تأليف
السيد محمد رضا ? الحسيني الجلالي
أجوبة مسائل الشيخ الطوسي
[ 1 ]
المسائل التي سألها الشيخ أبو جعفر الطوسي بخطه رحمة الله
للشيخ المفيد رحمه الله
وعاد الجواب من الشيخ المفيد " .
وقد احتوى على عدة أسئلة ? يبدأ كل سؤال بما نصه : . " ما يقول سيدنا الشيخ الجليل المفيد أطال الله بقاءه وكبت أعداءه "
و أضاف في بعض الامثلة : " وأدام نعماءه " .
وجاء في أخر كل سؤال ما نصه : " أفتنا إن شاء الله " أو " أفتنا متطوّلا إن شاء الله " أو " أفتنا موفقا للصواب إن شاء الله .
وفي اخر كل جواب : " . . . وكتب محمّد بن محمّد بن النعمان " .
والنسخة ملحقة ?نسخة من كتاب ( قواعد الاحكام في معرفة الحلال والحرام ) للعلامة الحلي .
والنسخة رغم قدمها ونفاستها ? قد شوهت حافات صفحاتها بالرطوبة ? مما اثر على بعض الكلمات بل الجمل ? فلم تقرأ في الصورة المتوفرة . ولعل الوقوف على نسخة أخرى يساعد على الاستفادة من هذا الاثر المجيد . والله المستعان . وكتب
السيد محمد رضا ? الحسيني الجلالي
[ 2 ]
?سائل العويص
تأليف الامام الشيخ المفيد
محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي
( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
أن علم الفقه - وهو العلم بالاحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية - قد احتل موقعا رفيعا بين المعارف الاسلامية ? وقد خصص له علماء الاسلام أكبر قدر من جهودهم ? وبذلوا في سبيل معرفته وتحقيقه أكثر وسعهم ? فتوصلوا - على أثر ذلك - إلى إنجازات عظيمة ? تعد فريدة في عالم القانون والشريعة ? إذا قيست إلى ما في سائر الحضارات والديانات في هذا المجال . وقام فقهاء الاسلام ? بإبداعات رائعة في اختراع فنون في هذا العلم ? تزيد من روعة الفقه ? وتؤكد على شدة اهتمامهم به من ناحية ? وعلى سعيهم في تسهيل مناهجه الدراسية الميسرة للاحاطة به للطالبين من جهة اخرى ? كما تكشف عن روعة أذواقهم ? وقدرتهم للتخطيط ? وسرعة الفهم ? لخفايا هذا العلم الدقيق . فمن الفنون التي ابتكروها : فن ( الاشباه والنظائر ) وهو يعني : جمع الموضوعات المختلفة ? المشتركة في الحكم المعين ? في موضع واحد ? وجمع الاحكام المتعددة والمتباينة لموضوع واحد في محل واحد .
وهذا الفن يستدعي من الفقيه حضور الذهن ? وسرعة الخاطر ? والاحاطة التامة بكل الابواب ? حتى يتمكهن من جمع الاشباه والمتماثلات في الحكم ? والنظائر والمتحدات في الموضوع ويقف عليها بنظرة واحدة ? فيمكنه من خلال الوحدات الوقوف على العناصر المشتركة فيما بينها ? من خلال القواعد وتطبيقها على مفرداتها بسهولة تامة . وفي ذلك كله من الفو ائد التمرينية للطالب مالا يخفى . ومن الفنون الفقهية : ( فنّ الخلاف والوفاق ) ويعني : معرفة ما اختلف الفقهاء في حكمه سواء في المذهب الواحد ? أو بين المذاهب المتعددة .
وهذا الفن يقتضي من الفقيه جهدا كبيرا كي يتتبع كتب الفقهاء ويستحضرها ? بعد التعرف التام على مصطلحات كل مذهب وفقيه ? ومعرفة القواعد الاصولية التي يبتني عليها فقه كل مذهب ? وكذلك المباني التي يلتزمها كل فقيه في المذهب الواحد . ولا يخفى ما في هذا من جهد وعناء على الفقيه ? وما يدل عليه من موسوعية وقوة وفقاهة عند عارفه ? ولذا قيل : " إن أعلم الناس في الفقه ? أعرفهم باختلافات الفقهاء " . ومن الفنون المبتكرة : " فن المسائل المشكلة " وهي المسائل التي تكون في ظاهرها معقدة ? لما هي عليه من اختلاف الاحكام المرتبطة بموضوع معين ? اختلافا إلى حد التنافي والتناقض ? مع وحدة الموضوع ظاهريا . أو وحدة الحكم في موضوعات متعددة مختلفة متباعدة في النظر الاولي ? بما يدعو إلى الاستغراب والدهشة في ظاهر الحال.
وهذه المسائل كانت ترصد عادة لاختبار الفقهاء ? وقياس ذكائهم ? وحضور
خواطرهم ? ولمعرفة مدى استيعابهم لمسائل الفقه ? ووقوفهم على دقائق الشريعة وخباياها ? وسيطرتهم على حل عقدها ومشاكلها . وقد يستفاد من ذلك في معرفة حال من يدعي الفقه ? أو بهت المعاندين كما خصل في قضية الامام الجواد عليه السلام مع يحيى بن أكثم قاضي الدولة ? وقد ورد في المسألة ( 4 ) من كتابنا هذا .
ويدخل في هذا الفن - أيضا - المسائل القضائية المعقدة ? التي تقتضي من الفقيه دقة فائقة لحلها ? كتلك التي حصلت في عهد الامام أمير المؤمنين عليه السلام فقضى فيها بأقضيته الشهيرة ? وقد جاء بعضها ضمن المسائل المعروضة في الكتاب [ لا حظ المسألة 42 ? 64 ] وعن الامام الحسن المجتبى عليه السلام ? في المسألة ( 51 ) .
وهذه المسائل المشكلة تشبه " الالغاز " أحيانا ? وتشبه ما يسمي ب " الحيل " تارة ?
ولعلّ من أجل ذلك سمّاها الشيخ المفيد ب " العويص من الفقه " ( 1 ) .
فكلمة " العويص " هي : من " عاص " الامر " يعوص عوصا " بمعني : إلتوى ? فحفي وصعب ? ? " عاص " الكلام : خفي معناه ? وصعب فهمه ? فهو " عويص " . فنجد في هذا الكتاب من المسائل ما هو من نوع الاحكام المتماثلة في الموضوع الواحد ? وكذلك من الموضوعات المتناظرة في الحكم الواحد . والشيخ المفيد قدس سره أبدى بطولة فائقة في الاجابة على هذه المسائل ? وتحديد تخريجاتها الفقهية ? وتعيين أبوابها ? وحل معضلاتها ? بما بين عن لياقته بما يتوقع من فقيه عظيم مثله ? يتسنم المرجعية في عصره ? ويمتاز بوسام " التجديد "
على أقرانه .
* ( هامش ) *
( 1 ) لم نجد من سبق المفيد في هذه التسمية ? سوى ما ورد في مؤلفات البرقي ? فقد ذكر له كتاب باسم " العويص " إلا أنا لم نعرف عن موضوعه شيئا ? هل هو في الفقه أو غيره؟(*) .
. وأعتقد : أن في توجيه هذه الاسئلة إلى شخصه بالذات ? وتصديه للاجابة عليها بهذه القوة ? لهو الدليل الكافي على موقعه الفريد بين فقهاء الامة . ولقد تميزت إجاباته بالوضوح ? والمرونة الفقهية ? والاستدلال القوي ? ما لا يحتاج معه إلى تطويل . مضافا إلى أنه - في كثير من الاجابات - تفنن في ذكر الاجابات ? وتعديدها بوجوه مختلفة ? بحيث جمع في بعضها ( 10 ) أجوبة [ لاحظ المسألة الثانية ] .
وهذا بلا ريب يكشف عن جامعيته وسيطرته على الفقه بطور كامل . كما وأشار في اكثر المسائل إلى ما وقع فيها من اجماع الامة ? إو اجماع مذهب أهل البيت عليهم السلام أو إجماع المخالفين ? أو الاختلاف الواقع بينهم ? بما يكشف عن اطلاعه التام على " فن الخلاف والوفاق " وعلى جميع المذاهب الاسلامية .
ومن هنا ? فإن بالامكان أن يصنف هذا الكتاب في كل من فنون : " الاشباه والنظائر الفقهية " ? " الخلافيات " مضافا إلى " العويص من الفقه " . وأما الناحية التربوية في هذه المسائل ? فهو مشهود بوضوح في الاجابات ? كما يشعر بذلك أيضا ? عرض المسائل في صيغة أبيات شعرية موزونة ? مما يسهل حفظها ? ويشوق لاستذكارها وتداولها ? كما في المسائل [75 ?80 ?81].
ويبدو من مقدمة الرسالة : أن أصله كان ما ورد على الشيخ من مسائل ارسلت إليه من مدينة " نيسابور " فطلب من الشيخ أن يجمعها ويضيف إليها طرفا من المسائل الاخرى في بابه ونوعه . ولعل هذا هو السبب في تسمية بعض له : بجوابات المسائل النيسابورية .
أو يكون اصله ما ذكره في النجاشي في كتب الشيخ باسم : مسائل أبى الحسن النيسابوري بعد اضافة شئ عليه ? كما يظهر من مقدمته .
اما النجاشي وشيخنا العلامة الطهراني رحمه الله فقد ذكراها باسم " العويص " . ومما يجب التذكير به : أن النسخ المتوفرة لهذه الرسالة تبدأ بمسائل النكاح ? ثم الطلاق وما يناسبه ? ثم الحدود والديات ? ثم الارث والفرائض ? والنوادر في المسائل المختلطة . وقد يثار سؤال عما لو كان الكتاب يحتوي على سائر كتب الفقه وأبوابه ? فهل حصل فيه نقص ! وقد أشار شيخنا الطهراني قدس الله روحه إلى أن هذه النسخ الموجودة مختصرة من أصل لها لابد أن يكون اكبر أو اكمل ! ونحمد الله على توفيقه ? ونسأله الرضا بفضله وإحسانه وأن يتقبل منا بكرمه وجلاله ? إنه ذو الجلال والاكرام . وكتب
السيد محمد رضا ? الحسيني الجلالي
[ 3 ]
رسالة المتعة للشيخ المفيد - قدس الله روحه -
تعددت الرسائل والبحوث التي كتبها الشيخ المفيد ? أو أملاها ? حول موضوع ( المتعة ) وهو الزواج المؤقت .
وإنما استأثر هذه الموضوع المساحة الكبيرة من جهود الشيخ : لان ( زواج المتعة ) من الاحكام الفقهية التي اختص الشيعة في العصر الحاضر بالالتزام من بين المذاهب الفقهية ? حتى المذهب الزيدي .
وقد اصبح الشيعة هدفا لاعتراض المذاهب الاخرى من أجل هذا الحكم الفقهي . وجعل بعض المغرضين هذا الالتزام ذريعة للتهريج ضد الشيعة ? ? اتهامهم بشتى التهم ? فهم يعتبرون ذلك مخالفة ? وقد يعبر بعض المتطرفين ? عن المتعة ب (الزنا).
مع أن مستند الشيعة في حكم المتعة الفقهي ? هي الادلة الشرعية الدالة على جوازها في الشريعة الاسلامية من آيات القرآن الكريم ? وأحاديث السنة الشريفة ? وسيرة الصحابة ? ومن تبعهم بإحسان.
وقد حكم - فعلا - كثير من كبار الصحابة والتابعين بحليتها ? بل مزوالتها عمليا . وبالرغم من كل ذلك ? فإن فقهاء العامة التزموا بحرمتها اقتداءا بعمر بن الخطاب الذي أعلن عن شرعيتها ? ولكنه شرع تحريمها معلنا : انها كانت محللة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ? وأنه يحرمها ? وهدد على مخالفة تشريعه وإن كان المخالف موافقا لشريعة الاسلام المثبتة في قرآنه وسنة نبيه ? سيرة الفقهاء من الصحابة والتابعين . ومع أن اتباع عمر في ما رأه ? ليس بأولى من اتباع أصل الشريعة ? ولا من اتباع كبار الصحابة وفقهائهم . ومع أنا مكلفون باتباع الادلة الشرعية المنصوبة على الاحكام ? دون آراء الرجال .
فمع هذا كله، يصر العامة على الالتزام برأي عمر بالتحريم ? بل يقذفون المحللين بأنواع التهم.
ولهذا كان من الضروري التصدي لهذه المهزلة ? وإيقافها عند حدها . فلذا بحث الشيخ المفيد في اكثر من موضع من رسائله وكتبه ومناظراته حول المتعة ? مستندا إلى أدلة الكتاب والسنة على حليتها ? وناقلا ?أراء الصحابة والتابعين وسيرتهم العملية، ومفندا مزاعم القائلين بالتحريم.
ثم أن كثيرا من بحوث الشيخ حول المتعة يدور على محور الفقه المقارن ? فكثيرا ما يذكر أدلته من الحديث مما ورد من طرق المخالفين ليكون آكد في الحجة ? وأثبت في إلزامهم برواياتهم . ولكن عمدة ما يستند إليه الشيعة في الحكم بحلية المتعة بعد تشريعها في القرآن الذي دلت آياته عليه ? هوما ورد عن الائمة من أهل البيت عليهم السلام من الحكم بحلية المتعة .
فقد أجمع أهل البيت عليهم السلام على حلية المتعة وإباحتها ? بل التأكيد على فضلها وضرورتها . وتواتر الحديث عن الائمة عليهم السلام بطرق رواة حديثهم مما دل على ذلك . وقد دلت الادلة القاطعة على حجية أهل البيت عليهم السلام فيما يفتون به من احكام الدين وقد جمع الشيخ المفيد روايات أهل البيت عليهم السلام في موضوع المتعة في هذه الرسالة . ومن المؤسف فقدان هذه الرسالة بشكلها الكامل ? إلآ أنها ? كما يبدو كانت موجودة عند الشيخ المجلسي ? وقد نقل منها قطعة كبيرة ? تحتوي على ( 43 ) حديثا أوردها في موضع واحد من موسوعته ( بحار الا نوار ) ( ? 100 ? 305 - 311 ) بعنوان : ( رسالة المتعة للشيخ المفيد قدس سره ).
ويظهر منه ? هنا ? وفي مقدمة البحار:
أولا: الجزم بنسبة الكتاب إلى الشيخ المفيد .
وثانيا: أن الشيخ المجلسي اقتصر على ذكر متون الاحاديث ? لا أن ما نقله هنا هو مجموع الكتاب، لان الشيخ المفيد يقدم لكتبه عادة بمختصر من الكلام عن موضوعها وأهدافه من تأليفها ? وأحيانا عن منهجه في ترتيب فصولها ? ? ما أورده المجلسي خال عن ذلك . إلا أن يكون ما بلغ المجلسي بهذه الصورة ! ولو كان ?أشار إليه كما هو عادته رحمه الله . ثم إن الا حاديث المذكورة متنوعة في البحث عن المتعة ? وهي منتشرة في أصول المصادر الحدّيثية ? إلا أن جمعها في كتاب ? وبرواية الشيخ المفيد ? ? بأسانيده ? له فوائد علمية مهمة في تصحيح الأسانيد والمتون ? وفي تقييد المطلقات وتخصيص العمومات ? مما أورده الشيخ في هذه الرسالة المخصصة للبحث عن المتعة . ومهما يكن ? فإن هذه الرسالة ? جهد فقهي خاص بمذهب أهل البيت عليهم السلام وبعد إقامة الادلة القاطعة بحجية فقه اهل البيت عليهم السلام يكون الاستناد إلى هذه الروايات حجة لعمل أتباع هذا المذهب ? ومانعا من اتهامهم والاعتراض عليهم بعد سلوكهم أءمن السبل المتوفرة للاستدلال الفقهي وأوضحها محجة وأقواها حجة . والله الموفق للصواب . وكتب
السيد محمد رضا ? الحسيني الجلالي
[ 4 ]
أحكام النساء- الشيخ المفيد ? 2 : -
بسم الله الرحمن الرحيم
المرأة - بحكم تكوينها الجسمي ? وطبيعتها الخاصة - قد تميزت في الشريعة الاسلامية بأحكام خاصة بها ? دون الرجال ? وإن اشتركت معهم في غيرها من الأحكام الكثيرة . وإذا أمعنا النظر نجد أن ما اختصت به إنما يرتبط - وثيقا - بنحو تركيبتها الخلقية والنفسية ? وما لا يلائم طبيعتها الانثوية : فالحالات الخاصة التي تعرض جسمها ? كالعادة الشهرية ? والحمل ? والرضاع وأمثالها ? فرضت لها مقررات معينة في أبواب الطهارة والصلاة من كتب الفقه . ولأنها محل للولد ? ومقر للنطفة ? اختصت بأحكام في كتب النكاح والطلاق ? وما يناسبها . ولما تتمتع به من عناصر الإثارة ? وضعت تحت حماية قوانين الحجاب وأحكام النظر والاتصالات الاخرى .
ولما لها من اللطافة والرقة والعواطف ? وضع لها حساب خاص في أبواب
الحدود والقضاء والشهادات .
ولأن الزوج يتحمل عنها المسؤوليات الشديدة والصعبة ? كان لها في كتب الجهاد والنفقات والإرث أحكام خاصة . وهناك آداب وشؤون تخصها ? مناسبة لأوضاعها الاجتماعية المتميزة بين جميع الامم والشعوب منذ القدم وحتى العصر الحاضر . وكتاب ( أحكام النساء ) هو من ابداعات الشيخ في تآليفه المتنوعة ? إذ لم نجد من سبقه إلى مثل ذلك . وقد ذكر الشيخ أنه ألفه بإشارة ورغبة من ( السيدة الجليلة ) التي دعا لها بدوام الاعزاز والتوفيق . واستظهر بعض المشايخ المتأخرين : أن المراد بها السيدة الشريفة ام الشريفين المرتضى والرضي رضوان الله عليهم . ومما يناسب ذكره أن الشيخ المفيد قدم في أول الكتاب بابا خاصا عنونه بما يجب على كافة المكلفين ? احتوي على سرد العقائد الحقة بصورة مضغوطة جدا ? ومحتواه ليس مما يختص بالنساء ? بل هو مشترك بين النساء والرجال على حد سواء ? فهو خارج عن عنوان هذا الكتاب الخاص بأحكام النساء ! إلا أن من الممكن فرضه داخلا ? وأن الشيخ تعمد افتتاح الكتاب به ليكون جامعا للاصول والفروع ? فيكون أقدم نموذج من الرسائل القديمة التي كانت تجمع كل ما تجب معرفته من المسائل العلمية الاعتقادية ? والمسائل العملية الفرعية ? وعلى غراره ألف السيد المرتضى رسالته العملية التي سماها ب ( جمل العلم والعمل ) .
ثم إن منهج الشيخ في هذا الكتاب : أنه يذكر الأحكام المرتبطة بالنساء مرتبة على الكتب الفقهية من الطهارة إلى الديات ? ويقرنها كثيرا من أحكام الرجال أيضا ? والظاهر أن غرضه من هذه المقارنة إيضاح المسائل بشكل أكثر ? خاصة عندما يكون البحث في الأحكام النسائية المرتبطة بالرجال كما في أبواب النكاح والطلاق وما يناسبهما . وفي كل مورد يختلف فيه أحكام الإماء فإنه يفصله أيضا . وينتهي الكتاب بعقد باب عنوانه ( أحكام النساء في آداب الشريعة وما هو واجب من ذلك ومندوب إليه ) وهو الباب قبل الأخير في النسخ المتداولة ولكن الباب الذي عقده الشيخ بعد باب العقائد - الأول - عنونه بقوله : ( ما يخص فرضه بمن كلفه الله ? وأمره ? ونهاه ? من النساء الأحرار والإماء . . . الخ ) وقال في أوله : قد تقدم القول في فرض الطهارة للصلوات . . . فهذه البداية تعطي تصور أن هذا ليس هو أول الكتاب ? بل هو مسبوق بالبحث عن الطهارة . . . وقد يؤكد هذا التصور إذا علمنا أن الباب الأخير في النسخ الموجودة عنوانه : ( باب أحكام النساء في الاحتضار للموت ? والغسل ? والكفن ? والصلاة عليهن ) ومعلوم أن هذا الباب الأخير وما فيه من أحكام هو من المباحث المدرجة في كتاب الطهارة من كتب الفقه .
فهل حصل ارتباك في ترتيب هذا الكتاب حسب هذه النسخ ? ! إلا أن يقال : إن قوله ( قد تقدّم القول في فرض الطهارة للصلوات ) لا يشير الى ما سبق في خصوص هذا الكتاب ? بل الى ما سبق من بحوث في باقي كتب الشيخ ومؤلفاته ? وهذا أمر ليس بالبعيد !
وعلى كل حال ? فان هذا الكتاب يعتبر واحدا من الرسائل العملية ? التي تحوي مجرد الفتاوى التي توصل إليها الشيخ ( 1 ) .
ويمكن من خلاله الوقوف على آراء الشيخ المفيد ? وعلى فوائد متناثرة في أبوابه ? لكل ذلك أثر في التعريف بجهده الفقهي ومنهجه الأصولي لاستنباط الاحكام . ونحمد الله على توفيقه ? ونسأله الرضا عنا بفضله وإحسانه وأن يتقبل منا بكرمه وجلاله ? إنه ذو الجلال والإكرام .
وكتب
السيد محمد رضا ? الحسيني الجلالي
[ 5 ]
تحريم ذبائح أهل الكتاب
تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي
( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
هبط الاسلام - آخر الديانات الإ لاهية - على أرض الحجاز القاحلة ? ومنذ اللحظة الاولى كانت لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله ? من المتدينين المتواجدين في المنطقة - سواء الحنفاء أم المنتمون إلى الشرائع السماوية السابقة مواقف متميزة . فهم - على ما كانوا عليه من جهل وانحراف - قد كانوا أقرب إلى ما جاء به الإسلام من سائر العرب المشركين ? فهم يجتمعون مع هذا الدين الجديد على بعض الخطوط ? ويتفقون معه في بعض الألفاظ ? ويشتركون معا في بعض المفاهيم ? ويلتقون عند بعض النقاط الغيبية . ولقد كانت على أيدي انبياء الله المرسلين عليهم السلام ? بذور الدين منتثرة هنا وهناك ? وهم بقايا جهودهم عليهم السلام . والملتزمون بالأديان السابقة كانوا على مستويات مختلفة ? ولهم إمكانات متفاوتة ? وتطلعات متغايرة فالحنيفية الإبراهيمية أقلها عددا وشوكة ? واليهودية أشدها تزمتأ وتقوقعا، والمسيحية اكثرها عددا وانفلاتا.
ففي مكة كانت الحنيفية محدودة العناصر ? في أفراد يشار إليهم بعدد الأصابع ? بينهم آباء النبي صلى الله عليه وآله وامهاته ? كانوا أسبق المتدينين الى اعتناق الإسلام . إلا أن أهل الديانات الاخرى تلكؤوا في الالتحاق بالدين الجديد ? اعتزازا بمواقعهم ? أو اغترارا بما عندهم ? ولم يقفوا من الاسلام موقفا يتحلى بالانصاف . بينما كان المتوقع أن يبتهجوا بهذه الحركة الإلهية الجريئة التي قام بها نبي الإسلام ? مقتحما حصون الجاهلية العربية بما فيها من جهل وشرك وفساد ? مناديا في ديارها بالتوحيد والإيمان ? متحملا كل الأخطارو الأهوال في هذا السبيل ? واضعا لحياته في مهب حقدهم وعدوانهم وهجماتهم العسكرية ? وهو يدعو إلى ما يلتزمون به ويؤكد على اصول عقائدهم وقضاياهم . ومن جانب أخر ? فإن كتبهم السماوية مشحونة بالتبشير به ? فما أحسن هذه الفرصة ? كي يلتفوا حوله ? ويتكاتفوا معه ليزيحوا الجاهلية بكفرها وعتوها وفسادها من الارض ويثبتوا ( كلمة الله العليا ) وينشروا الهداية .
لكنهم - أي أهل الكتاب - بدلا من ذلك ? اتخذوا مواقف عدائية ضد الإسلام ? بل ? تواطؤوا مع أهل الكفر والشرك ? ضد الاسلام ونبيه الكريم صلى الله عليه وآله ! ومع كل هذه التصرفات المنافية لأ بسط قواعد الحق ? وأوضح مسائل التدين ? فإن الاسلام ? وعلى صفحات قرآنه ? ولسان نبيه ? لم يعامل أهل الكتاب إلا بشكل متميز . فقد فتح أمامهم أبواب الحوار الفكري والعقيدي ? ودعاهم إلى ( كلمة سواء ) .
بينما كانت الدعوة لغيرهم الى الاسلام فقط ? بعد الاقناع والتوعية ? واختيار حياة الاسلام أو موت الكفر والعناد . أما أهل الكتاب ? فكانوا مخيرين بين اختيار الاسلام ? أو البقاء على دياناتهم ! بشروط المواطنة الصالحة ? والالتزام بقوانين الدولة العامة ? المعروفة بشروط الذمة . أما بالنسبة إلى عقائدهم وأفكارهم وشرائعهم ? فإن الاسلام أكد على الحق منها ? ودعا إليه ? ورفض ما طالته أيدي التحريف ? التجاوز .
ومن تلك الأحكام ? مسألة ( ذبح الحيوان للأكل ) : فإن شرائع السماء قررت قوانين وشروطا معينة ? للحيوان الذي يأكله الإنسان ? في نوعيته ? وفي كيفية قتله . ومن الشروط الأساسية ? أن يذكر اسم ( الله ) عليه عند ذبحه .
وقد وافق أهل الكتاب ? شريعة الإسلام ? في أصل هذا الشرط ومجمل ما قررته الشريعة .
لكن فقهاء المسلمين اختلفوا في ( ذبائح أهل الكتاب ) هل يحل أكلها للمسلمين ? أولا ? وأساس هذا الخلاف هو : هل أن تسمية أهل الكتاب على ذبائحهم ? صحيحة يمكن اعتبارها ? أولا ? فقولهم : ( باسم الله ) هل يقصدون به : اسم ( الإله الواحد الأحد ? الفرد الذي لم يلد ولم يولد ? ولم يكن له كفوأ أحد ) هذا المسمى الذي هو شرط الذبح عند المسلمين ? بينما أهل الكتاب : النصارى منهم يقولون بالتثليث ! واليهود منهم يقولون : ( عزير ابن الله ) جل وعلا ! !
فهم لا يعتقدون بالمسمى الذي هو الحق ? وإن تلفظوا باسمه ? بل هم يكفرون ? وإن ادعوا الإيمان ? وتميزوا عن الكفار المشركين بهذا الإدعاء ? وبالارتباط بشريعة وكتاب ? لكن عقائدهم تلك لا تجعل التسمية الصادرة منهم ? هي التسمية المطلوبة الصحيحة المشروطة في حلية المذبوح ! وليس المراد بالتسمية مجرد اللفظ ? وذكر الاسم فقط ? من دون إرادة المعنى ? والمسمى الحق .
وقد ذهب جمهور فقهاء الشيعة الإمامية الى الحكم بحرمة ذبائح أهل الكتاب ? ووافقهم بعض فقهاء العامة .
أما جمهور فقهاء العامة فيقولون بحلية ذبائح أهل الكتاب وهو مذهب بعض الشيعة ? ومستند العامة في ذلك أمران :
الأول : أن ظاهر حال أهل الكتاب هو معرفة الله ? ووصفه بالتوحيد ? فيكتفى بهذا الظاهر ? حتى يعلم خلافه .
الثاني : قوله تعالى : ( وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم ) في سورة المائدة ( 5 ) الآية : 6 .
وقد أجاب الشيعة عن ذلك :
أما الأول : فبأن اليهود والنصارى - وإن كانوا على ظاهر الاعتقاد بوجود الله ? ويقول قوم منهم بتوحيده ? إلا أن ذلك يخالف في تفاصيله المعتقد الحق الذي عليه المسلمون ? وقد ثبت في كتب العقائد انحرافهم عن الحق ? والتزامهم بالباطل ? وكفاهم كفرا وخروجا : إنكارهم لنبوة الرسول صلى الله عليه وآله وما جاء به من القرأن وأحكامه . فكيف يلتزم بإيمانهم الاسمي ? ومعتقدهم الظاهري في الله ? مع أنهم لا يقصدون بهذا الاسم ? ما يعتقده المسلمون من الحقّ!?.
واما الثاني ? فقد أجابوا عنه بجوابين :
أولا : قال قوم بأن المراد بأهل الكتاب في الأية هم الذين آمنوا بالإسلام ممن كانوا يهودا أو نصارى ? وإنما اطلق عليهم اسم ( أهل الكتاب ) باعتبار صفتهم السابقة كما يطلق المشتق على ما انقضى عنه المبدأ .
وثانيا : وقال قوم بأن المراد بالطعام المذكور في الأية هو خصوص الحبوب ? من المزروعات ? دون اللحوم من الحيوانات ? وهذا وارد في بعض الحديث أيضا . هذا ? ولكن الدليل الأساسي عند فقهاء ? الشيعة هو الأحاديث المتضافرة ? الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ? الدالة على النهي عن أكل ذبائح أهل الكتاب .
هذا موجز ما فصله الشيخ المفيد قدس الله سره في هذه الرسالة ? التي تتميز - بعد كونها واحدة من ذخائر تراثنا الغالي - بالمزايا التالية .
1 - فهي واحدة من كتب الشيخ الفقهية على منهج الفقه المقارن فنجده يقدم نظر المخالفين ? بكل أدلتهم ? وعلى اختلاف الاحتمالات ويفصل الرد عليهم جزءا فجزءا . ثم يستدل على الحق الذي يراه ? بالقرآن ? حسب ما يدل على ظاهر الألفاظ الواردة فيه ? ومفهومها اللغوي العرفي . ثم يستند الى الثوابت الفقهية ? التي تعطي القطع بالملاكات والمدارك المعتمدة عند الفقهاء . ثم يرد دعوى توحيد أهل الكتاب الذي استند إليه الخالفون .
2 - يستعمل في ردّ المخالفين أدلتهم المعتمدة عندهم ? وطرق استدلالاتهم الخاصة بهم ? وإن لم تكن صحيحة عند المؤلف : مثل ما عمله في الفصل الثالث ? حيث رد على القول بجواز ذبائح أهل الكتاب بدعوى التزامهم بالتوحيد .
فردهم بأنه قول مخالف لاتفاق العامة أنفسهم ? وقول بالفصل بينهم إذ هم لا يفرقون بين من يعتقد التوحيد من أهل الكتاب ومن لا يعتقد ذلك ! والقول بالفصل ? خلاف الاجماع المركب ? لانه خرق له .
وفي الفصل السادس ? يحاول رد الحكم بحلية ذبائح أهل الكتاب ? متمسكا بالقياس الذي يقول به العامة أنفسهم .
3 - احتواؤها على الأحاديث الدالة على الحرمة ? وقد ذكر منها عشرة باسانيدها ومتونها ? ولهذا أثره في دعم ما ورد في المجاميع الحديثية بالتصحيح .
كما أن الشيخ أكد على هذه الأحاديث بأنها مما ( ورد من الطرق الواضحة ? بالأسانيد المشهورة وعن جماعة بمثلهم - في الستر والديانة والثقة والحفظ والأمانة - يجب العمل ? وبمثلهم في العدد يتواتر الخبر ) .
وبهذا النص يمكننا استخلاص آراء الشيخ في المجالات التالية :
1 - المنهج الرجالي الذي اعتمده الشيخ .
2 - رأيه في الخبر المتواتر ? وما به يحصل التواتر .
3 - وجوب العمل بالأخبار ? إذا كانت مثل هذه في وضوح الطرق واشتهار الاسانيد 4 - اعتماد الشهرة السندية .
5 - يمكن اعتبار ذلك توثيقا عاما لرواة الأحاديث التي وردت بحرمة ذبائح أهل الكتاب ? وعلى الأقل هذه التي ذكرها الشيخ في هذه الرسالة .
والذي ينبغي أن نختم به هذه النظرة ? هو ما ذهب إليه بعض الشيعة من القول بحلية ذبائح أهل الكتاب ? فقد ذهب بعض أصحابنا إلى ذلك استنادا إلى روايات دلت عليه : وقد ختم الشيخ المفيد رسالته بتوجيه تلك الروايات ? بعد وصفه لمن تعلق بها ب ( شذّاذ أصحابنا في خلاف مذهبنا) فذكر لذلك وجهين :
الاول : حمل أخبار الحلية على ( التقية من السلطان ? وإشفاق الإمام عليهم السلام من أهل الظلم والطغيان ? إذ القول بتحريمها خلاف ما عليه جماعة الناصبية ? وضد لما يفتي به سلطان الزمان ? ومن قبله من القضاة والحكام ) .
الثاني : إن التحليل إنما جاء في الحديث لذبيحة من أسلم من أهل الكتاب وأقر بالتوحيد ? بقرينة رواية معاوية بن وهب ? حيث قال في من حكم بحليه ذبيحته من أهل الكتاب - : أعني من يكون على أمر موسى وعيسى . فإن اتباع موسى وعيسى ? بصورة صحيحة ? يؤدي إلى اتباع النبي محمد صلى الله عليه والله ? والإيمان بشريعته التي اشترط فيها أن يذكر الذابح اسم الله الواحد الذي لا شريك له . أما ما جاء في الرواية الثالثة من روايات التحريم التي أوردها الشيخ ? وهي رواية شعيب العقرقو في الذي سمع الإمام الصادق عليه السلام ينهى عن أكل ذبائح أهل الكتاب . قال شعيب : فلما خرجنا من عنده ? قال لي أبو بصير : كلها فقد سمعته وأباه - جميعا - يأمران بأكلها . ثم سأل الأمام عن ذلك ? فقال : لا تأكلها .
قال شعيب : فقال لي أبو بصير : كلها ? وفي عنقي .
فسأل الامام ثانية ? فقال : لا تأكلها . فقال أبو بصير : سله ثالثة . قال شعيب : فقلث : لا أساله بعد مرتين .
فالذي يظهر لأول وهلة أن أبا بصير بإظهار رأيه في قبال كلام الإمام عليه السلام - اوّلا - ثم ?إصراره على رأيه المخالف ثانيا وثالثا ? يعارض مكررا ما يظهر من كلام الإمام عليه السلام في التحريم ?
فيتصور فيه تجاوزه عن حد الأب مع الإمام عليه السلام على أقل الفروض ! وقد حاول الحجة المفضال السيد عبد الرسول الشريعتمدار الجهرمي أن يوجه عمل أبي بصير بما ملخصه : أن أبا بصير كان قد سمع الباقر عليه السلام في عصره ? وسمع الصادق عليه السلام في أوائل عهده ? يأمران بكل ذبائح أهل الكتاب ? وحيث أن في تلك الفترة ? كان الوضع مؤاتيأ للأئمة عليهم السلام أن يعلنوا عن الحقائق الدينية باعتبارها فترة ضعف بني امية وانشغالهم عن مسائل الدين بأنفسهم فلم يكن ذلك العهد ? عهد تقية أو خوف ? بل عهد نشر العلم ? الاعلان ( عن مرّ الحقّ ) كما في بعض النصوص .
فحمل أبو بصير ذلك التحليل على الحكم الواقعي ? وحمل ما ?معه الآن ? وفي نهاية عصر الصادق عليه السلام حيث عاد الملوك إلى سيرتهم الأولى في الضغط على الأئمة عليهم السلام ? حمله على التقية والحكم الظاهري ? وجعل ما سمعه أولا قرينة على هذا .
وهذا التصرف من أبي بصير يعتبر نوعا من إعمال الاجتهاد ? والترجيح
بين الروايات ? في عصر حضور الأئمة عليهم السلام . ويظهر من سكوت الأئمة عليهم السلام عن أبي بصير ? وتصرفاته هذه ? بل والإصرار على الإرجاع إليه مع علمهم بهذه التصرفات الاجتهادية ? يظهر من ذلك رضاهم عليهم السلام بأمثال هذه الاجتهادات ? وعدم معارضتهم لها ? والتزامهم بإجزاء العمل على طبقها .
أقول : هذا ما أفاده السيد المحقق دام ظله في رسالته ( حول الاجتهاد ? الأخبار ) .
لكن تصرف أبي بصير في نهي الإمام عليه السلام في هذه الرواية بالحمل على التقية غير ممكن : لأن التقية إنما تصدق فيما إذا كان حكم الامام عليهم السلام موافقا للعامة بينما الحكم الأول الذي سمعه أبو بصير هو الموافق للعامة ? وما ذكره في رواية شعيب هذه مخالف لهم ? فكيف يخفى مثل ذلك على أبي بصير الفقيه الكبير ? فيحمل هذا الأخير على التقية .
ولذلك نرى الشيخ المفيد - في هذه الرسالة - قد حكم على رواية الجواز بالتقية . والذي أراه أن أبا بصير كان يرى حمل النهي عن الأكل على خصوص بعض الأفراد ? أو على الكراهة ? عملا بما سمعته من رواية الأمر بالأكل ? جمعا بين الحكمين ? وعملا بالروايتين . وهذا - أيضا - نوع من إعمال الاجتهاد .
فحمل رواية الحل ? على ذبائح طائفة من أهل الكتاب ? وهم الذين اعتنقوا الإسلام ? لقربهم من المراكز الاسلامية الكيرى ? أما الذين بقوا على اليهودية والمسيحية فذبائحهم محرمة ? كأهل الجبل البعيدين عن المراكز العلمية ويؤيد هذا الحمل رواية معاوية بن وهب - التي أوردها الشيخ أخيرا - المتضمنة لحكم الإمام عليه السلام ? وقد سأله عن ذبائح أهل الكتاب ? فقال عليه السلام : لا بأس ? إذا ذكروا اسم الله عزوجل ثم قال عليهم السلام : وإنما أعني منهم من يكون على أمر موسى وعيسى . . فكونهم على أمر موسى وعيسى ? يعني اعتقادهم بالحق الذي جاءا به ? بما فيه التبشير بدين الاسلام والايمان بنبيه محمد صلى الله عليه وآله . وهذا التوجيه هو الذي ذكره المفيد - كما مر - وجها ثانيا لرواية الجواز ? في نهاية هذه الرسالة ? التي هي - على اختصارها - أجمع ما ألف حول الموضوع ? واحسم كتاب لشفأفة النزاع فيه .
ونحمد الله على توفيقه ? ونسأله الرضا عنا بفضله وإحسانه والعفو عنا بكرمه وجلاله ? إنه ذو الجلال ? الإكرام. وكتب
السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي
[ 6 ]
المسح على الرجلين
تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي
( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
تمثل هذه الرسالة واحدة من بحوث الشيخ المفيد الفقهية ? وخاصة في مجال الفقه المقارن الذي يتم البحث فيه مع العامة الخالفين لنا في المباني الاصولية والمناهج الفرعية ? وحدات الأدلة وطرق الاستدلال بها . والشيخ يعتمد منهجه الرصين للبحث العلمي :
1 - فهو أولا - يوافق الخصم ? عند ما يستدل بحديث يرويه كل بطرقه عن النبي صلى الله عليه وآله ? فلا يجابهه الشيخ بإنكار الرواية وردها كما لم يعارضه بإنكار مبناه في الاعتماد على أخبار الآحاد ? التي لا يعترف الشيخ بحجيتها . فهو يقول للخصم : ( أنا أسلم لك العمل بأخبار الآحاد تسليم نظر وإن كنت لا أعتقد ذلك ) ووجهته في هذا التصرف ما ذكره . يقوله : ( استظهارا في الحجة ) يعني إذا ألزمه على مبناه وأبطل مستنده كان ذلك أنجع في الحجة ? أحكم في الإلزام . ويقول له أيضا : ( نحن سلمنا حديثك ? وما رويناه قط ? ولا صححه أحد منا ? ثم كلمناك عليه . . . وقد كان يسعنا دفع حديثك في أول الأمر ) ويطلب منه الانصاف واتباع نفس الطريقة فيقول : فينبغي لك أن تنصف وترضى لغيرك بما ترضاه لنفسك ) . وبهذا قرر الشيخ المفيد واحدة من ( آداب البحث والمناظرة ) .
2 - وهو ثانيا ينبه الخصم على عدم صحة ( الانتقال في المناظرة ) وأصل ( الانتقال ) هو : ترك الدليل الاول ? والاعتراض بشئ أخر . فالمفروض في البحث العلمي أن يكمل المستدل دليله الأول ? ويخرج عن عهدته ? بجميع فروضه ونقوضه وما يرد عليه ? ثم يتركه الى غيره . وقد ذكر الشيخ - بكل هدوء - أمثلة لهذا الانتقال ? وأوضح عدم صحته ? وبين ما وقع من المستدل من ذلك .
ثم إن الشيخ تصدى لرد الخبر الذي استدل به الخصم وهو المنسوب الى النبي صلى الله عليه وآله من قوله : ( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) بعد أن غسل رجليه في ذلك الوضوء . وقد رده الشيخ بوجهين :
1 - بتحليل الخبر على أساس من ألفاظه ومفرداته ? فقال ما معناه : إن اسم الاشارة ( هذا ) يدل على أن الحكم المذكور وارد على المشار إليه المعين بالإشارة ? فالحكم مختصن بما صدر من الرسول صلى الله عليه وآله في تلك القضية والواقعة ? ولا يسرى الى غيره ? لأن التعدي بحاجة الى دليل من عقل وليس هناك دليل عقلي عليه ? وليس هذا أيضا محلا للقياس ? لأن اللفظ ( هذا ) يدل على الخصوصية في المستعمل فيه فلا يمكن شمول غيره . وإذا كان لفظ ( هذا ) إشارة الى خصوص ما صدر منه في هذا المورد ? سواء كان ما وقع منه - من غسل الرجل - جزءا للعمل أو خارجا منه لضرورة التطهير مثلا ? كما إذا كانت الرجل محتاجة الى الغسل لإماطة نجاسة ظاهرية أو مانع عن مسح البشرة ? ونحو ذلك فان عمل الغسل ودخوله في خصوص هذا العمل لا يدل على دخوله في خصوص فرض الوضوء ? لانه أعم كما ذكرنا . ثم إن اطلاق كلمة ( الوضوء ) على مجموع ما هو داخل في فرض الوضوء ? وما هو خارج عنه ? باعتبار الجموع أمر متعارف ? وفيه من المسامحة العرفية ما هو متداول ? لان اللوازم القريبة والمقدمات اللازمة التي يتوقف عليها العمل ? تدخل في التعبير به ? للمناسبة اللغوية ? وإن لم تكن داخلة في حقيقة لفظه .
2 - بالنقض على الخبر ? بالاخبار التى تدل على عدم اشتراط غسل الرجلين في الوضوء . وقد نقل الشيخ المفيد تلك الاخبار الناقضة من طرق المخالفين لتكون أتم في الحجة على الخصم وإلزامه بما يلتزم هو به . ثم إن الخصم عمد الى رواية نسبها الى أمير المؤمنين على عليه السلام ? ? فيها : ( انه توضأو مسح على رجليه ? وقال : هذا وضوء من لم يحدث ) وجعلها دليلا على رأيه القائل بأن الغسل واجب في الوضوء ? وذلك لأن قوله : ( من لم يحدث ) معناه : من لم يصدر منه الحدث الناقض للطهارة ? فيكون الوضوء المجرد من غسل الرجل ? والمحتوى على مجرد المسح وضوءا غير رافع للحدث . ورد الشيخ المفيد بأن ظاهر الرواية : أنه أخبر عن أن الوضوء المشتمل على مسح الرجلين هو الوضوء الذي لم يتغير ولم يدخله إحداث أو تغيير ? فيكون الوضوء بغسل الرجلين وضوءأ محدثا مبتدعا ? حيث لم يجئ به كتاب ولا سنة ? فكان الغاسل بدلا عن المسح محدثا بدعة في الدين .
والدليل على صحة هذا التأويل - دون الأول - : انعقاد إجماع الامة على صحة وضوء من أحدث إذا أتى به من لم يحدث ? كالمتوضئ تجديدا ? وعلى أن من لم يحدث فليس له وضوء خاص به . ثم إن هذا التأويل الثاني ? إذا لم يكن متعينأ معلوما ? فهو - على الأقل احتمال مفروض في الرواية - وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال على الاحتمال الأول .
وهذه الرسالة على صغرها تحتوى على آراء عديدة للشيخ المفيد ? هي :
1 - عدم الاعتقاد بالعمل بأخبار الآحاد .
2 - الالتزام بخصوصية المعنى المستعمل فيه الحرف .
3 - أن المجازات يحتاج صحتها الى مناسبات لغوية .
4 - رأيه في تأويل الاخبار وما يصح منه وما لا يصح .
5 - التزامه بالوضوء التجديدي لمن كان على طهارة .
6 - مضافا إلى توضيحه بمعى قواعد المناظرة وآداب البحث وتطبيقها في بحثه هذا . وصدر الرسالة يدل على أن مجلس الشيخ المفيد كان مفتوحأ أمام المخالفين وعلمائهم ? ليحضروا ويطرحوا آراءهم بكل حرية ? فمثل الشيخ النسفي - ( ? 414 ) الذي كان في عمر الشيخ المفيد - يحضر هذا المجلس ويدخل مع الشيخ المفيد غمار المناقشات العلمية ? كما عرفنا .
وقد صرح ابن كثير في تاريخه ( البداية والنهاية ) بهذا حيث قال : ( ? كان له - أي للشيخ المفيد - مجلس يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف ) .
وهذا يدل على انفتاح علمي ? وسموّ في روح التعامل الفكري ? مضافا إلى ما يستتبعه من إثارة المناقشات العلمية والفكرية المؤدية الى نمو المعرفة ? نشرها ? وتركيز الحق وتعميقه ووضوحه على المستوى الخاص والعام . كما يدل على الاستعداد التام لدى الشيخ المفيد لخوض بحار العلوم وفي المجلس العام ? وهو الأمر الذي يستكشف بوضوح من خلال مناظراته ومجالس بحثه المسجلة ? والتي جمع طرفا منها تلميذه السيد الشريف المرتضى في كتاب ( الفصول المختارة ) .
والله ولي التوفيق . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 7 ]
رسالة في المهر
تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي
( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
المهر - في اللغة - : ما يلتزم الزوج بأدائه إلى زوجته حين يتم عقد زواجه بها ? يقال : مهر المرأة : عين وسمى لها مهرا ? ويقال : أمهرها : أعطاها المهر . وتعيين المهر للزوجة سنة بشرية قديمة ? لوحظ وجودها عند أكثر الامم والشعوب ? وفي أقدم الحضارات البائدة والباقية . ومهما كانت أهداف الالتزام به عند البشر :
- هل هو التعبير عن قدرة الزوج على إدارة الزوجة وإعاشتها ?- حيث يقدم لها هذا المال ?- فيكشف عن امتلاكه ( المهارة ) التي تعني الدقة والحنكة والتدبير الامور ? كي يحصل على الأموال ? !
- أو هو إبراز لمشاعر الحب والود والغرام الصادق ? بتقديم أثمن ما يمتلكه الإنسان ? ليرمز الى تضحيته به على طريق مشاعره تلك ?
- أو هو توفير مالي لمستقبل الزوجة حتى تطمئن عليه ? يقدمه لها الزوج ? لتعيش معه بهدوء خاطر وراحة بال ? حيث تجده يرفع اليد من أجلها عن أنفس ما يتنافس عليه الناس ?
- ?و هو ترفيع لحرمة الأعراض ? أن لا يستهان بها ? ولا تبتذل بأرخص الأهواء والشهوات ? بينما لها هذه العزة والكرامة ? فمهما تكن من هذه الأسباب أو غيرها ? فإن هذه العادة قد أصحبت من الملتزمات والأعراف الطيبة المحمودة عند كافة الناس ? سواء أصحاب الأديان والشرائع ? أم غيرهم .
والديانات السماوية أقرتها ? ولم تعارضها كذلك ? إلآ أن الاسلام - دين الحضارة والمدينة - قد نظمها ? وأضاف عليها عنصر الأهداف السامية التي يبثها في كل تعاليمه ومعاملاته . .
فمثلا : نجد أن المهر ربما يكون في الشريعة من غير الأموال ولا الأعيان والبضائع ? وإنما مجرد أمر معنوي وفكري وأدبي مثل تعليم القران للمرأة ! وقد يكون إطلاق لفظ المهر على مثل هذا خاصا بالشريعة الإسلامية . وكذلك تعليم معالم الدين ? والمهارات والحرف ? وغير ذلك مما يمكن التراضي به ? كما يمكن توفيق تلك الاهداف معه أيضا . أما من حيث الكمية ? فلم يحدد الاسلام للمهر حدا معينا من حيث الكثرة والقلة ? بل المدار فيه هو رضا الزوجين ? فمتى تراضيا على شئ - مهما كان - فهو المهر . وجاءت هذه الحقيقة على لسان أئمة أهل البيت عليهم السلام ? بقولهم : ( إن المهر ما تراضى عليه الناس ) . وهذ النص مطلق في ظاهر لفظه ? يشمل جميع أنواع النكاح : الدائم منه والمنقطع - الذي يسمى بالمتعة - .
وبالرغم من ظهوره في الإطلاق فإن بعض الفضلاء ممن عاصر الشيخ المفيد خص هذا لنص بعقد المتعة ? دون غيره من النكاح . ولم يذكر في كلام الشيخ المفيد - ولاغيره - ما يعرف به هذا الشيخ الفاضل ? إلا ان الذي يظهر من كلام الشيخ المفيد هو مزيد العناية به ? حيث قال فيه : ذلك الشيخ الفاضل . وهذا غلط عظيم من أمثاله ? مع ما يرجع إليه من العلم والفهم . . . من تربى في رياض العلم ? ويشار إليه فيما يفتيه من غوامض المسائل في الحلال والحرام . ويقول - في أخر الكلام - : ولا يخلو قوله من وجهين : إما ان يكون زلة منه ? فهذا يقع من العلماء ? فقد قال الحكيم : ( لكل جواد عثرة ولكل عالم هفوة ) ? وأما أن يكون قدا شتبه عليه ? ولو كان هذا من غيره ممن يتزيى بزي أهل العلم لظننا أن غرضه مما أجاب وأفتى به خلاف أهل العلم والفقه ? وقلنا : إن مثل هذا - أكثره - يقع من جهة الاستنكاف من الرجوع فيما يشتبه عليه إلى أهل الفضل والفقه ? وحاشاة أن يكون بهذه الصفة ! إن تصدي الشيخ المفيد للاعتذار لذلك الفاضل بهذه العبارات يدل - بلا ريب - على أنه معترف بفضله ? ويكن له التقدير والاحترام . كما أن الشيخ المفيد لم يذكر في هذا الكتاب الوجه الذي دعا هذا الشيخ الفاضل إلى ذلك القول وتخصيصه ذلك الحديث بنكاح المتعة فقط . وأظن أن الذي دعاه إلى ذلك ما وجده في بعض أحاديث الباب ? من رواية محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام : كم المهر - يعني في المتعة ? فقال : ما تراضيا عليه إلى ما شاءا من الأجل .
رواه الشيخ الطوسي في التهذيب ( ? 7 ? 260 ) الحديث ( 52 ) .
فظاهر هذا الحديث أنه خاص بالمتعة ? لقوله : ( يعني في المتعة ) ولذكره ( الأجل ) الذي لا يكون مع النكاح الدائم . فدل على ان كفاية ما يقع عليه التراضي في المهر خاص بعقد المتعة ? وبهذا الحديث تقيد الروايات المطلقة الواردة في الباب ! لكن هذا ليس صحيحا ? لأن التقييد بالمتعة بقوله ( يعني في المتعة ) إنما جاء في سؤال الراوي ? ولازم ذلك أن يكون إنما خص سؤاله عن المهر في عقد المتعة ? فلذا أجابه الإمام عليه السلام بذكر الأجل . ثم إن التقييد إنما يتحقق إذا صب الحكم - في مورد - على المقيد بحيث يكون بيانا للمطلق ? ومخرجا له عن شيوعه ? بأن يظهر منه عدم إرادة غير المقيد من أفراد المطلق . وليس مجرد تطبيق الحكم على المقيد كافيا في التقييد ? لأن ذلك هو مقتضى الإطلاق أيضا ? فلا ينافيه حتى يرفعه .
والأمر في المقام ? من قبيل التطبيق ? حيث أن الإمام عليه السلام إنما طبق حكم المطلق ? وهو كفاية ما وقع عليه التراضي ? على مورد عقد المتعة الذي ورد في سؤال الراوي ? وأضاف إليه ما هو لازمه من ذكر الأجل وقد ذكر الشيخ المفيد إطلاق الحديث ? واستند لإثباته الى رواية اخرى جاء فيها التصريح بقوله : ( الصداق كل ما تراضيا عليه في تمتع أو تزويج غير متعة ) . لكن لم يرد في كلامه ذكر عن ما افترضناه من احتمال التقييد ? ولا الجواب عنه . ويظهر من مضون كلام الشيخ المفيد : أن الشيخ الفاضل المذكور قال بتحديد المهر بقدر معين من الدراهم .
فتصدى الشيخ المفيد لرده ? منتهجا الطرق التالية :
أولا : النصوص الدالة على أن المهر ما تراضى عليه الزوجان ? وهي مطلقة لجميع أنواع النكاح .
وثانيا : الاستدلال بالمسلمات الفقهية ? الدالة على عدم تحديد كمية المهر : مثل : صحة عقد النكاح بمهر من غير الأموال - النقدين - كتعليم المرأة القرآن أو معالم الدين مما لا يقدر بثمن محدد من الدراهم . ومثل : الحكم بالزوجية لمن عقد على امرآة ? ولم يفرض لها مهرا معينا ? ومات قبل الدخول .
وثالثا : الاستناد إلى قاعدة ( الأخذ بما وافق القرآن ) مدعيا أن عدم تحديد المهر هو الموافق للآية ( 20 ) من سورة النساء .
ورابعا : الاستناد بما يقع عند العرف ? من الاكتفاء في خطبة النكاح بذكر ( ما تراضيا عليه ) من دون تحديد ? وهو عرف ثابت منذ زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ? حيث حصل مثله في خطبة تزويجه صلى الله عليه وآله وسلم بخديجة عليها السلام ? فيما رواه الأئمة عليهم السلام فيكون هذا العرف حجة باعتبار اتصاله بعصر المعصومين عليهم السلام . وبعد أن يعتذر الشيخ المفيد لذلك الفاضل ? ذكر أحاديث أخلاقية عن الأئمة عليهم السلام ترشد إلى نبذ الاستنكاف عن السؤال عما لا يعلمه الجاهل ? وتحث على الطلب والتعلم ? مثبتا لبعض النصوص النادرة المتون في هذا الصدد . فالكتاب يعتبر جهدا فقهيأ رائعا ? ويلقى أضواء على قدرات الشيخ المفيد في محاولاته الفقهية ? ويوقفنا على أدوات الاستنباط التي كانت تزاول في طليعة عصر الاجتهاد عند الشيعة الإمامية ? على يد مجدّد المذهب الإمام الشيخ المفيد قدس الله سره . ونحمد الله على توفيقه ? ونسأله الرضا عنا بفضله وإحسانه وأن يتقبل منا بكرمه وجلاله ? إنه ذو الجلال والإكرام .
وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 8 ]
جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية
تأليف الامام الشيخ المفيد
محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي
( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
إن طبيعة الأشهر القمرية وما وقع عليه اعراف الناس هو أن ثبوتها يتبع الهلال وخروجه من المحاق وظهوره على الآفاق ? فإذا رؤي للعيان بدأ الشهر الجديد ? سواء كان الشهر الذي سبقه ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما . وهذا أمر سار في جميع الشهور ? بلا خلاف ? فيكون تاما أو ناقصا ? إلا في شهر رمضان المبارك ? حيث ذهب بعض المحدثين من القدماء إلى أنه لا ينقص من ثلاثين أبدا ? مستندين الى أدلة ثلاثة :
1 - بعض الأحاديث الواردة بذلك .
2 - قوله تعالى : ( ولتكلموا العدة ) حملا له على إكمال عدة الشهر بثلاثين يوما .
3 - قول الصادق عليه السلام : ( خذوا بأبعد هما من قول العامة ) حيث أن العامة يقولون بنقص رمضان . والشيخ المفيد - كجمهور الفقهاء - يقول بأن حكم شهر رمضان حكم سائر الأشهر القمرية ? يعرضه النقص أيضا ? وإنما المدار فيه هو الرؤية لهلال شوال .
وقد تصدى في هذه الرسالة ? لقول ذلك البعض من المحدثين ? واستدل للمشهور .
وطريقة استدلال الشيخ المفيد ? وبحثه مع المخالفين ? تعطينا فكرة عن المنهج الفقهي الذي كان ينتهجه القدماء من المجتهدين ? ويكشف معالم الاجتهاد منذ القدم . والغريب أنا نجد الشيخ المفيد في هذه الرسالة يعتمد أساليب استدلالية هي معتمدة في المناهج الفقهية المعاصرة كذلك . فهو يستدل بالآية القرآنية ? بعد أن يثبت حجية ما يظهر منها ويفهم من لفظها ثم يلجأ إلى الإطلاق العرفي ? والمفهوم المتداول عند الناس ثم يستشهد بالمسلمات الفقهية التي تستلزم ثبوت الرأي المشهور ويتعرض لأدلة المخالفين : وأهمها الأخبار المروية ? فيردها سندا ? ودلالة . ثم يفسر قوله تعالى : ( لتكملوا العدة ) بأن المراد : إكمال صوم الشهر ? بعدته ? إن كان تاما فثلاثين ? وإن كان ناقصأ فتسعة وعشرين ? وليست الآية بصدد تعيين مقدار العدة . ويرد الاستناد الى قول الصادق عليه السلام : ( خذوا بما خالف العامة ) بأن ذلك لا يكون ناظرا إلى الأحكام الشرعية ? كما سيأتي . وفى النهاية عرض الروايات الكثيرة الدالة على المشهور . ومن المناسب أن مسألة ( العدد والرؤية ) احتلت مساحة كبيرة من جهود الشيخ المفيد فنجد في مؤلفاته عدة كتب في الموضوع وهي :
1- مصباح النور في علامات أوائل الشهور ? وقد ذكره المفيد في بداية رسالتنا هذه ? فراجع الفصل الاول . وبعد ذلك مكررا .
2- جواب أهل الرقة في الأهلة والعدد .
3- جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية - وهو كتابنا هذا - .
وقد تضمنت هذه الرسالة عدّة بحوث قيّمة :
1 - فسّر باب ( النوادر ) الذي يعقد في كتب الحديث في آخر الكتب الفقهية ? فقال : ( النوادر : التي لاعمل عليها ? فدل على أن الأحاديث التي تورد في ( النوادر ) لاحجية لها .
2 - أفصح الشيخ عن أن عدم وجود حديث الراوي ? في كتاب اصله الذي ألفه ? يوجب ضعف الحديث .
3 - وصف مجموعة من الرواة بأنهم ( الأعلام الرؤساء ? المأخوذ عنهم الحلال والحرام ? والفتيا والأحكام ? والذين لا مطعن عليهم ? ولا طريق إلى ذم واحد منهم ? وهم أصحاب الأصول المدونة ? والمصنفات المشهورة ) .
ويمكن أن يعتبر ذكر الشيخ المفيد لهذه الأوصاف في حق هذه المجموعة مع خصوصية ( عدم الطعن عليهم وعدم ورود الذم في واحد منهم ( اكتفاءا في الاعتماد عليهم بذلك ? وعدم احتياجهم الى التصريح بالوثاقة ? وبذلك ينفتح باب يمكن أن يعتمد عليه في المعالجات الرجالية ? وتتأكد بعضى المناهج المتبعة في ذلك .
4 - فسّر المراد من مخالفة العامة ? بخصوص ما ورد في مسائل الإمامة لا في الأحكام الشرعية .
5 - إن أحاديث الاحكام الواردة تقية لا يمكن أن ترد بطرق معروفة ? وإنما ترد على الشذوذ لافيما ينقله جمهور الفقهاء ويعمل به أكثر العلماء . وبعد ? فإن هذا الكتاب يعتبر من عيون تراث الشيخ المفيد ? وقد كان متداولا عند الأعلام ? وتكرر ذكره في كثير من كتب الفقه والحديث والرجال . ونحمد الله على توفيته ? ونسأله الرضا منا بفضله وإحسانه وأن يتقبل منا بكرمه وجلاله ? إنه ذو الجلال والإكرام .
وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 9 ]
رسالة حول خبر مارية
تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العبكري البغدادي
( 336 - 413 )
بسم الله الرحمن الرحيم
جهد أعداء الاسلام منذ البداية في الاساءة إليه ? وتشويه سمعته عند عامة الناس بشتى الاشكال ? إن باتهام شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ? بالسحر والكذب ? وما إلى ذلك من الافتراء والفحش أوالاساءة إلى تعاليمه والمقدسات التي عظمها ? بالسخرية والتزييف والتكذيب.
لكنهم واجهوا في شخص الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم عملاقا ? لا تمسه أوهام التهم ? وصادقا لا يشوبه شبح الكذب، وأمينا، حكيما ? مدبرا ? ذا خلق عظيم ? تخضع له القلوب قبل الرقاب ? وذا شخصية قوية رفيعة القمة لا يرقى إليها طير أحلامهم ? في السمو والشموخ والعظمة . وواجهوا من تعاليمه ? في قرانه وسنته ? سدا منيعا من القيم والشيم ? الدروس ? والمخططات الناجحة ? والاهداف السامية ? السريعة الاثر في النفوس ? لا تنفذ فيها سهام الحقد الجاهلي ? والنعرة الطائفية ? وكبر العنصرية ? ولا تلوثها الدعايات المغرضة .
ولما رأوا الابواب تلك أمام بغيهم موصدة ? في لجأوا إلى الشغب والتشويش من خلال ما ومن يتصل به من المتعلقين والاطراف والاصحاب رجالا ونساءا ? وهم بشر ? ممن لم يعتصموا بكل التعاليم إلى حد الكمال والعصمة والخلق والامانة والعفة ? فبالامكان اختراقهم ? أو دفعهم على ما لا يليق ? أو اتهامهم في مجتمع ساذج جاهلي متخلف فلذلك ? حاول أعداء الاسلام تلطيخ سمعة بعض نسائه ? حيث أن اتهامهن مثار لسقوط اعتبارهن عن الاعين فيمس صاحب البيت من ذلك شئ ? وهو غاية ما يبنيه الحقراء الحاقدون ! فوجدوا من بعض نسائه ضعفا في الالتزامات الخلقية تجاه الرسول نفسه ? أو تجاه أهل بيته ? ? سائر زوجاته ? إلى حد المظاهرة عليه ? وإفشاء بعض ما أسر إليها ? فعرفوا أن بالامكان اختراقها وتحريك أحاسيسها وهي امرأة ? وخاصة تجاه ضرائرها . وهذا ماس في قصة مارية القبطية ? زوجة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ? وأم ولده إبراهيم . والقصة حدثت بالضبط عندما ولدت هذه السيدة الطيبة ابن رسول الله إبراهيم .
وما أيسر أن تثار زوجة عاقر ? ضد ضرتها التي ولدت ابنا !
وما أشد حقد زوجة تعتد بجمالها ? وانتماءها القبلي ? ضد ضرتها التي هي أمة مهداة !
إنها نوافذ مهما حقرت أو كبرت ? يمكن أن ينفذ أعداء النبي صلى الله عليه وآله وهم شياطنة قريش أو أرذال بني تيم ? وطغاة بني عدي ? لتسئ إلى كرامة الرسول ? الذي سفه أحلامهم ? وكسر كبرياءهم وغرورهم ? وأرغم أنوفهم ! وأطلقهم عبيدا وقد كانوا سادة ? لسادة كانوا لهم عبيدا .
إن عائشة هي التي أثارت التهمة ضد السيدة أم إبراهيم : مارية القبطية ? فقذفتها بأن ولدها ليس من النبي صلى الله عليه واله وسلم ? وإنما هو من ابن عمها جريج القبطي ? الذي كان يخدمها ? وكان كلام عائشة خطابا للنبي صلى الله عليه واله مباشرة !
فغصب النبي صلى الله عليه واله وسلم ? وقال لعلي عليه السلام : خذ . سيفك - يا علي - وامض إلى بيت مارية ? فإن وجدت القبطي فاضرب عنقه ! وهكذا أغضبت عائشة النبي صلى الله عليه واله وسلم حيث أصبحت ألعوبة بأيدي أعداء الاسلام ? وهي في داخل بيت الرسول صلى الله عليه واله . ولذا اعلن الرسول غضبه ? وأطلق هذا الامر ? ليعبر عن سخطه ودفاعه عن شرف بيته . ولكن أمير المؤمنين عليه السلام تلميذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم أن الامر في مثل هذا الموقف ? ليس اطلاقه مرادا ? لان التعاليم الاسلامية تقيده ? فلذلك راح يعلن هذه الحقيقة للسامعين فاستفسر ذلك من النبي صلى الله عليه واله وسلم نفسه ? وقال : إني تأمرني - يا رسول الله - بالامر ? فاكون فيه كالسبيكة المحماة في ذات الوبر ? فامضي لامرك في القبطي ? أو " يرى الشاهد ما لا يرى الغائب " فقال له النبيي صلى الله عليه وأله:
بل " يرى الشاهد ما لا يرى الغائب " .
فمضى أمير المؤمنين عليه السلام إلى بيت مارية القبطية ? فوجد القبطي فيه ? فلما رأى السيف بيد أمير المؤمنين عليه السلام صعد إلى نخلة في الدار ? فهبت ريح كشفت عن ثوبه ? فإذا هو ممسوح ? ليس له ما للرجال !
فتركه أمير المؤمنين عليه السلام وعاد إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم ? فأخبره الخبر ? فسرّي عنه ? وقال : الحمد لله الذي نزهنا أهل البيت مما رمتنا به أشرار الناس من السوء . فخاب الا شرار والشريرة التي أصبحت الة في أيديهم فيما سعوا إليه من تشويه سمعة النبي صلى الله عليه واله ? باستهداف زوجته السيدة مارية ام إبراهيم . وقد أثار هذا الحديث تساؤلات عديدة أوجبت لكثير من الناس :
1 - ففرقة من الغلاة الكفرة ? المنتحلة للزيغ ? قالوا : إن قول الامام أمير المؤمنين عليه السلام : " يرى الشاهد ما لا يرى الغائب " رمز إلى نفسه - الشاهد - وأن الامر له في الباطن ? وان النبي هو الغائب .
2 - قالت المعتزلة من العامة بجواز الخطأ في الاحكام على النبي صلى الله عليه واله وسلم وزعموا : أن الامر بقتل القبطي - مطلقا - كان خطأ ? عرفه الامام أمير المؤمنين عليه السلام ? فنبه الرسول بالاشتراط .
3 - الفرقة المنتسبة إلى موسى بن عمران القائلة ? بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يشرع لهم بالنص تارة ? وبالاختيار أخرى وأنه كان مفوضا إليه القول بالاحكام بما شاء وكيف شاء !
4 - ذهب أصحاب الرأى والاستحسان من متفقهة العوام إلى أن النبي صلى الله عليه واله كان يحكم بالرأي ثم يرجع عنه ? حسب ما يراه في كل حال .
5 - والزنادقة جعلوا ذلك حجة في الطعن في النبوة . ولكن لهذا الحوار ? الذي وقع بين النبي وعلي عليه السلام ? وجوه واضحة في الحق ? لاتخفى لمن وقف عليها من ذوي الانصاف ? وهي :
الاول : أن الاوامر الصادرة من العقلاء ? إطلاقا وتقييدا ? وإجمالا وبيانا ? تتبع معرفة المأمورين ومدى ذكائهم ? ومقدار عقلهم وإدراكهم ? فان كان المأمور متوسطا في الذكاء والعقل والمعرفة احتاج إلى تأكيد وزيادة بيان ? وان كان المأمور دون ذلك في المعرفة والعقل والذكاء احتاج إلى الشرح والتفصيل والتوضيح والاعادة والتكرار ? وان كان فائق الذكاء والمعرفة والعقل لم يحتج إلى شئ من التأكيد ولا البيان ? ويكتفى معه بالاجمال والاطلاق . وكذلك ? بحسب الثقة بالمأمور في طاعته ? والسكون إلى سداده وضبطه ? يختلف اخذ الموقف منه بالتأكيد وعدمه . قال الشيخ المفيد : وهذا بين ? متفق عليه أهل النظر كافة ? وجمهور العقلاء ? فلا حاجة بنا إلى تكلف دليل عليه . وحاصله : أن معرفة الراوى ومداها ? لها الاثر الواضح في تشتكل النص الذي يلقيه الامام إليه للدلالة على قضية أو حكم .
ولذلك يكون الوقوف على مبلغ علم الراوي ومعرفته الفكرية والفقهية لها الاثر في تبلور النصوص التي يرويها عن الامام عليه السلام ? وخاصة في وضوحه وبيانه ? أو اجماله ? وكذلك في الخصوص والعموم ? وما إلى ذلك .
وعلى هذا ? فبما أن النبي صلى الله عليه واله كان بصدد دفع التهمة عن زوجته ? لتنزيه العائلة المنتسبة إليه ? وإنما استهدف القبطي لمجرد كونه محلا لتهمة أولئك الاشرار ? لا أن القبطي كان ( مطلقا ) مهدور الدم ? فلذلك أطلق النبي صلى الله عليه وآله الامر ? وأوكل تقييده إلى علي عليه السلام ? ولو كان غير علي عليه السلام مأمورا بذلك لفصل له النبي صلى الله عليه واله وسلم ولم يترك الامر مطلقا غير مبين التفصيل ! .
ثم إن هذة العملية دليل على فضل علي عليه السلام ? حيث أنه كان عالما بتفاصيل الاحكام الشرعية ? فأظهر الاشتراط ? وأخبر به قبل أن يخبره النبي صلى الله عليه واله وسلم ? ليكشف بذلك عن فضله وعلمه . واعلن علي عليه السلام عن ذلك ? بلسان السؤال عن النبي صلى الله عليه واله ? لانه اكثر توغلا في الادب ? ولئلا يسئ الادب مع النبي صلى الله عليه واله . ثم إن عليا عليه السلام لو لم يعلن عن هذا التفصيل ? الذي أعلنه بلسان السؤال ? وكان يعمل طبقا لما عرفه من الحكم بالتفصيل ? لو لم يفعل ذلك لاتهمه المغرضون بمخالفة النبي صلى الله عليه واله وسلم ? حيث لم ينفذ أمره بقتل القبطي مطلقا . فكان في إطلاق النبي صلى الله عليه واله ? وسؤال علي عليه السلام ? كشفه عما تضمنه الكلام من الاحكام والتي استنبطها الامام عليه السلام من الفوائد في فضلهما وعصمتهما ونطقهما بالحق ? ما بيناه وأوضحناه .
الوجه الثاني في توجيه الحديث : أن يكون القبطي مهدور الدم ? لدخوله بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغير إذن ? وعلى غير إخبار منه له . ولم يكن الامر كذلك لعلي عليه السلام ? فلذلك سال عن التفصيل .
الوجه الثالث: أن يكون حكم قتل القبطي مفوضا إلى النبي صلى الله عليه وآله مطلقا ? ففوضه إلى علي عليه السلام مشروطا . وهذا يدل على مشاكلة الامام عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله في العصمة والكمال ? ومساهمة في ولاية الامر من تقرير الدين والاحكام بين العباد . وبعد : فإذا ثبت للحديث توجيه على اي من الوجوه المتقدة ? بطلت جميع الشبه المذكورة ? التي أثارتها الفرق الضالة المزبورة لان ما التزموه يكون خارجا عن المحتوى المفهوم من النص ? وإنما تصبح دعاوى فارغة ? مجردة عن الدليل ? إذ أن النص إذا كان له تأويل عقلائي ? ومعنى صحيح ومعقول عند الحكماء ? لم يكن للعلول عنه طريق ? الا التحكم بالاماني الخائبات .
والحمد لله على كل حال . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 10 ]
سلسة مؤلفات الشيخ المفيد ? 7
مسار الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة
أبي عبد الله محمد بن محمد بن نعمان العكبري البغدادي الشيخ المفيد
( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
ان لكل حضارة واقة أياما ير مناسبات معينة لها شأن في تاريخها ? ? لذلك تخلد بين أبناءها ? وتحظى بتكريم من أصحابها ? وإشادات وذكريات ? سواء ? كانت سارة مفرحة ? أم محزنة ! وقد احتوت الحضارة الاسلامية من الذكريات عذة ? أشاد بذكرها القران الكريم ? بعنوان " أيام معلومات " أو " أيخام الله ? وعينها أحيا نا بالاسم ? كيوم بدر ? يوم حنين ? ويوم الاحزاب . . . فتحديد تلك الا يام ? وتاريخ حوادثها ومجرياتها ? واحذ من أهتم ما يجب عموما على رجال الاسلام ضبطه وتسجيله ? وعلى الامة جمعاء تخليدها ? تبجيلها وتجليلها ? كي تخلد في النفوس والاذهان ? وتنقل إلى الاجيال . وقد قرر الثارع الكريم للمناسبات المتنوعة وظائف خاضة متناسبة ? طبيعة كل واحدة منها .
ومن هنا فان على المؤمنين أن يعرفوا تلك المناسبات والاتام بتواريخها وأعمالها ? لان " ?عرفة هذا الباب " كما يقول الشيخ المفيد في مقدمة هذا الكتاب : " من حلية أصل الايمان ? ونما يقبح إغفاله بأهل الفضل والايمان " . بل الاهتمام بهذه الجهة مما تعاهدناه عند المؤمنين واللهتمين بامور الدين ? منذ القديم ? كما قال الشيخ : " ولم يزل الصالحون من هذه العصابة - حرسها الله - على مرور الاوقات يراعون هذه التواريخ ? لاقامة العبادات فيها ? والقرب بالطاعات ? واستعمال ما يلزم العمن به في الايام المذكورات ? وإقامة حلود الدين في فرق ما بين أوقات المسارو ? لا حز ان " .
إن الكتاب كما هو واضح من عناوين ابوابه ? وتدل عليه المقدمة أيضا لا يقتصر على ذكر المناسبات السارة فقط ? بل يحتوى على ذكر المناسبات الهزنة أيضا . ومن هنا فليس ما جاء في تسمية الكتاب ب " مسار الشيعة " فقط ? صحيحا ولا وافيا بمضمون الكتاب ? ولا مؤافقا لغرض المصنف .
والذي يستفاد من مقذمة الكتاب أن اسمه : " مختصر في تاريخ أيام مسار الشيعة وأعمالها من القرب في الشريعة ? ? ما خالف في معناه " .
فهذا العنوان شامل لتواريخ أيام المسار ? وأيام الا حزان ? وما في كل من الاعمال والقربات . كما أن من سماة ب " التواريخ الشرعية " فقط ? فقد أغفل ? كر الاعمال الذي يشكل جزء أكبيرا من محتوى الكتاب أيضا . ومنهج الشيخ في تأليف الكتاب ? أنه :
أولا : يبني على الايجاز والاختصار في ذكر المناسبات ? وشرح الوقائع اعتمادا على ما يختص بذلك من مؤلفاته ككتاب " المزار " ? " الارشاد " ? المقنعة " التي يحيل إليها . إلا أنه تحدث بشئ من التفصيل في بعض المناسبات ? كيوم الغدير حيث ذكر شعر حسان في تلك المناسبة . وكمناسبة مبيت الامام علي عليه السلام ليلة الهجرة على فراش النبي صلى الله عليه والله واقيا له بنفسه وقارنه بحديث الغار .
ثانيا : رتب الكتاب على ترتيب الاشهر العربية ? بادئا بشهر رمضان ? معتبرا له أول الا شهر ? لاعتبارات :
1 - لتقدمه في محكم القرآن .
2 - لكونه عند آل الرسول صلى الله عليه والله أولى الشهور في ملة الاسلام .
3 - لانه برهان الفصل بين الاشهر الحرم وشهر رجب منها . ولم يتضح لنا هذا الوجه الثالث ? لوجود خلل في النسخ المتوفرة فليلاحظ .
وهذا الترتيب في أشهر السنة العربية مما تفرد به الشيخ المفيد على الظاهر ? للبحث عنه مجال للمختصين بدراسة شؤون التاريخ الاسلامي .
ثالثا : إن الشيخ بعد أن يذكر المناسبات المختلفة في الشهور يذكر تحت عنوان كل مناسبة ما ورد فيها من أعمال - واجبة ومستحبة - حسب ما وردت به الروايات والآثار عن أهل البيت عليهم السلام .
والملاحظات الخاصة بهذا الكتاب :
1 - إنه من الكتب القليلة التي كتبها الشيخ نفسه ? بخلاف اكثر اثاره التي هي من إملائه . فيمكن الاعتماد على نسخته المحققة ? والاعتبار بعباراته على أنها من الشيخ المفيد نفسه .
2 - إن تاريخ تأليف الكتاب هو سنة ( 389 ) كما جاء في اخرها ? وهذا أيضا قلما وجد في سائر اثاره وأعماله العلمية .
3 - إن هذا الكتاب - مع أنه يعتبر مصدرا تاريخيا هاما ? ومعتمدا - فهو في نفس الوقت يفيد الدارسين في تحديد فلسفة ? التاريخ من وجهة النظر الاسلامية فيما هو واحد من عيون تراث الشيخ المفيد الخالدة .
والله ولي التوفيق . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 11 ]
مسألة في النص على علي عليه السلام
تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله
العكبري ? البغدادي ( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
احتلت البحوث المرتبطة بالامامة والخلافة مجالا واسعا من تراث الشيخ المفيد باعتبارها الفارق المهم بين أكبر طائفتين من طوائف الاسلام منذ صدر التاريخ الاسلامي . وباعتبار ان من الواجب على علماء الامة السعي في إزاحة الموارق بتحديد الملتزمات الحقة والبت فيما يجب على الامة اعتقاده توصلا إلى ما يجب متابعته ونصره في سبيل توحيد صفوف الامة ورصهاوبناء البنيان المرصوص عليها ومن المسائل المثارة في هذا المجال - بعد إثبات إمامة الامام علي أمير المؤمنين عليه السلام - هو: لماذا قعد الامام عن مطالبة حقه في الامامة ? الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ? !
ولماذا سكت عن من تقدم عليا من الخلفاء ? !
ولماذا لم يظهر معارضته لهم ? بل خالطهم مخالطة سلمية ? مما يوحي ? أو استوحى منه كثير من الناس ? أنه موافق لهم ? ! كأخذه العطاء منهم ? والاشتراك في صلواتهم جماعة ? والحضور في مجالسهم ? وغير ذلك مما يدل على عدم المقاطعة وعلى الرضا عنهم وعن تصرفاتهم أو حتى نكاح سبي حروبهم !
وقد تصدى الشيخ المفيد في هذه الرسالة لهذه الاسئلة والشبه ? باسلوبه الرصين الهادئ ? والواضح ? عارضا لما تقوله الشيعة بهذا الصدد من الاجوبة عن كل واحد من تلك الاسئلة المثارة والظريف أنه اجاب عن مسألة نكاح الامام عليه السلام سبي الخلفاء ? من طريقين :
1 - طريق الممانعة : أي يدفع دعوى السائل أن الامام عليه السلام نكح السبي على أساس ملك اليمين ? بل يمكن دعوى انه عليه السلام نكح السبي على أساس عقد الزواج . فلا طريق للساك إلى إثبات دعواه تلك !
2 - طريق المتابعة : أي مع الموافقة على فرض السائل أنه عليه السلام نكح السبي على أساس ملك اليمين ? والاجابة عن ذلك . وهذا يعطي أن الشيخ المفيد كان يتوخى منتهى النصفة مع الخصوم ولا يكتفي برد الدعاوي وإنكارها ? بل يتنزل معهم ويحاول أن يجيبهم على مبانيهم وملتزماتهم أيضا .
والظاهر أن مثل هذه الاسئلة كانت مثارة في زمن الشيخ المفيد وعصره ? فقد أثار أبو هاشم - من المعتزلة - سؤالا بعنوان : كيف رضي أمير المؤمنين عليه السلام أن يكون في الشورى العمرية مع ما تردد فيه من القول حالا بعد حال ?
نقله القاضي عبد الجبار في المغني ( ? 20 ? 1 ? 122 ) وقد أجاب السيد المرتضى عن ذلك في الشافي بقوله : ذكر أصحابنا فيه وجوها :
أحدها : أنه عليه السلام إنما دخلها ليتمكن من إيراد النصوص عليه ? الاحتجاج بفضائله وسوابقه وما يدل على أنه احق بالامر وأولى .
ومنها : أنه عليه السلام جوّز أن يسلّم القوم الامر له ? ويذعنوا لما يورده من الحجج عليهم بحقه ? فجعل الدخول في الشورى توصلا إلى حقه ? وسببا إلى التمكن من الامر والقيام فيه بحدود الله ? وللانسان أن يتوصل إلى حقه ويتسبب إليه بكل أمر لا يكون قبيحا .
ومنها : أن السبب في دخوله عليه السلام كان التقية والاستصلاح ? . . . ? فحمله على الدخول ما حمله في الابتداء على إظهار الرضا والتسليم . لاحظ الشافي في الامامة ( 2 / 155 ) وتلخيص الشافي ( 2 / 150 - 154 ) .
وقد اختار الشيخ الطوسي الوجه الثاني من الوجوه التي ذكرها المرتضى فذكره بشئ من التفصيل - في جواب الاعتراض على قبول الامام على الرضا عليه السلام لولاية العهد من قبل المأمون العباسي - فقال ما نصه : كل ما مضى من الكلام في أسباب دخول أمير المؤمنين عليه السلام في الشورى ? فهو بعينه سبب في هذا الموضوع ? وجملته : أن صاحب الحن له أن يتوصل إليه من كل جهة وسبب لا سيما إذا كان يتعتق بذلك الحق تكليف عليه ? فانه يصير واجبا عليه التوصل والتصرف في الامامة .
لاحظ تلخيص الشافي ( 4 / 206 ) .
ورسالة الشيخ المفيد هذه على صغر حجمها جامعة للاجوبة على كلتلك الاسئلة المثارة ? بأوضح وجه .
على أن الظاهر من نسختها المتوفرة : أن كاتبها لم ينقل جميع ما أملاه الشيخ رحمه الله ? بل اختصرها .
والحمد لله على توفيقه . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 12 ]
- رسائل في الغيبة - الشيخ المفيد -
الرسالة الاولى في الغيبة
" من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية "
تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله ? العكبري البغدادي
( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الحديث المتسالم بين الامة على صحته وقبوله . وقد قال المفيد فيه : خبر صحيح يشهد به إجماع أهل الآثار . وقال في الافصاح : انه خبر متواتر . وقد رواه علماء المذاهب الاسلامية الكبرى ? كافة : الشيعة الامامية ? والزيدية ? وأهل السنة : وأمر اسناده مفروغ عنه ? فلذلك لم يطول الشيخ في البحث عنه ? وإنما تعرض لمعناه ومدلوله . فذكر:
أولا : أن القران يشهد لمعناه في ايات صريحة : منها قوله تعالى : " يوم ندعوا كل اناس بإمامهم . . . " . وقوله تعالى : " فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " . ومدلول الحديث : أن عدم معرفة الانسان إمام زمانه يؤدى إلى أن يموت ميتة جاهلية ? على غير ملة الاسلام ? " فالجهل بالامام يخرج صاحبه عن الاسلام " كما يقول المفيد في الافصاح ( ? 28 ) .
إذن ? لابد من وجود إمام في كل عصر وزمان ? ولابد للمسلم أن يعرف صاحب عصره ? وإمام زمانه ? وإلا مات ميتة الكفر والضلالة الجاهلية . والشيعة الامامية يعتقدون بامام العصر وصاحب الزمان عندهم وأنه هو محمد بن الحسن العسكري عليه السلام ? وأنه المهدي المنتظر خروجه في اخر الزمان ? وأنه غاب بعد فترة من ولادته ? وهم يعتقدون بغيبته . وقد اعترض بعض المخالفين على هذا الاعتقاد بأنه يتعارض ومنطوق الحديث ? وتصور أن غيبة الامام تنافي معرفغنا به ? لان وجوده تستلزم العلم بمكانه ? والاتصال به والاستفادة منه . فقدم اعتراضات عديدة : 1 - فاعترض على الغيبة بأنه : إذا كان الخبر صحيحا ? فكيف يصح قول الشيعة في امام هذا الزمان أنه غائب ? مستتر عن الجميع ? لا يتصل به أحد ? ولا يعلم مكانه ومستقره ? وأجاب الشيخ المفيد عن هذا ? بأن مدلول الخبر هو " لزوم وجود الامام ? لزوم معرفة المسلم به " ولم يتضمن " وجوب ظهوره وعدم غبيته " فالاعتقاد بالغيبة لا ينافي مدلول الخبر ? وتوضيح ذلك : أن الوجرد والمعرفة لا تستلزم ما ذكر في الاعتراض من الاتصال والعلم بالمكان ? فإن معرفة الامر لا تتوقف على مشاهدته والحضور عنده فقط ? لما هو المحسوس من معرفتنا لامور كثيرة لم نرها ولم نحضرها ? كالامور والحوادث الماضية التي عرفناها وحصل عندنا العلم بها ? وكذا نعرف أشياء وأمورا تقع في المستقبل من دون أن نتصل بها كيوم القيامة والحشر والنشر . ثم إن المصلحة قد تتعلق بمجرد معرفة الشئ أو الشخص ? ولا تتعلق بمشاهدته ومعرفة مكانه أو الاتصال به .
2 - واعترض على الغيبة بأنه : ما هي المصلحة في مجرد معرفة الامام مع عدم الاتصال به ? وأجاب الشيخ المفيد بأن نفس معرفتنا بوجوده وإمامته وعصمته ? فضله وكماله ? تنفعنا بأن نكتسب بها الثواب والاجر ? لامتثالنا لامر الله بذلك ? ونستدفع بذلك العقاب الذي توعدنا عليه بجهله ثم إن انتظارنا لظهوره عبادة نثاب عليها ? ندفع بها عن أنفسنا العقاب . ثم إنا نؤدي بهذه العقيدة واجبا إلهيا فرضه الله علينا . 3 - ثم فرض المخالف سؤالا حاصله : إذا كان الامام غائبا ومكانه مجهولا فماذا يصنع المكلف وعلى ماذا يعتمد المبتلى بالحوادث الواقعة ? إذا لم يعرف أحكامها ? ! وإلى من يرجع المتخاصمون ? ! وإنما المرجع في هذه الامور إلى الامام ? وهو المنصوب لها !
وأجاب الشيخ المفيد :
أولا : أن هذا السؤال لاربط له بموضوع البحث عن حديث " من مات . . . " بل هو سؤال جديد ? وبحث مستأنف . فأشار بهذا إلى مخالفة المعترض في تقديم هذا السؤال لقواعد البحث والمناظرة حيث أدخل سؤالا أجنبيا ضمن البحث ? وقبل الفراغ عنه ! ومع ذلك ? فقد أجاب الشيخ عن هذا السؤال بكل أدب وصبر .
وثانيا : إن واجبات الامام - المنصوب لا جلها - كثيرة :
منها : الفصل بين المتنازعين .
ومنها : بيان الاحكام الشرعية للمكلفين وامور اخرى - من مصالح الدين والدنيا . لكن الامام إنما يجب عليه القيام بهذه الامور كلها بشرط التمكن والقدرة على إنفاذ كلمته ? وبشرط الاختيار . ولا يجب على الامام شئ لا يستطيعه ? ولا يجب عليه الايثار مع الاضطرار .
وثالثا : إن الامام إدا كان في ظروف التقية والاضطرار ? فليس ذلك من فعل الله تعالى ? ولا من فعل الامام نفسه ? ولا من فعل المؤمنين من شيعته . بل ذلك من فعل الظالمين ? من أعدائه الغاصبين للخلافة والحكم على المسلمين الذين أباحوا دمه ? ونفوا نسبه ? وأنكروا حقه ? وغير ذلك من التصرفات التي أدت إلى وعدم ظهوره . فالنتائج المؤسفة المترتبة على الغيبة من تضييع الاحكام ? وتعطل الحدود ? وتأخر المصالح ? وعروض المفاسد ? كل تلك الاضرار تقع مسؤليتها على عاتق أولئك الاعداء الظالمين .
والامام ? والمؤمنون ? بريئون عن ذلك كله ? فلا يحاسبون به ! وأما المبتلى بالحوادث الواقعة : فيجب عليه الرجوع إلى العلماء من فقهاء الشيعة ? ليعلم من طريقهم احكام الشريعة المستودعة عندهم . ومع عدم المرجع للاحكام ? أو عدم النص في مقام الحكم المبتلى به ? فالمرجع في ذلك هو حكم العقل ? ببيان أنه لو كان حكم شرعي سمعي - في المقام - لتعبدنا الله به ? بابلاغه ? وإظهاره ? فعدم الدليل عليه ? دليل على عدم حكم شرعي خاص في مورده ? بل المرجع هو حكم العقل .
وهكذا المتخاصمون : يرجعون إلى الاحكام الواردة عن الشارع من خلال الرجوع إلى فقهاء الشيعة ? ومع عدم النص فالمرجع إلى احكام العقول المقبولة عند الاعراف . والحادث الذي لا يعلم بالسمع إباحته من حظره ? فإنه على " أصل الاباحة " . وقد ذكر مثل الاعتراض ? ونفس الجواب فيما أورده الشيخ الصدوق في مقدمة ( إكمال الدين ) ( ? 81 ) .
4 - واعترض أخيرا : بأن الامة إذا كان بإمكانها الاعتماد في العمل بالدين على ما ذكر من النصوص ? والاجتهاد ? واحكام العقول ? ثم الاصول ? فهي - إذن - مستغنية عن الامام ? وليست بحاجة إليه ! فلماذا الالتزام بوجوده في الغيبة ?
وأجاب الشيخ المفيد عن ذلك : بأن الحاجة إلى الامام مستمرة ولو كان غائبا ? فعدم الحضور ? وعدم الاتصال به لا يوجب الاستغناء عن وجوده ? كما أن عدم حضور الدواء عند المريض لا يؤدي إلى استغناء المريض عنه ? ومع عدم حصول الدليل لا يستغني المتحير عنه ? بل هو بحاجة إليه وان كان مفقودا له . ثم لو التزم بالاستغناء عند الغيبة ? للزم عدم الحاجة إلى الانبياء عند غيباتهم ? كغيبة النبي صلى الله عليه وآله في شعب أبي طالب ثلاث سنين ? وفي الغارعدة أيام ? وغيبة موسى النبي عليه السلام في الميقات ? وغيبة يونس في بطن الحوت . وهذا مما لا يلتزم به مسلم ? بل ? لا أي شخص ملي يعتقد برسالة سماوية .
وقد ذكر هذا الاعتراض في ( إكمال الدين ) أيضا ( ? 81 ) لكن جواب الشيخ المفيد هو الجواب الوافي .
وقد ذكر الشيخ في الجواب عن الاعتراض الثالث نكتة مهمة ? وهي : أن الخصوم يلتزمون - كافة - بالاجتهاد في الا حكام ? ويلجأون إلى الاجتهاد ? من بعد زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة ( أي بعد سنة ( 11 ) هجرية ) .
وأما نحن فنلتزم بالاجتهاد بعد عصر ظهور الائمة عليهم السلام ? بالتحديد بعد الغيبة الصغرى ( سنة ( 329 ) هجرية ) . فحالنا في عصر الغيبة ? هي عين حالهم ? فما وجه اعتراضهم علينا في مسألة الاحكام . ونحن ? وإن اضطررنا - لمكان الغيبة - إلى اللجوء إلى الاجتهاد - بهذا الشكل - لكنا مع ذلك ملتزمون بوجود إمام لعصرنا ? نعرفه بالشخص والاسم والصفة ? فنحن ممتثلون لما ورد في الخبر المذكور ? بعيدون عن الجاهلية وميتتها .
واما الخصوم - فمهما كانت معالجتهم لفروع الشريعة -:
فما هو موقفهم من مدلول هذا الحديث المجمع عليه سندا ? والواضح دلالة ?
وبمن ياتمون في دينهم ؟
ومن هو " الامام " عليهم في عصرهم وزمانهم ? !
وإذا كانوا لا يعرفون " إماما " فالحديث عين ? بأية ميتة يموتون ?
وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
- رسائل في الغيبة - الشيخ المفيد :
[ 13 ]
الرسالة الثانية في الغيبة
الدليل على وجود صاحب الزمان عليه السلام في الغيبة
تأليف الإمام الشيخ المفيد
محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم أبي عبد الله ? العكبري ? البغدادي
( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
يأتي البحث في موضوع " وجود الإمام المهدي عليه السلام " الذي تعتقد الشيعة الإمامية بغيبته ? بعد البحث عن وجوب الاعتقاد بإمام ? ولزوم معرفته . وقد فصل الشيخ المفيد الكلام في البحث الأول ? في الرسالة السابقة حول حديث " من مات . " ولذلك وضع البحث عن هذه الرسالة ? بعد تلك .
وهذه الرسالة تحتوي على حوار بين الشيخ وبين من سأله عن الدليل المقنع على وجود الإمام صاحب الزمان عليه السلام ? ضمن أسئلة أخرى ? يتوصل الشيخ من الإجابة عليها إلى الحق .
السؤال الأول : ما الدليل على وجود الإمام صاحب الغيبة عليه السلام ? مع اختلاف الناس في وجوده ! ?
أجاب الشيخ : الدليل على ذلك : نقل الشيعة الإمامية ? نقلا متواترا ? والأخبار بغيبته كذلك ? عن أمير المؤمنين عليه السلام : أن الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام يغيب ? ? أن الغيبة قد وقعت على ما أخبروا به . وقد وجدنا الشيعة الإمامية قد طبقت الأرض شرقا وغربا ? مختلفي الآراء والهمم ? متباعدي الديار ? لا يتعارفون ? وكلهم متدينون بتحريم الكذب ? قول الزور ? وعالمون بقبحه ? ومثل هؤلاء يستحيل عليهم الاجتماع على الكذب في هذه الأخبار ? إذ لو جاز عليهم ذلك ? واحتمل فيهم ? لجاز على سائر الأمم والفرق ? حتى لا يصح خبر في الدنيا ? وذلك إبطال للشرائع كلها ? وهو أمر واضح الفساد والبطلان .
السؤال الثاني : لعل جماعة تواطأت في الأصل على وضع تلك الأخبار ? ثم نقلتها الشيعة وتعلقت بها ? وهي غير عالمة بالأصل كيف حصل ?
وأجاب الشيخ عن هذا :
أولا : إن هذا الاحتمال يأتي في جميع الأخبار المتواترة ? وهو الطريق إلى أبطال الشرائع ? كما قلنا .
وثانيا : لو كان أمر هذا الاحتمال صحيحا ? وما ذكر فيه واقعا ? لظهر واشتهر على ألسن المعارضين للشيعة ? وهم يطلبون نقص مذهبهم ? ويتتبعون عثرات عقيدتهم ? وكان ذلك أظهر وأشهر من أن يخفى . وفي عدم معروفيته ? وعدم العلم به ما يدل على بطلانه وفساده . ثم إن الشيخ المفيد أورد بعض الأخبار المنبئة عن صاحب الزمان عليه السلام وغيبته ? المرفوعة إلى أمير المؤمنين والباقر والصادق عليهم السلام . ونقل عن السيد محمد الحميري شعرا في قصيدة قالها قبل الغيبة ب ( مائة وخمسين سنة ) وفيه : له غيبة لا بد أن سيغيبها فصلى عليه الله من متغيب وعتق الشيخ عليه بقوله : فانظروا - رحمكم الله - قول السيد هذا ? وهو في الغيبة - كيف وقع له أن يقوله ? لولا أنه سمعه من أئمته عليهم السلام ? ? أئمته سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله .
وإلا ? فهل يجوز لقائل أن يقول قولا ? فيقع كما قال بعد ( 150 ) عاما ما يخرم منه حرف !
السؤال الثالث : من اللازم أن تنقل هذه الأخبار من طريق غير الشيعة أيضا ? لو كانت ثابتة ?
أجاب الشيخ : هذا غير لازم ولا واجب ! وإلا ? لوجب أن لا يصح خبر لا ينقله المؤالف والخالف ? ولبطلت الأخبار ? إذ لو لم يقبل خبر إلا إذا نقله المعارضون ? سهل إنكار الأخبار من كلا الطرفين ? ? لم يتم الاحتجاج بشئ من الأخبار .
وهذا الجواب موجود في كلام ابن قبة المنقول في إكمال الدين ( ? 23 ) .
السؤال الرابع : إذا كان الإمام عليه السلام غائبا طول هذه المدة ? فهو لا ينتفع به ? فما الفرق بين وجوده وعدمه ? !
أجاب الشيخ : إن الله نصبه عليه السلام دليلا وحجة ? لكن الظالمين هم الذين أخافوه ? فمنعوا من الاستفادة منه ? فهم المسؤولون عن ذلك ? وإذا لم يوجده الله أو أعدمه لكانت العلة في عدم الاستفادة منه صنع الله تعالى . والفرق بين الأمرين واضح .
السؤال الخامس : إلا رفعه الله إلى السماء ?
أجاب الشيخ : إن الإمام حجة على أهل الأرض ? والحجة لا بد أن يتواجد بين المحجوجين ? والأرض لا تخلو من حجة ? فلم يجز أن يرفعه إلى السماء .
وبما أن الحجة لا بد أن يكون على صفات معينة ? منها أن يكون معصوما ? ولم نر في ولد العباس ? ولا ولد علي عليه السلام ? ولا في كل قريش قاطبة ? من يتصف بتلك الصفات ? فلا بد أن يكون المعصوم هو الإمام عليه السلام . وإذا سلم كل ذلك ? كانت الغيبة لازمة .
وهذا الاستدلال بعينه هو الذي بنى السيد الشريف المرتضى عليه كتابه ( المقنع في الغيبة ) .
ويظهر من قول المعترض : " إن المعتقد منكم يقول : إن له - أي لصاحب الزمان عليه السلام - خمسة وأربعون ومائة سنة " أن الاعتراض كان سنة ( 400 ) هجرية.
والله الموفق للصواب . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني ? لجلالي
- رسائل في الغيبة ? 3 - الشيخ المفيد ? 1 :
[ 14 ]
الرسالة الثالثة في الغيبة
الفرق بين الأئمة وصاحب الزمان في ظهورهم عليهم السلام وغيبته عليه السلام
تأليف الإمام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم
أبي عبد الله ? العكبري ? البغدادي ( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
يأتي موضوع هذه الرسالة في الرتبة بعد الرسالتين السابقتين:
فبعد أن ثبت لزوم وجود الإمام ? وثبت بالدليل وجود صاحب الزمان عليه السلام ? غيبته .
عرض السائل في هذه الرسالة : سؤال الفرق بين الإمام عليه السلام وبين الأئمة من آبائه عليه السلام ? حيث ظهروا سلام الله عليهم ? وغاب هو عليه السلام ؟
وكأنه سمع أن علة الغيبة هي " الخوف من الظالمين " فانبرى للاعتراض ? وقد وجه بعض السائلين بهذا الاعتراض إلى الشيخ قائلا : " سألتك أدام الله على الجواب عن ذلك " .
وحاصل السؤال : إذا كان السبب في الغيبة - التي طالت مدتها ? ? امتدت بها الأيام - هو كثرة الأعداء والخوف على نفسه منهم ? فقد كان الزمن الأول على الأئمة من آبائه أصعب ? وكان أعداؤهم أكثر ? والخوف على أنفسهم أشد وأكثر ? ومع ذلك فإنهم كانوا ظاهرين ? ولم يستتروا ? ولا غابوا عن شيعتهم ? حتى أتاهم اليقين فهذا يبطل هذه العلة في الغيبة .
وأجاب الشيخ : باختلاف الحالتين ? حالة صاحب الزمان عليه السلام ? ? حالة الأئمة من آبائه عليهم السلام . إن الذي يظهر من أحوال الأئمة الماضين عليهم السلام أنهم أبيحت لهم التقية من الأعداء ? ولم يكتفوا بالقيام بالسيف مع الظهور ? لعدم مصلحة في ذلك ? ولم يكونوا ملزمين بالدعوة ? بل كانت المصلحة تقتضي الحضور في مجالس الأعداء ? والخالطة لهم ? ولهذا أذاعوا تحريم إشهار السيوف عنهم ? وحظر الدعوة إليها ? لئلا يزاحم الأعداء ظهورهم وتواجدهم بين الناس . وقد أشاروا إلى مجئ منتظر يكون في أخر الزمان ? إمام منهم ? يكشف الله به الغمة ? ويحيي به السنة ? يهدي به الأمة ? لا تسعه التقية عند ظهوره . ? قد ذكر الشيخ في هذا المورد عدة من علامات الظهور . فلما ظهر ذلك من السلف من آباء صاحب الزمان عليهم السلام ? وتحقق عند سلطان كل زمان وملك كل أوان ? علموا من الأئمة الماضين عليهم السلام أنهم لا يتدينون بالقيام بالسيف ? ? لا يرون الدعاء إلى أنفسهم ? وأنهم ملتزمون بالتقية ? وكف اليد ? وحفظ اللسان ? والتوفر على العبادات ? والانقطاع إلى الله بالأعمال الصالحات .
لما عرف الظالمون من الأئمة ?ذه الحالات أمنوهم على أنفسهم ? مطمئنين بذلك إلى ما يدبرونه من شؤون أنفسهم ? ويحققوه من دياناتهم ? وكفهم ذلك عن الظهور والانتشار ? واستغنوا به عن الغيبة والاستتار .
لكن إمام هذا الزمان عليه السلام لما كان هو المشار إليه بسل السيف ? والجهاد لأعدائه ? وأنه هو المهدي الذي يظهر الله به الحق ? ويبيد بسيفه الضلال ? كان الأعداء يترصدونه ? ويبغون قتله ? ويطلبون قتله وسفك دمه . وحيث لم يكن أنصاره متهيئين إلى وقت ظهوره ? لزمته التقية ? وفرضت عليه الغيبة ? إذ لو ظهر بغير أعوان لألقى نفسه بيده إلى التهلكة ? ولو أظهر نفسه في غير وقته لم بأل الأعداء جهدا في استئصاله وجميع شيعته وإراقة دمائهم على الاستحلال . ولما ثبتت عصمته بأدلتها وجب استتاره من أعدائه حتى يعلم - يقينا لا شك فيه - حضور الأعوان واجتماع الأنصار وتكون المصلحة العامة في ظهوره بالسيف . فافترقت حاله عن حال آبائه الأئمة عليهم السلام . ثم إن الشيخ عارض الخصوم ببيان أحوال النبي صلى الله عليه وآله ? سيرته الشريفة حيث أقام في مكة ثلاثة عشر سنة ? لا يرى سل السيف ولا الجهاد ? وتصبر على التكذيب ? وصنوف الأذى ? وتعذيب أصحابه بأنواع العذاب وكان المسلمون يسألونه الإذن لهم في سل السيف ومباينة الأعداء فيمنعهم ويأمرهم بالصبر ? ولم يزل كذلك حتى طلب من النجاشي ملك الحبشة أن يخفر أصحابه من قريش ? ثم أخرجهم إليه واستتر خائفا على دمه في شعب أبي طالب ? ثلاث سنين ? ثم هرب من مكة بعد موت عمه أبي طالب مستخفيا ? وأقام في الغار ثلاثة أيام ? ثم هاجر إلى المدينة . وهناك رأى القيام بالسيف واستنفر أصحابه ? وهم يومئذ ثلاثمائة ? بضعة عشر رجلا ? ولقي بهم ألف رجل من أهل بدر ورفع التقية عن نفسه ? إذ ذلك .
وسرد الشيخ حوادث عديدة من السيرة الشريفة للرسول الاعظم صلى الله عليه وأله، ثم قال :
فلم لم يقاتل في مكة؟.
وما له صبرعلى الأذى ?
ولم منع أصحابه من الجهاد وقد بذلوا أنفسهم في نصرة الاسلام ?
وما الذي اضطره إلى الاستجارة بالنجاشي ?
لم وما الذي دعاه إلى القتال بأصحابه مع قلة عددهم وتثاقل بعضهم ?
وما وجه اختلاف أحواله وأعماله في هذه المواضع ?
فما كان في ذلك جوابكم فهو جوابنا في الفرق بين الأئمة عليهم السلام وبين صاحب الزمان عليه السلام في الظهور والغيبة .
والوجه عندنا واضح ? وهو التعبد - في كل الأحوال - بما أمرهم الله تعالى ? وما قرره عليهم من العمل والسيرة ? طبقا للمصالح التي هي لعامة الخلق ? والمعصومون عليهم السلام عباده المكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .
وقد ورد مثل هذه المعارضة في كلمات السابقين ? فلاحظها في إكمال الدين للصدوق.
والله الموفق للصواب . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 15 ]
الرسالة الرابعة في الغيبة
((لو اجتمع على الامام عدة أهل بدر لوجب عليه الخروج))
تأليف الامام الشيخ المفيد
محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله ? العكبري ? البغدادي
بسم الله الرحمن الرحيم
لماذا لم يظهر المهدي ? ومتى سيظهر ? سؤال كثيرا ما يسمع من المعتقدين بالامام صاحب الزمان عليه السلام عند ما يمتلئون غيظا من الاعداء ? فيحسبون أن الدنيا ملئت ظلما وجورا ? وقد عين ذلك وقتا لظهوره عليه السلام كي يملاها عدلا ورحمة .
ويبدو أن توقيتا اخر كان معروفا في زمان الشيخ المفيد ? حيث قد روي حديث عن الامام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يقول : انه لو اجتمع على الامام عدة أهل بدر ? ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ? لوجب عليه الخروج بالسيف .
وقد طرح على الشيخ المفيد سؤال عن هذا الحديث ? فأقر الشيخ أنه حديث مروي . فحاول صاحب السؤال أن يناقش الشيخ حول الغيبة وشؤونها من خلال هذا الحديث ? وقد ضمهما مجلس في بيت السائل الذي عبر عنه ب " رئيس من الرؤساء " . قال السائل : إنا نعلم - يقينا - أن الشيعة في هذا الوقت أضعاف عدة أهل بدر ? فكيف تجور للامام الغيبة مع تلك الرواية ?
أجاب الشيخ : إن الشيعة وإن كانت كثيرة من حيث العدد والكم ? لكن العدد المذكور في الرواية ليس المراد بهم العدد والكم فقط ? وإنما هم على كيفية خاصة ? وتلك الكيفية لم نعلم حصولها بعد بصفتها وشروطها ? حيث أنه يجب ان يكونو ? على حالة مأمونة من الشجاعة ? والصبر على اللقاء ? والاخلاص في الجهاد ? إيثارا للاخرة على الدنيا ? ونقاء السرائر من العيوب ? وصحة الا بدان والعقول ? وأنهم لا يهنون ? ولا يفترون عند اللقاء ? ويكون العلم من الله لعموم المصلحة في ظهورهم بالسيف . ولم نعلم أن كل الشيعة بهذه الصفات وعلى هذه الشروط . ولو علم الله أن في جملتهم من هذه صفته على العدد المذكور ? ولم يكن معذورا عن حمل السيف ? لظهر الامام عليه السلام لا محالة ? ولم يغب بعد اجتماعهم طرفة عين . لكن من الواضح عدم حصول مثل هذا الاجتماع ? فلذلك استمرت الغيبة .
واعترض السائل : ومن أين عرفت لزوم هذه الصفات والشروط مع خلو النص المذكور عن شئ منها ?
أجاب الشيخ : إن مسلمات الامامة تفرض علينا إثبات هذه الصفات الاصحاب الامام عليه السلام ? فحيث ثبت لنا وجوب الامامة ? وصحت عندنا عصمة الائمة بحججها القويمة ? فلا بد أن نشرح الحديث المذكور بما يوافق تلك الثوابت ? حتى يصح عندنا معناه . فتلك الاصول وصحة الخبر المذكور تقتضي أن يكون العدد المذكور موصوفا بتلك الصفات .
وقد مثل الشيخ لما ذكر ? بما ثبت من جهاد النبي صلى الله عليه والله ? سلم يوم بدر ب ( 313 ) رجلا من أصحابه ? لكنه يوم الحديبية أعرض عن الحرب ? وقعد ? مع أن أصحابه يومئذ كانوا أضعاف أهل بدر في العدد . وبما أنا نعلم عصمة النبي صلى الله عليه واله وسلم ? وأنه لا يقوم بأمر الا ما هو الصواب ? علمنا أن اصحابه في الحديبية لم يتصفوا بما اتصف به أصحابه يوم بدرو إلا لما وسعه صلى الله عليه واله القعود عن جهاد المشركين ? ولوجب عليه كما وجب عليه في بدر ? ولو وجب عليه لما تركه لما نعلم من عصمته وصوابه .
وحاول السائل : أن يفرق بين النبي صلى الله عليه ?أله ? وبين الامام عليه السلام ? بأن النبيّ يوحى إليه ? ويعرف وجه المصلحة في الامور من خلال الوحي ? ولكن ما طريق الامام إلى معرفة ذلك ?
أجاب الشيخ : إن الامام - عند الشيعة - معهود إليه ? واقف على ما يأتي ? ما يذكر ? منصوبة له أمارات تدل على العواقب في التدبيرات والمصالح في الافعال ? بعهد من النبي صلى الله عليه والله الذى يوحى إليه ويطلع على علم السماء . ولو كان الامام عليه السلام كسائر العقلاء معتبرا ذلك بغلبة الظن والحدس ? وما يظهر له من الصلاح لكفى وأغنى ? وقام مقام التحقيق بلا ارتياب ? لاسيما على مذهب المخالفين في جواز الاجتهاد حتى للنبي صلى الله عليه ? آله . وإن كنا لا نرى ذلك .
واعترض السائل : لم لم يظهر الامام عليه السلام وان كان ظهوره يؤدي إلى قتله ? فيكون البرهان له ? والحجة في إمامته أوضح ? ويزول الشك في وجوده والارتياب .
أجاب الشيخ : لم يجب ذلك على الامام عليه السلام بعد أن كان الناس هم سبب الغيبة والمسؤولين عن عواقبها ? كما أن الله تعالى لا يجب عليه تعجيل النقمة على العصاة والمفسدين ? مع أن في ذلك توضيحا لقدرته ? وتاكيدا في حجته ? وزجرا للناس عن معاصيه . مع أن العلم بترتب الفساد على ظهوره يمنع من ايجاب ذلك عليه ? وهو الدليل على كون اقتراحه عليه خطأ ? وإنما يكون صوابا إذا ترتب عليه الصلاح والاصلاح ? والامام عليه السلام لو علم في ظهوره مصلحة لما بقي في الغيبة طرفة عين ? ولا فتر عن المسارعة إلى الظهور . والدليل على عصمته ? مع عدم ظهوره ? هو الدليل على معرفته لعدم المصلحة في الظهور في هذا الزمان . والحاصل ان الالتزام بمسلمات الامامة واصولها الثابتة ? يؤدي إلى الالتزام بالواقع حقا لا ريب فيه . ولا بد أن يجعل هذا أساسا لما يدور من بحوث حول الغيبة ? والا فالبحث عن الغيبة بدون ذلك لغو غير منتج .
أقول : وقد اتبع هذا النهج من الاستدلال السيد الشريف المرتضى في كتاب ( المقنع في الغيبة ) تماما .
ثم ان الشيخ المفيد عارض المعتزلة : حيث أنهم من المتصلبين في التشنيع على الامامية بالقول في الغيبة ? ? مرور الزمان بغير ظهور الامام ? ! مع أنهم يوافقون على الاصول المسلمة للامامة : فهم يقولون بوجوب الامامة ? ويقولون بالحاجة إلى الامام في كل زمان ? وهم يقطعون على خطأ من يقول بالاستغناء عن الامام ! ومع هذا فهم يعترفون بانهم لم لا إمام لهم بعد أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى هذا الزمان ! بل ? لا يرجون إقاسة إمام لهم في هذا الاوان . فلو صحت تلك الاصول التي نقول بها نحن وهم ? فنحن أعذر منهم بقولنا بإمامة ولو في الغيبة - والقول بوجوده ومعرفتنا له ? وهذا موافق لاصول الامامة وللخبر المجمع عليه:" من مات..."
ولكن المعتزلة لا عذر لهم في الاعراض عن اصول الامامة التي وافقوا عليها وسلموا بها.
ودافع بعض الحاضرين عنهم : بأنهم معذورون من جهة اخرى ? في عدم إقامة الاحكام والحدود ? لكن الشيعة - مع ظهور أئمتهم من وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم إلى زمان الغيبة ? فما عذرهم في ترك إقامة الاحكام ? : في تعطيل الحدود ? !
فأجاب الشيخ ? إن عدم وجود امام لهم ? ليس عذرا لهؤلاء في تعطيل الحدود وترك الاحكام ? لان من مذهبهم أن في كل زمان طائفة من أهل الحل والعقد تكون إقامة الامام إليهم ? فبامكانهم - في كل وقت - نصب الامام ? ولا يعذرون في كفهم عن نصبه ? وهم موجودون - في زمان الشيخ - معروفون ظاهرون ? فإذا تركوا ذلك كانوا عاصين ضالين . أفهل يعترفون بالعصيان والضلال ? كلا طبعا . فإن كانوا معذورين في إقامة الاحكام وتنفيذ الحدود ? مع إمكانهم نصب الامام القائم بذلك ? فكذلك أئمة الشيعة معذورون من إقامتها وتنفيذها مع الظهور .
على أن لا ئمتنا عليهم السلام عذر أو صح في ترك إقامة الحدود والاحكام وأظهر ? وهو ما لا يعذر المعتزلة به في ترك نصبهم لامام عليه السلام ? وهو : أن الائمة من أهل البيت عليهم السلام كانو ! دائما مطاردين من قبل السلطان يعيشون الخوف والفزع لاحتمال الظالمين أنهم يرون الخروج بالسيف ? وأنهم ممن يعتقد جماعة فيهم الامامة ? وأنهم مراجع لاقامة الاحكام وتنفيذ الحدود . وهذا أمر واضح لا يشك فيه أحد . لكن المعتزلة وغيرهم من المعتزلة لم يتعرض واحد منهم لسفك دمه ولا للتشريد والتعذيب والمطاردة ? ولا خيف ولم يؤخذ على التهمة ? ولا على التحقق ? مع أن المعتزلة يصارحون بارائهم في الامر بالمعروف والنهي عن المنكرو وجوبهما ? ويتظاهرون بأنهم أصحاب الحق في الولاية والحكم والاختيار ? وأن منهم أهل الحل والعقد ? وينكرون طاعة الخلفاء ? وهم مع ذلك امنون من السلطان غير خائفين من سطوته . فلا عذر لهم في ترك ما يجب عليهم من نصب الامام لاقامة الاحكام ? تنفيذ الحدود . وأما أئمتنا فهم في تلك الاحوال معذورون بلا ريب .
والله الموفق للصواب . وكتب
الستد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 16 ]
أقسام المولى في اللسان
تأليف الامام الشيخ المفيد
محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي ( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
فيما يستدل به الامامية من شيعة أهل البيت عليهم السلام على حق علي أمير المؤمنين عليه السلام بالامامة والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل هو حديث " من كنت مولاه فهذا علي مولاة ".
وقد اشبعوا البحث عن هذا الحديث من حيث السند والتوثيق ? والمتن والدلالة ? في مؤلفات كثيرة تبلغ المئات ? قديما وحديثا . أما من حيث السند : فقد أجمعت الامة الاسلامية على قبول الحديث ? صحة روايته وتناقلوا خبره مسلمين بتواتره ? وقد ذكره الكتاني في ( نظم المتناثر من الحديث المتواتر ) من طريق خمسة وعشرين صحابيا ? وقال : وفي رواية لاحمد : أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابيا ? ? شهدوا به لعلي عليه السلام لما نوزع أيام خلافته . وممن صرح بتواتره - أيضا - المناوي في ( التيسير ) نقلا عن السيوطي ? شارح ( المواهب اللدنية ) .
وقال الحافظ ابن حجر : هو كثير الطرق جدا ? وقد استوعبها ابن عقدة في مؤلف مفرد ? وأكثر أسانيده صحيح أو حسن .
وقد استدل الشيعة بلفظ " المولى " على الامامة ? حيث يراد بها الاولى بالتصرف والطاعة ? لكن المخالفين حاولوا تأويل " المولى " باعتبار اطلاقها على معان اخر ? وزعموا أن الكلمة مشتركة بين تلك المعاني . وقد رد الباحثون هذا التأويل بشواهد من اللغة ? ومنهم الشيخ المفيد في هذه الرسالة : " أقسام المولى في اللسان " .
وقد انتهج الشيخ في هذا الكتاب منهجا يتسم بالانصاف والدقة ? ? أبدى خبرة أدبية رائعة ? وقدرة لغوية فائقة .
فهو أولا ? ذكر المعاني التي ذكرت لكلمة المولى وهي عشرة : الاولى بالتصرف ? مالك الرق ? العبد المعتق ? المالك المعتق ? ابن العم ? الناصر ? المتولي للجريرة ? الحليف ? الجار ? السيد المطاع . ثم أكد على أن المعنى الاول ? هو الموضوع له ? وأن سائر المعاني ترجع بشكل أو بآخر ? إليه ? لان الاول هو الاصل والعماد واليه ترجع المعاني إذا تؤمل المعنى فيها . واستدل بتفصيل هذا الرجوع ? في كل واحد من تلك المعاني ? واستنتج من هذا أن المعنى الحقيقي الذي وضعت له الكلمة هو المعنى الاول ? وليست سائر المعاني إلا مجازات ? تلاحظ فيها المناسبة للمعنى الاول . ومن هنا ? فان اولئك الذين انكروا استعمال كلمة المولى بمعنى الاولى ? إنما حملهم الجهل باللغة ? والنصب والعداء لاهل البيت عليهم السلام على هذا الانكار ? وكذلك الذين جعلوا معنى " الاولى " معنى مجازيا للكلمة . وأما حديث النبي صلى الله عليه وآله : " من كنت مولاه فعلي مولاه " المتواتر ? فقد احتوى على قرائن داخلية وخارجية تعين المعنى الاول ? الذي هو الاصل في اللغة أيضا . فذكر الشيخ : أن ما جاء في لفظ الحديث من تفريع قوله صلى الله عليه وآله : " . فعلي مولاه " بحرف ( الفاء ) العاطفة ? التي لا يبتدأ بها الكلام ? يقتضي تفريع هذا على ما جاء في صدر الحديث الذي قرر فيه النبي صلى الله عليه وآله ولاية نفسه بقوله " من كنت مولاه ... " الذي يراد به أولويته على الناس وفرض طاعته وإمامته عليهم ? بلا ريب.
واستند الشيخ في دعم كلامه هذا إلى ما ثبت من حكمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مشيه على عرف أهل اللسان في التعبير والتخاطب عند إرادته البيان ? فقال : إذ لو لم يرد ذلك ? وأراد ما عداه ? لكان مستأنفا لمقال لا تعلق له بالمتقدم ? جاعلا لحرف العطف ( الفاء ) حرف الاستيناف ? وهذا لا يقع إلا من أحد نفسين :
1 - جاهل باللغة والكلام .
2 - قاصد إلى التعمية والالغاز .
ورسول الله صلى الله عليه وآله يجل عن الوصفين ? وينزه عن النقص في الصفات .
وخلاصة مراد الشيخ : أن الكلام إنما يلقى بغرض التفهيم والتفاهم بين الناس ? والعارف باللغة إنما يريد ما هو الظاهر منه ? وإلا لنصب قرينة على إرادته غير الظاهر ? ومع عدم نصبها فالكلام يحمل على ظاهره ? وما هو الاصل فيه ? ? دعوى عدم إرادة الظاهر ولو مع عدم نصب القرينة على غير الظاهر ? لا تصدر الا ممن يجهل بأصل اللغة ? وبأساليب التعبير المتعارفة عند البشر ? أو يكون ذلك أمرا متعمدا يريد المتكلم به الالغاز في كلامه وعدم إيضاحه والتعمية لمعناه ? مراده والنبي صلى الله عليه وآله أفصح من نطق بالعربية فيجل عن الاول ? كما أنه صلى الله عليه وآله يجل عن الثاني ? لانه ليس من شأنه ? إذ هو المبعوث للارشاد ? وخاصة في مثل هذا الحديث " من كنت مولاه فعلي مولاه " الذي ألقاه على جموع حاشده من صحابته الذين رجعوا معه من حجة الوداع ? فجمعهم في قلب الصحراء القاحلة ? في " غدير خم " وخطب فيهم خطبة طويلة غراء مهمة .
فإذا كان الاصل الحقيقي لكلمة المولى هو " الاولى بالتصرف " ولم ينصب النبي صلى الله عليه وآله قرينة على إرادة غيره ? بل القرينة الداخلية - من داخل الحديث - تقتضي إرادة ذلك المعنى الاصلي ? فهو المراد له ? لا غيره . خاصة أن أي واحد من المعاني الاخر المستعمل فيها المولى لا تناسب بوجه مقام كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد بين الشيخ المفيد بتفصيل عدم مناسبة تلك المعاني للحديث وبما أن كلامه صلى الله عليه وآله لا يخلو من مراد ? فلم يبق إلا أنه أراد بقوله : " من كنت مولاه فعلي مولاه " الولاية والامامة وفرض الطاعة .
وأما القرينة الخارجية على مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فهي ما عرضه الثميخ المفيد من أقوال الشعراء والبلغاء من أهل اللغة ? الذين تقوم بهم أعمدة اللسان العربي ? مثل :
1 - حسان بن ثابت ? شاعر النبي ? الذي أعلن في شعره ? في نفس يوم الغدير ? وبمحضر النبي صلى الله عليه وآله فدل على إمامة الامام علي عليه السلام ناظما لقول الرسول فيه بقوله:
فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه * وكونوا له أنصار صدق مواليا
وبما أن النبي صلى الله عليه وآله مدحه على الشعر بقوله : " لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ? ما نصرتنا بلسانك " ولم ينكر عليه ذلك ? فهو دليل واضح على أن ما فهمه حسان هو مراد النبي صلى الله عليه وآله وتقرير النبي من سنته صلى الله عليه وآله .
2 - قيس بن سعد بن عبادة ? سيد النقباء من الانصار ? حيث قال بمحضر الامام أمير المؤمنين عليه السلام في شعره :
وعلي إمامنا وإمام * لسوانا أتى به التنزيل
يوم قال النبي من كنت مولا * ? فهذا مولاه خطب جليل
وقيس من فصحاء العرب ? لا يتعدى معانيها المرادة ? مع أن سكوت أمير المؤمنين عليه السلام عنه ? إقرار له .
3 - أمير المؤمنين عليه السلام حيث احتج في شعر منقول عنه :
وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم
4 - الاخطل حيث استعمل كلمة المولى في معنى الامامة في شعر له يمدح فيه عبد الملك بن مروان الاموي ? مقتصرا على لفظة " مولى " لافادة ذلك مما يدل بوضوح على معرفة الناس بهذه الدلالة .
والاخطل - كما يقول الشيخ - رجل نصراني ? لا يتحيز إلى فرقة من فرق الاسلام ولايتهم بالعصبية للشيعة ولا يطعن عليه في العلم باللسان .
5 - الكميت بن زيد الاسدي في قوله من القصيدة العينية :
ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو اطيعا
وقد كان الكميت حجة في اللغة ? وقال فيه ابن الاعرابي ? كان أعرف الناس بلغات العرب وأشعارها وكان حديث الغدير " من كنت مولاه . . . " من اوكد ما دعاه إلى الاعتقاد بالتشيع والقول بالنص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .
إن استدلال هؤلاء الشعراء بكلمة " المولى " الواردة في الحديث على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام لهو دليل واضح على وضعها اللغوي ? وعلى إرادة النبي صلى الله عليه وآله لها منه ? بلا أدنى ريب . إن ما تضمنته هذه الرسالة من معلومات هامة عن فكر الشيخ المفيد ? ومنهجه في التعامل مع اللغة ? تجعلها في المستوى الرفيع من كتب التراث ? فقد أوقفتنا على :
1 - المعالجة اللغوية ? ودلالة الالفاظ على المرادات :
لقد أوقفنا الشيخ على أوضح الطرق المنطقية للاستدلال بالالفاظ ? وكشف المرادات منها ? تلك التي قررتها اصول الدلالة في مباحث الالفاظ من علوم المنطق والاصول واللغة ? بالاعتماد على الوضع ? ثم القرائن الداخلية والمناسبات ? ? قرائن الحكمة ? ثم القرائن الخارجية .
2 - التزامه بارتفاع التقية في زمن الامام أمير المؤمنين عليه السلام لقوله : ? أمير المؤمنين عليه السلام من لا يقر على باطل ? ولا يمسك عن الانكار ? لاسيما مع ارتفاع التقية عنه ? وتمكنه من الانكار .
3 - التزامه بأن الشاعر الفصيح لا يجوز عليه أن يعبر بما يخالف اللغة ? لا سيما في النظم الذي يعتمد فيه الفصاحة والبيان .
4 - نسبته بعض الشعر إلى أمير المؤمنين عليه السلام اعتمادا على " المنقول عنه في الظاهر والانتشار " .
5 - الاستدلال على معاني الالفاظ اللغوية اعتمادا على " أهل الخبرة " من دون اعتبار الايمان ? بل الاسلام ? كما استند إلى شعر الاخطل .
6 - التزامه بانفتاح باب العلم باللغة ? بالاعتماد على أهلها المعترف بحجية كلامهم فيه من امثال الكميت ? ودفع ما اثير حوله من شبهة المذهب ? فقال : لو لم يكن الحجة فيه ? كسائر الشعراء ? فإنه لا حجة فيها على حال ? ولو جاز هذا الاحتمال على الكميت لجاز على غيره من الشعراء الكبار ? كجرير ? والفرزدق ? والاخطل ? بل على لبيد ? وزهير ? وامرئ القيس ? حتى لا يصح الاستشهاد بشئ من أشعارهم على غريب القرآن ? ولا على لغة،ولا على إعراب.
ثم قال : وهذا قول ? من صار إليه ظهر جهله عند العقلاء !
أقول : لانه يؤدي إلى سد باب اللغة ? وبالنتيجة إلى انقطاع الصلة بالتراث ? وفي ذلك وأد الحضارة ! وقد انتهى الشيخ المفيد من هذه الرسالة وقد سد بها - على صغرها - كل ثغرات الاستدلال بالحديث على الامامة ? وأحكم طرق الاستدلال وسدد القرائن الدالة على المراد ? ونفي احتمال غيره من المعاني المستعمل فيها اللفظ ? بما لم يبق فيه مجال لمقال .
والحمد لله على كل حال . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[17]
رسالة في معنى المولى
تأليف الامام الشيخ المفيد
محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي ( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
لكلمة " المولى " دور كبير في بحوث " الامامة والخلافة " لورودها في واحد من أهم ما استدل الشيعة به على إمامة أهل البيت عليهم السلام وكل حديث الغدير . وأهمية حديث الغدير ينبع من التسالم على قبول وروده ? وصحة روايته ? وتواتر نقله ? بما لا مجال للبحث والجدل فيه من حيث الاسناد . فهو حديث مجمع على نسبته إلى كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو قوله : " من كنث مولاه فعلي مولاه " . واستندت الشيعة منذ القدم إلى مدلوله المحتوى على كلمة " مولى " على عقيدتها ? وأشبع علماؤها ومتكلموها البحث والاستدلال على صحة ما تعتقده ? ومنهم الشيخ المفيد في كثير من كتبه ? إلا أنه خصص للبحث عن هذه الكلمة رسالتين : احداهما : أقسام المولى في اللسان : بحث فيها لغويا ? وسلك مسالك علمية متقنة لاثبات أن المعنى المراد في الحديث هو الامامة ? وقد تحدثنا عنها في هذه النظرات برقم [16].
الثانية : رسالة في معنى المولى ?
وهي هذه الرسالة التي نقدم لها ? وقد املاها الشيخ على أثر نقاش حصل له مع متكلم معتزلي من جماعة ( البهشمية ) المنسوبة إلى ابي هاشم الجنائي ? حيث أنكر دلالة لفظ " المولى " على الامامة ? لانكاره كون الامامة من معانيها أصلا لغة . وقد رده الشيخ المفيد ? بإثبات أن الامامة من المعاني اللغوية للكلمة ? بل هي الاصل ? والمعنى الموضوع له ? والحقيقي للكلمة ? بنفس الطريقة التي اتبعها في الرسالة الاولى " أقسام المولى في اللسان " . فاستشهد بأشعار كبار الشعراء من الصحابة وغيرهم ? ممن يحتج بكلامهم في معرفة اللغة ودلالاتها . وأضاف هنا الاستدلال بالفهم اللغوى المعاصر ? مستندا إلى اتصال هذا الفهم إلى زمان الرسول صلى الله عليه وآله ? وذلك حيث يروي الشيعة بأجمعها عن أسلافها - وليس يمكن دفع اكثرهم عن الفصاحة - إلى أن ينتهي إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وآله ? أن الذي جعله الرسول لعلي عليه السلام في يوم الغدير هو الامامة ? وأن الذي ضمنته لفظة " المولى " هو : الرئاسة . ويمكن أن يعتبر هذا الاستدلال ? تمشيا مع الرأي الذي يشكك في كفاية الاستناد إلى الفهم المعاصر من ألفاظ اللغة ? لاستناده إلى المعصوم عليه السلام ? مع بعد الزمان ? وتقلب المفاهيم اللغوية على الدوام . فان اتصال هذا الفهم من عصرنا ? إلى عصر الرسول صلى الله عليه وآله يكفي دليلا على عدم تغير وضع الكلمة . مع أن هذا الرأي باطل أساسا ? لانه يؤدي إلى سد باب اللغة وتعطل النصوص ? لعدم الدليل على اتصال كل معنى ومفسدة بديهية كهذه تكفي للرد
/ صفحة 5 / على تلك الشبهة . مع أن أصالة عدم النقل تكفي للرد عليها كما هو موضح في محله . وأضاف الشيخ المفيد في هذه الرسالة استدلالا آخر هو الاحتجاج بكلام أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجماعهم على دلالة " المولى " على الامامة ? فقال : " أهل بيت رسول الله عليهم السلام جميعا يدعون ذلك ? يصححونه ? ويعتمدون عليه في إمامة أبيهم أمير المؤمنين عليه السلام ? وليس يمكن عاقلا دفع أحد منهم عن العلم بالعربية والاضطلاع باللغة ? إذ كانوا أهلها ? وعنهم أخذ أكثرها . ولقد كان أهل البيت عليهم السلام في طليعة الذين اهتموا ? فبذلوا " اهتماما عديم المثيل بواقعة الغدير ? وحديثه ودلالته ? ويومه ? فاعتبروه شارة الحق وميقاته ? فكان الغدير من أقوى الادلة على إمامة علي والائمة من آل محمد عليهم السلام ? به يستدلون ? وإليه يرشدون ? يشيدون به باعتبار أنه من أكبر الاعياد الاسلامية حيث تمت فيه نعمة الله ? وكمل دينه ? واصبح الاسلام دينا مرضيا . وهم يتناقلون خبره ? فكانت روايتهم لحديث الغدير من أضبط نصوصه وأقوى طرقه ? وأوثق أسانيده . وأوضحوا معالم دلالته ? بإيراد نصه الكامل ? المحفوف بقرائن تبين مراداته وتكشف ابعاد معانيه " . ( 1 )
( هامش ) ( 1 ) انظر تفصيل هذا البحث في مجلة " تراثنا " العدد ( 21 ) الخاص بيوم الغدير سنة 1410 بمناسبة مرور ( 14 ) قرنا على ذكرى عيد الغدير الاغر : ? 10 ? 60 - 80 من مقال : الغدير في حديث العترة الطاهرة ? وراجع الغدير للاميني (1/197-200) (*).
ثم إن ذلك المناظر اعتمد على عدم ذكر بعض أهل اللغة لمعنى " الاولى بالتصرف " في معاني " المولى " .
فرده الشيخ المفيد : أولا ? بأن انفراد بعض أهل اللغة بشئ لا يكفي دليلا على اللغة ? إلا إذا اتفق الكل على ذلك فيكون حجة . وثانيا ? عدم ذكر البعض للمعنى ? لا يدل على إنتقاء المعنى حتى عنده ? فاولئك لم يذكروا معنى " الاولى " ولكن لم ينفوه ? ولم ينكروا على من أثبته ? بينما غيرهم من أصحاب اللغة والشعراء الفصحاء أثبتوه .
" ولا خلاف " كما قال الشيخ " بين أهل العلم : أن المثبت في هذا الباب وأشكاله أولى من النافي " لان من يعلم حجة على من لا يعلم . ثم دخل الشيخ في نقاش حول حجية كلام الكميت في مثل هذا ? وذكر هنا نفس ما اورده في الرسالة الاولى حول ذلك ? ومما قال : وليس يجوز على الكميت مع جلالته في اللغة العربية - وضع عبارة على معنى لم توضع عليه قط في اللغة ? ولا استعملها قبله فيه أحد من أهل العربية ? . ? لانه لو جاز ذلك عليه جاز على غيره ممن هو مثله وفوقه ودونه ? حتى تفسد اللغة بأسرها ? ولا يكون لنا طريق إلى معرفة لغة العرب على الحقيقة ? وينغلق الباب في ذلك . وقال أيضا : وهذا هو الذي قدمناه من غلق باب اللغة ? والحيلة من إفساد الشريعة . ثم عقد الشيخ فصولا :
تحدّث في الاول منها عن احتمال الجهل ? أو العناد ? أو التأول حسب الاعتقاد ? في اصحاب اللغة والشعراء المعتمد عليهم . وقد دفعه الشيخ بأن هذا يؤدي إلى سد باب العلم باللغة ? ويؤدي إلى إهمالها ? وقد كرر الشيخ هذا المعنى .
وفي الثاني : ذكر الشيخ شاهدا من كتاب " غريب اللغة " لابي عبيدة حيث فسر قوله تعالى " هي مولاكم " بقوله : أي أولى بكم ? واستشهد بشعر لبيد ? فقال الشيخ : لولا أن أبا عبيدة لم يخطر بباله - عند تفسير هذه اللفظة بهذا - ما للشيعة من التعلق في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ? لما صرح به ? ولكتمه كسلفه وإخوانه ? ومضى على سنتهم .
وفي الثالث : ذكر اعتراضا في الاستشهاد بكلام الكميت حاصله : أن من المحتمل أن يكون الكميت إنما استفاد معنى الولاية لعلي عليه السلام من تسليم الناص عليه بإسرة المؤمنين ? لا من قوله صلى الله عليه وآله : " من كنت مولاه " فلم يتم الاستدلال على أن " المولى " بمعنى " الاولى " . فأجاب الشيخ عن ذلك :
اولا : إن هذا يدل على بطلان ما يزعمه العامة من أن أول من قال بالوصية بالنص ? هو ابن الراوندي ? وأن الشيعة تبعته في دعوى النص . وهذا الزعم يلتزم به العامة قاطبة ? ويستغرون الجهال به ? لاسيما شيخهم أبو علي الجبائي ? فانه يعتمد عليه .
وثانيا : ان حديث التسليم على أمير المؤمنين عليه السلام بالامرة والولاية إنما هي واردة في ذيل حديث الغدير ? وانها عقيب قوله صلى الله عليه وآله " من كنت مولاه فعلي مولاه " أمر الامة - حينئذ - أن تقر له بمعنى ما جعله له بلفظ " المولى " فقال : سلموا عليه بإمرة المؤمنين . فكان ذلك كشفا عن معنى لفظ " المولى ? وتفسيرا له ? وتأكيدا على مقصوده منه . وثالثا : إن حديث الغدير متواتر مذكور ? والاستدلال به معروف مشهور ? وليست سائر الادلة على الامامة بمنزلته في الشهرة ? فلا يمكن لشاعر مثل الكميت أن يترك الاستناد إلى المعروف ? ويستند إلى غيره ? فان هذا غير متعارف بل لا يقدم عليه احد ? فضلا عن مثل الكميت في ذكائه ومعرفته . وفي خلال الرسالة فوائد عديدة :
1 - منها : أن الراوندية من الفرق جعلوا التفضيل علامة للامامة ? واعتقدوا إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من جهة فضله - فيما زعموا - على الكل ? لا من جهة النص .
2 - ومنها : الاعتماد على القرينة الحالية - الخارجية - في فهم معاني الالفاظ ? مثل ما صنعه في معرفة مراد الكميت ? وأنه إنما استدل بحديث الغدير دون غيره ? لما ذكره من أن شاعرا نابها مثله لا يترك المشهور المعروف ويستدل بغيره . فليلاحظ .
والحمد لله ولي الحمد . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 18 ]
شرح المنام
تأليف الامام الشيخ المفيد
محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي ( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
مهما يكن ما ورد في " المنام " من أحاديث ? تدل على أن منها ما هو صحيح وصادق ? بل - كما ورد في بعض الاخبار - منها ما هو جزء من أجزاء النبوة ? فإن المنامات ليست في أنفسها حجة معتمدة في شئ من العلوم . إلا أن المضامين التي تحتويها الاحلام قد تكون مفصلة واضحة ومتقنة دقيقة ? بحيث تشكل بنفسها دليلا مقنعا . وقد تكون الاحلام ناشئة من انعكاس الجهود التي يزاولها الانسان في اليقظة ? أو الافكار التي يرتبها ? فتكون الاحلام متشكلة من تلك الافكار بشكل منظم ومرتب وجامع ? لا يشذ منها شئ . فمن الواضح - حينئذ - أن مثل هذه المنامات لا يمكن رده ولا دفعه لمجرد كونه مناما ? بل لا بد من اعتبار محتواه على أساس كماله وصحته أو عدم وضوحه وترابطه ? بقطع النظر عن حصوله في المنام . ولا يرتاب قارئ هذا الكتاب ? في أن ما رأه الشيخ المفيد في المنام ? من هذا القبيل ? حيث نجد فيه بحثا علميا شيقا ? متكامل المقدمات ? حكاه الشيخ على انه وقع له حالة المنام . والمسألة تبحث عن دلالة " آية الغار " على ما يدعيه العامة من فضل أبي بكر ابن ابي قحافة ? حيث كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ? عند نزول تلك الآية .
وقد ?صّل الشيخ المفيد أوجه الاستدلال الذي ذكروها على مرادهم ? ثم بدأ يردها واحدا واحدا . وهذا المنام يدل على اختزان محتواه في ذهن الشيخ المفيد ? وتركزه فيه بحيث لم يفارقه في يقظه ولا منام كما انه يحتوى على ما هو لازم من عناصر القوة في الاستدلال ? ? ضرورات إكمال البحث من النقوض والاجوبة ? والشواهد القرآنية والحديثية ? حتى الاستشهاد بالشعر على إثبات المعاني اللغوية ? بما يقضي بالعجب ? ولا تبقى معه حاجة إلى البحث عن حجية الرؤيا !
ونحمد الله على توفيقه . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 19 ]
الإشراف
تأليف الامام الشيخ المفيد
محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي ( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
يمثل هذا لكتاب من تأليف الشيخ المفيد ( الرسالة العملية ) في بدايات نشوئها ? كتبه الشيخ المفيد لعمل من يلتزم بفتواه ? والدليل الواضح على ذلك : خلو الكتاب عن أي شئ من الاستدلال ? ولا ذكر الخلاف الواقع بين الفقهاء داخل المذهب أو خارجه ( 1 ) مما لا يكون له مبرر سوى هذا الفرض بالخصوص . وقد تدوولت الرسائل العملية - بالمعني الذي نفهمه اليوم - منذ نهايات الغيبة الصغرى ? وفي عهد ( تحديد النصوص ) بالضبط ? عندما انقطعت الصلة بورود مزيد من النصوص من مصدر التشريع ? وهو خاتم الأوصياء الامام المهدي المنتظر سلام الله عليه . ويظهر من المحقق الحلي ( 2 )
* ( هامش ) *
( 1 ) عدا مورد واحد ? في باب عدد تسبيح الركوع والسجود ? قال : إنه على قول الامة كافة مائة وثلاث وخمسون تسبيحه .
( 2 ) المعتبر ? للمحتق ( ? 7 ) الطبعة الحجرية . ( * )
أنه اعتبر أصحاب الفتاوى القدماء هم :
1 - علي بن الحسين بن موسى ? ابن بابويه ? ابو الحسن القمي ( ? 329 ) وهو صاحب ( الرسالة الى ولده الصدوق ) ليعمل بها ( 3 ) .
* ( هامش ) * ( 3 ) لعل اسم ( الرسالة العملية ) أتى من هذه الرسالة التي كتبها أبن بابويه الى ولده ليعمل بها ! ( * )
2 - محمد بن أحمد بن الجنبد الاسكافي ? صاحب كتاب ( الأحمدي في الفقه المحمدي ) الذى هو مختصر من كتابه الكبير الضخم المسمى ( تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة ) .
3 - الحسن بن أبى عقيل العماني صاحب ( المتسك بحبل آل الرسول ) الذى قال عنه النجاشي: ( كتاب مشهور في الطائفة وقل ما ورد الحاج من خراسان إلا طلب واشترى منه نسخا ) .
ثم إن وجود الرسالة العملية للشيخ المفيد دليل على كونه مرجعأ عاما ترجع الطائفة إليه في أمر الأحكام الشرعية وأخذ الفتاوى منه ? كما يدل على ذلك أيضا طلب بعض الامراء تأليف كتاب ( المقنعة ) في الفقه ? وهي كذلك على هذا الاسلوب . والميزة الجامعة لهذه الكتب ? أو الرسائل العملية ? أنها كتبت لتحتوي على ( مجرد الفتاوى ) أي : الفتاوى فقط ? مجردة عن أي استدلال واحتجاج ? وحتى خالية عن ذكر النصوص والاستشهاد بها ? إلا نادرا في بعض السنن والنوافل ? وقد جاء التصريح بهذه المزية في عنوان ( النهاية في مجرد فتاوى ) التي ألفها الشيخ الطوسي ? جامعا لفتاواه فقط .
أما المميز لمؤلفات المفيد رحمه الله ? فهو : أن ما كتبه - بالرغم من قدمه ? لا يختلف من حيث المحتوى عن ما ألفه المتأخرون عنه سوى في بعض المنهج / صفحة 5 / والترتيب بما تختلف به بداية كل محاولة عن نهاياتها . ويمتاز ( الإشراف ) بسهولة العبارة وبساطتها ? بحيث نجد بعض عباراتها لا تزال مستعملة في الرسائل العملية المتأخرة عنه بعدة قرون مثل قوله في الباب الأول : باب فرض الوضوء : ( غسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن مما دارت عليه الإبهام والوسطى ) . وهذه النسخة تحتوي على قسم العبادات ? والى نهاية كتاب الحج ? فقط . والكتاب يعتبر جامعا لفتاوى المفيد في مرحلة من عصره فهو يوضح لنا معالم من مدرسته الفقهية التي تعتبر - بحق - رائدة الثقافة الفقهية عند الشيعة في المرحلة المتكاملة .
كما يعطينا الكتاب ملامح واضحة عن أسلوبه الفقهيي ? مثلا : نجد في الكتاب التعبير بالفرض والسنة الاستحباب ? عند تقسيمه للأغسال ? في الباب الخامس . ونجده يعبر ب ( الحدود الكبار ) عن ما نسميه نحن بأركان الصلاة ? ويعبر ب ( الحدود الصغار ) عن سائر واجبات الصلاة غير الأركان . وكتاب ( الإشراف ) قبل كل شئ ? واحد مما يجب إحياؤه باعتباره من ذخائر تراثنا الغالي .
ونحمد الله على توفيقه ? ونسأله الرضا عنا بفضله وإحسانه وأن يتقبل منا بكرمه وجلاله ? إنه ذو الجلال والإكرام .
وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[20]
سلسلة مؤلفات - الشيخ المفيد
النكت الاعتقادية
بسم الله الرحمن الرحيم
ألف الشيخ المفيد كتابا باسم" النكت في مقدمات الاصول " في علم الكلام ? وقد حققناه ? اعتمادا على نسخ عديدة ? وحققنا نسبته إلى الشيخ لذلك ? وتحدثنا عن منهج تأليفه ? في مقدمتنا القصيرة له.
وموضوع ذلك الكتاب هو شرح الالفاظ المستعملة في علم الكلام بعنوان " إن قال . . . فقل " ثم ذكر الادلة بإيجاز شديد على الاصول الخمسة الاعتقادية ? ? أهم مسائلها .
وقد عثر بعض العلماء على كتاب باسم " النكت الاعتقادية " فظنه " النكت . . . " المذكورفي مؤلفات المفيد ? فنشره منسوبا إليه .
وهذا الكتاب - أيضا - يعتمد منهج الحوار ( ان قيل . . . قيل ) .
إلا أنه لا يمكن نسبته إلى الشيخ المفيد ? لوجوه:
1 ) - بعد ثبوت نسبة الكتاب الاول إلى الشيخ ? لا يمكن أن يكون الثاني له أيضا ? لوضوح البعد في أن يكون قد ألف كتابين كل منهما مسمى ب " النكت . . . " كما لم ينسب إليه في الفهارس إلا واحد بهذا الاسم ? خاصة مع اتحاد المنهج والموضوع .
2 ) - أن بعض النسخ القديمة لما سمي ( النكت الاعتقادية ) قد نسب تأليفه إلى الشيخ فخر المحققين ابن العلامة الحلي .
3 ) - وهو أقوى ما نستند إليه : أن اسلوب الكتاب ? ونفس مؤلفه ? وجرس عباراته ? ليس متناسبا مع شئ من مؤلفات الشيخ المفيد المأثورة والموجودة والمعروفة . بينما الكتاب الاول ? يتفق في كثير من التعاريف التي أوردها مع سائر كتب الشيخ التي تعرضت لنفس التعاريف وقد أشرنا إلى هذه المقارنات في مقدمتنا له . ومهما يكن ? فإن لجنة المؤتمر ارتأت أن تنشر هذا الكتاب الثاني - أيضا - ضمن المؤلفات المنشورة للشيخ المفيد ? باعتبار تلك النسبة ? ولانه على كل حال واحد من مؤلفات علمائنا الاعلام في علم الكلام .
والله ولي التوفيق . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[21]
مسألة في الارادة
تأليف الامام الشيخ المفيد
محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله ? العكبري ? البغدادي ( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
اتفق المسلمون على توصيف البارئ سبحانه بأنه " مريد " . ? " الارادة " عند الانسان تعني المشيئة والرغبة ? وهي بلا ريب حادثة في الانسان ? فهي زائدة على ذاته ? وجودها يتبع أسبابه . أما الارادة الالهية ? فما معناها ? فهي : لا يمكن أن تكون معدومة ? لو ضوح صدور الاوامر منه تعالى ? مما يكشف عن وجود " إرادة " له ? بلا ريب . وكذلك لا ريب في وجود " كراهة " له تعالى ? لتعلق نهيه بالامور القبيحة . فلا يمكن ان تكون " الارادة " أمرا ذاتيا الله تعالى ? وإلا ? لاستلزم أن تكون جميع الامور حسنها وقبيحها - مرادة له تعالى ? وقد علمنا بالضرورة أنه تعالى لا يريد القبيح ? بل يكرهه . فلا بد أن تكون " الارادة الالهية " صفة خارجة عن الذات ? لكنها ليست صفة قديمة ? وإلا للزم تعدد القدماء .
وإن قلنا إنها صفة محدثة في الله تعالي ? لزم أن تحدث في محل ! وليست الذات الالهية محلا للحوادث ? لانها قديمة . وإن لم تكن الذات الالهية محلا لارادته تعالى ? لكان محلها متصفا بها ? لا هو سبحانه . ولا يمكن أن يخلو الحادث من محل ? لانه عرض ? لا وجود - مستقلا - له بنفسه والحاصل : أن الارادة الالهية بعد اثبات اتصافه بها ? ليست أمرا موجودا عينيا ? لا قديما ? ولا محدثا بل توصف بها الذالت مجازيا ? لا حقيقيا . بمعنى : أن الله تعالى يخلق الشئ لمصلحة يعلمها في الشئ هي إرادته الداعية إلى خلقه . وهذا الكتاب " مسألة الارادة . . . " على إيحازه قد استوعب فيه الشيخ المفيد أهم ما يلزم الاستدلال عليه حول الارادة الالهية . وقد وجدنا المتأخرين من علماء الكلام ينشدون الحقيقة التي ابداها الشيخ المفيد في هذا الكتاب ? ويسيرون على خطاه في الاستدلال ويتبعون أثره في الاستنتاج .
والله ولي التوفيق .
وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[22]
عدم سهو النبي صلى الله عليه وآله
تأليف الامام الشيخ المفيد
محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله ? العكبري ? البغدادي ( 336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
من البحوث المهمة المطروحة في علم الكلام : البحث عن جواز السهو على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ? وعدمه ? ! فإن أدلة العصمة التى يقول بها جمهور المسلمين تقتضي الحكم بنفى السهو عنه في القول والفعل ? وذهب إلى ذلك المحققون من علماء الكلام من الشيعة وممن قال بذلك من أهل السنة : أبو إسحاق الاسفراييني .
وقد فصل ذكر الخلاف منهم في كتاب ( حجية السنة ) للشيخ عبد الغني عبد الخالق ( ? 99 - 17 ) .
أما الشيعة فلم يرد منهم خلاف في عصمته صلى الله عليه واله وسلم من السهو في الاقوال . وأما في الافعال : فقد ذهب بعض من لا ينتمون إلى النظر في ما يرتبط بالعقائد ? بل يعتمدون في تحصيلها على النصوص المروية ويلتزمون بما تدل عليه ظواهرها ? مع الالتزام بعدم تأويلها وتوفيقها مع أدلة العقول ? وهم الذين سما هم الشيخ المفيد ب " المقلدة " وهم فرقة يلتزمون بالتقليد في اصول الدين ? ? يشبهون من يسمى من العامة بالسلفية والحشوية ? في المنهج الكلامي ? العقائدي . فإن هؤلاء التزموا بنسبة السهو إلى فعل النبي صلى الله عليه وآله اعتمادا على رواية من أخبار الاحاد ? زعموا ورودها بذلك . ومضمونها أنه صلى الله عليه وآله صلى صلاة رباعية سلم فيها على ركعتين - سهوأ - . فقال له رجل يسمى بذي اليدين : أقصرت الصلاة ? أو نسيت ? ! فقال صلى الله عليه وآله : كل ذلك لم يكن . ثم سأل صلى الله عليه وآله أبا بكر وعمر ? عما قاله ذو اليدين : أكان أم لم يكن ? ! فاخبراه أنه سلم على ركعتين ? فأتم النبي صلى الله عليه وآله صلاته . وقد تصدى الشيخ المفيد في هذا الكتاب لهؤلاء ? ولما استدلوا له من الاخبار . فابتدأ بذكر مسألة اصولية تميز حدود المباني المؤثرة في حسم مادة النزاع ? فذكر :
1 - أن البحث إنما هو حول عصمة الا نبياء ? وهي من مسائل العقيدة التي لا يمكن الاستدلال عليها بالظن ? لما قد ثبت في محله - من علم الكلام - من أن اصول الدين لابد وأن تكون مستندة إلى العلم واليقين والاعتقاد الجازم . ولما ورد في الايات القرآنية العديدة - التي استشهد بها الشيخ المفيد - من عدم جواز الاعتماد على الظن وأنه لا يغني من الحق شيئا . وهذه هي نقطة الافتراق بين أهل الاجتهاد والنظر وبين المقلدة . ( لاحظ ما ذكرناه حول كتاب ( الحكايات ).
2 - إن الفقهاء - أهل الاجتهاد والنظر - لا يعتمدون على أخبار الآحاد ? المجردة ? ويعتقدون أنها : " لا توجب علما ولا عملا " . والشيخ يؤكد على هذا في مختلف كتبه ? وفي بداية هذه الرسالة وهذا أيضا من الفوارق بين الفريقين . ثم أخذ الشيخ في معارضة تلك الرواية التي اعتمدوها دليلا على إثبات وقوع السهو من النبي صلى الله عليه وآله بأنها " معللة " فلا يجوز اعتمادها كدليل على شئ ? إذ التعليل في الحديث يسقطه عن الاعتبار والحجية فلا يجوز العمل به . والحديث المعلل : هو ما وقع اختلاف بين رواته ? من حيث نصه المنقول إلى حد التهافت والتناقض بحيث لا يمكن الجمع بين منقولاتهم . وقد اختلف الرواة بهذه الرواية كذلك ? حيث اختلفوا في تعيين الصلاة التي وقع فيها السهو ? واختلفوا - كذلك - في الكيفية التي عالج بها النبي صلى الله عليه واله السهو المزعوم وقوعه . ثم استدل الشيخ المفيد بوجوه على أن الحديث موضوع مختلق وليس يمكن وروده ? مع الالتزام بمؤداه ? لما فيه من التناقضات واللوازم الباطلة ? المخالفة للحق ? وهي :
أولا : ان النبي صلى الله عليه وآله - وحسب متن الرواية نفسها - قد نفى عن نفسه السهو ? بقوله : " كل ذلك لم يكن " فإذا صح النقل ? فمعنى كلامه أنه قد نفى عن نفسه وقوع السهو والنسيان ? فكيف يؤخذ ذلك دليلا على وقوع السهو منه صلى الله عليه وآله والالتزام بأنه صلى الله عليه وآله سها في هذا القول أيضا : اجتهاد في مقابل النصن .
وأما محاولة تفسير هذا الكلام بأنه نفي للجمع بين الامرين ? بأن الكل لم يحصل ? فقد رده الشيخ المفيد في الفصل الثاني من الكتاب بوجهين :
الاول : ان هذا الجواب ليس جوابا للسؤال المذكور ? لان السائل إنما سأل . عن وقوع أحد الامرين ? فليس الجواب بعدم حصولهما معا موافقا للطريقة المألوفة في الجواب عن ذلك ? فهذا لغو نربأ بالرسول صلى الله عليه وآله ? سلم منه .
الثاني : إن هذا الجواب يقتضي إلتفاته إلى وقوع أحد الامرين منه ? وظاهر كلامه عدم إلتفاته إلى ذلك ? بل إنما سأل المصلين عن صحة ما قاله ذو اليدين ? !
ثانيا : إن الرواية - وحسب طرقها - تحتوى على أن الرسول صلى الله عليه وآله قرأ في تلك الصلاة سورة " والنجم " التى فيها آية السجدة ? وأنه سمع يقرأ " تلك الغرانيق العلى ? وأن شفاعتهن لترتجي " تلك الخرافة المفتعلة على قدس النبي صلى الله عليه وآله ? الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ? انظر بهذا الصدد ما ذكره الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتاب حجية السنة (هامش ? 100 ).
وثالثأ : إن هذه الرواية تقتضي أنه لم يتنبه إلى هذا السهو إلا ذو اليدين - وهو مجهول الشخصية من بين الصحابة - دون جميع من حضر من سائر الصحابة بما فيهم ابو بكر وعمر ? وان الرسول صلى الله عليه وآله لما أراد أن يتأكد من كلام ذي اليدين سأل أبا بكر وعمر عن ذلك ? دون غيرهما من الصحابة الحاضرين ? ! وكل هذه المفارقات تشير إلى أن الرواية إنما وضعت لتشويه سمعة النبي صلى الله عليه وآله ? وإسقاط فعله عن الحجية والاعتبار.
وبعد ? فقد تخلل هذه الرسالة آراء للشيخ المفيد في مسائل عديدة ? نتعرضها :
1 - تفنيده إدعاء الفرق بين السهو عند الناس ? الذي عبروا عنه بالسهو الشيطاني ? والسهو عند النبي المعبر عنه بالسهو الرحماني وميز بين السهو ? النوم في الحكم .
2 - ادعاؤه عدم الخلاف بين عصابة الحق ( يعني الامامية ) في وجوب قضاء الصلاة الفائتة على الفور، عند تذكرها ? وأن القضاء على المضايقة ? دون المواسعة ? إلا إذا تضايقت بها صلاة حاضرة ? ذكر ذلك في الفصل الخامس .
3 - قوله : أن الفقهاء يطرحون ما يرويه الرواة ذوو السهو في الحديث ? إلا ان يشركهم فيه غيرهم من ذوي التيقظ والفطنة والذكاء والحفاظة ذكر ذلك في الفصل السادس . وهذا هو شرط " السداد " الذي اعتبر في الرواة عند علماء الحديث ? الدراية .
4 - مناقشته في شخص " ذي اليدين " الصحابي المختلق الذي نسبت إليه الرواية ? مصرحا بأنه مجهول غير معروف .
5 - نفيه نسبة الغلو عن مثل القائل بنفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله ? ووصف الناسب للغلو إليه ب " المتهور " كما أن الشيخ يبدو قاسيا على القائلين بالسهو حيث يقول في النهاية : " وإن شيعيا - يعتمد على هذا الحديث في الحكم على النبي عليه السلام بالغلط والنقص وارتفاع العصمة - لناقص العقل ? ضيف الرأي ? قريب إلى ذوى الافات المسقطة عنهم التكليف " .
ثم إن الظاهر من آخر الكتاب أن اسمه : " جواب أهل الحاثر على ساكنه السلام فيما سألوا عنه من سهو النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة " .
والحمد لله على توفيقه .
وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[23]
سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد
التذكرة باصول الفقه
بسم الله الرحمن الرحيم
( اصول الفقه ) يعني : العلم الذي يحتوي على القواعد العامة التى يعتمدها الفقيه عند ما يريد معالجة أدلة الاحكام الفقهية ليستنبطها منها ? وهي تتنوع إلى قواعد تحدد نوعية الأدلة القابلة للاستخدام في الفقه ? والى قواعد تحدد مدى دليلية تلك الأدلة ? وإلى قواعد تحدد شروط الاستدلال الصحيح ? طرقه ومسالكه المعتبرة شرعا ? والى قواعد تحدد الادوات اللازمة للمعالجات عند تعارض الأدلة وتنافيها . وبمعرفة هذه القواعد واستيعابها ثم تطبيقها يكون الفقيه على عدة وقوة لاستباط الحكم في علم الفقه معتمدا مبانيه الاصولية تلك . وقد كان الفقهاء الشيعة يستخدمون هذه الاصول ? والقواعد بالسليقة التي تطبعوا عليها وتلقوها في معاملاتهم العرفية التى كانوا يتداولونها في مدارسهم وعلى أساليبهم اللغوية المرتكزة في فهم معاني الالفاظ ? تحصيل التفهيم ? التفاهم ? اعتمادا على ما لهم من قوة في التقنين والقناعة بالاعراف المتفق عليها بين العقلاء . ولما تكثرت المعارف وتداخلت كان من الضروري إبراز هذه القواعد في قالب معين ? وجمعها في إطار محدد ? سمى بعلم ( أصول الفقه ) .
ولقد اصطيدت وحدات هذه القواعد ? ونماذج مطبقة منها في ما ورد عن الأئمة عليهم السلام من أحاديث تحتوى على اكثر من مجرد عرض الاحكام ? سردها ? بل تحتوى على الاستدلالات والمناقشات الفقهية ? وخاصة عند ما كان الفقهاء من أصحابهم ? يحاولون التفريع على ما كان الائمة عليهم السلام يطلقونه من نصوص وقواعد . وكما تألق فقهاء الشيعة منذ الصدرالاول في تقرير هذه القواعد واستخدام هذه الاصول ? فإنهم كذلك سبقوا في تحريرها وضبطها وتقييدها في المؤلفات .
فكانت هناك مؤلفات في بعض الجوانب الاصولية الهامة ? كمباحث الألفاظ ? والعموم والخصوص ? والاجمال والبيان . أما قدماء الفقهاء فكانوا يحررون مبانيهم الاصولية ضمن الكتب الفقهية وفي خلال المسائل التي تناسب تلك البحوث ? وخاصة عند التعرض للخلاف
ونثار المناقشات بالنقض والابرام ? فيعدون ما يصلح للاستدلال ويرفضون ما لا يصلح ? كما هو الحال بالنسبة إلى أدلة القياس والرأي والاستحسان والمصالح المرسلة ? الباطلة عند الشيعة . ومع أن المؤلفات الشيعية القديمة في هذا الفن عرضت للتلف والإبادة ? فإن التاريخ احتفظ لنا بهذا المختصر من كتاب ألفه الشيخ المفيد ? في مرحلة متقدمة مما يدل على نضج هذا الفن وتكامله في عصره .
وبالرغم من التوسع والتقدم والازدهار الذي امتاز به هذا العلم في العصور الأخيرة ? وضخامة مباحثه ومؤلفاته إلى حد الاعجاب والفخر ? إلا أن وجود مثل هذا الكتاب - على اختصاره وايجازه - في عهد المفيد يدل على اصالة قواعده ? وأن ما تحتويه من آراء ونظريات متطورة لم تحصل فجأة ? ولم تكن وليدة ساعتها ? وإنما هي استمرار وامتداد لجهود اصولية متعاقبة ? كما أنها تعتبر أساسا قويما للجهود المتتالية التي حمل رايتها تلامذة المفيد ومن بعدهم أعلام الشيعة الكرام . ومهما يكن ? فإن مؤرخ علم الاصول يمكنه أن يحدد معالم هذا العلم في عصر المفيد وما حوله ? من خلال هذه الرسالة على اختصارها . كما أنا نقف فيها على عناصر من فكر الشيخ المفيد الاصولي ? نشير إلى أهمها :
1 - الأدلة : جعل الشيخ المفيد مصادر الحكم الشرعي : العقل ثم اللسان ( أي اللغة ) ? هو مصدر معرفة المفردات والمعاني اللغوية ? ثم النصوص الشرعية من الكتاب ? السنة ? والملاحظ أنه عطف على السنة أقوال المعصومين الائمة الاثني عشر عليهم السلام ? مما يوحي أن مصطلح ( السنة ) عنده يختص بالمروي عن الرسول صلى الله عليه وآله .
ويلاحظ - أيضا - أنه لم يذكر ( الإجماع ) في أدلة الاحكام الشرعية ? ? السبب أنه لا يقول بحجية الاجماع في نفسه ? وإنما يلتزم بالاجماع الدخولي ? الذي تكون العبرة فيه بقول المعصوم الداخل فيه ? فلذالم يعد الاجماع وحده دليلا مستقلا .
2 - الخبر الواحد : حكم بحجية الخبر الواحد بشرط الاقتران بقرينة تؤيد صدقه ? أو بدليل عقلي ? أو بشاهد من عرف أو بالإجماع غير المخالف ? وإلا لم يكن حجة ? بل صرح بأنه : ( لا يوجب علما ولا عملا ) .
3 - المراسيل : وحكم بحجية الخبر المرسل - غير المعارض بأقوى منه - وقال : ( يعمل به أهل الحق على الاتفاق ) .
4 - الظواهر : يقول بحجية ظواهر الكتاب ? بعد إثبات أن للكتاب ظاهرا مرادا منه ? استنكر القول بنفي الظاهر منه . كما اعتمد على أسباب نزول الآيات للتوصل إلى المراد القرآني .
5 - دلالة الأمر على النهي عن ضده : يقول بعدم دلالة الأمر بالشئ على النهي عن ضده بالدلالة اللفظية الوضعية ? وانما يقول بدلالة العقل على ذلك وحكمه به ? وعلى أساس استحالة اجتماع الفعل وتركه عقلا ? فإذا كان الفعل مطلوبا فالضد غير مطلوب . وهذا يدل على استخدام الاصوليين لحجة العقل في فترة متقدمة من تاريخ علم الاصول .
6 - اشترط العلم بالحقيقة والمجاز، ولم يكتف فيهما بالظن ? وجعل الطريق إلى ذلك أحد أمرين:
1 - الإجماع من أهل اللغة .
2 - الدليل المثمر للبيان . ولم يعتمد على كلام بعض أهل اللغة ? أو بعض أهل الاسلام ممن ليس بحجة في المقال والفعال ? فانه لا يعتمد في إثبات حقيقة الكلام .
وأوجب التوقف إذا لم يقم دليل علمي على تعيين المعنى الحقيقي أو المجازي .
7 - في التخصيص : ادعى أن السنة الفعلية لا تكون مخصصا لعام لفظي ? إلا إذا كان أصل العام لا يصح إلا بفرد خاص ? وقد مثل لذلك بقوله : إذا روى أن النبي صلى الله عليه وآله أحرم ? لم يجب الحكم بذلك أنه أحرم بكل انواع الحج من إفراد وفران وتمتع ? بل إنما يصح الإحرام بنوع واحد ? فوجب القضاء بالتخصيص بواحد منها فقط .
8 - المجمل والمبين : عبر عنهما بالكنية والظاهر ? وهي تسمية غير معروفة في المصادر الاصولية المعاصرة .
9 - يقول بنسخ الكتاب بالكتاب ? لكن لا بالسنة ? ويقول بمجئ النسخ في أخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند تعارضها ? لكن لا يقول بالنسخ في أحاديث الأئمة عليهم السلام . إن احتواء هذه الرسالة على صغرها على هذه الآراء من الشيخ المفيد تزيد من أهميتها ? مع أن الذي يبدو من النسخ أنها مختصرة من أصلها الكامل ? المسمى في الفهارس ب ( التذكرة باصول الفقه ) .
ولو قدر أن حصلت لنا النسخة الكاملة من كتاب الشيخ لافادتنا أكثر من ذلك ? ولوقفنا على جوانب أهم من معالم الفكر الاصولي في مدرسة الشيخ المفيد رحمة الله عليه .
وبالله التوفيق . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 24 ]
مسألة في النص على علي عليه السلام
تأليف الإمام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم أبي عبد الله
العكبري ? البغدادي ( 336 - 413 ه )
مسألتان في النص على علي عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
احتلت البحوث المرتبطة بالإمامة والخلافة مجالا واسعا من تراث الشيخ المفيد باعتبارها الفارق المهم بين أكبر طائفتين من طوائف الاسلام منذ صدر التاريخ الاسلامي .
وباعتبار أن من الواجب على علماء الأمة السعي في إزاحة الفوارق بتحديد الملتزمات الحقة والبت فيما يجب على الأمة اعتقاده توصلا إلى ما يجب متابعته ونصره في سبيل توحيد صفوف الأمة ورصها وبناء البنيان المرصوص عليها . ومن المسائل المثارة في هذا المجال - بعد إثبات إمامة الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام - هو : لماذا قعد الإمام عن مطالبة حقه في الإمامة ? الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ? ! ولماذا سكت عن من تقدم عليا من الخلفاء ? ! ولماذا لم يظهر معارضته لهم ? بل خالطهم مخالطة سلمية ? مما يوحي ? أو استوحى منه كثير من الناس ? أنه موافق لهم ? ! كأخذه العطاء منهم ? والاشتراك في صلواتهم جماعة ? والحضور في مجالسهم ? وغير ذلك مما يدل على عدم المقاطعة وعلى الرضا عنهم وعن تصرفاتهم أو حتى نكاح سبي حروبهم ! وقد تصدى الشيخ المفيد في هذه الرسالة لهذه الأسئلة والشبه ? بأسلوبه الرصين الهادئ ? والواضح ? عارضا لما تقوله الشيعة بهذا الصدد من الأجوبة عن كل واحد من تلك الأسئلة المثارة والظريف أنه أجاب عن مسألة نكاح الإمام عليه السلام سبي الخلفاء ? من طريقين :
1 - طريق الممانعة : أي يدفع دعوى السائل أن الإمام عليه السلام نكح السبي على أساس ملك اليمين ? بل يمكن دعوى أنه عليه السلام نكح السبي على أساس عقد الزواج . فلا طريق للسائل إلى إثبات دعواه تلك !
2 - طريق المتابعة : أي مع الموافقة على فرض السائل أنه عليه السلام نكح السبي على أساس ملك اليمين ? والاجابة عن ذلك . وهذا يعطي أن الشيخ المفيد كان يتوخى منتهى النصفة مع الخصوم ولا يكتفي برد الدعاوي وإنكارها ? بل يتنزل معهم ويحاول أن يجيبهم على مبانيهم وملتزماتهم أيضا . والظاهر أن مثل هذه الأسئلة كانت مثارة في زمن الشيخ المفيد وعصره ? فقد أثار أبو هاشم - من المعتزلة - سؤالا بعنوان : كيف رضي أمير المؤمنين عليه السلام أن يكون في الشورى العمرية مع ما تردد فيه من القول حالا بعد حال ? نقله القاضي عبد الجبار في المغني ( ? 20 ? 1 ? 122 ).
وقد أجاب السيد المرتضى عن ذلك في الشافي بقوله : ذكر أصحابنا فيه وجوها : أحدها : أنه عليه السلام إنما دخلها ليتمكن من إيراد النصوص عليه ? الاحتجاج بفضائله وسوابقه وما يدل على أنه أحق بالأمر وأولى . ومنها : أنه عليه السلام جوز أن يسلم القوم الأمر له ? ويذعنوا لما يورده من الحجج عليهم بحقه ? فجعل الدخول في الشورى توصلا إلى حقه ? وسببا إلى التمكن من الأمر والقيام فيه بحدود الله ? وللانسان أن يتوصل إلى حقه ويتسبب إليه بكل أمر لا يكون قبيحا . ومنها : أن السبب في دخوله عليه السلام كان التقية والاستصلاح ? . . . ? فحمله على الدخول ما حمله في الابتداء على إظهار الرضا والتسليم . لاحظ الشافي في الإمامة ( 2 / 155 ) وتلخيص الشافي ( 2 / 150 - 154 ) وقد اختار الشيخ الطوسي الوجه الثاني من الوجوه التي ذكرها المرتضى فذكره بشئ من التفصيل - في جواب الاعتراض على قبول الإمام على الرضا عليه السلام لولاية العهد من قبل المأمون العباسي - فقال ما نصه : كل ما مضى من الكلام في أسباب دخول أمير المؤمنين عليه السلام في الشورى ? فهو بعينه سبب في هذا الموضوع ? وجملته : أن صاحب الحق له أن يتوصل إليه من كل جهة وسبب لا سيما إذا كان يتعلق بذلك الحق تكليف عليه ? فإنه يصير واجبا عليه التوصل والتصرف في الإمامة . لاحظ تلخيص الشافي ( 4 / 206 ) . ورسالة الشيخ المفيد هذه على صغر حجمها جامعة للأجوبة على كل تلك الأسئلة المثارة ? بأوضح وجه . على أن الظاهر من نسختها المتوفرة : أن كاتبها لم ينقل جميع ما أملاه الشيخ رحمه الله ? بل اختصرها .
والحمد لله على توفيقه . وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
[ 25 ]
رسالة حول الحديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث
تأليف الإمام الشيخ المفيد
محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم أبي عبد الله ? العكبري ? البغدادي
(336 - 413 ه )
بسم الله الرحمن الرحيم
لحق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى مخلفا من الورثة بنته الوحيدة " فاطمة الزهراء " سلام الله عليها وزوجات عدة .
وكانت " فدك " مما أفاء الله به على رسوله من قرى خيبر ? نحلها الرسول ابنته الزهراء ? وكانت يدها على فدك يوم وفاة الرسول أبيها .
ولما استولى أبو بكرعلى أريكة الخلافة ? ابتزّ " فدكا " من فاطمة عليها السلام ? واستولى عليها ? أيضا, فادّعت فاطمة عليها السلام على أبي بكر ? وطالبت نحلة أبيها لها ? ? أشهدت زوجها أمير المؤمنين عليا عليه السلام ? وابنيها الحسن والحسين سبطي رسول الله وسيدي شباب أهل الجنة ? وأم أيمن زوجة رسول الله على أن أباها نحلها " فدكا " .
فردّ أبو بكر دعواها ? ورد شهاداتهم لها . فأعادت الزهراء عليها السلام على أبي بكر دعوى ثانية ? وطالبت بإرثها من أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله، من تلك الأرض التي كانت لرسول الله بنص القرآن ? لأنها مما أفاء الله على رسوله .
وردّ أبو بكر دعواها هذه أيضا بحديث رواه هو وحده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " .
فادعى أن النبي لم يترك ميراثا ? لا تركة ? وأنّ كل مخلفاته صدقة .
ومع أن هذا خبر واحد ? لم يعرفه ولم يسمعه ولم يروه يومذاك غير أبي بكر (وإن كانت أسانيده كثرت - بعد ذلك - حتى صار من المتواترات في عهد معاوية ! ! !).
ومع أن الأولى بسماعه وروايته - لو كان النبي صلى الله عليه وآله قاله - هم أهل بيته وابنته الزهراء بالأخص ? لأنهم هم محلّ ابتلاء مؤدّاه ? وهم بحاجة إلى معرفة حكمه ? فكان على النبيّ أن يبلّغهم به ? لا أن يقوله لأبي بكر الذي لا يرث من النبي شيئا !
مع هذا, فقد فرض أبو بكر رأيه على الزهراء عليها السلام وأخذ منها " فدكا " وقد احتجت الزهراء على أبي بكر في هذا الرأي المنافي لصريح القرآن حيث نصّ على توريث الأنبياء لورثتهم ? مما يدل على اختلاق هذا الخبر الذي ينسب عدم الإرث إلى الأنبياء .
ولقد انطوى التاريخ على ظلمه وجوره ? إلا أنّ البحوث العلمية حول هذا الخبر الواحد لم تنقض بعد :
فالمفارقة المعروفة حتى عند المبتدئين أن كلمة " صدقة " هل تقرأ بالنصب على أنها توضيح لكلمة ( ما ) الذي هو مفعول لقوله ( لا نورث )؟
فالمعنى : إنّا لا نورّث المتروكات التي كانت صدقةً ? فغير الصدقات مما تركه النبيّ صلى الله عليه وآله من ممتلكاته يكون إرثا لوارثيه .
أو هي تقرأ بالرفع على أنها خبر لكلمة ( ما ) فتكون جملة ( ما تركناه صدقة ) مستأنفة؟ .
والرفع يناسب مذهب أبي بكر والعامّة ? والنصب يوافق رأي الشيعة الذين يلتزمون بأنّ الأنبياء حالهم كسائر الناس في توريث ما يخلفون ? إلا ما كان عندهم من الصدقات ? فإنّها لأصحابها من المستحقين .
وقد ذكر العلماء هذا الخلاف في إعراب " صدقة " فانظر الإلماع للقاضي عياض ( ? 151 ) .
وخصّص الشيخ المفيد هذه الرسالة لذكر أدلة الشيعة الإمامية في ردّ هذا الخبر ? ردّ الاستدلال به على نفي الإرث عن الأنبياء .
فذكر وجوها ومقاطع من النقض والابرام :
الأول : إن قراءة النصب توافق عموم القرآن ? وقراءة الرفع تمنع من العموم فتخالف القرآن الذي جاء على العموم . وما يوافق ظاهر القرآن أولى بالحق مما خالفه .
الثاني : اعترض العامة على النصب ? بأنه لا يصح ? إذ معنى الحديث على ذلك أن ما كان صدقة وتركه الميت فهو لا يورث ? وهذا ليس حكما خاصا بالنبي صلى الله عليه وآله بل الخلق كلهم محكومون بذلك ? فمن ترك صدقة لم تدخل في تركته ولم يرثه منه ذووه ? فما فائدة الخبر ?
وأجاب الشيخ المفيد عن هذا الاعتراض بأن تخصيص الأنبياء بالذكر في الخبر ليس من أجل اختصاص الحكم بهم ? بل هو حكم عام ? وإنما ذكر الأنبياء هنا للتعبير عن أولوية الأنبياء بالعمل به، وأنهم ألزم الخلق به وأحق ? ? إن كان سائر المكلفين كذلك.
وهذا نظير قوله تعالى " إنما أنت منذر من يخشاها " مع أن النبي منذر كل الناس من يخشاها ومن لا يخشاها ? ولكن بما أن من يخشاها أحق بالانذار لمكان استفادته منه ? استحق ذكره لهذه الأولوية . ثم ذكر نظائر أخر لهذه الآية ? وأمثله عرفية تجري عليها .
الثالث : إن للخبر وجها آخر في التفسير : وهو أن المراد أن ما تركناه صدقة لا يصح لأولادنا ? ولا يأكله أولادنا مطلقا بأي عنوان ? حتى لو صاروا فقراء وصدق عليهم عنوان المستحقين للصدقات . فيكون هذا الحكم خاصا بالأنبياء وأولادهم ? بخلاف غير الأنبياء فإنهم لو تركوا الصدقات فهي - وإن كانت لا تدخل في الإرث - إلا أن أولادهم لوأصبحوا فقراء أو صدق عليهم عنوان المستحق أكلوا من الصدقات بذلك العنوان .
فمعنى ( لا نورث ) في الخبر ? أي : لا يصير إلى ورثتنا على كل حال ? ? إطلاق كلمة ( الإرث ) ومشتقاتها بهذا المعنى أمر متعارف في اللغة ? وإن لم يكن من مخلفات الميّت ? كما قال الله تعالى " وأورثكم أرضهم وديارهم " أي أوصلها إليكم ? فإن ذلك لم يكن بالتوارث الشرعي .
الرابع : أن للخبر لفظا آخر ? لم يرد فيه احتمال النصب ? وهو : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه ? فهو صدقة " وقد جعل بعض العامة هذا اللفظ دليلا على صحة الرفع في اللفظ السابق ? وبطلان التأويل المبتنى على النصب . لكن الشيخ المفيد رده بأن الخبر على هذا اللفظ وإن كان لا يحتمل النصب ? بل بالرفع فقط ? إلا أن له معنى محتملا لا يوافق تأويل العامة ? وهو : أن الذي تركناه من أموالنا وحقوقنا على الآخرين ? التي أسقطناها عن ذممهم ? تصدقنا بها عليهم ? فلم نطالب بها في حياتنا ? ولم نستنجزه قبل مماتنا ? فهي صدقة على من هي في يده بعد موتنا ? ولا تدخل في مخلفاتنا ولا ما نورثه لوارثينا، فليست من تركتنا، وليس لورثتنا أن يأخذوه.
وهذا المعنى موافق لعموم القرآن وظاهر السنة ? بخلاف المعنى الذي يريده العامة من أن الأنبياء لا إرث لهم مطلقا فهو مخالف لظاهر الآيات القرآنية الدالة على توريث الأنبياء . وحمل السنة على وفاق القرآن أولى .
والملاحظ : أن الشيخ المفيد تصدى لهذا الخبر من جهة تحليله ? والرد عليه بإيراد المحتملات .
? لكنه لم يتعرض للنقض عليه بما ورد من الآيات القرآنية والسنة القطعية الدالة على بطلان مضمونه .
وكذلك لم يتعرض للرد عليه سنديا ? حيث أنه لم يثبت من غير طريق أبي بكر الذي هو طرف في تلك الدعوى وللبحث في ذلك مجال تكفلت به المطولات .
والله ولي التوفيق . وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي..
تم