الحديث أو ضدّها، وما فيه من علوٍّ أو فائدة أو ضبط مُشْكِل.
وليتجنّب أن يحدّث بما لا يحتمله عقولُ السامعين، أو ما لا يفهمونه.
فقد رُوّيْنا بأسانيدنا عن محمّد بن يعقوب، عن جماعة من أصحابه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فَضّال، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: ما كلّم النبيّ(صلى الله عليه وآله)العبادَ بكُنْهِ عقله قَطُّ، وقال: «إنّا معاشرَ الأنبياء أُمِرْنا أن نكلّمَ الناسَ على قدر عقولهم»().
ويستحبّ أن يختمَ مجلس الدرس والحديث بحكايات ونوادر وإنشادات تُناسب الحال في الزهد والآداب ومكارم الأخلاق ونحو ذلك.
فقد رُوّيْنا بطرقنا عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البَخْتَري، رفعه، قال: كان أمير المؤمنين(عليه السلام)يقول: رَوِّحُوا أنفسكم ببديع الحكمة، فإنّها تَكِلُّ كما تكلّ الأبدانُ().
أصلٌ ]3[
]في تحديد وقت طلب الحديث وتعلّمه [
وقد اختلف أهلُ السنّة في الوقت الذي يتصدّى فيه لإسماعه وإفادته، فمنعه بعضهم قبل وفور العلم وكمال القوّة، ومنعه بعضهم قبل الأربعين.
وليس بشيء، والحقُّ أنّه متى احتيجَ إلى ما عنده جَلَسَ له، إذا كان قادراً على أدائه بحقّه وشروطه في أيّ سنٍّ كان، ويجب أن يُمسك عنه إذا خشي التخليطَ، بهَرَم أو خَرَف.
نعم الأولى له ألاّ يحدّثَ بحضرة مَنْ هو أولى منه بذلك، لوفُور علمه، وعلوّ سنّه، وحسن ضبطه، إذا كان أِخْذُ الحديث عنه مُتَيَسِّراً، وكانا في بَلَد واحد.
وإذا طُلب منه الحديث، وهناك مَنْ هو أرجح منه; فالأولى له الإرشاد إليه، فإنّ الدين النصيحة.
ولا ينبغي أن يمتنع من بذل الحديث لأحد لكونه غيرَ صحيح النيّة، فإنّه يُرْجى له صحّتها، فقد جاء في الآثار عن بعض العلماء الأخيار أنّه قال: طلبنا العلمَ لغير الله فأبى إلاّ أن يكون لله. وقال بعضهم: فأوصلنا إلى الله.
وليجتهد كلَّ الجهد على نشره، وإذاعته ببذله والترغيب فيه، سيّما في مثل زماننا هذا الذي كادت تندرسُ فيه آثارُ الوحي والنبوّة والأئمّة المعصومين بالكلّية، فإنّ بذل الجهد في إفادته واستفادته في يومنا هذا من أهمّ الواجبات،
وقد رُوّيْنا بطرقنا عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن حازم، عن طلحة بن زيد عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: قرأتُ في كتاب علي(عليه السلام): «إنّ الله لم يأخذْ على الجهّال عهداً بطلب العلم حتّى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجهّال»().
أصُولٌ ]خمسة[
آدابُ طُلاّب العلم والحديث
أصلٌ ]1[
]جملةٌ أخرى من آداب الطالب [
قد قدّمنا من آداب الطالب جملةً، ويجب عليه - أيضاً - تصحيحُ النيّة، والإخلاص لله تعالى في طلبه، والحذر من التوصُّل به إلى أغراض الدنيا.
فقد رُوّيْنا بأسانيدنا إلى محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد الأصفهاني، عن المنقري، عن حفص بن غياث عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «مَنْ أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب»().
ورُوّيْنا عنه عن الحسين بن محمّد بن عامر، عن مُعَلّى بن محمّد، عن الحسن بن علي الوشّاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «مَنْ أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومَنْ أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة»().
ثمّ يسأل الله التوفيق لتحصيله، وليستعمل الأخلاق الحميدة والآداب، ثمّ يُفْرِغ جُهْدَه في تحصيله ويغتنم إمكانه، ويبدأ بالسماع من أعلم وأتقى مَنْ يعلمه من الشيوخ، فإذا استوفى ما عنده أو غرضه منه، طلب مَنْ عنده زيادة في أيّ قُطْر كان مقدّماً الأقربَ فالأقرب، وذلك كانَ يستعمله الصدرُ الأوّل، وأمّا الآن، فقد انحصر أكثر الأحاديث وأهمّها في أُصولناالخمسة() فالواجب الآن كتابتهاوتصحيحها و أصلٌ ]2[
] استعمال العلم [
وينبغي لطالب العلم والحديث أن يستعمل ما يعلمه وما يسمعه من أحاديث العبادات والسنن والآداب، فإنّ زينة العلم العمل، وهو زكاتُهُ وسَبَبٌ لِقَرارِه.
فقد رُوّيْنا بأسانيدنا عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: العلمُ مقرونٌ إلى العمل، فمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل»().
ورُوّيْنا عنه، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عليّ بن محمّد القاشاني، عمّن ذكره، عن عبدالله بن القاسم الجعفري، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «إنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّتْ موعظتُه عن القلوب، كما يزلّ المطرُ عن الصفا»().
وروّينا عنه، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، قال قال لي أبو عبدالله(عليه السلام): «مَنْ تعلّم العلمَ وعملَ به دُعيَ في ملكوت السماوات عظيماً»().
أصلٌ ]3[
] توقير الشيوخ [
وينبغي لطالب العلم والحديث أن يوقّر شيخه ومَنْ يسمع منه كلَّ التوقير، وأن يتأدّبَ معه غايةَ الأدب، فإنّ ذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع والترقّي.
فقد رُوّيْنا عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: «اُطلبوا العلم، وتزيّنوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمَنْ تعلّمونه العلمَ، وتواضعوا لمَنْ طلبتم منه العلمَ، ولا تكونوا علماء جبّارين; فيذهب باطلكم بحقّكم»().
وبالجملة ينبغي أن يتحرّى رضاه ما أمكن، وأن لا يُطَوِّلَ عليه بحيث يُضْجِرَهُ.
فقد رُوّيْنا عن محمّد بن يعقوب، عن علي بن محمّد بن عبدالله، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن سليمان بن جعفر الجعفري، عمّن ذكره عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: كان يقول: «إنّ من حقّ العالم ألاّ تُكثر عليه السؤال، ولا تأخذ بثوبه، وإذا دخلتَ عليه وعنده قوم فسلّم عليهم جميعاً وخُصّه بالتحيّة دونهم، واجلس بين يديه، ولا تجلس خلفه، ولا تغمز بعينك، ولا تشر بيدك، ولا تكثر من قول: «قال فلان وقال فلان» خلافاً لقوله، ولا تضجره بطول صحبته، فإنّما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها حتّى يسقط عليك منها شيء، والعالم أعظمُ أجراً من القائم الغازي في سبيل الله»().
ومن الأدب أن يستشيره في أُموره كلّها، وخصوصاً ما يتعلّق بالتحصيل.
وليحذرَ أنْ يمنعه الحياءُ أو الكِبْرُ من أخذه ممّن هو دُونَه في سِنٍّ أو نَسَب أو غيرهما.
وليصبرْ على جفاء شيخه إذا وَقَعَ، ولْيَكْتُمْ ما عساه يعثرُ عليه من هَفْوَة أو سَهْو، فإنّه لا معصومَ إلاّ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ تعالى.
ولْيَعْتَنِ بالمُهِمّ ممّا يعثَرُ عليه، ولْيَكْتُبْهُ بتمامه ولا يختصرُهُ، ولا يُضيّع وقتَه في ما لا يَعْنِيه، فإنّ العُمُرَ جَوْهَرةٌ نفيسةٌ لا خَلَفَ لها ولا ثَمَنَ.
أصلٌ ]4[
] العناية بالدراية مع الرواية [
ولا ينبغي أن يعتنيَ بالجمع والرِواية، دُونَ معرفته وفهمه ومعرفة ضعفه وصحّته وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجال سَنَده، محقِّقاً كلّ ذلك بحسب الإمكان، معتنِياً بإعراب مُشْكِلِهِ وضَبْطِه من كُتُب اللغة وتَبْيِين غريبِه، وهو ما وقع في متنه من لفظة غريبة غامِضة بعيدة عن الفَهْم لِقِلّة اسْتِعمالِها. وهو فَنّْ مُهِمٌّ اعْتنى به القُدماءُ من الخاصّة والعامّة، وقد أَلَّفَ أبو جَعْفر مُحمّد بن بابَوَيْه(رحمه الله) كتاباً في غريب أحاديث النبيّ والأئمّة(عليهم السلام) وأحسن ما أَلَّفَ العامّةُ فيه كتاب الغريبين، يعني غريبي القرآن والحديث().
ثمّ ينبغي أن يذاكر بمحفوظه ويباحث أهل المعرفة ممّن هو فوقه أو دونه أو مثله ما أمكن، فإنّ حياة العلم مذاكرته، وقلّ أن ينكشف مجلس المباحثة والمذاكرة إلاّ عن فائدة جديدة، ومَنْ مارس عَلِمَ صدقَ ذلك.
وقد رُوّيْنا بأسانيدنا عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «إنّ الله عزّوجلّ يقول: تذاكرُ العالم بين عبادي ممّا تحيى عليه القلوب الميّتة إذا هُمْ انتهوا فيه إلى أمري»().
ورُوّيْنا عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «رحم اللهُ عبداً أحيا العلمَ. قيل: وما إحياؤه؟ قال: أن تذاكرَ به أهلَ الدين وأهل الورع»().
ورُوّيْنا عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عبدالله بن محمّد الحجّال، عن بعض أصحابه، رفعه، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «تذاكروا وتلاقوا وتحدّثوا، فإنّ الحديثَ جلاءُ القلوب، إنّ القلوب ترينُ كما يرينُ السيف»().
وقال بعض الفضلاء:
إذا لم يُذاكرْ ذو العُلُوم بعلمهِ***ولم يستفدْ علماً نسي ما تعلّما
وكم جامع للكتبِ من كلّ مذهب***يزيدُ مع الأيّام في جمعهِ عمى
أصلٌ ]5[
] التصنيف وآدابه [
وإذا تأهّلَ للتصنيف، فليصنّفْ جامعاً للنظائر، مرتّباً للأبواب، ليشتهر بذلك العلم والأحاديث، وليعتن بالشروح، وبيان المشكل، والتفاريع على الأحاديث ما أمكنه من المسائل الفقهيّة، وبيان ما فيه من الفصاحة واللطائف الأدبيّة، فإنّ ذلك بابٌ من أبواب الجهاد في الله تعالى. ثمّ ليتّق اللهَ في رواية ما لم يُرَوّه من الأحاديث، وترك ما يَشُكُّ في صحّته، إلاّ أن يبيّن ذلك.
فقد رُوّيْنا عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن عبدالله بن مُسكان، عن داود بن فَرْقَد، عن أبي سعيد الزُهْريّ عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «الوقوفُ عند الشُبْهة خيرٌ من الاقتحام في الهَلَكة، وتركُكَ حديثاً لم تُرَوِّه خيرٌ من روايتك حديثاً لم تُحْصِه»().
ورُوّيْنا عنه، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عُمَيْر، عن هِشام بن سالم قال: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام): ما حقُّ الله على خلقه؟ فقال: «أن يقولوا ما يعلمون ويكُفُّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدَّوا إلى الله حقّه»().
في كيفيّة سماع الحديث وتحمّله
والذي استقرّ عليه البحثُ بين الخاصّة والعامّة من ذلك ثمانيةُ طُرُق:
الأوّل: سماعُ لفظ الشيخ من حِفظه أو كتاب:
وهو «الإملاء» وهو أرفع الأقسام عند الجماهير، لأنّ الشيخَ أعرفُ بوجوه تأدية الحديث، ولأنّه خليفةُ النبيّ، والأخذ منه كالأخذ منه، والنبيّ قد أسمعَ الناسَ، ولأنّ السامعَ أوعى قلباً، وتَوَزُّعُ الفكر إلى القارىءِ أسرعُ.
ولا خلاف أنّه يجوز للسامع حينئذ أن يقول: «حَدَّثَنا» و «أَخْبَرنا» و «أَنْبَأَنا» و «نَبَّأَنا» و «سمعتُهُ يقولُ» و «قالَ لنا» و «ذَكَرَ لنا» هذا في الصدر الأوّل، ثمّ شاعَ تخصيص «أَخْبَرَنا» بالقراءة على الشيخ و «أَنْبَأَنا» و «نَبَّأَنا» بالإجازة، وقال بعضهم: «حَدَّثَنا» و «أَخْبَرَنا» أرفعُ من «سمعتُ» إذْ ليس في «سمعتُ» دلالةٌ على أنّ الشيخَ رَوَّاهُ إيّاه. وأمّا «قالَ لنا» و «ذَكَرَ لنا» فكـ «حَدَّثَنا» غير أنّه لائقٌ بسماع المُذاكرة، وهو به أشبهُ، وأوضعُ العبارات «قالَ» و «ذَكَرَ» من غير «لي» أو «لنا» لأنّه أعمُّ من كونه سمعه منه بواسطة أو وسائط، لكنّهُ محمولٌ على السماع منه إذا تَحَقَّقَ لقاؤُه.
الثاني: القراءةُ على الشيخ:
ويسمّيها أكثرُ المحدّثين «عَرْضاً» لأنّ القارىء يعرضه على الشيخ، سواءٌ أقرأتَ أم قرأَ غيرُك وأنتَ تسمعُ؟ من كتاب أو حفظ؟ سواءٌ أحفظَ الشيخُ أم لا؟ إذا أمسكَ أصلَه هو أو ثقةٌ ذو بصيرة. وهي روايةٌ صحيحةٌ بلا خلاف، نعم، اختلفوا في مساواتها السماعَ من لفظ الشيخ: فبعضُهم رجّحها، لأنّ الشيخَ يكون أوعى للسماع كما تقدّم في توجيه ترجيح السماع، وبعضُهم رجّحه لما تقدّم، وبعضُهم ساوى بينهما، لتحقّق القراءة في الحالين، وسماع الآخر، وقيام سماع الشيخ مقام قرائته في مراعاة الضبط، وورد به حديث عن ابن عبّاس أنّ النبيّ قال: «قرائتُك على العالم وقراءةُ العالم عليك سواءٌ»().
والأحوط في الرواية بها «قرأتُ على فلان» أو «قُرِىءَ عليه وأنا أسمعُ فأقرَّ به» ثمّ «حَدَّثَنا وأَخْبَرَنا» مقيّداً بقوله «قراءةً عليه» أو مطلقاً على قول بعض، لأنّ إقراره قائمٌ مقام التحديث، وهو جيّدٌ، ومنعَ جماعةٌ فيها «سمعتُ» ومنعت أُخرى «حدّثنا» ولا بأسَ بالمنعين، نعم يجوزُ «أَخْبَرَنا» عند الجماهير والمتأخّرين. ومتى كان الأصلُ بيد غير موثوق به لم يصحّ السماعُ إنْ لم يحفظه الشيخُ.
يوإذا قرأَ على الشيخ قائ: «أخبرك فلانٌ» أو نحوه، والشيخ مُصْغ فاهمٌ غيرُ منكر، صحَّ السماعُ وجازت الروايةُ. ولا يشترطُ نطقُ الشيخ على الأصحّ عند الجمهور، وقال بعضُهم: ليس له أن يقول: «حَدَّثَني» لأنّه كذبٌ، وله أن يعملَ به يوأن يرويه قائ: «قُرِىءَ عليه وهو يَسْمعُ» والحقُّ الأوّلُ، وأنّه يجوز «أَخْبَرَنا» لأنّ القراءةَ عليه والسكوتَ في معرض النقل عنه كالنُطْق، وعدالتُهُ تمنعُ من السكوت عن إنكار ما يُنْسبُ إليه بغير صحّة. وطريقُ العلماء المعروفُ بينهم أن يقولَ في ما سمعه وحدَه من لفظ الشيخ أو شكّ هل كان معه أحد: «حَدَّثَني» ومع غيره: «حَدَّثَنا» وفي ما قَرَأَهُ عليه: «أَخْبَرَني» وفي ما قُرِىءَ بحضرته: «أَخْبَرَنا» ولا يجوز عندهم إبدال كلٍّ من «حَدَّثَنا» و «أَخْبَرَنا» بالآخَر، في الكتب المؤلَّفة. فَرْعٌ: إذا نَسَخَ السامعُ حالَ القراءة من الشيخ أو غيره، قال بعضُهم: لا يصحُّ السماعُ. وهو خلافُ ما عليه الصدرُ الأوّلُ. ولو قيل: إنّه إن فَهِمَ المقروءَ عليه صحَّ وإلاّ فلا; كان ذا وجه. على أنّ الجوازَ - مطلقاً ـ كما عليه الصدرُ الأوّل; أوْجَهُ، إذا أَمِنَ السِقْطَ والتغييرَ، بأن يفوته شيءٌ من المسموع أو يحرّفه، وإلاّ لم يَجُزْ جَزْماً. ويجري هذا الخلافُ في ما لو تَحَدَّثَ الشيخُ أو السامعُ، أو أفرطَ القارىءُ في الإسماع، أو أدْغَمَ بعضَ الكلمات في بعض. والحقُّ أنّه يُعفى عن القليل منه سيّما مثلَ اليوم، والكتبُ مضبوطةٌ معروفةٌ، لكن يشترطُ صحّة النسخة وعدم تغيّر المعنى.
ويستحبّ للشيخ أن يُعِمَّ الإجازةَ لكلّ السامعين برواية ذلك الكتاب، ما قُرِىءَ منه وما لم يُقْرأْ، وإن كَتَبَ لأحدهم كَتَبَ: «سمعه منّي» أو «عليّ» أو «سمع بعضه وأجزتُ له روايته عنّي عن مشايخي بطرقي المتّصلة إلى المصنّف ثمّ منه إلى الأئمّة المعصومين».
فروع:
(الف) لو عَظُمَ مجلسُ الإملاء فبلَّغَ عن الشيخ أو القارىء رجلٌ آخرُ، فذهبَ بعضُهم أنّه يجوزُ لمن سمعَ المبلّغَ أن يرويَ ما بلّغه إيّاه عن الشيخ. وهو حقٌّ إن كان المبلّغُ ثقةً وأَمِنَ التغييرَ بقرائن الحال، وذهب كثير من المحقّقين إلى أنّه لا يجوز.
(ب) يجوزُ السماعُ ممّن وراءَ حجاب إذا عُرِفَ صوتُه، أو أخبرَ به عدلان أو عدلٌ واحدٌ، واعتضدَ بقرائن الأحوال، بحيث أمن التلبيس. وكذا يجوزُ القراءةُ عليه والروايةُ عنه كذلك، ولا يشترطُ علمُ الشيخ بالسامعين فلو أسمعَ مَنْ لم يعلمه بوجه; جازَ، وكذا لو قال: «أخبركم ولا أخبر فلاناً» أو خَصَّ قوماً بالسماع، أو قال بعد السماع: «لا تَرْوِ عنّي» ولم يذكر خَطَأً; جازَت الروايةُ.
(]ج[) إذا قال المسموعُ عنه بعد السماع: «لا تروِ عنّي» أو: «رجعتُ عن إخبارك» أو نحو ذلك، غير مُسْنِد ذلك إلى خَطَأ أو شَكٍّ ونحوهما; لم تمتنع روايتُه.
الثالث: الإجازة:
وهي ـ كما قال الحسين بن فارس ـ مأخوذةٌ من جواز الماء الذي تُسقاهُ الماشيةُ أو الحرثُ، تقولُ: «استجزتُه فأجازني» إذا سقاك ماءاً لماشيتك أو أرضك، وكذا طالبُ العلم يستجيزُ العالمَ فيجيزُه علمَه، فعلى هذا يجوزُ أن يقول: «أجزتُ فلاناً مسموعاتي» و«أجزتُ له رواية مسموعاتي» أو «الكتاب الفلانيّ»
وهي على أضْرُب:
(الأوّل) أن يجيزَ معيّناً لمعيّن، كـ«أجزتُك الكافي» أو «ما اشتمل عليه فهرستي» وهذا أعلى أضربها المجرّدة عن المناولة.
وأعلى منها ومن الإجازة المقرونة بالمناولة: أن يقرأَ عليه حديثاً من أوّل المجاز، وحديثاً من وسطه، وحديثاً من آخره، ثمّ يجيزه ما قَرَأَه وما بقي منه، كما ورد الأمر به عن جعفر الصادق(عليه السلام) فقد رُوّيْنا بأسانيدنا المتّصلة إلى محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، ومحمّد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان قال: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام): يجيئني القومُ، فيسمعون منّي حديثكم فأضجرُ ولا أقوى. قال: «اقرأ عليهم من أوّله حديثاً، ومن وسطه حديثاً، ومن آخره حديثاً»(). والذي استقرّ عليه رأيُ العامّة والخاصّة جوازُ الرواية بإجازة المعيّن للمعيّن،وإن تجرّد عن المناولة والقراءة.
وقال بعضهم:لها حكمُ المرسَل. وهو باطلٌ.
(الثاني) أن يجيز معيّناً غيرَ معيّن، كـ«أجزتُك مسموعاتي» والخلاف فيه أقوى من الأوّل، ولكن الجمهورَ أوجبوا العملَ بها وجوّزوا الروايةَ لكلّ ما ثَبَتَ عنده أنّه سمعه.
(الثالث) أن يجيز معيّناً لغير معيّن، بل بوصف العموم، كـ«أجزتُ هذا الحديث أو كتاب الكافي لكلّ أحد أو لأهل زماني أو لمن أدرك جزءاً من حياتي» وفيه خلاف، والأقوى أنّه كالأوّلين، وقد استعمله أكابر علمائنا().
(الرابع) إجازة غير معيّن لغير معيّن، بل بوصف العموم، كـ«أجزتُ كلّ أحد مسموعاتي» والذي يظهر أنّه جائزٌ أيضاً، ولا شبهةَ أنّه لو لم يكن مع العموم يكـ«أجزتُ رج» أو «رجلين» أو «زيداً» وهو مشتركٌ بين جماعة; لم يَجُزْ، وإن كان المجازُ معيّناً. وكذا لو أجاز غيرَ معيّن لمعيّن كـ«أجزتك كتاب المجالس» وهُناك كُتُبٌ يمتعدّدةٌ، نعم، لو أجازَ رج يعرفه باسمه أو بوجه، أو جماعةً كذلك، جازَ، وإن لم يعرفهم بأعيانهم.
ومن الباطل: «أجزتُ لمن يشاءُ فلانٌ» أو «لمن يشاءُ الإجازة» وبالجملة التعليقُ مبطلٌ على ما يتعارفُه أهلُ الصناعة، ولو كانت في قوّة المطلقة اتّجهَ الجوازُ، مثل «لمن شاء الإجازة» أو «لفلان إن شاء» أو «لك إن شئتَ» لأنّ مقتضى كلّ إجازة تفويضُ الرواية بها إلى مشيئة الُمجاز له، فكانت حكايةَ حال، لا تعليقاً حقيقياً.
(الخامس) إجازةُ المعدوم، كـ«أجزتُ لمن يُولَدُ لفلان» والجمهور منّا ومنهم لم يقبلوها. ولو عطفها على موجود كـ«أجزتُك ومَنْ يُولَدُ لك» أمكنَ جوازُه، وقد فعله جماعةٌ من العلماء.
ويصحّ لغير المميّز من المجانين والأطفال بعد انفصالهم، لا أعلم فيه خلافاً، وقد وجدتُ خطوط جماعة من فضلائنا بالإجازة لأبنائهم عند ولاداتهم، منهم السيّد جمال الدين ابن طاوُس لولده غياث الدين، وشيخُنا الشهيدُ استجاز من أكثر مشايخه بالعراق لأولاده الذين وُلِدوا بالشام قريباً من ولادتهم، وقد رأيتُ خطوطهم له ولهم بالإجازة. وذكر الشيخُ جمالُ الدين أحمدُ بنُ صالح قدّس اللهُ سرّه أنّ السيّد فخّار الموسوي اجتاز بوالده مسافراً إلى الحجّ، قال: فأوقفني والدي بين يدي السيّد فحفظتُ منه أن قال: «ياوَلَدي أجزتُ لك ما يجوزُ لي روايتُه» ثمّ قال: «وستعلمُ في ما بعد حلاوةَ ما خصصتُك به».
يوعلى هذا جرى السلفُ والخلفُ، وكأنّهم رأوا الطفلَ أه لتحمّل هذا النوع ليؤدّي بعد حصول أهليته، حرصاً على توسّع السبيل إلى بقاء الإسناد الذي اختّصتْ به هذه الأُمّة، وتقريبُه من الرسول بعلوّ الإسناد.
وفي الإجازة للحمل قولان: الصحّةُ; نظراً إلى وجوده، والعدمُ; نظراً إلى تمييزه، وقد تقدّم أنّه غيرُ مانع، فيتّجهُ الجواز.
وتصحّ للكافر، وتظهرُ الفائدةُ إذا أسلم، وللفاسق والمبتدع بطريق أولى.
(السادس) إجازةُ ما لم يتحمّله المجيزُ بوجه، ليرويه الُمجازُ له إذا تحمّله الُمجيز، وهي باطلةٌ قطعاً. وأمّا قولهم: «أجزتُ لك ما صحّ أو يصحّ عندك من مسموعاتي» فصحيحٌ يجوز الرواية به، لما صحّ عنده سماعُه له قبلَ الإجازة، لا بعدها، فعلى هذا يجبُ عليه البحث ليعلم أنّه ممّا كان قد تحمّله قبل الإجازة وإلاّ لم يجز له روايته.
(السابع) إجازة الُمجاز، كـ«أجزتُك مجازاتي» وقد منعه بعضهم، والأصحُّ جوازُه، نعم، ينبغي للراوي تأمّلُ ما يرويه بذلك، لئلاّ يروي ما لم يدخل تحتها.
فرعان:
(الأوّلُ) ينبغي للمجيز كتابةً أن يتلفّظَ بها، لتتحقّق الإجازةُ الذي متعلّقه اللفظُ أو الإذنُ، فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة فقد منعَ بعضُهم من ذلك. والصحّة أولى، كما تصحّ الروايةُ بالقراءة على الشيخ، مع أنّه لم يتلفّظْ بما قُرِىءَ عليه، ولتحقّق الإذن والإخبار بالكتابة مع القصد، كما تتحقّق الوكالة بها عند بعضهم، حيث أنّ المقصودَ مجرّد الإباحة، وهي تتحقّقُ بغير اللفظ، كتقديم الطعام إلى الضيف، ورفع الثوب إلى العريان ليلبسه، والأخبار يتوسّع بها في غير اللفظ عرفاً.
(الثاني) لا ينبغي الإجازة ولا يستحسن إلاّ إذا علم المجيزُ ما يُجيزه، وكان الُمجاز له من أهل العلم والصلاحيّة للفهم والرواية، وقد اشترطَ ذلك بعضهم، وليس بمعتَبَر عند الفقهاء والمحدّثين.
الرابع: المناولة:
وهي ضربان: مقرونة بالإجازة، ومجرّدة:
فالمقرونة أعلى أنواع الإجازة مطلقاً.
وأكملُ منها: أن يقرأَ من أوّل المُناوَل حديثاً، ومن أوسطه حديثاً، ومن آخره حديثاً، كما ورد الأمر به عن الصادق(عليه السلام) وقد نقلناه سابقاً()
يومن صورها: أن يدفعَ الشيخُ إلى الطالب أصلَ سماعه أو مقاب به ويقول: «هذا سماعي أو روايتي عن فلان، فاروه عنّي» أو «أجزتُ لك روايته عنّي» ثمّ يُبقيه معه تمليكاً أو لينسخه.
وهي دون السماع; لاشتماله على ضبط الرواية وتفصيلها، بما لا يتّفق في المناولة.وقيل: هي مثله، لتحقّق الضبط من الشيخ.
ومنها: أن يدفع إليه الطالب سماعه فيتأمّله، وهو عارفٌ به، ثمّ يعيدُه إليه ويقولُ: «هُوَ حديثي أو روايتي، فارْوِه عنّي» أو «أجزتُ لك روايتَهُ». وقد سمّى بعضهم هذا: «عَرْضاً» وقد سَبَقَ أنّ القراءةَ عليه تسمّى - أيضاً- عَرْضاً، فليُسَمَّ هذا «عَرْضَ المُناولة» وذاك «عَرْضَ القِراءة» وهذه المناولة كالسماع في القوّة عند الأكثر، والأقوى أنّها مُنْحَطَّةٌ عن السماع والقراءة.
ومنها: أن يُناول الشيخُ الطالبَ سماعَه ويجيزَه له ثمّ يمسكه الشيخُ، وهذا دونَ يما سبق. ويجوزُ روايتُه إذا وَجَدَ الكتابَ أو آخَرَ مقابَ به موثوقاً بموافقته ما تناولتْهُ الإجازةُ.
ولا يظهر في هذه المناولة كثيرُ مزيّة على الإجازة المجرّدة في معيّن، ولكن شيوخَ الحديث يرون لها مزيّةً.
ومنها: أن يأتيَه الطالبُ بكتاب ويقول: «هذا روايتُك فناولنيهِ وأجِزْني روايتَه» فيجيبُه إليه، من غير نَظَر فيه وتحقّق لروايته. وهو غيرُ جائز، إلاّ أن وَثَقَ بخبر الطالب وصدقه وديانته. ولو قال: «حَدِّثْ عنّي بما فيه إنْ كان حديثي، مع براءتي من الغَلَط» كان جائزاً().
الضرب الثاني: المجرّدة: وهي أن يُناوله مقتصِراً على: «هذا سماعي» فلا يجوزُ له الرواية بها على ما صحّحه الفقهاءُ وأصحابُ الأُصول. وقيل بجوازها، وهو غير بعيد، لحصول العلم بكونه مرويّاً له، مع إشعارها بالإذن له في الرواية. ويؤيّده ما رُوّيْناه بأسانيدنا عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، بإسناده عن أحمد بن عمر الحلاّل، قال: قلتُ لأبي الحسن الرضا(عليه السلام): الرجلُ من أصحابنا يُعطيني الكتابَ، ولا يقولُ: «ارْوِه عنّي» يجوزُ لي أن أرويه عنه؟ قال: فقال: «إذا علمتَ أنّ الكتابَ لَهُ فارْوِه عنه»().
ولو صحّت هذه الروايةُ لم يبقَ في المسألة إشكالٌ.
تَنْبِيْهٌ : جوّزَ جماعةٌ إطلاقَ «حَدَّثَنا» و «أَخْبَرَنا» في الرواية بالمُناولة، وهو مقتضى قول من جعلها سماعاً. وحُكي عن بعضهم جوازُهما في الإجازة المجرّدة أيضاً. والصحيحُ المنعُ فيهما منهما، وتخصيصهما بعبارة مُشْعِرة بهما، كـ«حَدَّثَنا إجازةً» أو «مُناولةً» أو «إذْناً» أو «في ما أطلقَ لي روايتَه» وبعض المتأخّرين اصطلحَ على إطلاق «أَنْبَأَنا» في الإجازة، وبعضهم يقول: «أَنْبَأَنا إجازةً» وهو الأجودُ. وقال بعض المحدّثين من العامّة: المعهودُ بين الشيوخ أن يقول ـ في ما عَرَضَ على الشيخ فأجازَهُ شِفاهاً ـ: «أَنْبَأَني».
الخامس: المكاتبة:
وهي أن يكتبَ مسموعَه لغائب أو حاضر، بخطّه أو يأمره لثقة. وهي ضربان: مجرّدة عن الإجازة، ومقرونة بـ«أجزتُك ما كتبتُ إليك» بأن يكتبَ إليه أيضاً ذلك، وهذه في الصحّة والقوّة كالمناولة المقرونة بالإجازة. وأمّا المجرّدة فمنع الرواية بها قومٌ، لأنّ الكتابةَ لا تقتضي الإجازةَ، لأنّها إخبارٌ أو إذنٌ، وكلاهما لفظيٌّ، والكتابةُ ليست لفظاً، ولأنّ الخطوطَ تشتبهُ، فلا يجوزُ الاعتمادُ عليها. وأجازها الأكثرُ، ولهذا يُوجدُ في مصنّفاتهم: «كَتَبَ إليّ فلانٌ قال: حدّثنا فلان» وهو معمولٌ به عندهم، معدودٌ في الموصول، لإشعاره بمعنى الإجازة وإن لم يقترنْ بها لفظاً، ولأنّ الكتابةَ للشخص المعيّن وإرساله إليه قرينةٌ قويّةٌ على الإجازة للمكتوب، وقد تقدّمَ أنّ الإخبار لا ينحصرُ في اللفظ، ولهذا يكتفى في الفتوى بالكتابة، مع أنّ الأمرَ في الفتوى أخطرُ. ويكفي في ذلك معرفةُ خطّ الكاتب، وقد وقع للأئمّة(عليهم السلام) من ذلك الكثيرُ الذي لا يُنكرُ، مثل: «كَتَبْتُ إليه، فكَتَبَ إليّ» و «قَرَأْتُ خطّهُ وأنا أعرفُهُ» ولم يَنْكُرْ أحدٌ منّا جوازَ العمل به، ولولا ذلك كانت مكاتباتُهم وكتاباتُهم عَبَثاً. وشَرَطَ بعضهم البيّنةَ، وهو ضعيفٌ، إذْ هو غيرُ معروف، والاعتمادُ في ذلك على الظنّ الغالب، وهو حاصلٌ مع معرفة الخطّ وأمْن التزوير.
وطريقُ الرواية بها: «كَتَبَ إليّ فلانٌ» أو «أَخْبَرَنا مكاتبةً» أو «كتابةً»، ولا يجوزُ إطلاق: «حَدَّثَنا» و «أَخْبَرَنا» مجرّدَيْنِ، ليتميّزَ عن السماع وشبهه، وإن جوّزَهما كثيرٌ من المحدّثين.
وإذا صحّت المكاتبةُ فهي أنزلُ من السماع، فيرجّحُ ما رُوِيَ به عليها، مع تساويهما في الصحّة، وكيف كان فـ«أخبرنا» هنا أقربُ من «حدّثنا» لأنّها إخبار في المعنى، وقد أطلق الإخبار لغةً على ما هو أعمُّ من اللفظ، كما قيل:
* وتُخْبِرُني العينانِ والقلبُ كاتِمُ *
السادس: الإعلام:
وهو أن يُعْلِمَ الشيخُ الطالبَ أنّ هذا الحديثَ أو الكتابَ سماعه، مقتصراً عليه. وقد أوجبَ الكلُّ العملَ به إذا صحَّ سندُه، وجوّزَ الروايةَ به كثيرٌ من علماء الحديث، يتنزي له منزلةَ القراءة على الشيخ، فإنّه إذا قَرَأَ عليه، وأقَرَّ بأنّه روايتُه عن فلان، جازَ له روايتُه عنه، وإن لم يسمعه من لفظه، ولم يقلْ له: «ارْوِه عنّي» أو «أَذِنْتُ لك يروايتَه عنّي» وتنزي للإعْلام منزلةَ مَنْ سَمِعَ غيرَه يُقِرُّ بشيء، فَلَهُ أن يشهدَ عليه به، وإنْ لم يُشْهِدْهُ، بل وإنْ نهاهُ، وكذا لو سَمِعَ شاهداً يَشْهَدُ بشيء، فإنّه يصيرُ شاهدَ فرع وإن لم يستشهده، ولأنّه يُشْعِرُ بإجازته له، كما مرّ في الكتابة.
ومنعها بعضهم، لعدم وجود ما يحصلُ به الإذنُ، ومنع الإشعار به بخلاف الكتابة إليه. ويؤيّدُ الأوّلَ ما رُوّيْناه عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)سابقاً، وما نرويه عن أبي جعفر الثاني(عليه السلام)في ما يأتي.
السابع: الوصيّة:
وهو أن يُوصي عند سفره أو موته بكتاب يرويه فلانٌ بعد موته. وقد جوّزَ بعضُ السلف للموصى له روايته، لأنّ فيه نوعاً من الإذن، وشَبَهاً من العَرْض والمُناولة. ومنعه بعضهم، لبُعده عن الإذن. ولا بأسَ به، إذْ هو تعليق.
الثامن: الوِجادة:
وهو مصدرٌ لوَجَدَ، مولَّدٌ غيرُ مسموع من العرب، وهي: أن يقفَ الإنسانُ على أحاديث، بخطِّ راويها أو في كتابِهِ المرويِّ له، معاصِراً كان أو لا، يرويها الواجدُ، فله أن يقول: «وجدتُ» أو «قرأتُ بخطّ فلان» أو «في كتابه: حَدَّثَنا فلان» ويسوق الإسناد والمتن. هذا هو الذي استمرَّ عليه العملُ حديثاً وقديماً، وهو من باب المنقطع، وفيه شوبُ اتّصال يجوزُ العمل به عند كثير من المحقّقين، عند حصول الثقة بأنّه خطّ المذكور أو روايته، وإلاّ قال: «بَلَغَني عنه» أو «وَجَدْتُ في كتاب أخبرني فلان أنّه خطّ فلان» أو «روايته» أو «أظنُّ أنّه خطّه» أو «روايته»، لوجود آثار روايته له بالبلاغ ونحوه. ومنع أكثرُ العامّة من العمل بها مع تحقّق أنّها روايته، لأنّه لم يُحدَّثْ بها لفظاً ولا معنىً.
ويؤيّد الأوّلَ ما رُوّيْناه بطرقنا المتكثّرة عن محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن بن أبي خالد شَيْنوله قال: قلتُ لأبي جعفرالثاني(عليه السلام): جعلت فداك، إنّ مشايخنا رَوَوْا عن أبي جعفر وأبي عبدالله(عليهما السلام) وكانت التقيّةُ شديدةً، فكتمُوا كُتُبَهُم، فلم تُرْوَ عنهم، فلمّا ماتُوا صارَت الكتبُ إلينا. فقال: «حَدِّثُوا بها، فإنَّها حَقٌّ»().
وإذا وجد حديثاً في تأليف شخص، قال: «ذكر فلانٌ» وهذا منقطعٌ، لا شوبَ فيه، وذلك إذا لم يعلم أنّه رواه، وإلاّ فهو كالأوّل، هذا إذا وثقَ بأنّه خطّه، وإلاّ، فليقل: «بَلَغَني عن فلان» أو «قرأتُ في كتاب أخبرني فلانٌ أنّه بخطّه» أو «أظنُّ أنّه خطّه» أو «ذَكَرَ كاتبُه أنّه خطّه» أو «تصنيفُ فلان».
وإذا نقل من تصنيف فلا يقول: «قالَ فلان» إلاّ إذا وثقَ بصحّة النسخة، وإلاّ فليقل: «بَلَغَني عن فلان» أو «وَجَدْتُ في نسخة من كتاب» ونحوه، وقد تسامح الناس في هذه الأزمان بالجزم في ذلك من غير تَحَرٍّ، فإن كان الناقلُ مُتْقِناً، لا يخفى عليه غالباً الساقطُ والمغيَّرُ، رجونا جوازَ الجزم له. وإلى هذا استروح المصنّفون في كتبهم.
أصلٌ
في الإسْناد العالي والنازِل
قال بعض العلماء: إنّ الإسناد من خواصّ هذه الأُمّة. واعلم أنّ طلب العُلُوّ فيه سُنّةٌ مؤكّدةٌ، وهو ممّا عظمت رغبةُ المتقدّمين والمتأخّرين فيه، لأنّه أقلُّ كلفةً وأبعدُ عن الخطأ وأقربُ إلى الصحّة، لأنّه إذا طالَ السندُ كَثُرَتْ مظانّ التحذير، وإذا قلّ قلّت. وقد يتّفق في النزول مزيّةٌ ليست في العُلُوّ، كأن يكون راويه أوثقَ أو أحفظَ، أو الاتّصال فيه أظهرَ للتصريح فيه باللقاء، واشتمال العالي على ما يحتمل فيه اللقاء وعدمه كـ«عن فلان» فيكون النزول أولى.
والعُلُوّ أقسام:
أجلّها: القربُ من المعصوم بإسناد صحيح نظيف.
الثاني: القرب إلى إمام من أئمّة الحديث وإن بُعد بعد ذلك().
الثالث: العُلُوّ بالنسبة إلى رواية أحد الأُصول الخمسة أو غيرها من الأُصول المعتبرة، وقد اعتنى به المتقدّمون والمتأخّرون،
وهو: إمّا بالموافقة، أو الإبدال، أو المساواة، أو المصافحة:
فالمُوافقة:
يأن يقع لك حديثٌ عن شيخ محمّد بن يعقوب ـ مث ـ بطريق من غير جهته، بعدد أقلّ من عددك إذا رويتَه عن محمّد بن يعقوب عنه.
وأمّا البَدَل:
فهو أن يقع هذا العُلُوّ عن مثل شيخ محمّد بن يعقوب، وهو في الحقيقة مُوافقةٌ بالنسبة إلى شيخ شيخ محمّد.
وأمّا المُساواة:
فهي قلّة عدد إسنادك، بحيث يقع ـ بينك وبين المعصوم، أو أحد أصحابه، أو يمن أخذ عن أصحابه من العدد ـ مثلُ ما وقع بين الشيخ الطوسيّ ـ مث ـ وبينه. يوهذا النوع لا يقع في عصرنا، أص.
وكذا المُصافَحَة:
وهي أن تقع هذه المساواة لشيخك، فيكون كأنّك صافحت الشيخ الطوسيّ فأخذت عنه، فإنّها - أيضاً - في زماننا مستحيلة.
يوهذا العُلُوّ تابع للنزول، فلو لم ينزل الشيخ الطوسيّ ـ مث ـ لم تعلُ أنت.
الرابع: العُلُوّ بتقدّم وفاة، فما ترويه عمّن تقدّمت وفاته أعليى().
الخامس: العُلُوّ بتقدّم السماع، وهو أن يسمع شخصان من شيخ، وسماعُ أحدهما أقدمُ. فهو أعلى، وإن تساوى العدد.
وأمّا النُزُوْل:
فهو ضدّ العُلُوّ في الأقسام الأربعة، وهو مفضولٌ، وقد فضّله بعضهم إذا تميّز بفائدة، كأن كانت حالُ الشيخ في الآخَر أحسنُ، ولا بأسَ به.
أُصولٌ]خمسةٌ[
في كيفيّة رواية الحديث
أصلٌ ]1[
]حكم كتابة الحديث بين الإفراط والتفريط[
قد شدّد قومٌ في الرواية وأفرطوا وقالوا: لا حجّةَ إلاّ في ما يُروى من الحفظ، وهو عَنَتٌ بَيِّنٌ، بغير نفع ظاهر، بل ربّما كان أضرَّ وأقبحَ، لأنّ الحفظ لصعوبته وعُسره يلزم منه الحَرَجُ وتضييقُ الرواية وتقليلُها، مع أنّه يتطرّقُ إليه النسيانُ والشكُّ والوهمُ، وذلك لا يتأتّى في الكتابة.
والكتابة - وإن تطرّقَ إليها التزويرُ - لكنّه شيءٌ نادرُ الوقوع، ومع ذلك لا يكادُ يخفى. وقال بعضهم: تجوزُ الروايةُ من الكتاب إلاّ إذا خرجَ من اليد. وتساهلَ بعضهم فجوّزَ الروايةَ من الكتب التي لم تقابَل، وهذا تفريطٌ لا يجوّزه ذو مِسْكة بدينه. والذي يعتمدُه علماؤُنا ومحدّثُونا وأكثرُ علماء العامّة جوازُ كتابتها والرواية منها، إذا قامَ الراوي ـ في الأخذ والتحمّل ـ بما تقدّمَ من الشروط، فيجوزُ حينئذ الروايةُ من أصله، إذا كانَ مصحَّحاً، مأمونَ التزوير، وإن أعاره أو غاب عن يده، لأنّ التغييرَ نادرُ الوقوع، ولا يكادُ يخفى.
وقد ورد الأمر من أئمّتنا(عليهم السلام) بكتابة العُلُوم كلّها، والحَضُّ عليها، ولا شُبهةَ أنّ الأحاديث من أجلّها وأهمّها.
فقد رُوّيْنا بطرقنا عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد بن عبدالله، عن أحمد ابن محمّد، عن أبي أيّوب المدني، عن ابن أبي عُمَير، عن حسين الأحمسي، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: «القلبُ يتّكلُ على الكتابة»().
وعنه، عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن علي الوشّاء، عن عاصم بن حُمَيْد، عن أبي بَصير، قال: سمعتُ أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: «اكتبوا فإنّكم لا تَحْفَظُون حتّى تكتبوا»().
وعنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ابن بُكَيْر، عن عُبَيْد بن زُرارة، قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام): «احْتَفِظُوا بكُتُبكم فإنّكم سَوْفَ تحْتاجُون إليها»().
وعنه، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد البَرْقي، عن بعض أصحابه، عن أبي سعيد الخَيْبَري، عن المُفَضَّل بن عُمَر، قال: قال لي أبو عبدالله(عليه السلام): «اُكْتُبْ وبُثَّ علمَك في إِخْوانك، فإنْ مُتَّ فأَوْرِثْ كُتُبَكَ بَنِيْكَ، فإنّهُ يأتي على الناسِ زَمانٌ هَرْجٌ لا يأْنَسُون فيه إلاّ بكُتُبِهم»().
ولا شبهة أنّ كتابتها في زماننا هذا واجبةٌ، كما تقدّم بيانُه().
فُرُوعٌ:
(الأوّل) إذا وجد المحدّثُ في كتابه خلافَ حفظه، فإن كان حفظُه منهُ; رجعَ إليه، قطعاً، وإن كان من فَمِ الشيخ; اعتمدَ حفظَه إن لم يَشُكَّ، وحَسَنٌ أن يجمعَهما فيقول: «حِفْظي كذا، وفي كتابي كذا» وكذا إن كان حفظُه من نُسخة مأمونة معتمدة.
وإن خالفه غيرُه; قال: «حفظي كذا وقال فيه غيري كذا» وكذا إن وَجَدَ في نسخة أُخرى مثل نُسخته في الصحّة قال: «في نسختي كذا وفي نسخة فلان كذا».
(الثاني) لو وجدَ حديثاً في كتابه الذي سمعه كلّه، ولم يذكر الحديثَ، فقد ذهب بعض المحدّثين إلى أنّه لا يجوزُ له روايتَه، والصحيح جوازُها إذا كان الخطُّ موثوقاً به، والكتابُ مضموناً يغلبُ على الظنّ السلامةُ من التغيير، بحيثُ تسكنُ إليه نفسُه، وإلاّ لم يَجُزْ.
(الثالث) إذا أرادَ الروايةَ من نُسخة ليس فيها سماعُه، ولا هي مقابَلَةٌ بما قد سمعه، ولكنّها سُمِعَتْ على شيخه أو صُحِّحَتْ، وهو قد سمعَ الأحاديثَ من غير هذه النسخة، أو له بهذه الأحاديث أو هذا الكتاب إجازةٌ; يجوزُ أن يروي منها، إذا عرفَ أنّ هذه الأحاديثَ هي التي سمعها أو استجازها، وسَكَنَتْ نفسُه إلى صحّتها وسلامتها، ويجوزُ حينئذ أن يقول: «حَدَّثَنا» و «أَخْبَرَنا» بغير قيد، إن كان قد سمعَ الأحاديث، أو يُقيّدُ ذلك بقوله «إجازةً» إن كان استجازها.
(الرابع) الضريرُ، إذا لم يحفظ ما سمعه، واستعان بثقة في ضبطه، وحفظ كتابه واحتاط عند القراءة عليه، بحيثُ يغلبُ على ظنّه سلامتُه من التغيير، صَحَّتْ روايتُه والروايةُ عنه. وكذا الأُمّيّ الذي لا يُحْسِنُ الكتابةَ.
(الخامس) يُستَحَبُّ للراوي أن يقدّمَ الإسنادَ، كما هو المتعارفُ، ثمّ يوردُ الحديثَ، فإذا أرادَ النقلَ في أثناء المتن إلى حديث آخر قال: «الخَبَرُ» أو «الخَبَرُ بتمامه» ويكره أن يتعمّدَ تغيير صورة المتن، والاختصار منه، وإبدال لفظ بمرادفه للعالم بمدلولات الألفاظ، كما يأتي. وقيل بتحريم ذلك().
أصلٌ ]2[
] الرواية بالمعنى [
وإذا لم يكن المحدّث عالماً بحقائق الألفاظ ومَجَازاتِها ومنطُوقها ومفهومها ومقاصدها، خبيراً بما يُحِيْلُ معانيها، لم يَجُزْ له الروايةُ بالمعنى، بغير خلاف، بل يتعيّن اللفظُ الذي سمعه إذا تَحَقَّقَهُ، وإلاّ لم يَجُزْ له الروايةُ. وأمّا إذا كان عالماً بذلك; فقد قال طائفةٌ من العلماء: لا يجوزُ إلاّ باللفظ أيضاً، وجوّزَ بعضهم في غير حديث النبيّ، فقط، قال: لأنّه أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بالضاد، وفي تراكيبه أسرارٌ ودقائقُ لا يُوقَفُ عليها إلاّ بها كما هي، لأنّ لكلّ تركيب معنىً بحسب الوصل والفصل والتقديم والتأخير وغير ذلك، لو لم يُراعَ ذلك لَذَهَبَتْ مقاصدُها، بل لكلّ كلمة مع صاحبتها خاصيةٌ مستقلّةٌ كالتخصيص، والاهتمام وغيرهما، وكذا الألفاظ المشتركةُ والمترادفةُ، ولو وُضِعَ كلٌّ موضعَ الآخَرِ لفاتَ المعنى المقصودُ، ومن ثَمَّ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): «نَضَّرَ اللهُ عبداً سَمِعَ مقالتي وحَفِظَها ووعاها وأدّاها، فَرُبَّ حامل فقه غيرِ فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفقهُ منهُ»() وكفى هذا الحديث شاهداً بصدق ذلك.
والحقُّ أنّ كلَّ ذلك خارجٌ عن موضوع البحث، لأنّا إنّما جوّزنا لمَنْ يفهمُ الألفاظَ، ويعرفُ خواصّها ومقاصدَها، ويعلمُ عدمَ اختلال المراد بها، في ما أدّاهُ.
وقد ذهب جمهورُ السَلَف والخَلَف - من الطوائف كلّها - إلى جواز الرواية بالمعنى، إذا قَطَعَ بأداء المعنى بعينه، لأنّه من المعلوم أنّ الصحابةَ وأصحابَ الأئمّة ما كانوا يكتبون الأحاديث عند سماعها().ويبعدُ - بل يستحيل عادةً - حفظُهم جميعَ الألفاظ، على ما هي عليه، وقد سمعوها مرّةً واحدةً، خصوصاً في الأحاديث الطويلة، مَعَ تطاوُل الأزمنة()،ولهذا كثيراًمّا يُروى عنهم المعنى الواحدُ بألفاظ مختلفة، كما لا يُنْكَرُ. ولما رُوّيْناهُ بطرقنا عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي عُمَيْر، عن ابن أُذَيْنة، عن محمّد بن مسلم قال: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام): أسمعُ الحديث منك فأزيدُ وأنقصُ. قال: «إن كنتَ تُريدُ معانيَه، فلا بأسَ»().
ورُوّيْنا بالسند المذكور عن محمّد بن الحسين، عن ابن سنان، عن داود بن فرقد، قال: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام): إنّي أسمعُ الكلامَ منك فأُريدُ أن أرويَه كما سمعتُه منك فلا يجيءُ. قال: «فتتعمّدُ ذلك؟» قلتُ: لا. قال: «تريدُ المعاني؟» قلتُ: نعم. قال: فلا بأس»().
نعم، لا مريّةَ أنّ روايتَه بلفظه أولى على كلّ حال، ولهذا قدّمَ الفُقَهاء المروىّ بلفظه على المرويّ بمعناه.
وقد رُوّيْنا بطرقنا عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عُمَيْر، عن منصور بن يونس، عن أبي بَصير، قال: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام): قولُ الله جلّ ثناؤُه: (الذينَ يَسْتَمِعُونَ القولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)]سورة الزمر(39)الآية18[. قال: «هُو الرجلُ يسمعُ الحديثَ فيُحدّثُ به كما سَمِعَهُ لا يَزِيدُ فيه
ولا يَنْقُصُ منه»().
وبالغَ بعضُهم فقال: لا يجوزُ تغييرُ «قال النبيّ» إلى «قال رسولُ الله» ولا عكسه. وهو عَنَتٌ بَيِّنٌ، بغير ثَمَرة.
وقد رُوّيْنا بأسانيدنا عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، والقاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بَصير، قال: قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام): الحديثُ أسمعُه منك أرويهِ عن أبيك، أو أسمعُه من أبيك أرويهِ عنك؟ قال: «سواءٌ، إلاّ أنّك ترويهِ عن أبي أَحَبُّ إليَّ».
وقال أبو عبدالله(عليه السلام) لجميل: «ما سمعتَهُ منّي فارْوِه عن أبي»().
ورُوّيْنا بطرقنا عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد، عن عُمَر بن عبد العزيز، عن هشام بن سالم، وحمّاد بن عثمان وغيره، قالوا: سمعنا أبا عبدالله(عليه السلام) يقول: «حديثي حديثُ أبي، وحديثُ أبي حديثُ جدّي، وحديثُ جدّي حديثُ الحسين، وحديثُ الحسين حديثُ الحسن، وحديثُ الحسن حديثُ أمير المؤمنين، وحديثُ أمير المؤمنين حديثُ رسول الله، وحديثُ رسول الله قولُ الله عزّوجلّ»().
ورُوّيْنا بأسانيدنا عنه، عن عليّ، عن محمّد بن عيسى، عن قتيبة قال: سأل رجلٌ أبا عبدالله(عليه السلام) عن مسألة فأجابَهُ فيها. قال الرجلُ: أرأيتَ إن كان كذا وكذا ما كان يكونُ القولُ فيها. فقال له: «مَهْ، ما أجبتُك فيه من شيء فهو عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لَسْنا() من (أَرَأَيْتَ) في شيء»().
فهذه الأحاديثُ تدلُّ على جواز أن يُنسب الحديثُ المرويُّ عن أحد الأئمّة إلى كلّ واحد منهم، وإلى النبي(صلى الله عليه وآله) وهذا أبلغُ من الإتيان باللقب موضعَ الاسم، أو موضعَ الكنية، ومن وضع الألقاب بعضها موضعَ بعض. والذي يظهرُ لي أنّ ذلك، إنّما يجوزُ إذا لم يتضمّن كذباً، فإذا رُوّيْنا حديثاً عن جعفر الصادق(عليه السلام) جازَ أن نقول -على مقتضى هذه الأحاديث :«عن رسول الله كذا» أو «قالَ كذا»، لا مثل «حَدَّثَني» و «سَمِعْتُهُ يقولُ»().
فروعٌ:
(الف) اختلفوا في رواية بعض الحديث، إذا كان تامّ المعنى، فمنعه بعضهم بناءاً على منع الرواية بالمعنى. والحقّ جوازه، إذا كان ما تركه غيرَ متعلِّق بما رواه، بحيث لا يختلُّ البيانُ، ولا تختلفُ الدلالةُ بتركه، سواءٌ اًجوّزناها بالمعنى أم لا؟
أمّا تقطيعُ المصنّفين الحديثَ في الأبواب، بحسب المواضع المناسبة، فأولى بالجواز، وقد استعملوه كثيراً، وما أظنُّ له مانعاً.
(ب) إذا كان عنده الحديثُ عن اثنين أو أكثر، والسندُ الباقي متّفقٌ، والحديثُ متّفقُ المعنى مختلفُ اللفظ، فلهُ جمعُهما في الإسناد، ثُمَّ يسوقُ الحديثَ بلفظ أحدهما فيقولُ: «أخبرنا فلانٌ وفلانٌ، واللفظُ لفلان» أو نحو ذلك.
ولو كان السندُ كلُّه مختلفاً ساقَ السندَ الواحدَ برجاله، ثُمَّ أتى باللفظ المختّص بذلك السند، ثُمَّ يسوقُ السندَ الآخَرَ ويقولُ: «نحوه» وإن كان لفظُ المتن - أيضاً - متّفقاً، قال «مثله».
(ج) ينبغي للراوي بالمعنى أن يقول بعده: «أو كما قال» أو: «شبه هذا» أو نحو ذلك، ليحترز عن الكذب. وكذا إذا اشتبه على القارىء كلمةٌ، فحَسَنٌ أن يقولَ - بعد قراءتها-: «على الشكّ» أو: «على الظاهر» أو نحو ذلك، ليتضمّن ذلك إجازةً وإذناً من الشيخ للراوي لألفاظ الحديث إذا وقف عليها، وللصواب في المشتبه إذا ظهر، كما قاله بعضهم.
(د) نقل المعنى إنّما جوّزوه في غير المصنَّفات، أمّا المصنَّفات فلا يجوزُ حكايتُها ونقلُها بالمعنى، ولا تغيير شيء منها على ما هو المُتعارَف، وقد صرّحَ به كثيرٌ من الفضلاء.
أصلٌ ]3[
] معالجةُ اللحْن والتَصْحيف [
لا ينبغي أن يُروى الحديثُ بقراءة لحّان ولا مصحِّف، وعلى طالبه أن يتعلّمَ من النحو والعربيّة ما يسلمُ به من اللحن.
قال الأصمعيّ: إنّ أخوفَ ما أخافُ على طالب الحديث - إذا لم يعرف النحو - أن يدخل في جملة قول النبيّ(صلى الله عليه وآله): «من كَذِبَ عليَّ متعمِّداً فلْيَتَبَوّأْ مقعدَه من النار» لأنّه صلّى الله عليه لم يكن يلحنْ، فمهما رويتَ عنه ولحنتَ فيه كذبتَ به عليه.
وطريقُ السلامة من التصحيف والتحريف: الأخذُ من أفواه الرجال.
وإذا وقعَ في رواية ما هو معلومُ اللحن أو التحريف; وَجَبَ أن يُصلحَه، وأن يرويَه على الصواب، ومنعَه بعضهم فقال: يرويه كما سمعه، ويُبيّنَ أنّ الصوابَ كذا. وهو تطويلٌ بغير طائل، وكتابتُه كذلك إغراءٌ بالجهل، سيّما وقد جوّزنا الرواية بالمعنى. والصواب إصلاحُه في كتابه أيضاً إذا تَحَقَّقَ المقصودَ، ولم يكن فيه احتمالٌ، وإلاّ تَرَكَهُ على حاله مع التَضْبِيب عليه() وبيان الصواب على الحاشية، ثمّ يقرؤُه - عند الرواية - على الصواب. ولو قال: «وفي روايتي كذا» لم يكن به بأسٌ. ولو رآه صواباً في حديث آخر أو نسخة أُخرى، وإن لم تكن مرويّةً له، وَجَبَ الإصلاحُ على كلّ حال، لتأكُّد القرينةُ في العلم بذلك، خصوصاً إذا غَلَبَ على ظنّه أنّه من نفسه أو من الناسخ، لا من الشيخ.
وهكذا إذا دَرَسَ من كتابه بعضُ الإسناد أو المتن، فإنّه يجوزُ استدراكُهُ من كتاب غيره، إذا عَرَفَ صحّتَه وسَكَنَتْ نفسُه إلى أنّ ذلك الساقطَ هُوَ كذا.
فُرُوعٌ:
(الف) الواجبُ على المحدّث - إذا كان في سماعه بعضُ الوَهْن - أن يُثْبِتَهُ حالَ الرواية. ومنه ما إذا وقع من شيخه شكٌّ في لفظة، فليبيّنْ ذلك. وإن كان قد حدّثه عن حفظه حالَ المذاكرة فليقل: «حَدَّثَنا مُذاكرةً» كما كان يفعله الصدرُ الأوّل.
وإذا كان الحديث عن ثقة ومجروح، وَجَبَ ذكرُهما أو الاقتصار على الثقة.
وإذا سمع بعضَ الحديث عن شيخه، وبعضَه عن آخَر، وَجَبَ أن ُيبيّنَ ما رواه يعن كلّ واحد منهما، ولو بيّنَ إجما أنّ بعضَه عن فلان وبعضَه عن فلان; صار كلُّ جزء منه كأنّه رواه عن أحدهما مُبْهماً، فلا يحتجُّ بشيء منه إن كان فيهما مجروحٌ.
(ب) يجوزُ - عند أصحاب الحديث - تقديمُ المتن في الرواية، كـ«قال الصادق كذا» ثمّ يقول: «أخبرنا به فلان عن فلان» إلى آخره. ويجوز حينئذ للراوي أن يرويه كذلك، وأن يقدّم الإسناد.
وإذا روى المحدّثُ بإسناد، ثمّ أتبعه إسناداً آخَر لأجل ذلك المتن; قال في آخِرِ الآخَر: «مثله» إن كان المتنان متّفقين لفظاً، ويجوزُ للراوي - حينئذ - أن يرويَ المتنَ بالسند الثاني، وإن كان بين المتنين تخالفٌ مّا; قال في آخِرِ الآخَر: «نحوه» ولا يجوز - حينئذ - روايةُ المتن بالسند الثاني. وقال بعضهم: إذا كان الراوي الأوّلُ من أهل الحذق والتفطّن لمعاني الألفاظ وجوّزنا الرواية بالمعنى; جاز، وهو محلُّ توقّف.
ولم يفرّق بعضهم بين «مثله» و «نحوه» وجوّز رواية المتن بالسند الثاني مطلقاً. والتحقيقُ ما قلناه.
(ج) إذا ذكر الإسنادَ وبعضَ المتن، ثمّ قال: «الحديث» أو «وذكر الحديث إلى آخره» وأرادَ السامعُ روايتَه بكماله، فقد منعه بعضٌ، وجوّزه الأكثرون، إذا علم المحدّثُ والسامعُ باقي الحديث، أو كان حديثاً معروفاً مشهوراً،
ولو اقتصر على المذكور ثمّ قال: «وهو هكذا» ثمّ ساقه بكماله، فهو أحْسَنُ.
أصلٌ ]1[
] حكم التعليق وما يشبهه [
ما يرويه الشيخُ محمّدُ بنُ يعقوب الكلينيّ(رحمه الله) في (الكافي) بقوله: «محمّد بن ييحيى» مث، فالمرادُ: «حدّثنا محمّد بن يحيى» أو «أخبرنا قراءةً أو إجازةً» أو نحو ذلك، أو المراد: «رويتُ عن محمّد بن يحيى، بنوع من أنواع الرواية» فإذا قال بعد يذلك: «عن فلان» فكأنّه قال: إنّ محمّداً ـ مث ـ قال: رويتُ عن فلان بنوع من أنواع الرواية، كما قلناه، فَحَذَفَ القولَ ومقولَه وَبَقَّى متعلّقَ المقول; اختصاراً.
وما يرويه الشيخ الطوسيّ(رحمه الله) في (الكتابين) وغيره، عمّن لم يلقه قطعاً، نحو قوله: «الحسين بن سعيد» فالمراد: «حدّثنا الحسين بن سعيد»أو «أخبرنا»أو «روى لنابنوع من أنواع الرواية» ولكن بوسائط رجال السندالمتّصل به،الذي قد تقرّر().
وهذا الاصطلاح من خواصّ أصحابنا، وإنّما اعتمدوا ذلك لكثرة أحاديثنا، وكون المقصود اتّصال سند الرواية بأيّ نوع اتّفق، فأتوا بلفظ يندرجُ تحته الجميعُ روماً للاختصار، وإنْ كان تبيينُ وجه المأْخذ في كلّ راو أحْسَنَ، كما يفعلونه في كثير من المواضع.
فوائدُ:
(الأُولى) لو تلفّظَ الإنسانُ بهذا المحذوف لم يحْسُنْ عندنا، لأنّه إذا قال: ي«الحسين بن سعيد عن ابن أبي عُمَيْر» مث ،لم يعلم مأخَذُ الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير بأيّ طريق من الطرق ـ أي: «حدّثنا» أو «أخبرنا إجازةً» أو «قراءةً» أو «سماعاً» أو نحو ذلك ـ فكيف يجزمُ بواحد من هذه المعاني.
نعم، لو تحرّى0 لفظاً يصحّ على كلّ حال ـ نحو «قال: رويتُ عن ابن أبي عُمَيْر» لم يكن به بأسٌ، إلاّ أنّه تطويلٌ ولا ثمرةَ مهمّةً له.
وأمّا ما في أواخر السند مثل قولهم: «محمّد بن مسلم قال أبو عبدالله(عليه السلام)» فهنا لفظة «قال» محذوفةٌ قبل لفظة «قال» الموجودة، وفاعلُها محمّد بن مسلم، أي «قال محمّد بن مسلم، قال أبو عبدالله(عليه السلام)» ولو تلفّظَ القارىءُ بها - إذا كانت محذوفة - كان أنسبَ، مع أنّ حذفها قليلٌ، أمّا إذا قال: «عن محمّد بن مسلم عن أبي عبدالله(عليه السلام): إنّه يحرم كذا أو يجبُ كذا» فالمرادُ كما تقدّم: «رويتُ عن أبي عبدالله» إمّا بأن سمعتُه يحدّثُ، أو قال لي، أو نحو ذلك. وبعض محدّثي العامّة يجعل مثلَ هذا يمرسَ، لأنّه أعمُّ من أن يكونَ سمعَهُ منه بغير واسطة أو رواهُ عنه بواسطة. وهو من حيث اللفظ محتملٌ، إلاّ أنّ أصحابَنا رضوانُ الله عليهم استعملوه في المتّصل، وفهموا منه - عند الإطلاق - الاتّصالَ، وصار ذلك متعارَفاً بينهم، لم يَرْتَبْ فيه منهم أحدٌ في ما أعلم.
(الثانية) ما يرويه الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى في (الكتابين) وما يرويه غيره ممّا حُذِفَ أوّلُ سنده للعلم به اختصاراً، الأولى للقارىء - إن كان الشيخَ - أن يذكرَ أوّلَ المجلس أو الكتاب، السندَ تامّاً، ثمّ يقول في أوّل كلّ حديث: «وبالسند المتقدّم إلى الحسين بن سعيد» أو «بسندي المتقدّم» أي أروي لكم أو أُرَوّيْكم بسندي إليه، هذا إن كان الكلُّ عن الحسين بن سعيد.
وإن اختلفَ رجال السندُ المرويُّ عنهم، فالأولى ذكرُ السند إلى كلّ واحد منهم يأوّ، ثمّ يقول: «وبالسند المتقدّم إلى فلان» إذا كان قد تقدّمَ ذكرُ السند.
وإن كان القارىءُ التلميذَ، فكذلك الأولى أن يذكر أوّلَ المجلس السندَ المتّصلَ بأوّل السند المذكور، ثمّ يقول: «وبسندكم المتقدّم إلى الحسين بن سعيد» أي أروي عنكم بسندكم إليه.
ولو حُذِفَ كلُّ ذلك أمكن صحّةُ الرواية أيضاً، لأنّ المرادَ معلومٌ. ولو لم يذكر أوّلَ الكتاب أو المجلس السندَ، وقال الشيخُ والقارىءُ: «وبسندي إلى فلان» أو ي«بسندكم إلى فلان» كفى ذلك. وكذا إذا كان السندُ متّص بالمصنّفين، كما في (الكافي) وكثير من (التهذيب) يقول الشيخُ إذا قرأ: «وبسندي المتّصل إلى محمّد بن يعقوب ـ يمث ـ قال أخبرنا عدّةٌ من أصحابنا» ولو حَذَفَ «قال» جازَ، للعلم به، وإن كان القارىءُ التلميذَ قال: «وبسندكم إلى فلان قال: أخبرنا فلان» إلى آخره، وإن لم يكن حاضراًفي ذهنه رجالُ السند وترتيبهم، لأنّ العلم الإجماليّ كاف، ولكنّ الأولى ما قدّمناه من التبيين.
(الثالثة) قد جرتْ عادةُ المحدّثين أن يذكروا أسماء شيوخهم وأنسابهم ويعرّفوهم بما يقتضيه الحال، ويرفع عنهم الجهالة في أوّل الحديث، إذا رووه مفرداً. ولو كان كتاباً تامّاً جاز استيفاء ذلك في أوّل الكتاب، والاقتصار في الباقي على ما يرفع اللبس، حتّى الإضْمار كاف مع أمْنِه.
وأمّا باقي الشيوخ فالواجبُ ذكرُ كلّ شيخ بما يرفعُ الجهالة عنه، إلاّ أن يكون كثير التكرّر بحيث يكفي مجرّد الاسم في فهمه، فإنّ تكرير ذلك يُستهجَنُ، إذْ هو تطويلٌ بغير فائدة.
ولا ينبغي متابعةُ الشيخ إذا كان قد أجملَ، والمحلُّ يحتاجُ إلى البيان، بل يجبُ بيانُه بما يرفع الجهالة عنه، وإن كان الشيخُ قد اختصرَ ذلك، لأنّ الشيخَ ربّما اعتمدَ على فهمه وشهرته في ذلك الوقت، لكن ينبغي أن يُمَيِّزَ كلامَه الذي زادَه عن كلام شيخه بقوله: «هو فلانٌ الفلاني» أو «نعني فلاناً» ونحو ذلك، ومنع بعضُهم الزيادة بدون البيان.
ولقد وَقَعَ لنا ولكثير من المتأخّرين الالْتِباسُ في كثير من الرُواة، لحصول الاشتراك في أسمائهم وأسماء آبائهم، وترك المتقدّمين تعريفَهم بما يرفع اللبس عنهم().
أصلٌ ]5[
] معرفة الرجال بالتعديل والجرح [
ومن الواجب المتحتّم على الفقيه معرفةُ الرجال في الجرح والتعديل ونحوهما، ليميّزَ صحيحَ الحديث من ضعيفه، وإن اشتمل على القدح في المسلم المستور، لكن يجبُ غاية التثبُّت، فقد أخطأُ فيه كثيرٌ.
وكذا يجب معرفةُ طبقاتهم في التقى والوَرَع والعِلْم والضَبْط، لأجل الترجيح عند التعارُض، ومعرفةُ مراتبهم في التقدُّم والتأخُّر في المَوْلِد والوفاة; ليَأْمَنَ القَطْعَ والقَلْبَ والإرسالَ، ومعرفةُ المختلَف من أسمائهم والمؤتَلَف، ليأمَنَ الْتِباسَ الثِقةِ بالضعيف، عند التصحيف والتحريف، وتصحيح أسمائهم وأسماء آبائهم وكُناهم وألقابهم وما يتبع ذلك، لِيَضَعَ كلَّ واحد في موضعه. وكلُّ ذلك من المهمّ الذي لابدَّ للفقيه والمحدّث منه. وقد جرتْ عادةُ مؤلّفي أُصول الحديث من العامّة ذكرُ المختلَف والمؤتَلَف، والمتّفِق والمفترِق() وتصحيحُ المفردات، والكُنى والألقاب والنِسَب والموالي والأوطان، وأشباه ذلك في كُتُب أُصول الحديث. ونحنُ لو فتحنا بابَ ذلك هُنا لطال واتّسعَ المجال، وقد كفانا المتقدّمون البحثَ عن ذلك في ما ألّفوهُ من الكتب النفيسة ككتاب الحافظ ابن عُقدة، وفهرست النجاشي، وكتاب ابن الغضائري، والشيخ أبي جعفر الطوسي، وكتاب الرجال لأبي عُمَر الكُشّي، وكُتُب الشيخ أبي جعفر ابن بابويه القمّي، وما بأيدينا الآنَ من الخُلاصة وإيضاح الاشتباه للعلاّمة، وفهرست الشيخ الطوسي، وكتاب ابن داوُد قد تكفّلَ بأكثر المهمّ من ذلك، لكن ينبغي للماهر تدبُّرُ ما ذكروه، فلعلّه يظفر بكثير ممّا أهملوه، أو يطّلع على توجيه قد أغفلوه، خصوصاً مع تعارُض الجرح والمدح، فلا ينبغي لمن قدر على التمييز التقليدُ، بل يُنفق ممّا آتاه الله، فلكلّ مجتهد نصيبٌ.
] فصلان في الصحابة وعدالتهم [
فصلٌ ]1[
] عدالة الصحابة عند العامة [
ولقد مات النبيّ(صلى الله عليه وآله) عن (مائة وأربعة عشر) ألف صحابيّ، وآخرهم موتاً أبو الطُفَيْل ماتَ سنة (مائة) وآخرُهم قبلَه أَنَس بن مالك.
وقد جازَفَ أهلُ السنّة كلَّ المجازفة، بل وصلوا إلى حدّ الُمخارفة، فحكموا بعدالة كلّ الصحابة، مَنْ لابَسَ منهم الفِتَنَ ومَنْ لم يُلابِسْ، وقد كان فيهم المقهُورون على الإسلام والداخلون على غير بصيرة والشُكّاك، كما وَقَعَ من فَلَتاتِ ألسنتهم كثيراً، بل كان فيهم المنافقون كما أخبرَ به البارئُ جلّ ثناؤُه، وكان فيهم شاربُو الخمر، وقاتلُو النفس، وفاعلو الفسق والمناكر، كما نقلوه عنهم، وما نقلنا - نحن، بعضَه في ما سبق - من صحاحهم من الأحاديث المتكثّرة المُتَواتِرة المعنى، يدلّ على ارتدادهم بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)يفض عن فسقهم.
وزاد بعضهم في المجازفة والمخارفة فحكمَ بأنّهم كلّهم كانوا مجتهدين، وهذا يَقْطَعُ مَنْ له أدنى عقل بفساده، لأنّه كانَ فيهم الأعرابُ ومَنْ أسلمَ قبلَ موت النبيّ يبيسير، والأُمّيون الذين يجهلون أكثرَ قواعد الأحكام وشرائع الدين، فض عن الخوض فيه بالاستدلال، كيف؟ والاجتهادُ مَلَكَةٌ لا تحصلُ إلاّ بعد فحص كثير وممارسة تامّة، بغير خلاف.
وإمكان حصول النَفْحة والاجتهاد لهم دفعةً، لا نمنعُه إلاّ أنّه لا يقتضي الحكمَ بذلك، لأنّه خلافُ العلم العادي.
والذي ألجأهُم إلى هذا القول البارد السمج، مع العصبيّة: ما قد تحقّقوه من وقوع الاختلاف والفِتَن بينهم، وأنّه كان يفسّقُ ويكفّر بعضُهم بعضاً، ويضربُ بعضُهم رقابَ بعض، فحاولوا أن يجعلوا لهم طريقاً إلى التخلُّص، كما جوّزوا الاءتمام بكلّ بَرٍّ وفاجِر، ليُرَوِّجوا أمْرَ الفُسّاق الجُهّال من خُلَفائهم وأئمّتهم.
فصلٌ]2[
]الموقف الحقّ من الصحابة [
وقد وجّه أهلُ السنّة الطعنَ إلينا ببغض كلّ الصحابة وسبّهم، وهذا جَهْلٌ منهم، أو تجاهُلٌ، لأنّ بُغْضَهم وسَبَّهُم - جميعاً - لا يرضى به - على وجه الأرض - مُسْلِمٌ! وإنّما هم - عندنا - على ثلاثة أقسام: معلوم العدالة، ومعلوم الفسق، ومجهول الحال:
أمّا معلومُ العدالة: فكسلمان، والمقداد ممّن لم يَحُلْ عن أهل البيت طرفةَ عين، أو أنّه حالَ أو شكَّ ثمّ رجعَ لما تبيّنَ له الحقُّ، فنحنُ نتقرّبُ إلى الله تعالى بحُبّهم، ونسألُ الله أن يجعلنا معهم في الدنيا والآخرة، وكُتُبُ الرجال - التي عدّدناها عندنا - مملوءةٌ مشحونةٌ بتعديل الجمّ الغفير منهم، والثناء عليهم بالجميل، بحيث لا يُستطاع إنكارُه، ولا يخفى على ذي بَصَر. وأمّا معلومُ الفسق أو الكفر: فكمَنْ حالَ عن أهل البيت، ونَصَبَ لهم البغضَ والعداوة والحربَ، فهذا يدلُّ على أنّه لم يكن آمَنَ، وكان مُنافقاً، أو أنّه ارتَدَّ بعدَ موت النبيّ، كما جاء في الأخبار الصحيحة عندهم، لأنّ مَنْ يُحِبُّ النبيّ لا يبغضُ ويحارب أهلَ بيته الذين أَكَّدَ اللهُ ورسولُه كلَّ التأكيد في مدحهم والوصيّة والتمسّك بهم، وفي ما نقلناه في ما تقدّمَ عن بعضهم من صحاحهم كفايةٌ، وهؤلاء نتقّربُ إلى الله تعالى وإلى رسوله ببُغضهم وسبّهم وبُغض مَنْ أحبّهم.
وأمّا مجهول الحال: فكأكْثر الصحابة الذين لا نَعْلَمُ: خافُوا الله تعالى ورغبُوا في ثوابه فتمسّكوا بأهل بيت النبيّ الذين أَمَرَ اللهُ ورسولُه بالتمسّك بهم، أم انحرفُوا عنهم وتمسّكُوا بأعدائهم، اتّباعاً لهوى أنفسهم، ورغبةً في زينة الحياة الدُنيا، وزُهداً في الله وثوابه؟ فهؤلاء نَكِلُ أمرَهم إلى الله، فهو أعلمُ بهم ولا نسبُّهم، ونشتغلُ عن الخوض في شأنهم بما هو أهمُّ وأولى لنا في الدنيا والآخرة.
وأمّا ما وَرَدَ - عندنا وعندهم - من الأخبار الدالّة على ارتداد كلّ الصحابة أو ارتدادهم بقول مطلق، فإنّه يجبُ حملُها على المُبالغة، لأنّ الذين ثَبَتُوا على الاستقامة ولم يحولوا بعد موت الرسول كانوا قليلين جدّاً، وكثيرٌ منهم رَجَعَ إلى الحقّ بعد أن عانَدَ أو تَزَلْزَلَ أو كان على شُبْهَة.
ولو خفي منهم شيءٌ لم يَخْفَ مَنْ كان مع عليّ(عليه السلام) في حرب الجَمَل وحرب صِفِّين من الأنصار والمهاجرين، فلقد كانوا أُلوفاً متعدّدة، بل كانوا أعظمَ عسكره ممّنْ لم يحولوا عنه، أو رَجَعُوا إليه ممّنْ حَضَرَ قتلَ عثمان أو أَلَّبَ عليه أو رَضِيَ به، وكثيرٌ منهم قُتِلُوا بينَ يديْهِ حُبّاً له، ولإظهار الدين، وقَدِمُوا على الله تعالى شُهَداء مُرمَّلين بدمائهم، لأجل إعلاء كلمة الحقّ من أيدي المُنافقين والكُفّار من أعدائه.
فكيف يجترىءُ مَنْ يؤمنُ بالله واليوم الآخر، ويحبّ الله ورسوله، أن يَسُبَّ كلَّ الصحابة؟ هذا ممّا لا يَتَوَهَّمُه عاقلٌ في شأن مُسْلِم. وبهذا يحصل الجمعُ بينَ ما جاءَ في الكتاب العزيز من مدح الصحابة في قوله تعالى: (محمّدٌ رَسُولُ اللهِ والذين مَعَهُ أشِدّاءُ على الكُفّارِ ) الآية ]29 من سورة الفتح(48) [وبينَ ما جاءَ من النُصوص - عندنا وعندهم - على ارتداد الصحابة وذمّهم، والله وليّ التوفيق.
تتمةٌ: وأمّا فَضْلُ خُلّص أصحاب الرسول بعضهم على بعض، وفَضْلُ خُلَّص أصْحاب الأئمّة بعضهم على بعض، وفَضْلُ خُلّص أصحاب الرسول على خُلّص أصحاب الأئمّة، فمّما لم يَقُمْ على شيء منه دليلٌ واضحٌ، وإن كان قد وَرَدَ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)أحاديثُ في فَضْل أشخاص بخصوصهم من أصحابه، ووَرَدَ عن الأئمّة(عليهم السلام) أحاديثُ في فَضْل أشخاص من أصحابهم في أنفسهم، وعلى غيرهم. إلاّ أنّ أكثرَ الأحاديث قد تُعارَض بمثلها، وليس للبحث في تعيين ذلك كثيرُ فائدة، ونحنُ نعلمُ أنّ التفاضُلَ بينهم إنّما كان بحسب التُقى والأعمال الصالحة، لقوله تعالى: (لتعارَفُوا إنّ أكْرَمَكُمْ عندَ اللهِ أتْقاكُمْ )]سورة الحجرات(49)الآية13 [
وكذا الكلام في مَنْ كان من الصحابة على الفِسْق أو الكُفْر، بنِفاق أو مُحاربة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) أو من أصحاب الأئمّة فاسِقاً أو كافِراً بغُلُوٍّ أو تَجْسيم أو شبههما، فإنّ تفاوتَ مراتبهم في ذلك لا يعلمُه إلاّ اللهُ.
أصولٌ]ثلاثة[
] في أسباب الاختلاف [
أصلٌ]1[
أذكر فيه سبب اختلاف الأحاديث بين أهل السنّة فقط، وبيننا
وبينهم، وبيننا فقط
فإنّ العامّة أيضاً لم يتعرّضوا لذكره، مع أنّه أمرٌ مهمّ،وقد وقع بعد موت النبيّ(صلى الله عليه وآله)بغير فَصْل، وترتّب على هذا الاختلاف اختلافُ فتاوى العلماء وآرائهم، وأئمّتنا(عليهم السلام)كشفوا القناع عن ذلك، وبيّنوه بما لا مزيد عليه، فأنا أذكر بعضاً ممّا وَصَلَ إليّ في ذلك عنهم(عليهم السلام)، فإنّ فيه مقنعاً.
فقد رُوّيْتُ بأسانيدي المتّصلة إلى محمّد بن يعقوب رحمه الله تعالى، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عُمَر اليماني، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سُلَيْم بن قيس الهلالي قال: قلتُ لأمير المؤمنين صلوات الله عليه: إنّي سمعتُ من سلمان وأبي ذرّ والمقداد أشياء من تفسير القرآن، وأحاديث عن نبيّ الله(صلى الله عليه وآله) غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعتُ منك تصديقَ ما سمعتُه منهم، ورأيتُ في أيدي الناس أشياء كثيرةً من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبيّ الله(صلى الله عليه وآله) أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أنّ ذلك كلّه باطلٌ، أفترى الناسَ يكذبون على
رسول الله متعمّدين، ويفسّرون القرآن بآرائهم؟
قال: فأقبلَ عليَّ وقال: قد سألتَ فافْهَم الجوابَ، إنّ في أيدي الناس حَقَّاً يوباط، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعامّاً وخاصّاً، ومحكَماً ومتشابِهاً، وحفظاً ووهماً، وقد كُذِبَ على رسول الله(صلى الله عليه وآله) في عهده حتّى قام خطيباً فقال: «أيّها الناسُ قد كَثُرَتْ عليّ الكذابةُ، فمَنْ كَذِبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فليتبوّأ مقعدَهُ من النار» ثمّ كُذِبَ عليه من بعده. وإنّما أتاكم الحديثُ من أربعة ليس لهم خامسٌ:
رجلٌ منافقٌ: يُظهر الإيمان، مُتصنّع بالإسلام، لا يَتَأَثَّمُ ولا يَتَحَرَجُ أن يكذبَ على رسول الله(صلى الله عليه وآله) متعمّداً،
فلو علم الناس أنّه منافقٌ كذّابٌ لم يقبلوا منه ولم يُصدّقوه، ولكنّهم قالوا: هذا قد صَحِبَ رسولَ الله(صلى الله عليه وآله) ورآهُ وسَمِعَ منه، فأخَذُوا عنه وهُمْ لا يعرِفُون حالَهُ، وقد أخْبَرَ اللهُ عن المُنافقين بما أخْبَرَ، ووَصَفَهُم بما وَصَفَهُم فقالَ عزَّوجلَّ: (وإذا رأيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ )] سورة المنافقون(63)الآية4 [ثمّ بَقوا بعده فَتَقَرَّبُوا إلى أَئِمَّة الضلالة والدُعاة إلى النار، بالزُوْر والكذب والبُهْتان، فَوَلَّوْهُم الأعْمالَ، وحَمَلُوهم على رِقاب الناس، وأكَلُوا بهم الدُنيا، وإنّما الناسُ مَعَ المُلوك والدُنيا إلاّ مَنْ عَصَمَهُ الله، فهذا أحدُ الأربعة.
ورجلٌ: سَمِعَ من رسول الله شيئاً، لم يحفظه على وجهه، ووَهِمَ فيه فلم يتعمّدْ كذباً، فهو في يده يعوّلُ به ويعملُ به ويرويه، ويقولُ: أنا سمعتُهُ من رسوله الله(صلى الله عليه وآله)فلو علمَ المسلمون أنّه وَهِمَ لم يقبَلُوه، ولو عَلِمَ هُوَ أنّهُ وَهِمَ لَرَفَضَهُ.
ورجلٌ ثالثٌ : سَمِعَ من رسول الله(صلى الله عليه وآله) شيئاً، ثمّ نَهى عنه وهُوَ لا يَعْلَمُ، أو سمعه ينهى عن شيء، ثمّ أَمَرَ به وهُوَ لا يعلمُ، فحَفِظَ منسوخَه ولم يحفظْ الناسِخَ، ولو عَلِمَ أنّه منسوخٌ لَرَفَضَهُ، ولو عَلِمَ المسلمون ـ إذْ سمعوه منه ـ أنّهُ منسوخٌ لَرَفَضُوه.
ورجلٌ آخَر رابعٌ: لم يكذب على رسول الله، يبغضُ الكذبَ خوفاً من الله تعالى، وتعظيماً لرسوله، لم يَسْهُ، بل حَفِظَ ما سَمِعَ على وجهه، فجاء به كما سَمِعَ، لم يزدْ فيه ولم ينقصْ منه، وعَلِمَ الناسخَ من المنسوخ، فعمل بالناسخَ ورفض المنسوخَ، فإنّ أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله)مثل القرآن ناسخٌ ومنسوخٌ، وخاصٌّ وعامٌّ، ومُحكَمٌ ومُتشابِه، قد كان يكونُ من رسول الله(صلى الله عليه وآله)الكلام له وجهان: كلامٌ عامٌّ، وكلامٌ خاصٌّ، مثلَ القرآن، وقال اللهُ عزّوجلّ في كتابه: (ما آتاكُمُ الرَسُولُ فَخُذُوه وما نَهاكُمْ عنهُ فانْتَهُوا )]سورة الحشر(59)الآية7[، فيشتبهُ على مَنْ لم يعرفْ ولم يَدْرِ ما عنى الله به ورسوله. وليس كلُّ أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يسألُهُ عن الشيء فيفهمُ، وكان منهم مَنْ يسألُه ولا يستفهمه، حتّى أن كانوا يُحبِّون أنْ يجىءَ الأعرابيُّ والطارىءُ فيسأل رسولَ الله حتّى يسمعُوا().
ويدخل في قوله(عليه السلام): «سمعَ شيئاً لم يَحْفَظْه على وَجْهِه» مع قوله: «إنّ في الحديث عامّاً وخاصاً» ما كان عامّاً مقصوراً على سَبَبِه، وما كان حُكماً في قضيّة مخصوصة، فيُروى على وجه يعمُّ حكمُه أو يتعدّى.
ورُوّيْنا بطرقنا عنه، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: قلتُ له: ما بالُ أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يُتَّهَمُون بالكذب، فيجيءُ منكم خلافُه؟ قال: «إنّ الحديثَ يُنْسَخُ كما يُنْسَخُ القُرآنُ»().
ونحو ذلك من الأحاديث. فهذا هو السرُّ في اختلاف الأحاديث بينَ العامّة خاصّةً، وبينَنا وبينَهم أيضاً، لأنّ أئمّتنا(عليهم السلام) لم يُرَوُّونا إلاّ الحقَّ ممّا قد اختَلفَ فيه الصحابةُ، فخالفَ بعضُ أحاديثنا كلَّ ما رُوِيَ عنهم على غير وجهه.
وأمّا سبب اختلاف الحديث في ما بينَنا فقط: فبعضُه قد يكونُ بعضاً ممّا سبق، فإنّه كان ممّن يُسمّي نفسَه باسم الشيعة قومٌ غلاةٌ ومبتدعةٌ وفَسَقَةٌ، كما كان في أصحاب النبي المُنافقون والمُرتدّون والفسقةُ، كما بيّنهُ أصحابُنا في كُتُب الرجال، فربّما دَسُّوا في أحاديثنا شيئاً ممّا يُوافقُ آراءَهم ممّا لا أصلَ له. وكذا كان فيهم من وَهَمَ ولم يَحْفَظْ الحديثَ، فأدّاه على غير وجهه، ولم يتعمّدْ الكذبَ. ثمّ ينضافُ إلى ذلك من أسباب الاختلاف - عندنا - ما كان يخرج عن أئمّتنا(عليهم السلام)على وجه التَقِيّة، كما اشتهر بل تواتر النقلُ عنهم(عليهم السلام) بأنّهم كانوا ربّما يُجيبون السائلَ على وفق مُعْتَقَده، أو مُعْتَقَد بعض الحاضرين، أو بعض من عَساهُ يَصِلُ إليه الحديث من أعدائهم المُناوئين.
فقد رُوّيْنا بأسانيدنا إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رِئاب، عن أبي عُبَيْدة، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: يقال لي: «يازيادُ، ما تقولُ لو أفتينا رج ممّن يتولاّنا بشيء من التقيّة؟» قال: قلتُ له: أنتَ أعلمُ، جعلتُ فداك. قال: «إنْ أَخَذَ به فهو خَيْرٌ له و أعظمُ أجْراً».
وفي رواية أُخرى: «إنْ أَخَذَ به أُوجِرَ، وإنْ تَرَكَه ـ واللهِ ـ أَثِمَ»().
ورُوّيْنا عنه، عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبدالجبّار، عن الحسن بن عليّ، عن ثَعْلَبَةَ بن مَيْمُون، عن زُرارة بن أَعْيَن، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: سألتُه عن مسألة، فأجابني، ثمّ جاءَ رجلٌ فسأله عنها، فأجابه بخلاف ما أجابني، ثمّ جاءَ آخَرُ فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلمّا خَرَجَ الرجلان قلتُ: يابن
رسول الله(صلى الله عليه وآله) رجلان من أهل العراق من شيعتكم، قَدِما يسألان، فأجبتَ كلَّ واحِد منهما بغير ما أَجَبْتَ به صاحِبَهُ. فقال: «يازُرارة، إنّ هذا خَيْرٌ لنا وأبْقى لنا ولكم، ولو اجْتَمَعْتُم على أَمْر واحِد لَصَدَّقَكُم الناسُ علينا، ولكان أَقَلَّ لِبقائنا وبَقائكم». قال: ثمّ قلتُ لأبي عبدالله(عليه السلام): شِيْعَتُكم لو حملتُموهم على الأسنّة أو على النار لَمَضَوْا، وهم يَخْرُجُون من عندكم مُختلفين! قال: فأجابني مثل جواب أبيه().
ومثل ذلك ممّا وَرَدَ عنهم(عليهم السلام) كثيرٌ، وهو ممّا لا شبهةَ فيه بينَ شِيْعَتهم، وإذا تبيّنتَ ذلك اندفعَ به ما ربّما يُورِدُه علينا بعضُ أهل السُنّة، فيقول: إذا كانَ أَخْذُكم دينَكم ومعالمَ شرائعكم عن أئمّتكم المعصومين، كما تزعُمون! فمن أينَ وَقَعَ الاختلافُ بينَ عُلمائكم وفي أحاديثكم؟؟
فنقول: أمّا الاختلافُ في الأحاديث فقد عرفتَ سَبَبَه، وأنّه لا خُصوصيّةَ لنا به، إذْ وَقَعَ الاختلافُ كذلك في الأحاديث المأخُوذة عمّن لا يَنْطِقُ عن الهوى، عندنا وعندكم، مع أنّ زمنَ أئمّتنا(عليهم السلام) كانَ أطولَ بكثير من الزمان الذي انْتَشَرَ فيه الإسلامُ وَوَقَعَ فيه النقلُ عن النبي(صلى الله عليه وآله)وكان الرواةُ عن أئمّتنا(عليهم السلام) أكثرُ عدداً وانتشاراً في الأرض، واختلافاً في الأهواء والآراء، فوقوعُ الاختلاف في أحاديثهم أولى.
وأمّا اختلافُ علمائنا في التفريعات التي لم يَرِدْ فيها نَصٌّ بخُصوصها: فَسَبَبُه اختلافُ أنظارهم في مبادئها ومآخذها، كما هو بينَ علمائكم أيضاً، بل بينَ كلِّ الطوائف من أصحاب المِلَل والنِحَل().
أصلٌ ]2[
] مختلف الحديث وطرق الحلّ [
ومن أعظم المهمّات - عند الفقهاء والمحدّثين من كلّ الطوائف - :معرفة مختلَف الحديث، ومعرفة ما يَتَرَتَّبُ على الاختلاف.
وإذا وردتْ مختلفةً في الحكم فلا تَخْرُجة عن أقسام ثلاثة:
(الأوّل): أن يقعَ التعادُلُ والتضادُّ فيها من كلّ وجه، وهو قليلُ الوقوع، حتّى مَنَعَ من وقوعه بعضُ المخالفين، وليس بشيء.
وحكمه - عندنا وعند أكثر العامّة - التخيير، وقال بعض الفقهاء: يتساقطان ويُرجع إلى مقتضى العقل. والصحيح الأوّل.
وقد جاء في بعض أحاديثنا عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال: بأيِّهما أَخَذْتَ من باب التسليم وَسِعَكَ»().
إلاّ أنّا رُوّيْنا عن محمّد بن يعقوب(رحمه الله) عن عليّ بن إبرهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، والحسن بن محبوب - جميعاً - عن سماعة، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سألتُه عن رجل اختلفَ عليه رجلان من أهل دينه في أَمْر، كلاهما يَرْوِيْهِ، أحدُهما يأمُرُهُ بأخْذِهِ، والآخَرُ ينهاهُ عنه، كيفَ يصنَعُ؟ قال: «يُرْجِئْهُ حتّى يَلقى مَنْ يُخْبِرُهُ، وهو في سَعَة حتّى يلقاهُ»(). وسيأتي نحو هذا في حديث عُمَر بن حَنْظلة، وقد استفاضَ النقلُ عن النبيّ والأئمّة(عليهم السلام)بالأمر بالتوقّف عند الاشتباه، وهذا منه، ولكنّ عملَ أصحابنا وجماهير العلماء على الأوّل، وهو التخيير.
ولعلّ هذين الحديثين ونحوهما محمولٌ على ما لا يَضْطَرُّ إليه الإنسانُ، بدليل: «أَرْجِئْهُ» فيكونُ وُرُودُهما على سبيل الأولويّة والأحوطيّة، أو يكونُ ذلك، وما يوَرَدَ فيه الأمْرُ بالتوقّف محمو على المُبالغة، والتأكيد في التَثَبُّت، وكَثْرة الفحص عن يالمُرَجِّحات، أو يكون الأمْرُ بالتوقُّف عند الاشتباه محمو على مَنْ ليس له دَرَجَة الاستنباط والاستدلال، أو على مَنْ يُمكنه الترجيحُ ولم يبحثْ فيه، أو نحو ذلك.
واعلم أنّ التضادَّ لا يجوزُ أنْ يَقَعَ في خبرين مُتَواتِرين قطعاً، لامتناع اجتماع النقيضين، كما لا يقعُ بين دليلين قطعيّين، ولا يكون بين مُتَواتِر وآحاد، لوجوب العمل بالمُتَواتِر.
(القسم الثاني): أن يمكن الجمع بوجه، إمّا بأنْ يعملَ بأحدهما على الإطلاق، وبالآخَرِ على وجه دُوْنَ وجه، أو بأنْ يعملَ بكلٍّ منهما من وجه دونَ آخَر، وذلك كما جاء في قوله(عليه السلام): «أَلا أُنَبِئُكُم بخير الشُهود؟» قيلَ: نعم، يارسول الله. قال: «أنْ يَشْهَدَ الرجلُ قبلَ أنْ يُسْتَشْهَدَ»().
وقوله(عليه السلام): «يَفْشُو الكذبُ حتّى يَشْهَدَ الرجلُ قبلَ أنْ يُسْتَشْهَدَ»().
فيعملُ بالأوّل في حُقوقه تعالى، وفي الثاني في حُقوق العِباد، فإذا أمكنَ مثلُ ذلك لم يَجُزْ طرحُ أحدهما مع صحّته.
وكذا إذا كان لأحدهما وجهٌ من التأويل وَجَبَ تأويلُه، والعملُ بالآخَرِ، سيّما إذا عَضَدَ التأويلَ دليلٌ أو حديثٌ آخَر.
وإنّما يكمُلُ للجمع العُلماء الجامِعُون بينَ الحديث والفقه والأُصول ،الأذكياء الغوّاصون على المعاني.
وأحسنُ ما صُنِّفَ عندنا فيه كتابُ (الاستبصار) فإنّه لم يَشُذَّ عنه إلاّ القليلُ، ومَنْ تبصّرَ في مُطالعته لم يَكَدْ يخفى عنه وَجْهُ الجمع بين حديثين، وإن كان الشيخ(رحمه الله)أتى فيه بأشياء يمكنُ الجمعُ بأكملَ منها، وبأشياء غيرِ مَرْضِيّة، لكنّهُ سَبّاقُ الغاية في ذلك، وإنّما يمشي الماشي بَعْدَهُ على أَثَرِهِ، ويستضىءُ بنُوره.
وقد ألّفَ الشافعيُّ للعامّة فيه شيئاً لم يستوفِ ما هناك، ولكنّه نَبَهَّهُم على الطريق، وصَنَّفَ لهم بعدَه ابنُ قُتيبة فأتى بأشياء مرضيّة وغير مرضيّة.
(القسم الثالث): أنْ يترجّحَ أحدُهما على الآخَر بوجه من التراجيح المقرّرة في الأُصول الراجعة إلى سنده أو متنه أو زمانه أو حكمه أو نحو ذلك، وقد كفانا الأُصوليّون البحثَ عن وجوهه، وأمّا حقيقتُه فهو عبارة عن النَظَر والفَحْص عمّا يتقوّى به كلُّ واحد منهما، ثمّ الموازنة بين المُرَجِّحات، والحكم لما كان مرجّحاتُه أكثرَ أو أقوى. وهذه لجّةٌ عميقةٌ بل بحرٌ متّسعٌ لا يكادُ يُدْرِكُ قرارَه.
وكثيرٌ من الاختلاف حَصَلَ باعتبار اختلاف أنظار الفقهاء في ذلك، حيثُ أنّ بعضهم قد يتفطّنُ لمُرجّحات لم يتفطّنَ لها الآخَر، أو يترجّحُ في نفسه قوّةُ مُرجّح على آخَر، ويترجّحُ العكسُ عند آخَر، أو نحو ذلك.
واعلم أنّ الُمحَقِّقين من العُلماء على وجوب الفَحْص في الترجيح على الُمجْتهد ليعملَ بالراجح، بل كادَ يكونُ إجماعاً. ومَنْعُ بعضِ الُمخالفين منه ليس بذي وجه، لأنّ العُرْفَ والعقلَ والشرعَ تقضي بوجوب العمل بالراجح:
أمّا العُرْفُ: فظاهرٌ، لأنّ مَنْ تتبّع العملَ بالأوهام، وترك الأُمور الراجحة عُدَّ سفيهاً. وأمّا العقلُ: فلأنّه يمنع من العمل بالمرجوح مع وجود الراجح، ويحكمُ على فاعله أيضاً بالسَفَه.
وأمّا الشرعُ: فلا يخفى فيه وجوبُ العمل بالظنّ الغالب في أكثر موارده من لَدُنْ نبيّنا(عليه السلام)إلى يومنا هذا.
وأمّا ما جاء في القُرآن من النهي عن اتّباع الظنّ، فالمرادُ به الوَهْمُ، لأنّه يُطلقُ عليه اسمُ الظنّ لُغَةً، إمّا حقيقةً أو مَجازاً، أو المُرادُ في ما الغَرَضُ فيه العلمُ، من العقائد، كما هو الظاهرُ، لأنّ الآياتِ وردتْ في حقّ الكُفّار، لأنّهم كانوا يَتْرُكون الأُمورَ الجليّةَ ويتّبعون الأوهامَ والإمكاناتِ التي تُوافقُ هَوى أنفسهم.
وأحاديثُنا شاهدةٌ بوجوب الترجيح، والعمل بالراجح، ومقبولةُ عُمَر بن حَنْظلة ترشدُ ـ أيضاً ـ إلى ذلك، وإلى فوائد أُخرى، فلنوردها لكثرة نفعها:
رُوّيْنا بأسانيدنا المتّصلة إلى محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عيسى، عن صَفْوان بن يحيى، عن داوُد بن الحُصَيْن، عن عُمَر بن حَنْظلة، قال: سألتُ أبا عبدالله(عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا، بينَهما مُنازَعةٌ في دَيْن أو مِيراث، فتحاكما إلى السُلطان وإلى القُضاة، أيحلُّ ذلك؟ قال: «مَنْ تحاكمَ إليهم في حقٍّ أو باطل، فإنّما تحاكمَ إلى الطاغُوت، وما يحكمُ له فإنّما يأخُذُهُ سُحْتاً، وإنْ كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أَخَذَهُ بحُكم الطاغُوت، وما أَمَرَ اللهُ أنْ يكفروا به، قال الله عزّوجلّ: (يُريْدُون أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوْتِ وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ )]سورة النساء(4)الآية60[». قلتُ: كيفَ يَصْنعان؟ قال: «يَنظران مَنْ كان منكُم مِمَّنْ قد رَوى حديثَنا، ونَظَرَ في حلالِنا وحرامِنا، وعَرَفَ أحكامَنا، فليرْضَوا بِهِ حَكَماً، فإنّني قد جَعَلْتُه عليكم حاكِماً، فإذا حَكَمَ بحُكْمِهِ فلم يَقْبَلْهُ منه، فإنّما اسْتَخَفَّ بحُكْم الله، وعلينا رَدَّ، والرادُّ علينا الرادُّ على الله، وهُما على حدِّ الشِرْك بالله».
يقلتُ: فإنْ كان كلُّ واحد اختارَ رج من أصحابنا، فَرَضِيا أنْ يكونا الناظِرَين في حَقِّهما، فاخْتَلفا في ما حَكَما، وكلاهُما اخْتَلَفَ في حديثكم؟
قال: «الحُكْمُ ما حَكَمَ به أعدَلُهما وأفقَهُهُما وأصدَقُهما في الحديث، وأورَعُهما، ولا يلتفت إلى ما يَحْكُمُ به الآخَرُ». قال: قلتُ: فإنّهما عدلانِ مرضيّانِ عند أصحابنا، لا يَفْضُلُ واحدٌ منهما على صاحبه؟؟ قال: فقال: «يُنْظَرُ إلى ما كان من رواياتهم عنّا في ذلك الذي حَكَما به الُمجْمَعَ عليه من أصحابك فيُؤْخَذُ به من حُكْمِنا، ويُتْرَكُ الشاذُّ الذي ليس بمَشْهُور عندَ أصحابك، فإنّ الُمجْمَعَ عليه لا رَيْبَ فيه، وإنّما الأُمور ثلاثةٌ: أمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ، وأمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فيُجْتَنَبُ، وأمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «حلالٌ بَيِّنٌ، وحَرامٌ بَيِّنٌ، وشُبُهاتٌ بينَ ذلك، فمَنْ تَرَكَ الشُبُهاتِ نَجا من الحُرُمات، ومَنْ أَخَذَ بالشُبُهات ارْتَكَبَ الحُرُمات وهَلَكَ من حيثُ لا يعلم». قلتُ: فإنْ كان الخَبَران عنكما مَشْهُورَين، قد رواهما الثِقاتُ عنكم؟ قال: «يُنْظَرُ، فما وافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الكتاب، والسُنّة وخالَفَ العامّة، فيُؤْخَذُ به، ويُتْرَكُ ما خالَفَ حُكمُه حُكْمَ الكتاب، والسُنّة، ووافَقَ العامّة».
قلتُ: جعلتُ فداك، أرأيتَ إنْ كان الفقيهان عَرَفا حُكمَه من الكتاب والسُنّة، ووَجَدْنا أَحَدَ الخَبَرَيْنِ مُوافِقاً للعامّة والآخَرَ مُخالِفاً لهم، بأيّ الخبرين يُؤْخَذُ؟
قال: «ما خالَفَ العامّة ففيه الرَشادُ». فقلتُ: جعلتُ فداك؟ فإنْ وافَقَهما الخَبَرانِ جميعاً؟. قال: «يُنْظَرُ إلى ما هُم إليه أمْيَلُ حُكّامّهم وقُضاتُهم، فيُترَكَ ويَؤْخَذُ بالآخَر». قلتُ: فإنْ وافَقَ حُكّامُهَم الخبرينِ جميعاً؟.
قال: «إذا كانَ ذلك فأرْجِئْهُ حتّى تلقى إمامَك، فإنّ الوُقُوفَ عندَ الشُبُهاتِ خَيْرٌ من الاقْتِحام في الهَلَكات»().
فهذا الحديثُ وأمثالُه تضمّنَ وجوبَ الترجيح في المُفتي، والحديثِ، ووجوبَ العمل بالراجح، كما لا يخفى.
أصلٌ ]3[
في معرفة الاعتبار بالمُتابَعات والشَواهِد
وهو عبارةٌ عن النَظَر في الحديث:
هلْ تَفَرَّدَ به راويْهِ أمْ لا؟ وهو «اعتبار المُتابَعة»
وهلْ جاء في الأحاديث ما يُوافِقُه معنىً أمْ لا؟ وهو «اعتبار الشاهِد».
وهو نوعٌ من أنواع التراجيح، لم يبحث عنه الأُصوليّون؟ وجرتْ عادةُ أصحاب الحديث بالبحث عنه، وهو أمرٌ مهمٌّ يَتَعَرَّفُ به الفُقهاءُ والُمحدِّثُون أحوالَ الحديث، ويكثرُ بحثهم عنه، واعتناؤُهم به.
مثال الأوّل: أنْ يرويَ عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن أبي نَجْران، عن عاصم بن حُمَيْد، عن محمّد بن قيس حديثاً عن أبي جعفر(عليه السلام).
فيعتبرُ الناظِرُ: هلْ روى هذا الحديثَ ثِقةٌ آخَرُ، غيرُ عليٍّ، عن أبيه؟ فإنْ لم يُوجَدْ، فثِقةٌ غيرُ أبيه، عن عبدالرحمن؟ فإنْ لم يُوجَد، فثِقةٌ غيرُ عبدالرحمن، عن عاصم؟ فإنْ لم يُوجَد، فثِقةٌ غيرُ عاصم، عن محمّد بن قيس؟ فإنْ لمن يُوجَد، فثِقةٌ غيرُ محمّد عن أبي جعفر(عليه السلام)؟
فأيُّ ذلك وُجِدَ، كان مُتابَعةً، وازدادَ الحديثُ به قُوَّةً واعتباراً، لأنّ ذلك يُثيرُ يالظنَّ أنّ له أص يرجعُ إليه.
والمُتابَعةُ التامّةُ: أنْ يرويَه غيرُ عليٍّ عن أبيه، وغيرُ أبيه عن عبدالرحمن، وهكذا إلى آخر السند.
وإذا رواه غيرُ أبيه، أو غيرُ عبدالرحمن، أو غيرُ عاصم، أو غيرُ محمّد، سُمّيَ كلُّ واحد - من هذه الكيفيّات - «مُتابعةً ناقصةً» تقصُرُ عن الأُولى بِقَدَر بُعْدِها عنها.
وقد يُطلق على المُتابَعة ـ تامّةً كانتْ أو ناقصةً ـ اسمُ (الشاهِد) أيضاً.
ومثالُ الشاهد: أنْ يرويَ غيرُ هؤلاء حديثاً آخَرَ عن أبي جعفر، أو غيره من المعصومين، بمعناه، ولا يُسمّى هذامُتابعةً.
وإذا قالوا: «هذا ممّا تَفَرَّدَ به فلانٌ» كان ذلك مُشْعِراً بانتفاء المُتابَعات، وإذا انتفتْ مع الشواهد أيضاً تَمَحَّضَ فَرْداً، وحينئذ إنْ كان مُخالِفاً لرواية مَنْ هو أَحْفَظَ منه كان ضَعيفاً، ويُسمّى «شاذّاً» و «مُنْكَراً».
وإن كان غيرَ مُخالِف، والراوي عَدْلٌ ضابِطٌ كان «صحيحاً».
وإن قَصُرَ عن ذلك، وكان ممدوحاً كان «حسناً»،
وإلاّ كان أيضاً شاذّاً، مُنْكَراً، مردُوداً.
ويدخل في المتابَعات والشواهِد روايةُ الضُعفاء، لأنّها لا اعتمادَ عليها، بل على ما جاءتْ هي شاهِداً أو متابَعةً له، ويختلفُ ذلك في القُوّة والضَعف بِحَسَبِ اختلاف الرُواة. واللهُ الموفّق.
أُصُولٌ أرْبَعَةٌ
(الأوّل) الخبرُ يتأيّدُ بدليلِ العقل، أي ما اقتضاهُ. كأنْ يحكمَ العقلُ بأنّ الأشياء قبل وُرُود الشرع على الإباحة أو الحُظْر، فيجىءُ الخبرُ موافقاً لذلك، فيتأيّدُ كلٌّ منهما بصاحبه، ويكونُ ـ حينئذ ـ دليلُ العقل مؤيّداً لهذا الخبر، إذا عارضه مثله.
وبعضهم يرجّحُ الخبرَ الُمخالفَ لدليل العقل، لأنّه مؤسِّسٌ لحكم شرعيٍّ.
وفيه بحثٌ، وتوقّفَ الشيخُ الطوسيُّ رحمه الله تعالى.
(الثاني) إذا كان أحدُ الخبرين مرويّاً بلَفْظِهِ، والآخَرُ بمعناه، رَجَّحَ بعضُهم المرويَّ باللفظ على المرويِّ بالمعنى مُطلقاً. وقال بعضُهم: إذا كان كلاهما فَطِناً ضابِطاً عارِفاً بمفهُوم اللفظ ومنطُوقه وما يُحِيْلُ معناه; فلا ترجيحَ بذلك، إذْ قد أُبيحَ له الروايةُ باللفظ والمعنى معاً. وإنْ لم يكن الراوي بالمعنى كذلك; رُجِّحَ المرويُّ باللفظ.
(الثالث) رَجَّحَ أكثرُ العُلماء المُسْنَدَ على المُرْسَل.
وبعضُهم عَكَسَ، وقال: إنّ المُرْسَلَ لم يُرْسِلْهُ راويه إلاّ بعدَ جَزْمِهِ بصِحّته، بخِلافِ المُسْنَد، فإنّ راويه قد لا يَجْزِمُ بصِحّته، ويُحيلُ أمْرَهُ على سَنَدِهِ،
والأوّل أقوى، نعم، إنْ كان مُرْسِلُهُ لا يَرْوي إلاّ عن ثِقة فلا ترجيحَ، ولهذا سوّى أصحابُنا بينَ ما يُرْسِلُه محمّدُ بنُ أبي عُمَير، وصفوانُ بنُ يحيى، والبَزَنْطيُّ، وبينَ ما يُسْنِدُهُ غيرُهم.
(الرابع) لا شُبهة ـ عندنا ـ في تقديم الصحيح على الحَسَنِ والمُوَثَّقِ، عند التعارض، إذا لم يمكن تأويلُهما، وأمّا إذا أمكنَ تأويلُهما أو حَمْلُهما على بعض الوُجُوه، فإنّه يجبُ عند مَنْ يعملُ بهما، ويُرَجَحُ ذلك على طرحِهما بالكُلِيّة، بل قد رأينا الشيخَ الطوسيّ(رحمه الله)ـ في مواضع متعدّدة - يُؤَوِّلُ الصحيحَ، ويعملُ بالحَسَن أو المُوثَّق عندَ التعارُض، لنوع من الاعتبار أو مُساعدة بعض الأدلّة.
وأمّا إذا لم يُعارضهما صحيحٌ، فقد قَبِلهما جماعةٌ من عُلمائنا، واحتجّوا بهما كالشيخ ومَنْ نَهَجَ مَنْهَجَه، سيّما إذا عَضَدَ أحدَهما روايةٌ أُخرى أو دليلٌ آخَرُ:
أمّا الحَسَنُ: فلأنّه يُثيرُ ظنّاً راجِحاً، قريباً ممّا يُثيرُه الصحيحُ، بل بعضُه لا يكادُ يقصرُ عنه، كما يرويه إبراهيمُ بن هاشم ونحوه.
يوأمّا المُوثَّقُ: فلأنّ نقل المَذْهب قد يُعلمُ بالفسّاق فض عن المُوثّقين، كما يعلمُ أنّ مذهبَ الشافعيّ كذا، وإن لم ينقله عنه عدلٌ، ولقول الصادق(عليه السلام): «إذا نَزَلَتْ بِكُمْ حادِثَةٌ لا تَجِدُون حُكْمَها في ما يُرْوى عنّا فانْظُرُوا إلى ما رَوَوْهُ عن علي(عليه السلام)فاعْمَلُوا بِهِ»().
وقد عَمِلَت الطائفةُ بأخبار الفَطَحِيّة مثل عبدالله بن بُكَيْر، والواقِفة مثل سماعة، وعلي بن أبي حمَزة، وعثمان بن عيسى، وبني فَضّال، والطاطَرِيّين وغيرِهم، في ما لم يكن عندهَم فيه خلافُهُ.
وقد يحتجّ للعمل به وبالحَسَن: أنّ المانعَ من العمل بخبر الفاسق فِسْقُهُ، للآية، فإذا لم يُعلم الفسقُ لم يجب التَثَبُّتُ، كما في خبر الَمجهول، فكيفَ المُوَثَّقُ أو المَمْدُوحُ؟؟.
وبهذا احتجَّ مَنْ قَبِلَ المراسيلَ.
وأُجيبَ: بأنّ الفسقَ لمّا كان علّةَ التَثَبُّت وَجَبَ العلمُ بنَفْيِهِ، حتّى يُعلمَ وجودُ انتفاء التَثَبُّت، فيجبُ الفحصُ.
وفيه نَظَرٌ، لأنّ الأصلَ عدمُ وجود المانِعِ في المُسْلِم، ولأنّ الَمجْهُول لا يمكنُ الحكمُ بفِسْقِهِ، والمرادُ من الآية الفاسِقُ.
وقال بعض العامّة: لا يحتجُّ برواية المُبْتَدِع مُطلقاً. وقال الشافعيُّ: يُقْبَلُ إن لم يكنْ ممّن يَسْتَحِلُّ الكذبَ لنَصْرِ مذهبه.
وقيل: يُقْبَلُ إنْ لم يكن داعِيَةً إلى مذهبه وبِدْعَتِهِ. وهو الأظهرُ عندَهم، وقول الأكثر، ولهذا احتجَّ صاحباً الصحيحين وغيرُهما ـ من أئمّة الحديث عندَهم ـ بكثير من المُبْتَدِعة غير الدُعاة.
أمّا مَنْ كَفَرَ ببِدْعة، فلا تُقْبَلُ روايتُه إجماعاً منّا ومنهم، كالغُلاة والُمجَسِّمة وشبههما.
وأمّا ترجيحُ الحَسَن - عندنا - على المُوثّق، أو بالعكس، أو التساوي، فمّما لم يحضرني لأصحابنا فيه مَقالٌ، وللنظر فيه مَجالٌّ().
أصلٌ
] موافقة الحديث للكتاب ومخالفته [
إذا جاء الحديثُ بخلاف الدليل القاطع، من الكتاب أو السُنّة أو الإجماع، ولم يمكن تأويلُه، ولا حملُه على بعض الوُجُوه، وَجَبَ طَرْحُه من أيّ الأنواع كانَ، لأنّ هذه الأدلّةَ تُفيدُ العِلْمَ، والخَبَرُ لا يفيدُه، وعلى هذا وَقَعَ الإجماعُ واستفاضَ النقلُ.
فقد رُوّيْنا عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النَوْفَلي، عن السَكُوْني، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: قال رسولُ الله(صلى الله عليه وآله): «إنّ على كلّ حَقٍّ حَقِيقةً وعلى كلِّ صواب نُوْراً، فما وافَقَ() كتابَ الله فخُذُوه، وما خالَفَ كتابَ الله فدَعُوهُ»().
ورُوّيْنا بطرقنا عنه، عن محمّد بن إسماعيل، عن الفَضْل بن شاذان، عن ابن أبي عُمَيْر، عن هِشام بن الحَكَم، وغيره، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: خَطَبَ النبي(صلى الله عليه وآله) بِمِنَى فقال: «أيُّها الناسُ، ما جاءَكُم عنّي يُوافِقُ كتابَ الله فأنا قُلْتُهُ، وما جاءَكم يُخالِفُ كتابَ الله فلم أَقُلْهُ»().
ورُوّيْنا عنه، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن النضر ابن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن أيّوب بن الحُرّ، قال: سمعتُ أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: «كلُّ شيء مَرْدُودٌ إلى الكتاب والسُنّة، وكلُّ حديث لا يُوافِقُ كتابَ الله فهو زُخْرُهٌ»().
ورُوّيْنا عنه، عن محمّد بن يحيى، عن عبدالله بن محمّد، عن عليّ بن الحَكَم، عن أبان بن عثمان، عن عبدالله بن أبي يَعْفُور. قال: ـ وحدّثني حُسين بن أبي العلاء أنّه حَضَرَ ابنَ أبي يعفور في هذا المجلس ـ قال: سألتُ أبا عبدالله(عليه السلام) عن اختلاف الحديث، يرويه مَنْ نَثِقُ به، ومنهم مَنْ لا نَثِقُ به؟.
قال: إذا وَرَدَ عليكم حديثٌ فوجدتُم له شاهِداً من كتاب الله عزّوجلّ، أو من قول رسول الله(صلى الله عليه وآله)وإلاّ فالذي جاءَكُم به أولى به»().
ونحو ذلك من الأحاديث، وهو كثير.
وإذا وَرَدَ الخبرُ مخالِفاً لهذه الأدلّة المذكورة; لم يُمكنّا القطعُ بكذبه في نفسه، بل قد يجوزُ كونُه صحيحاً إذا أمكنَ أن يكونَ له وجهٌ من التأويل، أو يكونَ قد خَرَجَ على سَبَب خَفِيٍّ، أو واقعة بعينِها، أو خَرَجَ مَخٌرَجَ التَقِيّة، وإنّما يجبُ علينا الامتناعُ من العمل به.
فروع:
(الأوّل) قد يُعلمُ كونُ الخبر صدقاً إذا كانت الأُمّةُ قد أجمعتْ على العمل بمقتضاه، وعُلِمَ أنّه لا دليلَ لهم على ذلك إلاّ هذا الخبرُ.
أمّا إذا وافقَ الخبرُ الإجماعَ، وجوّزنا كون إجماعهم لدليل آخَر، فإنّه لا يقطعُ بصدقه، وكذا إذا وافقَ الخبرُ نصَّ الكتاب العزيز، أو السُنّة المُتَواتِرة.
(الثاني) الخبرُ الذي يكونُ من قبيل ما يُعمل به إذا احتمل وجوهاً كثيرةً، ولم يقم دليلٌ على إرادة أحدها بخصوصه، وَجَبَ التوقُّفُ فيه، ولا يقطعُ - أيضاً - أنّه أُريدَ به الجميعُ إلاّ بدليل.
ومتى كان الخبرُ خاصّاً أو عامّاً وَجَبَ حملُه على ما يقتضيه ظاهرُهُ، إلاّ أن يقومَ دليلٌ على أنّه أُريد به خلافُ ظاهره فيُصار إليه.
(الثالث) إذا كان الخبرُ يُوافقُ أحدَ القولين للعُلماء، ولم نجدْ حديثاً يُوافقُ القولَ الآخَرَ، وَجَبَ علينا العملُ بالقول المُوافق للخَبَر، وطَرْحُ القول الآخَر، لأنّ مأخَذَه في الظاهر لا يكونُ إلاّ اجتهاداً، وهو مردودٌ لمخالفته النصَّ، أو قياساً أو استحساناً، ونحنُ لا نقولُ بهما. ولا يضرُّنا إمكانُ كون القول الآخَر مُوافِقاً لحديث لم يَصِلْ إلينا، لأنّ الأصلَ عدم ذلك.
أصلٌ
] بطلان القياس والاستغناء عنه [
وقد تواتَرَ النقلُ ـ عندنا ـ عن عليّ(عليه السلام) وعن الأئمّة المعصومين من أبنائه، وعن كُبَراء الصحابة:ببُطلان القياس،وذمّ مُتداوِلِيه،والتَشْنيع عليهم،ونحنُ لا نُطوّل كتابنا هذابنقل ذلك;إذ قدأجمعَ على بطلانه أصحابُنا،بل قد صار بُطلانه من ضروريّات دين أهل البيت(عليهم السلام). فجميعُ الأحكام يَجِبُ ردُّها إلى الكتاب والسُنّة والإجماع ودليل العقل.
وقد حكم العقلُ واستفاض النقلُ أنّ الكتاب والسُنّة لم يشذَّ عنهما شيءٌ من يأحكام الشرائع، وما يحتاجُ الناس إليه أص، بل في بعضها أنّ الكتاب العزيز وحده تَضَمَّنَ جميعَ ذلك، ولكن لا تبلغُه عقولُنا.
فقد رُوّيْنا بطرقنا عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عُبَيْد، عن يُونس بن عبدالرحمن، عن سماعة بن مِهران، عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)قال: قلتُ: أصلحك الله، إنّا نجتمعُ، فنَتَذاكَرُ ما عندَنا، فما يردُ علينا شيءٌ إلاّ وعندَنا شيءٌ مُسَطَّرٌ، وذلك ممّا أنعمَ اللهُ تعالى به علينا بكم، ثمّ يردُ علينا الشيءُ الصغيرُ ليس عندنا فيه شيءٌ، فينظُرُ بعضُنا إلى بعض، وعندَنا ما يشبهُهُ، فنقيسُ على أحسنه؟! فقال: »ما لكم والقياس، إنّما هَلَكَ مَنْ هَلَكَ مِنْ قبلكم بالقياس»
ثمّ قال: «إذا جاءَكُم ما تعلمون فقولُوا به، وإنْ جاءَكُم ما لا تعلمون فَها» ـ وأَهْوى بيدِه إلى فِيْهِ ـ ثمّ قال: لَعَنَ اللهُ أبا حنيفة كان يقول: «قال عليٌّ وقلتُ وقالت الصحابةُ وقلتُ» ثمّ قال: «أكنتَ تجلس إليه؟» فقلتُ: لا، ولكن هذا كلامُهُ. فقلتُ: أصلحك اللهُ أتى رسولُ الله(صلى الله عليه وآله) الناسَ بما يكتفون به في عهده؟ فقال: «نعم، وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة» فقلتُ: فضاعَ من ذلك شيءٌ؟ فقال: «لا، هو عند أهله»().
ورُوّيْنا بالطريق المتقدّم، عن يونس، عن أبان، عن أبي شَيْبَة قال: سمعتُ
أباعبدالله(عليه السلام)يقول: ضَلَّ علمُ ابن شَبْرَمة عندَ (الجامِعة) إملاءِ رسول الله(صلى الله عليه وآله)وخطّ عليّ(عليه السلام)بيده، إنّ الجامعةَ لم تَدَعْ لأحد كلاماً، فيها علمُ الحلال والحرام، وإنّ أصحابَ القياس طلبُوا العلمَ بالقياس، فلم يزدادُوا من الحقّ إلاّ بُعْداً، إنّ دينَ الله لا يُصابُ بالقِياس»().
وروّينا بالطريق المذكور، عن يونس بن عبدالرحمن، عن حسين بن المُنْذِر، عن عَمْرو بن قيس، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سمعتُه يقول: «إنّ اللهَ تبارك وتعالى لم يَدَعْ شيئاً يحتاجُ إليه الأُمّة إلاّ أَنْزَلَهُ في كتابه وبيّنهُ لنبيّه(صلى الله عليه وآله) وجعلَ لكلِّ شيء حَدّاً، يوجعلَ عليه دلي يدلُّ عليه، وجعلَ على مَنْ تعدّى ذلك الحَدّ حَدّاً»().
ورُوّيْنا بالطريق المتقدّم، أيضاً، عن يونس، عن حمّاد، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سمعتُه يقول: «ما من شيء إلاّ وفيه كتابٌ أو سنّةٌ»().
ورُوّيْنا عن محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مِهران، عن سَيْف بن عَمِيْرة، عن أبي المِغرا، عن سماعة، عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)قال: قلتُ له: أكلُّ شيء في كتاب الله وسُنّة نبيّه؟ أو تقولُون فيه؟ قال: «بل كلُّ شيء في كتاب الله، وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله)»().
ورُوّيْنا عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فَضّال، عن ثَعْلَبَةَ بن مَيْمُون، عمّن حدّثه عن المُعَلّى بن خُنَيْس قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام): ما من أمر يختلفُ فيه إثنان إلاّ وله أصْلٌ في كتاب الله عزّوجلّ، ولكن لا تَبْلُغُهُ عُقُولُ الرجال»().
وأمثالُ ذلك كثيرٌ وفي ما نقلناهُ مَقْنَعٌ إنْ شاء الله تعالى.
تتمّةٌ: العمومُ في الكتاب، والسنّة المُتَواتِرة، والأحاديث الصحيحة، يجبُ إجراؤُه في كلّ فَرْد داخل تحتَ العُموم، إذْ قد أَمَرَ أميرُ المؤمنين(عليه السلام) بتصيير كلّ فرع إلى أصله من الكتاب والسُنّة.
وأيضاً، لمّا كان القياسُ والاستحسان - عندنا - باطلين، وكان ما وَصَلَ إلينا من النُصوص مُتناهياً، وكانت الحوادثُ غيرَ مُتناهية، لأنّها تجدّدُ على مُرور الأزمان، لَزِمَ رَدُّ الفروع إلى أُصولها. نعم، يخصّ العموم فيهما بأدلّة العقل والكتاب العزيز والُسنّة المُتَواتِرة وغيرها، عند كثير، لئلاّ تتناقضَ الأدلّة.
أصلٌ
] حجيّة الخبر ووجوب العمل به [
وإذا صحّ الحديثُ، ولم يُعارضه أقوى منه أو مُساو، ولم تُعرَف فتاوى الأصحاب بخلافه، وَجَبَ العملُ به، عندَ قاطبة متأخّري أصحابنا، سواءٌ تضمّنَ الوجوبَ أو التحريمَ أو الإباحةَ أو الندبَ أو الكراهةَ.
وإنّما قلنا: «ولم يُعارضه أقوى منه» ليخرجَ ما جاءَ مُخالفاً للكتاب العزيز أو السُنّة المُتَواتِرة، أو قام الدليلُ القاطعُ على خلافه كما يتضمّنُ تكليفَ ما لا يُطاق، أو يتحسينُ ما قَطَعَ العقلُ بقُبحه أو بالعكس، لا مثلَ البراءة الأصليّة، لأنّها ليستْ دلي قاطِعاً، لأنّ العقلَ يُجَوِّزُ مجيءَ التكليف بخلافها.
وإنّما قلنا: «بوجوب العمل به» لأنّه يُثْمِرُ ظنّاً راجِحاً بغير مِرْية، والعملُ يبالمرجوح ممتنعٌ عق، ولأنّ المعروف من شأن الصحابة والتابعين وأصحاب الأئمّة(عليهم السلام) ومَنْ بعدهم العملُ به، يُعْلَمُ ذلك علماً ضروريّاً لمن تتبّعَ آثارَهم وسيرَهم، بحيثُ لا يُرتابُ فيه، فإنْ نازعَ بعدَ ذلك منازعٌ فهو مكابِرٌ.
والسيّدُ المرتضى رحمه الله تعالى، وجماعةٌ من كبار علمائنا، مَنَعُوا من العمل به، محتجّين بعدم الدليل الدالّ على وجوب العمل به، وإذا لم يقمْ دليلٌ على وجوب العمل لم يعمل به، كما أنّه لم يقمْ دليلٌ على وجوب صلاة سادسة، قالوا: وما نقلتموهُ من أنّ الصحابةَ ومَنْ بعدَهم كانوا يعملون بأخبار الآحاد، فهي - أيضاً - أخبارُ آحاد لا تُفيد عِلماً، والعملُ بخبر الواحد مسألةٌ أُصوليّة، ولا يجوزُ أن يكون مُستندُها ظنّاً، فكيفَ تعلمون أنّ اللهَ تعبّدكُمْ بالعمل بخبر الواحد؟ وبعد تسليم صدق هذه الأحاديث إنّما عُلِمَ لكم أنّ الصحابةَ عَمِلُوا عندَها لا بها، فجازَ أنْ يكونُوا تذكَّرُوا بها نَصّاً، أو تأيّدَ بها عندَهم دليلٌ آخَرُ، فالتساوي حاصِلٌ، والشَكُّ والتَوَقُّفُ فرضُ مَنْ فَقَدَ الدليلَ القاطعَ.
والأقوى() الأوّل، وفي ما ذكرناه سابقاً مقنعٌ، وما ذكره(رحمه الله) كالمغالَطة على المَعْلُوم، والأدلّةُ من الجانبين مستوفاةٌ في الأُصول.
أصلٌ
في مَنْ تقبل روايته
أجمع جماهيرُ الفقهاء والمحدّثين على اشتراط كونه مسلماً، بالغاً وقتَ الأداء، دونَ وقت التحمُّل، فتقبلُ روايتُه ما تحمّلَه كافراً أو صغيراً.
ييوكذا يُشترطُ كونُه عاق، عد، أي سليماً من الفسق وخوارم المُروءَة، ضابِطاً، أو مُتيقِّظاً إنْ حَدَّثَ من حفظه، ضابِطاً لكتابِه إنْ حَدَّثَ منه، عالماً بما يُحيلُ المعنى إنْ روى به. سالِماً من الشكّ وقتَ التحمُّل والأداء.
ولا تُشترطُ الذكورةُ، ولا الحريّةُ، ولا البَصَرُ، ولا فِقْهُهُ، ولا عَرَبِيّتُهُ، ولا العَدَدُ. والمشهُور بينَ أصحابنا اشتراطُ إيمانِه، لأنّ مَنْ عدا المؤمن فاسِقٌ.
وما عملوا به من أخبار غيره إمّا لانجباره بالشُهرة، وقد تقدّمَ الكلام فيها، وإمّا لاعتضاده ببعض المرجّحات. وحينئذ المناسب اشتراط أحد الأمرين من الإيمان والعدالة، أو الانجبار بمرجّح.
ويعرفُ ضبطُه بموافقته الثِقات المُتقنين غالِباً، فلا يَضُرُّ النادرُ من الُمخالفة، ولو كَثُرَ لم يحتجُّ به، هذا، إنْ رواها من حِفْظه، أو من غير الطُرق المذكُورة في المُصنّفات، وأمّا الأُصول المشهُورة فلا يُعْتَبَرُ فيها ذلك.
ويُقبَلُ التعديلُ من غير ذِكْر سَبَبِه على الصحيح، ولا يُقْبَلُ الجرحُ، إلاّ مُبَيَّنَ السَبَب لاختلاف الناس في ما يُوجِبُه، فبعضُهم يجعلُ الكبيرةَ القادحةَ ما تُوُعِّدَ عليها بالنار، وبعضُهم يُعِمُّ التَوَعُّد، وآخَرُون يُعِمُّون المُتَوَعَّد فيه، من الكتاب أو السُنّة، وبعضُهم يجعلون جميعَ الذنوب كبائرَ، والصِغَرُ والكِبَرُ إضافيٌّ عندَهم، ويُشْكَلُ بأنَّ ذلك آت في باب التعديل لأنّ العدالةَ تَتَوَقَّفُ على اجتناب الكبائر، فربّما لم يَعُدُّ العدَلْ ُبعضَ الذنوب كبائرَ ويَعُدُّها المُعَدِّلُ له، ومن ثَمَّ ذَهَبَ بعضٌ إلى اعتبار التفصيل فيها، ومَنْ نَظَرَ إلى صُعوبته اكتفى بالإطلاق فيهما، أمّا التفصيلُ فليس يوجبه، ولو عُلِمَ اتّفاقُ الجارح والطالب للجرح في ما يُوجِبُه كفى الإطلاقُ فيهما.
وكُتُبُ الجرح التي لم يُبَيَّنْ فيها السَبَبُ فائدتُها التوقُّفُ ليُبْحَثَ عنه ويعملَ بما يظهرُ.
والصحيحُ أنّ الجرحَ والتعديلَ يَثْبُتان بواحد، لأنّه من قبيل الإخبار لا الشهادة (كما في أصل الرواية، فكما لا يُعتبرُ في الأصل كذا في الفرع)().وقيل: لابُدَّ من اثنين.
ويثبتان - أيضاً - بالاستفاضة، باشتهار عدالته بين أهل النقل وغيرهم من أهل العلم، كمشايخنا من عهد شيخنا محمّد بن يعقوب إلى يومنا هذا، فإنّه لا يحتاج في هؤلاء إلى تنصيص على تزكية، لاشتهار ثقتهم وضبطهم. وإنّما نتوقَّفُ في مَنْ فوقَهم ممّنْ لم يُشْتَهَرْ.
ويُقبَلُ تعديلُ وجرحُ مَنْ تُقْبَلُ روايَتُهُ.
وإذا اجتمع الجرحُ والتعديلُ قُدِّمَ الجارحُ، وقيل: إنْ زادَ المعدِّلون قُدِّمَ التعديلُ. والأوّلُ أصحُّ، لإخبار المعدّلِ عن ظاهِر الحالِ، والجارحِ عن الباطنِ الخفيِّ. وأيضاً: الجارحُ مُثْبِتٌ، والمعدّلُ ناف، نعم، إنْ وقع التعارُضُ المحضُ() رجعا إلى الترجيح بالكثرة ونحوها، فإنْ لم يثبت المرجّحُ وجب التوقُّفُ.
ولو قال الراوي الثِقةُ: «حدّثني الثقةُ» أو «العدلُ» ونحوهما، لم يَكْفِ عندَ بعضهم، لجواز كون غيره قد اطّلعَ على جرحه، وأصالةُ عدم الجارح غيرُ كاف، إذْ لابُدَّ من البحث. وإضرابُه عن تسميته مُريبٌ. والاحتمالُ آت، والأصحُّ الاكتفاءُ إذا كان القائلُ عالماً بطرق الجرح والتعديل.
ولو قال: «كلُّ مَنْ رويتُ عنه فهو ثِقةٌ، وإنْ لم أُسمّه» فكذلك.
وقولُ العالم: «هذه الروايةُ صحيحةٌ» تعديلٌ لراويها إذا كان لها طريقٌ واحدٌ.
يوإذا روى العدلُ عمّن سمّاه; لم يكن تعدي عند الأكثرين، وهو الصحيحُ.
وعملُ العالم وفُتياه ـ على وِفْق حديث ـ ليس حكماً بصحّته، وإنْ كان لا يعمل إلاّ بخبر العدل، وقال بعض العامّة: هو حكمٌ بصحّته، إذا لم يكن له شاهدٌ، ولا متابعٌ، ولم يكن عمله به للاحتياط، وليس بشيء، لجواز أن يكون عملُه لدليل آخَر، وكذا ليس مخالفةُ عمله للحديث قدحاً في صحّته، ولا في روايته.
فروعٌ:
(الأوّل) لا تقبلُ روايةُ مجهول العدالة، عند الجماهير، منّا ومن العامّة. وأمّا المستُور ـ وهو عدلُ الظاهر خفيُّ الباطن، كالممدوح غير المنصُوص على ثقته ـ فقد تقدّم أنّه يحتجُّ بها بعضهم، وذلك كما اتّفقَ في جماعة من الرُواة تقادمَ العهدُ بهم، وتعذّرتْ خبرتهم باطناً. وأكثرُ العامّة أو كلُّهم يقبلُه، وعليه عملُهم في كُتُبهم المشهورة، قالوا: لأنّ أمرَ الأخبار مبنيٌّ على حُسْن الظنّ بالمُسلم، ونشرُ الحديث مطلوبٌ، ومعرفةُ الباطن متعذّرةٌ.
(الثاني) قال بعضُ العامّة: المجهولُ عند أهل الحديث مَنْ لم يعرفه العلماءُ، ولا يُعرَفُ حديثُه إلاّ من جهة واحدة. وقال بعضُهم: مَنْ روى عنه اثنان عيّناهُ، ارتفعتْ الجهالةُ عن عينه، وكلُّ ذلك ليس - عندنا - بشيء.
والَمجهُول ـ عندنا ـ مَنْ لم يُوثَّقْ، ولم يُضَعَّفْ، ولم يُمْدَحْ، وإنْ روى عنه الناسُ وعُلِمَت نسبتُه واسمُه، نعم، إذا عُلِمَ صحّةُ عقيدته ارتفعتْ جهالتُه من هذه الحيثيّة، وكان ذلك نوعاً من المدح، فربّما دَخَلَ في قسم الحَسَن، وكذا إذا روى عنه الناسُ، وله كتابٌ، ونحو ذلك.
وبالجملة، مراتبُ المجهول تتفاوتُ كتفاوت الموثَّق، والممدوح، والضعيف.
(الثالث) تُقبَلُ روايةُ التائب من الفِسْق، إلاّ الكذب في أحاديث الرسُول، فلا تُقْبَلُ أبداً، وإنْ تابَ، كذا قاله بعضُ العامّة، وهو مخالفٌ لقواعد مذهبنا، ومذهب العامّة أيضاً، والأقوى: القبولُ، وأنّه لا فرقَ بينَه وبينَ الشهادة.
(الرابع) إذا روى حديثاً عن رجل، ثمّ نفاهُ المرويُّ عنه، فإن كان جازماً بنفيه وَجَبَ ردُّه، ولا يقدحُ ذلك في باقي رواياته عنه، ولا عن غيره، وإن كان مكذِّباً لشيخه في ذلك، إذ ليس قبولُ جرح شيخه له بأولى من قبول جرحه لشيخه فتساقطا. كذا قيل، وفيه نظر.
وإنْ قال المرويُّ عنه: «لا أعرفُه» أو «لا أذكُرُه» أو نحو ذلك، لم يقدح.
(الخامس) مَنْ روى حديثاً، ثمّ نَسِيَهُ، جازَ له روايتُه عمّنْ رواه عنه، والعملُ به على الصحيح، وهو قولُ الجمهور من الطوائف كلّها، لأنّ الإنسان عُرْضَةٌ للنسيان، والفَرْضُ أنّ الراوي عنه ثِقةٌ جازمٌ، فلا تردُّ روايتُه بالاحتمال، وقد روى كثيرٌ من الأكابر أحاديثَ نَسُوها، عمّن أَخَذَها عنهم، فقالوا: «حدّثني فلانٌ عنّي أنّي حدّثتُه بكذا».
(السادس) إذا قال الراوي: «حدّثني فلانٌ أو فلانٌ» وهما عدلان احْتُجَّ به، وإلاّ فلا، وكذا لا يُحتجُّ به إذا قال: «فلانٌ أو غيره».
(السابع) لا تُقبلُ روايةُ مَنْ عُرِفَ بالتساهُل في سماعه أو إسماعه، كمَنْ لا يُبالي بالنَوْمِ في السماع، أو يحدّثُ لا من أصل مصحّح، أو عُرِفَ بكثرة السَهْو، أو كثرة الشواذّ والمناكير في حديثه، وقد بَيَّنَ نُقّاد الرجال من عُلمائنا في كتبهم كثيراً ممّن يتّصفُ بهذه الصفة.
(الثامن) مَنْ بُيِّنَ في حديثه غَلَطٌ، فأصَرَّ عليه سَقَطَتْ روايتُه إنْ أصَرَّ عناداً.
(التاسع) من خَلَّطَ، لذهاب بَصَر، أو لخَرَف، أو فِسْق، أو بدعة، أو كفر بِغُلُوٍّ ونحوه، قُبِلَ ما حدّثَ به قبلَ ذلك، دونَ ما بعدَه، ودونَ ما يشكُّ فيه، كما في أبي الخَطّاب وأشباهه. (العاشر) قد أعْرَضَ الفريقان من الُمخالِف والمُؤالِف - في زماننا هذا - عن كثير من هذه الشُرُوط، لكون الأحاديث - عندنا وعندهم - قد تلخّصتْ، وهُذِّبتْ، وجُمِعَتْ في كتب معروفة مشهورة، وقد صار المقصودُ إبقاء السِلْسِلة متّصلةَ الإسناد المختصِّ بهذه الأُمّة.
ييولا يعتبرُ حينئذ إلاّ ما يليقُ بالمقصود، وهو كونُ الشيخ بالِغاً، عاقِ، عَدْ، غيرَ مُتساهِل، ولا مُسْتَخِفٍّ بالأحاديث، مثبتاً أحاديثَه بخطٍّ غيرِ متّهم، بروايتِه من أصل مصحّح موافق لأصلِ شيخه.
وقد شَرَطَ كلَّ ذلك - أيضاً - أهل الُسنّة إلاّ العدالةَ، فإنّهم ـ قاتَلَهم اللهُ ـ بَنَوْا على أصلهم من الاكتفاء بعدم التَظاهُر بالفِسْق().
أصلٌ
في ألفاظ التعديل والجرح
لابُدَّ في التعديل من اللفظ الصريح:
وأعلى مراتبه «ثِقَةٌ» وقد يؤكَّدُ بالتكرير، وإضافة «ثَبْتٌ» و «وَرِعٌ» وشبههما ممّا يدلّ على عُلُوّ شأنه،
ثمّ «عَدْلٌ ضابِطٌ» أو «ثَبْتٌ» أو «حافِظٌ» أو «مُتقِنٌ» أو «حُجَّةٌ».
أمّا «عَدْلٌ» فقط، فغيرُكافية، بدون انضمام ما ذكرنا انضمامه إليها ونحوه، لاشتراط هذا المعنى معها في صحّة الرواية.
أمّا ما ضممناه إلى «عدل» ونحوه إذا انفردَ; فليس توثيقاً، لأنّها أعمُّ من المطلوب، فلا يدلُّ عليه، وكذا «صدوقٌ» و «خَيِّرٌ» و «عابِدٌ» و «مُعتَقِدٌ» و «شَيْخٌ»و «صالِحٌ» و «وَجْهٌ» و «لا بأسَ بِهِ» و «عالِمٌ» و «واسِعُ الرواية» و «روى عنه الناسُ» ونحو ذلك، فإنّه داخل في قسم الحَسَن إنْ عُلِمَ كونُه من أصحابنا، وإنْ كان بعضُها أقربُ من بعض، فيُقبلُ حديثُه للاعتبار والنَظَر، ويكونُ مقويّاً وشاهِداً، وبعضُهم يحتجُّ به، كما قدّمناه.
أمّا نحو «شَيْخُ هذه الطائفة» و «عُمْدَتُها» و «وَجْهُها» و «رَئيسُها» ونحو ذلك، فقد استعملها أصحابُنا في مَنْ يَسْتغني عن التوثيق، لشُهرته، إيماءاً إلى أنّ التوثيقَ دونَ مرتبته.
وأمّا ألفاظُ الجرح:
فـ«مُتقارِبُ الحديث» ثمّ «لُيِّنُه» ثمّ «وَسَطُه» ثمّ «ليسَ بذاك القويّ» ثمّ «فيه، أو في حديثه ضَعْفٌ» ونحو ذلك.
ومثل هذا يُكتبُ حديثُه - أيضاً - للنظر والاعتبار، وربّما صَلُحَ شاهِداً ومقويّاً.
ثمّ «مُخَلِّطٌ» ثمّ «مترُوكُ الحديث» ثمّ «ساقِطٌ» ثمّ «كذّابٌ» ثمّ «غال» و «مُجَسِّمٌ» وما أشبه ذلك ممّا يدلّ على كُفْره، فلا يُكتبُ حديثُه ولا يُعتبرُ.
أصلٌ
في كيفيّة كتابة الحديث وضبطه
قد قدّمنا أنّه كان بعضُ السلف يكرهُ كتابة الأحاديث، لخوف التزوير، وترك الحفظ للاتّكال على الكتابة، ثمّ بيّنا أنّ ذلك عَنَتٌ بيّنٌ، وقدّمنا ما يدلُّ على وجوب يكتابتها، فض عن جوازه().
وقد وَقَعَ الإجماعُ على ذلك، خُصوصاً في زماننا هذا الذي كادت تندرسُ فيه آثارُ أهل البيت (عليهم السلام) بل اندرست أكثرُ مَعالمه، وعُلومه، وكيفيّات استفادته وإفادته، وكادت تنقطعُ روايتُه ويجهلُ قدرُه ونفعُه() نسأل الله العصمة والتوفيق لما يحبّ ويرضى.
يفالواجبُ على كاتبه صرفُ الهِمّة إلى ضَبْطه، وتحقيقه، شَكْ، ونَقْطاً، وتَبْيِيناً لحروفه، بحيثُ يؤمنُ اللبسُ معه، ولا سيّما شَكْلُ الملتبَس ونَقْطه فإنّه أهمُّ.
وقد رُوّيْنا عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نَصْر، عن جميل بن دَرّاج، قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام): «أَعْرِبُوا حديثَنا فإنّا قَوْمٌ فُصَحاء»().
وبعضُهم يكرهُ شَكْلَ ما عدا الملتبَس. وينبغي الاعتناء بضَبْط الملتبَس من الأسماء أكثرَ() فإنّه أهمّ. فإنْ لم يتيسّرْ في نفس الكتاب كَتَبَ وضَبَطَ على الحاشية قُبالتَه. ويستحبُّ تحقيقُ الخَطّ، دونَ مَشْقِهِ، وتَعْليقِهِ، ويكره تعليقُهُ().
وينبغي ضَبْطُ الحُروف المُهمَلة أيضاً، بأنْ يجعلَ نُقطةَ كلِّ حرف معجم تحتَ نظيرهِ المهملِ، وقيل: يجعلُ فوقَها كقُلامة الظَفْر مُضْجَعةً على قَفاها، وقيل: تحتَها حرفٌ صغيرٌ مثلَها. وكلُّ ذلك جائزٌ، نعم، لا ينبغي أن يَصْطَلِحَ مع نفسِه بشيء لا يعرفُه الناسُ، فإنْ فَعَلَ فليُبَيّنْ في أوّل الكتاب أو آخِرِهِ.
فوائد:
(الاُولى) ينبغي لكاتب الحديث أن يكتبَ أوّلَ الكتاب بعد البَسْمَلة اسمَ الشيخ المرويَّ عنه، وكنيتَه، ونسبَه، ونحوَ ذلك من التعريف والتوضيح، وإنْ أضافَ تاريخَ السماع ومحلَّه كانَ أكملَ كما فَعَلَه أكثرُ محدّثينا ومحدّثي العامّة.
ثمّ يجعل بينَ كلّ حديثين دارةً حمراءَ أو سوداءَ، كبيرةً، بيّنةً، أبينَ من كتابة الأحاديث، كما كان يفعلُه المتقدّمون، ولو تركَ مكانَها بياضاً متّسعاً بيّناً جازَ، لأنّ القصدَ التمييزُ.
وآكد من ذلك أن يفصلَ بينَ الحديث وغيره - ممّا يتّصلُ به من كلامِ المؤلّف - بهاء مشقوقة هكذا «هـ» أو نحوها لئلاّ يختلطَ لفظُ الحديث بغيره، كما وَقَعَ لنا في بعض أحاديث (التهذيب) من الالتباس بكلام (المُقنِعة) وكلام الشيخ الطوسي(رحمه الله)فلم نميّزه إلاّ بعد عُسْر شديد وتفتيش تامٍّ.
ي وتكون الدارةُ - المذكورةُ أوّ - علامةً لأوّل الحديث، فإن كان بعد الحديث حديثٌ آخَرُ اكتفى بها بينهما، وإن كان بعدَه كلامٌ تعيّنت الهاءُ.
وهذا في مثل (التهذيب) و (الاستبصار) واجبٌ، لاختلاط أحاديث (التهذيب) بكلام (المقنعة) وكلام الشيخ، واختلاط أحاديث (الاستبصار) بكلام الشيخ في وجه الجمع وغيره.وقد ميّتُ بحمد الله في كتابي بعضاً عن بعض، بحيث لا يلتبسُ منه شيءٌ بشيء.
وينبغي أن تكونَ الدارةُ المذكورة خاليةَ الوَسَط. فإذا قابَلَ نَقَّطَ وَسَطَها نُقْطةً، ثمّ كُلّما قابَلَ مَرَّةً نَقَّطَ وَسَطَها نُقْطةً، ليحصلَ الاطمئنانُ بالنسخة.
ويكرهُ في مثل «عبدالله» و «رسول الله» و «أبو محمّد» كتابةُ الأوّل في آخِرِ السطر، والثاني في أوّل الآخَرِ. وأقبحُ من ذلك الفرقُ ـ كذلك ـ بينَ العاطف والمعطوف إذا كان بالواو، وقد يسهلُ إذا كان بغيرها. وأقبحُ من كلّ ذلك ـ بل لا يفعلُه ذُو بَصيرة ـ تفريقُ الكلمة الواحدة كذلك.
(الثانية) يستحبُّ أن يُحافِظَ الكاتبُ على كتابة الصلاة والتسليم على
رسُول الله وعلى الأئمّة(عليهم السلام) في كلِّ حديث، كلّما ذُكِرَ، ولا يَسأَمَ من تَكراره، ومَنْ يأغْفله حُرِمَ أجْراً جزي، ولا يتقيّد فيه بما في الأصل إنْ كان ناقِصاً، لأنّه دُعاءٌ يُنْشِئُه لا شيءٌ يرويه، وكذا الثناء على الله تعالى بـ«عزّوجلّ» وشبهه، كلّما ذُكِرَ. وكذا الترضّي والترحُّمُ على خُلصاء الصحابة وأصحاب الأئمّة والعُلماء والصُلحاء، إلاّ ما ييكونُ في نفس السَنَد، فإنّ ذلك يُُوجِبَ تطوي مُمِلاًّ قد أَعْرَضَ عنه العُلماء رغبةً في الاختصار. ويكرهُ الرمزُ لذلك،كما يكرهُ - بل يحرّم - إفرادُ النبيّ عن الآل بالصلاة أو السلام، كما يفعلُه أعداؤُهم، هذا، مع ما قد رووا في صحاحهم عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مَنْ صلّى عليَّ ولم يُصَلِّ على آلِي فَقَدْ جَفاني» ورووا أيضاً في عدّة أحاديث أنّ الصحابة لمّا قالوا: كيف الصلاةُ عليكم يارسول الله؟ فقال: قولوا: «اللهمّ صلّ على محمّد وآلِ محمّد كما صلّيتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيمَ إنّك حَمِيْدٌ مَجِيدٌ»().
فقد رواه البخاريّ بأربع طُرُق، ورواه أيضاً مسلمُ في صحيحه() ورواه إمامُهم الثعلبيّ بثلاث طرق .
ولكن هذا غيرُ عجيب، بعدَ ما فعلوه من بُغْضهم، ونصب العداوة والحرب لهم، بعدَ ما نقلوه في شأنهم.
(الثالثة) الواجبُ على ناقل الحديث أن يقابلَ نسختَه بأصل شيخه، أو أصل مُعْتَمَد معلومِ الصحّة، ولا عبرةَ بكونه عتيقاً، أو عليه كتاباتُ البلاغ، فإنّا قد شاهَدنا شيئاً من ذلك مشحوناً بالغَلَط، بل لابُدَّ من امتحان النُسْخة بمقابَلة جانِب منها بغيرها من النسخ ونحوه، ليعلمَ صحّتَها.
والأفضلُ أن يمسكَ هو وشيخُه كتابيهما، أو ثقةٌ ضابِطٌ ذُو بَصيرة غيرِه أو غيرِ شيخه، أو ثقتان ضابِطان غيرِهما، فإنْ لم يُقابِلْه بهذا الشَرْط لم تَجُزْ روايتُه، ولا النقلُ منه.
(الرابعة) المختارُ في تخريج الساقِط، هو «اللَّحَقُ» - باللام والحاء المفتوحتين ي- أن يخُطَّ من موضع سُقوطه في السطر خَطّاً صاعِداً قلي، معطوفاً بين السطرين عَطْفةً يسيرةً إلى جِهة اللَّحَق، ويكتبَ اللَّحَقَ قُبالةَ العَطْفة، في الحاشية التي تجاورُ أوّل الأسطُر من الصفحة الُيمْنى، والتي تُجاوِرُ أخِرَ الأسطر من اليُسْرى، إن اتّسعت لذلك، وإلاّ ففي الجهة الأُخرى، إلاّ أن يسقطَ في آخِر السطر فتخرجُ إلى آخِرِه على كلِّ حال مع السعة.
ثمّ، إن كانت في الجانب الأيسر كُتِبَتْ صاعِداً إلى أعلى الورقة مُطلقاً، إلاّ أن تكونَ كلمةً أو كلمتين فتكتبُ على سَمْت الأسطر.
وإن كانت في الجانب الأيمن كتبت صاعِداً أيضاً، إن كانت سطراً واحداً، فإن زادتْ كتبتْ إلى أسفل. ثمّ يكتب في انتهاء اللّحق «صَحَّ» وليكتبْ واضِحاً كخطّ الأصل، إلاّ أنْ يخشى الضيقَ.
وأمّا الحواشي من غير الأصل كشرح، وبيان غلط، أو اختلاف رواية، أو نحو ذلك فليكتبْ على غير نَسَق اللَّحَق، بخطّ أدَقَّ من الأصل، وسُطُوره على سمت الأسطر، لكن بانحراف يسير إلى أعلى أو إلى أسفل، وليُعْلِمْ لها بخَرْجَة لطيفة فوقَ الكلمة التي هي لها، أو ياء هنديّة أو نحو ذلك.
(الخامسة) شأنُ المُتقِنين التصحيحُ والتَضْبِيبُ، وهو التمريضُ، وقد يُسمّى التشكيكَ. فالتصحيحُ: كتابةُ «صح» صغيرةً فوقَ كلام صَحَّ روايةً أو معنىً، وهو عُرْضةٌ للشكِّ أو الخلاف أو الوهم.
وأمّا التَضْبِيبُ: فأنْ يُمَدَّ خَطٌّ أوّلُه كالصاد الصغيرة - ولا يُلصُق بالممدود عليه - على ما فَسَدَ لفظاً أو معنىً أو كان فيه نقصٌ أو لبسٌ أو نحو ذلك. هكذا كان يفعلُه يالصدرُ الأوّلُ وما بعده، وأمّا المتأخِّرون فربّما استعملُوه قلي، والمستعملُ بينَ المتأخِّرين ـ في عصر الشهيد وما قاربَه - التضبيبُ بياء هنديّة هكذا:« »() فوقَ الكلمة، ثمّ يكتبون ياءً هنديّةً أُخرى مثلَها بإزائها، على الحاشية، ليسهلَ تصحيحُه إذا أُريد، وهو في غاية الحُسْن، وعليه عملُنا في كتب الأحاديث وغيرها.
وبعضهم يُنَقِّطُ ثلاثَ نُقَط عليه، ثمّ على الحاشية بإزائه، ولا بأسَ به.
(السادسة) إذا وقع في الكتاب ما ليسَ منه، نُفِيَ بالضرب أو الحَكّ، والضربُ أولى. فيُخَطُّ فوقَ المضروب خَطٌّ بَيِّنٌ دالٌّ على إبطاله، مختلطٌ به، ولا يَطْمِسُهُ بالسواد ولا بغيره فيصيرُ مستقبَحاً، بل يُترَكُ ممكنَ القِراءة. وبعضهم لا يخلطه بالمضروب عليه، بل يخطُّ فوقَه ويعطفُ على أوّلِه وآخِرِه. وبعضهم يحوّقُ على أوّله وآخِره نصفَ دائرة. وبعضهم يضعُ دائرةً صغيرةً أوّلَه وأُخرى آخِرَه. وبعضهم يكتبُ «لا» في أوّله و «إلى» في آخره.
والأوّلُ أولى من كلّ ذلك، لأنّ ذلك قد يخفى فيوقِعُ الناسخَ منه في الغَلَط، كما شاهدناه كثيراً.
وأمّا إذا وقع تكرارٌ، فبعضهم يختارُ الضربَ على الثاني، وهو جيّدٌ إن تساويا، وإلاّ بَقّى أحسنَهما صورةً وأبينَهما، وإن كان التكرارُ أوّلَ السطر ضربَ على الثاني، أو آخرَه فعلى الأوّل، وإن كان آخِرَ سطر وأوّلَ آخَر فعلى آخِر السطر، فإنْ تكرّرَ المضافُ أو المضافُ إليه أو الموصوفُ أو الصفةُ أو نحو ذلك; رُوعِيَ الاتّصالُ أو يُراعى الأحسنُ والأبينُ.
وأمّا الحكُّ والكشطُ فهو عندَهم مكروهٌ، لأنّه عَناءٌ، وربّما أفْسَدَ الورقَ أو أضعفَه.
خاتِمةٌ
] في الرُمُوز والاخْتصارات [
قد غَلَبَ على أكثر المحدّثين ـ منّا ومن العامّة ـ الاقتصارُ على الرَمْز في «حدّثنا» و «أخبرنا»، وشاعَ ذلك بحيثَ لا يخفى، فيكتبون من حدّثنا «ثنا» فقط، وقد يحذِفُون الثاءَ أيضاً، ويكتبون من أخبرنا «أنا».
هذا، وأمّا ما فعلَه عامّةُ محدّثينا، كابن بابَوَيْه والشيخ الطوسي(رحمهم الله) وأمثالهما من ذكر الرجل فقط من غير «حدّثنا» ولا «أنبأنا» ولا الرمز له; فإنّما يفعلونه في الأكثر يفي أعالي السند، إذا حذفوا أوّلَه للعلم به، فيكونُ المعنى «عن محمّد بن يحيى» مث، فيحذفون «عن» أيضاً اختصاراً. وإنّما فعلُوا ذلك، لأنّ كيفيّة الأخْذ في أعالي السند تخفى في الأغلب على متأخّري المحدّثين، وإنّما المقصودُ أن يبيّنوا أنّه مرويٌّ عنه أعمَّ من أن يكونَ بقراءة أو بإجازة أو غير ذلك من طرق النقل، فلهذا اقتصروا على ذكر الراوي فقط.
ومن غير الأكثر ما فعله محمّد بن يعقوب الكليني(رحمه الله) فإنّه حذفَ ذلك من الأوّل أيضاً، لما ذكرناه من أنّ المرادَ إثباتُ الرواية.
وأمّا إذا اتّصلَ بهم السندُ فلا يكادون يُخِلُون بذكر «حدّثنا» أو «أخبرنا» أو الرمز له، كما هو في كثير من (التهذيب) وباقي كتب الأحاديث.
فائدتان:
(الأُولى) إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، تامّان أو ناقصان، كتبوا عند الانتقال من سَنَد إلى آخَر «ح» علامةً للتحويل، فيَقْرأُ القارىءُ:(حاء) تامّةً، ليدلَّ على التحويل.
ومنهم مَنْ قال: إنّ هذه الحاءَ رَمْزٌ عن «صح» لئلاّ يُتوهَّمَ أنّ متنَ الحديث سقط، ولئلاّ يُرَكِّبَ الإسنادُ الثاني على الإسناد الأوّل، فيجعلهما واحداً.
والحقّ أنّها من التحويل من إسناد إلى آخر، أو من الحائل بين الإسنادين، كما قدّمناه. وما ذكروه من التعليل ثانياً هو نفس ما قلناه.
ومحمّد بن يعقوب، والشيخ الطوسيّ» وكثيرٌ من محدّثينا يكتفون بحرف العطف، سواءٌ كان السندُ الثاني تامّاً أم ناقصاً. ولا بأسَ به.
(الثانية) قد اصطلحوا على حذف أشياء في الكتابة دون القراءة، وجرت العادةُ بذلك واشتهرَ بحيث لا يخفى ولا يُنْكرُ:
فمنها: لفظةُ «قال» بينَ رجال السند.
ومنها: لفظةُ «وبالإسناد المذكور» أو «وبه» وذلك عند كتابة الأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد.
ومنها: همزةُ «أبي فلان» عند النداء، نحو «يابا سعيد».
ومنها: ألف «يا» في نداء رسول الله(صلى الله عليه وآله)خاصّة نحو «يرسول الله».
ومنها: مدّة (كاف) التعليقيّة من نحو «كتبه» ونحو ذلك.
ومنها: (ألف) الوصل من «بسم الله» فقط.
ومنها: (ألف) «الحرث» و «ملك» و «خلد» ونحو ذلك.
ومنها: (ألف) المنصوب من نحو «رأيتُ أنس» و «سمعت محمّد يقول».
وقد اصطلحوا - أيضاً - على إثبات أشياء في الكتابة دون القراءة: مثل كتابة الواو لـ«عَمْرو» ليُفرّقَ عن عُمَر.ومثل كتابة (ألف) بعد (واو) الجمع، وقد يلحقونه أيضاً بعد (الواو) من صفة المذكر نحو «يَغْزُوا» و «يَدْعُوا» وأمثال ذلك ممّا هو مقرَّرٌ يفي فنّ الخَطّ. والحمد لله أوّ وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.
]بلاغُ القراءة بخطِّ المصنِّف(رحمه الله):[
«أنهاه أيّده الله وحفظه وتولاّه قراءةً وفهماً وتصحيحاً، في مجالس متعدّدة آخرها ليلة السبت عاشر شهر جمادى الآخرة سنة تسع وستين و تسعمائة من الهجرة النبويّة على مشرفها السلام.
وقد أجزتُ له أدام الله توفيقه وسهّل إلى درك المعالي طريقه، روايتَه عنّي، فليَرْوِه كما شاءَ وأحبَّ محتاطاً لي وله، لا زالَ مُسدّداً مؤيّداً إلى يوم الدين،
قال ذلك بلسانه ورقمه ببنائه مؤلّفُه فقيرُ رحمة ربّ الغنيِّ: حسينُ بنُ عبدالصمد الحارثيّ عاملَه اللهُ تعالى».
يقول محقّقُ الكتاب:
وقد انتهيتُ من مقابَلة هذه المطبوعة بالمخطوطة الثمينة، يومَ الخميس (14/رجب/1408) بمدينة قُم المشرفة، تحتَ أزير صواريخ الظلم العالمي على إيران الإسلام نَصَرَ اللهُ جنودها على أعدائها.
وَكَتَبَ
السيّدُ محمّد الرضا الحسينيّ الجلاليّ
كان الله له
الفهارس العامّة
1 ـ فهرس الآيات الكريمة.
2 ـ فهرس الأحاديث الشزيفة .
3 - فهرس الأعلام : الاشخاس والبلدان والأيام.
4 ـ فهرس المصطلحات والألفاظ الخاصّة .
5 ـ فهرس مصادر المقدّمة ومراجعها
إجازة الحديث: للشهيد الثاني زين الدين بن علي بن أحمد العاملي (911 965هـ) طبعه مع حقائق الإيمان له، السيّد مهدي الرجائي ـ منشورات مكتبة السيّد المرعشي ـ قم 1409هـ .
أعيان الشيعة: للإمام السيّد محسن الأمين العاملي، الطبعة الثانية ـ دار التعارف بيروت ، والطبعة الثالثة ـ في عشرة مجلّدات ـ بيروت.
أمل الآمل: في علماء جبل عامل، للشيخ الحرّ العامليّ محمّد بن الحسن (ت1104هـ) تحقيق السيّد أحمد الحسيني ـ دار الأندلس ـ بغداد.
بحار الأنوار: للعلاّمة المحدّث المجلسي محمّد باقر بن محمّد تقي (ت1110هـ) الطبعة الحديثة ـ طهران وبيروت.
بهاء الدين العاملي: أديباً، شاعراً عالماً، للدكتور محمّد التونجي، منشورات المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية في إيران ـ دمشق.
خلاصة الأثر: للمحبّي.
الذريعة إلى تصانيف الشيعة: للعلاّمة المولى محمّد محسن آقا بزرك الطهراني (1293 ـ 1389هـ) دار الأضواء ـ بيروت 1403هـ .
رياض العلماء وحياض الفضلاء: للأفندي عبدالله بن عيسى الأصفهاني تحقيق السيّد أحمد الحسيني، مطبعة الخيّام ـ قم 1401هـ .
سلافة العصر: للمدني.
الغدير في الكتاب والسنّة والأدب للشيخ عبدالحسين الأحمد الأميني (1320 ـ 1390هـ) دار الكتب الإسلامية ـ طهران 1372هـ .
فضائل السادات: للسيد محمد أشرف سبط المير داماد، تصحيح السيد مهدي اللاجوردي طبع قم 1380هـ .
فهرس مكتبة السيّد المرعشي: للسيّد أحمد الحسيني.
الكشكول للبحراني: الشيخ يوسف بن أحمد أل عصفور (1107 ح 1186هـ) دار النعمان ـ بيروت 1406هـ .
الكشكول للبهائي: شيخ الإسلام محمّد بن الحسين العاملي (953 ـ 1030هـ) منشورات الأعلمي ـ بيروت 1403هـ .
لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرّتي العين: للشيخ البحراني، تحقيق السيّد محمّد صادق بحر العُلُوم ـ النجف.
مناظرة الشيخ الحسين بن عبدالصمد: مع أحد علماء العامّة في حلب، تحقيق شاكر شبع، مؤسسة قائم آل محمّد (عليه السلام)ـ قم 1413هـ .
وصول الأخيار: إلى اُصول الأخبار،للحسين بن عبدالصمد العاملي الحارثي (918 ـ 984هـ)طبع السيّد عبداللطيف الكوهكمري ـ مجمع الذخائرـ قم 1401هـ .
6 ـ فهرس المحتوى
مقدّمة التحقيق : المؤلّف والكتاب
مقدّمة المؤلّف
مقدّمة الكتاب وفيها فصول ثلاثة.
أصول خمسة : مَنْ نقلنا عنه حاديثنا وأخذنا معالم ديننا، والأصول الحمسة للحديث الشريف ومؤلّفوها .
أصول سبعة : التعريفات والتقسيمات والاصطلاحات فى الألقاب .
أصول ثلاثة :آداب المحدّثين والعلماء.
أصول خمسة : آدار طلاّب العلم والحديث .
فصلٌ: في كيفيّة سماع الحديث وتحمّله .
فصلٌ: في الإسناد العالي والنازل .
أصول خمسة : في كيفيّة رواية الحديث .
فصلان: في أحوال الصحابة .
أصول ثلاثة في اختلاف الحديث .
أصلٌ: موافقة الحديث للكتاب ومخالفته .
؟صلٌ: بطلان القياس والاستغناء عنه .
أصلٌ: حجيّة الخبرووجوب العمل به .
؟صلٌ: في مَنْ تقبل روايته .
؟صلٌ: في ألفاظ التعديل والجرح .
؟صلٌ: في كيفيّة كتابة الحديث وضبطه .
خاتمة : في الرموز والاحتصارات .
الفهارس العامّة
كلمة الناشر
الحمد لله ربّ العالمين الذي جعل حديث رسوله الكريم حُجّةً مع القُرآن العظيم ومصدراً للمعرفة بالدين القويم في الأصول والفروع، والصلاة على الرسول الأعظم9 الذي صدع بالوحي المبين فبيّنه بما آتاه الله من الفصاحة والبالغة ، وأدّى حقّ بلاغه بما بثّه من الحديث الشريف روايةً وتدويناً، لا تأخذه في ذلك لومة لائم ولا يصدّه منعُ مانع.
وعلى الأئمة المعصومين من آله الأطهار الذين قرن الله طاعتهم بطاعته وأوجب مودّتهم على المؤمنين بدينه وملّته وجعلهم خزّاناً لعلمه وحكمته وأمناء على وحيه وشريعته فكانوا للمسلمين سفن النجاة وسط العواصف والزوابع وقد عرف المخلصون من المسلمين واجبهم في الجفاظ على الحديث الشريف كما صنعوا مع القرآن الكريم فجدّوا في صيانته وتكريمه وحاطوه بكل رعاية وعناية وصانوه من كلّ ما يمسّ قدسه وطهره، فها هو القرآن المجيد يتلألؤ وجوده الشريف مزداناً بكلّ ما يتصوّر من قدس وعظمة ومجد، وها هو الحديث الشريف بما له من سعة وضخامة يتمتّع بالصيانة الكاملة والرعاية التامّة كما تواتر عليه العمل والجهد البيغ منذ الأعوام والقرون الطوال وبالأدوات العلمية الرصينة وطبقاً للموازين والاسس المقبولة التي زاولوا بها عملية الجمع والتدوين والنقل ومن تلك الأدوات : هي ما ابتكروه من قوانين « علم الدراية ومصطلح الحديث » التي تهدف إلى معرفته متناً وسنداً وتجديد معالمه وتقويم أسسه فحقّ أنْ يعدّ هذا العلم « ميزاناً » لمعرفة الحديث كالمنطق بالنسبة إلى الاستدلال العقلي. وكان للشيعة الكرام ـ زاد اللهُ في عزِّهِم وجَلالِهِم ـ القدم الراسخة في توطيد أركان الحديث وعلومه وتشييد مبانيها تدويناً ونشراً وتأسيساً وتحقيقاً ولهم في هذا العلم كما في سائر العُلُوم الأسلاميّة من التُراث المسجّل كُنُوزٌ واسعةُ الأطراف يعيدةُ الأغْوار، بين ما هو مبثوث منتشر في المؤلفات الكبيرة والموسوعات الكبرى ، وما هو مجموع في الكتب المستقلّة الخاصة بالفنّ، ومن أبدعها منهجاً وأفضلها جمعاً وعرضاً هو كتاب «وصول الأخيار إلى أصول الأخبار» شيخ الإسلام عزّ الدين الحسين بن عبدالصمد بن محمّد الحارثي الهَمْدانيّ العامليّ والد الشيخ البهائي(918 ـ984هـ) وهو ثاني كتاب بعد البداية وشرحها للشهيد الثاني «911 ـ965 هـ». وبين المؤسسات والمراكز العاملة في حقل تحقيق التراث التزمت دار الحديث بالعمل في إحياء التراث الحديثي تحقيقاً ونشراً ضمن وحداتع عديدة تُعنى بكلّ فُرُوع عُلُوم الجديث ومنها لجنةُ علم الدراية والمُصْطَلَح التي جعلت هذا الكتاب في طليعة اهتماماتها، وعندما اطلعت على أنّ سماحة السيّد الجلالي ـ وفقه الله لمراضيه وجعل مستقبله أفضل من ماضيه ـ قد أنجز تحقيقه طلبت عمله للإصدار بعون الله، فنقدّم لسماحته وافر التقدير على جهده المشكور.
كما نقدم الشكر للعامين في الدار وبالأخَصّ لجنة الدراية بإشراف فضيلة الشيخ علي أوسط ناطقي والقائم بأعمالها الشيخ أبو الفضل حافضيان رعاه الله، داعين للجميع بالتوفيق المطّرد لخدمة الدين والعلم ، والله خير موفق ومعين الناشر
التخريجات .
ص7()//ص42 ()./ص81 صدّيقاً»()//ص 83()أجاديث حفظ.
ص123() حديث:باب مدينة العلم()//ص123() أقضى الصحابة ،
ص127()المباهلة//ص128()من اراد ان ينطر//.
ص140()أنت وارثي وحامل لوائي» رواه أحمدبأربع طرق.
ص220() وقراءةُ العالم عليك سواءٌ»()الإمامة والسياسة لابن قتيبة1:12 وإثبات الوصية للمسعوديّ:124 والشافي للسيّد المرتضى4:119 وتلخيص الشافي للشيخ الطوسي3:76 وأنساب الأشراف للبلاذري2:268 دار الفكر - بيروت، والعقد الفريد5:75 والمختصر لأبي الفداء2:64 ولاحظ كتاب سيّدة النساء للأخ علي موسى الكعبي ص144ـ151.