المَنْهَجُ الرجاليُّ
والعملُ الرائد في الموسوعة الرجاليّة
لسيّد الطائفة الإمام البرُوجِرْديّ
(1292 ـ 1380هـ )
السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدالأنبياء والمرسلين، وعلى الأئمة المعصومين من آله الطاهرين.
تقديمٌ
لم يأفلْ نجمُ آل محمّد، عن سماء الدين والعِلْم والمرجعيّة العظمى، بوفاة زعيم الاُمّة في عصره على الإطلاق، ورافع عَلَمها الخَفّاق، الإمام السيّدأبو الحسن الموسويّ الأصفهانيّ عام 1365هـ.
إلاّ بزغَ نجمٌ آخرُ ليُضيئ سماءَ الدين والعِلْم والمرجعيّة مرّةً اُخرى بأنوار
آل محمّد، وليرفعَ العَلَمَ ثانيةً بشموخ وعزّة وإباء، وهو سيّدُ الطائفة، المجتهدُ المجدّدُ، الإمامُ الأكبر السيّد حسينُ الطباطبائيّ، البُروجِرديّ.وقد فتحتُ أنا عينيّ على الحوزة العلميّة، واسم السيّد البُروجِرديّ يملؤ دُنْيا الإسلام بِشُهرة أعلميّته، والطائفةُ بأسرها ألقتْ إليه أزمّة المرجعيّة; لأنّه العَلَمُ الأوحد بين المرشّحين لها يومذاك، من دون مُنازِع.
وكان في أوج عُلُوّهِ وعظمته، حين وافاهُ الأجَلُ في الثالث عشر من شهر شوّال سنة 1380هـ. فانقلبتْ الدنيا على أعقابها حِداداً وأسىً ولوعة، وأصبحَ الفضاءُ كلّه صوتاً مدوّياً إشادةً بآثارهِ وأمجاده، فازدَدْتُ بصيرةً بشأنه.
ولمّا توغّلتُ في الدراسة العلميّة، ونزحْتُ مُهاجراً من مسقط رأسي مدينة كربلاءَ المقدّسةَ إلى النَجَف الأشرف، لتكميل الدراسات العُليا، وقفتُ على آثارَ حيّة مَشِيدة باسمه كالمدرسة الكُبرى، والمكتبة العُظمى.
ومع توسّع الآفاق، وسفري سنة 1385هـ. زائراً إلى مدينة قُم حيثُ كان مقرّ السيّد، وقفتُ على الآثار الفخمة هُناك، كالمكتبة الخالدة الزاخرة بالمخطوطات، والمسجد الأعظم.
واطّلعتُ - بعد ذلك - على صِيْتِهِ الحَسَن المُدَوِّي، خارجَ الإطار الشيعيّ، فتلك دارُ التقريب بين المذاهب الإسلاميّة في القاهرة.
وحتّى خارج الإطار الإسلاميّ، فالمركزُ الإسلاميّ في مدينة هامبورك في ألمانيا، والآخر في واشنطن.
وكلّما توسّعتُ في البحث، وجدتُ أنّ السيّد البُروجِرديّ يملؤ عصره سمعةً حَسَنَةً، وعملاً كريماً خالداً.
وفي داخل الحوزة العلميّة، وأروقة دراساتها، كانَ يتردّدُ صدى شخصيّته العلميّة الخارقة، فلم ينقطع له ذكرٌ بعد وفاته، وكان الحديث شائعاً عن إنجازاته العلمية الرائعة والمبتكرة الماثلة في موسوعة «جامع أحاديث الشيعة» وهو لم يتّسع نشره وتداوله إلاّ بعد وفاته.
وأمّا عمله الرجاليّ الجَبّار فكان صداهُ يتردّد بين الأساتذة، وفي الدروس العُليا.
وكنتُ أنا الذي قلّدتُهُ لمدّة شُهور، أشْوَقَ ما أكونُ إلى معرفة المزيد عنه، وعن سعة علمه، وعُمق اجتهاده، فدارَ بِنا الحديثُ مع شَيْخنا في الرواية، المحقّق الكبير العلاّمة السيّد محمّد صادق بَحر العلوم(1) عن المرجعيّات الشيعيّة وكيفيّة ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السيّدمحمّد صادق بن السيّدحسن بحر العلوم الطباطبائي النجفي (1315 ـ 1399) من علماء النَجَف، البارزين في حقول الأدب والعلم وتحقيق التراث، وهو أقدم المحقّقين عملاً، حيث أخرج طول حياته العديد من ذخائر التراث الشيعيّ، بأجود ما تيسّر في عصره من أدوات وأساليب، مع المقدّمات الضافية عن مؤلّفيها وموضوعاتها، مضافاً إلى مؤلّفاته الكثيرة، وأشهرها «دليل القضاء الشرعي» في 6 مجلّدات، طبع نصفها.
وألّف مجاميع بلغت 14 ضمّنها ما اختاره من شعر ونثر ورسائل وتحف ونوادر، وله شعر كثير رائع في المناسبات والأحداث، يبلغ المئات من الأبيات، أجازني(رحمه الله)إجازة مفصّلة في 1394هـ. وتوفّي سنة 1399هـ. في 21 شهر رجب، ودفن في مقبرة العائلة في النَجَف الأشرف.
بزوغها، وترتيب تحديدها وتعيينها، فذكرَ لي واقعةً تنمُّ عن أهليّة الإمام البُروجِرديّ رحمه الله لما تسنّمهُ من المقام، كما يكشفُ عن مدى دقّة الانتخاب لدى خُبراء الطائفة في تحديد الأهل للمرجعيّة، واختيار المرجع الأعظم في ذلك الأوان.
قالَ السيّد بحرُ العلوم: لمّا تُوفّيَ السيّد الإمام أبو الحسن الأصفهانيّ عام 1365هـ. كانت الأسماءُ المرشّحة للمرجعيّة في النَجَف وخارجها كثيرةً، فبدأَ ثلّةٌ من أهل الخِبرة السعيَ في تحديد «الأعلم» فجمعوا عشرةَ أحاديث، وخلطوا أسانيدها وركّبوا إسناد بعض على متن آخر، ونقصوا من إسناد هذا وزادوا على ذاك، وقدّموا اسم الراوي، وأخّروا اسم آخر، وصحّفوا في الأسماء، وهكذا قلبوا تلك الأحاديث! فقدّموها «مقلوبةً» إلى المرشحّين; لاختبارهم بمعرفتها؟؟
قال السيّد بحر العلوم: فقُدّمَ السؤالُ عن تلك الأحاديث إلى السيّد البُروجِرديّ، الذي كان يسكن مدينة قُم يومَها.
فأجابَ عليه، في فترة وجيزة قياسيّة، رادّاً للأسانيد إلى صوابها، وواضعاً كلّ سند على متنه، وكلّ متن على صحّته، وذاكراً كلّ حديث على صوابه، وضابطاً للأسانيد والمتون على وُجوهها، مشيراً في كلّ موضع إلى وجه الخلط والتصحيف والعلّة، بشكل باهر وعجيب.
فانقطعَ جميع المتصدّين للأمر من أهل الخِبرة إلى القول بأعلميّته المطلقة، من دون تردّد أو توقّف، وأذعنوا لإمامته(1).
وبسماعي هذا النبأ العظيمَ، حملتُ في نفسي هَيْبةً للإمام السيّد البُروجِرديّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد وفّقني الله جلّ جلاله للعثور على تلك الأحاديث، وهي باللغة الفارسية، فترجمتها إلى العربية، وطبعت في قم المقدسة عام 1416هـ.، وسنلحقها بكتابنا هذا.
لا نظيرَ لها، وكنتُ اُحدّثُ نفسي: كيف تَمَكَّنَ هذا السيّد من حلّ تلك المعضلة؟ وبتلك السرعة؟ هلْ كان حافظاً لكلّ الأحاديث، ومستحضراً للأسانيد والمتون؟
ولم أعرف حقيقةَ الحال، حتّى وقفتُ على «الموسوعة الرجاليّة» العظيمة التي ألّفها السيّد البُروجِرديّ، فعلمتُ أنّ تلك القدرةَ التي ملكها السيّد على ردّ الأحاديث المقلوبة إلى وجوهها، إنّما كانت ثمرةً يانعة لهذا الجهد الجَبّار الذي بذله في علم الحديث، وفائدةً واحدة من فوائده الكثيرة الوفيرة.
ولمّا قدّر اللهُ بفضله العميم علينا الهجرةَ إلى قُم (في شهر جمادى الآخرة من عام 1400هـ .) فاتّخذناها موئلاً ومقاماً، لكونها حاضرةَ العلم والجهاد، في ظلّ الجمهورية الإسلاميّة الخالدة، واشتغلنا بالبحث العلميّ، اطّلعنا على عظمة الإمام البُروجِرديّ وجهوده العلميّة، عن كَثَب، فوجدناهُ الرجلَ، متنوّعَ المعارف عاليَ الهمّة، المجدّدَ في الفنون التي اشتغلَ فيها، كالفقه، واُصوله، والحديث، والرجال، هذه العلوم التي هي العمود الفِقْريّ للاجتهاد، وبها يتبوّأ العالمُ دفّةَ المرجعيّة، وأريكة الزعامة الروحيّة عند الشيعة الإماميّة.
مضافاً إلى تقوىً فريدة المثال، وورع مضيئ باهر الأنوار، وإخلاص فائق، وصفات جميلة حسان، مَلَكَ أزمّةَ كلّ ذلك، السيّد الإمامُ البُروجِرديّ، وأبرزها في تصرّفاته الخاصّة والعامّة. كلّ ذلك مقروناً بذكاء خارق، وتوجّه إلى التُراث الإسلاميّ بشكل كبير، حتّى كان له السعيُ الأكيد في جمعه، وضبطه وتحقيقه، وطبعه وتخليده.
وقد وقفتُ ـوأنا في النَجَفـ على مجموعة من الكتب المهمّة التي أمر السيّدُ البُروجِرديّ بطبعها وإخراجها، وكان له عملٌ مباشر في بعضها، وآخر لتلامذته الكبار ومن المقرّبين إليه من العلماء، منها:
كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسيّ، الذي قابله، وعلّق عليه، وقدّم له، وطبع في مجلّد كبير في طهران سنة 1370هـ.
وتتمّة كتاب «مفتاح الكرامة» للسيّد العامليّ.
و«جامع الرواة» للأردبيليّ، بتقديمه.
و«الجعفريات» برواية ابن الأشعث المصريّ.
و«قرب الإسناد» للحِمْيَريّ.
وغير ذلك.
هذه العناية بالتُراث، اختصّ بها السيّد من بين مَنْ وصلَ إلى المرجعيّة العظمى، فإذا عرفنا أنّه لم يُقدمْ على طبع شيء من مؤلّفاته العظيمة، ظهرَ بوضوح المدى الذي بلغهُ هذا الإمامُ العظيم في الإخلاص، وسعة الاُفق، وبُعد النظر.
وسنقف على أنّ السيّد منذ وردَ النَجَف الأشرف للتحصيل، في عام 1320هـ. بُعَيْدَ وفاة خاتمة المحدّثين الشيخ النُوريّ، طلبَ من زميله الشيخ آقا بُزُرْك الطهرانيّ(1) أن يُجيزَه روايةَ الحديث; لكونه أقربَ الناس عَهداً بالشيخ النُوريّ، رغبةً في الاتّصال بالنوريّ الذي يُعتبر الحلقةَ الأخيرة الجامعة لطُرق التحديث والرواية في أوّل القرن الرابع عشر، وآخرَ من خَلّد جامعاً كبيراً في الحديث الشريف، حتّى عُدَّ خاتمةَ المحدّثين على الإطلاق، فاستجازَ الشيخَ الطهرانيّ ليتّصلَ طريقه إليه، وهذا الإقدام من السيّد، ينُمُّ عن اهتمام بليغ بأمر الحديث والعناية الفائقة بتحمّله بطريق «الإجازة» التي أصبحتْ في العصور المتأخّرة مغمورةً، ويكشفُ عن تطّلُع السيّد إلى إحياء الحديث، وتجديد علومه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شَيْخنا العلاّمة الإمام الشيخ محمّد محسن المعروف بآقا بزرك الطهراني (1293ـ 1389هـ.) شَيْخ مشايخ الحديث في القرن الرابع عشر، ولد في طهران وهاجر إلى النَجَف وسامراء، وبعد الانتهاء من مراحل الدراسات العليا، انقطع إلى التأليف، وخلّف موسوعتين عظيمتين «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» في 29 مجلّداً، و«طبقات أعلام الشيعة» من القرن الرابع إلى الرابع عشر في أكثر من عشرين جزءاً، طبع 15 منه، اتّصلت به عام ورودي إلى النَجَف في سنة 1384هـ. فأجازني برواية الحديث بطرقه، وهو أوّل مشايخي العظام ـرحمهم اللهـ توفّي في النجف، ودفن في مكتبته ـ رضوان الله عليه.
وتخليد تُراثه(1)، الذي انعكسَ بوضوح على آثاره الخالدة.
لقد خلّدَ هذا السيّد العظيم في ما خلّد من آثار عمرانيّة من نتاج فكره وقلمه، عملين جبّارين، يُعَدُّ كلُّ واحد منهما فتحاً وتجديداً في عالم العلم والفكر والتراث، وهما:
1 ـ الموسوعة الحديثيّة الكبرى «جامع أحاديث الشيعة» التي هي آخر موسوعة كُبرى اُلّفتْ في علم الحديث الشريف في القرن الرابع عشر، على اُسلوب فنّي ومنهجيّة علميّة دقيقة، وقد تمّ طبعُها في 26 مجلّداً.
2 ـ الموسوعة الرجاليّة: المجموعة الثمينة التي نعرِّفُ بها في هذه الدراسة.
هذان العملان العملاقان، اللّذان نُقِلَ عن الإمام البُروجِرديّ قوله فيهما: «إنّهما لثمرةُ حياتي»(2) لهما أعظمُ وأخلدُ ما قدّمه السيّد إلى الإسلام والعلم والاُمّة، بهما سجّلَ اسمه في قائمة الخالدين، ولا ينتهي شكرُ الاُمّة له عليهما أبد الآبدين، فهما حَسَنَةٌ جارية لا ينقطعُ عمله بهما إلى يوم الدين، تغمّدهُ اللهُ برحمته في الصالحين.
ونحنُ إذ نقدّمُ هذه الدراسةَ عن منهجه الرجاليّ وعمله في الموسوعة، خدمةً للدين والعلم ولأهلهما، نرجو أن نكونَ قد أدّينا بعضَ ما علينا من حقّ سيّدنا الإمام البُروجِرديّ رضوانُ الله عليه.
ومن الله نستمدُّ العونَ والتوفيقَ.
حُرِّرَ في 8 ربيع الآخِر 1416هـ .
وكَتَبَ
السيّد محمّد رضا الحُسيني
الجَلاليّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ نقباء البشر من طبقات أعلام الشيعة للشيخ آقابزرك (ج2، ص607) وترتيب أسانيد الكافي، الموسوعة الرجاليّة (ج1،ص27) وسيأتي حديث عن الإجازة عندالسيّد البُروجِرديّ (ص111-113).
(2) جامع أحاديث الشيعة (1/ن) وترتيب أسانيد الكافي (ص64).
التمهيد
صفحاتٌ من حياة
السيّد الإمام البُروجِرديّ
(1292-1380هـ.)
نَسَبُهُ ونِسْبَتُه:
هو السيّد حُسين (1292 ـ 1380هـ.) بن عليّ (1252 ـ 1329هـ.) بن أحمد (1211 ـ 1280هـ.) بن عليّ النقيّ (1188ـ1249هـ.) بن الجواد (المتوفّى1242هـ. عن عمر ناهز الثمانين) بن المرتضى (المتوفّى1204هـ. في كربلاء، وهو والد السيّد بحرالعلوم) بن السيّد محمّد (حدود1090ـ حدود1160هـ.) بن عبدالكريم بن المراد بن الشاه أسدالله بن جلال الدين الأمير بن الحسن بن مجد الدين بن قوام الدين بن إسماعيل بن عباد بن أبي المكارم بن عباد بن أبي المجد بن عباد بن عليّ بن حمزة بن طاهر بن عليّ بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن إبراهيم طَباطَبا بن إسماعيل الدِيباج حَضَرَوقعة فَخٍّ في حرم الله بمكّة سنة 169هـ.)(1) بن إبراهيم الغَمْر (تُوُفِّيَ سنة 145هـ. في سجن المنصور العبّاسيّ عن عمر ناهز 67 سنة) بن الحسن المُثَنّى (مات مسموماً من عبدالملك الاُمويّ وعمره خمس وثلاثون سنة) بن الإمام أبي محمّد الحسن (السبط المجتبى) بن أميرالمؤمنين وسيّد الوصيّين عليّ بن أبي طالب.
واُمّ إبراهيم الغَمْر هي: فاطمة بنت الإمام أبي عبدالله الحُسين السبط الشهيد(عليه السلام)(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اطلع على هذه الصفحات سماحة الحجة المحقق السيد عبدالرسول شريعت مدار الجهرمي ـ أدام الله ظله الوارف ـ و هو من تلامذة السيد البروجردي،فتفضل بكتابة بعض مشاهداته عن حياة السيّدوكذلك بعض مسموعاته عن الثقات،وفي مجلس الدرس،فآثرناتسجيلهافي هذه الصفحات اعتزازاًبها،شاكرين لسماحته هذاالفضلوسائلين له من اللهـتعالىـجزيل الأجر.
وقد علّق في هذا الموضع: كان فيوقعة فخّ ونجا منها،فهاجرالى أصبهان وتوفّي بها، والمعروف أنّ قبره في محلة «گُلبَهار» ولعلّه في البقعة المعروفة اليوم بإمام زاده إسماعيل،الواقعة قرب المسجد الجامع، أوهو مدفون مع مَنْ فيها من العلويين، والله العالم.(2) جاء هذا النسب في رسالة ألّفها السيّدفي ترجمة جدّه السيّدمحمّد بن عبدالكريم (ص2) وجاء مسجّلاً على ضريح السيّدالبروجرديّ، ونقله السيّدجواد العلوي سبط السيّدفي مقال عن نسبه، نشر في مجلّة حوزة العدد (43 ـ 44) الخاصّ بتكريم السيّد،ص348.
واُمّ السيّد البُروجِرديّ: هي السيّدة آغابيگم بنت السيّد محمّد عليّ بن السيّدعابد بن السيّد عليّ بن السيّد محمّد بن عبدالكريم.
ويُنسب السيّد بما يلي:
الطباطبائيّ: نسبة إلى إبراهيم الشهير بـ «طَباطَبا».
والحَسنيّ: نسبة إلى الإمام الحَسن المجتبى (عليه السلام) من جهة الآباء.
والحُسينيّ: نسبة إلى الإمام الحُسين (عليه السلام) من جهة اُمّ إبراهيم الغَمْر.
والبُروجِرديّ: نسبة إلى مدينة «بُروجِرد» وهي المدينة التي تقع في منطقة لُرِسْتان، في جبال غرب الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.
وقد وُلِدَ فيها ونشأ، ثمّ عادَ إليها بعد الفراغ من الدراسة،وبقي فيها 36 سنة إلى أن غادرها إلى قُم (1364هـ ).
وهاجرإلى مدينة «قُم» الشهيرة، سنة 1364هـ. وأقامَ فيها حتّى وفاته في 1380هـ. وقد دُفِنَ فيها.
ومدينة قُم تقع في المنطقة المركزية من إيران في جنوب العاصمة طهران.
مولِدُهُ ونشأتُهُ الاُولى:
وُلِدَ السيّد في مدينة بُروجِرد في آخر شهر صفر سنة 1292هـ. للهجرة وبقي فيها حيث دخل الكُتّابَ،ثمّ أخذَ من والده بعض المقدّمات ثمّ دخلَ مدرسة «نُوْر بَخْش»(1) المعروفة هناك، حتّى أكملَ المقدّمات والسطوح العالية في بُروجِرد إلى سنة 1310هـ. ويظهر انتهاؤه من السطوح من حضوره بعدَ هذا مباشرةً في أصبهان على كبار علمائها ممّا يدلُّ على إتمامه للمراحل السابقة بطور كامل كَمّاً وكيفاً، وكذلك يدلُّ عليه اشتغالُهُ منذُ حلوله في أصبهان بتدريس كتب السطوح، فلا بد أن يكون قد أكمل دراستها في بُروجِرد.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: مقدّمة ترتيب أسانيد الكافي ص13.
إلى أصبهان:
وفي إبتداء سنة 1310هـ. ترك مسقط رأسه مهاجراً إلى أصبهان مدينة العلم ومركز الحوزة في ذلك الأوان، وبقي فيها مدّة تقربُ من عشر سنوات، حَضَرَفيها على أساتذة أكفّاء.
وقد كان لهجرته إلى أصبهان الأثرُ البارزُ في منهج عمل السيّد وتكوين شخصيّته العلميـّة في الاُصول والفقـه والرجـال، فكانَ جلُّ اهتمـامه بدرس الميرزا أبي المعالي الكلباسيّ (1247 ـ 1315هـ.) في خصوص علوم الحديث والرجال.
وفي الفقه والاُصول أخذ من السيّد محمّد باقر الدُرْچه اي (1264 ـ 1342هـ.).
والسيّدالميرزا محمّد تقي المدرّس (1273 ـ 1337هـ.).
وقد حصّل السيّد من هؤلاء الثلاثة على شهادات الاجتهاد.
وحَضَرَ في أصبهان على الآخوند المُلاّ محمّد الكاشانيّ (المتوفى1333هـ.) والمرحوم جهانگير خان القشقائيّ (1243 ـ 1328هـ.) وهما من أعلام الفلسفة الإسلاميّة والحكمة العقليّة، فاستفادَ منهما في هذا الفنّ.
وكان في أيّام إقامته في أصبهان يقومُ بتدريس السطوح العُليا: شرح اللمعة الدمشقيّة في الفقه، والقوانين المحكمة في الاُصول، والفصول في الاُصول.
قال السيّد الجَهرميّ: قالَ بعضُ مشايخنا: إنّه كان يدرّس القوانين بإتْقان تامّ حتّى كان يُراجع كلمات العضدي والحاجبي، وكان من عادته كثرةُ التكرار في التدريس بحيث يؤدّي إلى ملل بعض الطلاّب، فكان السيّد يعلّل ذلك:بأنّي اُريد أن تقنعَ نفسي بفهم الدرس !
وقال السيّد الجَهرميّ: حكى بعضُ الأعلام: إنّ السيّد كان في أصبهان يعيشُ في ضيق مادّي، لأنّ والده كان قد أجرى له معاشاً محدّداً لايقومُ بمؤونته على الكفاية، وهو مع ذلك يصرفُ بعضه على مَنْ كان في خدمته، وكان يرفضُ عُروضاً
بالمساعدة من الآخَرين، تعزُّزاً واستبعاداً لحياة التَرَف والرفاهية لطالب العلم، قانِعاً بما قرّرَ له والدُه من المعاش.
في النجف:
وبعد أن قضى وطرَه من العلم في أصبهان، اتّجهَ إلى باب مدينة العلم في مدينة النَجَف الأشرف التي كانت تغُصُّ ذلك العصر بفطاحل العلماء، فألقى عصا الترحال هناك من حدود سنة 1320هـ. كما ذكرَ شَيْخنا آقا بُزُرْك الطهرانيّ(1)فالتحقَ بدرس زعيم الحوزة العلميّة، وحامل رايتها الخفّاقة عَلَم التحقيق والتدقيق، الاُصوليّ المجدّد الشيخ المولى محمّد كاظم الآخُوْنْد الخراسانيّ (المتوفى1329هـ.).
وعلى أثر نُبوغ السيّد و بُروز قُدراته العلميّة رغم كونه في عِداد الشباب من طلاّبه قد احتلّ عند الاُستاذ موقعاً رفيعاً، وتوطّدت العلاقةُ بين الاُستاذ والتلميذ،حتّى كان الشيخُ متأسّفاً على مفارقة التلميذ لدرسه عند عزمه على العودة إلى إيران، ولم يلبثْ بعيداً حتّى بعثَ بشهادة الاجتهاد له إلى بُروجِرد.
وقد كان السيّد البُروجِرديّ يُريد العودةَ إلى النَجَف الأشرف إلاّ أنّه بعدما يقرب من ستّة أشهر من وصوله إلى بُروجِرد تُوُفّيَ والده السيّد عليّ في سنة 1329هـ. فاضطرَّ إلى الإقامة شهوراً اُخرى، فلمّا عزمَ على المغادرة إلى النجف، فوجئَ بنبأِ وفاة اُستاذه الآخوند في 21 ذي الحجّة الحرام 1329هـ. فعزم على الإقامة في بُروجِرد مدّةً طالتْ من ذلك الحين إلى أن غادرها في 26 صفر سنة 1364هـ. إلى قم(2).
كما سيأتي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر (ص1320).
(2) من مقال السيّدجواد علوي في مجلّة حوزة (ص311 ـ 312).
وقد تلقّى العلم في النَجَف الأشرف أيضاً من العلاّمة المدرّس الأكمل اُستاذ العلماء الشيخ فَتْح الله الشهير بشيخ الشريعة الأصفهانيّ النمازيّ الشيرازيّ (1266ـ1339) وحَضَر بحثه في الرجال مدّةً طويلة، كمايقول شَيْخنا الطهرانيّ، وأضاف: «حتّى حصلَ له من هذا العلم ما يكفي المجتهدَ لاستخراج الأحكام الشَرعيّة من أدلّتها ويزيدُ عليه. وقد ألّفَ في هذا الفنّ كُتباً لها قيمتها، كما أنّه يُعدُّ من أعلام هذا الفنّ والمتبحّرين فيه، وفي معرفة طبقات المحدّثين والرواة وتراجم أحوالهم»(1).
وقد شهدَ له اُستاذه شَيْخ الشريعة بالاجتهاد قبل مغادرته النجف.
وحَضَرَ فترةً وجيزة على الفقيه الأعظم السيّد محمّد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ(1247 ـ 1337هـ.) صاحب العروة الوثقى، التي علّقَ عليها السيّد البُروجِرديّ وكانت تعليقتُه من أفضل تعاليقها، كما سيأتي في مؤلّفاته.
إلى بُروجِرد:
في سنة 1328هـ. عاد إلى بُروجِرد من النَجَف بِعُدّة كافية من وسائل الاجتهاد وبقي فيها، وهي المدينة الوادعة، بعيداً عن ضوضاء المدن الكبرى، منَهمكاً في التحقيق والبحث العلميّ، فكانتْ تلك السنون التي ناهزت الستّ والثلاثين إلى حين مغادرته المدينة في 1364هـ. فرصةً قيّمةً لتركيز معارفه وتكنيزها، تلك التي ضمّت أسرار نُبوغ السيّد وطلوع شخصيّته المرموقة.
فقد وَجَدَ في البلد العُدّةَ الكافية من المصادر والعددَ الوافيَ من المحصّلين والباحثين لإلقاء الدروس عليهم والتحاور معهم، مع المواظبة والملازمة على الأعمال العلميّة المتواصلة بلا انقطاع طيلة المدّة تلك، في درسين صباحاً ومساءاً، وبطول ساعتين لكلّ درس، كانتْ حصيلتُها التألّقَ في سماء الفقه والاُصول
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر (ج2، ص 606).
والحديث والرجال، العلوم التي هي الملاك الأساسيّ للمرجعيّة الدينيّة.
وقد كان لا يملّ من المطالعة بل تدرّب عليها واستأنسَ بها وبقيَ ذلك دَيْدَنَهُ حتّى أيّام زعامته، وإلى آخر أيّام حياته، كما سيأتي.
قال السيّد الجهرميّ: سمعتُه يوماً يقولُ في درسه، أيّام زعامته العُظمى في قُم ما تعريبه: إنّي- مُذ عرفتُ نفسي - لم أفرّط بلحظة واحدة من حياتي، ولم أزَلْ -حتّى الآنـ على هذه السيرة التي تشاهدونها، فلا يحسبنَّ أحدٌ أنّه سيبلغُ المدى عندما يصرف وقته في سائر المشاغل ويقتصر على ساعة واحدة -فقطْ- في اليوم، للمطالعة.
وقد استفاد السيّد في هذه البلدة من كلّ الإمكانات المتاحة لتركيز مبانيه العلميّة متزوِّداً من الطبيعة الطيّبة التي تمتازُ بها، ومن الهدوء والاحترام الذي يتمتّع به بيته الكريم، ومن قوّة شخصيّته الفذّة التي كانت سبباً لالتفاف أهل الفضل والعلم حوله، والأهمّ من الجميع هو قِلّة الانشغالات غير العلميّة التي تعوق ذوي الفضل عن التفرّغ للبحث والتحقيق والتوفُّر على مسائل العلم.
فتمكّنَ من إلقاء أربع دورات اُصوليّة، وبحثَ في كتب فقهيّة كثيرة ككتاب الطهارة والصلاة والزكاة والنكاح والطلاق والصيد والذبائح والمتاجر والوصيّة واللقطة، بشكل كامل.
واشتغل بتدريس «شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام»للاّهيجيّ.
ومن الجدير بالذكر أنّه في سنة 1363هـ. وقبلَ سنةواحدة من وُروده إلى قُم كان يقومُ بتدريس كتاب «معالم الدين في الاُصول» لولده السيّد محمّد حسن، وكان
- كما يقول الشيخُ المطهّري الذي حَضَرَذلك الدرسَ في بُروجِرد -: «درساً حافلاً معمّقاً».
قال السيّد الجهرميّ: سمعت أن طلاّباً بمستوى كفاية الاُصول كانوا
يحضرون ذلك الدرس أيضاً.
وقد تمكّنَ السيدُ في ذلك البلد من تربية عدّة من التلامذة الفضلاء العظام ذُكرت أسماء أكثر من ستّين شخصّاً منهم في مجلّة حوزة (ص318 ـ 320) وقد كان السيّد يُشير إلى واحد من تلامذته باعتباره أذكى مَنْ تلقّى عنده وأقدرهم على الإحاطة بآرائه ومبانيه العلميّة، وأرجعَ إليه في حلّ مشكلاتها وهو الشيخ بهاء الدين الحجّتيّ، الذي اُجيزَ بالاجتهاد من السيّد، وامتازَ من السيّد بالرعاية الخاصّة الفائقة.
وممّا يجدرُ ذكره أيضاً أنّ بعض مَنْ شارك في دروسه في بُروجِرد من فضلاء الحوزة العلميّة القمّية ذكرَ أنّ السيّد كان في تدريسه في بُروجِرد يقوم بالتدريس على أرقى مستوىً ممكن من حيث العمق والسعة وفي طرح الإشكالات والمعارضات والمحتملات، على طريقة الدروس المطروحة في أوسع حلقات الخارج العلميّة الكبرى، ولم يكن السيّد يتعامل مع حلقة الدروس باعتبارها حلقةً في مدينة صغيرة، أو أنّ الحاضرين من مستوى خاصّ، بل كان يطرحُ المطالب على أنَّ التلامذة كلّهم أساتذة وفي أعلى المستويات العلميّة، ممّا كان يجعلُ درسه غنيّاً غزيراً يصعب على غير الممارس(1).
إنّ بُروجِرد كانت مجمعاً علميّاً نفّذَ فيه السيّد كلّ طموحاته واُطروحاته العلميّة، مستنفذاً كلّ وُسْعه، ومستفيداً من كلّ إمكاناته، ومتمتّعاً من كلّ الفرص المؤاتية.
فهناك طرحَ فكرته عن تكميل الموسوعة الحديثيّة والرجاليّة، التي تبلورتْ عن وجود «جامع أحاديث الشيعة» أحدث موسوعة حديثيّة شيعيّة، وأوسعها وأجمعها وأحسنها، ترتيباً وتنظيماً.
وهناك نظّمَ السيّد فكرة «الموسوعة الرجاليّة» العظيمة بقسميها «ترتيب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقل هذه الملاحظة السيّدجواد علوي في مجلّة حوزة (ص320).
الأسانيد»، و«طبقات الرجال».
وهناك بدأَ مشروع الأضابير الفقهيّة، المُوسّس على فكرة إفراز كلّ فرع فقهيّ في ملف يضبطُ كلّ ما يتعلّقُ بالفروع من أدلّة وأحكام ومناقشات وشؤون.
وهناك أسّسَ ودعمَ وركّزَ مبانيَهُ الاُصوليّة من خلال دورات الدروس التي ألقاها على تلامذته وناقشها معهم.
حقّاً، إنّ السنوات الستّ والثلاثين التي قضاها السيّد في بُروجِرد، تعتبر المنطلقَ الأساسَ لبلورة فكر السيّد و عمله، فما أكرمها من أيّام!
وفي سنة 1345هـ.(1) توجّهَ إلى حجّ بيت الله الحرام، من طريق العراق فأقام في طريق الذهاب مدّة ثلاثة أشهر في النجف، فاستُقبِلَ من قِبَل زملائه بحفاوة وتكريم وأقامَ في طريق العودة كذلك في النَجَف مدّة ثمانية أشهر، وقد أصبح بيته في النَجَف مركزاً لتجمّع العلماء، فكانوا يجتمعون دائماً عنده، وخصوصاً السيّد أبو الحسن الأصفهانيّ، حيث كان ملازماً للمجلس ليليّاً، يتشاورونَ حولَ القضايا التي كانت تحدُثُ على ساحة إيران في عهد طغيان الطاغية رضا خان، وإقداماته غير المسؤولة ضدّ الدين والوطن والشعب، وقد كان السيّد البُروجِرديّ أفضلَ وسيلة لتوحيد صفوف العلماء داخل إيران، وتوجيه التحرّكات اللازمة لصدّ حركة الدولة الفاسدة.
ويحملُ السيّد البُروجِرديّ هذه الرسالةَ الخطيرة، ولصعوبة الظروف، وخطورة المواقف داخل إيران، لم يكنْ من المتوقّع رجوعُ السيّد إلى إيران، فلذا كان في رجوعه نوعٌ من الدلالة الواضحة على كونه إجراءاً سياسيّاً، كما أنّ تلك الاجتماعات لم تَخْفَ على الدولة الإيرانيّة من خلال تسرّب الأخبار أو وجود عيون يترصّدونها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في مقالة السيّدجواد علوي سبط السيّد لكن الشيخ آقا بزرك ذكر أنّ ذلك كان سنة 1344هـ.
فلمّا غادرَ السيّد البُروجِرديّ العراقَ، اعتقلتْهُ أجهزةُ المخابرات عند دخوله الحدود الإيرانيّة في قصر شيرين، ونُقِلَ ليلاً وبكامل السرّية إلى طهران و سُجِنَ في مركز قيادة أركان الجيش. ولم يطّلعْ على اعتقاله أحدٌ، حتّى جاء الطاغية رضا خان نفسه إلى بُروجِرد للاشتراك في مجلس اُقيم بمناسبة قتل أحد قوّاد الجيش الذي اُغتيل في منطقة لُرِستان، وبعد محادثته مع كبير العائلة الطباطبائيّة، صمّمَ الطاغيةُ إطلاق سراح السيّد، بشرط عدم خروجه من العاصمة طهران، فبقيَ فيها مدّة مائة يوم.
وقد التقى به الطاغيةُ عدّة مرّات، نُقِلَ عن السيّد أنّه رفضَ أن يطلب شيئاً منه، مع إصراره على ذلك، وبعدَ التكرار قالَ له السيّدُ:
في الفترة التي بقيتُ في مركز قيادة الجيش، شاهدتُ أنّ الحصّة المحدّدةَ للجنود من الطعام غير كافية، فإذا أردتَ أنْ تعملَ شيئاً، فلتأمُرْ بزيادة الحصّة اليوميّة من الغذاء للجنود.
فنظر الطاغية رضا خان منبهراً، وقال:
«لأوّل مرّة، يطلبُ منّي عالمُ دين أمراً يخصُّ الجيشَ والجنود، وحتّى الآنَ كانت الطلباتُ كلُّها اُموراً خاصّة بأنفسهم.
وقال السيّدُ:
كنتُ قد سمعتُ عن شخصيّة رضا خان، و أنّ عينيه خاصّةً، تُوحيان الرهبةَ والرُعْبَ، ولكنّي لم أحسَّ في نفسي أمامَهُ بأدنى شيئ من الرعب، بالرغم من كثرة زمجرته وتهديداته.
وقال السيّدُ:
كنتُ أحسُّ عند مقابلته، بأنّه منقادٌ لي; فكنتُ أغتنمُ هذه الفرصةَ، فاُكثرُ له النصيحة، والتحذير من الاُمور المحيطة، أو المتوقّعة وقلتُ له: «حاوِلْ أن لا تُبعدَ الشُقّةَ بينك وبينَ رجال الدين، واستمعْ إلى نصائحهم وتحذيراتهم، فإنّما هي من أجل رعاية مصالح الشعب،
وصيانة لاُصول الدين، ليسَ إلاّ(1).
إلى مشهد وقم
وبعد الإفراج عنه، سافرَ السيّد إلى خراسان لزيارة الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) فطلبَ أعلامها منه الإقامةَ هناك، فبدأَ بالتدريس والعمل العلميّ، وطويتْ له صلواتُ الجماعة في البلد، واقتدى به أئمّتها أجمع.
وبعد مضيّ ثمانية أشهر، وقيل: ثلاثة عشر شهراً، عزمَ السيّد على مغادرة مشهد على أثر بعض الحوادث التي كانت السلطة وراءَ إثارتها، حيثُ لم تكن ترغبُ في ازدياد نفوذ السيّد باستمرار بقائه هناك.
وصمّمَ على العودة إلى بُروجِرد لكن في طريق العودة زارَ مدينة قُم التي كانت يومذاك تحتَ زعامة مؤسّس حوزتها وكبير زعمائهاآية الله الشيخ عبدالكريم الحائريّ (المتوفى1355هـ.) الذي قام باستقبال حارٍّ للسيّد، وطلب منه البقاء في قم، حيث أنّ الحائري كان يسعى بقوّة دعمَ الحوزة وملئها بالعناصر النشطة والبارزة لتركيزها وازدهارها.
فأقامَ السيّد هناك، وبدأ بالتدريس والبحث، مدّة خمسة أشهر كان نجمُهُ فيها يتألّقُ، لكنّ الحكومةَ لم يَرُقْ لها ذلك، فكانتْ تُدبِّرُ المؤامراتِ وتحيكها، لانتقال السيّدإلى بُروجِرد، تاركاً قُم أمله ومأمنه التي سيعود إليها بعد سبعة عشر عاماً (1364هـ.).
فاضطرَّ السيّد إلى العودة إلى بُروجِرد بعد فراق طال ما يقارب الثلاث سنوات (1345 ـ 1348هـ.) ليستمرّ في أعماله العلميّة والإرشادية.
وقد اشتهر فضل السيّد وفقاهته على أثر الهجرة الطويلة تلك وذاع اسمه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جاءت هذه التفاصيل عن سفرالحجّ وما بعده في مقالة السيّدجواد علوي في مجلّة حوزة، ص333ـ 337.
وطار صيته بين الأعلام، وفي سنة 1355هـ. حيث توفّي الشيخ الحائري في قُم اتّجهت أنظار الكثيرين إليه وقد أرجع إليه المرجع العامّ للشيعة في ذلك العصر السيّد أبو الحسن الأصفهاني في احتياطاته، فنشرت لأوّل مرّة حاشيته على العروة الوثقى سنة 1355هـ. تلك التي كشفت عن أبعاد علميّة متميّزة، ممّا زاد في سعة شهرة فقاهة السيّد وعظمته العلميّة.
وممّا يجدر ذكره أنّ السيّد بالرغم من اشتهار علميّته، ورجوع كثير من الناس إليه، فقد كان يُحافظ على سمعة الزعامة العليا للشيعة المتمثّلة في مرجعيّة السيّد أبو الحسن الأصفهاني، ويتبلور ذلك في جوابه عن السؤال الذي وُجِّه إليه وهو في بُروجِرد حول تعيين الشخص الذي يتّسم بــ «الأعلميّة» حيث قال:
إنّ راية الإسلام في هذا العصر على عاتق سماحة آية الله الحاجّ السيّد أبوالحسن الأصفهاني، ومع وجود حضرته فلا موضع لمثل هذا السؤال.
هذه السمة التي أبرزها السيّد من تكريم الدين، والحفاظ على سمعة أهله، وصيانة كرامة زعامته، هي التي هيّأت له زعامةً رشيدة محكمة، قلَّ مثيلها في تاريخ المرجعيّات المتأخِّرة.
إلى قُم ثانيةً
في أواخر سنة 1363هـ. اُضطرّ السيّدُ إلى السفر إلى طهران للمعالجة على أثر مرض، فنزل مستشفى «فيروزآبادي» في مدينة الريّ، فبقي شهرين وعشرة أيّام للعمليّة والعلاج.
فتوافدتْ عليه الوفود للزيارة والعيادة، وكان وَفدُ العلماء من قُم يحمل له الدعوةَ بالهجرة إلى قُم لإقامة أوَد الحوزة العلميّة، بعد وفاة زعيمها المطلق سماحة آية الله الشيخ عبدالكريم الحائري، وتشتُّت أمرها وضعف كيانها، لتعدُّد المشرفين
على شُؤونها، واختلاف الأذواق و الاتّجاهات في إدارتها.
فزار السيّدُ مدينة قُم في (26 صفر 1364هـ.(1) حيث مثوى سيّدة من آل محمّد ابنة الإمام الكاظم (عليه السلام) فاطمة الملقّبة بالمعصومة رضوان الله وسلامه عليها.
فاتّخذ السيّدُ تلك المدينة الطيّبة مستقرّاً ومقاماً، وألقى عصا الترحال فيها، ووجدت الحوزةُ العلميّة في شخصه العمادَ الرفيع الذي يقوم عليه كيانها، والأمل الذي ينشر عليها ظلاله.
وبعد استقراره في قُم واشتغاله باُمور الحوزة وتنظيمها، توفّي المرجع الأعلى للشيعة السيّد أبو الحسن الأصفهاني في العاشر من ذي الحجّة 1365هـ. فاتّجهت الأنظار إلى السيّد البُروجِرديّ، ليتسَنَّم المرجعيّة، وقيادة الطائفة، بعد اختبار دقيق واختيار مبتن على الاُسس المتّفق عليها.
فتسنّم السيّدُ أريكتها، وقادها إلى ساحل الأمان في ذلك الأوان العصيب وفي خضمّ الحرب العالميّة الثانية.
وقد كانت المرجعيّة في عصره من أبرز أمثلة المرجعيّات الصالحة الرشيدة المؤدّية لما يُتوقَّع منها على مستويات الاُمّة والوطن، والتقدُّم العلميّ، فكانت مرجعيّةً مليئة بالمفاخر والمآثر في مجالات دين الناس ودنياهم وتراث الاُمّة. وقد مضى وخلّف آثاراً وذكريات عجز المتأخِّرون عن اللحوق بشأوِهِ في مثلها.
رعايته للحوزة العلميّة
صبَّ السيّدُ جُلَّ اهتمامه في بدء وروده إلى قُم على تنظيم الحوزة ولمِّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
شتاتها المتبدِّد على أثر الحملة الشرسة التي شنَّها الطاغيةُ رضا خان عليها وعلى أهلها ومدارسها، فضعضع كيانَ الحركة العلميّة ولاحَقَ العناصرَ النشطة، فأبعدهم
(1) كذا ذكر السيّدإسماعيل العلوي في رسالة ترجمة السيّد(ص13) وذكر شَيْخنا الطهراني في النقباء أنّ الزيارة كانت في 14 محرّم، وذكر غيرهما أنّها كانت في 24 محرّم.
منها، أو شلّ قواهم، بحيث لم تبق العناصر الشابّة فيها إطلاقاً، وبقيتْ العناصر الاُخرى يائسة مشلولة مقضيّاً عليها معنويّاً وماديّاً إلى حدّ الصفر.
فجاء السيّدُ ليُعيد للحوزة العلميّة نشاطها، ودعم كيانها، ولمّ شعث أهلها وترشيدهم علميّاً، لتسترجع قوّتها وحياتها وعظمتها، ولتوسِّع رقعة نفوذها بين الشعب في كافّة أرجاء البلاد.
فقامَ بهذه المهمّة خير قيام بفضل خبرته الواسعة، وتجاربه السابقة في حوزة بُروجِرد، ولشهرته الكبيرة، وموقعيّته النافذة في المجتمع وفكرته الثاقبة وشخصيّته اللاّمعة، ممّا أخضع له كلَّ أدوات هذا العمل الجبّار.
فعلى يده استعادتْ الحوزةُ قواها، ودبَّ النشاط في أرجائها، واستعاد العلماء ثقتهم بأنفسهم، وقاموا بحركة قويّة و سريعة تمكّنوا بسببها من استرجاع كلّ ما أفقدتهم سياسة رضا خان القمعيّة.
وقد سعى السيّدُ لتوسيع نفوذ الحوزة، بتكثير المنتمين إليها وحثّ الطلاّب من مختلف الجهات على التوافُد على المدارس العلميّة والسكن في غرفها، العمل الذي جرّبهُ لأوّل مرّة في بُروجِرد لمّا اتّخذها مقاماً، وبذلك اكتظّتْ قُم بالطلبة و العلماء، وبدأت الروحُ الدراسيّة تنتشر، وتقام حلقات الدروس الكبرى والصغرى بفوّة، وينتشر الطلاّب في طول البلاد وعرضها لتبليغ أحكام الدين ورسالات الله ومعارف الإسلام.
فكان يهتمُّ بالتقدُّم العلمىّ للحوزة بابتكار المناهج والأساليب الأقوى تأثيراً كوضع الامتحانات المركَّزة، وانتخاب الطلاّب المتفوِّقين، ومعرفتهم، والاجتماع بهم، وبالمتميِّزين منهم بالتقوى والصلاح والفهم والذوق، ودعم هؤلاء بتهيئة الإمكانات والأجواء للتقدّم، وتوفير فرص الإبداع و البُروز، بالتشجيع والتعريف بهم، ورفع العقبات عن طريقهم، وحثّهم لمواصلة العمل للوصول إلى الدرجات الرفيعة.
كان كلُّ ذلك من اُمنياته التي حقَّقها، فكان يقول:
إنّ الحوزة العلميّة في قُم، تشبه المدينة التي لا باب لها، فهي مفتوحة أمام كلّ الوافدين إليها، ولا يمكن تمييز الصالح من غير الصالح!
فياليت أمرها (يقوم) على نظام أو برنامج؟!(1).
وكان يدفع أصحابه والمتعاونين معه من أعلام الحوزة، ويقوم هو معهم ، على تشجيع الطلاّب وحثّهم ودفعهم لنيل العُلى في المقامات العلميّة، وفي المقامات العمليّة، كما كان يدعو الحوزة العلميّة إلى التزوُّد من المعرفة الاجتماعيّة، والتعرُّف على المسائل والمشاكل العالميّة، والحضور الفاعل في ميادين الحياة المعاصرة.
قال السيّد الجَهْرُميّ: كان من اهتمامات السيّد البليغة بعثُ الطلاّب على مذاكرة الدرس بعد انتهاء الاُستاذ من إلقائه،بأن يجتمع عدد من الطلاّب فيُعيد أحدهم ما قاله الاُستاذ، كما كان متداولاً في حوزة النَجَف (وتُسمّى هذه العمليّة بـ«تقرير الدرس » ويُسمّى المُلقي للدرس بـ «المُقرِّر» وإذا سُجّلتْ الدروس سمّيت بـ«التقريرات »).
وكذلك سعى السيّد في ترويج ما كان متداولاً في النَجَف من إثارة البحوث العلميّة في المجالس و اللقاءات الإخوانيّة الخاصّة، وعدم الانشغال بما يخرج عن إطار البحث العلميّ.
وبكلّ هذه الخطوات الأساسيّة تمكّن السيّد من استرجاع علماء الدين لنفوذهم القويّ ذلك الأمر الذي مهّدَ للحركة الثوريّة العظيمة التي قادها الإمامُ المجدّدُ السيّدُ الخمينيُّ قدّس اللهُ سرّه، فجنّدتْ الحوزة العلميّة نفسها بكامل عدّتها للوقوف إلى جنبه للدفاع عن الإسلام و حريّة الوطن واستقلاله، وتخليص
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلّة حوزة، ص44.
البلاد والعباد من براثن الاستعمار البغيض و عملائه الحكّام الأذلاّء، ومن تلاعُبهم بمقدّرات الاُمّة والوطن فكانت الحوزةُ العلميّة وقائدها المظفّر الإمام الأعظم الخمينيّ، من وراء إنجاز الجمهورية الإسلاميّة، ونجاحها واستمرارها، اُولئك الذين مَهّدَ لهم البُروجِرديّ في فترة مرجعيّته الرشيدة.
وكان يسهر على هذه المهمّة العظيمة حتّى أنجزها، فكان يقول:
لمّا أستيقظُ في الأسحار، أجولُ بفكري خلال غرف المدارس في قُم والمدن الاُخرى، اُفكّر حولَ طلاّب العلم هُنا وفي سائر المدن، اُفكّر حولَ المتقاعدين من العلماء،كيف تُدار اُمورهم؟
إنّ من الضروريّ رعاية اُمورهم و إدارة شُؤونهم.
إنّ رعايته الأبويّة هذه هي الأساس الأوّل الذي بنى عليه عمله المرجعيّ عند وروده إلى قُم، و نفّذه بجودة أكبر لمّا تقلّد الأمر.
مسعاهُ العلميّ
إنّ من أهمّ مقوّمات الحوزة العلميّة هو العملُ العلميّ الجادّ والمتواصل، ولكلّ عصر اُسلوبٌ خاصّ في متابعة ذلك.
وقد اختصَّ السيّد البُروجِرديّ بمسعىً حميد خاصّ يبتني على ابتكار الأساليب للعمل العلميّ في كلّ مجالات المعرفة الحوزويّة.
فقد ابتدعَ فكرة العمل الجماعيّ في تأليف كتاب «جامع أحاديث الشيعة» الذي يُعدُّ أكبر موسوعة حديثيّة شيعيّة في جمع ما يرتبط بأحكام الشريعة، وقد وضعها على أساس الاستفادة من كلّ الخِبرات المتميّزة والنابهة، من أصحاب المستويات الرفيعة في الحوزة.
فاُنجز على أساس من ملاحظاته على ما سبق من الكتب المعدّة لذلك الهدف و خصوصاً «وسائل الشيعة»الذي هو أكثرالكتب تداولاً في هذا المجال.
وابتكر طرحاً علميّاً بديعاً في الفقه، وذلك بجمع كلّ ما يرتبط بالفرع الفقهيّ
المعيّن، في ملف واحد يحتوي على كلّ ما له دخلٌ في ذلك الفرع من أدلّة، ومناقضات ومناقشات وحلول و بحوث ولوازم ومبادئ ومقدّمات بعيدة أو قريبة، وكلّ ما له دخلٌ في بلورة حكمه وتوضيحه وتحديده، موضوعاً، أو دليلاً، أو معارضة، وحتّى تراثيّاً، أو تاريخيّاً.
وتجاوز العادة الكلاسيكيّة في إلقاء الدروس بمجرّد نقل الأقوال ومناقشتها.
بل كان درسه كما يقول أحد تلامذته المقرَّبين منه: «درساً يبتني على التحقيق، مع عدم الابتعاد عن الموضوع، وعدم الانتقال منه قبل التمحيص الكامل الموصل إلى الحقيقة وفهمها بالكامل وإفهامها كذلك، وكان مقتدراً على كلا الأمرين، ويفوق المتعارَف في الدروس في كلا المجالين، لتفوُّقه في الفقه والاُصول بما يقلُّ نظيره»(1).
وكان على هذه السيرة حتّى أواخر أيّام حياته، فقد كان بصدد تأليف «موسوعة الفقه على المذاهب الخمسة» و عيّن لجنةً للقيام بالعمل الجماعيّ لهذه المهمّة العظيمة، إلاّ أنّ كبر السنّ وحلول الأجل، عاقا عن تحقيقه وتنفيذه(2).
وكان هذا العملُ الأخير يأتي ضمن مُبادرات السيّد بنشر الدين من خلال التعريف بالفقه الشيعيّ، وإبراز جوانب من أسرار قوّته ودعوة المذاهب إلى الوقوف على ما فيه من إيجابيّات في الأدلّة وطرق الاستدلال مقارَناً بين الفقه في سائر المذاهب الإسلاميّة القائمة.
فقد كان يؤكّد على أنّ مثل هذه الطريق هي أسلم الطرق، وأبعدها عن النزاع والجدال، وأقرب إلى الصلح والوفاق، وهي حاجةٌ إسلاميّة عامّة وماسّة يحسُّها كلُّ من يحمل الغيرةَ على الإسلام ويهتمّ لما آلتْ إليه حالةُ المسلمين اليوم.
وكان في هذا الصدد أيضاً يُتابع ما يقومُ به أعداء الإسلام من محاولات
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: نفس المصدر (ص72).
(2) لاحظ: نفس المصدر (ص103).
تبشيرية ويتصدّى لها بحزم وقوّة وصلابة، وبخاصّة ما يُنشرُ في الكتب والجرائد والمجلاّت المعادية للحقّ، والمضرّة بالمجتمع الإسلاميّ، والتي لها مساس بالدين واُصوله وشرائعه ورجاله.
وكان يحثُّ المقتدرين من تلامذته على الردّ عليها والإبانة عن باطلها(1).
وكان السيّد يملأ أوقاته كلّها بالعمل المتواصل، بلا انقطاع، وقيامه بذلك على كبر سنّه كان دافعاً قويّاً ومشجّعاً عمليّاً للشباب من طلاّبه على المثابرة والمواصلة والجدّ. فكان يقول: «إنّي لا أتعبُ من الأعمال العلميّة».
قال السيّدُ الجهرميّ: ولهذا فقد كان يُشاهد في المجالس بكثرة أن تُطرح المسائل العلميّة عليه وهو ينهمك في البحث عنها كأنّه واحد من الطلبة الحاضرين، ومما حضرته: أنّ الشيخ محمّد تقي الإشراقي-الذي كان خطيباً شهيراً ومن الفضلاء البارزين وكان كثيراً ما يعرض على السيّد المسائل- طرح على السيّد عدّة مسائل، والسيّد منهمكٌ في قضاء حوائج الناس والإجابة على استفتاءاتهم، وممّا طزحه: أنّ المحقق الحليّ يقول في الشرائع في كتاب النكاح، باب صيغة العقد، ما نصّه: «تحفُّظاً من الاشتمار المُشبه للإباحة» فما معنى الاشتمار؟
فأمر السيّدُ بإحضار كتاب الشرائع والجواهر، فوجدوا في هامش الجواهر (الطبعة الحجريّة) أنّ الاشتمار يعني الانحراف.
وقد لوحظ التعجُّب على ملامح السيّد من استعمال المحقّق الحلي لهذه الكلمة الغريبة في الشرائع، و كان للسيّد فائق العناية بهذا الكتاب.
وكان يتبرّمُ ممّا تورّط به من أشغال ومراجعات، عاقته عن مواصلة العمل العلميّ، ويقول:
لمّا كنتُ في بُروجِرد كنت أجد الفراغ الكافي للمطالعة والتحقيق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص125).
لكنّي هنا متورّطٌ باُمور تصدّني عن ذلك.
وكان لا يملّ من المطالعة، بل يقول:
إنّي اُميطُ عن نفسي الأحزان والأتعاب بوسيلة المطالعة.
إنّه نفثٌ لروح المثابرة والجدّ ومواصلة العمل في نفوس الطلاّب بشكل رائع.
نشاطه في مجال التأليف
يُعتبرُ التأليفُ من أهمّ إنجازات العلماء، والمؤلّفات من أهمّ عناصر تكوين الحضارة; لأنّها امتدادٌ للأفكار عبرَ الأوراق إلى الأجيال.
وقد كان للسيّد اهتمامٌ عظيم بالتراث طريفه وتالده، وبتأليفه وإنجاز الجديد منه محافظاً على قِيَم التأليف النافع ومزاياه.
فكان يُوصي الطلاّب ويقول لهم:
اكتبوا ما يستفيد منه ذووا المستويات كافّة، ولا يكون لأحد من أهل الخبرة عليه أدنى اعتراض.
ويقول بعد أن أشاع في الحوزة فكرة كتابة الدروس:
إنّي مسرورٌ جدّاً بأنّ فضلاء الحوزة العلميّة يتحمّلون المشاقّ في البحث والتحقيق حول علوم الدين، ويخلّفون شَرَفاً خالداً لأنفسهم(1).
وكان يستحثّ الفضلاء النابهين على التأليف.
وأمّا المؤلّفات التي كانت نتاج قلمه الشريف، فهي بين كتب علميّة مؤلّفة، وبين رسائل عمليّة، وكتب حقّقها، واُخرى قدّمَ لها، وثالثة ما أمر بطبعه باعتباره من تُراث القدماء.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص287).
وأخيراً: تقريرات دروسه التي ألقاها على تلامذته في الفقه والاُصول.
مؤلّفاته
فقد ذكر الشيخ الاُستاديّ في مقاله الضافي الجامع لقائمة مؤلّفات السيّدالبُروجِرديّ (1) نقلاً عن السيّد نفسه قولَه:
قد كتبتُ الكثير، وبعضه قد تمّ واُنجز عمله، ولم يتمّ البعض الآخر، وفُقدَ بعض ثالث من كتاباتي على أثر الهِجرة من بُروجِرد إلى قُم.
وهذه قائمة بمؤلّفاته المتوفِّرة، والمذكورة في ما كتبه مترجموه، واعتمدنا أساساً على القائمة التي أعدّها الشيخ الاُستاديّ، بإضافة ما وقفنا عليه من غيرها:
1 ـ ترتيب أسانيد الكافي:
هو الجزء الأوّل من الموسوعة المطبوعة أخيراً من منشورات «بنياد پژوهشهاي إسلامي» في مشهد المقدّسة، وكان قد طُبع عام 1409هـ . باسم «تجريد أسانيد الكافي» بسعي العالم الفاضل الشيخ مهدي الصادقي التبريزي(المتوفّى 1411هـ.).
2 ـ ترتيب أسانيد التهذيب:
هو الجزء الثاني من الموسوعة الرجاليّة،المطبوعة في مشهد، وقد طبعه المرحوم الصادقي في قُم سنة 1411هـ. باسم «تنقيح أسانيد التهذيب».
ويلاحظ أنّ السيّد أدرج في هذا الكتاب «أسانيد الاستبصار» أيضاً باعتباره مأخوذاً من التهذيب، ومندمجاً فيه.
3 ـ ترتيب أسانيد الخصال.
4 ـ ترتيب أسانيد معاني الأخبار.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نشر المقال في مجلّة حوزة (ص 287) فمابعدها ونشر ثانية في كتاب «چهل مقاله» للشيخ الاستادي (ص275 ـ 298) برقم (16).
5 ـ ترتيب أسانيد علل الشرائع.
6 ـ ترتيب أسانيد ثواب الأعمال.
7 ـ ترتيب أسانيد عقاب الأعمال.
وكلّ هذه الكتب هي للشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابوَيْه القُمّيّ ( المتوفى 381هـ.) رتّب السيّدُ أسانيدها في هذه المؤلّفات.
وقد طبعت في المجلّد الثالث من الموسوعة الرجاليّة.
8 ـ ترتيب أسانيد كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه، للصدوق.
9 ـ ترتيب أسانيد الأمالي، للصدوق.
طبعا مع المجلّد الخامس من الموسوعة الرجاليّة.
10 ـ رجال أسانيد الكافي، أو طبقات رجال الكافي.
هو المجلّد الرابع من الموسوعة الرجاليّة.
11 ـ رجال أسانيد التهذيب،للشيخ الطوسيّ أو طبقات رجاله.
هو المجلّد السابع من الموسوعة الرجاليّة.
12 ـ رجال أسانيد كتاب الكشيّ، أو طبقات رجاله.
13 ـ رجال أسانيد كتاب الفهرست، للشيخ الطوسىّ.
14 ـ رجال أسانيد الفهرست، للشيخ النجاشىّ.
طبعت هذه في المجلّد السادس من الموسوعة.
وقد ذكر الاُستاديّ أنّ الكتابين (12 و13) هما «تجريد أسانيد»(1). وكذا ذكر حفيد السيّد أحدهما باسم طرق فهرست النجاشي(2).
بينما المطبوع في الموسوعة، هو رجال أسانيد أو طبقات رجال، لا تجريد الأسانيد، فلاحظ، ويُحتمل بعيداً أن يكون السيّد قد ألّف لهما أيضاً «تجريداً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: «چهل مقاله» (ص284) من المقالة (16).
(2) مجلّة حوزة (ص306).
للأسانيد» بمثل ما عمله للكتب السابقة.
15 ـ طبقات الرواة.
صرّح السيّد برغبته في تأليف مثل هذا الكتاب، فقال:
فإنْ ساعدنا التوفيق أفردنا لذكر الطبقات كتاباً على حدة إن شاء الله تعالى(1).
و عُدّ في مؤلّفاته كتاب باسم «طبقات الرواة» في ثلاثة مجلّدات(2).
لكنّ الاُستاديّ استظهر من كلام صاحب الذريعة(3) كونَ هذا العنوان لنفس الكتب المدوّنة لتجريد الأسانيد من أجزاء الموسوعة(4).
16 ـ تعليقة على رجال النجاشيّ.
كتبها على نسخة من رجال النجاشيّ مخطوطة، كُتبتْ سنة 977هـ. كما رآها الشيخ الطهراني(5).
17 ـ تعليقة على عُمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، لابن عِنَبة.
18 ـ تعليقة على منهج الرجال، للميرزا محمّد الاستراباديّ.
19 ـ مستدرك فهرست منتجب الدين الرازيّ.
ذكره شَيْخُنا الطهرانيّ في المصفّى(6) وقال المرحوم السيّد مصطفى الخوانساري من تلامذة السيّد وملازميه: كنتُ أحَضَرُ بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، ولمدّة ستّة أشهر، عند السيّد، ليقوم بالتعليق والاستدراك على كتاب «فهرست منتجب الدين في تتميم فهرست الشيخ الطوسيّ»(7).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ترتيب أسانيد الكافي (ص113) و تجريد (ص22).
(2) لاحظ: أعيان الشيعة (ج6، ص92).
(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة للشيخ الطهراني (ج15،ص149).
(4) لاحظ: مجلّة حوزة (ص293).
(5) الذريعة (ج7،ص111).
(6) مصفّى المقال (ص148).
(7) مجلّة حوزة (ص67).
20 ـ الفهرستان.
جمع فيه بين المترجَمين في فهرستي الشيخ الطوسيّ والنجاشيّ، مرتِّباً لهم على حروف المعجم.
21 ـ رسالة حول سند الصحيفة السجّاديّة.
أثبتَ فيها صحّة السند، وردّ على ما أُورد عليه من الشُّبهات السنديّة، وذكر في الرسالة طرق روايته للصحيفة في إجازاته.فهذه الرسالةُ تحتوي على مشيخة للسيّد.
22 ـ تعليقة على رجال الطوسيّ.
استخرج السيّد رجال الطوسيّ من كتاب «منهج المقال في علم الرجال»
للاستراباديّ، ثمّ عثر على نسخة مخطوطة من كتاب«رجال الطوسيّ» في الخزانة الرضويّة فقابل النسخة المستخرجَة بالمخطوطة، وعلّقَ على مواضع منها.
والظاهر أنّ هذا هو الذي ذكره الطهرانيّ في مؤلّفات السيّد باسم «ترتيب رجال الشيخ الطوسيّ»(1).
23 ـ رسالة في ترجمة بعض أعاظم اُسرته وأجداده.
وقد ضمّنها شيئاً من ترجمته هو، بما يُعتبر «ترجمةً ذاتيّة» لنفسه. وقد طبعت هذه الرسالة في قم.
24 ـ بيوتُ الشيعة.
يستعرض فيه الاُسَرَ العلميّة الشيعيّة من المحدّثين والفقهاء.
25 ـ جامع أحاديث الشيعة.
هذه الموسوعة الكبيرة من أعظم إنجازات السيّد البُروجِرديّ، وأعماله الكبرى لأنّه هو المخطِّط الأوّل لها، وهو الباعث عليها، وهو المشرف العلميّ على عملها، والمنجِّز لقسم مهمّ منها، وعلى ضوء ما عمله قام أعضاء اللجنة التي أعدّها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصفّى المقال (ص148).
هو من مجموعة كفوءة من تلامذته بإنجاز باقي العمل، وأخذ كلّ من هؤلاء على عاتقه إنجاز قسم منه، وقد جمعهم السيّد لهذا العمل سنة 1370هـ. وعرضَ عليهم الفكرة، فبدأوا العمل، واستمرّ، وصدرَ في حياته مجلّدان كبيران ضمّا أربعة أجزاء من الطبعة الثانية، وقد تواصل العمل بعد وفاته، حتّى كمل إصداره في 26 جزءاً بعد سنوات على يد بعض أصحابه ـ رحمه الله.
وللحديث عن هذه الموسوعة العظيمة مجال آخر، فلاحظ ماذكره حولها العلاّمة المحقّق الشيخ الاُستاديّ(1).
26 ـ حاشية على وسائل الشيعة، للحرّ العامليّ.
قال السيّد الجَهْرُميّ: كانت هِمة السيّد في هذه الحاشية - على ما سمعتُ منه وهو على منبر التدريس - هو إرجاع الأحاديث الموزّعة في الأبواب، بعضها إلى بعض; مثلاً: إذا كان في مسألة أخبار متعدّدة عن زُرارة متقاربةُ المعنى، فإنّ السيّد يعتقد باتّحادها وأنّ زُرارة لم يسأل الإمامَ عن هذا الحكم مكرَّراً، وأنّ اختلاف النصّ إنّما جاءَ من جهة الرواة، فلابُدَّ أنْ يُؤخذَ في الفقه بالمتيقّن من مجموع تلك الروايات من دون اللجوء إلى قواعد التعارُض بينَها.
وعلى هذا، فربّما يكون في باب من الوسائل سبعةُ أحاديث كان السيّد يقول: إنّها ترجعُ إلى ثلاثة، وكان هذا دأبُ السيّد في منهجه الفقهيّ ويُطبّقه في الدرس.
ومن ذلك ما ذكره في باب حرمة الزوجة من إرث العِقار - غير الدار - عيناً، وإرثها من الأعيان الاُخرى، فقال - بعد الجمع بين الأخبار بمثل ما مرّ -: فهمنا منها عدم الحِرمان، كما اختاره المحقّق الحلّي في آخر كتبه وهو «المختصر النافع».
27 ـ تحقيق كتاب «النهاية» للشيخ الطوسيّ.
اعتماداً على نسخة كانت عند العلاّمة الحلّي، وللسيد عليه تعليقات واسعة.
28 ـ تحقيق كتاب «المبسوط» للشيخ الطوسيّ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلّة حوزة (ص295) و «چهل مقاله» (ص286 ـ 290).
اعتماداً على نسخة خطيّة كاملة، وللسيّد عليه تعليقات كذلك.
29 ـ تحقيق كتاب «الخلاف» للشيخ الطوسيّ.
وقد طبع هذا الكتاب بأمر السيّد، مع تعليقاته، وطبع في مقدّمته ترجمة الشيخ الطوسيّ منقولةً عن مقدّمة «ترتيب أسانيد التهذيب» للسيّد، وبإشراف ثلاثة من تلامذة السيّد،هم: الشيخ مهدي الصادقي التبريزي، وريحان الله النجفي الگلپايگاني، وعبد الحسين الفقيهي، طبع في طهران سنة 1370هـ.
30 ـ الفقه الاستدلاليّ.
كذا عدّ الشيخ الاُستاديّ في مؤلّفاته، وقال: إنّ بعض تلامذته وقف عليه.
31 ـ رسالة في المواسعة والمضايقة.
ذكره السيّد في مجلس درسه بتاريخ 20 جمادى الاُولى سنة1372هـ كما نقله الاُستاديّ.
32 ـ رسالة في منجّزات المريض.
33 ـ الحاشية على العروة الوثقى.
هو الأثرُ الذي أبرز فقاهة السيّد على الملأ، وبه ذاع صيتُه وعُرِف تسلّطه على المباني والأدلّة بشكل تامّ وقويّ، وهو من أمتن الحواشي على العروة، وقيل: إنّه من أوائلها.
قال السيّد الجَهْرُميّ: إنّ المرحوم السيّد كان قد علّق على العروة تعليقةً طُبعت إلى كتاب الخمس، ثُمّ في عصر السيّد أبو الحسن الأصفهاني أوعز صاحبُ المطبعة الإسلامية في طهران إلى السيّد البُروجِرديّ بعزمه على طبع العروة الوثقى مع تعليقات أربع هي للسيّد حُسين الطباطبائيّ القميّ، و المحقق الشيخ آقا ضياء الدين العراقيّ، والسيّد أبو الحسن الأصفهانيّ، وطلب من السيّد البُروجِرديّ أنْ يزوّده بنسخة منقّحة من تعليقته للطبع.
قال السيّد السلطانيّ -وهو من الفضلاء من أولاد أعمام السيّد البُروجِرديّ-:
سافرتُ إلى بُروجِرد، عندما كان السيّد منهمكاً بإعداد الحاشية على العروة وتنظيمها لإرسالها الى المطبعة الإسلامية، فكان السيّد قد شكّلَ لجنةً من الطلاّب يُلقي عليهم عبارات العروة، ويقول: إنّي أستفيدُ منها هكذا، وعندما يصوّب الآخرون ذلك يصمّمُ على كتابة نصّ الحاشية، وإنّما كان يفعل هذا مع سهولة عبارة العروة لِما كان يمتاز به السيّد من الاحتياط الشديد والرغبة فى الإتقان الزائد.
وكان السيّد يكتب ليلاً عدّة نماذج من نصّ التعليقة فيعرضها نهاراً على اللجنة كي تنتخب أسهلها فهماً على المقلّدين، وبعد تصويب اللجنة لأىّ من النماذج كان السيّدُ يقدّمها للطبع.
ووصلتْ تلك الأيّام رسالةٌ من صاحب المطبعة فيها: إنّ اُسلوبكم هذا في التعليق بحاجة إلى عمر النبيّ نوح (عليه السلام) لإتمامه!!
فكتب إلى صاحب المطبعة إنّ عمل التعليقة لايكون إلاّ على هذا الاُسلوب، ولابُدّ من الصبر إلى أنْ ينتهيَ العمل.
وهكذا اُنجزت التعليقة بمنتهى الإتقان والمتانة حقّاً.
ونقل بعضُ الفضلاء عن السيّد نفسه في مسألة قولَه: راجعوا تعليقتي على العروة فإنّ مقدرتي العلميّة متجليّةٌ هناك.
طبع أوّلاً سنة 1357هـ بطهران بخطّ الحاج أحمد خادمي، ثمّ سنة 1365هـ بطهران بخطّ الميرزا حسن الكاتب الهمدانيّ، بالمطبعة الإسلاميّة.
34 ـ تعليقة على منهج الرشاد، للشيخ جعفر التستريّ.
وهي تعليقة على قسم اُصول الدين من الكتاب، وطبعت مع «مجمع الرسائل».
35 ـ التعليقة على مبحث «السهو» من كتاب جواهر الكلام.
ذكره حفيد السيّد في قائمة لبعض مؤلّفاته(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلّة حوزة (ص306).
36 ـ المسائل الفقهيّة.
هي الرسالة العمليّة باللغة العربيّة، طبعت في النَجَف الأشرف كما قال الشيخ الطهرانيّ أكثر من مرّة(1).
قال السيّد الجَهْرُميّ: الظاهر أنّها (توضيح المسائل أو مجمع الرسائل )ترجمتْ إلى العربيّة، وطبعتْ في النَجَف بأمر وكيل السيّد وهو الشيخ نصر الله الخلخاليّ.
37 ـ مجمع الفروع.
رسالة عمليّة ألّفها الشيخ عليّ الآشتيانيّ، باللغة الفارسيّة مرتّبةً على نظام العروة الوثقى، مطابقة لفتاوى السيّد البُروجِرديّ، وهو من أفضل الرسائل العمليّة جمعاً للفروع ووضوحاً في عرضها، طبع في طهران.
38 ـ توضيح المسائل.
رسالة عمليّة باللغة الفارسيّة مطابقة لفتاوى السيّد قام ثلاثة من العلماء وهم: الشيخ علي أصغر كرباسچيان المعروف بـ«العلاّمة» والشيخ جواد خندق آبادي الطهرانيّ، والحاج على أصغر الفقيهيّ، بتأليف هذه الرسالة، وهي أميز الرسائل من حيث المحتوى بجمعها أكثر المسائل ابتلاءً، وبتعبيرها السهل الواضح، طبعت مكرّراً، ثمّ توالى المراجع اللاحقون بتطبيقها على فتاواهم، لرواجها بين الناس.
39 ـ مناسك الحجّ.
بالعربيّة طبعتْ سنة 1370هـ في طهران على الحجر.
40 ـ توضيح المناسك.
مناسك الحجّ بالفارسيّة رتّبها الشيخ كرباسچيان مطابقةً لفتاوى السيّد.
41 ـ التعليقة على مجمع الرسائل.
ومجمع الرسائل رسالة عمليّة جمعها الحاج محمّد حسن جزهي الأصفهانيّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبقات اعلام الشيعه، نقباء البشر (ج2،ص609).
لعمل المقلّدين مطابقة لفتاوى الميرزا محمّد حسن المجدّد المتوفى1312هـ وقد علّق عليهاجمعٌ من العلماء، وهي مطبوعة مكرّراًمعها، فعلّق عليها السيّدقبل هجرته إلى قُم.
42 - التعليقة على منتخب الرسائل.
ومنتخب الرسائل ألّفه السيّد أبو القاسم الأصفهانيّ مجموعاً من فتاوى السيّد محمّد كاظم اليزديّ (المتوفى1338). فعلّق عليه السيّد، وطبعت تعليقتُه سنة1366هـ على الحجر، وبعد ذلك مكرّراً.
43 ـ التعليقة على وسيلة النجاة للسيد أبوالحسن الأصفهاني.
قال الاُستاديّ: إنّ التعليقة هذه طبعتْ في بُروجِرد قبل هجرة السيّد إلى قُم.
44 ـ أنيس المقلّدين.
رسالة عمليّة ألّفها السيّد أبو القاسم الأصفهانيّ مطابقة لفتاوى السيّد أبو الحسن الأصفهانيّ (المتوفى1365هـ) فتمّ توفيقها بفتاوى السيّد البُروجِرديّ.
45 ـ صراط النجاة.
كأنّه رسالة عمليّة.
46 ـ تعليقة على تبصرة المتعلّمين، للعلاّمة الحلّيّ.
طبعتْ بخطّ طاهر خوشنويس التبريزيّ، بقطع الكفّ، في المطبعة العلميّة الإسلاميّة في طهران.
قال السيّد الجَهْرُميّ: سمعتُ أنّها سجّلت وطبعت بغيراطّلاع السيّد، ولذافإنّها اسقطتْ من الطبعة اللاحقة للكتاب.
47 ـ الآثار المنظومة.
كذا ذكره الاُستاديّ.
48 ـ المهديّ (عليه السلام) في كتب أهل السُنّة.
ألّفه حينما كان يرقى المنبر للإرشاد، أيّام شهر رمضان في بُروجِرد، وكان
أتباع الفئة الضالّة البهائيّة الكافرة يُحاولون التشويش على فكرة المهديّ (عليه السلام)ويسخِّفونها، فألّف السيّد هذا الكتاب ردّاً عليهم، هكذا نقله الاُستادي.
49 ـ الحاشية على كفاية الاُصول لاُستاذه الآخوند الخراسانيّ.
قيل: إنّه أوّلُ تأليف للسيّد، ولعلّه انتهى من تأليفه في عهد اُستاذه الخراسانيّ، وواصل العمل فيه بالتعديل والإضافة حتّى أواخر عمره المبارك،وهو عمل كامل(1).
50 ـ الحاشية على فرائد الاُصول، للشيخ الأنصاريّ.
51 ـ رسالة في المنطق.
52 ـ تعليقة على الأسفار، لملاّ صدرا.
كتبها على نسخة من الكتاب.
وأمّا ما طبع من الآثار بعنوان «التقريرات» فهي:
53 ـ تقريرات اُصول الفقه.
كتبها السيّد الإمامُ الخمينيّ قدّس الله سرّه، حينما كانَ يحضر عند السيّد البُروجِرديّ، وكان يقول: «إنّ السيّد قد تعمّقَ في الاُصول، ويحتوي بحثه على نكات أريدُ أن أحفظها من الضياع».
وتسعى مؤسّسةُ إحياء آثار الإمام الخمينيّ قدّس الله سرّه، لتحقيقه وطبعه.
54 ـ شرح كفاية الاُصول.
تقريراً لدرس السيّد، كتبها أقدم تلامذته في بُروجِرد وأكثرهم ملازمةً له، وأوعبهم وأجمعهم لفكر السيّد وآرائه الشيخ بهاء الدين الحجّتيّ البُروجِرديّ، وهو من القلائل الذين أجازهم السيّد بالاجتهاد، وقد طبع الكتاب في قُم سنة1412هـ. باسم الحاشية على كقاية الاُصول، في مجلدين.
55 ـ نهاية الاُصول.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: مجلّة حوزة (ص287 و300 و324).
تقريرات اُصول الفقه، كتبها الشيخ المنتظريّ، لدروس السيّد، وقد طُبع في حياة السيّد إلى نهاية المجمل والمبيَّن، وطُبع أخيراً بإضافة مباحث القطع والظنّ وقسم من مبحث البراءة.
56 ـ نهاية التقرير.
تقرير لمباحث الصلاة سوى الجمعة والمسافر من دروس السيّد بقلم الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني، طُبع في جزئين، في قُم.
57 ـ البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر.
تقرير لهذين القسمين من مباحث الصلاة من درس السيّد، بقلم الشيخ المنتظري، طُبع سنة 1402هـ طبعة ثانية.
58 - زبدة المقال في بحث الخمس والأنفال.
تقرير درس السيّد في هذا البحث، كتبه السيّد عبّاس أبو ترابيّ، طُبع في قُم سنة 1380هـ.
59 - الوصيّة ومنجّزات المريض.
60 - ميراث الأزواج.
61 - الغصب.
تقريرات لدروس السيّد كتبها الشيخ علي پناه الاشتهارديّ، وطبعتها مؤسّسة النشر الإسلامي في قُم سنة 1413هـ.
62 - ولو اعتبرنا كتاب «الأحاديث المقلوبة وجواباتها» من تأليف السيّد وعمله - و لابُدّ أن يكونَ كذلك، فهو ممّا لم يذكره أحدٌ، قبل هذا- في مؤلّفاته ـقدّس الله سرّهُ.
وقد اهتمّ السيّد بطبع مجموعة من كتب التُراث الخالد، ممّا له أهمّية علميّة، وقدّم لبعضها مقدّمات قيّمة، وهي:
1 ـ جامع الرواة، للأردبيليّ. وقد قدّم له مقدّمة مفيدة.
2 ـ قُرْب الإسناد، للحِمْيَريّ.وقد قدّم له مقدّمة نافعة.
3 ـ الجعفريات، المرويّة برواية ابن الأشعث المصريّ.وله مقدّمة قيّمة كتبها السيّد بقلمه.
4 ـ نثر اللألي.
5 رسالة أبي الجعد، وهي نسخة من صحيفة الرضا(عليه السلام) المعروفة بـ«مسند الرضا»(عليه السلام).
6 ـ المواهب السنية شرح الدرّة النجفيّة، للسيّد محمود بن علي النقيّ الطباطبائي، وهو عمّ والد السيّد. طُبع منه جزءان قديماً، فأمر السيّد بطبع الثالث.
7 ـ مُنتقى الجُمان، للشيخ حسن صاحب المعالم، في جزئين.
8 ـ الخلاف، للشيخ الطوسيّ.
قال السيّد الجَهْرُميّ: قدّم له مقدّمة جاء فيها: أنّ السيّد هو الذي اهتمّ بالبحث عن نسخ الكتاب فجمعها ورتّبها وصحّحها، ثمّ عرضها في مدينة مشهد المقدّسة على «مختصر الخلاف» الموجودة نسخته المخطوطة في المكتبة الرضويّة المشرّفة، والمؤلّف في مايقرب من عصر الشيخ الطوسيّ (وقد طُبع أخيراً منسوباً إلى ابن إدريس الحلّيّ صاحب السرائر ).
9 ـ مفتاح الكرامة، للسيّد محمّد جواد العامليّ. كان الإمام السيّد محسن الأمين قد طبع منه 8 أجزاء في مصر، فطبع السيّد البُروجِرديّ جزئين آخرين في إيران.
10 - مهذّب الفقه، لابن البرّاج.
قال السيّد الجَهْرُميّ: عندما كان السيّد مقيماً فى بُروجِرد، وجد نسخةً من كتاب «مهذّب الفقه» لابن البرّاج، فأوعز إلى خطّاط ماهر ليكتب له نسخةً، فكُتبتْ بخطّ جيّد، وقد رأيتُ على مواضع منها عبارة: «استكتبتُه لنفسي».
وأضاف السيد الجهرمي: ثمّ كلّف سماحتُه المرحومَ السيّد مصطفى
الخونساريّ كي يقوم بتصحيحها، وقد قام بهذه المهمّة، وعلّق في هوامشها مطالبَ كثيرةً ممّا يدلّ على وجود نقص فى الأصل المنقول عنه. قال السيّد الخونسارىّ: كان السيّد البُروجِرديّ يرغبُ في جمع مجموعة فقهيّة اُخرى على نسق «الجوامع الفقهيّة » المطبوعة، لتشمل عدّةً من كتب القدماء، منها كتاب «مهذّب الفقه » هذا، والنسخة موجودةٌ في بيت السيّد البُروجِرديّ، وقد صوّر منها بعض السادة نسخةً، استفدتُ منها في تحقيقي للكتاب كثيراً جدّاً، ومن المناسب أن أذكّرَ بأنّ على مواضع من النسخة تعليقات كأنّها من السيّد البُروجِرديّ، لِما بينها وبينَ خطّه من القُرب والشَبَه.
مواقفه وإنجازاته:
كان السيّد يتمتّعُ بوعي نافذ، متنبّهاً لما يجري حواليه من أحداث، مراقباً لما يقوم به أعداءُ الإسلام من تدابير ضدّ الوطن والدين والاُمّة.
فلمّا نفخَ الاستعمار في حناجر عملائه للدعوة إلى استبدال الأبجديّة الإسلاميّة بالحروف الإفرنجيّة في الوطن الإسلامي إيران، هبَّ السيّدُ في وجه الدعوة اللئيمة، فقال بالحرف الواحد:
إنّهم يهدفون من تغيير الخطّ، إبعاد مجتمعنا عن الثقافة الإسلامية، وأنا ما دمتُ حيّاً، لا أسمحُ أنْ تُنفَّذَ هذه الجريمة، مهما بلغَ الأمرُ!(1).
كان رحمه الله يتصدّى، كالليث الحذر، والناقد البصير، لكلّ التحدّيات، فكانت الجهات الحاكمة تهابُهُ غاية المهابة، وتخشى من سطوته، ونقمته عليها، وقد استفاد من هذا الموقع الذي احتلّه للمحافظة على كرامة الدين وأهله ومجابهة التحرُّكات الإلحاديّة والعِلمانيّة، والتحرُّشات الأجنبيّة للقيام بما يُنافي مصالح الوطن والشعب، فظلَّ في هذا الموقع وعلى أعلى مستوىً من القدرة حتّى آخر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر.
أيّام حياته الكريمة.
وقد أنجزَ في مرجعيّته العظيمة مضافاً إلى قيامه باُمور دين الناس،
والتدريس في الحوزة، والتأليف العلميّ المتخصّص، والقيام بالوظائف العامّة اللازمة للمرجعيّة. أنجزَ أعمالاً مهمّة تُصلح دنيا المسلمين، فقد أسّسَ مساجد عديدة على مستويات ضخمة من حيث العمران والهندسة الحديثة، كالمسجد الأعظم في مدينة قُم، وهو من أضخم المساجد في إيران،ومكتبته الكبرى، وجامع أرك في قلب العاصمة طهران، وهو من أضخم المساجد العامرة فيها.وفي خصوص العاصمة طهران، أسّس ما يزيد على 350 مسجداً(1).
ولم يقصر نشاطه على البلاد الإيرانيّة، بل أسّس في النَجَف مدرستين عظيمتين تُعرفان باسمه، و في مدرسته الكبرى أسّس مكتبةً فخمة زاخرة بالمخطوطات.
وأسّسَ في كربلاء المقدّسة مدرسة قرب ساحة الإمام علي(عليه السلام).
وفي سامراء أسّس حُسينيةً فخمة، وحمّاماً واسعاً.
ولم يقتصر كذلك على البلاد الإسلامية، ولا على الحوزات العلميّة، بل بلغ نشاطه العمرانيّ وإنجازاته الإصلاحيّة العالمَ الغربي أيضاً.
فكان أوّل مرجع عامّ في عصرنا بذل همّة عاليةً بأمر تبليغ رسالات الله إلى العالم كلّه، وبكلّ قوّة وصراحة، فقد ا سّسَ المراكز والمساجد في مدن غربيّة،كالمركز الإسلامي في هامبورك في ألمانيا، واختار للتمثيل فيه شخصيّة نافذة، وكذلك في أمريكا والپاكستان والفيلپين وبريطانيا.
كما اهتمّ بأهمّ قضيّة عالقة في العالم الإسلامي، وهو أمر التقريب بين
ــــــــــــــــــــــــــــ
المسلمين، ومذاهبهم المختلفة، الذي تتوقّف عليه نهضةُ المسلمين وعزّتهم وتأمين سبل الحماية والدفاع عن بلادهم، والذي كان الاستعمار يخشاه
(1) كتاب «آية الله البروجردي» للحلفي.
دائماً،فسعى إلى إقامة اتّحادات مزيّفة سياسيّة ودينيّة بديله، تصدّ بوجودها عن القضية الأساسيّة.
وكان السيّد في عصرنا أوّل زعيم إسلاميّ وفقيه مرجع يهتمّ بإقامة أكبر صرح لهذا الأمر بإنشاء «دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة» وفي أكبر عواصم الدول الإسلاميّة، وأعرقها في التاريخ والازدهار «القاهرة» المعزّيّة، حتّى تجتمع جهود أكبر إمام شيعيّ في مقرّ أكبر إمام لأهل السنّة، وهو شَيْخ الأزهر.
وقد تلقّى أعلام المسلمين الفكرةَ بكلّ رحابة، وكان لهذه الدار أعظم الآثار في تقريب القلوب وتأليفها، بعد تقريب وجهات النظر في المسائل الفقهيّة التي هي محور التمَذهُب والاختلاف بين المسلمين اليوم.
وكان في وجود هذا المركز في قلب العالم الإسلاميّ القاهرة، أثرهُ الواضح في حسن النيّة، والإخلاص، وجودة الاختيار ممّا كان له الأثر المحمود في نفوس علماء المسلمين كافّةً، فاجتمعوا حوله، وكوّنوا أعظمَ جبهة علميّة إسلاميّة تدعو إلى التقارُب والاُلْفة والتعقُّل والتفكير السليم، ممّا أطلَّ بأنواره على المسلمين في العالم، وكان له دورٌ واضح في تعزيز المواقف وتوحيد الصفوف، ودَعْم عزّة المسلمين وكرامتهم، في مواجهة الصهاينة والصليبيّين والعلمانيّين الملحدين الذين يكيدون للإسلام ولاُمّته وللبلاد الإسلاميّة المقدّسة.
وللحديث عن إنجازات «دار التقريب» وأعمالها مجال آخر.
ولكن مع الأسف قد عجز المتأخِّرون عن متابعة نشاط السيّد في هذه المجالات التبليغيّة النادرة، فخمدت جذوتُها وانطوت على نفسها، حتّى يُهيّئ الله لها من يقوم بأمرها.
أقواله:
إنّ التجارب التي مرّ بها السيّد خلال دراسته واتصاله بالأعلام الكبار من أساطين الحوزات، والظروف العصيبة التي عاصرها بل عاشها صنعت منه رجلاً بمستوى القيادة، فكانت كلمته تعدّ من نوادر الحكم وجواهر الكلم، وقد آثرنا إيراد المقاطع الهامّة من كلماته سوى ما أدرجناه ضمن ترجمته لتكون عبرةً خالدةً للأجيال.
كان ـرحمه اللهـ يقول:
ما خرجتُ من علم دخلتُ في طلبه حتّى ملكتُ أزمّة أمره، وقد كنتُ منذُ أيّام الطلب اُسجّلُ على الكتب الدراسيّة تعليقات، لا أزال أتمتّع بها(1).
وكان يقول عن علم الرجال:
إنّه ليس علماً يحصل بالدرس، بل هو درس عمليّ، بمعنى: أنّ الإنسان لابدّأن يكون منذ بداية التفقُّه، وعندما يبدأ أوّلَ مسألة فقهية، متتبّعاً حول سند الرواية، ورواتها ورجال السند، ويتعرّف على كلّ فرد فرد منهم(2).
وبُلّغَ السيّد أنّ بعض فصائل الجيش الإيرانيّ في عهد الشاه المُباد عزموا على إنشاء بيت للنار في منطقة آذربايجان، فكتب السيّدُ إلى الشاه رسالةً جاء فيها:
إذا كتبنا لكم: «خلّد الله ملكه» فإنّما نريد تخليد المُلْك للمَلِك المسلم، وللمَلِك الذي يرعى الإسلام، وإذا تبنّى مَلِكُنا المَيْلَ إلى عبادة النار، فإنّ النضال الذي حصل في صدر التاريخ الإسلاميّ ضدّ عُبّاد النار سوفَ يَبْدأ من جديد!(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلة حوزه.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
وكان يدقّق في ما يُسجّله أصحاب مجلس الاستفتاء الذين عيّنهم للإجابة طبقاً لمبانيه، و يُخالفهم أحياناً، فيقول: «أنا في كلّ يوم رَجُلٌ آخر»(1).
وكان يقول:
إنّي لم أقم بخطوة، في طلب هذا المقام(2).لكنّي أحسستُ فجأةً أنّ المرجعيّة تُطاردني، ووجدتُ في نفسي المسؤوليّة في قبولها(3).
وكان يقول:
ولاية الفقيه، أصل من ضروريات الإسلام(4).
وقال في عرض حديثه عمّا جرى على الحركة الدستورية المعروفة بالمشروطة التي قام بها اُستاذه الآخوند الخراساني:
لقد تعلّمتُ من تلك القضايا أنْ لا أتدخّل إطلاقاً في ما لا علم لي بمنشئه أو ماأجهل مصيرهُ (5).
ولقد سمعه بعض أصحابه كان في الأزمات والشدائد سواء الاقتصادية أو السياسية، كلّما تكرّرت يردد هذه العبارات:
كنت دائماً متوكّلاً على الله ربّ العالمين، وما علّقتُ رجائي على مساعدة غيره، ولم أطلب أبداً من غيره شيئاً، فأنا لستُ أبداً أخشى غيره (6).
وكان يُذكِّر الطلبة مكرّراً بقوله:
كلّ مَنْ يطلبُ العلمَ بغرض الوصول إلى المفام الذي أنا فيه،إنّه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص113).
(2) نفس المصدر (ص132).
(3) نفس المصدر (ص140).
(4) نفس المصدر (ص253).
(5) نفس المصدر.
(6) نفس المصدر.
لسفيهٌ سفيهٌ(1).
قالوا فيه:
قال اُستاذه الخراسانيّ في إجازته له:السيّدُ السَنَدُ والعدلُ المعتمد المحقّق المدقّق العارفُ بشرائع الإسلام والخبير بقواعد الأحكام مروّجُ الأحكام ثقةُ الإسلام عمدةُ العلماء العاملين وقُدوة الفقهاء والمجتهدين قُرّة عيني المتحلّي بكلّ زَيْن الآقا حُسين الطباطبائيّ البُروجِرديّ دامت فضائله.
وقد بذلَ مجاهدات بليغةً ومساعيَ جميلة مقروناً بالتوفيقات الخاصّة الإلـهيّة في تحصيل العلوم الشَرعيّة العقليّة والنقليّة، واستفاد في محضري جُلّ المسائل الاُصوليّة وعمد المسائل الفرعيّة غير مكتف بالسماع عن التحقيق، وبالنظر عن التحديق، بل أمعنَ النظر في المباني حقّ الإمعان، وأتقنَ الدلائل غاية الإتقان حتّى فاق الأفاضل العظام والأماجد الأعلام، وصار ذا الملكة القدسيّة وبلغ من حضيض التقليد إلى أوج الاجتهاد المطلق... وله أن يرويَ عنّي كلّ ما تصحُّ لي روايتُه عن مشايخي بالطرق المتّصلة المنتهية إلى المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين(2).
وقال اُستاذه شَيْخ الشريعة في إجازته له:«... العَلَمُ العيلم النحرير والحَبْرُ البحر النزيرُ النظير، نُور حَدَقة السعادة، ونَور حديقة السيادة، الورِعُ الثقة العدلُ المتحلّي بكلّ زَيْن جناب الآقا حُسين البُروجِرديّ الطباطبائيّ دامت فضائلُه... انتهى إلى جوار باب مدينة علم الرسول، واستمدَّ بعد بركات جواره بأنفاس العُلماء الفحول، وكان مع ما فيه من الذهن الوقّاد والفهم النقّاد مكبّاً على التحصيل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفص المصدر.
(2) النصّ بصورته مطبوع في مجلّة حوزة (ص374 ـ 374). وطبع النصّ في ترتيب أسانيد الكافي (ص68 ـ 69).
مجدّاً في التكميل حريصاً على زيادة ما احتواه من العلوم والمعالي واصلاً يقظة الأيّام بإحياء الليالي، لا يكتفي من السماع إلاّ بالتحقيق ومن النظر إلاّ بالتحديق حتّى فازَ بغاية المأمول ونهاية المرام وترقّى من حضيض التقليد إلى أوج الاجتهاد والاستنباط في الأحكام.
ثمّ إنّه لحُسن ظنّه بهذا الضعيف وحُبّه للتأسّي بالسالفين من سَدَنَة الشرع الشريف استجازَ منّي روايةَ ما صحّت لي روايتُه، فأجزتُ له أيّده الله أن يرويَ عنّي كلّ ما صحّت لي روايتُه من الكتب الدينيّة والصحف العلميّة سيّما «نهج البلاغة» و «الصحيفة السجاديّة» والكتب الأربعة...».
وتاريخ هذه الإجازة ليلة غرّة ربيع الثاني من شهور سنة 1328هـ (1).
وقال فيه السيّد جمال الدين الگلپايگانىّ:
كُنّا نتصوّرُ أنّ لا وجودَ للأعلم بعد المرحوم الحاج ميرزا حُسين النائينيّ، ولكنّا لمّا رأينا آية الله الحاج آقا حُسين البُروجِرديّ، نسينا المرحومَ النائينيّ(2).
وقال السيّد محسن الحكيم الذي خَلَفه في المرجعية العامّة ـ:
إنّه كان حِصْناً للإسلام منيعاً، وعَلَماً للدين شامخاً، ومناراً للمهتدين
ساطعاً(3).وقال الإمامُ الخمينيّ:
إنّه مجدّدٌ، وجديرٌ بالاستفادة منه، ولا بدّ أن نُحافظَ على وجوده الشريف(4).
وقال في رسالة إلى بعض المهاجرين إلى النَجَف للدراسة ـ:
لقد استقرّ السيّد البُروجِرديّ في مدينة قُم، وإنّ مجلس درسه قد أحيى مجالس العلماء العظام في القرون الاُولى لتاريخ الإسلام، من أمثال الشيخ المفيد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبع نصّها وصورتها في مقدّمة ترتيب أسانيد الكافي (ص70 ـ 73).
(2) مجلّة حوزة (ص61).
(3) كتاب «آية الله البروجردي»، للحلفي (ص24).
(4) مجلّة حوزة (ص278).
والشيخ الطوسيّ، فهلمُّوا إلى قُم في أقرب فُرصة(1).
وكان السيّد الإمام الخمينيّ يقول:
إنَّ درس السيّد البُروجِرديّ يخرّجُ العلماء، فالطلاّب في درسه يرتقونَ بأنفسهم إلى مستوى الأساتذة(2).
وكان يقول:
«إنّ الطالبَ الذي قد أتقنَ مقدّمات العلوم ومتونها والذي يملك الذكاء والاستعداد، إذا حَضَرَ دروس السيّد البُروجِرديّ، مدّة شهرين أو ثلاثة، فإنّه سيصل إلى مرتبة الاجتهاد، ويتمكّن من تطبيق نفس المَنْهَج في أبواب سائر المسائل».
وقال الطبيب الفرنسيّ الپرفسور «موريس» الأخصّائيّ في أمراض القلب، الذي دُعِيَ لمعالجة السيد، لمّا جذبته روحانيّة السيّد: «لم تستولِ عليَّ شخصيّة رجل دين حتّى الآن إلى هذه الدرجة»(3).
وأخيراً قال السيّد القائد الخامنئيّ العظيم حفظه الله ورعاه مخاطباً اللجنة التي قامت بتكريم الذكرى الثلاثين لوفاة السيّد في سنة 1410هـ:
«إنّ من منتهى السعادة أنْ تتّجه الهمّةُ والعزم إلى تجديد ذكرى الفقيه العظيم، والنادر المثيل، الذي لم تنحصر بركاتُ وجوده وآثار حياته المثمرة بعصره فقط، ولا تحدّدت جهوده بمجال الفقاهة فحسب، بل هو كالشمس الساطعة يشعّ على مجموعة من العلوم الإسلاميّة، بل على المناهج وأساليب التحقيق فيها، وكذلك على الأجواء العامّة لحياة المسلمين في عصره، وفي العصور المتتالية.
ولا يزال علماء الإسلام في العالم الإسلاميّ يتمتّعون بثمار جهوده المباركة، ومن مرجعيّته العظمى التي طالت خمسة عشر عاماً.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص161 ـ 162).
(2)نفس المصدر (ص254).
(3) نفس المصدر (ص268).
إنّ صفات من قبيل العلم، والتقوى، والإخلاص، والنظر الثاقب، وكرم النفس، والكياسة، والتدبير، والتجديد، وسعة الاُفق، والصمود، وخصالاً نفيسة ونادرة اُخرى، صنعتْ من هذا الرجل العظيم والذخيرة الإلـهيّة، شخصيّةً ذات أبعاد، وعظيمة، قلَّ نظيرُها بين المشهورين من الفقهاء، بل لا توجد بين أصحاب الزعامة من المراجع إلاّ نادراً.
كان في الفقه: مبتكراً لاُسلوب جديد، وفي الرجال والحديث: صاحب منهج مبدع، وفي التدريس وتربية الطلاّب وتدريبهم على العمل الجماعيّ: سابقاً على أوانه.
كانت نظراته الواسعة تتجاوزُ حدود الحوزة العلميّة في قُم، وفي سائر المدن داخل حدود الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، والعالم الشيعيّ، بل كانت تنيرُ العالم الإسلاميّ، وجميع المذاهب الإسلاميّة، ولم يقصر زعامته بإدارة الاُمور العلميّة والمعيشيّة للحوزات، بل تعدّت إلى المسائل السياسيّة والأخلاقيّة فيها، بل لم تنحصر بالحوزة، وإنّما شملت القضايا الدينيّة، والشعائر الإسلاميّة على مستوى الوطن والعالم كلّه(1).
مع الشعراء:
ولقد تدفّقت قرائحُ الشعراء في مدح السيّد والإشادة بجهوده وأعماله، لا مجال لإيراد جميع شعرهم، ونكتفي بهذه المقطوعات التي تؤرّخ لبعض ما شاده السيّد من مبان دينيّة وعلميّة:
قال العلاّمة الجليل، الشاعر المفلَّق السيّد محمّد جمال الدين الهاشميّ الگلپايگانيّ، مؤرّخاً بناء المسجد الأعظم الذي أسّسهُ الإمامُ البُروجِرديّ:
قُدّسْتَ أعمــالاً وطِبْتَ مقــاصدا فاسلمْ فمجدُك سوف يبقى خالــدا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقس المصدر (ص3 4).
شيّدتَ بيتــاً للعبــادة شامخــاً ونشرتَ فجراً للحقيقة صاعــدا
هو كعبــةُ الأرواح لا تلقى بــهِ مُذْ عشتَ إلاّ راكعاً أو ساجــدا
وإذا المســاجدُ باهلتْ بمقامهــا لرأيتَ مسجدَكَ الأجلَّ الماجــدا
وجَّهتَ فيه العصــَر وهو بسيــره متعثِّرٌ لم يَلْقَ غيرَك عاضــدا
عاثتْ بــه الآراءُ ينشرُ ظلَّهــا جهلٌ رأيتَ به العدوَّ الكائــدا
الغربُ يُرسلهــا ليكبو الشــرق في تاريخه ويعيش نضواً جامــدا
فوقفتَ تكبحـه بِهِمّـةِ قــائد يزنُ الظروفَ مجاهداً ومحايــدا
جهّزتَ دنيــا الدين حتّى أصبحتْ حِصناً عن الشرع المقدّس ذائــدا
فهنــاك في النَجَف المشـرَّف حوزةٌ علميّةٌ لم ترضَ غيرَك قائــدا
وهُنـا بِقُــمّـ قد وضعتَ منـاهجـاً للدين فيه كما رفعتَ معاهــدا
وبكـلّ ناحيـة أرى لــك قِمّــةً شمّاء تخترقُ الخلودَ مصاعــدا
لله عزمُــك لــم يقـفْ في وجهـِـه سَدّ ولم يرع الزمانَ الحاقــدا
في كـلّ يــوم منــك تظهـرُ آيةٌ تاهَ النهى فيها كما باهى الهــدى
يا آيــةَ الله الــذي آثــارُهُ تبقى على صدر الزمان قلائــدا
قد هزّ مسجــدُكَ العظيــمُ مشــاعري فتناثرتْ لك في النشيد فرائــدا
وعرجتُ فيه إلى سمــاكَ مُسبّحــاً بثناكَ يُرسلهُ وِلاك نشائــدا
وعلــى المنــارةِ أذَّنَ التــاريخُ «أنْ في البيتِ قد رَفَعَ الحُسينُ قواعداً»(1)
وقال العلاّمة الشاعر المفلّق السيّد موسى بحر العلوم مؤرّخاً تأسيس المدرسة العلميّة الكبرى في النَجَف الأشرف:
هذه مدرسـةٌ شِيـدتْ لمــنْ طلبَ العلــمَ ومنْ أدّى فُروضَــهْ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «خاطرات زندگانى حضرت آية الله بُروجِرديّ» تأليف السيّدمحمّد حسين العلوي صهر السيّد (ص104).
أسّستْــهُ يـدُ أعلـى مرجـع زادهُ اللهُ من الجــاهِ عريضَــهْ
للحُسيــنِ بـن علـيٍّ أجرُهــا جَبَـرَ اللهُ بـهِ الحــقّ مهيضَــهْ
وعن الصــادقِ قد أرّختُهــا ـ «طلبُ العلمِ كما جاءَ فريضَهْ»(1)
وقال العلاّمة الخطيب السيّد علي بن الحسين الهاشميّ مؤرّخاً بناء المدرسة الصُغرى في النجف:
معهدُ علــم بالغَــريّ شادَهُ الهــاشميّ هــاشمُ بنُ أحمــدِ
باســم فقيـه العصرِ موئـلِ الــورى سيّدنـا الحسيــنِ فخرِ المقتــدِي
نادى به رائـدُ أربـاب الهُــدى أرّخْ «لقدْ شُيِّدَ خيرُ مَعهَدِ»(2)
وفاته ومدفنه:
في صباح الخميس الثالث عشر من شهر شوّال سنة ثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة اُعلنَ عن وفاة السيّد البُروجِرديّ، بعد مرض قصير طال سبعة أيام.
وقيل في تاريخ وفاته:
قد ثُلِــمَ الإســلامُ والديــنُ في مَنْ كانَ للشِـرْعةِ إنْســانَ عَيْــنْ
مُـذْ فَقَـدَتْ «مفــردَ» أعلامِهـــا أرّختُ «قد غابَ الإمامُ الحُسينْ»(3) ودفن عند المدخل الشرقيّ للمسجد الأعظم الذي أسّسه في جوار الروضة المقدّسة الفاطميّة في مدينة قُم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص105).
(2) موسوعة العتبات المقدّسة (ج7، القسم الثاني،ص160).
(3) كتاب «آية الله البروجردي»، للحلفي (ص32).
ذريّتُه وخَلَفه:
خلّف السيّد ولدين وبنتين، وهم:
1 ـ ولده الأكبر السيّد محمّد حَسن، وُلِد سنة 1345هـ وتُوفّي أوّل ذي القعدة الحرام سنة 1397هـ وكان من الفضلاء، درس عند والده بعض المقدّمات، ثمّ حَضَرَ عنده دروس الخارج وتحمّل أعباء بعض المسؤوليات في مرجعيّة والده، وكان وصيَّوالده، وتولّى بعده مشاريعه الخيريّة، وأهتمَّ بنشر تُراث والده، خلّف أولاداً منهم السيّد محمّد صادق، والسيّد محمّد باقر، والسيّد محمّد رضا، حفظهم الله تعالى.
2 ـ السيّد مرتضى المعروف بالسيّد أحمد، وُلِدَ سنة 1355هـ، ودرس في بُروجِرد والنَجَف ورجع إلى قُم، وبعد وفاة والده انتقل إلى طهران إماماً في بعض مساجدها، وتُوفّي في 22 رجب 1394هـ وخلّف أولاداً هم السيّد محمد رضا والسيّد مهدي والسيّد حُسين حفظهم الله تعالى.
3 ـ بنته السيّدة فاطمة زوجة السيّد محمّد جعفر الأحمديّ الطباطبائيّ ابن اُخت السيّد، من الفضلاء والمدرّسين في قُم، تُوفّي في شعبان سنة 1415هـ وأنجب ولدين هما السيّد محمّد باقر والسيّد محمّد جواد.
4 ـ بنته السيّدة سكينة زوجة السيّد محمّد حُسين العلويّ من العلماء الكرام، وقد انتقل إلى طهران إماماً في بعض مساجدها، وأنجب أولاداً هم السيّد محمد جواد والسيّد محمد رضا والسيّد محمد تقي حفظهم الله تعالى.
قدّس الله نفس السيّد الإمام البُروجِرديّ، ورفع درجته وألحقه بالأنبياء والأئمّة المعصومين، والشهداء والصالحين.
والسلام عليه يوم وُلِدَ ويوم ماتَ ويوم يُبعث حيّاً.
«وآخر دعواهم أنّ الحمد لله ربّ العالمين»
المقدّمة
أهمّية علم الرجال في الثقافة الإسلاميّة
وتنوّع أساليب التأليف فيه
أهميّة علم الرجال في الثقافة الإسلاميّة:
إنّ الشريعة الإسلاميّة تعتمد في طرف كبير من أحكامها على التعبُّد والبلوغ، في الاُمور المفروضة من قِبل الله تعالى على العباد، على أساس المصالح والمفاسد التي علم بها وحدّدَها، توصّلاً إلى ما يُصلحهم وإبعاداً لهم عن الوقوع في ما يضرّهم، دنيوياً واُخرويّاً.
ومساحة هذا الطرفُ التعبّديّ من الشريعة تسعُ جميع ما يسمّى بالعبادات، كمَّاً وكيفاً، وتسع أجزءاً من اُصول المعاملات والتصرُّفات البشريّة.
وكذلك اُمور الغيب وأخباره وآثاره من الوعد والوعيد وشؤون الآخرة، جزئيّاتها وتفاصيلها.
وترك الإسلام مساحةً واسعة تشمل العقائد تعتمدُ على فكر الإنسان وقناعته، وذوقه وجُهْده، بعد أنْ بيّنَ له الحقَّ من الباطل، والخيرَ من الشرّ، والرشدَ من الغيّ، وحدّدَ له النجدَيْن، وتركه حُرّاً في كثير من التصرُّفات التي لا أثر لها مباشرة على المصالح المحدّدة، يعملُ فيها حسب رغبته ومشتهاهُ، وهي منطقة المباحات، مع وضع اُسس أخلاقيّة واقية من الإفراط والتفريط، البعيدين عن المستوى المطلوب وفقاً للطبيعة العادلة.
وفي خصوص التعبّديّات، يعتمدُ البُلوغُ على الطرق المقرّرة شرعاً والتي أهمّها «القرآنُ الكريم» وأوسعها مساحةً هو «الحديث الشريف» المأخوذ بنقل الرواة عن مصادر التشريع وينابيعه وهي أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) وما قاله خلفاؤه الأئمّة المعصومون(عليهم السلام).
فالرواة إذن هم الوسائط البشريّة، التي تبلّغ التشريعات الإلـهيّة إلينا، فمنهم نأخذها، ونتعبّد بها، فلا بُدَّ إذن من إحراز أمانتهم في إبلاغها، حتّى نكونَ على ثقة بكون ما أوصلوه إلينا حقّاً، ويحصل لنا الاطمئنان بأنّ ما أبلغوه هو حكم الله.
وقد تأسّسَ «علم الرجال» على هذا الأساس المهمّ، والضروريّ وهو منشأ اهتمام علماء الشريعة بهذا العلم، لأهميّة ما يترتّب عليه من الهدف، وخطورة ما يُبنى عليه من النتيجة.
ولقد تكاثفت الجهود المضنية لتحديد هذا العلم بحدود الدقّة والضبط والقوّة، وبُذلت حوله جهود كثيرة، منذ عصور الأئمّة، وحتّى عصرنا الحاضر، فكانت هناك مؤلّفات عظيمة في أسماء الرجال والرواة، تُعَدُّ بالعشرات، إلاّ أنّها لم تبق بصورتها المنفردة بل جُمعت وكوّنت منها مؤلّفات لاحقة حتّى تمثّلت أكثر الجهود القديمة في الاُصول الرجاليّة المتداولة، وهي: «رجال البَرْقيّ»، و«اختيار الكشيّ»، و «رسالة الزُراريّ»، و«رجال ابن الغَضائريّ»، و«رجال النجاشيّ»، و«فهرست الطوسيّ و رجاله».
وقد أصبحتْ هذه الكتبُ محوراً لعمل المتأخِّرين، بين اختصار وتفصيل، وشرح، وتعليق، وتقديم، وتأخير، كما وضعها الفقهاء نصب أعينهم، منها يمتارون ما يغنيهم، ومن نميرها ينهلون ما يرويهم.
ومع أنّ الأعمال المتأخّرة عن الاُصول الرجاليّة تلك كلّها ذات قيمة تراثية، إذ يحتوي كلّ منها على فوائد خاصّة، ولا يخلو واحد منها من عوائد ماسّة، أقلّها توسيع نطاق هذا العلم، والدلالة على أهمّيته في عصر كلّ مؤلّف.
إلاّ أنّ ما اُلّفَ من كتب الرجال في عصرنا الحاضر، يكاد المتميّز منه
يكون منحصراً في عدد قليل، والسببُ في ذلك أنّ المتصدّين للتأليف لم يلتزموا بما يلزم لكلّ مؤلّف في أيّ فنٍّ من نصب الغرض المحدّد والمؤثِّر فيه أمامَ عينه، إمّا بتجديد، أو تسهيل، أو تصحيح، أو زيادة، أو رفع نقصان، بل لا يُشاهَد في أكثر
المؤلّفات المتأخّرة غيرُ التكرار المُمِلّ لما سبق، والإعادة من غير جديد إفادة، مع تكثير التصحيفات المشينة، أو ذكر الاحتمالات البعيدة، ممّا يزيد الطالب مشقّةً وعناءً، ويورّطه في التزام الفرضيّات العقليّة المتناهية البُعد عن الواقع، فيعرقل مسيرة عمله ودراسته، وبحثه، ويكدّر صفاء ذهنه.
ولا أقولُ هذا إلاّ رغبةً في أن يكون العمل المتأخِّر محتوياً على مزيّة فائقة تستدعي التصدّي للتأليف، وأقلّ ذلك الجمع والتنظيم، كي يستغنيَ الطالبُ عن تداول المؤلّفات العديدة، وقد أدّت موسوعات متأخّرة هذا العمل المفيد. ومع هذا كلّه، فإنّ الأعمال بالنيّات ولكلّ امرئ ما نوى، ولكلّ كبد حرّاءَ أجر.
لكنّ من الأعمال النادرة التي برزتْ في عصرنا، والتي بُنيتْ على منهج متين، وانطوتْ على هدف سام، وهو تقريب المسافة على طالب هذا العلم، وتسريع إيصاله إلى الهدف المنشود، مع الفوائد الجديدة العديدة التي لم يسبق التنبيه عليها أحد من السابقين، والتصويبات والتصحيحات الكثيرة لما وقع في التُراث الرجاليّ المتناقَل عن الأقدمين، سواءً في كتب الرجال، أو أسانيد الروايات المثبتة في كتب الحديث، كلّ ذلك مدعوماً بالأدلّة المتينة المحكمة:
هو ما قام به الإمامُ السيّد البُروجِرديّ من أعمال في «الموسوعة الرجاليّة». ولإبراز ميّزات عمل السيّد في كتابه، يلزم أن نعرض الكتب الرجاليّة الاُصول تلك، ونذكر بإيجاز ما ابتنت عليه من المنهج، فنقول:
رجال البَرْقيّ:
بُني على جمع أسماء أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمّة(عليهم السلام) الذين رووا عنهم الحديث، مركِّزاً على كونهم إماميّةً، دون غيرهم إلاّ مع التصريح، ويبتني كذلك على ذكرهم على الطبقات، وهو يحتوي على 1760 عنواناً حسب ترقيم نسختنا المحقّقة بما في ذلك الأسماء المكرّرة في الطبقات المتعددّة.
وقد فصّلنا الحديث عنه في المقدّمة التي وضعناها أمام نسختنا المحقّقة، والمقابلة بالنسخ المتوفّرة منه.
ورجال الكشيّ:
مبتن على جمع ما ورد في حقّ الرواة من الرجال، في الأحاديث سواء المادحة أم القادحة، بهدف وضعها بكلّ حياد أمام الناظرين كي يتمكّنوا من المقارنة والاستنتاج، واختيار ما توصلهم إليه الطرق الصحيحة للانتخاب.
وهذا العمل يعتبر مهمّاً وعظيماً في حدّ ذاته، ويدلّ على وَرَع تامّ وشجاعة فائقة، ونُشدان للحقيقة بكلّ حياد، إذ الغرضُ هو التوصُّل إلى الحقّ في شأن الراوي دون التعتيم على حسناته أو سيّئاته، بإظهار القدح فقط في الأعداء والمرغوب عنهم، وإظهار المدح فقط في الأولياء والمرغوب فيهم، بل المؤلّف إنّما ينقل بكلّ أمانة ما وصل إليه من مدح أو قدح، في الراوي مهما كان انتماؤه المذهبيّ، على حدٍّ سواء، من دون اتّباع الهوى في الحكم لأحد أو عليه، حسب رغبات النفس.
ولذلك فإنّ مؤلّف هذا الكتاب، وكذلك الذي اختار منه هذا الموجود، عمدا إلى إثبات ما وصل إليهم من نقول وحكايات حول الراوي.
وليس معنى نقل القدح هو إثبات القدح وتحقّقه فعلاً، أو قبوله واختياره أصلاً، وإنّما الهدف الخروج من عهدة روايته، وحفاظاً عليه، إذ لولا جمعه ونقله لضاع الكثير من الأخبار التي تُوهم القدح وليست قادحةً، أو هي قادحة فعلاً ولكن في نقلها وروايتها دفعٌ لظنّ غفلة المؤلّف عنها، أو اتّهامه بالغفلة أو تعمّد الإخفاء لها، فتستدرك عليه.
هذا مع الالتفات إلى ما في بعض المنقولات من المناقشة والبحث، ولو بحسب نظر المؤلّف أو الذي اختار هذه النسخة.
ومع أنّ مثل هذا العمل يُعَدُّ في مثل ذلك العصر السحيق من علامات التحرُّر
من العصبيّة الطائفيّة، والبعد عن الانحياز إلى أهل المذهب المعيّن، فإنّ بعض المهوسين من أبناء الأهواء في عصرنا الحاضر، حاولَ جهلاً منه بالمناهج الرجاليّة عند علماء الرجال الغضَّ من هذا الكتاب العظيم، بأنّ فيه تدافُعاً بيّناً بين المنقولات!!
كما أنّ بعض المغرضين من أعداء المذهب حاول استغلال ماجاء في الكتاب من الروايات التي ظاهرها القدح في الرواة، فجمعها، واعتبرها حقائق تدلّ بانفرادها على اعتراف المؤلّف بأنّ الرواة اُولئك مجروحون، لورود القدح فيهم!!
ولم ينتبه ذلك الجاهل إلى اقتران هذه الروايات بما إلى جنبها ممّا يدلّ دلالةً واضحةً على المدح في اُولئك الرواة أنفسهم، فتعارض تلك القوادح وتضادّها.
مع جهل هذا وذاك، بأنّ هناك طرقاً معروفةً للترجيح بين الروايات المتعارضة.
وقد أضاف الثاني إلى جهله، أنّه جَبُنَ عن الإعلان عن وجود الروايات المادحة لاُولئك الرواة الذين نقل فيهم الروايات القادحة، بينما المؤلّف قد أثبتهما معاً، جنباً إلى جنب في كتابه.
فليس في مثل عمل هذا الجاهل الذي ألّف كتاباً باسم «رجال الشيعة في الميزان» إلاّ الدلالة على اللؤم والحقد على العلم والحقّ.
ورجال أبي غالِب الزُراريّ:
فهو يعتمد على جمع أسماء مَن ينتمي إلى «آل زُرارة بن أعين» من رجال وأعلام بما فيهم الرواة للحديث، وهم ألأكثر، وشرح أحوالهم، وبما أنّه احتوى على معلومات هامّة عن رجال هذا البيت، الذي يُعَدُّ من بيوت العلم في الشيعة، فإنّ هذا الكتاب يدخل في التصنيف العلميّ في كتب الرجال.
وقد خصّصَ المؤلّف القسم الأخيرَ من كتابه لذكر «فهرست الكتب التي
رواها بطرقه إلى مؤلّفيها» وبهذا الاعتبار أيضاً يكون الكتاب من مهمّات كتب علم الرجال.
وقد حقّقتُ هذا الكتاب، وفصّلتُ الحديث عنه، وعنْ مؤلّفه، وطبع سنة «1411هـ في قُم(1).
ورجال ابن الغضائريّ:
المبنيّ أساساً على ذكر أسماء الضعفاء من الرواة، ومن غُمِزَ به، أو بكتابه، أو روايته، من الرواة الشيعة، متبنّياً منهجاً علميّاً رصيناً، وهادفاً إلى تحديد الضعفاء وأحاديثهم وتمييز مداخلاتهم في التُراث الحديثيّ.
وقد وقع العلماء في ارتباك غريب حول هذا الكتاب، وتعيين مؤلّفه، وصحّة نسبته، وتحديد غرضه، ونقل نسخته.
ووفّقني الله جلّتْ آلاؤه لجمع نسخه المتوفّرة وتحقيق نصّه وجمع ما نقل عن مؤلّفه من نقول وحكايات حول الرواة، ممّا خرج عن إطار النسخ الموجودة، وممّا تبعثر في المؤلّفات الرجاليّة القديمة، فجعلتُها كمستدرك له.
وقدّمتُ له بدراسة ضافية عمّا يدور حوله، بما يقطع شأفةَ النزاع ويرفع الارتباك المذكور، بعون الله، والعمل لا يزال مخطوطاً.
ورجال النجاشيّ:
فاسمه «فهرست مصنّفي الشيعة» وقد رتّبهُ مؤلّفه على حروف المعجم، يجمع أسماء مَنْ له تأليف من رواة الحديث الشيعيّ أو من صنّفَ لهم من غير الشيعة ودخل كتابه في التُراث الشيعيّ.
وهذا الهدف واضح في اسم الكتاب الذي أثبته المؤلّف في بداية الجزء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انتخب هذا العمل باعتباره أفضل عمل في علم الرجال في مشروع «الكتاب السنويّ» في الجمهورية الإسلامية في إيران سنة 1411هـ.
الثاني من كتابه.
ويمتازٌ كتاب النجاشيّ، بإثباته كثيراً من الشؤون المرتبطة بالرواة كالأنْسَاب وتصحيحها، والتوسُّع في ذكر المؤلّفات، ممّا لم يوجد حتّى في فهرست الطوسيّ الذي يشبهه إلى حدٍّ بعيد.
والفهرست للطوسيّ:
وهو مثل كتاب النجاشيّ منهجاً واُسلوباً، إلاّ أنّه اعتمد ذكر ما يفيد النواحي الرجاليّة والحديثيّة بالنسبة إلى الرواة الذين أوردهم في كتاب رجاله، والطرق إليهم، وحتّى الكتب التي ذكرها لهم، فكتابه أجمع لهذه النواحي من كتاب النجاشيّ، وإن كان النجاشيّ يبدو أكثر موسوعيّةً في الجوانب العامّة للرجال.
ويبدو أنّ الشيخ الطوسيّ راعى مبانيه الرجاليّة وملتزماته الحديثيّة في تأليف هذا الكتاب، للتبادل الواضح بين علم الرجال وبين أسانيد الحديث، فهذه أهمُّ من سائر المعلومات حول الراوي التي قد تكون إضافيّةً وغير مؤثّرة في المهمّة العلميّة.
وقد انعكس هذا التبادلُ على أعمال الشيخ الحديثيّة والفقهيّة في تُراثه بشكل واضح(1).
ومهما تكن الفوارقُ بين الفهرستين للنجاشيّ والطوسيّ فإنّهما متقاربان، ويبدوانِ كأنّهما مأخوذان من مصدر علميٍّ واحد، أو من إملاء شَيْخ واحد، لمزيد القرب بينهما في المنحى والمَنْهَج والغاية والهدف، ولذا تكثر مشتركاتهما إلى حدٍّ بعيد، بل يتّفقان في أكثر المعلومات الأساسيّة، والطرق الموصلة إلى الكتب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: ما كتبناه عن «باب من لم يرو عن الأئمّة:» في كتاب رجال الطوسيّ، حيث أثبتنا بناءه على ما في أسانيد كتاب الفهرست، وقد نشر في مجلّة تراثنا الفصلية، العددان (7و8) ـ قم، 1407هـ.
المفهرسة.
ورجال الطوسيّ:
هو الكتاب المبنيّ على ذكر الرواة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمّة: حسب طبقاتهم وعصورهم، مثل رجال البرقيّ، إلاّ أنّ الطوسيّ لم يلتزم بإماميّة المذكورين فيه، فلذلك أورد أسماء المخالفين الرواة عن المعصومين: من دون إشارة إلى عاميّتهم، كما لم يَلتزم فيه بالجرح والتعديل، بل اهتمّ بمجرّد ذكر أسماء الرواة بهدف تحديد طبقتهم، ولذا يذكر مع أسماء بعضهم ما يدلّ على هذا التحديد بشكل أدقّ، وهذا ظاهر من اسمه الموضوع له وهو «تسمية الرجال الذين رووا الحديث عن النبيّوعن أهل البيت: وهم الأئمّة الاثنا عشر».
وهو أوسعُ كتب الرجال من حيثُ عدد أسماء المذكورين فيه فقد بلغوا6398هـ راوياً، مع التكرار.
فهذه هي الكتب الرجاليّة الاُصول، الموروثة عن القدماء، وما اُلّف بعدها، فإنّما اعتمد عليها، وهي تعتمد أساساً على ذكر اسم الراوي وما يميّزه ويخصّه من شؤون تعرّف بعينه وشخصه، أو ثقافته ومذهبه، أو كتبه ورواياته، أو حاله قدحاً ومدحاً، وما إلى ذلك ممّا له أثر في قيمته الرجاليّة، ويوصل إلى الغرض من العلم، وهو معرفة الرجل، وموقعه من الإسناد الذي توصّل به لإبلاغ النصّ الشرعيّ، ليُتأكّد من قبوله أو ردّه، خصوصاً في حالات التعارُض بين الأحاديث.
وقد حاول المؤلّفون لهذه الاُصول استقاءَ المعلومات التي أودعوها فيها من المؤلّفين السابقين عليهم، وممّا ذكروه في مؤلّفاتهم الرجاليّة السابقة، والتي هي كثيرة في التُراث الشيعيّ، وما تلقّتهُ الطائفةُ بالقبول، وأجمعتْ عليه من الاُصول، ولا ريبَ في تلقّي الخَلَف هذه المعلوماتِ الواردة في هذه الاُصول بالقبول والتسليم، وتداولها من دون مناقشة في نقلهم اطمئناناً بمؤلّفيها وأمانتهم في نقل
المعلومات عن السابقين اُولئك الخُبراء الموثوقين; لأنّ هذه الاُمور تعتمد على العلم، ولا مجال فيها للرأي والاجتهاد ولا للقياس والظنّ وإن كان باب المقارنة والموازنة واسعاً كما هو ديدن المحقّقين والمدقّقين.
لكنّ السيّد البُروجِرديّ اتّخذ منهجاً آخر في استقاء المعلومات الرجاليّة، لم يُسبَق إليه في ما عهدناه، ووضع لذلك اُسلوباً مبتكراً غير معروف لدى أحد من علماء الرجال، سواء من الخاصّة أم من العامّة، وهو ما أودعه في «الموسوعة الرجاليّة».
وقد بنى عمله هذا على ما اتّخذه لنفسه من المَنْهَج الرجاليّ في المعالجات الحديثيّة، وطبّقه في الفقه.
فلا بدّ قبل التعرّض لبيان اُسلوب عمله في الموسوعة، من بيان منهجه الرجاليّ الذي اعتمده.
فهذه الدراسة تتكوّن من بابين:
الأوّل: في بيان المنهج الرجاليّ عند السيّد وتطبيقاته.
الثاني: في اُسلوب تأليف الموسوعة الرجاليّة.
الباب الأوّل
المنهج الرجاليّ
عند السيّد البُروجِرديّ
1 ـ المناهجُ الرجاليّة. 67
2 ـ مناهل المعرفة الرجاليّة. 70
3 ـ حجّية الخبر الواحد وشرائطها. 75
4 ـ تطبيق المنهج الرجالىّ المختار. 77
أوّلاً: الترجيح الدلاليّ اعتماداً على الشهرة الفتوائية. 79
ثانياً: الترجيح الصدورىّ من غير جهة السند. 83
ثالثاً: المعالجة السندية. 88
5 ـ خاتمة الباب الأوّل. 124
أوّلاً: المناهج الرجاليّة
إنّ تحديد المناهج المتبنّاة لأصحاب العلوم لهُوَ من أهم المبادئ التي يجب
أن يتوفّر عليها طالب العلم، فيعرفها ليكون على بصيرة من أمر صاحب العلم ووجهة نظره، فيتمكّن من وضع رأيه في موضعه المناسب، ويوجّه إليه البحث على مبناه ورأيه.ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى علم الرجال، فمن الضروري في أي كتاب رجالي أن يُعرف منهجُ مؤلّفه ومبناه في المعالجة الرجاليّة حتّى يتمكّن من التعامل مع أعماله العلميّة في مجال الفقه والحديث والرجال.
وليس بالإمكان فعلاً التفصيل عن المناهج الرجاليّة المختلفة التي اعتمدها الرجاليّون، فقد أفردنا لذلك بحثاً مفصّلاً نرجو أن نقدّمه بعد إكماله، والذي يهمّناـالآنـ معرفةُ المَنْهَج الذي تبنّاه السيّد البُروجِرديّ في المعالجة الرجاليّة، سعياً في الإحاطة بالفكر الرجاليّ عند السيّد، حتّى ندخل غمار موسوعته عن بصيرة، فنقول:
يمتاز السيّد - بين أكثر الرجاليّين المتأخّرينـ بتوفّر كلّ الإمكانات اللازمة لديه، للتوغّل في علوم الشريعة من: «الفقه، والحديث، والاُصول، والرجال» كما أشرنا سابقاً إلى توقّف الإحاطة بعلوم الشريعة على هذه العلوم، وقلنا أيضاً: إنّ علم الرجال إنّما يحتاج إليه أساساً للتوصّل إلى إحراز الحديث الشريف الذي هو أوسع أداة لإبلاغ الشريعة، التي تدور حولها علوم الفقه واُصوله، فالحديث يعتبر المجال الأساسي لتطبيق الرجاليّ نظرياته الرجاليّة، والفقه يعتبر المجال الذي يستفيد فيه من نتائج ذلك التطبيق الرجاليّ باستخدام الأحاديث الصالحة رجاليّاً،
وبعبارة اُخرى، الحديث هو: المادّة الخام، التي يجول فيها الرجاليّ بنظرياته ليستخرج الصالح للاستخدام الفقهيّ، والأدلّة على الأحكام الشَرعيّة.
وأمّا الاُصول فهو الذي يحدّد الشروط اللازمة في تكوين الصلاحية المذكورة، فيقرّر أصل حاجته إلى الحديث ومدى حجّيته، والمقدار المحتاج إليه منه، فهو يحدّد للرجالي النظرية الرجاليّة التي بها يختار من الحديث، الصالح للاستخدام في الفقه كي يستنبط منه الحكم الشرعي.
وبهذا عرف مدى تداخل هذه العلوم، وارتباطها، وضرورتها لتكوين المجتهد الكامل الاُهْبة والاستعداد، لخوض العمل العلمي الجادّ.
وقليل اولئك الذين تتوفّر لهم هذه الإمكانيّة من العاملين في علوم الشريعة:
فمن القدماء: نجد الشيخ الطوسي الذي:
ألّف في الاُصول كتاب «العدّة» و حدّد نظريته الرجاليّة من خلالها.
وألّف في الفقه كتباً عديدة متنوّعة الأغراض.
وألّف في الحديث كتابي «تهذيب الأحكام» و«الاستبصار» وهما اثنان من الاُصول الأربعة الحديثيّة.
وألّف في الرجال اثنين من الاُصول الأربعة الرجاليّة(الرجال)و(الفهرست ) فكان الرجاليّ الأقدر على إعمال نظريته، وتطبيقها في الفقه. والحديث.
ومن المتأخّرين، حظي العلاّمةُ الحلّي بتوفّر مثل ذلك له.
وبين المعاصرين يبرز الإمام السيّد البُروجِرديّ بمثل ذلك:
إذ كان له جُهْد اُصولي متميّز بالإبداع والدقّة والاعتماد على أحدث النظريات، بشهادة كبار أساتذته، وعلماء الاُصول في عصره، مثل الآخوند الخراساني صاحب الكفاية، الذي اعترف له بذلك، في إجازته بالاجتهاد المطلق سنة1328هـ(1).
وفي علم الحديث، ألّف السيّد أكبر موسوعة حديثيّة في القرن الرابع عشر،
ــــــــــــــــــــــــــــ
1)طبع نصّهافي مقدّمة ترتيب أسانيد الكافي (ص 68ـ 69) وطبعت صورتها في مجلة حوزة(ص373).
وهي «جامع أحاديث الشيعة» على ما فيها من روعة النظم والتبويب، والدقّة في المنهج.
وفي علم الفقه، قد ثُنّيت له الوسادة، فارتقى منبر التدريس في حوزة قُم العلميّة الزاخرة يومها بالفطاحل من العلماء والفضلاء، وقد جدّد أساليب الاستدلال الفقهيّ، بما لا مجال للتفصيل فيه.
وقد تمكّن السيّد من تطبيق نظريّته الرجاليّة، واستخدم نتائجها في علم الفقه، وانعكس في ما كتبه تلامذته من تقريرات دروسه القيّمة التي كانت مصدراً أساسيّاً لنا في استخراج منهجه الرجالي واعداد هذا الكتاب.
ثانياً: مناهل المعرفة الرجاليّة
أوّلاً: كتب الرجال
يعتمد السيّد على المؤلّفات الرجاليّة الاُولى بشكل أساسيّ، ويستقي منها دائماً ما يراه موافقاً لدعم آرائه وتكميلها.
ولم نقفْ على تفصيل رأيه حولها، إلاّ أنّه ذكرها بشكل خاطف يمكنُ أن يوضّحَ موقفه منها باختصار:
فقال في مقدّمته على ترتيب أسانيد التهذيب:
إنّ الشيخ الطوسيّ ألّفَ «الرجال» و«الفهرست» وبذلك يُعتبر كأنّه المؤسّس فينا لهذين الفَنَّيْن.
وصرّح هنا: بأنّ النجاشيّ صنّف فهرسته بعدهما، وإنْ كان النجاشيُّ أكبرَ من الشيخ عُمُراً(1).
وله حديث أكثر تفصيلاً عن الاُصول الرجاليّة، قال فيه:
إنّ الكتب الموضوعة في هذا الباب، لا تتجاوزُ عدّةً: «كتاب رجال الشيخ، وفهرسته، ورجال الكشيّ، وفهرست النجاشيّ» وعدم التعرُّض فيها لراو لا يوجب عدمَ الاعتناء بروايته:
لأنّ كتاب رجال الشيخ لا يكون مشتملاً على جميع الرواة، لأنّ الظاهر أنّه كان بصورة المسودة، وكان غرضُ الشيخ الرجوعَ إليه ثانياً لتنظيمه وترتيبه وتوضيح حال المذكورين فيه، كما يشهدُ لذلك الاقتصارفي بعض الرواة على ذكر مجرّد اسمه واسم أبيه، من دون تعرُّض لبيان حاله من حيث الوثاقة وغيرها، وكذا ذكر بعض
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ترتيب أسانيد التهذيب (ص4) ولاحظ: الخلاف للشيخ الطوسي، طبعة السيّدالبُروجِرديّ، سنة 1370هـ، المقدّمة (ص2).
الرواة مكرّراً كما يتّفق فيه كثيراً على ما تتبّعنا.
هذا وأمثاله ممّا يوجب الظنَّ الغالب بكون الكتاب لم يبلغ إلى حدّ النظم والترتيب والخروج بصورة نهائيّة.
وذلك يستندُ إلى كثرة اشتغال الشيخ بالتأليف والتصنيف في الفنون المختلفة الإسلاميّة من الفقه والاُصول وجمع الأحاديث والتفسير والكلام وغير ذلك من العلوم، بحيثُ لو قُسّمتْ مدّة حياته على تأليفاته، لما اتّسع لكتابه هذا إلاّ ساعات معيّنة محدودة.
فعدمُ الذكر (للراوي) في رجال الشيخ لايدلُّ على عدم الوثاقة.
وأمّا رجال الكشيّ: فالظاهر كما يظهر لمن راجعه أنّ غرضه جمع أسماء الذين وردتْ في حقّهم رواية أو روايات، مدحاً أو قدحاً أو غيرهما.
وأمّا كتاب النجاشي: فغرضه فيه إيراد المصنّفين، ومَنْ برزَ منه تأليف أو تصنيف، وهكذا فهرست الشيخ قدّس سرّه. فعدمُ تعرُّضه لبعض الرواة - باعتبار عدم كونه مصنّفاً - لا يدلُّ على عدم كونه ثقةً عنده، كما يظهر من بعض المتأخِّرين في «مشتركاته» حيث حكم بعدم وثاقة الراوي، لمجرّد عدم كونه مذكوراً في تلك الكتب(1).
ومع متانة ما ذكره في آخر هذا الكلام، فإنّ ما ذكره عن «رجال الشيخ الطوسيّ» ممّا لا يمكنُ المساعدة عليه، فإنّه من أجلّ كتب الفنّ، وهو ـكما ذكرنا سابقاًـ مبنيّ على جمع أسماء الرواة مع تحديد طبقاتهم، معتمداً حفظَ عناوينهم التي وردتْ في الأسانيد بعينها، ولو تعدّدتْ وتغيّرتْ، وكانت لشخص واحد، وليس هدفُهُ الجرحُ والتعديل إلاّ بمقدار ما يُؤدّي هدفَه من تحديد الشخص طبقةً، ويُميّزهُ شخصاً.وقد شرحنا طرفاً من رأينا هذا في بحث «باب من لم يرو»(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج2،ص270 ـ 271) بتصرّف.
(2) المنشور في مجلة تراثنا، السنة الثانية،العدد المزدوج (8-7).
و تعرّضنا هناك لأمر نسبة الاستعجال إلى الشيخ، ونقولُ هنا: إنّ هذه المقولةَ غيرُ صحيحة; لأنّ الاستعجالَ ليس عُذراً في عدم ضبط التأليف، وكثرة الاشتغال العلميّ ليس سبباً لعدم الإتْقان، كيفَ؟ والإتْقان هو أحدُ أهداف العلمأ، وأركان التأليف العلميّ. وهذا واضح لمن يتصدّى للتأليف، فكيفَ بالشيخ في مقامه العلميّ الشامخ؟
هذا، مع أنّ الرُواةَ قد تناقلوا تُراث الشيخ ومؤلّفاته بطرق السماع من الشيخ، والقرائة عليه، والإجازة منه لهم، فكيفَ لم ينتبهوا أثناء ذلك إلى هذه المقولة التي تُدّعى!
وأمّا رجال ابن الغضائريّ:
فقد صرّح السيّد بعدم عُثوره عليه، فقال:
إنّ ما حُكي عن ابن الغضائريّ لا يُفيد بالنسبة إلينا، حيثُ لم يحضرنا كتاباهُ(1)
وحكم على المؤلّف بأنّه كانَ مُسارعاً في التضعيف.
وقد عرفتَ أنّ الأصحاب قد ارتبكوا في الحكم على هذا الكتاب ومؤلّفه وقد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج1،ص207).
وأخبرني السيّد ضياء الدين الإشكوري أنه حَضَرَ لدى السيّد، وسمعه يُبدي اهتماماً بليغاً بكتاب «مجمع الرجال» للقهبائي لاحتوائه على منقولات قيّمة عن «حلّ الإشكال» للسيّد ابن طاوُس. أقول: وأعتقدُ أنّ اهتمام السيّد إنّما كانَ لأحد أمرين على وجه منع الخلوّ: الأوّل: التعليقات القيّمة التي احتواها الكتاب وهي لاستاذ المؤلّف المولى عبد الله بن الحسين التُستري، الذي كان قد اطّلع على كتاب «حلّ الإشكال» للسيد ابن طاوُس، ونقل القهبائي فوائده برمز (ع ) في هوامش المجمع. الثاني: لاحتوائه على كتاب ابن الغضائري الذي نقله التُستري من متن «حلّ الإشكال» وأثبته القهبائي في مجمع الرجال كاملاً موزّعاً على الحروف. ومهما يكن; فإنّ كتاب مجمع الرجال لم يطبع إلاّ بعد وفاة السيّد البُروجِرديّ بفترة.
فصّلنا الحديثَ عنه في مقدّمتنا الضافية للنسخة المحقّقة منه، وفّقنا اللهُ لإصدارها.
وأمّا رجال الزُراريّ:
فقد نقل عنه السيّد بعض مطالبه بالواسطة، كما يظهر من تعبيره عند ذلك «بالمحكيّ عنه»(1).
وكذلك رجال البَرقيّ:
لم نجد له ذكراً عند السيّد، لا في الفقه ولا في الموسوعة، ممّا يدلُّ على عدم وجوده عنده.
وسنقف على مراجعات السيّد إلى الكتب الرجاليّة في غُضون دراستنا هذه.
ثانياً: أسانيد الروايات
والذي حصلَ لنا من كلماته هذه، ومراجعاته التالية، هو أنّه يعتقدُ بعدم كفاية هذه الكتب لتكونَ منهلاً وافياً جامعاً لأسماء كلّ الرواة، ولا لشرح أحوالهم ومعرفة شؤونهم.
ولذلك لجأ السيّد إلى «مَنْهل» آخرَ، أوسعَ مساحةً، وأغزرَ مادّةً، وأكثرَ عمليّةً، وأقوى دلالة وحجيّة، وهي «الأسانيدُ» الحاضرةُ في كتب الحديث المعتمدة، حيث تحتوي على أسماء الرواة كلّهم، وتؤدّي دوراً عظيماً في التعرُّف عليهم.
ويظهر من السيّد أنّه يعتبر ما يُستفاد من المراجعات السنديّة، والمقارنات والتتبّعات الرجاليّة بينها، أمراً مؤدّياً إلى الوُثوق والاطمئنان، والعلم العادي، فإنّه قال ـ وهو يتحدّثُ عن الأسانيد ـ:
وتتكفّلُ تمييزَ المشتركات، وبيانَ عللها، والإرشادَ إلى ما هو
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: ترتيب أسانيد الكافي (ص).
الصوابُ فيها بوجه علميّ واضح المأخذ(1).
بل ذكر أنّ الاستفادات منها:
تكون حينئذ كالقضايا التي قياساتُها معها(2).
فيظهر أنّه لا يعتمدُ على الأسانيد وترتيبها، كاُمور تفيدُ الظنَّ حتّى يكون بحاجة إلى القول بحجيّة الظنّ الرجاليّ، بل هو يقولُ بإفادتها العلمَ بمعناه العرفيّ، بل بمعناه المصطلح، إذْ جعلها من «الأوّليّات» التي هي من المعلومات البديهيّة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص109).
(2) نفس المصدر.
ثالثاً: حجيّة الخبر الواحد وشرائطها
التزم السيّد في اُصول الفقه، بحجيّة الخبر الواحد، على أساس استقرار بناء العقلاء طُرّاً على ذلك، فإنّهم يبنون على العمل بخبر مطلق الثقة، ويعتبرون من الشرائط والقيود في الخبر المحتجّ به ما يلي:
1 ـ كون ناقله على ظاهر الصلاح، وكون الصدق هو الظاهر من حاله، وعدم ثبوت تعمُّده للكذب.
2 ـ عدم كونه سريعَ التصديق للأخبار، ولا كثيرَ السهو والنسيان.
3 ـ أنْ لا يكون مفادُ خبره مُعْرَضاً عنه عند الخاصّة المُنتمين إلى صاحب الخبر، والمطّلعين على آرائه(1).
فالسيّد يلتزم بحجيّة الخبر الواحد بشروط ثلاثة:
أوّلاً: الثقة في الراوي
ويكتفي لإثباتها بظهور الصلاح من حال الراوي، ولا يشترط العلمَ بالتوثيق الخاصّ، ولاالنصّ عليه به.
نعم، يقدحُ في هذا الظاهر ورودُ الجرح من أحد بالنصّ عليه، فهو - بالتالي - يشترطُ عدم العلم بالقدح فيه.
وهذا هو منهجُ القدماء من علماء الرجال، الذين يجعلون عدمَ ظُهور فسق الرجل، وعدمَ ورود قدح فيه من أحد، كافياً للحكم بوثاقته إذا كان مسلماً مؤمناً، بناءً على أصالة «الوثاقة» في كلّ مؤمن.
وتفصيل الاستدلال على هذا المَنْهَج موكول إلى محلّه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: نهاية الاُصول، الطبعة الحديثة (ص517 و526).
ثانياً: السدادُ والضبطُ
وهو أن يكون الراوي سديداً في نقله، متثبِّتاً ممّا يتحمّلُه من الخبر ضابطاً له، غير مبتلىً بالسهو والنسيان زائداً على المتعارف.
وهذا الشرطُ التزمَ به القدماءُ وأكّدوا عليه، وقد ذكره منهم الشيخُ المفيدُ(1)والشيخُ الطوسيّ(2) كما سيأتي.
ولكنّ عامّةَ المتأخِّرين قد أغفلوا ذكره، سوى بعض الاُصوليّين، إلاّأنْ يكونَ مندرجاً في مُطلق الوثاقة التي اشترطوها، كماشرحنا ذلك في بعض بحوثنا الرجاليّة.!
ثالثاً: عدم شذوذ الرواية، وعدم الإعراض عنها
وهذا يعني أن يكون مضمونُ الخبر غيرَ مُعْرَض عنه بين الطائفة، فإنّ الإعراضَ عنه يوجب سقوطَ حجيّته، فلا يشمله دليلُ الحجيّة وهو بناءُ العقلاء.
وقد اعتمد السيّد البُروجِرديّ على هذه النظريّة في حجيّة الخبر الواحد في معالجاته الرجاليّة الواسعة في الفقه، وفي الموسوعة الرجاليّة.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا المَنْهَجَ قريب من منهج شَيْخ الطائفة إلى حدٍّ كبير، كما هو مشروح في «المناهج الرجاليّة».
وقد عرفنا أنّ جهودَ السيّد تشابه جهودَ الشيخ في امتلاك المكوّنات العلميّة، التي أهمُّها الموسوعيّة في علوم الشريعة كالحديث والفقه والاُصول والرجال، فلذلك تبوّءا المرجعيّة العظمى في عصريهما فكان ذلك «شَيْخَ الطائفة» فأجدِرْ بهذا أن يكونَ«سيّدَ الطائفة».
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نظرات في تراث الشيخ المفيد (ص62).
(2) العدّة للطوسي، الطبعة الحديثه (ج1، ص51 و ص339).
رابعاً: تطبيقُ المنَهْج الرِجاليّ المختار
استناداً إلى ما اعتمدهُ السيّد في حجيّة الخبر الواحد، فهو إنّما يلجأ إلى
المناقشة السنديّة، في خصوص موارد التعارُض بين الأخبار، لا مُطلقاً، بل عندما يتعذّرُ الجمع بين المتعارضين.وقد صرّحَ بذلك في مجال الفقه، وأنّ اللجوءَ إلى المرجّحات إنّما يكون عند تحقُّق التعارض، واستقراره، وأنّ هذا لا يمكن إلاّ بعد تعذُّر الجمع(1).
فهو: أوّلاً ـ وبعد تحديد الروايات في فئات محدّدة ـ يُحاولُ الجمعَ بينها مهما أمكن، فهو ـ عنده ـ أولى من الطرح(2).
بل هو المتعيّنُ إنْ أمكن، حتّى جَعَلَ الحملَ على التخيير من باب الجمع العرفيّ، الموجب للخروج عن التعارض(3).
ففي صورة إمكان الجمع ـ وحتّى بالتخيير ـ فهو مقدّم على الترجيح مطلقاً، ومع عدم إمكانه، فهذا موردُ التعارض الذي تجري فيه المرجّحات.
فاللجوء إلى المعالجة السنديّة إنّما يكونُ بعد ثبوت التعارض واستقراره، وحيث لا يمكنُ التوفيقُ بين المتعارضين، ولا بنحو التخيير بينهما، ينتهي الأمرُ إلى المرجّحات التي أوّلُها الشُهرةُ الفتوائيّة بموافقة المشهور على مضمون أحدهما، فيؤخذُ به ـمن دون نظر إلى حال الرُواةـ ويُحكم على الآخر بالشُذوذ، فيطرح ـ مهما كان سنده صحيحاً ـ لمخالفته لشرط حجيّة الخبر، ويسقط عن الاعتبار.
ومع اختلاف أقوال الطائفة وفتاوى الفقهاء وعدم تحقُّق الشُهرة الفتوائيّة، فالترجيح بكثرة النقل والرواية في الاُصول والكتب المعتمدة في الرجوع إليها،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: نهاية التقرير (ج1، ص 239 و244).
(2) البدر الزاهر (ص240).
(3) نهاية التقرير (ج 1، ص 242).
والجوامع الحديثيّة المعروفة.
ومع التساوي في الكثرة وعدم تحقُّق الشهرة الروائيّة أيضاً، فالاعتماد على الأخذ بأقوال الرجاليّين، فيُترك ما فيه ضعف، على الاختلاف في درجات الضعف ومراتبه.
فمراحلُ المعالجة الرجاليّة في السَنَد عند السيّد هي كما يلس:
المرحلة الاُولى: الترجيحُ الدلاليّ، بالأخذ بالشُهْرة الفتوائيّة، ويُقابلها الشذوذ.
المرحلة الثانية: الترجيح الصدوريّ من غير جهة السند:
تارةً بالأخذ بكثرة الرواية، ويقابلها الانفراد.
واُخرى بالردّ بالاضطراب وعدم سَداد الراوي في نقل المتن، ويقابله الضبط.
المرحلة الثالثة: بالتضعيفات السنديّة،وهي:
1 ـ التضعيف بالغُلُوّ.
2 ـ التضعيف بالإرسال، وملاحظة الطبقات.
3 ـ التضعيف بالجهالة، وعدم التوثيق.
وهذا قلَّما يلجأُ إليه، كما سيجيئ تفصيله.
4 ـ التضعيف بموافقة العامّة.
فلنتابعْ هذه المراحلَ، لنقفَ على عمل السيّد في تطبيقه لنظريّته الرجاليّة.
المرحلةُ الاُولى: الترجيحُ الدلاليّ، اعتماداً على الشُهْرة الفتوائيّة:
يهتمُّ السيّد اهتماماً بالغاً بأمر موافقة الرواية لما اشتهر بين الأصحاب من الفتوى ويُعبِّرُ عن ذلك بالشُهْرة الفتوائيّة، وبعمل الأصحاب، ويُعبِّرُ عن المخالفة بالشُذوذ، وبإعراض الأصحاب.
وبعد استقرار التعارض - بعدم إمكان الجمع بين المتعارضين حتّى عدم
الحكم بالتخيير بينهما- يعتمدُ على «الشُهْرة الفتوائيّة»التي عبّرَ عنهابأنّها أوّلُ المرجِّحات(1) على ما يُستفاد من مقبولة عُمَر بن حَنْظَلة(2).
وعلّلَ ذلك في بعض تقريراته، بقوله:
أوّلاً: بأنّ الأخبار الشاذّة، التي أعرضَ عنها الأصحابُ، ساقطةٌ عن الحجيّة، وإن لم يكنْ لها معارض، فكيفَ في صورة المعارضة؟ إذْ عُمدة الدليل على حجيّة الأخبار «بناءُ العقلاء على العمل بها»، ولا شكَّ في أنّ الخبرَ الواصلَ إلى عَبيد المولى إذا كان ممّا أعرضَ عنه بِطانةُ المولى وخواصّه العارفون بمرامه، لا يَعتني به العبيدُ مطلقاً، وليسَ بناؤهم على العمل به ألبتّةَ، وإن كان في غاية الصحّة سنداً، بل كلَّما ازدادَ صحّةً ازدادَ ضعفاً.
ثانياً: لو سُلِّم حجيّةُ الأخبار الشاذّة في أنفسها، فلا إشكالَ في سقوطها عن الحجيّة إذا عارضتها أخبار اُخر اشتهرَ بينَ الأصحاب العملُ بها والإفتاءُ على وِفقها، لما وردَ في باب الخبرين المتعارضين من وجوب الأخذ بأشهرهما، وقد بيّنا أنّ المرادَ الشُهْرة في مقام العمل والإفتاء، لا اشتهار الرواية فقط(3).
وما أروعَ قولَه عن الشاذّ: «بل كلَّما ازدادَ صحّةً ازدادَ ضعفاً» حيث أنّ صحّةَ الشاذّ، دليل على ثبوت شُذوذه بالسند الصحيح، فكلَّما كان أصحَّ كانَ شذوذه آكدَ، وهذه نُكْتة ظريفة.
أقول: أمّا ما ذكره من الوجهين فهما متداخلان، إذ الشذوذُ هو بمعنى كون الرواية قد تُرك العملُ بها، فالعملُ لا بُدَّ أن يقعَ على غيرها، فلا بُدَّ من وُجود ما يُعارضها إمّا ظاهراً معروفاً، أو مغموراً يُستكشَفُ من نفس العمل، خُصوصاً على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ج 1، ص244)وانظر بحث «حجيّة الشُهْرة »في الملحق الثاني لكتابنا هذا.
(2) نفس المصدر (ج 1، ص 239).
(3) البدر الزاهر (ص244 ـ 245) وكرّره في (ص273).
ما سيجيىء من طريقة السيّد البُروجِرديّ في استكشاف النصّ من قول بعض الأصحاب وفتواه، فضلاً عن الإجماع أو الاتّفاق أو الشُهْرة الفتوائيّة.
فلا يمكنُ فرضُ الشُذوذ المُسقِط للاعتبار من دون وُجود معارض وإنْ أكّدَ عليه المقرّرُ المذكورُ في كتابه مكرّراً،
وقد صرّحَ السيّد في بحث حجيّة الشُهْرة بأنّ اشتهار حكم المسألة عندهم كاشفٌ عن وجود دليل معتبر عندهم على ذلك الحكم(1).
و عبّر السيّد - في موارد مختلفة ـ عن الترجيح بالشُهْرة الفتوائيّة، بتعابير متفاوتة، فقال:
إنّ رواية فضيل... ساقطة عن درجة الاعتبار، لعدم كونها واجدةً لشرائط الحجيّة، لإعراض الأصحاب عنها(2).
وقال:
والرواية... غير معمول عليها، فلا تشملُها أدلّةُ حجيّة الخبر الواحد التي عمدتُها بناءُ العقلاء(3).
و في موارد ردّ الخبر الشاذّ بمثل قوله:
إنّه لا عاملَ به(4).
وقوله: لا سبيلَ إلى ترجيح الرواية... لمكان شُذوذها، وعدم العمل بمقتضاها(5).
وقوله: لكنّ الفتوى بذلك مشكلٌ، لإعراض الأصحاب عن هذه الروايات، ومن المعلوم أنّه من أعظم المُوهنات للرواية(6).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحث حجيّة الشُهْرة في الملحق الثاني بكتابنا هذا.
(2) نهاية التقرير (ج 1، ص 256).
(3) تقريرات ثلاثة، الوصية (ص88).
(4) نفس المصدر (ص65 و80).
(5) زبدة المقال (ص21).
(6) نهاية التقرير (ج 1، ص 81).
وذكر توضيحاً أكثر لهذا، فقال:
قد حُقّقَ في الاُصول أنّ أدلّةَ حجيّة الخبر الواحد كلّها راجعة إلى الطريقة المستمرّة بين العقلاء، وتكون إمضاءً لها، وليسَ مفادها الحجيّة التأسيسيّة للخبر الواحد.
وحينئذ، فمع عدم ذهاب أحد من قُدماء الأصحاب ـ الذين هُم وسائطُ بيننا وبينَ الأئمّة: في نقل الأحكام الصادرة عنهم:إلينا، ومخازنُ كنوز أنوارهم ـ إلى هذا المعنىـ لا يحكم العقلاءُ بالحجيّة أصلاً بعدَ كون بنائهم على ذكر الفتاوى المأثورة عن أهل البيت: بعين ألفاظها الصادرة عنهم(1).
ويظهر من متابعة كلام السيّد حول الترجيح في هذه المرحلة أنّه يلتزم:
أوّلاً: بأنّ المعتبرَ هي شُهرة قُدماء الأصحاب.
فالمتقدّمونَ هُم المطّلِعون على أحكام الأئمّة: حيث أنّهم تلقَّوها يَدَاً بيد، وصَدْراً عن صَدْر، وخَلَفاً عن سَلَف، ولم تقعْ بين حَلَقاتِهم فَتْرةٌ أبداً، إلى أن وصلتْ إلى المشايخ العِظام كالطوسيّ والمتقدّمين عليه، بعين ألفاظها.
فهو يقول: ولا يجوزُ الغضُّ عمّا هو المتسالَمُ عليه بينهم(2).
ويقول:«فقدماءُ الأصحاب هُم الوسائطُ بيننا وبينَ الأئمّة(عليهم السلام)، فلا يبقى مجال للوثوق في ما خالَفَهم، وإن اختارهُ بعضُ المتأخّرين »(3).
ثانياً: بأنّ المرادَ شُهرة الفتوى لا الرواية:
وقد صرّح بأنّ المرادَ بالشُهْرة المرجِّحة، هي الشُهْرة في مقام العمل والإفتاء، لا اشتهار الرواية فقطْ(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ج 1، ص 315).
(2) نفس المصدر (ج 1، ص 18).
(3) نفس المصدر (ج 1، ص 315).
(4) البدر الزاهر (ص245).
وقال:«قد ذكرنا في محلّه أنّ «الشُهْرةَ الفتوائيّةَ» أوّلُ المرجِّحات على ما يُستفادُ من مقبولة عُمَر بن حَنْظَلة، لا الشُهْرة في الرواية(1) وإن اختارَ الثاني الشيخ الأنصاريّ»(2).
وفي هذه المرحلة لا ينظر إلى سند الروايتين المتعَارضتين، فالحديثُ الموافقُ للمشهور يُؤخَذُ به، وإنْ كان ضعيفَ السند.
قال السيّد في رواية من هذا القبيل:
وإن كان ـ في اعتبارها ـ تأمّلٌ، لوجود سَهْل بن زِياد، وكون محمّد بن الرَيّان غير معلوم الحال عندنا، إلاّ أنّ المشهورَ قد عملوا بها فتكونُ منجبرةً(3).
والروايةُ المخالفةُ للمشهور، لا يؤخَذُ بها وإن كانت صحيحةَ السند قال.
اللازم طرحُها، بعد ما كان المقطوعُ به بينَ الأصحاب على خلافها(4).
بل «كلّما ازدادتْ صحّةً، ازدادتْ ضعفاً»(5) كما عرفنا وجهَه.
والشهرة الفتوائيّة مرجّحة، حتّى لو لم تتحقَّق معها شُهرة روائيّة، فضلاً عمّا لو تحقّقتْ.
فقوله في قاعدة «مَنْ أدركَ ركعةً من الوقت فقد أدركَ الوقتَ»:
اشتهارُ هذه الأخبار يُغني عن البحث في سندها والخدشة فيها بإرسال أو ضعف أو غيرها، كما هو دأبُ المتأخّرين، فلا مجالَ للإشكال في هذه القاعدة من حيث السند(6).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج 1، ص 239).
(2) نفس المصدر (ج 2، ص 63) و لاحظ: فرائد الاُصول (ص 107).
(3) تقريرات ثلاثة، الوصية (ص85) وفيه «منجزة» غلطاً.
(4) نهاية التقرير (ج 1، ص 173).
(5) البدر الزاهر (ص244 ـ 245).
(6) نهاية التقرير (ج 1، ص 42).
يريد به الشُهْرة الفتوائيّة على طبق هذه الأخبار، لا شُهْرة روايتها، بقرينة عدم ورودها إلاّ في موارد قليلة عندنا، وأما وُرودها عند العامّة في الصحاح والجوامع، لا يشكّلُ شُهْرةً روائيّة معتبرة، كما لا يخفى.
وليس استدلاله بحديث الرفع(1) إلاّ على أساس عمل المشهور به، بعد عدم تماميّة شيء من أسانيده، وعدم وضوح شُهْرة روايته، كما أكّدَ عليه بعضُ المتشدّدين في أمر الأسانيد.
المرحلةُ الثانية: الترجيحُ الصُدوريّ ـ من غير جهة السند ـ:
وقد اعتمدَ فيها على أمرين:
الأوّلُ: كثرةُ الرواية
فبعد الشُهْرة الفتوائيّة، تأتي مرحلةُ الترجيح بكثرة الروايات عَدَداً، وقد لجأ إليها السيّد في مواضع من الفقه:
قال: «حيث إنّ أخبار المسجد أكثر وَجَبَ الأخذُ بها»(2).
وطرح بها الأخبارَ الاُخرىـ حتّى لو قال بها أكثرُ المتأخّرين ـ فقال:
والقائلون بالثاني وإنْ كانوا أكثرَ، إلاّ أنّ الأوّلَ أكثر روايةً من حيث العدد(3).
وجعل كثرةَ الروايات جابرةً للسند(4) وعاضدةً للرواية(5) بل جعل مجرّد «نقل المشايخ الثلاثة» للرواية، سبباً لترجيحها على المعارض(6).
ومن هذا المنطلق جعل كون الرجل ذا روايات كثيرة في مختلف أبواب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تقريرات ثلاثة، الغَصب (ص216).
(2) نهاية التقرير (ج 1، ص 262).
(3) تقريرات ثلاثة، الوصيّة (ص80).
(4) نهاية التقرير (ج 1، ص 203).
(5) البدر الزاهر (ص238).
(6) نفس المصدر.
الفقه، خصوصاً بعد نقل الأجلاّء من أصحاب الحديث عنه، دافعاً للمناقشة في السند(1).
وفي مقابل ذلك: جعل الانفراد من موجبات الضعف، ومراده بالضعف طرحُ الرواية وعدم العمل بها، عند عدم وجود رواية اُخرى تعضدها، ولوكانت من روايات العامّة، معلّلاً بقوله:
لأنّ النقلَ عن راو واحد منحصر في تلك الرواية، فلا يجوز الاعتماد عليها(2).
كما ردّ حديثاً نقله الشيخ الطوسيّ عن «كتاب محمّد بن عليّ بن محبوب» بأنّه:
لا يتابعه غيره فيه(3).
ثمّ اعلم أنّ المحقّقَ الحلّي قد استدلَّ على ترجيح أحد المتعارضين بكثرة الرواية، فقال: «لأنّ الكثرة أمارة الرجحان»(4).
لكنّه في (المَعارِج) استدلَّ على الترجيح بكثرة العمل على إحدى الروايتين، بقوله: «لأنّ الكثرة أمارة الرجحان، والعمل بالرجحان واجب»(5).
ونقل الشيخ الأنصاريّ هذا الثاني(6) ولم يتعرّض للأوّل.
لكنّ الظاهر أنّ مرادَ المحقّق من كثرة العمل هو كثرةُ النقل، لا كثرة الفتوى، وأنّ ما ذكره في المعارج هو عينُ ما ذكره في الرسالة العزّيّة، وذلك: لأنّ المحقّقَ إنّما علّق الترجيحَ بكثرة عمل الطائفة على قوله: «إذا جوّزنا كون الإمام (عليه السلام) في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج 1، ص 207).
(2) نفس المصدر (ج 1، ص 196).
(3) نفس المصدر (ج 1، ص 148).
(4) المسائل العزّية، المسألة 9 في الرسائل التسع (ص178).
(5) المعارج في الاُصول (ص155) المسألة7.
(6) فرائد الاُصول (ص815).
جملتهم»(1) وبهذا يرجع إلى الإجماع، وقد ذكرَ في المسألة الاُولى: أنّ الموافقَ لإجماع الطائفة يجبُ العملُ به، لأنّ الإجماعَ حجّة في نفسه(2).
ومن المعلوم ـ من رأي المحقّق ـ أنّه يقولُ بحجيّة الإجماع، لدخول قول الإمام(عليه السلام) فيه، وهو الحُجّة، كما صرّح به(3).
فليس كثرةُ العمل ـ بذلك القيد ـ عنده أمراً غيرَ الإجماع الذي هو حجّة مستقلّة، فالكثرةُ التي جعلها هنا مرجّحاً آخرَ، لابُدَّ أن تكونَ هي كثرةُ الرواية، فلاحظ.
الثاني من اُسس المرحلة الثانية: سَدادُ الراوي
وبعد أن عرفنا أنّ السَداد عنصر مهمّ في حجيّة الخبر الواحد في منهج السيّد، لبناء العقلاء على الحجيّة عندما يكون الراوي سديداً في نقله، أي: حافظاً، غير مغفّل، وبعيداً عن السهو والنسيان الزائد على العادة، فإنّ عدم السَداد يؤدّي إلى اضطراب الحديث، وهو مُسقط لاعتباره ومخرج له عن مجال بناءالعقلاء.
وقد جاء عُنصر «السداد» بهذا المعنى في كلام القدماء!
قال الشيخُ المفيد: «الفقهاءُ يطرحون ما يرويه ذوو السهو في الحديث، إلاّ أن يشركهم فيه غيرهم من ذوي التيقُّظ والفِطنة والذكاء والحصافة»(4).
و هو السَداد الذي اعتبره الشيخُ الطوسيّ في الخبر المعتبَر عند من يعملُ بأخبار الآحاد، فقال في العدّة:فأمّا ما اخترتُه من المذهب فهو: أنّ خبر الواحد، إذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ذلك مرويّاً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أو عن واحد من الأئمّة:، وكان ممّن لا يطعن في روايته، ويكون سديداً في نقله...
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص155).
(2) معارج الاُصول (ص154).
(3) نفس المصدر (ص132).
(4) رسالة عدم سهو النبيّ(صلى الله عليه وآله)، مصنّفات الشيخ المفيد (ج 10، ص 28) ونظرات في تراث الشيخ المفيد (ص62).
جاز العمل به (1).
وأهل المصطلح والدراية يُعبّرون عن شرط السَداد بــ «الضبط».
وإنّما جعلنا هذه المرحلة من المعالجة في أصل الصدور، لكونها خارجةً عن مرحلة السَنَد، لأنّ السَنَد قد يكون صحيحاً، حَسَبَ الاصطلاح، لكنّ المتنَ يكون مضطرباً، ولا يمكنُ أن يكون بصورته المضطربة صادراً من المعصوم، الذي لا بدّ أن تكون عبارتُه صحيحةً لغةً، وتتمتّعُ بالبلاغة والأداء الصحيح، وبعيداً عن التشويش المؤدّي إلى عدم الفهم أو عُسره وإبهامه وتشابُهه، في باب الأحكام الشَرعيّة، المطلوبة للعمل.
فلا ينافي سقوط الرواية بالاضطراب، أن تكون صحيحة السند.
قال السيّد في سند رواية:
إنّها صحيحة من حيث السند، ولكنْ في متنها نحوُ اضطراب(2).
وقال:
هذه الروايةُ ـ وإن كانتْ أظهرَ من سابقتها في الدلالة..- لكنّها مغشوشة من حيث العبارة، وكأنّ الراوي لم يكن بصيراً باُسلوب كلام العرب(3).
وقد أكّدَ على هذا المعنى، مبيّناً وجهَ وقوع الاضطراب في الحديث، فقال ـ عن بَشِير النَبّال ـ:
إنّه قليلُ الرواية جدّاً، فيُعلمُ من ذلك عدم كونه من فقهاء الأصحاب من قبيل ابن مسلم وابن جابر، فإنّ ضبط العاميّ ـ وإن كانَ وَرِعاً جدّاً ـ لايُقاسُ بضبط الفقيه المطّلع، كيفَ؟ واشتباهُ العوام، وخطؤُهم في فهم ما يسمعونه، وضبطه، أكثرُ من أن يُحصى؟!
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر.
(2) البدر الزاهر (137).
(3) زبدة المقال،الخمس (ص80).
وبَشير بن مَيْمُون، وأخوه شَجَرَة، من اُسَراء العَجَم، ولم يكونا من أهل اللغة العربيّة العارفين بأساليبها(1).
وهنا يجعلُ السيّد لنشاط الراوي القيمةَ الكبرى، فأبرز الآثار ـ للراوي الأكثر نشاطاً وروايةً، واتّصالاً بالأئمّة: وأصحابهم البارزين ـ أن تكون له هذه الميزة، وهي حصوله على الضبط والسَداد، وبذلك يُقدَّم حديثُه على ما يُعارضه إذا خلا المعارضُ عن مثل هذه الميزة.
ومن هنا، تتّضحُ قيمةُ وصف الراوي بالفقاهة والشيخوخة وما يدلّ على قَدَم راسخة في العلم والصُحبة للأئمّة، كما ذكره الكشيّ في «تسمية الفقهاء من الرواة» المعروفين بأصحاب الإجماع، حيث أجمعت الطائفةُ على الإقرار لهم بالفقه، فهذا يكفي في تقديم رواياتهم على روايات غيرهم، على منهجنا في تفسير هذا الإجماع.
وقد صرّح السيّد بكون الاضطراب من شؤون الصدور، فعلّلَ ذلك بقوله:
إنّ الروايةَ في كمال الاضطراب من حيث المتن، بحيث ربّما يحصل الوُثوقُ والاطمئنانُ بعدم كونها صادرةً عن المعصوم(عليه السلام)(2).
لما ذكرنا من لزوم كون الأحاديث الواردة في الأحكام واضحةَ الدلالة، فصيحةً بليغةَ الأداء، لتفيَ بالغَرَض من نقلها وإلقائها، وروايتها، بشكل تامّ، وهو بلوغ الأحكام إلى الأنام.
وقد أكّدَ الأئمّةُ على ذلك، بقولهم: «أعْرِبُوا حديثَنا فإنّا قومٌ فُصحاء»(3). والإعرابُ هو الإفصاحُ المبتني على صحّة اللفظ والتركيب.
وليس الاضطرابُ مؤدّياً إلى سقوط الحديث عن الاعتبار بالكلّية، بل ذلك محدّد بغير القدر المتيقّن من المفهوم منه، كما قال السيّد:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البدر الزاهر (ص 287 ـ 288).
(2) نهاية التقرير (ج 1، ص 237).
(3) الكافي (ج1، ص52) الحديث (13) كتاب فضل العلم، الباب (17).
إنّ الاضطرابَ لا يُوجب طرحَ الرواية رأساً، بل غايتُه الاقتصار على القدر المتيقّن ممّا يُستفاد منها(1).
وهذا يؤكّدُ ما قُمنا به من جعل هذه المرحلة خارجةً عن البحث السنديّ إذ لو كان الاضطرابُ مسقطاً للحديث وموجباً لضعفه من تلك الجهة، لما بقيَ لشي منه أدنى حجيّة واعتبار.
المرحلة الثالثة: المعالجة السنديّة
وبعد استقرار التعارض، وتكافؤ المتعارضين في المرحلتين السابقتين من الترجيح، فلم يكن قولٌ أشهرَ من الثاني، ولاأوفرَ عدداً من الآخر، ففي هذه المرحلة يلجأ السيّد إلى العلاج السنديّ.
وقد عَمَدَ إلى العناية بالتضعيف، بإحدى الطرق التالية، مقدّماً على بحث التوثيق ـ الذي لم يتعرّضْ لوجوده وعدمه إلاّ في مرحلة متأخّرة ـ وذلك: بناءً على منهجه الرجاليّ من جعل القدح والجرح في الرجل مسقطاً لخبره عن الحجيّة باعتبار عدم بناء العقلاء على حجيّة مثله، بل بناؤهم على حجيّة خبرِ مَنْ لم يُقدح فيه، إذا كان على أصل الثقة وظهور الصلاح; بناءً على ما هو المختار من المَنْهَج الرجاليّ الذي يوافق القدماء.
وعلى هذا فالجرح مقدَّم على التعديل، عند التكافؤ من جميع الجهات.
وبعبارة اُخرى: فإنّ وجود مرجّح من قبيل الشُهْرة الفتوائيّة أو كثرة العدد، يُعدّ مانعاً من اللجوء إلى التضعيف السنديّ، لأنّ ذلك يُعدّ جابراً للضعف على تقديره(2).
وإلاّ، فمع عدم الانجبار، لا يجوزُ الركونُ إلى الرواية حتّى في مقابل الأصل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج 2، ص 311).
(2) لاحظ: زبدة المقال (ص53).
العمليّ مع قصور سندها(1).
مراحل التضعيف الرجاليّ
ومراحل التضعيف هي ـ على التوالي ـ: 1- بالغُلُوّ، 2- وبالإرسال، 3-وبالجهالة، 4- وبموافقة العامّة، وإليك التفصيل:
فأوّلاً: التضعيف بالغُلُوّ:
إنّ السيّد لَفَتَ الأنظارَ إلى حقيقة هامّة، وهي أنّ كثيراً ممّن نُسِبَ إليهم الغُلُوّ كانت لهم عقائدُ صحيحة متقنة، غايةَ الأمر أنّ بعضَ الشيعة كانوا ـ لقصورهم في بعض العقائد ـ ربّما يعدُّون بعض العقائد الكاملة الصحيحة غُلُوّاً وإفراطاً!
وصرّح السيّد بعد إعلانه هذه الحقيقة بأنّه:
لا يُلتفتُ إلى كثير ممّـا يُنسب إلى الأصحـاب من الغُلُـوّ والإفراط(2).
وقد أصبح الاتّهامُ بالغُلُوّ، وإسقاط شخصيّة الرواة رجاليّاًـ وبِتبع ذلك: الإعراضُ عن كثير من التُراث الحديثيّ المسجّل والمتلقّى، والمخلَّد في الاُصول الحديثيّة ـ أمراً هيّناً عند المتأخّرين ! يتلاقَفُهُ كلُّ من هَبَّ ودَبّ!، وألُوكةً يتحدّثُ بها القاصرون المقصِّرون !، والمفرِّطون في الحقّ، من أصحاب الأهواء، ممّنْ لم ترسخْ لهم قدمٌ في الدين، ولا في العلم!!.
ونحنُ كما نرفضُ ذلك الإفراط، نرفض هذا التفريط، ونقول: إنّ القدرَ المتيقّن من الغُلُوّ المسقِط لرواية الراوي هو المخرِجُ عن الإسلام، باعتقاد الاُلوهيّة في البشر ـ والعياذ بالله ـ والمؤدّي إلى ترك الواجباتِ العباديّة وارتكاب المحرّمات الإلـهيّة، وعلى هذا يحملُ الغُلُوّ المطلق الذي وردَ في المعالجات كونُه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص83).
(2) البدر الزاهر (ص229).
من موجبات الضعف.
ومهما يكن، فإنّا نجدُ اعتمادَ السيّد على التضعيف بالغُلُوّ في موارد، منها
قوله:الرواية قويّةُ السند، إلاّ من جهة عبدالله بن القاسم الحَضْرَمي، فإنّه ضعيف بالغُلُوّ(1).
وقوله في رواية:
مضافاً إلى ضعف سندها لمكان رمي راويها بالغُلُوّ(2).
وقوله في رواية اُخرى:
مضافاً إلى ضعف سندها، فإنّ يُونُس بن ظَبْيان، والمُعلَّى بن خُنَيْس مرمِيّان بالغُلُوّ.(3)
وقال عن أحمد بن محمّد السَيّاريّ:
ممّن رمَوه بالضعف لما نُسب إليه من الغُلُوّ(4).
وعن محمّد بن سنان، قال:
إنّه قيلَ في حقّه: إنّه غال، ونقلَ عن صَفْوان: قد يَطير ـ كنايةً عن الغُلُوّ ـ فقصصناهُ(5).
ويظهر أنّ التضعيف بالغُلُوّ هو من أقوى التضعيفات، وهذا واضح ـ بعد تخصيص معناه بما ذكرنا ـ حيث أنّه حينئذ يُساوي «الكفر» فلا يدخلُ في موضوع حجيّة خبر الواحد أصلاً، حيث أنّ الكافرَ لا يتقيّد بالشرع فكيفَ يُسمعُ قوله في نقل أحكامه؟
ولذا لا نجدُ من السيّد مناقشة في التضعيف به، عند وجود الرمي به، وإنّما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) زبدة المقال (ص 79).
(2) نفس المصدر (ص96).
(3) نفس المصدر.
(4) البدر الزاهر (ص229).
(5) تقريرات ثلاثة، ميراث الأزواج (ص111).
يُطلِقُ الحكمَ به بصورة جازمة، إلاّ أنّه يشكّكُ أحياناً في أصل نسبة الغُلُوّ إلى الراوي، أو في نسبة القول إلى الرامي،كما أنّه إنّما يلجأإلى ذلك بعدما يردّ الرواية بأمرآخر، كما يفهم من قوله: « مضافاً» في بعض الموارد.
وثانياً: التضعيف بالإرسال:
«الإرسال» يكون وسيلةً من وسائل التضعيف عندما يقعُ التعارض ويستقرّ، بينَ ما جاء في خبر مُسْنَد ليس فيه شيء من موجبات الضعف وبينَ ما جاء به الخبرُ المرسل، مع عدم إمكان الترجيح عليه بكثرة الرواية ولا ردّه بالغُلُوّ، أو الاضطراب، ولم تبقَ وسيلة لردّه أو ترجيحُ غيره عليه، إلاّ تضعيفه بالإرسال، فالسيّد يُسقطه بذلك(1).
وهذا منه بناءٌ على أصله من اللجوء إلى المناقشة السنديّة، بعد استقرار التعارض،
فالسيّد لا يُناقش بالإرسال قبل التعارض، بل يعتمد على المرسل بصورة واسعة، كما هو دَيْدَنُ القدماء من علماء المسلمين بلا بحث، ومالَ إليه بعض المتأخّرين مع المناقشات.(2)فالسيّد يوردُ المرسلاتِ في كتابه الكبير «جامع أحاديث الشيعة» ويستدلُّ بها في المباحث الفقهيّة، من دون بحث سنديّ أو توقّف.
ومن هنا يمكنُ أن نعرفَ سرَّ عمل السيّد في عدم اللجوء إلى التضعيف بالإرسال، حتّى مع استقرار التعارض، عندما يكون أحد موجبات ترك الرواية موجوداً.
فهو لا يتعرّضُ للإرسال إذا كان الحديثُ مضطرباً، بل يكتفي بإسقاطه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج 1،ص 452) و(ج 2، ص 168) و تقريرات ثلاثة (الوصية) (ص57) و(ميراث الأزواج (ص112 و120).
(2) البحث عن المرسل وحجّيته ومداها، يستدعي مجالاً واسعاً، ومحلّه كتب اُصول الفقه، أو مصطلح الحديث، فليراجع.
بالاضطراب، إلاّ إذا كان بصدد التأكيد على الضعف، أو سيراً على عادة القوم مجاراةً، كما لو كان الراوي غالياً وقد أرسل.
والاعتماد على مرسلات العيّاشيّ، والصدوق في الفقيه، شائعٌ عنده، بلا مناقشة(1).
ومن هذا الباب اعتماده على روايات في سندها: «بعض أصحابنا» و«عن رجل» و«عمّن ذكره» وأمثال ذلك.
وقد اعتمد على مراسيل ابن أبي عمير، التي قَبِلَها الأصحابُ كذلك(2).
وقَبِلَ مرسلات أصحاب الإجماع وقال: «لا إشكال فيها لمكان ذلك الإجماع»(3).
وصرّح أنّ المرسلَ ينجبرُ بعمل الأصحاب(4).
وصرّح أنّ الإرسالَ لا يضرُّ مع كثرة الرواية(5).
ولابدّ هنا من التعرّض لأمرين اعتمدهما السيّد البُروجِرديّ في منهجه الرجاليّ، وهما من فروع هذه المرحلة، وهما: الخبر المستكشف، والطبقات; فلنبحث عنهما فنقول:
أما الخبرُ المُسْتَكْشَفُ:
إنّ السيّد يعتمد على ما هو أوغلُ- في عدم الاتّصال - من الحديث المرسل، وهو الحديث «المُسْتَكْشَفُ» من إجماع القدماء من الأصحاب على فتوى، حيثُ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: زبدة المقال،الخمس (ص125) و تقريرات ثلاثة،الوصية (ص19) و البدر الزاهر (ص121 و137) و نهاية التقرير (ج 1، ص 148).
(2) البدر الزاهر (ص211) و نهاية التقرير (ج 12، ص 166).
(3) نهاية التقرير (ج 1، ص 145).
(4) نفس المصدر (ج 1، ص 31 و108).
(5) نفس المصدر (ج 1، ص 203).
يستدلُّ به على وجود نصٍّ معتمد لأهل الإجماع، وإن لم يُذكر في الكتب والجوامع الحديثيّة ولم يُدوّن فيها(1).
بل يستكشف الخبرَ، من وجود الحكم في كتاب مثل «النهاية» للشيخ الطوسيّ، باعتبار أنّه «موضوع لجمع عبارات المتون، ممّا وصل إليه من أخبار الأئمّة(عليهم السلام)التي كانت موضع وثوق بنظره»(2).
قال السيّد عن عمل الأصحاب في مثل ذلك الكتاب:
قد رووا هذه الأخبارَ في كتبهم وكانتْ بمرْآهُم، ومع ذلك لم يفتوا بمضمونها بل تسالَموا على عدم اعتبار ما فيها... فيُعلم بذلك عدم اعتنائهم بما في ظاهرها.
ولنا أنْ نستكشفَ من هذا التسالُم ـ مع ظهور الأدلّة على خلافه ـ وجودَ نصٍّ معتبر واصل إليهم يَداً بِيَد من الأئمّة:، غايةَ الأمر عدم ضبطه في الجوامع التي بأيدينا. وقد عرفتَ أنّ أخبارَنا ـ معاشرَ الإماميّة ـ لم تكن مقصورةً على ما في الجوامع التي بأيدينا، بل كان كثير منها موجوداً في الجوامع الأوّليّة، ولم يذكرها المشايخُ الثلاثة في جوامعهم.
كيفَ؟ وبناءُ القدماء من أصحابنا على العمل بالمنصوصات فقطْ؟ وقد أفتوا في كتبهم المُعدَّة لنقل خُصوص المسائل المنصوصة والمتلقّاة عن الأئمّة(عليهم السلام)، كالهداية، والمقنعة، والنهاية، والمراسم، ونحوها.
فهذا التسالُم منهم من أقوى الإمارات على وجود نصٍّ في المسألة، وإن لم يصلْ إلينا(3).
وقال السيّد في آخر المقدّمة الاُولى من ترتيب أسانيد الكافي ما نصّه:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البدر الزاهر (ص8 ـ 9).
(2) تقريرات ثلاثة، الغصب (ص200).
(3) البدر الزاهر (ص93).
إنّ القرائنَ القطعيّةَ الكثيرةَ، دلّتنا على أنّ الجوامعَ المتأخّرةَ لم تستوعبْ جميع ما كان في الجوامع التي صنّفها أهلُ الطبقات السابقة من الأخبار، بل ومن الأخبار الدالّة على الأحكام.
ولذلك صار كثير من الفتاوى التي ورثها الخلفُ عن السلف، وضبطها فقهاؤنا في كتبهم المصنّفة لضبط الفتاوى المأثورة خاليةً عن الدليل الدالّ عليها، ولذلك اضطربَ كثير من علمائنا المتأخّرين في تلك الفتاوى من جهة عدم الخبر الدالّ عليها، ولذلك لا يمكنُنا المسارعةُ إلى إنكار تلك الأحكام بمجرّد عدم وجدان الخبر الدالّ عليها(1).
فإذا كان السيّد يعتمد مثل هذا الخبر «المُسْتَكْشَف» فاعتمادُه على المرسَل، المعلَن عنه، والمستدلّ به على فتاواهم، أوضح.
وأما الطبقات:
فإنّ الحكم بالإرسال وعدمه، هو واحدٌ من أهمّ نتائج علم «طبقات الرواة» الذي اهتمَّ به السيّد غايةَ الاهتمام(2)، فلا بُدَّ من التعريف بأمر الطبقات استيفاءً لكلّ الجوانب اللازمة، لمعرفة منهج السيّد، فنقول:
إنّ تحديدَ طبقات الرواة ومعرفتها، يؤثّر ـ مباشرةً ـ في المعالجة الرجاليّة، خصوصاً في أمر الاتّصال والانقطاع بينَ الرواة، والحكم على الأسانيد بأحد هذين، وجوداً أو عدماً، وكذلك يؤثّر في معرفة بعض «العلل» الاُخرى التي تقع في الأسانيد، ولذا اعتنى العلماء بها منذ القدم سواءٌ فى ذلك الخاصّة أم العامّة، واليك التفصيل:
العناية بالطبقات قبل السيّد:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ترتيب أسانيد الكافي (ص111).
(2) لاحظ: تقريرات ثلاثة،ميراث الأزواج (ص106 ـ 107).
وقد ألّف عدّة من علماء الرجال القدماء كتبهم على أساس الطبقات، كالبرقيّ، والشيخ الطوسيّ في رجاله، الذي عنونَه «تسمية من روى عن النبي والأئمّة» ورتّبه على أبواب بعدد المعصومين: ثمّ ختمه بباب مَنْ لم يَرْوِ عنهم.
وكتاب الرجال للطوسيّ يُعَدُّ أوسعَ كتب الطبقات وأهمّها وقد تحدّثنا عنه بصورة موسّعة في بحثنا «باب من لم يرو عنهم: في كتاب الرجال».
وقد بنى كثير من علماء الرجال المتأخّرين أمر الطبقات على ترتيب رجال الطوسيّ إلاّ أنّ بعضهم لم يوافق على ذلك، وحاول تنظيم الطبقات على اُسس وضعها واعتبرها، فهناك مسالك متعدّدة:
مثل مسلك ابن أبي جامع العامليّ حيث جعلها من عصر المفيد إلى طبقة ابن أبي عُمَيْر سِتّاً(1).
ومسلك التقيّ المجلسيّ الأوّل، حيث جعلها من عصر الطوسيّ إلى البداية اثنتي عشرة طبقة(2).
ومسلك السيّد المقدّس الأعرجيّ، حيث جعلها من عصر المفيد إلى البداية، عشر طبقات(3).
ومسلك آخر جعلها خمس طبقات(4).
والسيّد البُروجِرديّ لم يوافق ـ كذلك ـ على طبقات رجال الطوسيّ فقد اعترض عليه بقوله:
إنّ بناء الطبقات على أبواب كتاب الشيخ في الرجال ـ كما يُتراءى من كثير من المتأخّرين ـ حيث نراهُم يكتفون في بيان طبقة أيّ رجلٍّ بأنّه مذكور في باب كذا من (جخ) ـ غير صحيح.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية في شرح الوجيزة، للسيّد حسن الصدر الكاظمي العاملي (ص342).
(2) نفس المصدر (ص343).
(3) نفس المصدر (ص344).
(4) نفس المصدر (ص349).
لما ذكرناه من شمول [باب] مَنْ لم يروِ عنهم، للثلاث بل للخمس الأخيرة، كلاًّ أو جُلاًّ، ولسائرها بعضاً.
ولما مرَّ من أنّه قد يتّفق روايةُ طبقتين أو أكثر عن إمام واحد، ورواية طبقة واحدة عن إمامين أو أكثر(1).
وقد بذل السيّد جُهداً واسعاً في أمر الطبقات، واهتمَّ اهتماماً كبيراً في تنظيمها، بحيث تنضبط بدقّة، ولا تتداخلُ الطبقات ولا يرد عليه ما ورد على ما سبقه من الجهود، بتداخلها.
والجهدُ الأكبرُ في قسم كبير من تعليقات موسوعته الرجاليّة منصبٌّ على أمر الطبقات، وتوجيه الأسانيد بحسبها، وسنتحدّث عنها.
وقد خصّص السيّد، المقدّمةَ الثانية من ترتيب أسانيد الكافي لذكر منهجه في تنظيم الطبقات، ووعد في نهايتها: «إن ساعدنا التوفيق أفردنا لذكر الطبقات كتاباً على حِدَة، إن شاء الله تعالى»(2).
وقد ذكر في عِداد مؤلّفات السيّد برقم 16 كتاب باسم «طبقات الرواة» وأشار الكاتبُ إلى احتمال اتّحاد ذلك مع ما ورد في الموسوعة الرجاليّة من الأجزاء التي تُحَدِّد الطبقات، أو ما ورد فيها بعنوان «تجريد الأسانيد» الذي عنونه صاحب الذريعة(3)
و البتَّ في ذلك يتوقّفُ على البحث في تُراث السيّد البُروجِرديّ (4).
ومهما يكن، فإنّ السيّد قد تطرّق لأمر الطبقات مكرّراً.
فعرّف أمرها بقوله:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ترتيب أسانيد الكافي (ص113).
(2) لاحظ: نفس المصدر(ص111 و 113 و 114).
(3) الذريعة، للعلاّمة الطهراني آقا بزرك (ج 15، ص149).
(4) جاء ذلك في مقال «آثار وتأليفات آية الله البروجردي» (ص293) لاحظ: ما ذكرناه في هذه الدراسة (ص35).
اعلم أنّ رجال الشيعة الإماميّة ـ بل عامّة المسلمين ـ بحسب تلمذة بعضهم لبعض، تنقسم إلى طبقات، ويُراعى في ذلك الغلبة والكثرة:
1 ـ ويبتدأ بصحابة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، فصحابته الآخذون منه كلُّهم من الطبقة الاُولى.
2 ـ والتابعون، الذين أخذوا من الصحابة، وتلمّذوا لهم، طبقة ثانية.
3 ـ وتابعو التابعين، طبقة ثالثة، والغالب فيهم أخذ الحديث عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)بواسطتين.
4 ـ وتلامذة الطبقة الثالثة، طبقة رابعة، والأغلب في روايتهم عنه (صلى الله عليه وآله)وجود ثلاث وسائط، وهم أصحاب الباقر (عليه السلام)، كزرارة، ومحمّد بن مسلم، وأمثالهما.
5 ـ وتلامذة هذه الطبقة، طبقة خامسة، وهم أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، وقد أكثروا من الرواية عن الطبقة الرابعة، منهم: علاء بن رَزِين، وحَرِيْز بن عبدالله، وعُمَر بن يزيد، وهِشام بن سالم، ورِبْعِي ابن عبدالله، وعبدالله ابن بُكَيْر.
6 ـ وتلامذة هذه الطبقة، طبقة سادسة: أصحاب الرضا (عليه السلام)، ومنهم مؤلّفو الجوامع الأوّليّة، كعلي بن الحَكَم، وابن أبي عُمَيْر، والبَزَنْطي، والحسن بن علي بن فضّال، والحسن بن محبوب، وأمثالهم.
7 ـ وتلامذة هذه الطبقة، طبقة سابعة، منهم: الفضل بن شاذان، والحُسين بن سعيد الأهوازيّ، صاحب الكتب الثلاثين، وقد ألّفها بمشاركة أخيه الحَسن، وشيوخهما متّحدون إلاّ في زُرْعة بن محمّد الحَضْرَميّ، فإنّ الحُسين يروي عنه بواسطة أخيه الحَسن.
وعلى هذا الحساب: يكون الكُلَيْنيّ وابن أبي عقيل من الطبقة التاسعة، والصدوق وابن الجنيد من العاشرة، والمفيد من الحادية عشرة، وشَيْخنا أبو جعفر الطوسيّ من الثانية عشرة، وابنُ إدريس وابنُ حمزة من الخامسة عشرة، والشهيد الثاني من الرابعة والعشرين.
ونَحْنُ من السادسة والثلاثين.
فمن صحابة النبيّ(صلى الله عليه وآله) إلى الشيخ قدّس سره، اثنتا عشرة طبقة ومن ابنه قدّس سرّه إلى الشهيد الثاني، أيضاً هكذا.
ومن تلامذة الشهيد، إلينا، كذلك(1).
وقد ذكر أحدُ تلامذة السيّد: أنّه جعل المِلاكَ في تحديد مدّة كلّ طبقة ـ نظراً إلى المشايخ والرواة ـ ثلاثين سنةً، فكان يعتقد أنّ التفاوت الزمنيّ بين الشيخ والراوي هو ثلاثون سنة. ولذلك كان يَعُدّ الشيخَ الطوسيّ في الطبقة الثانية
عشرة، والشهيدَ الثاني رأس الطبقة الرابعة والعشرين، وكان يَعُدّ السيّد نفسَه على رأس الطبقة السادسة والثلاثين(2).وقد تمكّن السيّد من خلال خبرته الواسعة بأمر الطبقات، من التوصّل إلى أحكام رجاليّة فريدة، استند إليها في معالجاته الرجاليّة، مثل:
1 ـ إنّ علي بن مَهْزِيار لا يَروي عن المعصوم مباشرةً(3).
2 ـ تعيين طبقة ابن أبي عُمَيْر، وهل روى عن الكاظم (عليه السلام)(4).
3 ـ تعيين طبقة الحسن بن محبوب(5).
4 ـ تعيين طبقة سَيْف بن عميرة(6).
5 ـ الحكم بفقاهة عليّ بن جعفر العُرَيْضيّ(7).
6 ـ تحديد طبقة الصدوق، وحكم روايته عن الكليني(8).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البدر الزاهر (ص26 ـ 27).
(2) مجلّة حوزة (ص252).
(3) نهاية التقرير (ج 1، ص 237).
(4) البدر الزاهر (ص210 ـ 211).
(5) تقريرات ثلاثة، ميراث (ص116).
(6) البدر الزاهر (ص282).
(7) نهاية التقرير (ج 1، ص 131).
(8) زبدة المقال،الخمس (ص122).
7 ـ استغراب رواية محمّد بن الحُسين عن عبدالله بن جَبَلَة مباشرةً(1).
8 ـ إسناد بعض المراسيل(2).
9 ـ أمّا الحكم بإرسال ما ظاهره الإسناد، أو الحكم بقطع المتّصلات في ظاهر السند، فهو كثير جدّاً في عمل السيّد، بل هو أهمّ نتائج الجهود العظيمة التي
بذلها حول ترتيب الأسانيد وتنظيم الطبقات.وأضاف السيّد في تعريفه للطبقات:
وليعلم أنّ كلَّ طبقة تنقسم إلى صغار وكبار، وأنّه قد يكون رجل واحد ـلطول عمره ـ مُدركاً لطبقتين، كالحمّادَيْنِ، فإنّهما من الخامسة، وقد أدركا السادسة أيضاً.
وعليك بالدّقة في أسانيد الروايات عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمّة:حتّى تطّلع على طبقات الرواة(3).
وقد صرّح بفائدة الطبقات في نهاية كلامه السابق بقوله: «وبذلك تقدرُ على تمييز الأسانيد المرسلة، بحذف الوسائط»(4)
وهذا هو أهمّ فوائد الطبقات، حيث يُعْرَف بها: مشايخُ الراوي، الذين يروي عنهم مباشرةً، وكذلك الرواة عنه بالمباشرة، وهذا ـ في الحقيقة ـ وجه واحدٌ من مكوّنات «نشاط الراوي العلميّ» كما سمّيناه، وبمعرفته نقف على كثير من شؤونه الدخيلة في تحديد شخصه وشخصيّته الرجاليّة وغيرها، كمعرفة مذهبه، لأنّ الرجلَ يعيش ـ عادةً ـ في البيئة المذهبيّة التي يألفها، وخصوصاً في عهد طلبه العلم، وبذله، وكذلك من خلال جهده العلميّ، لأنّه يعكس أفكاره ومعتقداته في مؤلّفاته ورواياته.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج 1، ص 148).
(2) زبدة المقال، الخمس (ص28).
(3) البدر الزاهر (ص26 ـ 27).
(4) نفس المصدر والموضع.
وقد استفاد السيّدالبُروجِرديّ من أوجه «نشاط الراوي» في معالجاته الرجاليّة، كثيراً جدّاً.
1 ـ فقد استكشف «وثاقة الراوي» من خلال نوعيّة رواياته، فقال:
الظاهر أنّه يمكن استكشافُ وثاقة الراوي من تلاميذه الذين أخذوا الحديث عنه، فإذا كان الآخِذُ مثلَ الشيخ أو المفيد أو الصدوق أو غيرهم من الأعلام ـخصوصاً مع كثرة الرواية عنهـ لا يبقى ارتياب في وثاقته أصلاً حينئذ(1).
واعتزّ بهذا النشاط، في ما ذكره عن البَزَنطيّ فقال:
إنّ أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ هو من أجلاّء الطبقة السادسة، وكان من أرباب الجوامع الأوليّة ـ لا من الرواة فقط ـ بل من علمائهم، وكان معاصراً للرضا (عليه السلام)، وممّن يروي عنه(عليه السلام) بلا واسطة، وكان يروي عن الباقرين عليهما السلام أيضاً بواسطة الرواة عنهما، وكان يجمع تلك الروايات، ومن ثمّ كان من أرباب الجوامع الأوّليّة(2).
إنّ التأكيد على هذا النشاط إنّما هو لأجل التركيز على موقعيّة الراويّ تمهيداً للاعتماد عليه، ومعرفة المراد ممّا نقله، كما هو واضح في ذيل ذلك الكلام، وفي الموارد المختلفة التي تعرض فيها السيد لأمر الطبقات.
ومن هذا القبيل التحدُّث عن مؤلّفات معاوية بن عَمّار، مع التأكيد على وثاقته، فقال: «من ثقات أصحاب الصادق(عليه السلام) له كتابان: كتاب في الحجّ، وكتاب في الطلاق، ولذا كثرت رواياته في البابين»(3)
والربطُ بين تأليف معاوية بن عمّار في الحجّ والطلاق، وبين كثرة ما ورد عنه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج 2، ص 271).
(2) زبدة المقال، الخمس (ص29).
(3) البدر الزاهر (ص87).
في البابين، التي هي بنفسها من المرجِّحات عند التعارض، مشعر بأنّ كون الراوي مؤلّفاً هو في نفسه لا يخلو عن الترجيح.
وكذلك الاستناد إلى حالات الراوي وشؤونه الخاصّة، ككونه «عربيّاً» خالصاً، وفقيهاً، في جعل روايته متقدّمةً، لأنّ مثل تلك الصفات تلازمُ كونَ رواياته مضبوطةً لا اضطرابَ فيها «لأنّ العربيّ الفقيه، أضبطُ من العامّي العجمىّ»(1)ومثل ما قاله في صَفْوان بن يحيى، والحسن بن محبوب، ومحمّد ابن خالد، والحسن بن علي بن فضّال، وعلي بن أسباط، وعلي بن الحسن، من أنّهم: «جماعة كانوا فقهاء، بصراء، متديّنين»(2).
ويدخل في هذا الاعتبار: جعل رواية الراوي عن الثقات دليلاً على مزيد من الوثوق به(3) مثل: رواية عبدالله بن مسكان عن زكريا بن مالك، حيث جعلها كاشفةً عن وثاقة المرويّ عنه «لأنّ مثل هذا الراوي لا يَروي إلاّ عن ثقة»(4) ولأنّ الكشيّ ذكر أنّه «من أصحاب الإجماع»(5).
بل جعل «أصحاب الإجماع ممّن لا إشكال في مرسلاتهم»(6) كما مرّ.
وجعل رواية الفقهاء للحديث، من مقوّمات سنده(7) كما جعل رواية الراوي
- حتّى الثقة ـ عن الضعفاء، موجباً لضعف حديثه، كما قال في البرقىّ(8).
الاعتماد على الإجازة والاهتمام بها:
وممّا يدخل في نشاط الراوي، هو موضوع «الإجازة». فارتباط الراوي ـ في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص287).
(2) تقريرات ثلاثة، الوصية (ص50).
(3) لاحظ: زبدة المقال،الخمس (ص21).
(4) زبدة المقال (ص133 ـ 134).
(5) تقريرات ثلاثة، الوصية (ص67).
(6) نهاية التقرير (ج 1، ص 145).
(7) تقريرات ثلاثة، الوصية (ص50).
(8) البدر الزاهر (ص86).
مجال العلم ـ بالمحدّثين الحاملين له بشتّى الطرق، وحصوله على الحديث لا بُدَّ أن تكون بإحدى الطرق المقرّرة في المصطلح، وقد استقرّ الأمر على الاكتفاء بالإجازة، باعتبارها أوسعها مساحة ومجالاً، وأسهلها تداولاً وتناولاً، وبها يرتفع الراوي المجاز إلى مرتبة يحقّ له أن يجيز، وهو معنى الإلحاق بالشيوخ، الذي وَرَدَ في بعض التراجم، حيث يصبح الراوي المتحمّل لها شيخاً إذا أصدرها وأجاز الرواةَ عنه، وذلك ـ طبعاً ـ حسب شروطها الأساسيّة، وعلى منهج أهلها.
والسيّد البُروجِرديّ، أبدى اهتماماً بأمر الإجازة، بشكل واسع حيث اعتبرها من الاُمور الدالّة على أنّ للراوي نشاطاً متميّزاً أهّله للحصول على الإجازة من المشايخ.
وهو يقول ـ في هذا الصدد ـ:
كيف تُرفع اليد عن الروايات الصحيحة الصريحة المودَعة في الجوامع المقروءة على الشيوخ في جميع الأعصار، المكتوب عليها إجازاتهم في نقلها وروايتها(1).
فبهذا يجعل الإجازةَ طريقاً في نسق القراءة، وهذا رفعٌ لمستوى الإجازة إلى ثاني أرفع طرق النقل والرواية.
كما يبدو منه الاهتمامُ بالتراث الذي عليه صورُ إجازات العلماء والمحدّثين، بنفس المقدار الذي يكنّه من الاعتزاز بالتراث المقروء عليهم. وقد اعتمدَ السيّد حتّى على احتمالها(2).
و جعل عدمَ أهليّة الشخص للإجازة والاستجازة، من التعريض به وعدم الاهتمام برأيه الرجاليّ فقال في ابن إدريس:
كان في القرن السادس، والفصل بينه وبين جميل كثير جدّاً، ولم يكن هو ـكغيره من الفقهاء ـ من أهل الاستجازة والإجازة في نقل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص288).
(2) لاحظ: ترتيب أسانيد التهذيب (ص340) الهامش (12).
الأحاديث(1).
وهذان النصّان يدلاّن ـ بوضوح ـ على أنّ للإجازة شأناً مهمّاً عند السيّد البُروجِرديّ، وأنّ لوجودها وعدمها كذلك أثراً في اعتبار الحديث.
وعلى هذا، قال ـ في حديث له عن سُلَيْم بن قَيْس الهِلاليّ ـ:
وليعلم أنّ سليم بن قيس هو من الطبقة الثالثة، ومن أصحاب عليّ(عليه السلام)، ولأجل اشتهاره بذلك هرب من الحجّاج خائفاً منه حين قدم العراق، فاختفى منه في دار أبان بن أبي عيّاش إلى أن حضرته الوفاة، فدعاه وأعطاه كتابه، وأجاز له نقل ما أورده فيه ممّا رواه عن عليّ (عليه السلام)، وكان هو السبب في رواية ابن أبي عيّاش عن سليم(2).
وهذا يعني عدم إمكان الخدشة في كتاب سليم نظراً إلى الكلام في أبان، مع أنّ طرق الرواية لكتاب سليم لا تنحصر في أبان كما هو مفصّل في محلّه.
وهذا مشير إلى أنّ كتاب سليم لمّا أعطى إلى أبان بطريقة الإجازة تكون رواية أبان عنه معتبرةً لأجل ذلك، ولا يضرّها ما قيلَ في أبان من الكلام المعروف، لأنّ ذلك لا يجري على ما تحمّله أبان بالإجازة، لما تدلُّ عليه الإجازةُ من ثبوت الكتاب وضبطه وصحّة طريقه.
وقد جعل السيّد وجود الإجازة عن المشايخ العظام مفيداً للوثاقة: قال في «محمّد بن إسماعيل» الواقع في سند:
هو مجهول، ولكن الظاهر أنّه هو: محمّد بن إسماعيل النيسابوريّ، الراوي عن الفضل بن شاذان، وهو ـ وإن لم يكنْ مصرّحاً بتوثيقه ـ إلاّ أنّ (إجازة) الفضل بن شاذان له، نقلَ كتابه، ربّما يُستفاد منها وثاقته(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البدر الزاهر (ص289).
(2) زبدة المقال، الخمس (ص128).
(3) نهاية التقرير (ج 1، ص 449) بتصرف.
وقال في «أحمد بن محمّد بن يحيى» الواقع في ابتداء سند:
ما أفاده العلاّمةُ الطباطبائيّ بحر العلوم: من الحكم بصحّة هذه الرواية ـوإن كان أحمد واقعاً في ابتداء السند، وهو لم يرد عنه في الكتب الرجاليّة ذكر ولا تعرُّض ـ إلاّ أنّ وثاقته تُستفاد من رواية الصدوق والشيخ عنه، خصوصاً مع كثرة رواياته، حيث أنّه كان راويةَ أبيه يروي كتبه بإجازة منه، ولكونه ليس له كتاب لم يذكر في الكتب الرجاليّة، فالإنصافُ أنّه لامجالَ للمناقشة في مثل هذا السند(1).
ويدلّ على التزام السيّد بأمر الإجازة، اهتمامه الأكيد بتلقّيها وإصدارها ـ ولو بشكلها المتأخّر ـ:
قال شَيْخنا العلاّمةُ المولى آقا بُزُرْك الطهرانيّ في ترجمة الإمام البُروجِرديّ:
وله إجازة الرواية عنّي، حيث لم تحصل له من شَيْخنا العلاّمة المحدّث النوريّ أعلى الله مقامه، وقد استجازني لمزيد اختصاصي بالمرحوم النوريّ، ووثيق صلّتي به، ولم يزلْ السيّد يتحدّث بذلك ويذكره لمستجيزيه، ولمّا زارالعلاّمةُ الاوردباديّ مشهدَ الرضا (عليه السلام)اجتمع بالسيّد واستجازه، فذكرَ له السيّد مشايخه، وعدّني منهم، كما حدّثني به الاوردباديّ بعد عودته، وحدّثني آخرون بمثل ذلك أيضاً، وذلك فضل له، وحَسَنَةٌ منه، لا أنساها(2).
هذا، مع أنّ السيّد أكبرُ من الشيخ الطهرانيّ، سِنّاً، لكن دلّ فعله على اعتزازه بأصل الإجازة منه، رحمهماالله.
ومع أنّ عمل السيّد هذا يحتوي على تكريم عظيم للشيخ الطهرانيّ، فهو أدلّ على تجليل فائق لأمر الإجازة، وهو تعميق لأثرها في عصرنا الحاضر الذي آلَ أمرُ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ج 2، ص271) بتصرّف.
(2) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر (ج 2، 607 ـ 608).
علم الحديث فيه إلى الإهمال والهجران، فهبَّ السيّد إلى إحيائه من جديد بالأساليب العلميّة، وبالإنجازات الرائعة التي من أبرزها «جامع أحاديث الشيعة» و«الموسوعة الرجالية» الخالدين.
وقد استجاز السيّد شيخَه شَيْخَ الشريعة الأصفهانيّ، فأجازه، كما أجازه شيخُه الآخوند الخُراسانيّ، بطرقهما المعروفة المنتهية إلى المجلسيّ رحمه الله.
كما استجازه جمع من مشايخنا الأعاظم، فهم واسطة العقد بيني وبينهم، منهم:
سماحة الآية السيّد المرعشيّ، وسماحة الحُجّة الشيخ الطبسيّ رضوان الله عليهما.
ولنعد إلى ذكر الطبقات:
وقد بذل السيّد لتحديد طبقات الرواة ـ جهداً واسعاً في القسم الثاني من الموسوعة الرجاليّة، لكنّه قد طبّق المعرفة بالطبقات في بحوثه الفقهيّة بصورة واضحة، وبشكل حيٍّ، كهذه الموارد:
ففي رواية هذا سندها: «محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن عبدالحميد، عن سَيْف بن عميرة، عن منصور بن حازم، قال: سمعتُ أبا عبدالله (عليه السلام)».
قال السيّد:
محمّد بن أحمد بن يحيى: أشعرىّ، قمّي، ثقة، من كبار الطبقة الثامنة هاجر إلى قُم والرىّ، له كتاب نوادر الحكمة، المسمّى عند القمّيّين بـ «دَبَّة شَبِيْب» لاحتوائه على كلّ شيء. وابن عبدالحميد: من الطبقة السابعة. وسيف بن عميرة: من الطبقة الخامسة،
وحينئذ: فربّما يُستبعد رواية ابن عبدالحميد عنه. ولكنّ ابن أبي عُمَيْر كان من المعمَّرين، وأدرك الطبقة السابعة، فلا يبعد رواية ابن
عبدالحميد عنه(1).
وقد أطال السيّد حديثه عن الطبقات في الجزء الأوّل من الموسوعة، وهو ترتيب أسانيد الكافي، في المقدّمة الثانية بتفصيل واف، وذكر فوائدها، وتعدادها إلى عصره(2).
ونكتفي بهذا المقدار من التعريف بالطبقات، والحمد لله.
توحيد الروايات
ومن أوجه أمر الطبقات، ويدخل في «نشاط الراوي» من وجه آخر هو موضوع «توحيد الروايات» الذي يؤكّد عليه السيّد في كثير من الموارد، حيث يحكم برجوع روايات متعدّدة إلى كونها رواية واحدة، معتمداً على أساليب مبتكرة، أو غير شائعة:
منها: الجمع بين اسمَي الراوي، أو اسمه وكنيته ولقبه، خصوصاً مع اتّحاد المرويّ عنه(3).
وهذا يبتني على أمر الطبقات، والمعلومات الرجاليّة، كما هو واضح.
ومنها: الاستناد إلى وحدة الواقعة صدوراً، وعدم تصوّر تعدّدها.قال:
الظاهر أنّ المرسلةَ ليست روايةً على حِدَة، غير المسندة، بل هي مأخوذة منها، ومرجعها إليها، بل المظنونُ أنّ المسنَدتَيْن ـ أيضاً ـ هما رواية واحدة، وأنّ هناك قضيّةً واحدة، وقعت في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام)... فنقلت تلك القضيّة الواحدة إلينا مع اختلاف الطرق إليها، ولأجل اختلاف طرقها اختلفت التعابيرُ فيها، واختلفت مضامينها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البدر الزاهر (ص282).
(2) ترتيب أسانيد الكافي (ج1، ص111 ـ 114).
(3) لاحظ: نهاية التقرير (ج 1، ص 203).
وأضاف: ومثل هذا غير عزيز في الروايات(1).
ونقل عن سليم بن قيس روايتين، وقال عن الثانية:
لكنّ هذه الرواية ليست روايةً اُخرى عنه، غير المتقدّمة بل هما رواية واحدة، وإنّما نقل سليم بن قيس ما سمعه من أمير المؤمنين(عليه السلام) مرّتين بمضمونين مختلفين، ومثل هذا كثير في الروايات(2).
وقال في رواية عن محمّد بن مسلم:
إنّ هذه الرواية يحتمل أن تكون عين الرواية الاُولى، باعتبار أنّ محمّد بن مسلم روى هذه الروايةَ مرّةً واحدة، غاية الأمر: وقع الاشتباه في الذين يروونها عنه، فتارةً عبّروا بقولهم «عن رجل» واُخرى «عن جميل» وكذا في المرويّ عنه، فتارةً عبّروا «بأبي عبدالله (عليه السلام)» واُخرى « بأبي جعفر (عليه السلام)».
ويحتمل التعدّد والتكرُّر، كما هو ظاهر تعدُّد المروي عنه(3).
ومنها: وحدة المضمون، قال في حديث آخر:
يمكن أن يقال: إنّ مرسلةَ المفيد ليست روايةً على حِدَة، بل هي مأخوذة من المسانيد المذكورة.
والأربعة المنتهية إلى معاوية بن عمّار ـ أيضاً ـ يقرب في الذهن كونها روايةً واحدة، وإنّما اختلفت في مقام النقل باختلاف الرواة عنه.
وأمّا رواية إسحاق بن عمّار، فربّما ينسبق إلى الذهن ـ أيضاً ـ كونها إحدى روايات معاوية، لتشابه المضمون، وإنّمانسبت إلى إسحاق اشتباهاً، لتشابه أبويهما اسماً.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) زبدة المقال، الخمس (ص64 ـ 65).
(2) نفس المصدر، الخمس (ص127).
(3) تقريرات ثلاثة،الوصية (ص5).
فترجع الروايات الثمان إلى ثلاث(1).
ومنها: اتّحاد السند والمتن، مضافاًإلى الاعتبار، قال:
الظاهر اتّحاد هذه الرواية مع سابقتها، لاتّحادهما سنداً، وتقاربهما متناً، ويبعُد ـ جدّاً ـ أن يكون ابن مسلم سأل عن حكم المسألة مرّتين(2).
وقال ـ مستنداً إلى هذا الاعتبار بعينه ـ:
لا يخفى أنّ رواية ابن مسلم أصحُّ ما في الباب سنداً، حيث رواها المشايخ الثلاثة بأسانيد متعدّدة صحيحة، ولكنّك عرفت عدم جواز الاعتماد عليها! إذ منَ المحتمل ـ جدّاً ـ أن تكون رواياته الأربع روايةً واحدة، تعدّدت واختلفت باختلاف الرواة عنه، فإنّه من البعيد أن يسأل ابن مسلم حكم مسألة واحدة مرّتين أو مرّات(3).
ولا يعتمد في حكمه باتّحاد الروايات على مجرّد الحدس، بل لا بُدَّ أن يحصل له الاطمئنان بذلك، فهو يقول:
اتّحاد الاُوليين من حديث السند، وتقارب الأخيرتين متناً، ممّا يوجبان الحدس بكون الجميع روايةً واحدة، اختلفت متناً باختلاف الرواة في النقل.
لكن التأمّلَ التامّ ينفي هذا الحدس... وصِرْفُ اتّحاد الاُوليين من حيث السند، لا يقتضي كونهما روايةً واحدة، مع تفاوت المتن جدّاً ـ فافهم(4).
ويقول:
الظاهر اتّحاد الروايتين، بمعنى صدور هذا الكلام من الإمام (عليه السلام)في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البدر الزاهر (ص88).
(2) نفس المصدر (ص283).
(3) نفس المصدر (ص286).
(4) نفس المصدر (ص137).
جواب الخزّاز مرّةً واحدة، غاية الأمر حضور جماعة منهم ابن أبي يعفور، وابن الحجّاج، في ذلك المجلس، واختلاف ألفاظ الروايتين لا يوجب أن يكونا اثنتين، لأنّ من المعلوم أنّ الاختلاف إنّما نشأَ من عدم تحفُّظ الراوي، أو من اختلاف أغراضهم في نقل الرواية(1).
لكنّه عاد وقال عن رواية ابن أبي يعفور ـ:
وما ذكرنا من اتّحادها مع رواية ابن الحجّاج... فإنّما هو مبنيّ على الحدس، ولا يجوز الاستناد إليه في مقام الفتوى(2).
وبهذا يرشد السيّد إلى لزوم التثبُّت بشكل تامّ في الحكم، باتّحاد الروايتين بملاحظة الجوانب كلّها، حتّى يكون مستنداً إلى الاطمئنان الذي هو الحجّة.
وأمّا فائدة هذا الاتّحاد:
فقد صرّح السيّد بأنّها: دفع دعوى التواتر، أو الاستفاضة، وينتفي التقديم بسببه عن إحدى الطائفتين من الروايات المتعارضة(3).
وثالثاً(4): التضعيف بالجهالة:
وبعد تجاوز المراحل السابقة في التضعيف، يلجأ السيّد إلى تضعيف الرواية المعارضة، بجهالة راويها.
فإذا لم تكن مخالفةً للمشهور، بأن لم تكن شاذّةً، ولا نادرةً، ولا مرميّاً راويها بالغُلُوّ المحقّق، ولا مرسلةً، فالملجأ هو النقد السنديّ على أساس أحوال الراوي، فكونه مجهولَ الحال غير موثّق، يُسقطه عن الاعتبار في قبال رواية الثقة.
وبهذا ينحسرُ اللجوء إلى مسألة عدم التوثيق ـ في منهج السيّد ـ إلى أقلّ ما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج 1، ص 196).
(2) نفس المصدر (ج 1، ص 199).
(3) نفس المصدر (ج 1، ص 243).
(4) هذه هي المرحلة الثالثة من مراحل التضعيف الأربعة التي ذكرناها في (ص78) فلاحظ.
يمكن، باعتبار كثرة القيود المفروضة لمجال أثره، وكلّ ما كثر قيوده قلّ وجوده، كما هو المقرّر في فنّه.
وقد يلاحظ في ذكر السيّد لهذا التضعيف، مع التضعيفات السابقة، أنّ مراده ليس الاعتماد عليه في عَرْضها، وإنّما غَرَضَهُ التأكيد على الضعف، ولاستبعاد الرواية باستحضار جميع مراحل التضعيف المرتّبة، وهذا مفيد في ما لو حاول أحد التشكيك في مرحلة سابقة، لتكون المراحل اللاحقة معروضةً أمامَهُ.
لكنّ المفروض أن تُذكر التضعيفات متوالية مرتّبةً حَسَبَ ماوجدنا عملَ السيّد عليه وعرضناه في هذه الدراسة، فيكون هذا التضعيف في نهاية التضعيفات حتّى يوافق ذلك الترتيب، لأنّ كلّ واحد من تلك التضعيفات يمنع من وصول النوبة إلى هذاالأخير، إلاّ أنّ هذا الأمر لم يُراعَ في ما كتبه المقرّرون لبحوث السيّد، وهو مسامحةٌ واضحة.
وقد ضعّف السيّد بجهالة الراوي في مواقع كثيرة من بحوثه الفقهيّة:
مثل قوله في رواية إسماعيل بن مرّار:
لا يخفى عدم السلامة من حيث السند، لكون ابن مرّار مجهولاً، وإن وثّقه بحر العلوم، وبعض آخر(1).
وقال في سند عامّي:
ولم يعلم أنّه موثّق أو لا؟ بل نُقل أنّه أسلم في أواخر عمر النبي(صلى الله عليه وآله)وقد احتاط في إعانة أمير المؤمنين (عليه السلام) في حَرْب معاوية!
ونقل ـ أيضاً ـ: أنّ أبا قلابة فيه نَصْبٌ يسير(2).
وقال في رواية: إنّها موهونة من جهة مجهوليّة بعض رواتها، كخداش(3).
وقال: لا يخفى أنّ سند الرواية في غاية الضعف لمجهولية بعض رواتها،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البدر الزاهر (ص137).
(2) تقريرات ثلاثة،الوصية (ص38 ـ 39).
(3) نهاية التقرير (ج 1، ص 107).
وعدم وثاقة البعض الآخر(1).
وقال: مضافاً إلى غرابة نقل «محمّد بن الحسين، عن عبدالله بن جبلة» بدون واسطة، وهي ـ على فرضها ـ ابن مبارك، ولم تُحرَزْ وثاقته(2).
لكن السيّد لم يُسلّم بكلّ ما قاله الآخرون في مجال الحكم على الرجال، كما عرفنا مناقشته لتوثيق بحر العلوم لإسماعيل بن مرّار.
وكذلك ناقش حكمهم بجهالة «محمّد بن علي بن أبي عبدالله» فقال في رواية رواها:
أمّا تضعيف سندها بجهالة الراوي (محمّد بن علي بن أبي عبدالله) فمندفع بأنّ أحمد بن أبي نصر البزنطيّ لا يروي إلاّ عن ثقة، كما ذكره الشيخ، فيكفي في وثاقة (محمّد بن علي ابن أبي عبدالله) أنّ البزنطي يروي عنه، فإنّه لا يروي إلاّ عن ثقة(3).
أقول: وقد حكموا بجهالة «محمّد بن علي بن أبي عبدالله»(4).
إلاّ أنّا توصّلنا في بحث مفصّل إلى معرفته(5) وسيأتي ذكر ملخّص ما قلناه، وما ذكره السيّد البُروجِرديّ عنه في نهاية هذا الباب من هذه الدراسة(6).
ولقد وقفنا على مناقشات للسيّد في مسألة التضعيفات تدلّ على اجتهاد السيّد في أحكامه في مثل ذلك، لا بأس بتسجيلها هنا:
في المقدّمة الثالثة من مقدّمات ترتيب أسانيد الكافي، في ترجمة «إسحاق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ج 1، ص 196).
(2) نفس المصدر (ج 1، ص 148).
(3) زبدة المقال، الخمس (ص21).
(4) لاحظ: معجم رجال الحديث (ج 16، ص 343) ويراجع: (ج 16، ص 304 رقم11267) و مستند العروة، كتاب الخمس: (ص43).
(5) لاحظ: بحث الكنية المنشور في مجلّة تراثنا العدد (17)، (ص58 ـ 62).
(6) لاحظ: (ص216) و ما بعدها،في خاتمة هذا الباب من هذه الدراسة بعنوان استدراكاته و تنبيهات.
بن الحسن» أبي الحسن العقرائي، الخامس من مشايخ الكُلَيْنيّ، بعد نقل كلام النجاشيّ فيه: إنّه كثير السماع ضعيف في مذهبه ـ قال السيّد:
تضعيفه له في مذهبه، لا يُفيد قدحاً فيه، لعدم ذكره السبب، لاحتمال كونه شيئاً لا نراه ضعفاً(1).
وقال في مورد آخر: إنّه كان مستوراً على ظاهر العدالة(2).
وقال في تضعيف النجاشيّ لأبي المفضّل:
كأنّ تضعيفَه والغمزَ فيه سرى من العامّة إليهم، أو اطّلعوا على أمرً آخر، وما ذكره العامّة لا يُوجب ضعفاً لاحتمال السهو في مثل هذه الخصوصيات(3).
وفي قول النجاشيّ عن محمّد بن جعفر الأسديّ نزيل الرىّ: كان ثقةً، صحيح الحديث، إلاّ أنّه يروي عن الضعفاء، وكان يقولُ بالجبر والتشبيه، له كتاب، الجبر والاستطاعة، قال السيّد:
القولُ بالجبر من مثله عجيب، والقولُ بالتشبيه أعجب، لكن لمّا لم ينقلْ إلينا كلامه في المسألتين كُنّا في فسحة من ذلك، إذ يحتمل أن يكون رميه بهما مستنداً إلى ما لو وقع إلينا لم نستفد منه ذلك(4).
وهذا يدلُّ على إعراض السيّد عن التضعيفات المبتنية على التعصُّب المذهبىّ من دون سببً آخر مصرّح به.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ترتيب أسانيد الكافي (ص115).
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
(4) نفص المصدر (ص120).
تنبيهٌ هامّ
ويتفرّع على قلّة لجوء السيّد إلى التضعيف بهذا الاُسلوب أنّ حاجةَ السيّد في معالجاته الرجاليّة إلى التصريح بالتوثيق للراوي تقلُّ إلى درجة بالغة، ولذلك قلّما نجده يتعرّضُ لإثباته، بل نجده يصرّحُ بقوله:
إنّ تخصيص الحجيّة للخبر، بالخبر الصحيح ـ المصرّح بوثاقة رواته ـ غير صحيح(1).
وإذا أضفنا إلى ذلك تصريحه الآخر، بأنّ:
عدمَ تعرّض الشيخ الطوسيّ في فهرسته لبعض الرواة - باعتبار عدم كونه مصنّفاً ـ لا يدلّ على عدم كونه ثقةً عنده(2).
مضافاً إلى قلّة «التوثيقات» الصريحة في التُراث الرجاليّ والمصادر الرجاليّة الاُولى، وضآلة عدد الموجود منها بالنسبة إلى زُرافات الرواة التي تعجُّ بأسمائهم المعاجم الرجاليّة المتأخّرة، وكذلك تزخَرُ بأسمائهم أسانيد الروايات المجموعة في الاُصول الحديثيّة، حيث لم يَحْضَ بالتصريح بحالته الرجاليّة ـ أعمَّ من التوثيق والتضعيف ـ سوى رُبْع المجموع منهم.
كلّ هذه الحقائق، تؤكّد على ضرورة انتهاج مسلكِ القدماء في البناء على الاكتفاء بالنقد الرجاليّ واللجوء إليه في الحالات النادرة فقط، والاقتصار على التضعيف بالجهالة على القليل بل الأقلّ، كما هو الحال في منهج السيّد البُروجِرديّ .
وعلى هذا يمكن الجزمُ بأنّ ما نجده عند السيّد من التعبير عن مختلف الأحاديث والروايات بمثل: الرواية، والخبر، والصحيح، والصحيحة، والموثّقة، والمعتبرة، في ما يَحتجُّ به منها، وفي ما لا يَحتجُّ به، إنّما هو مشيٌ في التعبير على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية التقرير (ج 2، ص 311) بتصرف وتوضيح.
(2) نفس المصدر (ج 2، ص 271).
ما هو متداول في ألْسِنَة الفقهاء، لا من أجل التزام خاصٍّ بما اصطلحوا عليه، ولا من أجل خصوصية تؤدّي إلى التقديم أو التأخير حسبَ تلك المصطلحات.
ويمكن استفادة ذلك بوضوح من أنّه قد يرفع اليدَ عمّا تُدعى بـ«الصحيحة» عندما تكون الشُهْرةُ الفتوائيّة ـ التي هي عنده أوّلُ مراحل الترجيح ـ على خلافها.
ونراهُ يستدلُّ بكلّ الأنواع المذكورة بسياق واحد ونهج متماثل، فيناقشُ دلالاتها، ويوفّقُ بينها، من دون تعرُّض لخصوصياتها المصطلحة من حيث السند.
ويحاولُ الجمع بين الصحيحة والمرسلة أو الموثّقة ـ مثلاً ـ لأنّ الجمعَ عنده أولى من الطرح قبل أن يستقرَّ التعارض، من دون تقديم الصحيحة، لصحّتها.
وعندما يستقرُّ التعارض، يلجأ إلى المحاولات التي ذكرناها على الترتيب، والتي آخرها مسألة النقد السنديّ بالجهالة وعدم التوثيق.
مع أنّ السيّد مالك لأزمّة علم الرجال وبقدرة فائقة متميّزة، ولعلَّ في تعبيره عن الروايات بالصحيحة تارةً، بل حكمه على بعضها بأنّه في غاية الصحّة، وكذا سائر الأحكام، دليلاً واضحاً على تضلّعه ووقوفه على كلّ ما يلتزمه الآخرون في هذا المجال، وإن خالفهم في المَنْهَج، وفي تطبيق تلك الأحكام في مجال العمل والاستدلال.
ورابعاً (1) بموافقة العامّة:
إنّ ممّا لا ريبَ فيه هو تداخل الثقافات المتداولة لدى أهل المذاهب الإسلاميّة المتعدّدة، لفرض وحدة الدين، والإجماع على اُصوله الأساسيّة، وعلى أهمّ فروعه، ولوحدة الكثير من مصادر التشريع ونصوصها.
كما أنّ الارتباط الوثيق بين رجالات المذاهب، لاتّحاد البيئات، كان له الأثرُ العميق في تداخُل الثقافات، وتبادُل المعارف والمعلومات، وتناقُل الأفكار والآراء والنظريّات، وتلاقحها، ممّا أثرى الحضارة الإسلاميّة، وكان من أسباب رقيّها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذه هي المرحلة الرابعة من مراحل التضعيف الأربع التي ذكرناها في (ص78) فلاحظ.
وازدهارها، بشكل سريع، وقويّ، في العصور المتمادية من تاريخ الإسلام.
ولو اتّخذَ الدارسُ من الإنصاف دليلاً مرشداً، لوجَدَ باُمّ عينَيْه، وبكلّ وضوح: أنّ نقاط الاشتراك والوِفاق بين ثقافات المذاهب الإسلاميّة - سواء مصادرها أم آرائها-لهيَ أكثرُ من مواقع الافتراق والخلاف، قطعاً. فالتقارب بيّن في أهمّ المصادر، وعناوين المواضيع والمصطلحات العقائديّة، والأحكام الشَرعيّة، في اُصول الدين وفروعه، وكلّ ذلك منضو تحت الحقّ المجموع في كلمتي الشهادة بالإسلام: «لا إلـهَ إلاّ اللهُ» و«محمّدٌ رسولُ الله».
وقد كان السيّد محدّثاً عظيماً وفقيهاً إماماً ومصلحاً كبيراً، يؤكّدُ في كلّ هذه الأصعدة على التقارُب بين المذاهب.
وقد أقدمَ عمليّاً على تأسيس أوّل دار للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، في تاريخ الإسلام كلّه، وذلك في أكبر عاصمة إسلاميّة وهي «القاهرةُ».
وكان في مشروعه هذا سابقاً جميعَ المصلحين المعاصرين، في رفع عَلَم الوحدة الإسلاميّة، وعلى أرفع مستوىً علمىّ.
واختارَ للدار موقعاً في قلب العالم الإسلاميّ وهو القاهرة، لتكون منطلقاً أميناً لهذا النداء الرساليّ، وأبلغ في خلوص القصد وصدقه، وأقرب للتأكُّد من عمق أبحاثه، ووضوح أهدافه للعالم الإسلاميّ، حيث تدور الأبحاث في وسط علماء أفذاذ هُم في قمّة المناصب العلميّة والدينيّة في الوسط السنّي، كما أنّ المشروع نابع من أعلى قمّة شامخة شيعيّة.
وقد اعتبر السيّد البُروجِرديّ بعمله هذا الفاتحَ العظيم لميدان التقريب، بتخليد هذا المشروع الإسلاميّ الذي لا يُمحى أثره، ولا يُنسى دورُه، جزاهُ اللهُ عن الإسلام والمسلمين الجزاء الأوفى.
وفي مجال الفقه كان للسيّد منهجٌ عمليٌّ يبثُّه في مدرسته، يتلخّص في: أنّ المسألة المعروضة في بيئة إسلاميّة معيّنة، كالمدينة، أو الكوفة.. حيث تجتمع
الفئات المذهبيّة المتعدّدة، ذات الاجتهادات المتفاوتة، فلا بُدَّ أنّها كانت تُعرَضُ على مستوىً عامٍّ يكون لكلّ تلك الأطراف حولها بحثٌ ورأي، بل ربّما يقع بينَها في تلك المسألة أخذٌ وعطاءٌ، وردّ ودفع.
فبالإمكان ـ لو اطّلع الباحثُ على جميع تلك العطاءات ـ أن يستفيدَ من مختلف الآراء والاستدلالات عليها، والبحوث والمناقشات حول تلك المسألة، عند كلّ الطوائف، في معرفة جذور المسألة، وتحديد موضوع الخلاف والنزاع، ومحطّ النفى
والإثبات. وهذا ممّا له دخل مباشر في تحديد موضوع المسألة المبحوث عنها، وهو يُسهّل أمر توجّه الأدلّة، واستفادة الحكم بصورة أوضح وأسرع.وقد استلهم السيّد هذا من سيرة علماء الشيعة منذ القِدَم، محاولين الاستفادة من ذلك بشكل واسع، حتّى أصبحَ الفقيهُ الشيعيّ أكثر جامعيّةً لآراء المذاهب الاُخرى، وأكثر احتواءً على إيجابيّاتها، لإيرادها ومناقشتها، ممّا جعله أجمع، وأنفذ، وأعمق، وأوضح منهجاً واستدلالاً.
فمنذ عصر الفَضْل بن شاذان ( فى بداية القرن الثالث) تصدّى هذا الفقيهُ العظيم، لآراء المخالفين، فأوردها ونقدها بشكل واسع في كتبه ومنها «الإيضاح» بما يُشكّلُ أولى قواعد الفقه المقارن.
ثمّ الفقيهُ العظيم الحُسين بن عُبيدالله الغضائريّ (المتوفى411هـ) في بعض كتبه،وزميلُه الإمامُ المجدّدُ للقرن الخامس، الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان، المفيد(المتوفى413هـ) في كتابه العظيم «الإعلام».
ثمّ السيّد الفقيهُ الأعظم الشريف المرتضى علي بن الحُسين الموسويّ (المتوفى436هـ) في كتابه الخالد «الانتصار».
ثمّ الفقيهُ المحدّث الإمامُ شَيْخُ الطائفة الطوسىّ محمّد بن الحسن (المتوفى460هـ) في كتابه الكبير العظيم «الخلاف».
ثمّ الفقيهُ الأعظمُ الجامع العلاّمةُ الحلّىّ الحسن بن يوسف بن المُطَهَّر (المتوفى 726هـ) في موسوعته الخالدة «تذكرة الفقهاء».
فقد التزم السيّد البُروجِرديّ العودة إلى هذا المَنْهَج بشكل جدّي وبارز في أعماله الفقهيّة المتميّزة بالحيويّة، والإبداع.
وفي مجال الحديث والرجال:
يبدو تسالُم القدماء على الاستدلال بالأحاديث المشتركة بين الفُرقاء، والمتّفق عليها بين جميع المسلمين، على الأغراض الفقهيّة من دون مناقشة سنديّة، باعتبارها أتمُّ حجّة، لكونها مسلّمةَ الصدور، عند جميع الاُمّة، ولا معنى للبحث عن إسنادها بعد مثل هذا الإجماع.
فالكتب الجامعة لمسائل الفقه المقارن، والتي ذكرنا أهمّ وأجمع عناوينها، تحتوي على مجموعة كبيرة من تلك الأحاديث.
وقد حاول واحدٌ من كبار علمائنا النابهين جمعها وترتيبها وهو المحدّث الاُصوليّ الفقيهُ المتكلّم، المؤلّف البارع، الشيخ محمّد بن علي بن إبراهيم، المعروف بابن أبي جُمهور الأحسائيّ (ق10) في كتابه «غوالي اللآليء».
ومن المؤسف أنّ بعض من لا خبرة له بمنهج هذا المحدّث العالم، وأهدافه العلميّة، أو بعض المغرضين من الناقمين على علمه والحاسدين لفضله، انتقده بما لايليق، وادّعى أنّ ما في كتابه هذا إنّما هو منقول من روايات المخالفين، بينما ما ورد في هذا الكتاب ليس إلاّ ما أثبته فقهاؤنا في كتبهم الفقهيّة، جمعها ناصّاً على مصادرها ومواردها، ومصرّحاً بطرقه وأسانيده إلى مؤلّفيها الذين هم أعلام الشيعة وفقهاؤهم ومحدّثوهم.
وليس وجودُ الأحاديث في مصادر العامّة إلاّ دليلاً على ما نحنُ بصدد ذكره من اشتراك المصادر والنصوص بينَ المذاهب الإسلاميّة، وهذا من نِعَم الله على هذه الاُمّة.
ولم تقتصر استفادة فقهاء الشيعة على تلك الروايات المشتركة، بل لهم في مراجعة الأحاديث المرويّة في مصادر الحديث عند العامّة منهجٌ علميّ رصين، يتلخّصُ في النقاط التالية:
1 ـ إذا كان الرواةُ للحديث، ثِقاتاً، حسبَ المَنْهَج العلميّ المتّخذ للفقيه في علم الرجال والمصطلح، فالحديث يسمّى بالموثّق.
2 ـ في ما إذا كانت الرواية تتّصل بالأئمّة الاثني عشر: وقد قبلتها الطائفة واتّفقت على العمل بها، ككتاب حفص بن غِياث القاضي، ونُوح بن دَرَّاج، والسَكُونىّ، وأمثالهم من كبار الرُواة.
3 ـ عند فُقدان أيّ نصٍّ، فإنّ المعتمد هو ما رواه العامّة عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد روى الشيخ الطوسيّ في ذلك حديثاً عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).
قال الطوسيّ: وإن لم يكن هناك من الفرقة المحقّة خبرٌ يُوافق ذلك ولا يخالفه، ولا يُعرف لهم قولٌ فيه، وجبَ ـ أيضاً ـ العملُ به لما رُوي عن الصادق (عليه السلام)أنّه قال: «إذا نزلتْ بكم حادثةٌ لا تجدون حكمَها في ما رُوىَ عنّا، فانظروا إلى ما رَوَوْهُ عن عليّ(عليه السلام)فاعملوا به»(1).
4 ـ عندما تردُ روايةٌ عند العامّة، وقد وافقها ما عندنا من الروايات حتّى لو كانت مرسلةً، فإنّ العمل يكون عليها، في ما لم تُعارَض بأقوى منها.
هذا هو أثبتُ المواقف من الحديث المرويّ بطرق العامّة وفي مصادرهم، ولذلك نجدُ كتبَ الفقه الشيعىّ، وبخاصّة التي تحتوي على الاستدلال والمقارنة، تزخرُ بالحديث المنقول عن العامّة بشكل ملحوظ.
وليس ذلك من قلّة في الحديث عند الشيعة، كما يُحاول أن يوحيَه بعضُ الجهلة، بل يعتمد على منهج مستند إلى اُصول علميّة، والتزامات عقيديّة، ترتكز
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عدّة الاُصول (ج 1، ص 61) ولاحظ: رجال الخاقاني (ص301).
على حفظ الوحدة بين الاُمّة الإسلاميّة، استلهاماً من سيرة الأئمّة الاثني عشر: أنفسهم، للتأكيد على الحقّ وإظهار وجهه الحَسَن.
فالحقّ هو الوجهةُ الاُولى لهم: ولأتباعهم، ولا نُعرضُ عنها من أجل تعصُّب مذهبيّ مزيّف، أو نظرة طائفيّة ضيّقة.
والدليل على ذلك: أنّ الحديث الوارد في خصوص الأحكام، عند الشيعة الإماميّة ـ يناهز ـ في العدّ التقريبيّ الستّينَ ألفاً من الأحاديث، الواردة في الكتب الأربعة ـ فقط ـ والتي هي الجوامع الحديثيّة القديمة.
بينما مجموع ما في الكتب الستّة للعامّة يبلغ على أكثر الأحوال 38414حديثاً تقريباً (1).
مع أنّ كثيراً ممّا في كتب الفريقين هي أحاديث مشتركة لفظاً، أو متقاربة معنى.
وإنّما الغرض من مراجعة كتب الطائفة الاُخرى هو التزوُّد ممّا فيها لتحصيل القناعة الأوفر بالنتائج، والخروج عن عُهدة التكاليف الملقاة على عاتق المكلّف المتديّن، باطمئنان ووثوق أكثر.
وقد استفادَ السيّد البُروجِرديّ من هذا المنهل العلميّ العذب بشكل وافر:
فنراه يستند إلى روايات منقولة عن مصادر العامّة، في تأييد ما انتهى إليه من الرأىُ الفقهيُّ من خلال الأدلّة الخاصّة، وبالأخصّ في ما وافقَ المشهور.
وفي صورة انفراد العامّة بحديث، كما في مورد قاعدة «على اليَدِ ما أخذتْ حتّى تؤدّي» الذي جاءَ في مصادر العامّة بشكلِ حديث رووه مسنداً ومرسلاً، عند الترمذيّ وأبي داود، بينما لم يردْ في شيء من مصادرنا الحديثيّة فإنّ السيّد تمسّك به، وبنى عليه تأسيس قاعدة اليَد العامّة(2) والمهمّة، لأثرها الواضح في فقه ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: تدريب الراوي للسيوطي و علوم الحديث، لدكتور عبدالله محمّد شحاته.
(2) تقريرات ثلاثة،الغصب (ص128).
المعاملات.
وقال السيّد في حديث: «الناسُ مسلّطون على أموالهم وأنفسهم»:
إنّه اشتهرَ في ألْسِنَة الفقهاء، وعُنوِنَ في كتبهم، ولم نجده في الكتب الحديثيّة، لا من طريق الخاصّة، ولا من طريق العامّة(1).
والسيّد ـ وإن نفى وجود الحديث في كتب الخاصّة والعامّة ـ إلاّ أنّ هذا النفىَ، يقتضي كون وجوده في كتب العامّة مؤثّراً لو كان موجوداً.
مع أنّ نفيَ السيّد لوجود الحديث أصلاً، غريبٌ جدّاً.
فقد أرسله الشيخُ ابنُ أبي جُمهور الأحسائىّ، في مواضع عديدة من كتابه الغالي «غوالي اللآلي» وهي هذه بعناوينها:
1 ـ المقدّمة، الفصل السابع، في ذكر أحاديث تتضمّنُ شيئاً من أبواب الفقه، ذكرها بعض الأصحاب في بعض كتبه(2).
2 ـ الباب الأوّل، في أحاديث ذكرها بعض متقدّمي الأصحاب، المسلك الثالث في أحاديث رواها الشيخ محمّد بن مكّي (الشهيد الأوّل) في بعض مصنّفاته(3).
3 ـ المسلك الرابع في أحاديث رواها المقداد السيّوريّ(4).
4 ـ الباب الثاني، القسم الثاني، أحاديث تتعلّق بأبواب الفقه، رواها ابن فهد الحلّي، مرتّبةً على ترتيب المحقّق نجم الدين الحلّي(5).
الموقف من روايات العامّة عند التعارض:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر (ص181).
(2) غوالي اللآلي (ج 1، ص 222) رقم (9).
(3) نفس المصدر (ج 1، ص 457) رقم (198).
(4) نفس المصدر (ج 2، ص 138) رقم (383) وهو في كنز العرفان (ج 2، ص43).
(5) غوالي اللآلي (ج 3، ص 208) رقم (49) وهو في المهذّب البارع (ج2، ص371) في الاحتكار، و(ج2، ص517) في منجزات المريض وقد نقل عن التذكرة للعلاّمة (ج1، ص489) في أحكام الشروط من البيع.
هذا ملخّصُ الموقف من أحاديث العامّة، في صورة عدم التعارض، لكن في ما إذا كانت الأحاديثُ متعارضةً، حَسَبَ قواعد التعادُل والتراجيح، المذكورة في كتب الاُصول، فالموقف يتحدّد حَسَبَ ما يلي:
بما أنّ الخبرَ الواحد لا يكشفُ عن الواقع بصورةً علميّة، وإنّما غاية ما يعطيه هو الظنّ، لاعتماده على الظنّ، ولو من ناحية الصدور.
وبما أنّ من الضروريّ الإعراض عن أحد المتعارضين، بعد استقرار التعارض، وعدم إمكان الجمع والعمل بالمدلولين معاً، فلا بُدَّ من الالتزام بأحدهما دون الآخر.
وبما أنّ الظروف التي مرّت بها الحضارةُ الإسلاميّة، وجانبها الثقافيّ بالخصوص، تضمّنتْ أزمات أثّرتْ عدمَ الاستقرار، على أثر استيلاء حكومات منحرفة، وحكّام جهلة، تدخّلوا في كلّ مرافق حياة المسلمين، حتّى التشريع والعقيدة، إلى حدّ سفك الدماء من أجل الالتزام بالأفكار والعقائد والشرائع، ممّا ألجأ الكثيرين إلى مجاراة الدول والحكّام في الإعلان عن الملتزمات، أو دعا بعض المحترقين على مصير الاُمّة والدين إلى مداراة المتسلّطين حتّى لا يمسّ أذاهم اُصوله العميقة.
وفي مثل هذه الأجواء زيّفتْ عناصرُ الجهل والزُور نصوصاً وثبّتتْ أحاديث لصالح إرادات الحاكمين وأهوائهم من عقائد وأحكام.
وكان الشيعةُ ـ على طول الخطّـ محارَبين من قِبَل الحُكّام، باعتبارهم المعارضين، الذين يمتلكون عقيدةً وفكراً كاملاً مستقلاّ، ومعتمداً على المصادر الإسلاميّة الأساسيّة، وكذلك تشريعاً متكاملاً مستنبَطاً من القرآن والسنّة، فوجودهم ـوهم يحملون ذلكـ يشكّلُ مصدرَ قلق لاُولئك الحكّام الذين يريدون الاستبداد بحكم الاُمّة، وفرض إرادتهم على عقيدتها، وتشريع الأحكام على
هواهم(1).
ففي مثل هذه الظروف والأجواء، فإنّ تزوير مجموعة من الأحاديث المخالفة لما عليه التزام الشيعة من أحكام وآراء، وبثّها بين العامّة، تفريقاً بين المذاهب، وإلقاءً للخلاف، هو المتوقّع من اُولئك الحكّام غير الورعين، والذين كانوا يتعاطون كلّ منكر، بلا رادع، أو وازع.
وأمّا الأئمّة: وفقهاء أصحابهم، فقد واجهوا هذا الوضع وتلك الاستفزازاتِ، بالحقيقة المكشوفة، في حين إتاحة الظروف ومؤاتاتها، ولكن إذا كانت تشتدّ وتضيق، أو تكثرُ المراقباتُ والمضايقاتُ من قِبَل أجهزة الحكم، فإنّ المواقف كانت تتغيّرُ، حسبَ مصلحة الاُمّة والدين، إلى حدّ الموافقة مع الحكّام، حفاظاً على وحدة الكلمة، وخصوصاً عند مواجهة أعداء الدين، أو عروض قضايا مصيريّة مشتركة، تهدّدُ أمن الإسلام نفسه، فالإعراضُ عن حقّ فقهىّ خاصّ يُصبحُ في مثل هذا الظروف واجباً، حفاظاً على اُصول الشريعة وكيان الدولة الإسلاميّة، ووجود الاُمّة.
وقد جاء التصريحُ بهذه الحقائق في كثير من أخبار العلاج بين الأحاديث المتعارضة.
وبعد أن اجتمعتْ الأحاديثُ كلّها في ميدان واحد، فالتمييزُ بين الأحاديث الموافقة للحقّ، والاُخرى الموافقة للسياسة الواردة بشكلِ رأىِ العامّة، أمرٌ ضروريّ، حتّى يُمكن الوصولُ إلى الحقّ.
فإنّ احتمالَ كون الحقّ في طرفِ ما يُخالف رأي العامّة، واردٌ، وأن يكونَ الأرجحُ هو ما اختصّ به الفقه الخاصّ، المنقول بطرق موثوقة، أو المعمول عليه والملتزم به من قِبَل الخاصّة بالإجماع.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إقرأ طرفاً عن هذه الأجواء والظروف والذين كانوا وراءها ومبرّراتهم وأساليب عملهم في كتابنا «تدوين السنّة الشريفة» طبع قم 1413هـ.
ولذلك نرى السيّد البُروجِرديّ يلتزم بكون مخالفة العامّة مرجِّحاً(1) عند استقرار التعارض، كما أوضحنا.
وكذلك ردّ المعارض بموافقة العامّة(2).
وأيضاً: حمل موافق العامّة على التقيّة(3).
وليس الغرضُ مخالفةَ العامّة دائماً، بما أنّه رأيٌ للعامّة، بل الأمر يرتبطُ بعدم الثقة بصدور الأخبار الموافقة لهم، في مثل ظروف الهرج والمرج المذكور!
ومن أجل ذلك، قال السيّد:
ولا يصحّ الحملُ على التقيّة عند عدم عنوان عامّ للمسألة، في زمن صدور الأخبار(4).
كما أنّه ليس الهدفُ تخطئةَ التُراث السنّىّ وشجبه، في الحديث والفقه مطلقاً، كما يتخيّله بعضُ الجهلة، وكما يتعاملُ المتعصّبون تجاه المذهب الشيعيّ وتراثه العظيم.
لأنّ الفقهاء يُعلنون عن «معذوريّة» أهل المذاهب... فكلُّ مذهب هو لازمٌ لأهله أنْ يتّبعوه، بعد استنفاذ الوُسع في معرفته والوصول إليه حسبَ الأدلّة العلميّة والتحرّي التامّ، ولا يجوزُ لهم التخلّفُ عنه بعد الالتزام والقناعة به بحيث ُتؤدّي الموانعُ إلى القصور عن نيل الواقع.
بل يُفتونَ بعدم صحّة عمل المقلّد على خلاف ما يلتزمُ به من المذهب في العبادات، حتّى لو وافقَ الحقَّ، للإشكال في تأتّي قصد القُربة منه في العبادات.
وهذا ينُمُّ عن نظرة واقعيّة إلى الاُمور، وتكريم للالتزام إلى حدٍّ بعيد، بينما
ــــــــــــــــــــــــــــ
هو دفعٌ على الدقّة التامّة والتحرّي الواسع، في معرفة مواضع الإِقْدام والأَقْدام،قبل
(1) البدر الزاهر (ص245).
(2) تقريرات ثلاثة، الوصية (ص82 و71) و ميراث الأزواج (ص126).
(3) البدر الزاهر (ص32).
(4) تقريرات ثلاثة،الوصية (ص80).
الالتزام النهائي، حَذَراً من الانزلاق في المتاهات المصطنعة.
عمل السيّد في هذا الموقف:
وقد جعل السيّد اللجوء إلى هذا الموقف ـ رغم وضوحه ـ في نهاية محاولاته الترجيحيّة، حيث «آخرُ الدواءِ الكَيُّ» وهذا يدلّ على أنّه اعتبرَ الترجيحَ بمخالفة العامّة ممّا يرتبط بالسند، لا بالدلالة، وأنّ مسألة المخالفة والموافقة ليس على أساس التعصّب للآراء، وإنّما هو على أساس عدم الثقة بالصدور، حسبما شرحناه من مفارقات الظروف المحيطة بصدور الأحاديث، يعني أنّ جهة الترجيح والإشكال في الخبر المعارض الموافق للعامّة إنّما هو التشكيك في صحّة صدوره لا في محتواه ومدلوله موافقةً ومخالفة، وإن عَبّروا بهذين اللفظين الدالّين على كون جهة الترجيح في نفس المداليل، فلاحظ.
نعم، الإشكال في الصدور قد يكون من أجل أصل الصدور، واحتمال الوضع والتزوير، أو من أجل جهة في الصدور كالتقيّة أو المداراة، على ما شرحنا.
فلا يتوهّم: أنّ جعل الملاك في الترجيح هنا، دائراً مدار أصل الصدور، يُغني عن البحث في الجهة.
وأقول: يمكن التفرقة بين الترجيح بالمخالفة، وبين الردّ بالموافقة، فإنّ المعارض المخالف للعامّة إنّما يُرجّح بموافقة مدلوله للخاصّة، ومخالفة مؤدّاه للعامة، فيكون الترجيح بالدلالة، بقطع النظر عن صدوره فضلاً عن الجهة.
وأمّا المعارض الموافق للعامّة، فيُردّ على أساس التشكيك في أصل صدوره تارة، ومن أجل جهة الصدور، تقيّةً أو مداراةً.
لا يُقال: إنّ موافقة أحدهما تستلزم مخالفة الآخر، مدلولاً، على كلّ حال.
لأنّا نقول: كونه موافقاً للعامّة مدلولاً، لا يستلزم أن يكون الردّ على أساس المدلول، ما دام التشكيك في الصدور ممكناً، وهو مقدّم على الاستناد إلى الدلالة، لأنّه وارد عليه لتقدّمه الرتبيّ، كما لا يخفى.
والحاصل أنّ جعل السيّد أمر الترجيح بالمخالفة للعامّة، في نهاية المرجّحات الصدورية، وليست الدلاليّة، فيه الالتزام الصريح بأنّ الأمرَ لا يرتبط بأصل الآراء والالتزامات، بقدر ما هو مرتبطٌ بعدم الوثوق بما دُسَّ في ذلك التُراث ممّا يوافق السلطات الحاكمة الغاشمة، أو صدورها حتّى من الأئمّة: وأنصارهم على أساس من المماشاة والمداراة رعايةً للمصلحة الإسلاميّة العامّة في حفظ الوحدة والاُلفة بين طوائف الاُمّة الإسلاميّة الموحّدة.
خاتمةُ الباب الأوّل
وبهذا نأتي على آخر ما لزمَ عرضُه من منهج السيّد الإمام البُروجِرديّ وقد وقفنا خلالَ العرض على المَنْهَج الرِجاليّ الرصين، ولا غروَ فإنّ السيّد قد اتّجهَ إلى هذا العلم، منذ أيّام الطلب وفي شرخ شبابه، وعُنفوان عمره، فسَبَرَ أغواره على أيدي عباقرته وأعلامه.
يقول شَيْخنا العلاّمةُ الرجاليّ آقا بُزُرْك الطهرانيّ ـ زميل السيّد في النَجَف الأشرف(1320 ـ 1328) ـ وهو يصفُ ما رآه من السيّد تلك الأيّام من الجهود العلميّة والمثابرة، ما نصّه:
ولم تقف همّتُه القعساءُ عند حدٍّ، بل راحَ يسعى وراءَ العلوم ليسبِر غَوْرَها، وينتقىَ من لآلئها. فقد حَضَرَ على شَيْخنا شَيْخ الشريعة الأصفهانيّ في بحثه الرجاليّ مدّةً طويلة، حتّى حصل له من هذا العلم ما يكفي المجتهد لاستخراج الأحكام الشَرعيّة من أدلّتها، ويزيد عليه.
وقد ألّف في هذا الفن كُتُباً لها قيمتُها، كما أنّه يُعَدُّ اليومَ من أعلام هذا الفنّ والمتبحّرين فيه، وفي معرفة طبقات المحدّثين والرواة وتراجم أحوالهم(1).
ولذلك تميّزت آراءُ السيّد في كلّ فروع هذا العلم ومباحثه بالرصانة والقوّة، والأهميّة.
وقد وقفنا خلال تجوالنا في بحوثه الفقهيّة على نكات وتحقيقات ـ حول أشخاص الرواة، وحول الكتب والمؤلّفات، وحول عناوين الموضوعاتـ كلّها موثّرة في المعالجات الرجاليّة، وإليك بعض ما سجّلناه ممّا يدورُ في فلك هذه الجهات، مذيّلةً بمصادرها:
الرواة:
1 ـ توثيق أحمد بن محمّد بن يحيى، نهاية التقرير (ج 2،ص 270 ـ 271).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقباء البشر (طبقات أعلام الشيعة) (2/606).
2 ـ تعيين إسحاق بن يعقوب، الذي يروي عنه الكُلَيْنيّ، زبدة المقال، الخمس (ص122).
3 ـ حول جعفر بن بَشير، تقريرات ثلاثة، ميراث (ص 105).
4 ـ حول داود بن أبو زيد، وأنّه متّحدٌ مع داود بن فَرْقَد، نهاية التقرير(1،ص 28).
5 ـ حول عبدالله بن المغيرة، تقريرات ثلاثة، ميراث (ص109).
6 ـ حول عبدالملك بن أعْيَن، وأنّه عامّي، البدر الزاهر (ص44 ـ 45).
7 ـ حول ابن أبي عقيل الفقيه العُمانيّ وتعيين طبقته، البدر الزاهر (ص95).
8 ـ حول علي بن الحَسن بن فضّال، البدر الزاهر (ص95).
9 ـ حول علي بن مَهْزِيار، وأنّه لا يروي عن غير المعصوم مباشرةً، نهاية التقرير (ج 1، ص 237).
10 ـ توثيق عمّار الفطحي، نهاية التقرير (ج 2، 310 ـ 311).
11 ـ حول عُمَر بن حَنْظَلة والتعبير عن خبره بالصحيح مع التعبير عن حديثه بالمقبولة في موضع آخر، نهاية التقرير (ج1،ص23).
12 ـ حول العيّاشىّ وطبقته، زبدة المقال،الخمس (ص125).
13 ـ حول الفضل بن شاذان، نهاية التقرير (ج 1، ص 19 ـ 20).
14 ـ حول السيّد المرتضى وطبقته، زبدة المقال،الخمس (ص126).
15 ـ حول مسمع وكنيته أبي سيّار، زبدة المقال،الخمس (ص108 ـ 109).
الكُتُبُ:
1 ـ الأشعثيّات، وإسنادها، البدر الزاهر (ص31).
2 ـ الجوامع الأوّليّة للحديث الشريف، زبدة المقال، الخمس (ص108).
3 ـ الصحيفة السجّادية، واعتبار سندها ومتنها، وقد استندَ السيّد إليها في المسألة الفقهيّة، البدر الزاهر (ص25).
4 ـ العِلَل لمحمّد بن سِنان، والتشكيك فيه، تقريرات ثلاثة ،ميراث(ص111 و113 و118).
5 ـ فقه الرضا (عليه السلام)، البدر الزاهر (ص93 ـ 94).
6 ـ قرب الإسناد، نهاية التقرير (ج 1،ص 6)(1).
7 ـ كتاب زيد النَرْسيّ، لاحظ: هامش نهاية التقرير (ج 1، ص 285).
8 ـ كتاب سُلَيْم بن قيس، زبدة المقال،الخمس (ص127 ـ 128).
9 ـ كتاب محمّد بن عبدالله الحَضْرَمىّ، البدر الزاهر (ص288).
10 ـ مستطرفات السرائر، ورواياتها، البدر الزاهر (ص289).
الموضوعات:
1 ـ الإدراجُ في الرواية، تحديده في روايات الصدوق، البدر الزاهر (ص47ـ48).
2 ـ الإضمار، وبيان وجه وقوعه في أسانيد الروايات، نهاية التقرير (ج1،ص237).
3 ـ اختلاف الحديث وبيان وقوعه ووجهه عند السيّد، البدر الزاهر (ص258).
4 ـ الكنية والاعتماد عليها في تحديد أشخاص الرواة، البدر الزاهر (ص211).
ولنقطع الحديث عن «المَنْهَج الرِجاليّ عند الإمام السيّد البُروجِرديّ قدّس الله سرّه الشريف».
وقد أطلناهُ ـ حسب الإمكان ـ بغَرَض الوقوف على تمامه وكماله، وإن كانَ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينبغي التأمّل في المنقول عن السيّد حول قرب الاسناد، لأنّه لا يتناسب مع منهج السيّد في المعالجة، ولا ما ذكره هو عن الحميري في مقدّمة ترتيب أسانيد الكافي خصوصاً بملاحظة أنّه هو الذي أمر بطبع الكتاب لأوّل مرّة في إيران.
استيفاؤه يحتاج إلى دراسة أوسع.
راجين أن يفيَ ما قدّمناهُ بما قصدناهُ من التمهيد للحديث عن «الموسوعة الرجاليّة» في الباب الثاني.
واللهُ المستعان، وله الحمدُ على كلِّ حال
الباب الثاني
العمل الرائد في الموسوعة الر جاليّة
للسيّد البُروجِرديّ
1 ـ تاريخ التأليف.
2 ـ أسباب التأليف.
3 ـ الهدف التربويّ السامي.
4 ـ تقدير وتواضع.
5 ـ مجلّدات الموسوعة وفهرست محتوياتها.
6 ـ ابتكار فريد.
7 ـ مَنْهَج العمل، واُسلوبه.
8 ـ عودة إلى فوائد الموسوعة.
9 - خاتمة االباب الثاني
أوّلاً ـ تاريخ التأليف
أخبرني العالم الفاضل الشيخ مهدي التبريزيّ المعروف بالصادقيّ ـ من قدماء تلامذة السيّد البُروجِرديّ ـ وهو الذي أقدمَ على طبع نسخته من «تجريد أسانيد الكافي» - عندما زرتُه لأسأله عمّا يتعلّق بالكتاب وعمل السيّد فيه، فتحدّث عن نسخته الأصلية، وقال ـ: إنّه استنسخ الكتاب من خطّ يد السيّد سنة وروده إلى قُم (1364هـ )(1).
ويبدو من هذا أنّ تأليف الكتاب كان قد اُنجزَ قبل هذا التاريخ، وأنّه قد تمَّ في الفترة التي كان السيّدُ مقيماً في مدينة بُروجِرد، وأنّ الكتاب كان تامّ التأليف قبل ورود السيّد إلى قم، وتسنّمه أريكة المرجعيّة العُظمى.
والقضيّة التي نقلتها عن السيّد بحر العلوم رحمه الله، حول إجابة السيّد البُروجِرديّ على (الأحاديث المقلوبة) تدلّ ـ كما قلتُ ـ على أنّ السيّد كان قد أتمّ هذا الكتاب حينها، حتّى استفادَ منه في إجابته السريعة والصائبة(2).
وبعد هذا، فإنّ ما ذكره شيخنا العلاّمة الطهرانيّ رحمه الله من رؤيته لكتاب «تجريد أسانيدالكافي» عند السيّدالمؤلّف، وبخطّ يده، وذلك في عام (1365هـ )(3).
هو دليلٌ واضح على إنجاز السيّد لتأليف الكتاب قبل وروده إلى قُم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد ذكر هذا أيضاً في نهاية مطبوعته «تجريد أسانيد الكافي» (ص714) والتبريزي هذا من ملازمي السيّد وقد جاء اسمه في من وقّع على مقدّمة كتاب «الخلاف للشيخ الطوسيّ» الذي أمر السيّد البُروجِرديّ بطبعه سنة (1370) في طهران، وقد اهتمّ بطبع «تجريد أسانيد الكافي» في حياته سنة (1409) وتنقيح أسانيد التهذيب» سنة (1411) وتوفّي سنة (1411) رحمه الله وأجزل مثوبته.
(2) لاحظ ما ذكرناه في (ص9) في التقديم.
(3) نقباء البشر (2/608).
مع أنّ المسموع من بعض الأكابر من المتّصلين بالسيّد أنّه صرفَ في سبيل هذا العمل أكثر من (ثلاثين عاماً) من سنيّ عمره الشريف. يدلُّ على أنّه في الفترة التي قضاها السيّد في مسقط رأسه ـ مدينة بُروجِرد ـ وبعد عودته من النَجَف (1328 ـ 1364هـ ) وبعيداً عن مسؤوليّات الزعامة العامّة، وفي سعة من الوقت والهدوء; قامَ بإنجاز هذا العمل الضخم الفخم.
فبنى على أساسه عمليّة الاجتهاد للأحكام، معتمداً عليه لإحراز متون الأحاديث، وضبطها والتحقُّق من أسانيدها، ومعرفتها بشكل علميّ وبمَنْهَج دقيق، يجمع بينَ العُمق والمقارنة، والسُرعة واليُسر، توصّلاً إلى الهدف من أقرب الطرق وأيسرها، وأكثرها ثِقةً واطمئناناً.
فما هي أسبابُ التأليف لهذه الموسوعة؟
وما هو مَنْهَج السيّد المؤلّف في وضعها؟
وما هي طريقةُ العمل فيها،والاستفادة منها؟
وما هي الميّزات العلميّة فيها؟
هذه، وغيرها، ما سيتكفّلها هذا الباب من هذه الدراسة.
ثانياً ـ أسباب التأليف
إنّ دأْبَ الفُقهاء والعلماء في الاستفادة من كُتُب الرجال أنّهم متى ما احتاجوا إلى معرفة حال راو، أو تمييزه، رجعوا إلى الكُتُب الموضوعة في علم الرجال، والمرتّبة ـغالباً ـ على حروف المعجم، ليجدوا اسمه، ويتعرّفوا على شأنه، ويحكموا بحسب ما وجدوا فيها عليه وعلى ما وقع فيه من الأسانيد، فيوثّقوها ويعتمدوا عليها، أو يضعّفوها ويردّوها.
لكنّ السيّدَ البُروجِرديّ، عَمَدَ إلى الكُتُب الحديثيّة المتداولة بين الطائفة، بشكل واسع، بَدْءاً بالكتب الحديثيّة الأربعة، وهي: الكافي للكُلَيْنيّ، وكتاب مَن لايحضره الفقيه للصدوق، وتهذيب الأحكام، والاستبصار كلاهما للشيخ الطوسيّ، مضافاًإلى سائر كُتُب الصدوق. وإلى نفس الكُتُب الرجاليّة تلك،وهي المعروفة بالاُصول الرجاليّة: اختيار معرفة الناقلين المعروف برجال الكشيّ، والفهرست المعروف برجال النجاشيّوفهرست الشيخ الطوسيّ وكتاب الرجال له.
عَمَدَ السيّدُ إلى هذه الكُتُب فَمحَّض الأسانيد الواردة فيها، ورتّبها بنسق معيّن، ومَنْهَج خاصّ ـ سيأتي التعريفُ به مُفصّلاً ـ وتمكّنَ من خلال ذلك من تزويد علم الرجال بأدوات عمل طيّعة وبمعلومات قيّمة، على أثر الجمع بينَ الأشباه والنظائر في أسماء الرجال وتمحيص الأسماء والكنى والألقاب، والوقوف على مشاكل عالقة وحلّها بتلك الأدوات الجديدة، وتصحيح كثير من التصحيفات والتحريفات، التي لم يُعرف صحيحها بغير هذه الطريقة.
فأضافَ إلى علم الرجال وطريفة مراجعة كتبه، هذا الاُسلوبَ العلميَّ الغزيرَ بالموادّ، بأدواته الحديثة، مضافاً إلى الأدوات القديمة.
وقد شرحَ السيّدُ هذا، في مقدّمة ترتيب أسانيد الكافي ـ بقوله:
«... إنّي حينما كنتُ أتصفّحُ الجوامع العظام لتتبُّع ما اُودعَ فيها من روايات الأحكام، واُراجع لتعرّف أسانيدها ـ ما صنّفه علماؤنا في فنّي «الرجال» و«تمييز المشتركات»
رأيتُ أنَّ في الطائفة الاُولى من هذه الكُتُب نقائصَ، لإهمالها ذكرَ كثير ممّن تضمّنتْه الأسانيدُ من [أسماء ]الرواة، وعدم تعرّضها ـ في تراجم من ذُكِرَ فيها ـ لبيان طبقته، وشيوخه الذين روى عنهم، وتلامذته الذين تحمّلوا عنه، مع أنّ هذه [الاُمور ]من أهمّ ما له دخلٌ في الغَرَض من ذلك الفنّ.
إذ بالأوّل: يتبيّنُ الإرسالُ في كثير ممّا توهّم أنّه من الأحاديث الصحيحة.
وبالثاني: تُعرف رتبةُ الرجل في فنّ الحديث ومنزلتُه عند أهله في زمانه.
وإنّ الطائفةَ الثانية: لا تفي بغَرَضها(1) شيئاً إذ لم يبحثوا فيها عمّا هو موضوعها وهو أسانيدُ الروايات بأشخاصها، بل [قاموا ]باستقرائها استقراءاً ناقصاً، كلٌّ حسبَ وُسْعه، واستنبطوا منها قضايا كلّيةً ذكروها في تلك الكُتُب على وجه الفتوى، أو استشهدوا عليها بشواهدَ قليلة من جُزئيّاتها، ممّا لا يوجبُ للمحصّل علماً ولا ظنّاً، ولا يخرجه عن حدود التقليد باعاً ولا شِبراً.
ولأجل ذلك صارت تلك الكُتُب متروكةً عند أهل العلم رأساً(2).
فالذي وجده السيّدُ في الكُتُب الرجاليّة المعروفة سابقاً من النقائص والخلل، هي:
أوّلاً: في الكُتُب المُعَدّة لعلم الرجال:
1 ـ عدمُ إبراز أسماء كثير من الرواة، مع ورودها في الأسانيد،فكثيراً ما نجدُ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا الظاهر، وفي المطبوعة «لا تغني بغرضها».
(2) ترتيب أسانيد الكافي (ص108) ولاحظ التجريد (ص3).
راوياً قد وقع اسمه في سند الأحاديث، وعند مراجعة الكُتُب الخاصّة بعلم الرجال والجامعة لأسمائهم، لم نجدْ له ذكراً أصلاً، لا إجمالاً ولا تفصيلاوقد اصطلحوا على تسميته بـ(المهمل).
2 ـ لم يوجد في تراجم كثير ممّن ذكرتْ أسماؤهم في علم الرجال، تحديداً لطبقته ومعرفة عصره، ولا ذكراً عن شيوخه وتلامذته الرواة عنه، مع أهمّية هذه الجهة ـ وهي الطبقة ـ ودخالتها في أداء المهمّة الباعثة على تأليف كتاب الرجال.
ثانياً: في الكُتُب الموضوعة لتمييز المشتركات من أسماء الرجال:
1 ـ عدمُ تماميّة الاستقراء فيها، لذكر المميّزات، وهي مأخوذةٌ ـ عمدةً ـ من الأسانيدـ، فلذا تكون الأدلّة والشواهد المذكورة للتمييز ناقصةً، غير وافية لأداء الغَرَض والمهمّة التي تصدّى المؤلّفون لها، فلا توصلُ الطالب إلى القناعة بالنتيجة المتوخّاة من وضع هذا الفنّ وتحديد المميّزات.
2 ـ إنّ ما ذكروه في التمييز إنّما هي كلّياتٌ، تعتمدُ على الاستنباطات الخاصّة، قد اُوردتْ بعنوان «فتاوى وآراء» خاصّة بأصحابها، غير معتمدة على الشواهد المقنعة، ولا ترشدُ الطالب إلى الاطمئنان ليخرج من حيّز التقليد لهم في هذا الفنّ إلى ميدان الاجتهاد والاستقلاليّة، والتمكّن من أزمّة العلم.
إنّ محاولةَ السيّد في إدخال عُنصر الأسانيد إلى كتاب الرجال له أهمّيةٌ بالغة في تحقيق أهداف العلم، وذلك لأنّ علمَ الرجال ـ كما سبقَ ـ قد وُضِعَ أساساً من أجل معرفة أحوال رجال الأسانيد، الذين هُم حملة الحديث ورواتُه.
فالأسانيدُ ـ بمجموعها ـ لها الارتباطُ الوثيق بعلم الرجال لأنّها هي مجال التطبيق له، كما أنّها تحتوي على موضوعه الذي يدور عليه رحاهُ، وتشعّب بحثه ومجراهُ.
كما أنّ الأسانيدَ تحتوي على معلومات إضافيّة يبتني على جمعها وتنظيمها وعرضها أثرٌ عظيم في علم الرجال، خصوصاً إذا لوحظَ جانبُ الإغفال لها من قِبَل
مؤلّفي الكُتُب الرجاليّة ـ غالباً.
وإذا لجأ القدماء من علماء الرجال لإفراد كُتُب خاصّة ـهي عيونُ التُراث الرجالىّـ لحلّ المشاكل الرجاليّة، أو لبيان اُمور تَمُتُّ إلى علم الرجال بصلة مّا، كتعيين المؤلّفين للكتب ـ مثلاً ـ فإنّ الحاجةَ المهمّة المرادة من وضع العلم، تبقى هي «معرفة أحوال الرُواة» للتأكُّد من صحّة الأحاديث على أساس: ضبط الأسانيد ومعرفة الموصول من المقطوع، وتصحيح الأسماء والعناوين، وغير ذلك من العلل والمشاكل وحلولها، فلا بُدّ أنْ يكونَ هذا من الأهداف السامية لكلّ جُهْد يُبْذلُ في سبيل هذا العلم من قِبَل المتوغّلين فيه، أو الممارسين له، والملمّين به.
إنّ محاولةَ السيّد البُروجِرديّ في موسوعته الخالدة ـ بمنزلة صَبّ مياه هذا العلم في مجاريها الصحيحة الواقعيّة، وإبعادٌ للجهود المبذولة فيه عن الهَدْر والإضاعة وكذلك الأوقات والأموال، ذلك المُشاهَد في بعض المؤلّفات المتأخّرة، المتّسمة بكِبَر الحجم وتكديس المنقولات!
مشاكل وحلول:
ولكنّ السيّدَ لاحظَ أنّ الأسانيد لم تَخْلُ هي الاُخرى من مشاكل عالقة بها، فقال:
«إنّ تعرُّف الأسانيد يحتاجُ إلى البحث عن عللها، والسعي في تحصيل ما هو الصواب في مواردها فإنّها ـ مع ما في بعضها من الإرسال ـ قد طرأتْ عليها ـ في طول الزمان، بسهو الناسخين أو المؤلّفين المكتفين في تحمُّل الحديث عن الشيوخ بالوجادة أو الإجازة(1) أو المناولة ـ عِلَلٌ كثيرة متنوّعة، بالتصحيف، والقلب، والزيادة، والنقص.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا بدّ أن يريد السيّد بالإجازة هي المتأخّرة عن عصور ازدهار الحضارة الإسلاميّة ومعارفها، لا الإجازة في القرون الاُولى التي كان فيها لعلم الحديث شأن عظيم، وللإجازة دور بارز، وقد مضى الكلام حول الإجازة في بعض الفقرات من الباب الأول فراجع (ص 101-104).
والأخيرُ هو أكثرها، فإنّه ـ مضافاً إلى أنّ تأثيرَ السهو في وقوعه أكثر ـقد ينشأ ـ أيضاً ـ من توهُّم المؤلّفين تماميّة السند في المنقول عنه، فيوردُالحديث على حَسَب ما وجده، مفصولاً عمّا تقدّمه، مع أنّه كان معلّقاً على سابقه فيسقط بذلك من السند رجلٌ أو رجلان.
والفرق بين النقص ـ بأحد الوجهين ـ وبين الإرسال، واضح(1).
ولحلّ هذه المشاكل، لاحظ السيّدُ أنّ المرجعَ هي الأسانيد الاُخرى المماثلة، فقال:
«... وأنّ كلَّ شيخ من رجال السند ـ وقعَ الإجمالُ أو الاعتلالُ في ما فوقه من أجزاء السند ـ يوجدُ في سائر أسانيده ـ غالباً أودائماً ـ ما يفسّرُ ذلك الإجمالَ، أو يدلّ على [رفع] هذا الاعتلال على ما هو الصواب فيه، بحيث يغنينا ـ غالباً ـ عن النظر إلى ما هو خارجٌ عنها.
فأسانيدُ الروايات: كما تكون بعضها موضوعاً للمسائل الباحثة عن تلك الجهات المذكورة، كذلك يكون بعضها الآخر دليلاً على [حلولها]، ومنبعاً لاستنباطها (2).
لقد وَجَدَ السيّدُ في الأسانيد منبعاً غزيراً يستنبطُ منه الحلولَ الواضحة للمشاكل العالقة في الأسانيد، واعتبار ذلك قرينةً داخليّة حاضرة، تغني الباحثَ عن اللجوء إلى الكُتُب الاُخرى المحتوية في أكثر حلولها على الاجتهادات والاستنباطات الظنّية.
فإذا كانت المشكلةُ مفروضةً في الأسانيد، فالحلُّ الموجود فيها أيضاً، هو الأقربُ إلى الدلالة على المراد والصواب، فالمراجعةُ إليها أولى، وألزمُ من القرائن الخارجيّة، والمطروحة في كُتُب الرجال، لو وجدتْ، وسهل ارتباطها بالمشاكل بوضوح، لفرض اقتصار مؤلّفيها على ما يُقنعهم من التتبُّعات الناقصة، ممّا أدّى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ترتيب ا سانيد كتاب الكافي (ص108).
(2) ترتيب أسانيد الكافي (ص108).
بكتبهم أنْ «أصبحت متروكةً عند أهل العلم» كما يقول السيّد(1).
لكن: ما الذي سَبّبَ الإعراضَ عن اللجوء إلى هذا المنبع الغزير، ولماذا مُني بالإهمال والإغفال؟
لقد ذكر السيّدُ وجهَ ذلك، بما نصّه:
«إنّ الذي منعَ المحصّلين ـ غالباً ـ من استفادة المسائل التي يشتدّ الابتلاءُبها، ولا غنى لهم عن معرفتها من هذا المنبع الغزير ـ الذي [هو في متناول ]أيديهم، وتحت أنظارهم ـ هو كونُها عندهم كالآلة لملاحظة المتون، وعدم كونها في جنبها مقصودةً باللحاظ بالأصالة.
مضافاً إلى ما عليه أسانيد كلِّ شيخ من التفرُّق بسبب اختلاط روايات الشيوخ بعضها ببعض، تبعاً لوحدة [أحكام ]متونها التي هي المناط في اجتماعها في باب واحد...»(2).
فالموجبُ لعدم لجوء الرجاليّين إلى الأسانيد ـ كما يَراهُ السيّد ـ هو:
أوّلاً: كونُها ـ بنظرهم ـ طريقاً إلى تحصيل المتون، فقطْ، إذ المرادُ بها التوصُّل إلى المتون، فلا يُراجع المحصّلون كُتُب الحديث إلاّ من أجل ما تحتوي عليه من المتون الدالّة على الأحكام.
ثانياً: عدم كون الأسانيد مرتّبةً بحيث يحصّل منها الباحثُ الفوائدَ المنظورة العظيمة التي لاحظها السيّدُ من قرينيّتها على الحلول للمشاكل الرجاليّة العالقة.
فمن الواضح أنّ تلك القرينيّةَ إنّما تكونُ ميسّرةً للاستفادة في ما إذا كانتْ مُشابهات الأسانيد متقارنةً ومتقاربة ومجتمعة في مكان واحد، لا متفرّقةً ولا متشتّتة في مواضع متباعدة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر.
(2) ترتيب أسانيد كتاب الكافي (ص108).
فوائد عمل السيّد:
وقد ابتكرَ السيّد البُروجِرديّ العملَ في هذه الموسوعة، لتسهيل الاُمور للعلماء والمحصّلين، وتصفية هذا المنبع الثرّ ممّا يكدّره، لُيمهّد الطريقَ لهم للإنتهال منه والورود إليه بيُسر وسرعة، فلجأَ إلى إنجاز هذا العمل الجبّار، الذي أدخلَ «الأسانيدَ» كأداة فاعلة في أدوات المعالجات الرجاليّة، فقامَ بترتيبها بشكل فنىّ مبتكر، ونبّهَ على مشاكلها، وعلى ما يمكنُ الاستنادُ إليه في حلّ تلك المشاكل، إلى غير ذلك من الفوائد التي سنفصّل الحديثَ عنها، وقد أجملها السيّدُ البُروجِرديّ في كلمة جامعة، فقال:
«فرأيتُ ـ بعد ما تحقّفتْ عندي هذه الاُمورُ ـ أنّه:
1 ـ لو جُرِّدَتْ الأسانيدُ عن المتون.
2 ـ ورُتّبَتْ على وجه تنفصل أسانيد الشيوخ بعضها عن [الآخر]، ويجتمع إسناد كلّ واحد منهم في موضع واحد، أو في مواضعَ محصورة مضبوطة، يمكنُ للمستدلّ الإشارة إليها، ويسهل على المحصّل وجدانها.
3 ـ وعُلِّقَ على مواضع إجمالها واعتلالها، ونُبِّه على تفسير الأوّل، وإصلاح الثاني، مع الاستشهاد عليها ـ إن احتاج إليه ـ بشهادات حاضرة أو كالحاضرة.
كان [ذلك ]خِدْمَةً لعلم الحديث، ثمّ للعلوم المتفرّعة عليه; إذ به يُعلم جميع ما ذُكر من المهمّات التي لها دخلٌ في تعرّف أسانيدها التي هي الأصل في إحراز متونها:
1 ـ فيُعرف به [أسماء] جميع مَنْ تضمّنته الأسانيدُ من الرجال.
2 ـ وتتبيّن به طبقاتُهم، ومَنْ يروي كلُّ واحد منهم عنه، ومَنْ يروي عنهم [من الرواة].
3 ـ ويتكفّل بتمييز مشتركاتهم.
4 ـ وبيان عللها، والإشارة إلى ما هو الصواب فيها بوجه علميٍّ،
واضح المأخذ.
5 ـ يقدر كلُّ طالب على النظر فيه، والاستنباط منه.
6 ـ ويرجى بذلك أن يتواردَ عليه أفكارُ المحصّلين، ويتّسع نطاقه بذلك(1).
وسنقف في مقطع قادم من هذه الدراسة على كلّ واحدة من هذه الفوائد، بأمثلته وتفصيلاته.
لكنّ الذي لا بُدَّ أن تُوجّه إليه الأنظارُ أنّ السيّد بعمله هذا الجبّار قد أخرجَ الأسانيد من كونها مجرّد «آلة» للتوصّل إلى المتون وجعلها «موضوعاً» مستقلاًّ للبحث والتحقيق.
وبما قامَ به من التجريد والترتيب والتقريب والتنبيه، قطعَ الأعذار المذكورة للإعراض عن هذا المنبع الغزير، بل بعثَ الهِمَمَ على اعتماد الأسانيد والعناية بها كأداة مأمونة لحلِّ المشاكل الرجاليّة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ترتيب أسانيد الكافي (ص108 ـ 109).
ثالثاً ـ الهدفُ التربويّ السامي
والجملةُ الأخيرة من كلامه المنقول يكشفُ عن هدف تربويٍّ سام استهدفه السيّد في عمله، يتمثّلُ في هبة القدرة لطلاّب العلم على النظر في أدوات العلم وأدلّته، واستنباط النتائج المحكمة منها.
كما كشفَ بـ«رجائه العميق» عن توقُّعه النفسيّ في ازدهار أساليب الابتكار والتعمُّق والتفكير في علم الرجال، وانتشار معرفته واتّساع رقعة تطبيقه.
إنّ هذا الهدفَ، وهذا الرجاءَ، وهما يَبْرزان من أعماق هذا العملاق في علوم الدين والشريعة، لهما من أقوى الدوافع للطلاّب المحصّلين على انتهاج مسلكه المتين في التدقيق والتحقيق، كما هو باعثٌ على استلهام روح الرعاية والإرشاد من هذا المعلّم الذي كان يسعى ببالغ الاهتمام في رفع المستوى العلميّ والفكريّ والمنهجيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، كما كان يقومُ بالتشويق والدعْم المادّي، والتأييد والتمجيد المعنوي، لكلّ الفائقين والمتألِّقين في الأعمال العلميّة، حتّى يحتلَّ العلمُ وأهلُه محلّهم السامي الرفيع، وينالوا العِزِّة والشرف والمكانة المرموقة.
وبالخصوص، علم الرجال الذي مُنِيَ بإخْفاق في كلا مجالَي التأليف والتحقيق، على أثر الإهمال والتقصير، أو التماهُل والقُصور.
وقد سبق أن نقلنا في بعض كلمات السيّد قوله في نقد الكُتُب الرجاليّة المتداولة من أنّ مؤلّفيها:
«استشهدوا عليها بشواهد قليلة.. ممّا لا يوجبُ للمحصّل علماً، ولا ظنّاً، ولا يخرجه من حدود التقليد باعاً ولا شبراً»(1).
إنّ هذا الكلام يُشيرُ إلى تطلُّع السيّد إلى عمل يستهدف الصعودَ بالطلاّب المحصّلين لعلم الرجال من حضيض التقليد للدعاوى الرجاليّة إلى أوج الاجتهاد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ترتيب أسانيد الكافي (ص108).
في علم الرجال.
وهذا هو الأمرُ اللازم بالضرورة تحصيله لمن يُريد أن يكونَ فقيهاً مستقلاًّ، لا تابعاً، حيث لا بُدَّ له من استنباط الأحكام من متون الأحاديث التي ثبتَ له جوازُ الاعتماد عليها سنديّاً، فلا بُدَّ أن يجتازَ التقليدَ في تحديد الصالح منها للاستناد، ويتّخذ منهجاً رجاليّاً معتمداً عليه، ليحصل له العلمُ بالنتائج الرجاليّة المحرِزة للمتون، ولو على أساس الظنّ، بعد إثبات حجيّة خصوص الظنّ الرجالىّ، أو مطلق الظنّ، الأمر الذي بدونه لا يمكنُ تحقُّق صفة الاجتهاد عنده.
وفي هذا الذي ذكره السيّد تصحيحٌ للمسار الخاطئ الذي يتّخذه عامّةُ المتعلّمين، من استخدام كُتُب الرجال، سائرين وراءَ آراءِ مؤلّفيها متابعةً تقليديّةً صرفة، من دون معرفة مناهجهم في المعالجات الرجاليّة، فضلاً عن اتّخاذ مَنْهَج رجالىّ معيّن! مع ادّعائهم العريض للاجتهادات المزيّفة.
فكيفَ يكون مجتهداً في إثبات المدلول، مَنْ هو مقلّدٌ في حُجّيّة الدليل؟!
رابعاً: تقديرٌ وتواضعٌ
وممّا يجب التنبيهُ عليه: أنّ السيّد البُروجِرديّ قد قامَ بهذا العمل الجبّار، مبتكراً له لوحده، وبالاستقلال في الفكر والإبداع، على أساس من نبوغه، وبجهده الخاصّ المنفرد.
إلاّ أنّه بعد ما أنجزَ عمله وقفَ على جهد مثيل، بدأه واحدٌ من علماء الرجال هو العالم المحدّث الرجالىّ المتتبّع الشيخ محمّد بن علي الأردبيلىّ الحائرىّ (ت1101)(1) في كتابه العظيم «جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد».
فقد رسم فيه بعضَ الأهداف التي رسمها السيّد، فإنّه أوردَ فيه:
«جَميع رُواة الكُتُب الأربعة، وذكر مَنْ رووا عنه، ومَنْ روى عنهم، وتعيين مقدار رواياتهم [ومواضعها في تلك الكتب ]ورفعَ بذلك بعض النقص في كُتُب الرجال»(2).
قال السيّد عن الاتّفاق بين الفكرتين في مقدّمته لكتاب «جامع الرواة» ما نصّه:
«وإنّي حينما كنتُ ببُروجِرد، وكنتُ اُراجع أثناء أبحاثي لمعرفة أسانيد الروايات ما صنّفهُ علماؤنا في الفهارس، و[كتب ]الرجال، والمشتركات تفطّنتُ لما تفطّنَ له هذا الشيخُ الجليل، ولغير ذلك من النقص في تلك الكتب.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان من تلاميذ المجلسي، كما صرّح به في ترجمة المجلسي من كتابه وأجازه سنة (1098) وسكن مدينة كربلاء مدّة وتوفّي بها سنة (1101) وقد ألّف كتابه هذا سنة (1100) وانتهى منه بعد مدّة (25) سنة، كما نقله عنه الآقا رضيّ القزويني الذي كَتَب قسماً من كتابه هذا بخطه في سنة (1125) وقد قرّظ الكتاب جمع من أعلام عصره. لاحظ ترجمته في مقدّمة «جامع الرواة» بقلم السيّد الإمام البُروجِرديّ (ج1، ص الف ـ ج).
(2) جامع الرواة، المقدّمة (1/ز).
ولكنّي سلكتُ في وضع [مؤلّفاتي] مسلكاً آخر غير ما سلكه، ويمكنُ أن يُوجدَ فيه شيءٌ ليس في هذا الكتاب...
فلمّا نزلتُ ببلدة قُم المحروسة، رأيتُ يوماً ـ بعد سنين من نزولي بها ـ نسخةً من هذا الكتاب، ورأيتُ ما تحمّله هذا الشيخُ من المشقّة في تصنيفه، فاستعظمتُ ذلك...»(1).
وحيث قد عرفنا أنّ السيّد كان قد أنْجَزَ عمله في الموسوعة بشكل تامّ عامَ وروده إلى قُم(2) فهو لم يكن مطّلعاً قبل ذلك على عمل الأردبيلىّ إطلاقاً.
وبالرغم من الاختلاف في منهجَي المؤلّفَيْن، إذ أنّ الأردبيلىّ سلكَ في تنظيم كتابه المسلكَ المتداول عند علماء الرجال من ذكر الأسماء على ترتيب المعجم، ثمّ ذكر ما قاله الرجاليّون القدماء مختصَراً، ثمّ ذكر مواضع ورودالراوي في أسانيد الروايات على ترتيب الكُتُب الحديثيّة وكُتُب الأحكام والأبواب الفقهيّة، مستفيداً من موارد الروايات والأسانيد ما أمكنه من التصويبات والطبقات.
أمّا السيّد فقد اعتمدَ في ترتيب الأسانيد اُسلوباً جديداً مبتكراً يجمعُ بينَ السُهولة، واليُسر، والسُرعة، والجامعيّة والدقّة، ما لم يسبقه سابقٌ في التُراث الإسلامىّ عامّة من بين مفكّريه على كثرتهم في مختلف طوائفه وفئاته ومذاهبه، كما سيجيئ بيان ذلك مفصّلاً.
وهذا هو الفارقُ الأساسىّ بينَ العَمَلَيْن، الذي سمّاه السيّد باختلاف «المسلك».
ومع ذلك، فبما أنّ الشيخَ الأردبيلىّ امتازَ بالتنبُّه إلى قيمة الأسانيد وأثرها المباشر في حلّ المشاكل الرجاليّة العالقة، وهذا هو روحُ الأهداف التي رسمها السيّد البُروجِرديّ لعمله، فإنّ السيّد عظّمَ هذا الجُهْد، وأكْبَرهُ، وأقدمَ على طبعه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جامع الرواة، المقدّمة (1/ز).
(2) لاحظ ما ذكرناه (ص145) بعنوان تاريخ التأليف.
ونشره، معتزّاً به، ومقدّماً إيّاه على طبع مؤلّفاته هو.
لقد كانت بادرةُ الشيخ الأردبيليّ موضعَ تقدير السيّد، بحيث تأبّى عن طبع موسوعته العظيمة، التي تفوقُ عمل الأردبيلىّ دقّةً وسعةً، وهذا يدخلُ في ما ذكرناه سابقاً من تجليل السيّد لتراث القدماء، وتمجيده بجهودهم العلميّة، وإحياءه للتراث الشيعيّ، والذي ظلَّ من أبرز معالم مرجعيّته العظيمة.
خامساً: مجلّدات الموسوعة، وفهرست محتوياتها(1)
تتألّف الموسوعةُ من سبعة أجزاء، وتتكوّنُ من نوعين من العمل:
النوع الأوّل: يتكفّلُ ترتيب أسانيد الكُتُب المعنيّة، ويقعُ في الأجزاء التالية:
الجزء الأوّل: ترتيبُ أسانيد كتاب الكافي، للشيخ الكُلَيْنيّ.
الجزء الثاني: ترتيبُ أسانيد كتاب تهذيب الأحكام، للشيخ الطوسيّ.
الجزء الثالث: ترتيبُ أسانيد كُتُب الشيخ الصدوق، وهي: الخصال، ومعاني الأخبار، وعِلَل الشرائع، وثواب الأعمال، وعقاب الأعمال.
الجزء الخامس: ترتيبُ أسانيد كتاب مَنْ لا يحضرهُ الفقيه، وكتاب الأمالي، وهما من كُتُب الشيخ الصدوق.وهذا هو القسم الأوّل من الجزء الخامس.
والنوع الثاني: يتكفّلُ أسماء رجال الأسانيد مرتّبِين على حروف المعجم ،ويقعُ في الأجزاء التالية:
الجزء الرابع: رجالُ أسانيد، كتاب الكافي أو طبقاتُ رجاله.
الجزء الخامس: ـ رجالُ أسانيد كتاب الفقيه، أو طبقاتُ رجاله.
وهو القسم الثاني من الجزء الخامس.
الجزء السادس: رجالُ أسانيد، كتاب: رجال الكشي، وفهرست الشيخ الطوسيّ، وفهرست الشيخ النجاشىّ، أو طبقات رجالها.
الجزء السابع: رجال أسانيد كتاب التهذيب أو طبقات رجاله.
ولا بُدَّ لنا من الوقوف على محتوبات هذه الأجزاء بالتفصيل، تمهيداً للحديث عن اُسلوب السيّد في عملها، وسائر شؤونها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جعلنا محور حديثنا النسخة المطبوعة حديثاً بعنوان «الموسوعة الرجاليّة» والتي قامت بطبعها مؤسّسة «بنياد پژوهشهاى اسلامى» التابعة للروضة الرضوية المقدّسة في مشهد 1414هـ.
الجزء الأوّل: ترتيبُ أسانيد كتاب الكافي، للشيخ الكُلَيْنيّ قدّس اللهُ سرّه الشريف.
يقع في (568) صفحة من القطع الكبير (24×33 سنتميتراً)، ويحتوي على:
1 ـ تصدير عن حياة السيّد البُروجِرديّ، بقلم الشيخ محمّد واعظ زاده الخراسانىّ، من تلامذة السيّد، ويقع في الصفحات (5 ـ 64).
2 ـ نصوص شهادات للسيّد البُروجِرديّ من أساتذته وإجازات مشايخه له(65 ـ 75).
3 ـ مقدّمة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ الميرزا حَسن النورىّ الهمدانىّ، وهو كاتبُ النسخة بخطّ يَده، في الصفحات (77 ـ 80).
4 ـ جداولُ تطبيق صفحات كتاب الكافي، بين الطبعة الحجريّة التي كانت معتمدةً حين كتابة الكتاب، والطبعة الحروفيّة المتداولة في (8) أجزاء، وهي من ترتيب الشيخ النوريّ، في الصفحات (81 ـ 105).
5 ـ متن الكتاب، للإمام السيّد البُروجِردىّ، وهذا فهرستُ محتوياته إجمالاً:
مقدّمات السيّد الأربعة:
المقدّمة الاُولى: تحتوي على ترجمة الشيخ الكُلَيْنيّ (ص109 ـ 110).
المقدّمة الثانية: تحتوي على طبقات المحدّثين (ص111 ـ 114).
المقدّمة الثالثة(1): تحتوي على تعداد رواة كتاب «الكافي» عن مؤلّفه
وهم اثنا عشر رجلاً (ص114 ـ 116).المقدّمة الرابعة: تحتوي على تعداد مشايخ المصنّف الكُلَيْنيّ، وهم (37) شيخاً(116 ـ 123).
المقصد الأوّل: في استقصاء أسانيد شيوخ المصنّف حسب ترتيب أسمائهم على حروف المعجم (سوى ثلاثة من شيوخه وهم المذكورون في المقصد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كُتب سهواً في المطبوعة «المقدّمة الثانية» ترتيب (ص114).
الثاني) (ص124ـ433).
وهذا المقصد يشتمل على ثلاثة أبواب(1).
[الباب الأوّل: في أسانيد الشيوخ المذكورين بالكنية] (ص124 ـ 126.
[الباب الثاني: في أسانيد المذكورين بأسمائهم] (ص126 ـ 403)، وقد رتّبها على المعجم بادئاً بأحمد بن إدريس، ومنتهياً بمحمّد بن يحيى(2).
[الباب الثالث: الأسانيد المبدوءة بالمبهمات].
وهي الأسانيد المبدوءة بكلمات (العدّة) عن أحمد بن محمّد (405 ـ 433) والعدّة غير المفسَّرة (490 ـ 491).
خاتمة المقصد الأوّل: في ذكر شيوخ لم يصرّح بأسمائهم (ص491 ـ 493).
المقصد الثاني: في ما رواه شيوخ الكُلَيْنيّ عن ثلاثة من كبار الرواة، وهم: البَرْقيّ وأحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري، وسهل بن زياد الآدمي، ويقع في الصفحات (433 ـ 491) ويحتوي على أبواب ثلاثة:
الباب الرابع(3): في أسانيد البَرْقيّ (433 ـ 461).
الباب الخامس: في أسانيد الأشعريّ.
وقد وردت مكرّرة، ومتقطّعة في الصفحات (295 ـ 350) و(351 ـ 375) وقطعة منها في (462 ـ 466).
الباب السادس: في أسانيد سَهْل بن زِياد (467 ـ 490).
6 ـ مستدركات الكتاب، من تأليف الشيخ النوريّ (495 ـ 568).
الإرتباكُ والأخطاء في المطبوعة:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد ذكر السيّد في بداية (المقصد الثاني): «إنّه يشتمل على ثلاثة أبواب» وبدأها «بالرابع والخامس والسادس» ومن هنا علمنا أنّ المقصد الأوّل قد احتوى على الأبواب الثلاثة الاُولى، وقد عنوناها بما وضعناه بين المعقوفتين.
(2) ذكرت أسانيد (محمّد بن يحيى) في الصفحات (294) و(376 ـ 403) فلاحظ.
(3) هكذا بدأ السيّد أوّل أبواب المقصد الثاني، كما أشرنا في الهامش الأسبق.
يلاحظُ ارتباكٌ كبير وقعَ في إيراد أسانيد الأشعرىّ حيث قدّم (الباب الخامس) المحتوي عليها، على الباب الرابع المحتوي على أسانيد البَرْقيّ.
وهو (أي البابُ الخامس) مقدّمٌ حتّى على المقصد الثاني الذي هو بداية المقسم للأبواب (الرابع والخامس والسادس).
وقد اعتمدنا في معرفة الصواب في هذا، على طبعة الشيخ مهدي الصادقيّ التبريزىّ رحمه الله، الذي أخرجَها باسم «تجريد أسانيد الكافي وتنقيحها»(1).
كما قد وقفنا ـ بالمقارنة بينَ الطبعتين ـ على هفوات كثيرة، نشيرُ إليها، سعياً في تكميل العمل:
1 ـ في الترتيب (ص108، س10): «صارت تلك الكُتُب متروكاً» الصواب: «متروكة» وفي التجريد: صارت كالمتروك.
2 ـ في الترتيب (ص109، س8): «ولنقدّم هنا مقدّمات أربع».
جاء في التجريد (ص4) ما نصّه: «ورتّبته على مقدّمات أربع، ومقصدين»ثمّ أورد دليلاً إجماليّاً لمحتويات المقدّمات والمقصدين.
وهذا أولى، ليكون القارئ على بصيرة من أمر محتوى الكتاب.
3 ـ في الترتيب (ص114، س24): المقدّمة الثانية.
الصواب: المقدّمة الثالثة.
4 ـ في الترتيب (ص21، س15 و20) و(ص112، س12): العبسي وكذلك في التجريد.
والصواب في الموارد كلّها «القيسي» والنسبة إلى قيس البصرة، والمنسوبان من أجداد أبي غالب الزُراريّ لاُمّه، فلاحظ: رسالة أبي غالب الزراريّ (ص141
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قام بطبعها سنة (1409) في قم طبعة حروفية في (714) صفحة بالقطع الوزيري، وبالرغم ممّا عليها من الأخطاء المطبعيّة، وغيرها، فإنّها أفادتنا في دراستنا هذه كثيراً جدّاً. وسنشير إليها باسم «التجريد» في هذه الدراسة، كما ذكرنا طبعة مشهد باسم «الترتيب» ونرمز إلى الصفحة بــ (ص) وإلى السطر بــ (س).
وهامش 146).
5 ـ في الترتيب (ص23، س1): «السابع والثلاثون: محمّد بن يحيى العطّار»وورد ذلك في التجريد (ص56) أيضاً. في مقدّمة الكتاب.
لكن المذكور في الترتيب (ص294) هو: «التاسع والثلاثون: محمّد بن يحيى العطّار» وفي التجريد (ص357): «الحادي والأربعون: محمّد بن يحيى العطّار».
وهذا الاختلاف في الترقيم للشيوخ بين الطبعتين جاءُ من إضافة التجريد اسم شيخين وهما «الثامن» و«التاسع والثلاثون» كما سيجيئ.
ولابُدّ من التوفيق بينهما، وبينَ الفهرس الذي ذكره السيّد في المقدّمة الرابعة المُعدّة لذكر مشايخ الكُلَيْنيّ في الترتيب (ص124) والتجريد (ص61) وقد صرّح السيّد فيه بقوله: «لو زيد ما وقع في أوائل الأسانيد من الكنى والألقاب والأسماء المترادفة والمصحّفة، لارتقى العدد إلى (51).
9 ـ في الترتيب (ص112، س3): بن المغيرة الكوفيّ نزيل... والحسن. كذا جاء بياض في النسخة.
وفي التجريد (ص15) بن المغيرة الكوفيّ نزيل الريّ، والحسن..
7 ـ في الترتيب (ص112، س15): الخصيب الأپادي في التجريد (ص17) الخطيب بالأيادي.
والصواب: الخضيب الأيادي، لاحظ رجال النجاشيّ ترجمة أحمد بن علي أبي العباس الرازي (ص97 رقم240).
8 ـ في الترتيب (ص112، السطر ما قبل الأخير): المهلعي.
الصواب: المهلبي.
9 ـ في الترتيب (ص113، س2): الترماشيرىّ.
الصواب: النرماشيريّ، نسبة إلى بلدة «نَرْماشِير» من كِرْمان.
10 ـ في الترتيب (ص113، س4): عكه.
الصواب: حسكة، كما في التجريد (ص20).
11 ـ في الترتيب (ص113 س8): أبي غرة.
الصواب: أبي قرّة.
12 ـ في الترتيب (ص114 س7): كابن جريح.
الصواب: كابن جُرَيْج.
13 ـ في الترتيب (ص114، س21): المولى أحمد.. والحاج.
كذا بياض في المطبوعة، والصواب:المولى أحمد النراقىّ، والحاج... كما في التجريد (ص26).
14 ـ في الترتيب (ص115، س3): الفقرائي.
الصواب: لعقراني، كما في السطر(4) من الترتيب، وفي ضبط الكلمة اختلاف.
15 ـ في الترتيب (ص121، س24): وأخباره.
الصواب: واختاره.
16 ـ في الترتيب (ص122، س3): لا بتوسّط صغارهم.
الصواب: «إلاّ بتوسّط صغارهم» كما في التجريد (ص53).
17 ـ في الترتيب (ص146، س16): وهنا فوائد.
في التجريد (ص106) وهنا فائدتان، وترك الثالثة.
18 ـ في الترتيب (ص155، س1):الثامن حبيب بن الحسن.
في التجريد عدّ هذا الشيخ «التاسع» في (ص128). وذكر:
الثامن: إسماعيل بن علىّ القرشىّ، وهذا نصُّ ما جاء من حديثه: «فروى المصنّف عنه حديثاً واحداً في الروضة:
إسماعيل بن علىّ القرشي، قال: أتى إلى أبي عبدالله (عليه السلام)رجلٌ فقال له: يابن رسول الله، رأيتُ في منامي كأنّي خارجٌ من مدينة الكوفة
في موضع أعرفه، وكأنّ شيخاً من خشب، أو رجلاً منحوتاً من خشب على فرس من خشب يلوّح بسيفه، وأنا اُشاهده فزِعاً مرعوباً.
فقال(عليه السلام) له: أنتَ رجلٌ تريد اغتيال رجل في معيشته، فاتّق الله.. إلى آخر الحديث(1).
واعلم أنّه لا يُستفاد من ذلك أنّ «إسماعيل بن عليّ» من شيوخ الكُلَيْنيّ، فلعلّه كان رجلاً من أصحاب أبي عبدالله(عليه السلام)رواه عنه المصنّف على وجه الإرسال.
ويحتمل كونه من شيوخ المصنّف، ويكون روى هو ذلك مرسلاً.
ولا ترجيح لأحدهما.
ولم أجد لإسماعيل بن عليّ، ذكراً في غير هذا الموضع.
تجريد أسانيد الكافي (ص128).
وقد أوجبتْ هذه الإضافةُ، زيادة رقم في مشايخ الكليني في نسخة التجريد ظلّتْ معه إلى آخر الترقيم.
19 ـ في الترتيب (ص156، س16): «بن عبدالرحمن... أبو محمّد الكوفي»هكذا ورد بياض موضع النقاط.
ولكن في التجريد (ص132): بن عبدالرحمن الأودي أبو محمّد الكوفي.
20 ـ في الترتيب (ص256، س11): أبي هاشم الجعفري... الرضا(عليه السلام).
أضاف في التجريد (ص298 ـ 299) أربعة أسانيد هنا وهي بالأرقام المثبتة فيه:
12 ـ عن أبي أيّوب المدني مولى بني هاشم، عن أبي داود بن عبدالله بن محمّد الجعفر[ي] عن إبراهيم بن محمّد، قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام). (ج4، ص37) فيه وفي الفروع (ج1، ص172): علي بن إبراهيم، عن علي بن محمّد القاساني،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الروضة (الحديث 448) وفيه: إسماعيل بن عبدالله القرشي.
عن ابن أبي أيّوب).
13 ـ علي بن إبراهيم، عن ابن إسحاق الأحمر، قال: حدّثني أبو عيسى يوسف بن محمّد قرابة لسويد بن سعيد الأعرابي (في نسخة: الأمراني) عن عبدالرحمن بن أحمد الفارسي، عن محمّد بن إبراهيم بن أبي ليلى، عن الهيثم بن جميل، عن زهير، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن عاصم بن حمزة(1)السلولىّ: حكاية ردّ عليٍّ (عليه السلام) قضاء عُمَر.. إلى آخر الحديث. الفروع: ج2، ص362. (كذا في النسخ، وابن إسحاق الأحمر هو: إبراهيم بن إسحاق الأحمر هو: إبراهيم بن إسحاق النهاوندىّ، وليس لعليّ بن إبراهيم كما ترى روايةٌ عنه إلاّ هنا، وإنّما الراوي عنه في هذا الكتاب من شيوخ المصنّف هو:علىّ بن محمّد بن بندار، ومحمّد بن الحسن.
والغالب على الظنّ هو أنّ في السند وَهْماً، وأنّ الصواب: «عليّ، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر» والمراد بعليّ حينئذ هو: علي بن محمّد بن بُندار.
ويؤيّده عدمُ التعبير في موضع عن إبراهيم بن إسحاق بابن إسحاق فقط، لعدم معروفيّته بأبيه.
ومنشأ الوهم هو كثرةُ وقوع «عليّ بن إبراهيم» في أوائل الإسناد، فلّما رأوا عليّاً بعده إبراهيم، ذَهَبَ وهمُهم إليه (أورده في (ج7، ص423) وفيه: «علي بن محمّد» بدل «علي بن إبراهيم».
14 ـ عن الخشّاب، عن يزيد بن إسحاق; شَعَر، عن الحَسن بن عطيّة، عن أبي عبدالله (عليه السلام). (ج5، ص470).
15 ـ عليّ بن إبراهيم، عمّن حدّثه، عن عبدالله بن القاسم الجعفرىّ عن
أبي عبدالله(عليه السلام). (فيه إرسالٌ يحذف الواسطة، مضافاً إلى الإبهام، فإنّ علي بن إبراهيم ـ وهو من الثامنة ـ تبعدُ جدّاً روايته عن الخامسة بواسطة واحدة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في النسخة، والصواب، عاصم بن ضمرة السلولي.