قولة « جسم لا كالأجسام »
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام التامّين على سيّد الأنبياء و المرسلين ، محمّد الصادق الأمين ، الصادق بالوحي المبين ، و على خلفائه الأئمّة المعصومين ، الامناء على الدنيا و الدين . و بعد : فقد تعرّض للحقّ ـ المتمثل في الإسلام ، منذ نشأته ، و الناس حديثو عهد بأصوله ـ أعداء ألّداء ، تحيّنوا كلّ فرصة للكيد له ، و النيل منه . لكنّهم أخفقوا ، و لم ينالوا مناهم ، فلم يصمدوا لصلابته ، فباءوا بالفشل ، و انهزموا خاسرين . و لمّا أعيتهم أساليب القمع و الفتك ، لجأوا إلى الاتهام ، و كيل الإفك ، و تزوير الباطل ، و تحريف الحقيقة ، بهدف تشويه وجه الحقّ ، و تعكير صفائه ، و إطفاء نوره ، و بهائه . لكن لم تنطل أكاذيبهم على أهل الحقّ و طالبيه ، و لم تحجب شبهاتهم ساطع ضوئه ، و صادق برهانه ، فخابوا ، و انقلبوا خاسئين . و لمّا يئس الأعداء الحاقدون من المساس بأصول الدين و أسس عقائده ،بين موقف هشام بن الحكم و مواقف سائر أهل الكلام
السيّد محمد رضا الحسينيعمدوا إلى أعمدته و قواعده ، و هم رجاله و مناصروه ، فخاضوا فيهم قتلاً و إبادة ، حتى استنفدوا أساليب الغيلة و الغدر ، فاعجزتهم عن إخضاع أولئك الأساطين ، فلجأوا إلى أسلوب بثّ الدعاية ، و كيل التهم ، لتشويه سمعة أبطال الإسلام و صناديده ، و هدفهم أن يجعلوا الإسلام غريباً لا ناصر له . فملأوا الدنيا بما لاكته ألسنة السوء من الباطل ، و ما لفظته أبواق الزور من البهتان الزائل . و قد فشلوا أمام وعد الله ببقاء جذوة الحقّ و قّادةً ، حيث قال : ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم و يأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره و لو كره الكافرون ) ( سروة التوبة (9) الآية (32) و قال : (إنا نحن نزّلنا الذكر و إنّا له لحافظون ) ( سورة الحجر (15) الآية (9) ) . و لمّا يئسوا من أن يصيبوا الحقّ و أعلامة بسوء ، انكفأوا على الباطل ، و انضووا إلى المنافقين بتكديس المدائح المفتعلة لهم ، و وضع الفضائل و اختلاقها فيهم ، و ترويج باطلهم ، و تحسين قبائحهم ، و الستر على فضائحهم ، و التطبيل لهم ، و التزمير للغطهم ، سعياً في ضرب الحقّ ، و إخفاء شعاعه ، و إظهار الباطل ، و دجله ، و خداعه . أخرج أبن الجوزيّ ، عن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سألت أبي : ما تقول في عليّ و معاوية ؟ فأطرق ، ثمّ قال : إعلم أنّ عليّاً كان كثير الأعداء ، ففتّش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا ، فعمدوا إلى رج قد حاربه فأطروه ، كيداً منهم لعليّ . فأشار بذلك إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له (1) . و قال ابن قتيبة : أهملوا من ذكره ( يعني الإمام عليّاً عليه السلام ) أو روى حديثاً من فضائل ، حتى تحامى كثير من المحدّثين أن يتحدّثوا بها ، و عنوا بجمع فضائل
الهامش (1) ذكره ابن حجر في فتح الباري 7 / 83 ، و ذكره الهيتمي في الصواعق
المحرقة : 76 قال : أخرج السلفي في « الطيّوريّات » .
................ص9..............
عمرو بن العاص و معاوية ، كأنّهم لا يريدونهما بذلك و إنّما يريدونه (2) . و ابتلي الحقّ ـ ثانية ، و هو متمثّل في التشيّع بأولئك الأعداء ، مقنّعين باسم السلف و السنّة ، حيث تصدّوا له بالمنابذة و المعارضة ، فواجهتهم أدلّته القاطعة و حججه الصارمة الناصعة . و لمّا تعرفضوا لأئمّة الحق من آل محمّد ، خلفاء الرسول من عترته الطاهرة ، أعجزتهم قوة أولئك السادة العلماء بالحقّ ، و صلابة اولئك الأوتاد العرفاء بالله ، و إخلاصهم في التفاني من أجله ، بما لم يثنهم عن ذلك ، حتى الاغتيال و القتل الذريع ، و السجن و الهتك الفظيع ، بل ظلّوا صامدين ، مصرّين على قول الحقّ و فعل الصدق ، رغم كلّ أساليب العدوان و أقاويل البهتان التي استعملها الأعداء ضدّهم . و لقد اضطرّ أعداء الحقّ للخضوع أمام عظمتهم ، و الاعتراف لهم بكلف كرامة : يقول ابن حجر الهيتمي ـ و هو يتحدّث عن ( حديث الثقلين ) المحتوي على قول النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم في القرآن و أهل البيت ـ : « لا تقدموهما فتهلكوا ، و لا تقصروا عنهما فتهلكوا ، و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم » (3) . قال : في قوله صلّى الله عليه و آله و سلّم دليل على أن من تأهّل منهم للمراتب العليّة و الوظائف الدينيّة كان مقدّماً على غيره (4) . و يقول الذهبيّ ـ في ترجمة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن عليه السلام ـ : محمّد ، هذا ، هو الذي يزعمون أنّه « الخلف الحجة » و أنّه « صاحب الزمان » و أنّه حيّ لا يموت حتى يخرج ، فيملأ الارض عدلاً و قسطاً ، كما ملئت ظلماً و جوراً .
الهامش (2) الاختلاف في اللفظ : 48 . (3) أنظر : مصادر حديث الثقلين ، بألفاظه المختلفة في مقال « أهل البيت في المكتبة العربية » المنشور في مجلّة ( تراثنا ) العدد (15) السنة الرابْه ، 1409 / ص 84 . (4) الصواعق المحرقة لابن حجر : 136 .
................ص10..............
فمولانا عليّ من الخلفاء الراشدين ! ... نحبّه أشدّ الحبّ ! و ابناه الحسن و الحسين ، فسبطا رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم ، و سيّدا شباب أهل الجنّة ، لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك !؟ و زين العابدين كبير القدر ، من سادة العلماء العاملين ، يصلح للإمامة ! و كذلك ابنه أبو جعفر الباقر سيّد ، إمام ، فقيه ، يصلح للخلافة ! و كذا ولده جعفر الصادق كبير الشأن ، من أئمّة العلم ، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور . و كان و لده موسى كبير القدر ، جيّد العلم ، أولى بالخلافة من هارون ... (5) . ولئن اضطرّهم الأمر للاعتراف ـ هكذا ـ بالحقّ ، و الحقّ مرّ على أذواق غير أهله ، فبدلاً من أن يبحثوا عن الطرق التي توصلهم إلى هؤلاء الأئمّة السادة القادة ، قرناء الكتاب ، و أمناء الشرع ، فبدلاً من ذلك انثالوا على كلّ ما يمتّ إليهم بصلة ، فانهمكوا بإنكاره و تكذيبه ، و على أصحابهم و أوليائهم فتعقّبوهم بالمطارة و
التنكيل و التهديد ، و على رواة حديثهم فرموهم بالقدح و التجريح . فلم يبخلوا ـ لا درّ درّهم ـ بتهمة أن يلصقوها بكبار شيعة أهل البيت ، أولئك الّذين وضعوا ثقتهم عند هؤلاء الأئمة عليهم السلام ، و انصاعوا للحقّ المتمثّل في آرائهم . و نظرة عجلى ، في الميزان للذهبي و اللسان لابن حجر ، تكشف أبعاداً من التجاوز الذي جاء على أتباع أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، في هذه المجالات ! و لقد استهدفوا من ذلك نفس الهدف الذي كان لأعداء الحقّ المتمثّل في الإسلام ـ أولاً ـ و بنفس الأساليب التي انتهجها أولئك ، يحاولون إخلاء ساحة الحق من أنصاره الصادقين ، و تشويه ناصع الحقّ بإلصاق كلّ تهمة ، و تلطيخ سمعة أهله بأيّة صورة ، ظلماً ، و عدواناً ، و زوراً ، وبهتاناً .
الهامش (5) سير أعلام النبلاء 13 / 121 ، و انظر : كلمة حول الرؤية ـ للسيد شرف الدين ـ : 42 .
................ص11..............
فهذا « هشام بن الحكم » الذي التزم بهدي أهل البيت عليهم السلام و هو « شاب » (6) « أول ما اختطّت لحيته » (7) و « غلام ، أول ما اختطّ عارضاه » (8) ، فتمسّك بالحقّ الذي هم عليه ، و استضاء بنور علومهم ، و كان من أنصار الإسلام ، و حمل مشعل الحقّ في ذلك العصر المظلم ، المدلهمّ ، الموبوء بالتيّارات الإلحاديّة ، و الآراء المستجدّة على ساحة الفكر و العقيدة ، فكان ـ لما يتمتع به من نبوغ فائق ، و عقليّة مقتدرة ـ نبراساً منيراً ، يتهافت حواليه شغب المشكّكين في الإسلام القويم ، و تندحر به شبه المنحرفين عن صراط أهل البيت عليهم السلام المستقيم . و لعظمة هشام ، وسموّ مقامه في الحقّ ، و عمق أثره في دحر الباطل ، و قف أعداء أهل البيت منه موقفاً عدائياً صارخاً ، و سعوا لتشويه سمعته ، و إبعاده عن الساحة ، و إفقاد جبهة الحقّ لمثل هذا العنصر النصير ، لما له من دور في الذبّ عن حياضه ، وردّ كيد المبطلين إلى نحورهم ، لما يتمتّع به من قوّة على المناظرة و تفنيد شبهات المنحرفين ، و الاعتراض على باطلهم بما يعجزون عن مقاومته ، و يوقفهم على صراح الحقّ بحيث يكلّون عن تجاوزه و تخطّيه . و لقد أفرطوا في كيل التهم ، بأشكال مختلفة ، و في مجالات عديدة ، لهذا الرجل العظيم . و ركّزوا ـ بالخصوص ـ على اتّهامه في « التوحيد » باعتقاد التجسيم للبارئ تعالى شأنه ، فصوّروا منه « رأساً » في هذا المعتقد الباطل ، و نسبوا إليه خرافات تأباها عقول المبتدئين في العلم ، فضلاً عن مثل هشام الذي « كان حاذقاً في صناعة الكلام » و « فتق الكلام في الإمامة ، و هذّب المذهب بالنظر » (9) و « له غور في الأصول »
الهامش (6) الاحتجاج على أهل اللجاج : 367 . و أنظر : اختيار معرفة الرجال : 271 . (7) الاحتجاج على أهل اللجاج : 365 . (8) الفصول المختارة : 28 ، و انظر : معالم العلماء ـ لابن شهرآشوب ـ : 128 . (9) الفهرست ـ للنديم ـ : 223 .
................ص12..............
و « لا يغفل عن إلزاماته » (10) . مع ما يظهر على تلك التهم من التناقض الواضح ، و التهافت المفضوح ! و محور ما نقلوه عنه في هذه التهمة أنّه كان يقول : إنّ البارئ تعالى شأنه « جسم لا كالأجسام » . و مع أنّ هذه المقولة لا تدلّ على ما يرومون إلصاقه بهشام من الاعتقاد بالتجسيم ، فإنّ أكثرهم اعتمد ما قاله الخصوم في نقلهم عن هشام ، و استند إلى تلك التهم في ترويج الدعايات المضلّلة ضدّ هذا العالم العظيم . و العجب أن نجد في المتطاولين على هشام كثيراً من المنتسبين إلى السلف و المنتمين إلى السنّة ، ممن يذهب إلى إثبات الأعضاء للبارئ جلّ شأنّه ، بعنوان أنّ الأعضاء « صفات خبرية » له تعالى ، مع التزامهم بإمكان رؤيته ، و مع ذلك يلهثون ، ليخدشوا كرامة هشام بهذه التهمة ! و لم يقنع الأعداء باتّهام هشام ، حتى اختلقوا مذهباً و هميّاً باسم « الهشاميّة » نسبوه إليه ، و ذكروا فيه كلّ خرافة ، و كفر ، و تناقض ، و باطل ! و الأغرب أنّ تعوليهم في جميع ما تناقلوه ، على ما ذكره خصوم هشام فيه ، و كلّ واحد من يقصع بجرّة سابقه ، حتى تكاثروا ، و ألهاهم التكاثر عن رؤية الحقّ و درك الحقيقة (11) . و رأيت بعض الكتّاب من المعاصرين قد استسلم لتلك الشائعات ، منصاعاً لما استهدفته تلك التهم من الأغراض الفاسدة ، فنقل ما لفّقه أولئك السابقون من الأكاذيب ، و عنون لفرقة باسم « الهشامية » في فرق الشيعة .
الهامش (10) الملل و النحل ـ للشهرستاني / 185 . (11) إقرأ عن هذا التكاثر ، ما كتبه الأستاذ القدير المحامي توفيق الفكيكي رحمه الله في مقال « مع الدكتور كامل ... » في مجلة « الإيمان » النجفية ، العدد 5 ـ 6 ، السنة الأولى ، ص 8 ـ 399 . و في العزم أن نكتب عمّا جناه مؤلّفو كتاب المقالات و الفرق في شأن هشام ، و تفنيد مزاعمهم المفتراة عليه ، و فّقنا الله لإنجازه ، إنّه هو الموفّق للخير و المعين عليه .
................ص13..............
غافلاً عن أنّ مصادرنا ـ على الإطلاق خالية عن ذكر فرقة بهذا الاسم ! و الخصوم و الأعداء ـ على رغم تكاثرهم ـ لم يعتمدوا فيما نسبوه إلى هشام من آراء و عقائد ، و أفكار ، و أدّلة ، و شواهد ، و حجج ، على مصدر شيعيّ أبداً ، و لو على واحد ! و لقد حزّ في نفسي كلّ هذا الحيث ! فصمّمت على كتابة هذا البحث ، لعلّي اسهم به في إسفار الحقيقة عن و جهها ، أو أنفض عنه غبار الزمان ، و عجاج العدوان ، و الله المستعان . و كتب السيّد محمد رضا الحسيني الجلالي في 20 / جمادى الثانية / 1410 هـ
................ص14..............
مع المقولة : مصدرها و مدلولها لقد تعدّدت الفرق التي عدّ هشام بن الحكم منها . الأكثرون بأنّه من « الشيعة الإماميّة » باعتباره واحداً من كبار المتكلّمين وفق هذا المذهب ، بل من المنظّرين لعقائده ، و من رواة حديثه ، و من حملة فقهه ، و
الخصوصم ينبزونه بأنّه « رافضيّ » على هذا الأساس ، نجد من عدّه في « الغلاة » و « المجبّرة » (12) و « الجهميّة » (13) و « المشبّهة » (14) و « الحلوليّة » (15) و « الدهريّة » (16) و « الديصانية الثنوية » (17) إلاّ أنّ ما أكّد عليه أكثر خصومه هو كونه من « المجسّمة » (18) . و قد نسبوا إليه ـ في مجال التجسيم ـ اموراً واضحة البطلان ، حتّى أنّ بعضهم نسب إليه تجويز « المحال الذي لا يتردّد في بطلانه ذو عقل » (19) . و نقلوا عن النظام قوله : إنّ هشاماً قال في التشبيه ـ في سنة واحدة ـ خمسة أقاويل (20) . و لوضوح بطلان هذه الدعاوى ، حيث أنّ هشاماً أرفع شأناً من أن يوصم بمثل هذه الترّهات ، و هو المتصدّي لمناظرة كبار علماء القوم ، فإنّا نرجئ التعقيب عليها و على أمثالها ا لى مجال آخر . و على كلّ ، فإنّ التجسيم أصبح السمة المشهورة التي تذكر مع هشام ،
الهامش (12) تأويل مختلف الحديث : 48 ، و الأنساب ـ للسمعاني ـ : ظ 590 ، و لسان الميزان 6 / 194 ، و الملل و النحل 1 / 185 . (13) هامش الفهرست ـ للنديم ـ : 224 . (14) الملل و النحل / 184 ، و الأنساب ـ للسمعاني ـ : ظ 590 . (15) تاريخ الفرق الإسلامية ـ للغرابي ـ : 302 . (16) التنبيه و الردّ ـ للملطي ـ : 24 . (17) الانتصار ـ للخيّاط ـ : 40 ـ 41 . (18) مقالات الإسلاميين ـ للأشعري ـ 1 / 257 ، و لسان الميزان 6 / 196 ، و لهج بهذه التهمة أكثر المتأخّرين ! (19) لسان الميزان 6 / 194 . (20) مقالات الإسلاميين 1 / 104 ، و انظر : تلبس إبليس ـ لابن الجوزي ـ : 83 .
................ص15..............
و يحاول خصومه إلصاقها به ، أو اتّهامه بها ، و لقد عبّروا عن هذه التهمة بعبارات تقشعرّ منها جلود المؤمنين الموحّدين !! و قد اتّفقوا في النقل عنه أنّه قال : البارئ جلّ ذكره « جسم لا كالأجسام » و كأنّهم لخّصوا التهمة في هذه الجملة ، و جعلوها دليلاً على ما ادّعوه عليه من التجسيم ! و لذلك ، فإنّا نركّز البحث عنها هنا ، تحت العناوين التالية :
................ص16..............
1 ـ مصدر المقولة : نقلت هذه المقولة عن هشام ، في مصادر عديدة لمؤلّفين قدماء : 1 ـ الرجال ، للكشّي ; فقد ذكر بسنده عن عبد الملك بن هشام الحنّاط ، قال : زعم هشام بن الحكم : إن الله « شي لا كالأشياء » و إنّ الأشياء بائنة عنه ، و هو بائن عن الأشياء . و زعم : إنّ إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » فهو « جسم لا كالأجسام » « شيء لا كالأشياء » : ثابت موجود ، غير مفقود ، و لا معدوم ، خارج عن الحدّين : حد الإبطال ، و حدّ التشبيه (21) . 2 ـ الكافي ، للكليني ; فقد روى بسنده عن الحسن بن عبد الرحمن الحمّاني ، قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام : إنّ هشام بن الحكم زعم : أنّ الله « جسم ، ليس كمثله شيء » (22) . فإنّ مؤدّي « ليس كمثله شيء » هو نفس مؤدّي « لا كالأجسام » من
دون أدنى تفاوت ، و سيأتي توضيح هذه الجهة . 3 ـ و قال الشيخ المفيد : لم يكن في سلفنا من تديّن بالتشبيه من طريق المعنى ، و إنّما خالف هشام و أصحابه جماعة أصحاب أبي عبد الله عليه السلام بقوله في « الجسم » فزعم : انّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » (23) . 4 ـ و قال السيد الشريف المرتضى : فأمّا ما رمي به هشام بن الحكم من المقول بالتجسيم ، فالظاهر من الحكاية عنه القول بـ « جسم لا كالأجسام » (24) . و بهذا يثبت صدور هذه المقولة من هشام ، لأنّ كبار أعلام الطائفة نقلوها عنه
الهامش (21) اختيار معرفة الرجال : 284 الفقرة 503 . (22) الكافي ، كتاب التوحيد ، باب 11 ج 1 ص 82 ح 7 . رواه الصدوق في التوحيد ، باب 6 ، ح 8 ، ص 100 . (23) الحكايات : 131 ، الفصول المختارة : 285 . (24) الشافي ـ للسيد المرتضى ـ : 12 .
................ص17..............
و قد نقلها علماء سائر الطوائف ، كما يلي : 5 ـ قال أبو الحسن الأشعريّ ـ صاحب المذهب ـ حكي عنه ( أي : عن هشام ) أنّه قال : هو « جسم لا كالأجسام » و معنى ذلك : أنّه شيء موجود (25) . و في موضع آخر ، عند ذكر الاختلاف في التجسيم ، عدّ الفرقة الأولى : « الهشامية » و نقل عن هشام أنّه قال : هو « جسم لا كالأجسام » . ثمّ عنون للفرقة الثانية بقوله : يزعمون أنّ ربّهم « ليس بصورة ، و لا كالأجسام » ، و إنّما يذهبون في قولهم : « إنّه جسم » إلى : « أنّه موجود » و لا يثبتون البارئ ذا أجزاء مؤتلفة ، و أبعاض متلاصقة (26) . فالملاحظة : أنّ ما نسبه إلى الفرقة الثانية لا يختلف عمّا تحتويه المقولة التي نقلها عن هشام في ذكر الفرقة الاولى ، و لا عمّا نقله عنه في الموضع السابق ، و إنّما هو هو بعينه ، بلا أدنى تفاوت ، عدا التقديم و التأخير ، و بعض التوضيح . 6 ـ و ابن أبي الحديد المعتزليّ ـ بعد أن نقل أنواع التهم الموجّهة إلى هشام ـ قال : و أصحابه من الشيعة يدفعون ـ اليوم ـ هذه الحكايات عنه ، و يزعمون : أنّه لم يزد على قوله : إنّه « جسم لا كالأجسام » و أنّه إنّما أراد بإطلاق هذا اللفظ عليه : إثباته (27) ، و قد نسبت هذه المقولة إلى آخرين غير هشام : 7 ـ قال ابن أبي الحديد : و أمّا من قال : إنّه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنه بخلاف « العرض » الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل ، و نفوا عنه معنى الجسميّة ، و إنّما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى : أنّه « شيء لا كالأجسام » و « ذات لا كالذوات » . فأمرهم سهل ، لأنّ خلافهم في العبارة ; و هم : عليّ بن منصور ، و السكّاك ، و يونس بن عبد الرحمن ، و الفضل بن شاذان .
الهامش (25) مقالات إسلاميّين 1 / 257 . (26) مقالات إسلاميّين 1 / 104 . (27) شرح نهج البلاغة 3 / 224 و 228 .
................ص18..............
و كلّ هؤلاء من قدماء رجال الشيعة (28) . و نسبت المقولة إلى أشخاص ينتمون
إلى فرق أخرى : 8 ـ قال ابن أبي الحديد ـ بعد ذكر ما نقلنا عنه ـ : و قال قال بهذا القول « ابن كرّام » و أصحابه (29) . و نسبت إلى داود الحواري (30) . 9 ـ قال الشهرستاني ـ في « مشبّهة الحسويّة » نقلاً عن الكعبيّ ، عن داود الحواري ـ رئيس « الحواريّة » أنّه يقول : إنّ الله سبحانه « جسم » و لحم ، و دم ، و له جوارح و أعضاء ... و هو مع هذا « ليس جسماً كالأجسام » و لا لحماً كاللحوم ... و كذلك جميع صفاته . و هو سبحانه لا يشبه شيئاً من المخلوقات ، و لا يشبهه شيء (31) . و مع قطع النظر عن التناقض بين صدر هذا النقل و ذيله ، فإنّه يدلّ على وجود المقولة « جسم لا كالأجسام » في ما نقل عن داود . و نقلت المقولة ، بالمعنى ، منسوبة إلى قائلين لها : 10 ـ ذكر الأشعريّ في اختلافهم في البارئ تعالى هل هو في مكان أو لا ؟ فقال : و قال قائلون : هو « جسم خارج من جميع صفات الأجسام » ليس بطويل ، ولا عريض ، و لا عميق ، و لا يوصف بلون ، و لا بطعم ، و لا مجسّة ، ولا شيء من صفات الأجسام (32) . و حكيت المقولة عن غير المعتزلة :
الهامش (28) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (29) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (30) لقد اختلفت المصادر في إيراد هذا اللقب ، و قد ورد « الحواري » في بعض المواضع ، و « الجواربي » أو « الجواري » في مواضع أخرى ، و الخوارزمي مواضع ثالثة ، فليلاحظ . (31) الملل و النحل 1 / 105 ، و انظر : تاريخ الفرق الإسلامية ـ للغرابي ـ : 300 ـ 301 .
................ص19..............
11 ـ قال صاحب كتاب « فضيحة المعتزلة » أيّما أشنع ؟ القول بأنّ الله « جسم لا يشبه الأجسام » في معانيها ، و لا في أنفسها ، غير متناه القدرة ، و لا محدود العلم ، لا يلحقه نقص ، و لا يدخله تغيير ، و لا تستحيل منه الأفعال ، لا يزال قادراً عليها ؟ أم القول ... (33) . و جاءت المقولة غير منسوبة : 12 ـ فيما ذكره الدوّاني على العقائد العضدية ، قال : و منهم ـ أي : من المشبّهة ـ من تستّر بالبلكفة ، فقال : هو « جسم لا كالأجسام » و له حيّز لا كالأحياز ، و نسبته إلى حيّزه ليست كنسبة الإجسام إلى أحيازها ، و هكذا « ينفي جميع خواصّ الجسم » عنه ، حتى لا يبقى إلاّ اسم « الجسم » . و هؤلاء لا يكفّرون ، بخلاف المصرّحين بالجسميّة (34) . 13 ـ فيما ذكره القاضي عبد الجبّار المعتزلي من إبطال المعتزلة لقول من زعم : أنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » قياساً على القول بأنّه تعالى « شيء لا كالأشياء » (35) . و لكن سنذكر أنّ مقولة « جسم لا كالأجسام » هي عند هشام بمعنى « شيء لا كالأشياء » و تساويها في المعنى ، فالدليل عليهما ـ عند هشام ـ واحد . و على هذا فيمكن أن تعتبر مصادر « شيء لا كالأشياء » مكملّة لمصادر مقولة « جسم لا كالأجسام » . و من الغريب أنّ البغداديّ ـ صاحب « الفرق بين الفرق » ـ لم ينقل هذه المقولة عن هشام ، مع نقله جملة من أشنع ما نسب إليه في بعض مصادرها السابقة ! و أظن أنّه إنّما عمد إلى ترك ذكر هذه المقولة ، لأنّها تحتوي على ما
ينسف كلّ تلك الأكاذيب المفتعلة ، و الأباطيل المنسوبة إلى هشام ، كما سيتّضح في هذا البحث ، بعون الله .
................ص20..............
2 ـ مصطلح هشام في كلمة « جسم » : « الجسم » في العرف اللغويّ يدلّ على تجمع الشيء ، و تكتّله في الوجود الخارجي (36) . و هذا بالطبيعة يقتضي و جود الأبعاد من الطول و العرض و العمق في ما يطلق عليه هذا اللفظ . و يراد منه في العرف العامّ : مجموعة البدن ـ لإنسان أو يحوان ـ متكوّنة من أعضاء و جوارح . و بعد أن دخلت الفلسفة الأجنبيّة بلاد الإسلام ، و ترجمت ، و استغلّها أعداء الدين لإحداث البلابل في أفكار المؤمنين ، و فصلهم عن معين الإسلام الصافي الذي كان يتمثّل آنذاك في أهل البيت عليهم السلام ، استحدث لكلمة « الجسم » تفسير فلسفيّ هو : ما شغل حيّزاً و مكاناً . و قد اختلفت كلمات المتكلّمين في معنى « الجسم » اختلافاً كبيراً حيث يطلقونه في كتبهم ، و تجري على ألسنتهم . قال ابن رشيد : الكرّاميّة زعموا : أن معنى « الجسم » هو أنّه « قائم بنفسه » (37) . و الأشاعرة ذهبوا إلى أنّ « الجسم » : ما كان مؤلّفاً . و رأي المعتزلة : أنّ « الجسم » ما كان طويلاً ، عريضاً ، عميقاً . و هذا هو رأي المجسّمة أيضاً (38) . و قد اصطلح هشام بن الحكم و تلامذته في « الجسم » معنى خاصاً . قال السيّد الخوئي ـ معقفباً على مقولة « جسم ، ليس كمثله شيء » ـ : إنّ نفي
الهامش (36) معجم مقاييس اللّغة ـ لابن فارس ـ 1 / 457 . (37) ديوان الأصول : 595 ، و لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 359 . (38) ديوان الأصول : 595 .
................ص21..............
المماثلة يدل على أنّه لا يريد من كلمة « الجسم » معناها المفهوم ، و إلاّ : لم يصحّ نفي المماثلة ، بل يريد معنى آخر غير ذلك (39) . فما هو ذلك المعنى المصطلح ؟ و هل يصحّ لهشام أن يصطلح لنفسه معنى يخالف العرف ؟ و ما هو الدليل على صحّة هذا التصرّف ؟ و لا بدّ ـ قبل الدخول في هذه المباحث ـ من التذكير بأنّ معرفة مصطلح كلّ مذهب ، ضروري جدّاً لفهم مقاصده ، و إمكان معارضته ، لأنّ أساس ذلك المذهب إنّما يدور على محور مصطلحاته ، و لا يصحّ ـ في عرف العلماء ـ أن يحاسب أحد إلاّ على ما أظهره من مراده على مصطلحه ، كما لا يجوز لأحد أن يحاسب الآخرين على أساس ما اتّخذه هو مصطلحاً لنفسه ، بخلاف الآخرين . و قديماً قيل : « لا مشاحّة في الاصطلاح » . أمّا صحّة الاصطلاح الخاصف ، فيمكن معرفتها من خلال ما يلي : 1 ـ قال القاضي عبد الجبّار المعتزليّ : قال شيوخنا : لو أنّ أهل اللغة بدا لهم في العربيّة على الوجه الذي تواضعوا عليه ، و غيّروه حتى يجعلوا « قديماً » مكان « محدث » و « عالماً » مكان « جاهل » و « طويلاً » مكان « قصير » كان لا يمنع (40) . 2 ـ و قال : قال شيوخنا : لو تواضع قوم على تسمية كلّ موجود : « جوهراً » أو « جسماً » على
تسمية « القائم بنفسه » بذلك ، لحسن منهم وصف القديم تعالى بأنّه « جسم إلاّ أن يحصل نهي سمعي عن ذلك (41) . أقول : أمّا مسألة النهي الشرعي ، فلا مدخل لها في صحّة التواضع و عدمها . و سيأتي البحث عن توقيفيّة أسماء الله تعالى ، في نهاية البحث .
الهامش 39) معجم رجال الحديث 19 / 358 . (40) المغني ـ لعبد الجبّار ـ 5 / 172 . (41) المغني ـ لعبد الجبار ـ 5 / 173 .
................ص22..............
و أمّا الفرد أو الجماعة الّذين يصحّ منهم الإصطلاح و التواضع الخاصّ ، فهم في عبارة القاضي الاولى « أهل اللغة » و ليس المراد بهم علماء اللغة ، اللغويّون الّذين تخصّصوا بمعرفتهم بها بالدراسة و البحث كعلم من المعلوم ، بل المراد بهم أهل اللسان الّذين نشأوا عليها و نطقوا بها كلغة لهم ، و منهم انطلقت مفرداتها ، و اخذت تراكبيها ، و تألّفت قواميسها ، فقد كان لهؤلاء الحقّ في أن يضعوا ـ من البداية ـ لكلّ معنى لفظاً يدلّ عليه ، ينتخبونه على حسب سلائقهم و ما يقارن الوضع من الأمور ، باعتبار أنّهم آباء اللغة و أولياؤها ، و لو كانوا يضعون الأسماء على غير ما يعرف اليوم لها من المعاني ، لما كان ممتنعاً . أمّا بعد ما حصل من التواضع ، و ما تّم إثباته في متن اللغة ، فليس لأحد من التخصّصين بلعم اللغة تغييره عمّا وضع عليه ، و تبديله عمّا ثبت سماعه منهم أو قياسه عنهم . و عبارة القاضي الثانية : تنظر إلى أهل الاختصاص بالعلوم ، و لم يذكر الخصوصيّات المشترط توفّرها في القائم بوضع الاصطلاح الخاصّ . و الذي أراه أنّ ذلك مشروط بأمرين : الأوّل : أن لا يكون التواضع الجديد على نقيض المغنى اللغويّ ، و لا معارضاً له بالتباين . فلو اشتركا في بعض الأفراد ، أو ارتبطا بعلقة مجازية ، صحّ التواضع على غير المعنى اللغويّ ، و من هنا يعلم : أنّ كون القائم بالوضع الجديد عارفاً بلغة التواضع ، ليحقق هذا الشرط ، هو أمر أساسيّ كما لا يخفى . الثاني أن يكون التواضع الجديد مبتنياً على دليل منطقي ، قابل للتصور ، بأن لا يكون منافياً لضرورة العقل ، أو قضية وجدانية . قال الشيخ محمد عبده ـ في توفيقيّة أسماء الله ـ : الألفاظ التي لا تفهم إلاّ الكمال ، و لا تشوب ظاهرها شائبة النقص ، فيجوز إطلاقها على الله تعالى ، بلا حرج . و أضاف : و لكلّ قوم أن يصطلحوا في ذلك على ما شاءوا ، كيف ؟ و لنا أن
................ص23..............
نستدلّ على إثبات صفات كماليّة للواجب تعالى ، ثمّ نعبّر عنها بمشتقّ ؟ (42) . و من هنا ، فإنّ لهشام بن الحكم الحقّ في أن يصطلح معنى خاصّاً لكلمة « جسم » فيطلقها ، إذا توفّر فيه الشرطان ، و لا يمنع منه إلاّ موضع « توقيفيّة أسماء الله تعالى » . التي سنتحدّث عنها في نهاية البحث ، أمّا هنا فيجب أن نعرف « مصطلح هشام » ثمّ « الدليل على اختياره لهذا المصطلح » . أما مصطلحه : فقد ذكروا : أنّ «
الشيء » عنده لا يكون إلاّ « جسماً » (43) و نقلوا عنه : أنّه زعم أنّ إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » (44) . و قال فرقة من المعتزلة : لا « شيء » إلاّ « جسم » (45) . و قال الأشعري ـ في الاختلاف في الدقيق ، و « الجسم » ـ : 9 ـ هشام بن الحكم ، و كان يقول : أريد بقولي : « جسم » أنّه « موجود » و أنّه « شيء » و أنّه « قائم بنفسه » (46) . هكذا جمع الأشعري بين هذه التفسيرات الثلاثة ، في مصطلح هشام في « الجسم » ، و ظاهر ذلك أنّها كلّها متساوية ، و تعطي مفهوماً و اخحداً . و قد عرفت أنّ « الشيء » و « الجسم » واحد عند هشام ، كما نسب الأشعري ذلك إلى المشبّهة (47) .
الهامش (42) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة و المتكلّمين : 604 . (43) الفرق بين الفرق : 67 . (44) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503 . (45) مقالات الإسلاميّين 1 / 245 . (46) مقالات الإسلاميّين 2 / 6 ، و طبعة ريتر : 304 . (47) مقالات الإسلاميّين 2 / 180 .
................ص24..............
و أمّا تفسير « الجسم » بـ « القائم بنفسه » : فقد ذكره عبد الجبّار ، فقال : و أمّا أن يكون ( التجسيم ) عن طريق العبارة ، يجوز أن يقول : إنّ الله تعالى « جسم » ليس بطويل ، و لا عريض ، و لا عميق و « لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام » من الصعود ، و الهبوط ، و الحركة ، و السكون ، و الانتقال من مكان إلى مكان ، و لكن اسميّه « جسماً » لأنّه « قائم بنفسه » (48) . و نسبه الشهرستانّي إلى الكرّاميّة ، فقال : أطلق أكثرهم لفظ « الجسم » عليه تعالى ، و المقاربون منهم قالوا : نعني بكونه « جسماً » أنّه « قائم بذاته » و هذا هو « الجسم » عندهم (49) . و قال الشهرستاني ـ أيضاً ـ : و قد اجتهد محمّد بن الهيصم في إرمام مقالة أبي عبد الله ( ابن كرفام ) في كلّ مسألة ، حتى ردّها من المحال إلى نوع يفهم فيما بين العقلاء ، مثل « التجسيم » فإنّه قال : أراد بـ « الجسم » : « القائم بالذات » (50) . و أمّا تفسير « الجسم » بـ « الموجود » : فقد نسبه الأشعري ـ في موضع ـ إلى هاشم ، فقال : زعم هشام بن الحكم أنّ معنى « موجود » في البارئ تعالى أنّه « جسم » لأنّه « موجود » : « شيء » (51) . و نسب إلى قوم : انّ معنى « الجسم » .... هو « الشيء الموجود » و أنّ البارئ لمّا كان « شيئاً موجوداً » كان « جسماً » (52) . و ذكر الجويني ما نصّه : معنى « الجسم » : « الموجود » و أنّ المعنى بقولنا : إن الله
الهامش (48) شرح الأصول الخمسة : 218 . (49) الملل و النحل 1 / 109 ، و لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 359 . (50) الملل و النحل 1 / 112 . (51) مقالات الإسلاميّين 2 / 182 . (52) الشامل في أصول الدين : 166 ـ طبعة ريتر ـ الاسكندرية ، و انظر : مذاهب الإسلاميّين 1 / 72 .
................ص25..............
« جسم » : أنّه « موجود » (53) . و نقل الأيجيّ هذا التفسير عن بعض الكرّاميّة ، و
نقل التفسير السابق عن آخرين منهم ، فقال : ذهب بعض الجهّال إلى أنّه « جسم » فالكرّاميّة قالوا : هو « جسم » أي « موجود » و قوم قالوا : هو « جسم » أي « قائم بنفسه » (45 . و هذكا نجد التفاسير الثلاثة « للجسم » قد جمعها الأشعريّ في عبارة واحدة و نسبها إلى هشام ، و كأنّها بمعنى واحد : الشيء ، و الموجود ، و القائم بنفسه . هذا ، و من ناحية أخرى نجدهم يفسّرون كلّ واحد من هذه الثلاثة بالمعنى الآخر : قال ابن حزم ـ في معنى قولنا « شيء » ـ : إنّه « الموجود » ثم قال : إن قالوا : هو « الموجود » صاروا إلى الحقّ (55) . و قال الأشعري ـ في معنى : أنّه تعالى « شيء » ـ : قال قائلون : معنى أنّ الله « شيء » : معنى أنّه « موجود » و هذا مذهب من قال : لا « شيء » إلاّ « موجود » (56) . و قال الرازيّ : من قال : المعدوم ليس بشيء ، قال : الموجود شيء ، فهما لفظان مترادفان ، فإذا كان « موجوداً » كان « شيئاً » (57) . و ذكر ـ في معنى : أنّه « موجود » أقوالاً ، منها : 4 ـ « موجود » بمعنى : أنّه « شيء » . 5 ـ « موجود » بمعنى : أنّه « قائم بنفسه » (58) . و احتمل القاضي عبد الجبّار ـ في معنى « قائم بنفسه » : 1 ـ أنّه « موجود » .
الهامش (53) مقالات الإسلاميّين 1 / 124 . (54) المواقف ـ بشرح السيّد الشريف ـ : 473 . (55) الفصل 5 / 43 . (56) مقالات الإسلاميّين 2 / 180 . (57) لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 357 . (58) مقالات الإسلاميّين 2 / 185 .
................ص26..............
2 ـ أو « موجود باق » . 3 ـ أو « لا يحتاج و جوده إلى محل و مكان » (59) . و قضيّة قياس المساواة أن يقال : إنّ المعاني الثلاثة : الشيء ، الموجود القائم بنفسه ، هي بمعنى « الجسم » كما نسب إلى هشام أولاً . و الحقّ أنّ مصداقها ـ على مصطلح هشام ، واحد ، و إن اختلف مفهوم كلّ عن الآخر ، و إنّما الاختلاف بالاعتبارات الداخلية : فباعتبار صحّة الخبر عنه ، و تعلّق العلم به و إثباته ، يسمّى « شيئاً » . و باعتبار تحقّقه ، و اتّصافه بالوجود ، يسمّى « موجوداً » . و باعتبار استقلاله في التحقّق ، يسمّى « قائماً بنفسه » . و قد اعترف تلامذة هشام بهذا المصطلح ، و أنّ إطلاق « الجسم » على البارئ سبحانه بمعنى « الشيء » . قال ابن أبي الحديد : و أمّا من قال : إنّه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنّه بخلاف « العرض » الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل ، و نفوا عنه معنى الجسمية ، و إنّما أطلقوا هذه اللفظه لمعنى أنّه « شيء لا كالأشياء » فأمرهم سهل ، لأنّ خلافهم في العبارة ، و هم علي بن منصور ، و السكّاك ، و يونس بن عبد الرحمن ، و الفضل بن شاذان ، و كلّ هؤلاء من قدماء رجال الشيعة (0) . و من المعقول ـ في العادة ـ أن يمثّل التلامذة آراء أساتذهم (61) . فهشام قد اصطلح للجسم معنى خاصاً هو « الشيء » . و أمّا مناسبة هذا المعنى ، للمعنى المفهوم لغة : فلأنّ المعنى اللغويّ ـ كما مرّ ـ هو : تجمّع الشيء و تكتّله في الخارج ، و هذا يحتوي على طرفين : الأول : أن يكون ذا أجزاء متكتّلة ، الثاني : أن يكون متحقّقاً في
الهامش (59) المغني ـ لعبد الجبّار ـ 4 / 180 . (60) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (61) هشام بن الحكم ـ لنعمة ـ : 69 .
................ص27..............
الخارج ، فما كان ذا أجزاء و تحقّق في الخارج ، اشترك مع معنى الجسم اللغوي في كلا الأمرين . و إن لم يكن مادّة ، و ليس له أجزاء ، و إنّما له تحقّق في الخارج ، فهو « شيء » بحقيقة الشيئية ، و هي التحقّق والثبوت في الخارج ، و اشتراكه في هذا مع « الجسم » يصحّح إطلاق « الجسم » عليه في عبارة المقولة ، و لا يحتاج إلى مادّة ، و لا تحيّز ، و لا غير ذلك من خواصّ الأجسام : و قد اعترض الشيخ الصدوق على هذا التواضع ، فقال : إن لم يرجع منه ( أي من إطلاق « الجسم » على البارئ) إلاّ على التسمية فقط ، كان واضعاً للاسم في غير موضعه ، و كان كمن سمّى الله عز وجلّ إنساناً ، و لحماً ، و دماً ، ثم لم يثبت معناها ، و جعل خلافه إيانا على الاسم ، دون المعنى (62) . أقول : و حاصل اعتراضه في أمرين : 1 ـ في أنّ هذا من باب وضع اللفظ في غير موضعه . فإن كان مراده أنّه استعمال للّفظ في غير ما وضع له ، فلم يرد به المعنى الحقيقي ، فهذا مع وضوح ، ليس مخالفاً ، إذا كان استعمالاً مجازياً على أساس علقة مجازية ، كما شرحنا ، لصحّة المجاز بالوضع العامّ . و ليست فيه مخالفة لأصل عقلائيّ معلوم ، و لا معارضة فيه لفرع شرعيّ مستدلّ عليه ، كما ذكر السيّد الشريف المرتضى ، حيث قال : فأمّا ما رمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم ، فالظاهر من الحكاية عنه القول بـ « جسم لا كالأجسام » و لا خلاف في أن هذا القول ليس بتشبيه ، و لا ناقض لأصل ، و لا معترض على فرع (63) و ليس محرّماً على أحد أن يصطلح لنفسه لفظاً يضعه على معنى خاصّ في نظره .
الهامش (62) التوحيد ـ للصدوق ـ : 300 رقم 6 . (63) الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 .
................ص28..............
نعم ، بما أنّ الموضوع يتعلّق بأسماء الله تعالى فهو يرتبط بمسألة توقيفية هذه الأسماء و ذلك خارج عن المخالفة الوضعية ، و سيأتي الحديث عن تلك المسألة . 2 ـ في تمثيله بما ذكر من الألفاظ ، و استهجان إطلاقها على البارئ . فالفرق بين تلك الألفاظ و بين لفظ « الجسم » واضح ، حيث إنّ تلك الألفاظ لا تطلق بحقيقتها على الله كما هو واضح ، و ليس لها معنى مجازيّ قابل للإطلاق عليه تعالى ، يستحسنه الطبع ، فإطلاقها عليه تعالى مستهجن لما في معانيها الحقيقية من الحقارة و السقوط . مع أنّه يعترض عليه بإطلاق كلمة « شيء » التي وضع هشام لفظ « الجسم » بمعناها ، و سيأتي الكلام فيها . و القاضي عبد الجبّار ذكر من أطلق اسم « الجسم » عن طريق العبارة و قال : أسمّيه « جسماً » لأنّه « قائم بنفسه » . فاعترض عليه بقوله : فإن كان خلافه من هذا الوجه ، فالكلام عليه ما ذكرناه من
أنّ الجسم إنّما يكون طويلاً ، عريضاً ، عميقاً فلا يوصف به القديم تعالى (64) . أقول : و هذا خروج عن منهج المعارضة العلميّة ، لأنّه خروج عن مصطلح المعارض ، و قد ذكرنا سابقاً أنّ المناقشة لا بدّ أن تبتني على المصطلح الخاصّ الذي قصده المعارض ، و لا يجوز محاسبة أحد على ما لم يصطلحه و لم يتواضع عليه ، فلا « مشاحّة في الاصطلاح » . إلاّ أن يكون اعتراضه على أصل الاصطلاح ، و قد اثبتنا عدم مخالفته لشيء كما سيأتي ذكر الدليل عليه .
الهامش (64) شرح الأصول الخمسة : 218 .
................ص29..............
3 ـ أصل هذه المقولة إنّ هذه المقولة تبتني أساساً على القول بأنّ البارئ تعالى « شيء » و هشام زعم أنّ إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » . و على ذلك تكون مقولة « جسم لا كالأجسام » مأخوذة من « شيء لا كالأشياء » و بمعناها . و أقدم نصّ شيعيّ احتوى على المقولة نقلاً عن هشام تضمّن التسوية بينهما : عن عبد الملك بن هشام الحنّاط : قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : زعم هشام بن الحكم : أنّ الله « شيء لا كالأشياء » و أنّها بائنة عنه ، و هو بائن عن الأشياء ، و زعم أنّ إثبات « الشيء » أن يقال : « جسم » فهو « جسم لا كالاجسام » : « شيء لا كالأشياء » ثابت موجود (65) .
و كذلك ابن أبي الحديد فرض إطلاق هذه المقولة : « جسم لا كالأجسام » لمعنى أنّه « شيء لا كالأشياء » (66) . و من قال بالتساوي بين « شيء » و « جسم » و أجاز إطلاق « شيء » على البارئ تعالى ، يقول : إنّه تعالى « شيء لا كالأشياء » فلا بدّ أن يقول بمقولة « جسم لا كالأجسام » من جهة المعنى ، و إن تعبّد بالتوقيف فهو ممنوع من جهته لا من جهة المعنى ، و ذلك أمر آخر . أمّا إطلاق اسم « الشيء » على البارئ تعالى فقد عنون المتكلّمون له ، و اختلفوا فيه على مقالتين : فقال جهم ، و بعض الزيديّة : إنّ البارئ تعالى لا يقال له « شيء » لأنّ الشيء هو المخلوق الذي له مثل (67) .
الهامش (65) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503 . (66) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (67) مقالات إسلاميّين 1 / 328 .
................ص30..............
و أورد الرازي احتجاج جهم على مقالته بالقرآن ، و المعقول : أمّا القرآن ، فآيتان : الاولى : قوله تعالى ( الله خالق كلّ شيء ) ( سورة الرعد (13) الآية (16) ) . فلو كان تعالى يسمّى بلفظ « الشيء » لزم بحكم هذا الظاهر كونه خالقاً لنفسه ، و هو محال . الثانية : قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء ) ( سورة الشورى (42) الآية (11) ) . و مثل مثله هو « هو » فلمّا ذكر أن ( ليس كمثله شيء ) لزم أن لا يكون هو مسمّى باسم « شيء » . و قول من قال : « الكاف زائدة » باطل ، لأنّ هذا ذكر : هذا الكاف خطأ و فاسد ، فمعلوم أنّ هذا لا يليق بكلام الله تعالى . و أمّا المعقول : فهو :
أنّ أسماء الله تعالى دالّة على صفات الكمال و نعوت الجلال ، و قال : ( و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ( سورة الأعراف (7) الآية (180) ) . و أسم « الشيء » لا يفيد كمالاً ، و لا جلالة و لا معنى من المعاني الحسنة ، فشت أنّ كلّ ما كان من أسماء الله تعالى وجب أن يفيد حسناً ، و لفظ « شيء » لا يفيد حسناً ، فوجب أن لا يكون الله تعالى (68) . و لم يحاول الرازيّ الإجابة على كلام جهم هذا ، فلنذكر ـ نحن ـ ما يبدو لنا فيه من المغالطة و الفساد :
الهامش (68) لوامع البيّنات ، المطبوع باسم « شرح أسماء الله الحسنى » للرازي : 7 ـ 358 .
................ص31..............
أما عن احتجاجه بالآية الأولى : فجوابه : أنّ ذلك الخطاب لا يشمل المتكلفم به و هو الله تعالى شأنه ، لأنّ مادّة « الخلق » الواردة فيه تقتضي انصراف مؤدّاه إلى ما سواه جلّ ذكره ، و هذا كما لو قال أحد : « من لبس ردائي عاقبته » حيث أنّه لا يشمل المتكلفم نفسه ، لفرض أنّ الرداء هو له ، و الغرض من إيراد هذا القول منع الأغيار من التصرّف في الرداء . فكذلك الآية الكريمة إنّما سيقت للدلالة على قدرة الله على ما سواه ، و استيلائه على كلّ شيء ممّا عداه ، لأنّه خالق كلّ شيء ، فهي منصرفة عنه هو جلّ جلاله : و يدلّ على هذا المعنى ، ما روي عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر ، و الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليهما السلام ، قال : كلّ ما وقع عليه اسم « شيء » ـ ما خلا الله عزّ وجلّ ـ فهو مخلوق ، و ( الله خالق كلّ شيء ) تبارك الذي ( ليس كمثله شيء ) (69) . و الجواب عن احتجاجه بالآية الثانية : إنّ زيادة الحروف ليس من باب الخطأ ، و لا فساد فيه ، بل « إنّما زيدت لتوكيد نفي المثل ، لأنّ زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانياً، قاله ابن جنّي » (70) . فالزيادة اسلوب عربيّ ، يؤدّي دوراً بلاغيّاً رائعاً هو الأليق بكلامه تعالى . و أمّا الجواب عن احتجاجه الذي سمّاه معقولاً ، فمن وجهين : الأوّل : أنّ المراد بالتسمية ، ليس هو تعيين الاسم الخاصّ عليه تعالى ، بل المراد إطلاق اللفظ عليه ، و بهذا يختلف عن الأسماء الحسنى ، فلا يسري حكمها عليه ،
الهامش (69) التوحيد ـ للصدوق ـ : 105 ـ 106 . ب 7 ، ح 3 و 4 و 5 . (70) مغني اللبيب ـ لأبن هشام ـ : 238 .
................ص32..............
فالله ، بما أنّه موجود ثابت ، فكما يطلق على كلف ثابت أنّه « شيء » فهو ـ تعالى ـ كذلك . الثاني : أنّ الأسماء الحسنى ، تلك ، المذكورة لله تعالى ، تدلّ على ما فيها من المعاني الحسنة ، باعتبار أنّها أوصاف ، و أمّا ما يدلّ منها على مجرّد الذات الربوبيّة فلا دليل على دلالته على ذلك إلاّ من جهة إضافته إليه جلّ ذكره . و إطلاق « شيء » على فرض وروده من قبيل الثاني . و قد ورد إطلاق اسم « الشيء » على البارئ تعالى : 1 ـ فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن ، ما هو
؟ فقال : هو « شيء بخلاف الأشياء » أرجع بقولي « شيء » إلى إثبات معنى ، و أنّه « شيء » بحقيقة الشيئيّة ، غير أنّه لا جسم ، و لا صورة (71) . 2 ـ و سئل الإمام الجواد عليه السلام : أيجوز أن يقال : إنّ الله عزّ وجلّ « شيء » ؟ قال : نعم ، يخرجه عن الحدّين : حدّ التعطيل ، و حدّ التشبيه (71) . و قد استدلّ الرازيّ عليه با:ور من القرآن ، و اللغة ، و الإجماع : أما القرآن : فقوله : ( قل أيّ شيء أكبر شهادة قل الله ) ( سورة الأنعام (6) الآية (19) ) . و قوله تعالى : ( كلّ شيء هالك إلاّ و جهه ) ( سورة القصص (28) الآية (88) ) . قال : المراد بوجهه : ذاته ، فقد استثنى ذاته من لفظ « الشيء » و الاستثناء خلاف الجنس خلاف الأصل . و أمّا اللغة : فهي أنّ من قال : المعدوم ليس بشيء ، قال : الموجود هو « الشيء » فهما لفظان مترادفان ، فإذا كان « موجوداً » كان « شيئاً » .
الهامش (71) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ، ب 7 ، ح 2 . (72) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ب 7 ح 1 ، و ص 107 ح 7 .
................ص33..............
و من قال : المعدوم شيء ، قال : الشيء : ما يصحّ أن يعلم و يخبر (73) عنه ، فكان « الموجود » أخصّ من « الشيء » و إن صدق الخاصّ صدق العامّ ، فثبت أنّه تعالى مسمّى بالشيء (74) . و أمفا الإجماع : فالأولى أن يقال : أجمع الناس ـ قبل ظهور جهم ـ على كونه تعالى مسمّى بهذا الاسم « الشيء » و الإجماع حجّة (75) . و قال الأشعري : قال المسلمون ـ كلفهم ت إنّ البارئ « شيء لا كالأشياء » و قال الناشئ : إن البارئ « شيء » موجود في الحقيقة ، و إنّ البارئ « غير الأشياء » و الأشياء غيره في الحقيقة (77) . و قال عبد الله بن كلاّب : إنّه تعالى موجود لا بوجود ، و « شيء » لا بمعنى له كان شيئاً (78) . و زعم الكعبي في ( مقالاته ) : إن المعتزلة اجتمعت على أنّ الله عزّ و جلّ « شيء لا كالأشياء » (79) . و قال أبو الحسين الصالحي ـ من المعتزلة ـ في صفات الله معنى قولي : « إنّ الله عالم لا كالعلماء » و « قادر لا كالقادرين » و « حي لا كالأحياء » إنّه : « شيء لا كالأشياء » . و كان يقول : إنّ معنى « شيء لا كالأشياء » معنى « عالم لا كالعلماء » (80) .
الهامش (73) كذا الصواب ، وكان في المصدر : « يعبر » و لا معنى له ، لاحظ التعريفات للجرجاني : 57 و انظر : الحكايات : 122 و 144 . (74) لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 357 . (75) لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 358 . (76) مقالات الإسلاميّين : 1 / 238 . (77) مقالات الإسلاميّين :1 / 240 . (78) مقالات الإسلاميّين : 1 / 230 . (79) مقالات الإسلاميّين : 2 / 180 ـ 181 ، و الفرق بين الفرق : 115 ، و مذاهب الإسلاميّين 1 / 50 . (80) مقالات الإسلاميّين : 1 / 228 .
................ص34..............
و قال بعضهم : لا اقول : العلم شيء ، و لا اقول : الصفات أشياء ، لأنّي إذا قلت :
البارئ « شيء » بصفاته ، استغنيت عن أن أقول : صفاته أشياء (81) . و قال ابن حزم الظاهريّ : إن قالوا لنا : إنّكم تقولون : إنّ الله عزّ و جلّ « شيء لا كالأشياء » ؟ قلنا : .... لفظة « شي » النصّ جاء بها ، و البرهان أوجبها (82) . و قال الرازي : « الموجود » و « الشيء » هما من صفات الله الذاتية ، المراد منها الألقاب الدالّة على الذات (83) . و قد استدلّ الجبّائي على ذلك : بأنّ الشيء : سمة لكلّ معلوم ، و لكلّ ما أمكن ذكره و الإخبار عنه ، فلمّا كان الله عزّ و جلّ معلوماً ، يمكن ذكره و الإخبار عنه ، و جب أنّه « شيء » (84) . و هشام أخذ مقولة « شيء لا كالأشياء » من كلام الإمام الصادق عليه السلام الذي نقلناه ، حيث أجاب من سأله عن الله تعالى : ما هو ؟ فقال : هو « شيء بخلاف الأشياء » . فإن هشاماً هو راوي ذلك الحديث عن الصادق عليه السلام (85) . و إذا صحّ إطلاق « الشيء » على الله جلّ ذكره ، فهو حسب اصطلاح هشام لا يكون إلاّ « جسماً » (86) كما مرف مفصّلاً . و إذا ثبت أنّ الله « شيء لا كالأشياء » فهو عند هشام ، و من قال بمصطلحه : « جسم لا كالأجسام » .
الهامش (81) مقالات الإسلاميّين 1 / 231 . (82) الفصل 2 / 118 ـ 119 . (83) لوامع البيّنات ـ للرازي ـ : 47 . (84) مقالات الإسلاميّين 2 / 181 . (85) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ، ب 7 ، ح 2 . (86) الفرق بين الفرق : 67 .
................ص35..............
و لقد جهد المعتزلة الفصل بين المقولتين و الحكم بعدم الملازمة بينهما : قال القاضي عبد الجبّار : فإن قيل : أليس عندكم أنّه تعالى : « شيء لا كالأشياء » و قادر لا كالقادرين ، و عالم لا كالعالمين ، فهلاّ جاز أن يكون « جسماً لا كالأجسام » ؟ قيل له : إنّ « الشي » اسم يقع على ما يصحّ أن يعلم و يخبر عنه ، و يتناول المتماثل و المختلف و المتضادّ ، لهذا يقال في السواد و البياض : أنّهما « شيئان » متضادّان ، فإذا قلنا : إنّه تعالى « شيء لا كالأشياء » فلا يتناقض كلامنا ، لأنّا لم نثبت بأوّل كلامنا ما نفيناه بآخره ، و كذا إذا قلنا : إنّه تعالى قادر لا كالقادرين ، و عالم لا كالعالمين ، فالمراد به أنّه قادر لذاته ، و عالم لذاته ، و غيره قادر لمعنى ، و عالم لمعنى . و ليس كذلك ما ذكرتموه ، لأنّ الجسم هو : ما يكون طويلاً عريضاً عميقاً ، فإذا قلتم : إنّه « جسم » فقد أثبتّم له الطول و العرض و العمق ، ثم إذا قلتم : « لا كالأجسام » فكأنّكم قلتم : ليس بطويل و لا عريض و لا عميق ، فقد نفيتم آخراً ما أثبتّموه أولاً ، و هذا هو حدّ المناقضة ، ففارق أحدهما الآخر (87) . و قد ذكر الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده مثل هذا الكلام بعينه ، و أضاف : و إذا كان قد قام الدليل على أنّه ليس « جسماً » فلا يصحّ القول : إنّه « جسم لا كاالاجسام » لأنّ حكم الأجسام واحد (88) . و الجواب : إنّ « الجسم » عند هشام و في مصطلحه ، و عند من يطلق مقولة « جسم لا كالأجسام » على البارئ تعالى ، هو بمعنى « الشيء » و ليس بمعنى « ما له الطول و العرض و العمق » كما فرضه المعتزلة حتى
يرد عليه ما ذكروه ، فكلامهم هذا كلّه خروج عن مصطلح هشام . و إذا كان « الجسم » بمعنى « الشيء » فكما يصحّ إطلاق مقولة : « شيء لا
الهامش (87) شرح الأصول الخمسة : 221 . (88) في التوحيد ، تكملة ديوان الأصول : 596 .
................ص36..............
كالأشياء » على البارئ باعتبار أنّ حقيقة الشيئية مشتركة بين البارئ و سائر الأشياء ، و إنّما يمتاز البارئ عنها بخاصّية وجودية لا توجد فيها ، فهو تعالى « شيء » بخلافها ، و لا تشبهه و لا يشبهها ، فمن جهة إثبات الشيئية له ، خرج عن حدّ التعطيل ، و من جهة نفي المثيل له تعالى خرج عن حدّ التشبيه ، فثبت له تعالى التنزيه الكامل ، من دون تعارض بين صدر المقولة و ذيلها . فكذلك مقولة « جسم لا كالأجسام » على مصطلح هشام ، فإنّ الجسمية ـ بمعنى إثبات الشيئية بحقيقتها ـ ثابتة للبارئ تعالى ، مشتركة بينه و بين غيره من الأجسام ، فإثباتها له يخرجه عن حدّ التعطيل ، و نفي المماثلة بينه و بين الأجسام ، يخرجه عن حدّ التشبيه ، و هو التنزيه الكامل ، من دون معارض بين صدر المقولة و ذيلها . فظهر أنّ ما ذكروه غير وارد على هشام ، إذ أنّهم أوردوا ذلك على مصطلحهم في الجسم ، و هو : ما له الطول و العرض و العمق ، لا على مصطلحه في « الجسم » و هو : « الشيء » و هذا منهم خروج عن أبسط مناهج البحث و الجدل الصحيح . و أمّا قولهم : و إذا كان قد قام الدليل على أنّه ـ تعالى ـ ليس جسماً ، فواضح أنّه مصادرة على المطلوب ، إذ أنّ هذا هو محلف البحث و النزاع فكيف يؤخذ شرطاً تترتّب عليه النتيجة التي ذكروها . ثمّ إنّ الأدلّة التي أقامها المتكلّمون على نفي الجسميّة عن البارئ تعالى ، كلّها مبتنية على أنّ المراد بالجسم هو ذو الأبعاد ، و قد ذكروها في كتبهم . و لهذا ، لا يرد شيء منها على المقولة ، بل نصّ كثير منهم على أنّ المقولة على مصطلح هشام لا تدلّ على التجسيم المعنوي ، و ليس فيه مخالفة لأصل ، و لا اعتراض على فرع ، سوى مسألة توقيفية الأسماء التي سنفصّل ذكرها في نهاية البحث .
................ص37..............
4 ـ دليل هشام على اختيار هذا المصطلح نقل استدلال هشام على اصطلاحه في الجسم ، في رواية يونس بن ظبيان ، قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ، فقلت له : إنّ هشام بن الحكم يقول قولاً عظيماً ! إلاّ أنّي أختصر لك منه أحرفاً : يزعم أنّ الله « جسم » لأنّ الأشياء شيئان : جسم ، و فعل الجسم ، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ، و يجوز أن يكون بمعنى الفاعل (89) . و مراده : أنّ الموجودات على قسمين : إمّا اعراض ، و قد عبّر عنها هشام بكلمة « الفعل » و هو ما لا يستقلّ في و جوده ، بل يحتاج إلى محلّ يعرض عليه أو يصدر منه . و إمّا ذوات ، و قد عبّر عنه بكلمة « الجسم » و هو ما يستقلّ في وجوده . و البارىء جلّ
ذكره ، لا يكون إلاّ من الموجودات المستقلّة بالوجود ، و بما أنّ الأعراض لا ستمّى عند هشام « أشياء » و الذوات عنده هي الأشياء ، و قد عرفنا من مصطلحه أنّ الشيء عنده يسمّى بالجسم . و البارئ ليس عرضاً ، بل ذات ، و يسمّى « شيئاً » فإذن يطلق عليه اسم « جسم » ! هذا ما نفهمه من استدلال هشام في هذه الرواية ، و هو الذي فهمه تلامذة هشام ، و قد نقله ابن أبي الحديد عنهم ، فقالوا : إنّه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنّه بخلاف العرض الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل ، و نفوا عنه « معنى الجسميّة » (90) . فنفي معنى الجمسيّة ، يدلّ على أنّ المراد بقولهم « جسم » مجرّد الاسم ، و إذا انتفى عنه معنى الجسميّة ، و هي التكتّل الخارجيّ المقتضي للأبعاد ، كان « الجسم » في
الهامشس (89) التوحيد ـ للصدوق ـ 99 ، ب 6 ، ح 7 ; و الحكايات ـ للمفيد ـ 132 . (90) شرح نهج البلاغة 3 / 228 .
................ص38..............
مقابل العرض ، و بمعنى الذات المتقوّمة بنفسها ، و هذا في مصطلح هشام هو « الشيء » المرادف لكلمة « الجسم » . و هذه الفكرة معروفة عن هشام ، بكل مقدّماتها : فكان يقول : إنّ الأفعال صفات الفاعلين ، و معان لهم ، و ليست بأشياء و لا أجسام (91) لأنّ الشيء عنده لا يكون إلاّ جسماً (92) . فهشام لا يرى العرض « شيئاً » بل يرى ما يقابله « شيئاً » و « الشيء » عنده هو « الجسم » و البارئ لا يكون عرضاً ، بل هو ذات ، فهو « جسم » أي شيء » مستقل الوجود . و كذلك كان هشام يرى أنّ « الحركة » ليس « جسماً » لأنّها « فعل » و « الفعل » عرض ليس بشيء . ذكر ذلك في مناظرته لأبي الهذيل العلاّف الذي كان يرى الحركة « جسماً » (93) و قد نقل القاضي عبد الجبّار شبهة للقائلين بالتجسيم ، و هي أنّهم قالوا : المعقول : إمّا الجسم ، و إمّا العرض ، و القديم تعالى يستحيل أن يكون عرضاً ، فيجب أن يكون جسماً (94) فنجد في هذا الاستدلال نفس العناصر التي وجدناها في الاستدلال المنقول عن هشام ، فقد جعل فيه « الجسم » مقابل « العرض » و كان في استدلال هشام مقابل « الفعل » . و الفعل ، و العرض ، مشتركان في أنّهما ليس لهما وجود مستقلّ بل الفعل نوع من العرض ، و الذي يقابلهما هو الموجود الذي له استقلال في التحقّق و الوجود ، و هو
الهامش (91) مقالات الإسلاميّين 1 / 113 ، و الفرق بين الفرق : 67 . (92) الفرق بين الفرق : 67 . (93) مروج الذهب 5 / 20 رقم 2917 . (94) شرح الأصول الخمسة : 225 .
................ص39..............
المسمى بـ « الذات » و بـ « الشيء » و في اصطلاح هشام بـ « الجسم » . و حيث أنّ القديم تعالى ليس عرضاً و ليس فعلاً ، بل هو موجود مستقلّ في الوجود ، قائم بذاته ، و بنفسه ، و لا يحتاج في وجوده إلى محلّ يقوم به أو فيه ، و هو « شيء »
فهو مرادف ـ عند هشام ـ لكلمة « جسم » . و ليس مفاد ذلك التجسيم المعنوي الذي يدّعيه « المجسّمة » بل هو إطلاق للفظ « الجسم » بمعنى « الشيء » و ليس مفاد ذلك التجسيم المعنوي الذي يدّعيه « المجسّمة » بل هو إطلاق للفظ « الجسم » بمعنى « الشيء » و لا محذور فيه سوى موضوع توقيفية أسماء الله تعالى ، و سيجيء . و من هنا نعرف أنّ القاضي قد حرّف هذا الاستدلال ، و صوّره استدلالاً على التجسيم المعنويّ ، باعتباره الجسم المفروض في الاستدلال مقابلاً للعرض ، قسماً من الجوهر ، فلهذا فرض في جوابه عنه وجود قسم ثالث ليس بجسم و لا عرض ، و أنّه هو ذات معلوم أو يمكن اعتقاده ، و هو القديم تعالى (95) . لكنّ المقابلة المفروضة في الاستدلال بين العرض و الجسم ، توحي أنّ المراد بالجسم هو ما يستقلّ في الوجود و إلاّ لم تصحّ المقابلة ، كما لا يصحّ الحصر ، فكيف يصحّ الاستدلال ، و كيف يفرض غفلة المستدلّ عن ذلك ؟ مع فرط وضوحه ؟ و ليس له وجه صحّة إلاّ ما ذكرنا ، و حاصله : أنّ المعقول ـ و المراد به ما يمكن فرضه موجوداً ـ إمّا أن يكون مستقلاً بنفسه في الوجود ، أو يكون غير مستقل ، و الأول هو الذات ، و يسمّيه المستدل « جسماً » و الثاني هو العرض ، و البارئ تعالى لا يكون عرضاً ، فهو « الجسم » . و المراد بالعرض عند هشام هو « المعنى » و هو لا يراه « شيئاً » كما عرفت (96) . لأنّ العرض هو ما يعرض غيره في الوجود ، و لا يجب لبثه كلبث الأجسام (97) .
الهامش (95) شرح الاصول الخمسة : 225 . (96) اللمع ـ للأشعري ـ : 3 ـ 34 . (97) مذاهب الإسلاميّين 1 / 417 .
................ص40..............
و هذه الحقيقة قد استدلّ عليها القاضي نفسه ، في بيان استحالة كون البارئ تعالى « عرضاً » (98) . و ظهر أنّ مراد هشام من « فعل الجسم » في استدلاله هو العرض ، المقابل للجوهر ، في اصطلاح الفلاسفة . و القاضي عبد الجبّار استعمل كلمة « فعل الجسم » بمعنى آخر ، و استعمله في الاستدلال على أنّ الله تعالى لا يجوز أن يكون جسماً ، و قد فسّره أبو رشيد بأنّ المقصود من « فعل الجسم » : إحداثه و اختراعه (99) . و هذا تفسير للعفل بمعناه اللغوي ، و إضفاته إلى مفعوله ، كما أنّ مراده بالجسم هو المعنى المتداول ، و على هذا فلا يرتبط باستدلال هشام و لا مصطلحه في كلتا الكلمتين : « الجسم » و « فعل الجسم » . و قد التزم بنفس استدلال هشام من علماء عصرنا الشيخ محمّد عبده المصريّ ، فقال : إن اريد من « الجوهر » القائم بذاته ، و من « العرض » القائم بغيره ، لكان البارئ « جوهراً » و صفاته « عرضاً » . و لا منع إلاّ من جهة الإطلاق الشرعيّ ، حينئذ (100) . فإنّ جعله « الجوهر » ـ المفسّر بالذات ـ في مقابل « العرض » هو مثل مقابلة « الجسم » بمعنى الشيء القائم بالذات في مقابل « العرض » في كلام هشام . و هذا أيضاً يبتني على اصطلاح خاصّ في معنى « الجوهر » كما أنّ ذاك كان مبتنياً على
اصطلاح خاصّ في معنى « الجسم » . و إلاّ فالجوهر بمعنى ما له ماهيّة ، لا يمكن إطلاقه على البارئ جلّ ذكره . و هشام بقوله « جسم » و إطلاقه على الباقر تعالى ، لا يثبت أية مادّة له تعالى ، و لا أنّه ماهيفة ، بل ـ كما ذكرنا ـ أراد بهذه اللفظة التعبير عن كونه تعالى « شيئاً » بحقيقة
الهامش (98) شرح الاصول الخمسة : 231 . (99) انظر الاستدلال و توضيحه في : ديوان الأصول : 597 . (100) الشيخ محمد عبده : 531 .
................ص41..............
الشيئيّة ، و هو « الموجود » و « القائم بنفسه » فلا يصحّ عند التعبير عنه تعالى بالجوهر . و يشهد لذلك أنّ هشاماً كان ممّن ينكر الجوهر الفرد . قال الأشعري ـ و هو يتحدّث عمّن يزعم ـ : أنّ الجزء يتجزّأ أبداً ، و لا جزء إلاّ و له جزء ، و ليس لذلك آخر إلاّ من جهة المساحة ، و أنّ لمساحة الجسم آخراً ، و ليس لأجزائه آخر من باب التجزّؤ ، و القائل بهذا القول هشام بن الحكم و غيره (101) . فكلّ جوهر ـ عند هشام ـ لا بدّ أن يكون متألّفاً من أكثر من جزء ، و كلّ متألّف متحيّز ، و كلّ متحيّز لا بدّ أن يكون يمينه غير يساره ، و قدّامه غير خلفه ، و كلّ ما يتميّز أحد جانبيه عن الآخر ، فهو منقسم ، و كلّ منقسم فليس بـ « أحد » (102) . و الله جلّ ذكره يقول : ( قل هو الله أحد ) ( سورة التوحيد (112) الآية (1) ) . و كما أنّ صدر المقولة « جسم لا كالأجسام » يثبت وجود البارئ تعالى ، فهو إخراج له عن حدّ التعطيل ، فكذلك ذيلها ينفي عنه تبارك ذكره كلّ شبه للأجسام ، و مماثلة بينه و بينها ، فهو إخراج له تعالى عن حدّ التشبيه ، كما تدلّ عليه الآية الكريمة : ( ليس كمثله شيء ) . فهذه الآية نفت عن وجوده تعالى المماثلة لغيره من الأشياء . و ممّا يدلّ على أنّ قوله في ذيل المقول : « .. لا كالأجسام » هو بمعنى ( ليس كمثله شيء ) هو وجود هذه الآية مكان ذلك الذيل في مورد نقل كلام هشام ، في حديث الحمّاني : إنّ هشام بن الحكم زعم أن الله « جسم ليس كمثله شيء » (103) . و هذا الذيل ضروريّ لتكميل التنزيه ، كما عرفت ، و لذلك قال ابن حزم : لو أتانا نصّ بتسميته تعالى « جسماً » لوجب علينا القول بذلك و كنّا حينئذ نقول : إنّه « لا كالأجسام » (104) .
الهامش (101) مقالات الإسلاميّين 1 / 124 . (102) اللوامع الإلهية ـ للفاضل المقداد ـ : 87 ، و انظر : الفصل ـ لابن حزم ـ 5 / 66 . (103) التوحيد ـ للصدوق ـ : 100 ، ب 6 ، ح 8 . (104) الفصل 2 / 118 ـ 119 .
................ص42..............
5 ـ المقولة لا تدلّ على الجسم قد ثبت أن المقولة حسب مصطلح هشام لا تدلّ على عقيدة التجسيم ، بل تدلّ على التنزيه الكامل عن حدّي التعطيل و التشبيه ، و غاية ما تدلّ عليه أنّ هشاماً كان يطلق اسم « الجسم » على البارئ تعالى ، و غرضه إثبات وجوده ، و أنّه « شيء » « قائم بنفسه » و ليس « عرضاً » . نعم تبقى
المقولة مخالفة لمسألة توفيقيّة أسماء الله تعالى ، و ذاك أمر آخر سيأتي ذكره في نهاية البحث . و قد صرّح المحقّقون من العلماء بعدم دلالة هذه المقولة على اعتقاد التجسيم : 1 ـ منهم الشيخ المفيد رحمه الله ، فقد ذكر ما نصّه : لم يكن في سلفنا من تديّن بالتشبيه من طريق المعنى ، و إنّما خالف هشام و أصحابه جماعة أصحاب أبي عبد الله عليه السلام بقوله في « الجسم » فزعم أنّ الله « جسم لا كالأجسام » (105) . فنفيه التشبيه من طريق المعنى ، يشمل هشاماً و غيره ممّن اتهموا بذلك ، و التشبيه من طريق المعنى هو التجسيم الحقيقي ، و يقابله تنزيه البارئ تعالى عن كونه جسماً كالأجسام ، أمّا التجسيم الذي قال به هشام فهو « التجسيم اللفظي » ومن جهة العبارة ، و المراد به إطلاق اسم « الجسم » فقط عليه تعالى . و قد يستفاد ذلك من تعبير الشيخ المفيد : إنّ هشاماً خالف « باقول في الجسم » لا إنّه خالف « في القول بالجسم » فقط عليه تعالى . و قد يستفاد ذلك من تعبير الشيخ المفيد : إنّ هشاماً خالف « بالقول في الجسم » لا إنّه خالف « في القول بالجسم » الذي هو مذهب المجسّم . و الحاصل أنّ المفيد ينسب هذه العبارة إلى هشام قولاً قاله في « الجسم » و اصطلاحاً خاصاً به في تفسير الجسم ، أطلقه بذلك على البارئ ، مخالفاً لجميع الطائفة في هذا ، لا أنّه قال بالجسم . و إلاّ لكان كلام المفيد متناقضاً صدراً و ذيلاً .
الهامش (105) الحكايات : 131 .
................ص43..............
و يؤيّد ما ذكرلناه أنّ المفيد قال في مقام آخر : كان هشام بن الحكم شيعيّاً ، و إن خالف الشيعة ـ كافّة ـ في أسماء الله تعالى (106) حيث يحصر مخالفة شام في موضوع الأسماء ، و المعروف هو خلافه في « الجسم » هل يسمى به البارئ أو لا ؟ 2 ـ و قال الشريف المرتضى : فالظاهر من الحكاية عنه القول بـ « جسم لا كالأجسام » و لا خلاف في أنّ هذا القول ليس بتشبيه ، و لا ناقض لأصل ، و لا معترض على فرع ، و أنّه غلط في عبارة ، يرجع في إثباتها و نفيها إلى اللغة (107) . و واضح أنّ الشريف جعل المقولة من باب إطلاق لفظ « جسم » على البارئ باعتبار تفسيره بغير ما هو في اللغة ، و جعل المسألة لغوية ، و هذا كاف في إخراج البحث فيها عن علم الكلام . مضافاً إلى أنّ نفي كونها تشبيهاً ، أو ناقضة لأصل ، يدلّ بوضوح على عدم كونها دالّة على اعتقاد التجسيم ، و إلاّ كانت مناقضة لأصل التوحيد . 3 ـ و قال القاضي الأيجيّ ، و السيّد الشريف ، في المواقف ، و شرحه : ( إنّه تعالى ليس بـ « جسم » ) و هو مذهب أهل الحقّ ( و ذهب بعض الجهّال إلى أنّه « جسم » ) ثم اختلفوا : ( فالكرّاميّة ) أي بعضهم ( قالوا : هو « جسم » أي : موجود ) . ( و قوم ) آخرون منهم ( قالوا : هو « جسم » أي : قائم بنفسه . فلا نزاع معهم ) على التفسيرين ( إلاّ في التسمية ) أي إطلاق لفظ « الجسم » عليه (108) . 4 ـ و قال ابن أبي الحديد : من قال : إنّه « جسم لا كالأجسام » على
معنى أنّه بخلاف « العرض » الذي يستحيل أن يتوهّم منه فعل و نفوا عنه « معنى الجسميّة » و إنّما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنّه « شيء لا كالأشياء » و « ذات لا كالذوات » فأمرهم
الهامش (106) أوائل المقالات : 43 ، طبع النجف ، و ص 37 ، طبع تبريز . (107) الشافي ـ للشريف المرتضى ـ : 12 . (108) شرح المواقف ـ للسيد الشريف ـ : 473 ، وما بين الأقواس هو عبارة المواقف .
................ص44..............
سهل ، لأنّ خلافهم في العبارة . و المتعصّبون لهشام بن الحكم من الشيعة في وقتنا هذا يزعمون أنّه لم يقل بالتجسيم المعنويّ ، و إنّما قال : إنّه « جسم لا كالأجسام » بالمعنى الذي ذكرناه (109) . و كلامه واضح في إنّ المقولة اطلق فيها اسم « الجسم » على البارئ على أنّه بمعنى « شيء » لا بمعنى ذي الأبعاد ، حتى يكون تجسيماً معنوياً . لكن نسبة هذا التفسير للمقولة إلى خصوص الشيعة في و قته غير صحيح ; لأنّ هذا التفسير قد نسب إلى تلامذة هشام من قدماء الشيعة ، و قد سبق أن قلنا : إنّ تلامذة الرجل لا يبعد أن يكونوا معبّرين عن رأي أستاذهم ، و خاصّة إذا لاحظنا اتّفاقهم على ذلك . 2 ـ أنّ هذا التفسير لمقولة هشام مبتن على مصطلح هشام ، و قد مشقى نقله عن جمع من العلماء الّذين ذكروا آراء هشام ، فلا معنى لجعله قولاً للشيعة في عصره فقط ! 5 ـ و قال الدوّاني ـ في شرحه على العقائد العضديّة ـ : و من المشبّهة من تستّر « بالبلكفة » فقال : هو « جسم لا كالأجسام » و له حيّز لا كالأحياز ، و نسبته إلى حيّزه ليست كنسبة الأجسام إلى حيّزها ، و هكذا ينفي جميع خواصّ الجسم منه ، حتى لا يبقى إلاّ إسم « الجسم » . و هؤلاء لا يكفّرون (110) . أقول : فقد صرّح في النهاية بأنّ المراد من « الجسم » هو مجرّد الاسم ، لا المعنى ، و صرّح بعدم كفر قائلي المقولة ، و لو كانت دالّة على التجسيم المعنوي ، لكانوا كفرة بلا خلاف . لكنّه قد أدخل في كلامه ما لا يطابق هذا التصريح .
الهامش (109) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (110) الشيخ محمد عبده : 532 .
................ص45..............
1 ـ قوله : « و له حيفز لا كالأحياز ، و نسبته إلى حيّزه ليست كنسبة الأجسام إلى حيّزها » . و هذه إضافة منه نسبها إلى أصحاب المقولة ، و لم نجد مضافة إلى المقول في شيء من مصادرها مطلقاً ، و هي غلط تنافي تفسيرهم للمقولة ، و ذلك : لأنّ مرادهم بالجسم ـ كما صرّح به الدوّاني أخيراً ـ هو مجرّد الاسم ، و معناه ـ كما مرّ مفصلاً ـ هو : الشيء ، و قد نفوا بقولهم « لا كالأجسام » كلّ خواصّ الجسم ـ كما اعترف به الدّواني أيضاً ـ فما معنى قوله « و له حيّز » و من أين نسب إليهم إثبات الحيّز ، إن كانوا قد نفوا عنه كلّ خواصّ الأجسام ؟ أليس الحيّز من خواصّها المنفيّة ؟ فلو كان يقول ـ نقلاً عنهم ـ : إنّه « جسم لا كالأجسام » ليس له
حيّز و لا أبعاد و هكذا ينفي جميع خواصّ الأجسام حتى لا يبقى إلاّ مجرّد اسم « الجسم » لكان تفسيراً جيّداً للمقولة حسب تفسيرهم . و الحاصل أنّ قوله : « و له حيّز ... » يناقض تصريحه بكون المقولة تجسيماً لفظياً و عدم كفر قائليها . 2 ـ قوله : « من تستّر بالبلكفة » . و هذه الكلمة مصدر جعلي من قولهم : « بلا كيف » و قد استعمل السلفيّون من العامّة ذلك ، حيث اثبتوا لله ـ جلّ و علا ـ أعضاء ، كاليد ، و الرجل ، و العين ، و سائر الجوارح و هكذا الاستواء ، و النزول ، و ما أشبه . و خروجاً عن تشبيهه تعالى بالخلق ، قالوا : إنّ هذه الأعضاء هي « صفات » خبرية لله تعالى شأنه . و إذا سئلوا عن حقيقة هذه الصفات ؟ قالوا ـ مثلاً ـ : لله يد بلا كيف . و قد اشتهر عنهم قولهم : الاستواء معلوم ، و الكيف مجهول ، و الإيمان به واجب و السؤال عنه بدعة (111) .
الهامش (111) الملل و النحل 1 / 93 . و لنا بحث طويل معهم في هذه المصطلحات ، و موقف حاسم في عقائدهم هذه ، و فقّنا الله لنشره .
................ص46..............
« فالبلكفة » من مصطلحات الصفاتيّة ، و قد أصبحت عقيدة الأشاعرة من بعدهم ، و صار مذهباً لأهل السنّة ، و انتقلت سمة الصفاتيّة إلى الأشعرية (112) . فقد تهرّبوا من الإجابة بتكميمهم الأفواه ، و تستّروا عن التشبيه الذي تدلّ عليه أسماء الأعضاء بادّعائهم « اللاّ كيف » و لذلك قال الشاعر فيهم :
قد شبّهوه بخلقه و تخوّفوا خوف الورى فتستّروا بالبلكفه
لكنّ الدوّاني غالط ، و اعتبر قول القائل : « لا كالأجسام » بلكفة ، مع أنّ المنفي في هذه المقولة ليس هو الكيف ، و إنّما المنفيّ صريحاً هو التشبيه ، و مع ذلك فالدّواني يعتبر المقولة « تشبيهاً » . فما أوضح هذا التهافت ؟! و إذا كان لفظ « جسم » بمعنى « شيء » دلّت المقولة على ما تدلّ عليه الآية الكريمة : ( ليس كمثله شيء ) ( سورة الشورى (42) الآية (11) ) ـ كما سبق أن شرحناه ـ فهل يعتبر الدوّاني هذا ـ أيضاً ـ بلكفة ؟! 6 ـ و صرّح ابن حزم بأنّ المقولة لا مانع فيها إلاّ من جهة توقيفية الأسماء ، فقال : و من قال : إنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » فليس مشبّها (113) لكنّه ألحد (114) فقال : و من قال : إنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » فليس مشبّهاً (113) لكنّه ألحد (114) في أسماء الله تعالى : إذ سمّاه عزّ و جلّ بما لم يسمّ به نفسه (115) . و قال : إن قالوا لنا : إنّكم تقولون : إنّ الله عزّ و جلّ حيّ لا كالأحياء و عليم لا كالعلماء ، و قادر لا كالقادرين ، و « شيء لا كالأشياء » فلم منعتم القول بأنّه « جسم لا كالأجسام » ؟
الهامش (112) الملل و النحل 1 / 93 و قبلها . (113) في المصدر : « مشتبها » و هو غلط كما لا يخفى . (114) الإلحاد في الشيء : إدخال ما ليس منه فيه . (115) الفصل 2 / 120 .
................ص47..............
قيل هم ـ و بالله التوفيق ـ : لو لا النصّ الوارد بتسميته تعالى بأنّه حيّ ، و قدير ، و عليم ، ما سمّيناه بشيء من ذلك ، لكنّ الوقوف عند النصّ فرض ، و لم يأت نصّ بتسميته تعالى « جسماً » و لا قام البرهان بتسميته « جسماً » بل البرهان مانع من تسميته بذلك تعالى . و لو أتانا نصّ بتسميته تعالى « جسماً » لو جب علينا القول بذلك ، و كنّا ـ حينئذ ـ نقول : إنّه « ... لا كالأجسام » (116) . و هذا صريح في أنّ المانع من إطلاق لفظ « جسم » هو التوقيف ، لعدم و روده في النصّ ، و أنه لو أطلق لزم إضافة ذيل المقولة عليه . و أمّا قوله : بل البرهان مانع من تسميته بذلك تعالى ، فليس بصحيح : أولاً : لو كان هناك مانع غير التوقيف ، لما صحّ إطلاقه عليه تعالى بمجرفد ورود النصّ به ، كما فرض هو . و ثانياً : إنّ البرهان لا دخل له في أمر الألفاظ و التسميات ، لأنّ ذلك من شؤون اللغة و الوضع ، لا البرهان و العقل ، كما سيأتي توضيحه في مسألة توقيفيّة الأسماء ، إن شاء الله . ثم إنّا لم نقف على برهان عقلي على عدم صحّة إطلاق أسم « الجسم » عليه تعالى ! نعم ، قد تمّ البرهان على نفي التجسيم عنه تبارك و تعالى ، و أين هذا من التجسيم اللفظيّ !؟ و الحاصل : أنّ المقولة لا تدلّ على التجسيم ، بل تدلّ على التنزيه عن حدّ التعطيل ، و عن حدّ التشبيه ، فإطلاق النفي في قوله « لا كالأجسام » صريح في نفي كلّ أشكال التماثل و المشابهة بين البارئ تعالى و بين الخلق ، و هذا بنفسه قرينة على صرف معنى « الجسم » عن المفهوم اللغويّ و العرفّي ، إلى مصطلح هشام ، و إرادة « الموجود » أو « الشيء » أو « القائم بالذات » فلا تكون المقوله إلاّ تعبيراً عن إثبات وجود البارئ
الهامش (116) الفصل 2 / 118 ـ 119 .
................ص48..............
و نفي كلّ تشبيه بخلقه عنه . و قد احتوى أقدم نصّ نقل فيه كلام هشام هذا ، على أنّه زعم : أنّ إثبت « الشيء » أن يقال : « جسم » فهو « جسم لا كالأجسام » : « شيء لا كالأشياء » . ثم أضاف : ثابت ، موجود ، غير مفقود ، و لا معدوم ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال ، و حدّ التشبيه (117) . و هذا هو الغاية في البعد عن اعتقاد التجسيم ، و نهاية التمسّك بالتنزيه . و قد ورد في الحديث نفي القول بالتجسيم عن هشام ، فيما رواه علي بن إبراهيم القمي ، قال : حدّثني أبي ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام ، قال : قال : يا أحمد ، ما الخلاف بينكم ، و بين أصحاب هشام بن الحكم في التوحيد ؟ فقلت : جعلت فداك ، قلنا نحن بـ « الصورة » للحديث الذي روي أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم رأى ربّه صورة شاب . و قال هاشم بن الحكم بـ « النفي للجسم » . فقال : يا أحمد ، إنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم لمّا اسري به إلى السماء ، و بلغ عند سدرة المنتهى ، خرق له في الحجب مثل سمّ الابرة ، فرأى من نور العظمة ما شاء الله أن يرى ، و أوردتم ـ أنتم ـ التشبيه !؟ دع هذا ، يا أحمد ، لا ينفتح عليك ،
هذا أمرٌ عظيم (118) . ثمّ نفي التجسيم ، و عدم إرادة المعنى اللغوي من كلمة « الجسم » بل اعتباره ـ على اصطلاح هشام ـ بمعنى « الشيء » و « الموجود » مع تكميله بنفي التشبيه في قوله « ... لا كالأجسام » يقتضي نفي « الصورة » عن البارئ ، لوضوح أن « الصورة » من لوازم الأجسام ، و قد نفاه بقوله « لا كالأجسام » .
الهامش (117) اختيار معرفة الرجال : 284 رقم 503 . (118) تفسير القمي 1 / 20 .
................ص49..............
كما أنّ الإمام الرضا عليه السلام جعل كلام هشام و من تبعه في مقابل التشبيه في الرواية التي احتوت على مقولته ، و هي أول نصّ شيعي جاءت فيه ، و إليك نصّها : قال عبد الملك بن هشام الحنّاط : قلت للرضا عليه السلام : زعم هشام بن سالم : أنّ الله عزّ و جلّ صورة ، و أنّ آدم خلق على مثال الربّ . و زعم يونس مولى آل يقطين ، و هشام بن الحكم : أنّ الله « شيء لا كالأشياء » ، و أنّ الأشياء بائنة منه ، و هو بائن عن الأشياء ، و زعما : أنّ إثبات « الشيء » أن يقال « جسم » فهو « جسم لا كالأجسام » : « شيء لا كالأشياء » ثابت ، موجود ، غير مفقود ، و لا معدوم ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال و حدّ التشبيه . فبأيّ القولين أقول ؟! فقال عليه السلام : أراد هذا الإثبات . و هذا شبّه ربفه تعالى بمخلوق ، قال تعالى الله الذي ليس له شبيه ، و لا عدل ، و لا مثل و لا نظير ، و لا هو في صفة المخلوقين . لا تقل بمثل ما قال هشام بن سالم . و قل ما قال مولى آل يقطين و صاحبه (119) . و كلام الإمام الرضا عليه السلام ـ مضافاً إلى توضيحه مراد هشام ، و تقريره لهذا المراد ـ يدلّ على بعد معتقد هشام عن كلّ تشبيه ، و منافاته لما قاله هشام بن سالم . و قد ذكر المفهرسون أنّ لهشام بن الحكم كتاب « الردّ على هشام بن سالم » (120) كا أنّ مقابلة هشام ، للبزنطي القائل بالصورة ـ في رواية القمّي ـ تدلّ بوضوح على أنّ هشاماً كان لا يقوم « بالصورة » .
الهامش (119) اختيار معرفة الرجال : 285 رقم 503 . (120) لاحظ : رجال النجاشي : 433 رقم 1164 و الفهرست للطوسي : 204 رقم 782 ، و الفهرست ـ للنديم ـ : 224 .
................ص50..............
و كذلك « الرؤية » فإنّها داخلة في خواصّ الأجسام ، التي نفاها هشام بقوله : « ... لا كالأجسام » . و قد صرّح هشام بأنّ « الرؤية » من لوازم « الجسميّة » في مناظرته لأبي الهذيل العلاّف ، فقال له : إذا زعمت : أنّ الحركة ترى ، فلم لا زعمت أنّها تلمس ؟ قال العلاّف : لأنّها ليست بجسم ، فيلمس ، لأنّ اللمس إنّما يقع على الأجسام ! قال هشام : فقل « إنّها لا ترى » لأنّ الرؤية إنّما تقع على الأجسام (121) . فإذا نفى هشام خواصّ الأجسام عن البارئ بقوله : « ... لا
كالأجسام » فهو ينفي رؤية البارئ تعالى قطعاً . و لذا لم ينقل عنه القول بالرؤية إلاّ ما حكاه بعض خصومه من المعتزلة . قال الشيخ المفيد : فأمّا نفي الرؤية عن الله عزّ و جلّ بالأبصار ، فعليه إجماع الفقهاء و المتكلّمين من العصابة كافّة ، إلاّ ما حكي عن هشام في خلافه (122) . و الذي حكي هذا القول الشاذّ هو القاضي عبد الجبّار ، فقال : و أمّا هشام بن الحكم و غيره من المجسّمة فإنّهم يجوّزون أن يرى في الحقيقة و يلمس (123) . مع أنّا عرفنا مصطلح هشام في « الجسم » و أنّه أطلقه على معنى « الشيء » و « الموجود » و « القائم بنفسه » و نفى عنه خواصّ الأجسام بقوله « لا كالأجسام » و علمنا أنّ ذلك يقتضي نفي هشام لـ « الصورة » و « الرؤية » و القاضي ـ نفسه ـ اعترف بأنّ معاني « الشيء » و « الموجود » و « و القائم بنفسه » لا تؤدّي إلى « التجسيم » و لا تلازم القول بـ « الرؤية » (124) . و قد اعترف القاضي ـ أيضاً ـ بأنّه : لا أحد يدعي أنّه يرى الله سبحانه إلاّ
الهامش (121) مروج الذهب 5 / 12 رقم 2917 . (122) الفصول المختارة 2 / 121 ، و أوائل المقالات : 59 . (123) المغني 4 / 139 . (124) المغني 4 / 180 .
................ص51..............
من يعتقد « جسماً » « مصوّراً بصورة مخصوصة » و يعتقد أنّه يحلّ في الأجسام (125) . فإذا وجدنا هشاماً ينفي حقيقة الجسم ، و ينفي الصورة ، و ينفي كلّ لوازم الأجسام ، فكيف ينسب القاضي إليه القول بالرؤية التي هي من أظهر خواصّ الأجسام ، و ألزم لوازم القول باعتقاد التجسيم ؟! و من الغريب أنّ بعض الكتّاب غفل عن كلّ ما ذكرناه من الحقيقة ، فنقل كلام المفيد في نفي القول بالرؤية عن الطائفة كافة إلاّ ما حكي عن هشام ، و قال : فإن صحّت الحكاية و النسبة (!) فهي نتيجة لقوله : إنّ الخالق « جسم لا كالأجسام » لأنّ القول بكونه « جسماً » يفضي إلى القول بجواز الرؤية . لكنّ هذه الحكاية لم تثبت بطريق مقبول (162) . و قد عرفت بأنّ هشاماً لم يرد بكلمة « الجسم » ما هو المفهوم الظاهر منه ، حتى يكون مفضياً إلى الرؤية ، بل أراد « الشيء » و « الموجود » و هذا باعتراف القاضي عبد الجبّار ـ صاحب الحكاية و النسبة ـ لا يقتضي القول بالرؤية . و قد صدر هذا من الكتاب نتيجة عدم وقوفه على مصطلح هشام ، و عدم تدقيقه في أبعاد هذا المصطلح ، و لنا لقاء معه في القسم الآتي من هذا البحث . ثمف إنّ جميع ما أورده المحقّقون من الفلاسفة و المتكلّمين من البراهين و الأدلّه على نفي التجسيم عن الله تبارك و تعالى مبتن على نفي التأليف و التركيب و التحيّز و الحاجة و الجزء ، و ما أشبه ذلك ، عن وجود البارئ جلّ و عزّ ، لأنّ جميع ما ذكر هو من سمات الممكنات ، و الله تعالى واجب الوجود . و من الواضح أنّ شيئاً من ذلك لا يرتبط بمسألة اللفظ و إطلاق كلمة « جسم » بمعنى « الشيء » عليه تعالى . و أمّا مسألة توقيفية أسمائه تعالى ، فهذا أمر آخر ، سيأتي التفصيل فيه ، بعون الله .
الهامش (125) المغني 4 / 99 . (126) هشام بن الحكم استاذ القرن الثاني ـ لعبد الله نعمة ـ : 148 .
................ص52..............
6 ـ مواقف الكلاميّين من المقولة : لقد عرفنا خلال عرضنا لمصطلح هشام مواقف العلماء الناقلين لذلك من المقولة ، و رأينا هنا أن نستعرض تلك المواقف في نظرة سريعة : أمّا الأشاعرة : فقد صرّح رئيس مذهبهم أبو الحسن الأشعري بأنّ هشاماً قال : هو « جسم لا كالأجسام » و معنى ذلك : أنّه « شيء موجود » (127) . و هذا واضح في تفسيره المصطلح بما لا يدلّ على التجسيم المعنويّ ، فإنّ من يعبّر عن الله تعالى بأنّه « شيء موجود » لم يذكر بكلامه هذا إلاّ إثبات و جود الله تعالى ، دون أن يعبّر عن كون الله تعالى له صفة الجسميّة أو غيرها ، فكذلك المقولة التي تدلّ على معنى « شيء موجود » كما فسّرها الأشعريّ . مضافاً إلى أنّ ذيل المقولة يدلّ على نفي تشبيهه بالأجسام كلفها ، فهو أصرح ، في عدم التجسيم المعنويّ . و قد صرّح الأشعري في مورد آخر بأنّ الذي يقول في البارئ : « جسم » بمعنى أنّه « موجود » : لا يثبت البارئ ذا أجزاء مؤتلفة ، و لا أبعاض متلاصقة (128) . فهذا ـ على مصطلح هشام ـ صريح في نفي المعنى اللغوي للجسم الدالّ على الأبعاد و الأجزاء و تألّفها في الوجود . و أصرح من ذلك قوله : و قال قائلون : هو « جسم خارج من جميع صفات الأجسام » ليس بطويل ، و لا عريض ، و لا عميق ، و لا يوصف بلون ، و لا طعم ، و لا مجسّة ، و لا شيء من صفات الأجسام ، و أنّه ليس في الأجسام و لا على العرش (129) ...
الهامش (127) مقالات الإسلاميّين 1 / 257 . (128) مقالات الإسلاميّين 1 / 104 . (129) مقالات الإسلاميّين 1 / 260 .
................ص53..............
و هذا النصّ ، و إن لم يفسّر فيه الجسم بما اصطلح عليه هشام ، إلاّ أن قوله : « خارج من جميع صفات الأجسام » إلى آخر العبارة ، لازم لذلك ، بل هذا هو توضيح لذيل المقولة : « ... لا كالأجسام » كما هو واضح ممّا تقدّم ذكره مكرّراً . و مع هذا ، فالأشعريّ ينسب إلى هشام القول بأنّ ربّه في مكان دون مكان ، تعالى الله عن ذلك ، وكذلك ينسب إليه أقاويل تنافي هذه المقولة منافاة ظاهرة ، و يضيف على مقولته أقبح ما يقال في هذا المجال ، ممّا لا يخفى على عاقل ، فكيف يخفى ذلك على الأشعري المتغافل !؟ هذا ، و قد اعترف كبار الأشارة ، المتقدّمون و المتأخّرون ، بعدم دلالة المقولة على التجسيم ، كما نقلناه عن الأيجي ، و الجويني ، و الدوّاني ، و الرازي ، و عبده . و أمّا الظاهريّة : فقد عرفنا من أشهر شخصيّة علميّة فيهم ، و هو ابن حزم الظاهريّ تصريحه بأنّ : من قال : « جسم لا كالأجسام » فليس مشبّهاً ، لكنه ألحد في أسماء الله تعالى ، إذ سمّاه عزّ و جلّ بما لم يسمّ به نفسه (130) . مع أنّه يوافق على مقولة « شيء لا كالأشياء » (131) . و
قد عرفنا أنّ مقولة « جسم لا كالأجسام » هي مرادفة لمقولة « شيء لا كالأشياء » و بمعناها على مصطلح هشام في « الجسم » . و أمّا المعتزلة : فقد أبدوا معارضة شديدة للمقولة ، باعتبارهم أكثر الناس عداءً لهشام و لما ينسب إليه من آراء . و ذلك لأنّه الرجل القوي الذي كان يقف في وجههم و هم في أوج قدرتهم
الهامش (130) الفصل 2 / 120 . (131) الفصل 2 / 8 ـ 119 .
................ص54..............
و عزّتهم ، « فكان الشخصيّة القويّة الذي ناظرهم و ناظروه » (132) و هو الوحيد الذي اضطرّ الخصوم للاعتراف له بأنّه « صاحب غور في الأصول » (133) و بلغ من القوّة بحيث قالوا في حقّه : « لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم » (134) . و قد ذكر الشهرستاني أنّ هذه المقولة إنّما أوردها هشام في إلزام أبي الهذيل العلاّف بالذات ، و هو من كبار المعتزلة المعاصرين لهشام ، و له معه مناظرات عديدة . و المعتزلة مع إجماعهم على مقولة « شي لا كالأشياء » (135) و مع أنّ بعضهم وافق على كبرى « لا شيء إلاّ و هو جسم » (136) ، إلاّ أنّهم أغفلوا مصطلح هشام ، و عارضوا المقولة ، و غالطوا في حملها على غير مصطلح هشام ، و قد أوضحنا سابقاً مواقع المغالطة في كلماتهم (137) . لكن الجبّائي ـ وهو من كبارهم ـ كان يزعم : أنّ العقل إذا دلّ على أنّ البارئ « عالم » فواجب أن نسمّيه « عالماً » و إن لم يسمّ نفسه بذلك ، إذا دلّ العقل على المعنى ، و كذلك سائر الأسماء (138) . فهو على هذا ملزم بالموافقة على المقولة ، على مصطلح هشام ، و لكن لم أجد تصريحاً له بذلك . لكنّ واحداً من المعتزلة صرّح بالحقّ في شأن المقولة ، و هو ابن أبي الحديد ، الذي صرّح بأنّ المقولة « جسم لا كالأجسام » إذ كانت على معنى : أنّ الله تعالى
الهامش (132) ضحى الإسلام ـ لأحمد أمين ـ 3 / 268 . (133) الملل و النحل 1 / 185 . (134) الملل و النحل 1 / 185 . (135) مقالات الإسلاميّين 2 / 180 ، و انظر موضع التعليقة رقم 79 . (136) مقالات الإسلاميّين 1 / 245 . (137) راجع ( ص39) من هذا البحث . (138 مقالات الإسلاميّين 2 / 185 ، و انظر : مذاهب الإسلاميّين 1 / 500 .
................ص55..............
بخلاف العرض الذي يستحيل منه الفعل ، فهو نفي لمعنى الجسميّة ، و إنّما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى أنّه « شيء لا كالأشياء » و أمرهم سهل ، لأنّه خلاف في العبارة (139) هذه مواقف عمدة المذاهب الإسلامية التي لها رأي في المباحث الكلامية ، من الّذين يخالفون هشاماً في المعتقد ، و خاصة في المذهب ، و كما رأينا فإنّهم تّفقون على عدم نافاة مقولة هشام للحقّ ، و لا اعتراض لهم على المقولة من حيث المعنى . لكنّهم بالرغم من ذلك نسبا إلى هشام أنواعاً من التهم البشعة ، و الخرافات المنافية لأبسط القواعد العقلية ، سعياً في تشويه سمعته بين المسلمين
الموحّدين ، و تضييعاً لأثره في الفكر و العقيدة ، و إخفاء لعظمته في تاريخ العلم و الثقافة الإسلامية في عصروها المبكّرة . و من هنا نعرف السبب في إغفال البغدادي صاحب « الفرق بين الفرق » لهذه المقولة عند ذكره لآراء هشام الكلامية ، فلم يذكرها مطلقاً ، مع شهرتها عن هشام ، بينما أبدى حقداً و بغضاً في جمع كلّ خرافة و باطل و كذب ، و نسبة ذلك إلى هذا الفكّر الموحّد !
الهامش (139) شرح نهج البلاغة 3 / 228 .
................ص56..............
7 ـ موقف الشيعة من المقولة : أمّا الشيعة ، أتباع مذهب هشام ، فقد عرفنا اتّفاقهم قدماء و متأخرفين على أنّ المقولة لا تدلّ على التجسيم المعنويّ ، و إنّما أريد من كلمة « الجسم » معنى آخر ، غير مدلوله اللغويّ المتفاهم ، و قد أوضحنا أنّ المعنى الآخر قد اصطلح عليه هشام و أصحابه و تلاميذه ، و أرادوا من كلمة « الجسم » معنى « الشيء » و « الموجود » . و قد صرّح الشيخ المفيد ، و السيد المرتضى ، بأنّ هشاماً لم يخالف في مقولته « جسم لا كالأجسام » التوحيد ، و لا يرد عليه إلاّ إطلاق لفظ « الجسم » على البارئ تعالى و إن كان بمعنى « الشيء » (140) . و قد ذكر ابن أبي الحديد : أنّ هذا المعنى هو الذي التزمه من قدماء الشيعة : علّي بن منصور ، و السكّاك ، و يونس بن عبد الرحمن ، و الفضل بن شاذان (141) . و كذلك صرّح كثير من علماء الطائفة ، و آخرهم سيّدنا الاستاذ ، الذي قال في كتاب رجاله بعدم إرادة هشام من كلمة « الجسم » معناها المفهوم ، بل أراد معنى آخر (142) و لكنّ الذي يحزّ في النفس أن يتعرّض للموضوع من لم يأخذ له اهبته اللازمة ، ممّن ينتمون إلى طائفة هشام ، فغرّتهم كثرة الأقاويل التي اختلقها كتاب الفرق و المقالات ، و مؤرّخو المذاهب و القضايا الاعتقاديّة ، و ملأوا بها الصحائف ، فلم تفسح لهؤلاء مجالاً للتأمّل في الموضوع بدقّة و عمق ، من خلال مصادرنا المأمونة لتمييز الصحيح من الفاسد ، أولاً ، و التوصّل إلى الحقّ الذي أراده هشام ، ثانياً ، فوقع هؤلاء في الفخاخ التي نصبها أولئك الحاقدون ، و ما سطّروه في صحائفهم السوداء ضدّ هشام . و أكثر ما نجد تناقل كتّاب العصر لما لفّقه الخصوم عن معتقدات هشام ، ممّا
الهامش (140) الحكايات : 131 ، و أوائل المقالات : 43 ، و الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 . (141) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . (142) معجم رجال الحديث 19 / 358 .
................ص57..............
ينافي أبسط قواعد الإيمان و الإسلام . و ناقل الكفر و إن لم يكن كافراً ـ كما يقال ـ إلاّ أن تمريرها بالنقل ، من دون تعرّض لها بالنقد أو تزييف نقاط الضعف ، أو تبيين أوجه المغالطة فيها ، جريمة لا تغتفر ، فضلاً عن أن يبدي المؤلّف رأياً يعارض الحقّ ، و ينسبه إلى هشام ! أو يتناقل تلكم الأكاذيب من دون نسبتها إلى
مختلقيها ، و كأنّ الناقل يفرضها من مسلّمات التاريخ أو العلم ! فبما يعتذر من يعدّ في المذاهب مذهباً باسم « الهشاميّة » ينسب إليه الغلوّ و التشبيه ؟! مع العلم بأنّ مؤلّفي الفرق و مؤرخّي المذاهب من الشيعة لم يذكروا فرقة بهذا الإسلام أصلاً ، فضلاً عن ينسبوا إليها تلكم التهم ؟! و لو نقل ذلك عن مصادر المخالفين لهشام في المذهب ، لكفانا مؤونة هذه الكلمة المؤلمة ! أمّا هشام ، فلن تؤثّر في عضمته هذه التصرّفات ، و لم تخفت نور الحقّ الذي التزم به كثرة التشويش عليه ، سواء من فعل الخصوم الحاقدين ، أو من نقل أبناء طائفته الغافلين أو المتساهلين . و لقد رأيت من واجبي الدينيّ و العلميّ أن استعرض ما جاء في كتاب « هشام ابن الحكم استاذ القرن الثاني في الكلام و المناظرة » ممّا وجدته مخالفاً لما ثبت عن هشام من آراء ، و ما توصّلت إليه من حقائق . و مع أنّ مؤلّف هذا الكتاب كان متنبّهاً إلى خطورة الموضع ، و صعوبة البحث فيه ، إذ يقول : مع اعترافي بأنّ ذلك محاولة نموذجيّة قد لا تبلغ من العمق و الشمول ما لا يطلبه حديث رجل كهشام ، و لا يتّسع كثيراً للإيضاح ، ذلك لأنّه لم يحظ بعناية المترجمين (143) .
الهامش (143) هشام بن الحكم : 8 ـ 9 .
................ص58..............
و مع ما يعهد من :ولّفه من معرفة و حسن نيّة و جهد علمي ، لكنّه ـ مع هذا كلّه ـ وقع للأسف في شباك الأخطبوط المعادي لهشام ! و نحن نذكر هنا ما يرتبط بمبحث التجسيم فقط ! في انتخاب المصادر : فهو ينقل عن مصادر متأخّرة جدّاً ما نقلوه عن مصادر قديمة ، من دون أن يتابع القضايا ، و يراجعها في مصادرها الأصليّة . فمثلاً : يعتبر المؤلّف هشاماً تلميذاً لأبي شاكر الديصاني ، و قد ذكر مستنداً لهذا الاعتبار ، و هو أربعة نصوص ، أحدها منقول عن البرقيّ ، و الثاني في رواية عن الإمام الرضا عليه السلام ، ثم الثالث عن ابن الخيّاط المعتزليّ ، و الرابع عن ابن تيميّة الحرّاني ، ثم قال : و بعد هذا ، فإنّ جميع النصوص المذكورة متّفقة على أنّ هشاماً كان على صلة تامّة بهذا الديصانيّ ، و علاقة وثيقة به (144) . أقول : و ليس شيء من هذه النصوص الأربعة حجّة على ما يريد المؤلّف إثباته ، فالنصّان : الثالث و الرابع ، هما كلمتان لرجلين من ألدّ خصوم الشيعة ، و ممّن شنّعوا على هشام بالخصوص ، و ممّن لم يتّقوا الله في نسبة ما هوت نفوسهم إلى هشام و أتباع أهل البيت عليهم السلام ، و يشهد بذلك كتابهما « الانتصار » للخياط ، و « المنهاج » لابن تيميّة ! ثم متى صارت أقوال الخصوم حجّة في حقّ خصومهم ؟! و كيف صار اتّفاق هذين الرجلين دليلاً على اتّهام هشام ؟! (145) . و أمّا النصّ الأول : فقد نقله المؤلّف عن المامقاني في تنقيح المقال 3 / 295 . و قد نقله المامقاني عن ابن داود الرجالّي الحلّي ، و لمّا راجعت « الرجال » لابن داود وجدته ناقلاً له عن البرقيّ ، فراجعت رجال البرقيّ ، فوجدت فيه : و في كتاب سعد :
الهامش (144) هشام بن الحكم : 48 ـ 49 . (145) انظر ما ذكره القاسمي في كتاب « تاريخ الجهمية و المعتزلة » ص 30 و ما بعدها ، حول التساهل في نقل الآراء و المذاهب ، و ما يجب أن يعتمد في ذلك .
................ص59..............
له كتاب ، و كان من غلمان أبي شاكر الزنديق ، جسمي ، رؤييّ . و قد علّق محقّق الكتاب على هذه العبارة بأنّ في نسخة تصحيفاً (146) . و لم يميّز في كتاب البرقيّ أنّ قوله : « و كان من غلمان ... إلى آخره » منقول عن سعد ، أو هو من كلام البرقيّ نفسه ؟ فإن كان منقولاً عن سعد ، فمن هو « سعد » هذا ؟ فإن كان هو سعد بن عبد الله الأشعريّ القميّ ! الذي له كتاب « رجال الشيعة » (147) فهو في كتابه الآخر المسمّى بـ « المقالات و الفرق » لم يذكر عن هشام شيئاً ، إلاّ أنّه عدّه في من ذكرهم من « وجوه أصحاب جعفر بن محمد ، و أهل العلم منهم و الفقه و النظر ، و هم الّذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر عند وفاة أبيه » (148) . ثم إنّ ابن داود الذي نقل عن البرقيّ تلك العبارة ، ناقش مضمونها في القسمين من رجاله : فقال في القسم الثاني : هشام بن الحكم : لا مراء في جلالته ، لكنّ البرقيّ نقل فيه غمزاً ، لمجرّد كونه من تلاميذ أبي شاكر الزنديق ، و لا اعتبار بذلك (149) . و قال في القسم الأوّل ـ بعد نقل عبارة البرقيّ المذكورة ـ : مع أنّي لا أستثبت ما قاله البرقيّ قدحاً فيه ، لأنّ حال عقيدته معلوم ، و ثناء الأصحاب عليه متواتر ، و كونه تلميذ الزنديق لا يستلزم اتّباعه في ذلك ، فإنّ الحكمة تؤخذ حيث وجدت (150) . ثم إنّ المامقاني ـ بعد أن نقل ذلك ـ ذكر في دفع ذلك أمرين : 1 ـ أنّ رجال البرقيّ ، الموجود عنده ، خال عن ذكر تلمذة هشام لأبي شاكر ، أولاً . 2 ـ أنّه قد ورد في أخبار كثيرة مناظرته لأبي شاكر ، و احتجاجه عليه في
الهامش (146) رجال البرقي : 35 . (147) لاحظ : رجال النجاشي : ... ، و الفهرست ـ للطوسي ـ . (148) المقالات و الفرق ـ لسعد ـ : 88 رقم 168 . (149) رجال ابن داود القسم الثاني ـ : 60 . (150) رجال ابن داود ـ القسم الأول ـ : 200 رقم 1674 .
................ص60..............
التوحيد ، على وجه يعلم عدم كونه تلميذاً له ، ثانياً (151) . و الحقّ أنّ المامقاني قد تبرّأ من مضمون تلك العبارة . و المؤلّف ، كيف يصرف النظر عن كلّ هذه المناقشات ، و ينقل تلك العبارة ، و يعتبرها نصفاً دالاًّ على ما يريد إثباته من تلمّذ هشام للديصانّي ؟! و أمّا النصّ الثاني ، فهي رواية عن الإمام الرضا عليه السلام ، نقلها عن المامقاني أيضاً (152) . لكنّ المامقاني نقل الراوية تلك عن الكشّي ، و هي موجودة في رجاله (153) . و قد ذكر المامقاني : أنّ الرواية قاصرة سنداً . بالنظر إلى أنّ في السند : « عن بعض أصحابنا » و هم لا يعتبرون بمثله . هذا ، مع أنّ النصّ الموجود في رجال الكشّي هو : ... من غلمان هشام ، و هشام من غلمان
أبي شاكر .. و ليس في الرواية : « ... هشام بن الحكم » و هكذا نقله المامقاني . و لكنّ المؤلّف أضاف كلمة « بن الحكم » على متن الرواية ، من دون إشارة إلى عدم وجودها في المصدر ، و لا في مصدر المصدر ! هذه قيمة النصوص التي اعتمد عليها المؤلّف في دعواه الخاطئة ، أي كون هشام تلميذاً للديصاني ، و مع هذا يسلّم للدعوى ، و يبني على هذه النصوص بناء مهزوزاً ، هنا و في ما يلي من صفحات كتابه ، و يستنج آراء خاطئة ينسبها إلى هشام و يقول بملء فيه : إنّ هذه الآراء وصلت إلى هشام ، من أثر الفكر الرواقي ، من طريق أبي شاكر الديصاني ! و يقول : بل من الجائز أن تكون نزعته « الحسيّة » « الماديّة » هي أصداء للنزعة الرواقيّة ، انعكست في تفكيره بواسطة الديصانيّة (154) .
الهامش (151) تنقيح المقال 3 / 295 . (152) يلاحظ أنّه أرجع إلى تنقيح المقال 3 / 295 بينما الرواية مذكورة في ص 299 من المصدر . (153) اختيار معرفة الرجال : 278 رقم 497 . (154) هشام بن الحكم ... : 50 ـ 51 .
................ص61..............
و هذا كلّه مبني على و هم خاطئ ، مصدره تلك النصوص التي عرفنا عدم حجّيّتها ، و عدم قابليتها لإثبات تلك الدعوى ! و بنفس الأسلوب يدّعي أنّ هشاماً اعتنق مذهب جهم بن صفوان ، و يستند إلى نصوص ، لا تخلو من مناقشات ، و لكنّ المؤلّف لم يلاحظ فيها شيئاً ، و يقول : فهشام ، إذن ، من دعاة الجمهيّة ، ناظر على طريقتها ، متحمّساً لها (155) . و يستند أخيراً إلى الشبه الموجود بين بعض آراء هشام و بين آراء الجهميّة ، التي ذكرها مؤلّفو كتب الفرق ، و يقول : من البعيد أن يكون ذلك عفواً و اتّفاقاً (156) . و لا بدّ أن نسأله هنا : بماذا يفسّر الاختلاف بين هشام و بين جهم في آرائه الأخرى ؟! هل يعتبرها عفواً أو اتّفاقاً ؟! مع أنّ الموارد التي ادّعى موافقة هشام لجهم فيها ، و التي تمثّل بها كشاهد على دعواه ، ليس الأمر فيها كما زعم ، بل هناك مخالفة بين رأييهما لم يدقّق فيه المؤلّف ، فقد أدّعى ـ نقلاً عن مقالات الإسلاميّين ، للأشعريّ ، ص 108 ـ أنّ هشاماً نسب إليه القول : « بأنّ الله لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه ، و أنّ الأشياء لا تعلم قبل كونها ... » ثم يقول : و هذا الرأي نفسه للجهم (157) . أقول : هب أنّ هشاماً يوافق الجهم إلى هذا الحدّ ، لكن هل تنتهي المسألة إلى هنا ؟ كلاّ ، بل ، إنّ هشاماً يخالف جهماً في نهاية المسألة نفسها : فجهم يدّعي فيها : « أنّ علم الله محدث ، هو أحدثه ، فعلم به ، و أنّه غير الله » (158) . لكنّ هشاماً يقول : إنّ الله يعلم الأشياء بعلم ، و أنّ العلم صفة له ، ليست هي هو ، و لا غيره ، و لا بعضه ، و لا يجوز (159) أن يقال في العلم : « إنّه محدث أو قديم » لأنّه
الهامش (155) هشام بن الحكم ... : 51 . (156) هشام بن الحكم ... : 51 . (157) هشام بن الحكم ... : 1 ـ 52 . (158) مقالات لإسلاميّين 2 / 164 . (159) و ذكره في المصدر ـ أيضاً ـ في 1 / 108 بلفظ « فيجوز أن يقال : العلم
محدث أو قديم ، لأنّه صفة ، و الصفة لا توصف ... » . و قد طبعها المحقّق الألمانيّ ( هـ ، ريتر ) : « فيجوز » بالنصب ، كي يكون منصوباً بأنّ مقدّرة جواباً للنفي في « ليست ... » و معناه : فلا يجوز ، كما جاء في الموضع التالي من المصدر . لكنّ المحقّق المصريّ ( عبد الحميد ) طبعها : « فيجوز » فناقض معنى الجملة السابقة ، و معارضاً للموضع الآخر الذي صرّح فيه بقوله « لا يجوز » كما أثبتنا في المتن ، فلاحظ .
................ص62..............
صفة ، و الصفة عند هشام لا توصف (160) . و من الواضح أنّ من خالف أحداً في جزء دعواه ، سواء في جزء الصغرى ، أو جزء الكبرى ، فهو مخالف له في النتيجة ! فكيف تخفى هذه البديهيّة على المؤلّف . و الغريب أنّه جعل نفس هذا الأمر الذي اختلف فيه هشام و الجهم مثالاً آخر لما يدّعيه من توافقهما في الرأي ! و بعد أن نقل كلام هشام في العلم ، و تصريحه بأنّه « لا يقال فيه محدث و لا قديم » يقول : و نجد في هذا شبهاً بقول الجهم حين يستدلّ على ذلك فيقول : « إذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو : إمّا أن يحدث في ذاته تعالى ، و ... » (161) . فانظر ـ بالله عليك ـ كيف يكون الشبه بين من ينفي الحدوث و القدم ، و بين من يفرض الحدوث و يتكلّم على أساسه ؟! و الأغرب أنّ المؤلّف لمّا ينقل قول هشام : ليس يخلو القديم من أن يكون لم يزل عالماً لنفسه ، كما قالت المعتزلة ، أو عالماً بعلم قديم ، كما قالت الزيديّة ، أو عالماً على الوجه الذي أذهب إليه (162) . يقول : و يقصد بالوجه الذي يذهب إليه : انّ العلم حادث (163) . و يقول ـ بكلّ جرأة ـ : فرأي هشام هنا مشتق من رأي جهم بكامله ! أقول : لكن عرفت أنّ القول بحدوث علم الله هو رأي جهم فقط ، و أمّا رأي
الهامش (160) مقالات الإسلاميّين 2 / 163 ، و الملل و النحل 1 / 185 . (161) هشام بن الحكم ... : 52 . (162) هشام بن الحكم ... : 128 نقلاً عن الانتصار ـ للخيّاط ـ : 108 . (163) هاشم بن الحكم ... : 128 .
................ص63..............
هاشم فهو أنّ العلم صفة ، و هي لا توصف بحدوث و لا قدم ! فهو ينكر حدوث العلم ! فكيف يجرؤ المؤلف على هذا التصريح الخطير ! لا أجد جواباً لهذا ، إلاّ أنّ أقول للمؤلف : « ما هكذا تورد يا سعد الإبل » . و لو شاء المؤلّف أن يرى بأمّ عينه اختلافات هشام و الجهم ، فليقرأ في « مقالات الإسلاميين » للأشعري : 1 ـ أنّ الجهم يزعم أنّ الحركة جسم ، و محال أن تكون غير جسم (164) . 2 ـ أن هشاماً يقول : الحركات و أمثالها ليست أشياء و لا أجساماً (165) . و هذا ما عثرنا عليه في طريق بحثنا ، و لم نتصدّ له ، و لعلّ البحث المقصود يدلّنا على الكثير جدّاً . و كيف كان ، فهذا يكفي في تفنيد مزاعم المؤلّف ، و دعواه مكرّراً أنّ هشاماً كان ديصانيّاً أو جهميّاً حتفى بنى على ذلك كثيراً من اتهاماته الصعبة ضدّ هشام . كما
يقول عند تعرّضه لموضع « التجسيم » في رأي هشام : فالنزعة الحسيّة بادية على شيء من آرائه ، فهو يجسّم الأعراض ، و الجوّ ، حتى الخالق تعالى و يضيف : و قد رجّحنا وصول هذه الفلسفة إلى هشام من طريق الديصانيّة ... و بخاصة أنّ هشاماً صحب أبا شاكر الديصانّي ، ولازمه حتى عدّه من غلمانه ، كما سبق (166) . و يقول بعنوان « ذاته » ـ بعد نقل الأقوال المتعارضة في نسبة التجسيم إلى هشام ـ ما نصّه : و إنّنا إذ نقف بين هذه النصوص المتضاربة ، لا يمكننا أن ننزّه هشاماً عن القول بالتجسيم (167) . ثم يستدلّ على ذلك بقوله : 1 ـ إنّ حكاية التجسيم عنه مستفيضة . 2 ـ إنّ الصدوق روى في كتابه « التوحيد » ما يشعر بذلك .
الهامش (164) مقالات الإسلاميّين 2 / 32 . (165) مقالات الإسلاميّين 1 / 113 . (166) هشام بن الحكم ... : 99 . (167) هشام بن الحكم ... : 121 .
................ص64..............
3 ـ لإنّ المفيد نسب إليه مقولة « جسم لا كالأجسام » . ثم يؤكد على أنّ هشاماً كان جهميّاً ديصانيّاً ، و يصل إلى هذه النتيجة : و على ذلك ، يمكننا أن نقول : إنّ هشاماً كان يذهب إلى أنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » و ذلك قبل أن يدين بمذهب الصادق ... و لكنّه بعد ذلك رجع . و اعتبر رأيه هذا جمعاً بين الناس التجسيم إليه ، و بين النافين لتلك النسبة عنه ، و يقول : فكلا الفريقين ، المتشيّع عليه ، و المتشيّع له ، قد يكون على صواب (168) . و واضح أنّ شيئاً من أدلّته تلك لا تثبت مدّعاه ، و لا يصحّ ترتيب هذه النتيجة الخاطئة عليه : فالحكايات المستفيضة : تنحلّ إلى أكثرية اختلقتها أهواء خصوم هشام ، و اصطنعتها أغراضهم ، و صاغتها أحقادهم ، فلا قيمة إثباتية لها على التحقيق ، و لا تقاوم الجدل و البحث العلمي . و تنقسم إلى مجموعة أخرى معرّضة للاحتمالات و الترديدات ، و التفسيرات المبعدة لها عن إثبات ما يريده المؤلف . فهل يسمّى مثل هذا استفاضة ؟! و هل تكون مثل هذه الاستفاضة حجّة على شيء ؟! نعم ، هي بمجموعها تدلّ على ثبوت قضية في حقّ هشام ، بنحو المعلوم الإجمالي ، لكنّ جزئيّات هذه القضية و مفرداتها غير واحضة من خلال تلك الحكايات المستفيضة ، و القدر الثابت الصحّة منها هو أنّ هشاماً أطلق تلك المقولة : « جسم لا كالأجسام » على البارئ جلّ و علا ، و قد عرفت أنّها ـ في مصطلح هشام ـ لا تدلّ إلاّ على التنزيه المحض و التوحيد الكامل . و أمّا الروايات التي نقلها الصدوق ، فلا دلالة في شيء منها على التزام هشام بالتجسيم المادّي لله تعالى شأنه ، و إنّما احتوى قسم منها على أنّ له قولاً في « الجسم »
الهامش (168) هشام بن الحكم ... : 123 .
................ص65..............
و هذا لا يدلّ على أكثر من إطلاق اسم « الجسم » . و قسم آخر بين فيه مصطلح هشام ، أو تكرار لمقولته ، و لم نجد فيها ما يتضمّن نسبة التجسيم المادّي إلى
هشام (169) . و أمّا كلام المفيد ، فليس هو إلاّ نقلاً للمقولة عن هشام ، و هو مدار بحثنا هذا ، و قد عرفت أنّها لا تدلّ إلاّ على التوحيد و التنزيه ، فكيف يستدل به المؤلّف على مدّعاه ؟! و يتعرّض المؤلّف لمسألة التجسيم المنسوب إلى هشام تحت عنوان « الأعراض » و يقول : لكنّ هشاماً خالف ما هو المعروف في الأعراض ، فقد نسب إليه الشهرستاني و الأشعري و البغدادي و ابن حزم الأندلسي ; القول بأنّ الألوان و الطعوم و الرائحة أجسام (170) . و أشار في الهامش إلى مصادر عديدة ، منها : الفصل ـ لابن حزم ـ (5 / 42) ، و قد كان هذا الكتاب أمامي عند مطالعتي لهذا الكلام ، و فتحته ( في نفس الجزء ، و الصفحة) فعجبت لمّا لم أجد في هذا المكان إلاّ قول ابن حزم ـ السطر 9 ـ . قال أبو محمد : و قد اختلف الناس في المعدوم ، أهو شيء أم لا ؟ فقال أهل السنة و طوائف من المرجئة ، و الأشعرية ، و غيرهم : ليس شيئاً ، و به يقول « هشام بن عمرو الفوطي » أحد شيوخ المعتزلة . و قال سائر المعتزلة : المعدوم شيء ، فقال : عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخيّاط : إنّ المعدوم جسم في حال عدمه إلاّ أنّه ليس متحرّكاً و لا سكاناً و لا مخلوقاً و لا محدثاً في حال عدمه (171) . ثم نظرت في الصفحة حتى آخرها فلم أجد ذكراً لهشام بن الحكم ، ولا في صفحات سابقة و لا لاحقة عليها ! و لو سامحنا المؤلّف ، في ذكره اسم هشام بن الحكم بدل هشام بن عمرو ، فهل
الهامش (169) هشام بن الحكم ... 124 ، و سنذكر في نهاية هذا البحث أكثر تلك الروايات ونوضّح محاملها . (170) هشام بن الحكم ... : 162 . (171) الفصل 5 / 42 س 9 فما بعدها .
................ص66..............
له عذر في أنّه ذكر الحديث عن مطلب الأعراض : اللّون و الطعم ، و الرائحة ، نقلاً عن هذا المصدر ، في تلك الصفحة ، و لم نجد لها ذكراً فيها ؟! فهل اعتمد طبعة أخرى من الكتاب ؟! و هو لم يذكر فهرساً لطبعات مصادره ؟! ثم ماذا عن المصادر الأخرى ؟ و عن المطالب الأخرى ؟ و عن أرقام الصفحات و المجلّدات ؟ فهل مثل هذا الكتاب يعتمد عليه كمصدر أمين ؟! و لولا أنّ بعض المغرضين قد استند إلى ما في هذا الكتاب من آراء حول هشام ، و جعله دليلاً على نسبة التجسيم المادّي إليه !! و لولا التخوّف من أن يصبح ما جاء في الكتاب ـ من آراء خاطئة ـ شاهداً لمن تسوّل له نفس اتّهام هشام بما لا يليق من أباطيل !! لولا كلّذلك ، لما تعرّضنا لما فيه ، لبعد المدّة التي مضت على طبعه ، و لعلّ كلمتنا هذه توقف المؤلّف على ما في كتابه ، فيحاول أن ينقّحه ، ليؤدّي هدفه ـ الذي لا بدّ أن يكون خيراً ـ بأفضل ممّا كان عليه ، و يقطع الطريق على من يسيء الاستفادة منه من المغرضين . و لقد ألجأنا إلى هذا التعرّض استشهاد بعض المؤلّفين المغرضين بما جاء فيه على اتّهامه لهشام بالتجسيم المادّي متبجّحاً بأنّه لم يبق في ساحة
هذا الاتهام و حيداً بعد أن كان مؤلف كتاب « هشام بن الحكم ... » يذهب إلى مثل ما ذهب إليه ، و يقول بنفس مقالته . بالرغم من أنّ هذا المغرض لم يمتّ إلى العلم بصلة ، سوى إنّه تعلم على أيدي الأجانب المعادين للإسلام و الهادفين إلى إحداث البلابل بين صفوف المسلمين ، و لم يعتمد في كتاباته إلاّ على مصادر ضعيفة ، و مقدّمات سخيفة ، فبنى عليها نتائج موهومة ، تصوّر أنّها حقائق ثابتة ، مدّعياً لنفسه عناوين كالدكترة و الاستاذية و ما أشبه ، ممّا يحسبه الجاهل شيئاً ! فهذا مؤلّف كتاب « الصلة بين التشيّع و التصوّف » مع قربه من مصادر تراث
................ص67..............
الشيعة و معرفته بعلمائهم ، تراه يخبط في كتابه هذا خبط عشواء لا يهدي سبيلاً ! و في خصوص هشام بن الحكم يحاول أن يتفلسف لإثبات أقبح ما اتّهم به على طول الخطّ من أعداء التشيّع و خصومه ، ألا و هو « التجسيم المادّي » . و لئن عجز أولئك الحاقدون من إثبات هذه التهمة بصراحة واضطرّوا ـ من حيث أرادوا أو لا ـ إلى الاعتراف ببراءة هشام منها ، إلاّ أنّ هذا المغرور حاول أن يصوّر القضيّة بشكل معقول ! هين ! طبيعيّ ! وقد حاول الاستاد المحقّق المحامي المرحوم توفيق الفكيكي أن ينبّهه إلى الصواب من خلال تصويب بعض أخطائه التي لا يهمّنا منها سوى موضوع التجسيم ، إلاّ أنّه أبي إلاّ ركوب عناده و غيفه ، فلم يرعو ، بل زاد على أخطائه في كتاب « الصلة ... » خطأ أفحش ، في ردّه على الاستاذ الفكيكي فيما نشره في مجلة « الإيمان » الصادرة في النجف .
و لعلاقة ذلك بموضوع البحث رأينا التصدّي له ، فنقول : أمّا ما ذكره في ردّه على الاستاذ الفكيكي ، فهذا نصّه : إنّ هذا المتكلّم ( يعني هشام بن الحكم ) فلسف التجسيم قبل ظهور نفي الصفات عند أبي الهذيل العلاّف المعتزلي ( المتوفى 235) ( كذا ) بحيث حصل منه نظرية هي إلى التجريد أقرب ، و ذلك دون نق المعنى المادّي ، الذي يفهم من آيات التشبيه . و جاء ذلك من استغلال فكرة النور التي كانت من تراث الشيعة . فجعل هشام النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به ، و اعتبره « جسماً لطيفاً » . ثم جعل ما ليس بمادّة ـ كالعلوم ، و الحركات ـ أجساماً . و بذلك (172) المعنى المجرّد بالكائن المجرّد في لطافة الجسم .
الهامش (172) كذا وردت هذه الكلمة في المصدر . و لعلّها تصحيف من « وبدّل » فلاحظ .
................ص68..............
و انحلّ الإشكال ، و صارت الجسميّة لله اعتباراً عقليّاً ، و أمراً ذهنيّاً ، خالصاً ، ليس إلى تلمسّه سبيل ، كما أنّ العلم و الحركات أجسام لا تلمس . وذلك لأنّ الله تعالى ـ بقول هشام ـ : « جسم لا كالأجسام » و « صورة (173) لا كالصورة » تماماً كما هو « عالم بعلم ، و علمه ذاته » الشي يستشهد بها المعتزلة ، دليلاً على
التجريد و التنزيه . فأيّ ضير بعد في أن يكون هشاماً مجسّماً عقليّاً ؟ يقدّم الدليل على أنّ المادّة المعنيّة إلهيّة لا تدرك بالحواس ؟ و أين الإشكال ، إذن ؟ ثم قال : يبقى شيء مهم جدّاً ، هو أنّني لم أنفرد بها الرأي في هشام ، و إن عرضت له عل عجل في رسالتي التي فرغت منها سنة (1958) فقد توصّل إليه الشيخ عبد الله نعمة بعد دراسة واستقصاء في كتاب برأسه يدور حول « هشام بن الحكم ... » طبع لبنان (1959) . ثم أخذ بنقل كلام الشيخ نعمة بطوله (174) . أقول : إنّ هذا الكتاب قد ادّعى على هشام دعاوى طويلة عريضة ، و لم يقدّم على واحد منها دليلاً أو شاهداً ، و هي : 1 ـ أنّ هشاماً أثبت نظريّته على أساس عدم نقض المعنى المادّي الذي يفهم من آيات التشبيه . 2 ـ استغلال هشام لفكرة النور ، و جعله النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به . 3 ـ اعتبار هشام للنور جسماً لطيفاً . 4 ـ جعل هشام ما ليس مادّة ـ كالحركة و العلم ـ جسماً لطيفاً .
(173) المطبوع في المصدر : « و صوت » . (174) مجلّة « الإيمان » النجفية ، السنة الأولى ، سنة 1383 هـ ، العدد 7 ـ 8 ، ص 604 .
................ص69..............
5 ـ بدّل هشام المعنى المجرّد بالكائن المجرّد ، في لطافة الجسم . 6 ـ صارت الجسميّة اعتباراً عقليّاً خالصاً ، ليس إلى تلمّسه سبيل ، كما أنّ العلم و الحركات أجسام لا تلمس . 7 ـ لأنّ الله تعالى ـ بقول هشام ـ : « جسم لا كالأجسام » و « صورة لا كالصور » تماماً كما هو عالم بعلم و علمه ذاته ، التي يستعملها المعتزلة دليلاً على التجريد و التنزيه . 8 ـ إقامة الدليل على أنّ المادّة المعيّنة إلهيّة لا تدرك بالجواس . و إليك تفصيل مناقشتنا لهذه الدعاوى : 1 ـ إنّ هشاماً بنى نظريّته على أساس عدم نقض المعنى المادّي المفهوم من آيات التشبيه . فيه بحثان : الأول : إنّ الربط بين مقالة هشام و بين رأيه في آيات التشبيه ، و أنّ تلك الآيات و المعنى المادّي المفهوم منها كانت مؤثّرة في نظريته في التجسيم ! و هذا ما لم أجده في أيّ مصدر من المصادر التي تعرّضت لمقولة هشام ، أن ذكر فيه ارتباط نظريّة هشام برأيه في آيات التشبيه ، فلم تذكر تلك الآيات في سياق مقولته ، حتى يمكن فرض الربط بينهما . هذا من جهة . و من جهة أخرى : فإنّ مقولة هشام المحتوية على ذيل : « ... لا كالأجسام » تنفي كلّ تشبيه ـ على الإطلاق ـ بين الخالق و المخلوق ـ كما سبق أن أوضحناه مفصّلاً ـ و هذا وحده يدعو إلى الاعتقاد بأنّ هشاماً لا بدّ أن يكون من أهل تأويل تلك الآيات ، و عدم فهم المعنى المادّي منها . و قد يشير إلى هذا أيضاً عدم نقلهم خلافاً عن هشام ، للطائفة الشيعية التي تلتزم بالتأويل كما هو واضح في مقامه . الثاني : إنّ نظريّة هشام في « الجسم » مبنيّة على المعنى المادّي ، و عدم نقضه ! إنّ مصطلح هشام في « الجسم » و هو « الشيء » بحقيقة الشيئيّة التي هي « إثبات
................ص70..............
الذات » و « الموجود » و « المستقلّ بالنفس » كما أثبتناه مفصّلاً ، يعني : أنّ هشاماً ينزّه البارئ جلّ ذكره عن كلّ ما هيّة مادّيّة موجودة في أيّ جسم طبيعي آخر . فكيف يجوز أن ننسب إليه إدخال « المعنى المادّيّ » في نظريّته حتى على فرض « اللطافة » !؟ و في هذه النقطة بالذات ، يختلف ما قصده الكاتب عمّا ثبت عن هشام في تفسير مقولة « جسم لا كالأجسام » حيث لم نجد في كلمات الكاتب ـ كلّها ـ ذكر ولا إشارة إلى مصطلح هشام في « الجسم » ذلك الذي تناقلته كافّة المصادر ، و قرّرته و أكّدت نسبته إلى هاشم ! و من هذه النقطة يبدأ انحراف الكاتب عن التوجيه الصحيح لمقولة هشام ، كما سنثبته في النقاط التالية . 2 ـ استغلال هشام لفكرة النور ، و جعله النور المدى الأقصى الذي يمكن تشبيه الأجسام به . إنّ الكاتب لم يفسّر في كتاب « الصلة ... » ( فكرة النور ) و لكنّه في كتاب « الفكر الشيعيّ » ذكرها بقوله : إنّ حركة الغلوّ شرعت للتصوّف ( فكرة النور الإلهي ) الذي ينتقل عن طريق الأنبياء و الأئمّة من الله إلى قادتهم (175) . و أعاد نفس الجملة في حديثه عن الشلمغاني (176) . و ذكر أنّ الحلاّج وصف النور الإلهي بالشعشعاني (177) . و لم يذكر مصدراً يذكر فيه النور مرتبطاً بنظرية هشام في التجسيم ! لكنّي وجدت ذكر النور في عرض حديثهم عن هشام في المصادر التالية : قال الحميري : قال هشام بن الحكم من القطعية ـ و من قال بقوله ـ هو شيء
الهامش (175) الفكر الشيعي : 26 . (176) الفكر الشيعي : 202 نقلاً عن معجم الأدباء 1 / 235 . (177) الفكر الشيعي : 312 ، نقلاً عن الفهرست ـ للنديم ـ 190 .
................ص71..............
جسيم ، لا طويل و لا عريض ، نور من الأنوار ... (178) . و قال ابن أبي الحديد : و أصحابه من الشيعة يدفعون ـ اليوم ـ هذه الحكايات عنه ، و يزعمون أنّه لم يزد على قوله : « جسم لا كالأجسام » و أنّه إنّما أراد بإطلاقه هذه اللفظة عليه « إثباته » و صدّقوا عنه أنّه كان يطلق عليه كونه « نوراً » لقول الله سبحانه : « الله نور السموات و الأرض ، مثل نوره ... » ( سورة النور (24) الآية (35) ) (179) . و هذا بمجرّده ، لا يقتضي أن تكون هناك ـ عند هشام خاصة ـ فكرة النور ، و لا أن تكون هذه الفكرة من تراث الشيعة ، دون باقي المسلمين !! . فالفكرة ـ إن صحّ التعبير ـ موجودة في الآية القرآنية ، و « النور » اطلق على البارئ تعالى بنصّ القرآن ، و أهل السنّة و أصحاب الحديث يلتزمون بإطلاق « النور » عليه تعالى استناداً إلى نفس الآية (180) و كذلك بعض كبار المعتزلة (181) . فمن أين أصبحت هذه الفكرة شيعيّة خاصة ؟! ثم من أين جاء الكاتب بدعوى أنّ هشاماً استغلّ هذه الفكرة في سبيل نظريّته في التجسيم ؟! و إذا جاء شيء في حقّ الحلاّج و الشلمغاني و أمثالهما ، فهل يحقّ لأحد أن ينسبه إلى كلّ الشيعة ؟!
أهكذا يكون البحث العلميّ الموثّق ، المستند ؟! نعم ، إنّ ابن أبي الحديد نسب إلى هشام بن سالم ـ و ليس ابن الحكم ـ القول بأنّ الله « نور » على صورة الإنسان ، مع أنّه أنكر أن يكون « جسماً » (182) .
الهامش (178) الحور العين : 148 . (179) شرح نهج البلاغة 3 / 224 . (180) مقالات الإسلاميّين 1 / 260 . (181) مقالات الإسلاميّين 2 / 192 . (182) شرح نهج البلاغة 3 / 224 .
................ص71..............
جسيم ، لا طويل و لا عريض ، نور من الأنوار ... (178) . و قال ابن أبي الحديد : و أصحابه من الشيعة يدفعون ـ اليوم ـ هذه الحكايات عنه ، و يزعمون أنّه لم يزد على قوله : « جسم لا كالأجسام » و أنّه إنّما أراد بإطلاقه هذه اللفظة عليه « إثباته » و صدّقوا عنه أنّه كان يطلق عليه كونه « نوراً » لقول الله سبحانه : « الله نور السموات و الأرض ، مثل نوره ... » ( سور النور (24) الآية (35) ) (179) . و هذا بمجرّده ، لا يقتضي أن تكون هناك ـ عند هشام خاصة ـ فكرة النور ، و لا أن تكون هذه الفكرة من تراث الشيعة ، دون باقي المسلمين !! فالفكرة ـ إن صحّ التعبير ـ موجودة في الآية القرآنية ، و « النور » أطلق على البارئ تعالى بنصّ القرآن ، و أهل السنّة و أصحاب الحديث يلتزمون بإطلاق « النور » عليه تعالى استناداً إلى نفس الآية (180) و كذلك بعض كبار المعتزلة (181) . فمن أين أصبحت هذه الفكرة شيعيّة خاصة ؟! فم من أين جاء الكاتب بدعوى أنّ هشاماً استغلّ هذه الفكرة في سبيل في التجسيم ؟! و إذا جاء شيء في حقّ الحلاّج و الشلمغاني و أمثالهما ، فهل يحقّ لأحد أن ينسبه إلى كلّ الشيعة ؟! أهكذا يكون البحث العلميّ الموثّق ، المستند ؟! نعم ، إنّ ابن أبي الحديد نسب إلى هشام بن سالم ـ و ليس ابن الحكم ـ القول بأنّ الله « نور » على صورة الإنسان ، مع أنّه أنكر أن يكون « جسماً » (182) .
الهامش (178) الحور العين : 148 . (179) شرح نهج البلاغة 3 / 224 . (180) مقالات الإسلاميّين 1 / 260 . (181) مقالات الإسلاميّين 2 / 192 . (182) شرح نهج البلاغة 3 / 224 .
................ص72..............
و نسب الشهرستاني ذلك إلى محمد بن النعمان مؤمن الطاق (183) . فنسبة ما ذكره الكاتب إلى هاشم بن الحكم دعوى عريضة ، لم تذكر في أيّ مصدر . مع أنّ هذه النسبة تعني أنّ هشاماً كان بصدد تشبيه الذات الإلهيّة بالجسم النوريّ ، بينما مقولة هشام « جسم لا كالأجسام » ـ كما عرفنا ـ بصدد تنزيه البارئ ـ سبحانه ـ من كل شبه بالأجسام ، سواء الأجسام اللطيفة أو غيرها ، و نفى عنه كلّ خواصّ الأجسام من الموادّ أو الأعراض ، فنسبة الكاتب اللطافة ، أو المعنى المادّيّ ، لى هشام ينافي ذلك و يناقضه ، و يعارض ما ثبت نسبته إلى هشام . 3 ـ 5 ـ اعتبار
هشام للنور « جسماً لطيفاً » . و جعل هشام ما ليس مادة ـ كالعلوم و الحركات ـ أجساماً . و بدّل المعنى المجرّد بالكائن المجرّد في لطافة الجسم . إنّ نسبة هذه الأفعال : ( الاعتبار ) و ( الجعل ) و ( التبديل ) إلى هشام انفرد بها هذا الكاتب حيث لم نجد لها أثراً في المصادر المتوفّر للبحث عن هشام ، بل ما وقفنا عليه من المصادر يدلّ على ضدّ النسبة الثانية : فقد صرّحت كتب المقالات بأنّ هشاماًنفى أن تكون الحركات أجساماً : قال الأشعري : حكي عنه أنّه قال : هي ( أي أفعال الفاعلين ) معان و ليست بأشياء و لا أجسام ، و كذلك قوله في صفات الأجسام ، كالحركات ، و السكنات ، و الإرادات ، و الكراهات ، و الكلام ، و الطاعة ، و المعصية ، و الكفر و الإيمان (184) . بل الذي قال بأنّ الحركة جسم ، هم معارضو هشام و خصومه ، كجهم (185) و أقرب إلى ذلك النظام الذي قال : إنّ الصوت جسم (186) و فرقة من المعتزلة التي
الهامش (183) الملل و النحل 1 / 187 . (184) مقالات الإسلاميّين 1 / 113 ، و الفرق بين الفرق : 67 . (185) مقالات الإسلاميّين 2 / 32 . (186) مقالات الإسلاميّين 2 / 101 .
................ص73..............
زعمت : أنّ كلام الله جسم ، و أنّه مخلوق (187) و من قال منهم برؤية الأعراض (188) . و أمّا ما نسبه إلى هشام من تبديل المعنى المجرفد بالكائن المجرفد : فلم يذكر الكاتب أنّه من أين أخذه ؟ هل وجده في مصدر ؟ أو أنّه أخذه من آراء اخرى لهشام فاستنبط هذا منها ؟ كما أنّه لم يذكر وجه هذا التبديل ! فإنّ المعنى المجرّد هو موجود ذهني لا يمكن تحقّقه في الخارج ، و الكائن المجرفد هو موجود خارجي و إن كان جسماً لطيفاً ، فما معنى تبديل هذا بذاك ؟! و ما هو دليله ؟! و هكذا يسطّر الكاتب مقدمات من نسج خياله ، و ينسبها إلى هشام ، ليبني عليه رأيه المنهار ، و ينسبه ـ بكل صلافة ـ إلى هشام . 6 ـ صارت الجسميّة اعتباراً عقلياً خالصاً ، ليس إلى تلمّسه سبيل ، كما أنّ العلم و الحركات أجسام لا تلمس . إنّ الإشكال على التجسيم هو أنّ مقتضاه العرفي أن تكون للجسم أبعاد ثلاثة على الأقلّ : الطول و العرض و العمق ، أو التأليف و التركيب و التجزّؤ ، و هذا هو الجسم باصطلاح المجسّمة و المعتزلة ، على ما عرفت . و لو اعتبرت الجسميّة أمراً عقليا ، كان هذا اصطلاحاً آخر في الجسم فلا بدّ له من دليل اعتبار . و الكاتب كما أنّه لم يذكر دليلاً على هذا الاعتبار و الاصطلاح فهو لم يذكر قبل ذلك واحداً من المصادر كان قد ذكر ذلك منسوباً إلى هشام . و إذا جعل الكاتب هذه النتيجة حتميّة على أساس المقدّمات السابقة و خاصّة أنّ هشاماً يرى أنّ الحركات أجسام ، فقد عرف عدم صحّة نسبة شيء من تلك المقدّمات إلى هاشم ، خاصة هذه المقدّمة ، فإنّه خالفها بالقطع !
الهامش (187) مقالات الإسلاميّين 1 / 245 . (188) مقالات الإسلاميّين 2 /
46 .
................ص74..............
مضافاً إلى أنّ أساس هذا التفسير لنظريّة هشام هو أنّه يرى من ذات البارئ « مادّة معيّنة » و هو ما لم يقله هشام ، بل ينافي مقولته منافاة قاطعة ، كما سيأتي . و هذا بخلاف ما التزمناه من اصطلاح هشام في « الجسم » بمعنى « الشيء » فمضافاً إلى شهرته عنه ، و إقامته الدليل عليه ، كما سبق أن فصّلناه ، فهو بمعنى « شيء لا كالأشياء » المقولة التي التزمها كلّ المسلمين ـ عدا الشاذّين ـ و هو يعبّر عن مجرفد وجود الذات الإلهية ، منزّهاً عن كلّ خواصّ الأجسام ، فهو خارج عن حدّ التعطيل وحدّ التشبيه ، كما قلنا . 7 ـ التعليل بأنّ الله تعالى « جسم لا كالأجسام » و « صورة لا كالصور » تماماً كما هو « عالم بعلم ، و علمه ذاته » التي يستشهد بها المعتزلة دليلاً على التجريد و التنزيه ... أقول : هذا التعليل منقول عن هشام في إلزام أبي هذيل العلاّف ، كما نقله الشهرستاني ، قال : هشام بن الحكم ، صاحب غور (189) في الاصول ، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة ، فإنّ الرجل وراء ما يلزم به على الخصم ، و دون ما يظهره من التشبيه ، و ذلك أنّه ألزم العلاّف ، فقال له : إنّك تقول : البارئ تعالى « عالم بعلم ، و علمه ذاته « فيشارك المحدثات في « أنّه عالم بعلم » و يباينها في « أنّ علمه ذاته » فيكون « عالماً لا كالعالمين » فلم لا تقول : « إنّه جسم لا كالأجسام » و « صورة لا كالصور » و له « قدر لا كالأقدار » إلى غير ذلك (190) . بيان الإلزام في هذا الكلام : أنّ أبا الهذيل التزم من بين المعتزلة ، بأن الله يعلم الأشياء بعلم هو ذاته (191) . بيان الإلزام في هذا الكلام : أنّ أبا الهذيل التزم من بين المعتزلة ، بأنّ الله يعلم الأشياء بعلم هو ذاته (191) . و لكنّ هشاماً يقول : إنّ الله يعلم الأشياء بعلم ، و علمه صفة له ، ليست هي هو ،
الهامش (189) كذا بالغين المعجمة في طبعة المصدر ، الموجودة بهامش الفصل ، لكنّ المطبوع في المصدر الذي راجعناه « عور » بالعين المهملة ، فهل هو خطأ مطبعيّ ؟! (190) الملل و النحل 1 / 185 . (191) مقالات الإسلاميّين 1 / 225 و 243 .
................ص75..............
و لا غيره ، و لا بعضه (192) . فاختلفا في أنّ علم الله عين ذاته ، كما يقول العلاّف ; أو صفة للذات ، كما يقول هشام . فإذا كان علم الله عين ذاته ، اختلف عن علم المخلوقى لأنّ علمهم صفة لهم ، فإطلاق « عالم » على البارئ يختلف عن إطلاق « عالم » على المخلوقين ، لاختلاف « العلم » بالحقيقة في الموردين ، و الحاصل أنّ كلمة « العلم » عند إطلاقها على البارئ تعالى ليست بمعنى العلم المفهوم عند المخلوقين ، بل معناه أمر آخر خاصّ بالله تعالى ، و مع هذا يصحّ إطلاق « عالم » على البارئ تعالى ، إلاّ أنّه لا بدّ أن يقال : « لا كالعالمين » حتى ينفي عنه أيّ شبه
بالمخلوقين في علمه و عالميّته . فإن كان هذا التغيير في معنى « العلم » و الإصطلاح على إرادة الذات منه ، كافياً لصحّة إطلاق اسم « عالم » عليه ، فليكن إطلاق « جسم » عليه تعالى كذلك ، بصرفه عن معناه اللغوي العرفي ، و إرادة أصل « الشيء » و « الموجود » منه صحيحاً ، فيقال : إنّه « جسم لا كالأجسام » . و إن لم يكن هذا التواضع كافياً ، فلا بدّ أن لا يصحّ « عالم لا كالعالمين » !! فالعلاّف إمّا أن يلتزم بكون علم الله ليس عين ذاته بل هو صفة مثل علم سائر العالمين ، فهو تنازل عن رأيه في العلم ! أو يلتزم بإطلاق « جسم لا كالأجسام » على البارئ تعالى من دون حرج ، و هذا اعتراف بصحّة مقولة هشام في الجسم ! و قد عرف من شرحنا هذا أنّ هشاماً لا يمكن أن يقيس مقولته « جسم لا كالأجسام » على قول العلاّف « عالم بعلم ، و علمه ذاته » ! و ذلك : 1 ـ أنّ هذا مخالف لرأي هشام في العلم ! 2 ـ أنّ هذا ليس فيه أي إلزام على العلاّف ، فكيف يذكره الشهرستاني
(192) مقالات الإسلاميّين 2 / 163 .
................ص76..............
بعنوان أنّه إلزام ! كما عرف من خلال حديثنا أنّ قول : « عالم بعلم ، و هو ذاته » ليس من كلام المعتزلة كلفهم بل هو من كلام العلاّف فقط ! و قد خالفه فيه هشام و جماعة من المعتزلة أيضاً . 8 ـ فأيّ ضير ـ بعد ـ في أن يكون هشام مجسّماً عقلياً ، يقدّم الدليل على أنّ « المادّة المعينة » إلهيّة ، لا تدرك بالحواسّ ؟ و أين الإشكال إذن . أقول : إن كان المراد من التجسيّم العقلي ، هو التجسيم المادّي ، لكون الذات الإلهيّة عنده مادّة معيّنة لا تدرك بالحواس ، كما هو صريح كلامه هنا ، و هو الأمر المبنيّ على المقدّمات التي ذكرها الكاتب و رتّبها للتوصّل بها إلى هذه النتيجة ! فهذا ما لم يقله هشام ، بل هذا معارض لما في مقولته من التجريد و التنزيه عن كلّ خواصّ الأجسام ، و منها « المادّة » . مع أنّ تلك المقدّمات غير تامّة ، كما سبق أن قلنا . و أمّا الضير في هذه التهمة ، فلا يتّجه منه إلى هشام أيّ سوء ، لأنّ نسبة باطل هذه التهمة إلى حقّ هشام بن الحكم كنسبة الحجر إلى البحر في قول الشاعر :
لا يضرّ البحر أمسى زاخراً أن رمى فيه غلام بحجر
و إنّما الضرر كلّه عائد إلى الكاتب و كتاباته الضحلة ، فتسلب عنهما الثقة ، و كفى ما أوردنا دليلاً على خلط الكاتب ، فلم يفهم مراد هشام ، و لا وقف على مصطلحه ! و أمّا : أين الاشكال ؟ فيقال له : إنّه كامن في عدم قدرتك على الخوض في هكذا موضوع ، حسّاس ، لم تخبره أبداً ، و لم تعرف كيف تستخدم مصادره ، و لا لك قدرة على فهم عباراتهم ، و كلماتهم ، ثم تعتمد أساساً على مصادر الأعداء و تحاول أن تنسب ما فيها إلى هشام من دون مناقشة أو تفنيد . و لو نظر هذا الرجل في مصادرنا الموثوقة ، لوجد أنّ قضيّة « التجسيم » قد انتفت
................ص77..............
فلم يبق أيّ أثر للمادّة في كلمة « الجسم » لمّا وضعت على غير معناها المفهوم ، و
أريد منها معنى « الشيء » فليس هناك إلاّ ذكر للربّ بلفظ « الجسم » و هذا هو المفهوم من مقولة « جسم لا كالأجسام » حسب تفسيرنا لها ، على مصطلح هشام . وأمّا مناقشة الكاتب في كتابه « الصلة بين التشيّع و التصوّف ... » فهذا نصّ عبارته : أمّا التجسيم الذي قال به هشام فلا داعي للإفاضة فيه ، و نكتفي من ذلك بأنّه قد بني على فكرة منطقية تقول : « إنّ بين معبوده ـ أي هشام ـ و بين الأجسام تشابهاً ما بوجه من الوجوه ، و لو لا ذلك لما دلّت عليه » ( الملل و النحل 1 / 208) و ينتهي إلى أنّه « لا يشبه شيئاً من المخلوقات و لا يشبهه شيء » (الملل و النحل 1 / 208) يضال إلى هذا أنّ أبا الحسن الأشعري ، لمّا ذكر تجسيم هشام ابن الحكم لله و أنّ له طولاً و عرضاً ، أردف ذلك بقوله : « على المجاز دون التحقيق » ( مقالات الإسلاميّين : 102) . و أدخل من هذا في بعد هشام بن الحكم عن التجسيم المادّي لله ما ذكره علي بن إبراهيم القمي من اختلاف هشام و أحمد بن محمد بن أبي نصر ، في كيفية رؤيته ( كذا ) النبي لله في المعراج ، فقال الآخر : نحن نقول بالصورة للحديث الذي روى أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم رأى ربّه في صورة شابّ ، و قال هشام بالنفي للجسم ... » ( تفسير علي بن إبراهيم : 19) . و قد حاول الشيعة ، قدماء و محدثين ، أن ينفوا عن هشام بن الحكم القول بالجسمية بكلّ ما اوتوا من قوّة ، غير أنّ الحجّة أعيتهم ، و من هنا اعترف الشيخ المفيد بقوله بالجسميّة ، و قرن الشيعة ذلك حكايتهم رجوع هشام عنها ، و كان ذلك غاية ما بذلوه من جهد ! (نشأة الفكرة الفلسفي في الإسلام ، للدكتور علي سامي النشّار ، ط 2 ، مصر 1964 ، ص 241 ) . و ذكر الشيخ عبد الله نعمة في هشام أنّه « في آرائه الموجودة بين
................ص78..............
أيدينا اتّجاه مادّيّ ، و نزعة حسيّة قلّما تخفي .... ثم هو يغرق في نزعته الحسّيّة حتى حكي عنه القول بأنّ الجوهر جسم رقيق ... » ( هشام ابن الحكم ، بيروت 1959 ، ص 98 ـ 99) . و كذلك فعل الدكتور محمد جواد مشكور في تحقيقه لكتاب « المقالات و الفرق » لسعد بن عبد الله الأشعري ( طهران 1963 ، ص 321) . و قد أخذ الاستاذ توفيق الفكيكي في شأن هشام بن الحكم برأي الشيخ المفيد و أصّر على نفي التجسيم عنه دون دليل واضح ( انظر نقده للطبعة الأولى من هذا الكتاب في مجلة « الإيمان » النجفية ، السنة الأولى ، العددين الخامس و السادس ، 1964 ، ص 398 ، 405 ) . و من الغريب أنّ تهمة التجسيم لم تنف عن هشام على أيدي الشيعة و إنّما فعل ذلك أهل السنّة ، فأبو الحسن الأشعريّ و ابن حزم الظاهريّ قدّما المادّة الكلامية لهذه البراءة ، و الدكتور علي سامي النشّار وضعها على أساس منطقي فلسفي مؤدّاه « أنّ الفعل لا يصحّ إلاّ من جسم ، و الله فاعل ، فوجب أنّه جسم » و أنّ « معنى الجسم أنّه موجود » و كان هشام يقول : أريد بقولي : « جسم » أنّه موجود ، و أنّه شيء ، و أنّه قائم بنفسه ( نشأة الفكر
الفلسفي ، ص : 241 ، 24 ، 256 ) . و يختم الدكتور النشّار ذلك بحكمه من « أنّ الجسم عند هشام بمعنى الموجود ، فكلّ موجود جسم ... » « و الله موجود ، فهو جسم ، لكنّه لا كالأجسام » (ص 246) (193) . 1 ـ قوله : فكرة منطقية تقول إنّ بين معبوده ( أي هشام ) و بين الأجسام تشابهاً ما بوجه من الوجوه ، و لو لا ذلك لما دلّت عليه . أقول : إنّ هذا الكلام نسبه الأشعري (194) و الشهرساتني (195) إلى هشام
(193) الصلة بين التشيّع و التصوّف : 143 . (194) مقالات الإسلاميّين 1 / 103 . (195) الملل و النحل 1 / 184 .
................ص79..............
ابن الحكم ، نقلاً عن ابن الراوندي . و أضاف الشهرستاني في موضع آخر إليه قوله : الأعراض لا تصلح أن تكون دلالة ( كذا ، و الصواب دالّة ) على الله تعالى ، لأنّ منها ما يثبت استدلالاً ، و ما يستدلّ به على البارئ تعالى جب أن يكون ضروريّ الوجود لا استدلالاً (196) . لكن هذه المقالة ـ بعين اللفظ ـ منقولة عن هشام بن عمرو الفوطي ، فقد ذكر الشهرستاني في فرقة « الهشامية » من المعتزلة ، ما نصّه : و من بدعه في الدلالة على البارئ تعالى قوله في الأعراض لله لا تدلّ على كونه خالقاً و لا تصلح دالات ، بل الأجسام تدلّ على كونه خالقاً (197) . و ليس هذا أول خلط لهم بين الهشامين : ابن الحكم ، و ابن عمرو الفوطي . مع أنّ نسبة هذه المقالة إلى هشام بن الحكم لا يناسب مقولته المعروفة المذيّلة يقوله « ... لا كالأجسام » حيث ينفي فيها كلّ شبه بين الخالق و المخلوق . و العجيب أنّ الكاتب يقول : « و ينتهي إلى أنّه لا يشبه شيئاً من المخلوقات ، ولا يشبهه شيء » . فكيف ينتهي القول بالشبه بينهما إلى القول بعدم الشبه ، أليس هذا « خلفاً » كما يقول المناطقة ؟! مع أنّ هذا ليس هو النهاية في رأي هشام ، بل هو يرى ذلك من البداية ، أليس هو الذي ينفي كلّ شبه بين الخالق و المخلوق في مقولته : « جسم لا كالأجسام » ! التي هي أشهر ما نقل عنه في هذا المجال ؟! 2 ـ قوله : و أدخل من هذا في بعد هشام بن الحكم عن التجسيم الماديّ لله ، ما ذكره علي بن إبراهيم القمي .... أقول : فلماذا لم يعتمد الكاتب و أمثاله على هذه الرواية لتكون أساساً واضحاً لرأي هشام في التجسيم ، فينفوا عنه التجسيم المعنوي مطلقاً ، و هو مدلول مقولته
الهامش (196) الملل و النحل 1 / 185 . (197) الملل و النحل 1 / 72 .
................ص80..............
« جسم لا كالأجسام » كما أوضحناه ؟! و الكاتب لم يهمل هذه الرواية فقط بل خالفها و نسب إلى هشام القول بأنّ « المادّة المعيّنة إلهيّة » لا تدرك بالحواسّ ، كما قلنا كلام عن مجلة « الإيمان » النجفيّة . 3 ـ قوله : و قد حاول الشيعة ـ قدماء و محدثين ـ أن ينفوا عن هشام بن الحكم القول بالجسميّة ، بكلّ ما اوتوا من قوّة ،
غير أنّ الحجّة أعيتهم ! أقول : إنّ الكاتب لم يحاول ـ أولاً ـ إثبات القول بالجسميّة على هشام من طريق الشيعة ، حتى تصحّ له مطالبتهم بحجّة على النفي . فإنّا لم نجد عند الشيعة نسبة التجسيم المطلق إلى هشام و أنفه قال بالجسميّة المعنوية ، حتى يحتاجوا في نفيها عنه إلى حجّة ، بل غاية ما في الأمر أنّ الخصوم ـ و خاصّة المعتزلة ـ اتّهموا هشاماً بأشكال من التجسيم ، و قد يتناقضون في ما نسبوه إليه ، و إن كان أقوى و أصرح ما نسبوه هو القول « بجسم لا كالأجسام » . و قد أجمع كافّة أهل الفرق على عدم دلالة ذلك على التجسيم المعنوي ، بل غاية ما يفيده هو التجسيم اللفظي و الاسمي ، كما فصّلناه . فمن أين جاء جزم الكتاب و أمثاله بثبوت القول بالتجسيم لهشام ، حتى يحتاج لنفيه إلى حجّة ؟! 4 ـ قوله : و من هنا اعترف الشيخ المفيد بقوله بالجسمية . أقول : هذا من موارد تحريف الكاتب و أستاذه للحقيقة ، حيث نقلوا عن الشيخ المفيد هذا الاعتراف ، بينما كلامه لا يدلّ على ذلك ، فهو في هذا الصدد يقول : و إنّما خالف هشام بن الحكم كافّة أصحاب أبي عبد الله عليه السلام بقوله في الجسم (198) . و معناه : أنّ لهشام قولاً في « الجسم » مخالفاً به الآخرين ، و هذا القول في الجسم ، هو ما اصطلحه فيه من إرادة « الشيء » منه .
الهامش (198) الحكايات : 131 .
................ص81..............
فأين هذا من القول بالجسميّة ؟! و إذا كان النشّار ـ المصري ، أستاذ الكاتب ـ إلى هذا الحدّ من الجهل باللغة العربية ، فليس له الحقّ بالتدخّل في معالجة كلمات العلماء ، فهو لا يميّز الفرق بين « القول في الجسم » و « القول بالجسم » ! 5 ـ قوله : و قرن الشيعة ذلك بحكايتهم و رجوع هشام عنها ، و كان ذلك غاية ما بذلوه من جهد . أقول : إنّ حكاية الشيعة للرجوع ليس لما توهّمه الكاتب من ثبوت اعتقاد هشام بالتجسيم ، و إنّما ذلك من جهة مخالفة هشام للحقّ في ما التزمه بالنسبة إلى اطلاق اسم الجسم على البارئ ، مع أنّه لم يرد ذلك في الشرع ، فأسماء الله تعالى توقيفية . كما سيأتي بيان ذلك في الفقرة التالية . 6 ـ قوله : و ذكر اليخ عبد الله نعمة . أقول : قد ذكرنا ملاحظاتنا على أقوال الشيخ ، في كتابه فراجع . 7 ـ قوله : و كذلك فعل الدكتور ... أقول : لم يكن هذا الدكتور بصدد التحقيق و التدقيق فيما يثبته ، بل هو يحاول جمع ما في المصادر و سردها تباعاً من دون نقد لها ، فليس ذكرها دليلاً على قبول أو ردّ . 8 ـ قوله : و قد أخذ الاستاذ توفيق الفكيكي ... أقول : يكفي في فضل الاستاذ الفكيكي رحمه الله أنّه قد نبّهك على بعض أوهامك ، و خاصّة في نسبتك إلى الشيخ المفيد الاعتراف بأنّ هشاماً قال بالجسمية ، و لكنّك أبيت التنبّه إلى أنّ المفيد لم يعترف بمثل ذلك ، و أنّه إنّما نسب إلى هشام خلافاً في التجسيم اللفظي فقط . و لولا ركوبك رأسك ، تأثّرك الواضح في ما كتبت برأي معلّميك من المستشرقين و المتغرفبين ، لكان كلام الفكيكي خير هاد لك
إلى أن تفكّ جفنيك عن الإطبقا ، و أن تفتحهما لترى الحقيقة المتوفّرة على مقربة منك عند علماء الشيعة في
................ص82..............
الكاظمية ، و النجف ، دون أن تمدّ يد الاستجداد إلى الغربيّين الحاقدين على الإسلام و أذنابهم من البعيدين عن التشيّع ، أو أن تتأمّل في ما كتبته المصادر باللغة العربية ، لتعرف حقيقة رأي هشام من خلالها دون أن تعتمد على واسطة رجل آخر ، و إن كان النشّار ! و لقد تقاعست عن الرجوع إلى المصادر إلى حدّ أنّك تقول : من الغريب أنّ تهمة التجسيم لم تنف عن هشام على أيدي الشيعة ، و إنّما فعل ذلك أهل السنّة ، فأبو الحسن الأشعري ، و ابن حزم الظاهري ، قدّما المادّة الكلامية لهذه البراءة ! إنّ تهمة التجسيم ، و بالصورة التي نسبتها أنت و سلفك العامّة إلى هاشم ، لم ترد في شيء من المصادر الموثوقة عند الشيعة ، حتى يكونوا بحاجة إلى نفيها ، فأنت تغالط بهذه العبارة ، و تريد أن تظهر أنّ الشيعة قد وافقوا على أصل التهمة و لكنّهم لم ينفوها ! بل تكذب على الشيخ المفيد أنّه اعترف بها ! و كأنّك قد فرغت من هذا الإثبات و أنت منتظر للنفي منهم . كلا ، فإنّ من أثبت التهمة ضدّ هشام ليس إلاّ خصومه و أعداء دينه ، ممّن لم يتّقوا الله في شيء ، و ليسوا أمناء على شيء ، بل كلماتهم متضاربة و متناقضة إلى حدّ السقوط ، و لم يثبت شيء من تلك الاتّهامات ضدّ هشام بطريق واحد من علماء الشيعة ، سوى أنّه أطلق مقولة « جسم لا كالأجسام » التي لم تدلف على ما نسب إليه ، بل دلّت على التنزيه و التوحيد . و قد اعترف جميع أهل المقالات بأنّ المقولة لا تدلّ على التجسيم المعنويّ المؤدّي إلى الكفر ، و في مقدّمتهم كبار الشيعة القدماء ، و أعاظم الشيعة المتأخرين . فهظر أنّ المادّة الكلامية لبراءة هام موجودة في مقولته ، و في اصطلاحه في « الجسم » أنّه بمعنى « الشيء » و ليس أول من قدّمها هم العامّة ، بل إنّهم هم أول من قدّم التهمة ضدّ هشام و أعلنوها عليه حرباً شعواء ، مبناها الاتّهام الباطل ، و التحريف للحقائق . و إذا وجب أن يحاسب أحد في هذا المجال ، فهم هؤلاء الّذين ملأوا صحفهم السوداء باتّهام هشام ، و ذكروا في حقّه خرافات لا يفوه بها ملّيّ فضلاً عن مسلم موحّد
................ص83..............
مثل هشام ، مع وقوفهم على مصطلح هشام في « الجسم » الذي يصلح أساساً لبراءته عن وصمة « التجسيم » . و لو كانوا يعتقدون ـ حقّاً ـ ببراءة هشام ، لما تناقلوا كلّ تلك الاتّهامات الشنيعة ، أو لتراجعوا عنها بكلمة . و العجيب أنّ الكاتب لا يحاسبهم على تصرّفاتهم المشبوهة هذه ، و يريد أن يحاسب الشيعة ـ ظلماً ـ على ما لم يقصّروا فيه ! 9 ـ قوله : و الدكتور سامي النشّار وضعها على أساس منطقي فلسفي مؤدّاه « أنّ الفعل لا يصحّ إلاّ من جسم ، و الله فاعل فوجب أنّه جسم » و أنّ معنى « الجسم » أنّه « موجود » ... إلى آخره . أقول : ليس الدكتور
النشّار هو الذي وضع هذا الأساس لنظريّة هشام ، بل هشام نفسه وضع هذا الأساس و استدلّ به على اصطلاحه في « الجسم » بمعنى « الشيء » و « الموجود » كما ذكرناه سابقاً مفصّلاً ، و قد تناقلته المصادر القديمة . و هذا دليل آخر على تقصير الكاتب في تتبّعه ، و خاصّة للمصادر القريبة منه ، و اعتماده الأساسي على فكر الغربيّين و أعداء التشيّع ، و إلاّ فهذا كتاب الكشّي من المصادر الأصلية ، و كذلك كتاب « التوحيد » للشيخ الصدوق ، و هو في متناول يده ، و يحتوي على أهمّ ما يرتبط بالموضوع ، فلماذا يتركه و يلجأ إلى كلمات النشّار و أمثاله . و لئن أخفى النشّار مصدره الذي استقى منه هذه الفكرة الفلسفية ، فإنّ وجود ذلك لا بدّ أن يكون مدعاة للكاتب إلى أن ينصرف عن إصراره على أن يجعل من هشام رجلاً يقول بالتجسيم للبارئ ، بمغعنى اعتبار المادّة المعيّنة إليهة ، لا تدرك بالحواسّ ، كما انتهى إليه في مجلة « الإيمان » النجفية .
................ص84..............
8 ـ موقف الأئمّة من مقولة هشام : إنّ لأئمّة أهل البيت عليهم السلام مواقف حاسمة في الدفاع عن الحقّ ، و بيان الحقيقة ، و في خصوص مجال التوحيد و التنزيه ، و قد أفصحوا عن ذلك بأقوال صريحة ، قاطعة ، محكمة ، جمعتها صحف أصحابهم ، و مؤلّفات أوليائهم ، و حفظتها صدور قوم مؤمنين ، و هم يتلونها على المنابر ، و في المجالس ، على ألسنة المبلّغين رسالات الله ، فتطمئنّ بها قلوب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . فهذا رسول الله سيّد الأنبياء و المرسلين صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول ـ و هو يخاطب الّذين قالوا : إنّ الله يحلّ في هياكل رجال كانوا على هذه الصور ـ : أخطأتم الطريق و ضللتم ، أما أنتم فقد وصفتم ربّكم بصفة المخلوقات ! أو يحلّ ربّكم في شيء ، حتى يحيط به ذلك الشيء ؟! فأيّ فرق بينه ـ إذن ـ و بين سائر ما يحلّ فيه من لونه ، و طعمه ، و رائحته ، و لينه ، و خشونته ، و ثقله ، و خفّته ؟؟ و لم صار هذا المحلول فيه محدثاً ، و ذلك قديماً ، دون أن يكون ذلك محدثاً و هذا قديماً ؟! (199) . و هذا أمير المؤمنين سيّد الموحّدين الإمام علي عليه السلام قد سبق كلّ الموحّدين في التوحيد الكامل ، و التنزيه الشامل ، في خطبه و بياناته ، و المعتزلة ـ المدّعون للسبق في ذلك ـ اعترفوا بأنّ خطب الإمام عليه السلام في بيان التشبيه و إثبات العدل أكثر من أن تحصى . قال يحيى بن حمزة العلوي ـ من أئمّة الزيديّة ـ : و أعظم كلامه ما حواه كتاب « نهج البلاغة » و قد تواتر نقله عنه ، و اتّفق الكلّ على صحّته ، و قد أورد فيه من الترغيب و الترهيب ، و التخويف و التقريب ، و المواعظ و الزجر ، و خلاص التوحيد ، و صريح التنزيه ، و لطاف الحكم ، و مغاصات الأفهام ، ما يبهر القرائح ، و تحار في إتقانه العقول ، و يذهل الفهم (200) .
الهامش (199) الاحتجاج ـ للطبرسي ـ : 27 . (200) مشكاة الأنوار ـ للعلوي ـ : 5 ـ 176 .
................ص85..............
فمن خطبة له : أوّل الدين معرفته ، و كمال معرفته التصديق به ، و كمال تصديقه توحيده ، و كمال توحيده الإخلاص له ، و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، و من قرنه فقد ثنّاه ، و من ثنّاه فقد جزّأه ، و من جزّأه فقد جهله ، و من أشار إليه فقد حدّه ، و من حدّه فقد عدّه ، و من قال : فيم ؟ فقد ضمّنه ، و من قال : علام ؟ فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كلّ شيء لا بمزيلة (201) . و في خطبة أخرى : الحمد لله الذي لا يموت ، و لا تنقضي عجائبه ، ... و لم تقع عليه الأوهام فتقدّره شبحاً ماثلاً ، و لم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقاله حائلاً ... (202) . و في ثالثة : الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ، و لا تحويه المشاهد ، و لا تراه النواظر ، و لا تحيط به السواتر ، الدالّ على قدمه بحدوث خلقه ، و بحدوث خلقه على وجوده ، و باشتباههم على ألاّ شبه له (203) . و قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام : من كان ليس كمثله شيء ، و هو السميع البصير ، كان نعته لا يشبه نعت شيء فهو ذاك (204) . وقال عليه السلام : إلهي يدك قدرتك ، و التقدير على غير ما به وصفوك ، و إني بريء يا إلهي من الّذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شيء إليهي ، و لن يدركوك ، و ظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك ، و في خلقك يا إلهي مندوحة أن يتناولوك ، بل سوّوك بخلقك ، و من ثم لم يعرفوك ، و اتّخذوا بعض آياتك
(201) نهج البلاغة : 239 ـ 40 ، الخطبة 1 ، و الاحتجاج ـ للطبرسي ـ م 199 ، و انظر مشكاة الأنوار : 177 . (202) التوحيد ـ للصدوق ـ : 31 . (203) نهج البلاغة : 269 الخطبة 185 ، مشكاة الأنوار : 176 . (204) بلاغة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام : 16 .
................ص86..............
ربّا فبذلك و صفوك ، تعاليت عمّا به المشبّهون نعتوك (205) . و قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ـ في جواب من قال : ما هو ؟ ـ : هو شيء بخلاف الأشياء ، أرجع بقولي « شيء » إلى إثبات معنى ، و انّه « شيء » بحقيقة الشيئيّة ، غير أنّه : لا جسم ، و لا صورة ، و لا يحسّ ، و لا يجسّ ، و لا يدرك بالحواس الخمس ، و لا تدركه الأوهام ، و لا تنقصه الدهور ، و لا يغيّره الزمان ... هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، و بصير بغير آله . و قد روى هذا الحديث : هشام بن الحكم (206) . و فيما قرفره الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام من الدين ، الذي عرضه عليه عبد العظيم الحسني : إنّ الله تبارك و تعالى واحد ، ليس كمثله شيء ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال و حدّ التشبيه ، و إنّه ليس بجسم و لا صورة و لا عرض و لا جوهر ، بل هو مجسّم الأجسام ، و مصوّر الصور ،و خالق الأعراض و الجواهر، و ربّ كلّ شيء (207) . و قال الإمام علي بن موسى الرضا
عليه السلام : ... لا تضبطه العقول ، و لا تبلغه الأوهام ، و لا تدركه الابصار ، و لا يحيط به مقدار ، عجزت دونه العبارة ، و كلّت دونه الأبصار ، و ضلّ فيه تصاريف الصفات ، احتجب بغير حجاب محجوب ، و استتر بغير ستر مستور ، عرف بغير رؤية ، و وصف بغير صورة ، و نعت بغير جسم ، لا إله إلاّ الله ، الكبير المتعال (208) . و قال الإمام الصادق على السلام : ... تعالى الله عمّا يصفه الواصفون المشبّهون الله تبارك و تعالى بخلقه ، المفترون على الله ، ... فانف عن الله البطلان و التشبيه ، فلا نفي ، و لا تشبيه ، هو الله ، الثابت الموجود ، تعالى الله عمّا يصفون
الهامش (205) بلاغة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام : 17 . (206) التوحيد ـ للصدوق ـ : 244 ـ 245 . (207) التوحيد ـ للصدوق ـ : 81 . (208) التوحيد ـ للصدوق ـ : 98 .
................ص87..............
الواصفون ... (209) . و الشيعة استهدوا بهدي أئمّتهم عليهم السلام في ذلك ، فهم يعتقدون بالتوحيد الكامل ، و التنزيه الخالص ، للخالق تعالى ، عن كلّ تجسيم أو شبه بخلقه . كما أنّهم يقولون بتوقيفيّة أسمائه تعالى ، فلا يطلقون اسماً عليه تعالى إلاّ ما ورد به الشرع المقدس . قال الصدوق رحمه الله : أسماء الله تبارك و تعالى لا تؤخذ إلاّ عنه أو عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم ، أو عن الأئمّة الهداة عليهم السلام (210) . و قال الشيخ المفيد : لا يجوز تسمية البارئ تعالى إلاّ بما سمّى نفسه في كتابه ، أو على لسان نبيّه صلّى الله عليه و آله و سلّم ، أو سمّاه به حججه من خلفاء نبيّه عليهم السلام ، و كذلك أقول في الصفات ، و عليه تطابقت الأخبار من آل محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم ، و هو مذهب جماعة من الإمامية و كثير من الزيديّة (211) . و قد خالف الجبّائي ـ من المعتزلة ـ في ذلك ، فكان يزعم أنّ العقل إذا دلّ على أنّ البارئ عالم ، فواجب أن نسمّيه عالماً، و إن لم يسمّ نفسه بذلك ، إذا دلّ على المعنى ، و كذلك في سائر الأسماء . و خالفه البغداديّون ـ من المعتزلة ـ فزعموا أنّه لا يجوز أن نسمّي الله عزّ و جلّ باسم قد دلّ على العقل على صحّة معناه إلاّ أن يسمّي نفسه بذلك (212) . و قد كانت هذه المسألة بالخصوص سبباً لانفصال أبي الحسن الأشعري عن المعتزلة ، حيث ناظر أستاذه الجبّائيّ فيها ، فقال الإشعري : إنّ طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعيّ ، دون القياس اللغويّ (213) .
الهامش (209) التوحيد ـ للصدوق ـ : 102 ح15 . (210) التوحيد ـ للصدوق ـ : 300 رقم 6 . (211) أوائل المقالات : 58 . (212) مقالات الإسلاميّين 2 / 185 . (213) مذاهب الإسلاميّين 1 / 501 .
................ص88..............
و بهذا انضمّ الأشاعرة إلى المسلمين في توقيفية الأسماء . و قد ذكر الغزّالي في هذا الباب تفصيلاً ، و هو يتحدّث عن اسم « الجسم » و هذا نصّه : ندّعي : أنّ صانع
العالم ليس بجسم ، لأنّ كلّ جسم فهو متألّف من جوهرى متحيّزين ... و نحن لا نعني بالجسم إلاّ هذا . فإن سمّاه « جسماً » و لم يرد هذا المعنى ، كانت المضايقة معه بحقّ اللغة ، أو بحقّ الشرع ، لا بحقّ العقل : فإنّ العقل لا يحكم في إطلاق الألفاظ و نظم الحروف و الأصوات التي هي اصطلاحات (214) . و قال في موضع آخر : العقل عندنا لا يوجب الامتناع من إطلاق الألفاظ ، و إنّما يمنع عنه : إمّا لحقّ اللغة ، و إمّا لحقّ الشرع : أمّا حقّ اللغة : فذلك إذا ادّعى أنّه موافق لوضع اللسان ، فيبحث عنه ، فإن ادّعى واضعه له أنّه اسمه على الحقيقة ، أي واضع اللغة وضعه له فهو كاذب على اللسان ، و إن زعم أنّه استعاره ، نظراً إلى المعنى الذي به شارك المستعار منه ، فإن صلح للاستعارة لم ينكر عليه بحقّ اللغة ، و إن لم يصلح قيل له : أخطأت على اللغة ، و لا يستعظم ذلك إلاّ بقدر استعظام صنيع من يبعد في الاستعارة ، و النظر في ذلك لا يليق بمباحث المعقول . و أمّا حقّ الشرع ، و جواز ذلك و تحريمه ; فهو بحث فقهي يجب طلبه على الفقهاء ، إذ لا فرق بين البحث عن جواز إطلاق الألفاظ من غير إرادة معنى فاسد ، و بين البحث عن جواز الأفعال . و فيه رأيان : أحدهما : أن يقال : لا يطلق اسم في حقّ الله تعالى إلاّ بالإذن ، و هذا لم يرد فيه إذن .
الهامش (214) الاقتصاد ـ للغزّالي ـ 21 .
................ص89..............
و ثانيهما : أن يقال : لا يحرم إلاّ بالنهي ، و هذا لم يرد فيه نهي . فينظر : فإن كان يوهم خطأ ، فيجب الاحتراز منه ، لأنّ إيهام الخطأ في صفات الله تعالى حرام . و إن لم يوهم خطأ لم يحكم بتحريمه . فكلا الطريقين محتمل . ثم الإيهام يختلف باللغات و عادات الاستعمال ، فربّ لفظ يوهم عند قوم ، و لا يوهم عند غيره (215) . و أجمع ما رأيت بهذا الصدد ما ذكره الشيخ الشهيد ، و نقله الكفعمي ، و هذا نصّه : هنا فائدة يحسن بهذا المقام أن نسفر قناعها ، و نحدر لفاعها ، و هي : أن الأسماء التي ورد بها السمع ، و لاشيء منها يوهم نقصاً يجوز إطلاقها على الله تعالى إجماعاً . و ما عدا ذلك ، فأقسامه ثلاثة : الأول : ما لم يرد به السمع و يوهم نقصاً فيمتنع إطلاقه على الله تعالى إجماعاً ، كالعارف ، و العاقل ، و الفطن ، والذكيّ . لأنّ المعرفة قد تشعر بسبق فكرة ، و العقل هو المنع عمّا لا يليق ، و الفطنة و الذكاء يشعران بسرعة الإدراك لما غاب عن المدرك . و كذا المتواضع : لأنّه يوهم الذلّة ، و العلامة : لأنّه يوهم التأيث ، و الداري : لأنّه يوهم تقدّم الشكّ . و ما جاء في الدعاء من قول الكاظم عليه السلام ـ في دعاء يوم السبت ـ « يا من لا يعلم و لا يدري كيف هو ؟ إلاّ هو » يوهم (216) جواز هذا ، فيكون مرادفاً للعم .
الهامش (215) الاقتصاد ـ للغزّالي ـ : 20 ـ 21 . (216) كلمة « يوهم » ساقطة من نسخة المصباح ، و واردة في قواعد الشهيد .
................ص90..............
الثاني : ما ورد به السمع ، و لكنّ إطلاقه في غير مورده يوهم النقص ، فلا يجوز ، كأن يبقول : يا ماكر ، و يا مستهزئ ، أو يحلف به . قال الشهيد رحمه الله في قواعده : و منع بعضهم أن يقول : « اللّهمّ أمكر بفلان » و قد ورد في دعوات المصباح : اللّهم استهزئ به ول اتستهزئ بي » . الثالث : ما خلا عن الإيهام ، إلاّ أنّه لم يرد به السمع ، كالنجيّ ، و الأريحيّ . قال الشهيد رحمه الله : و الأولى التوقّف عمّا لم يثبت التسمية به ، و إن جاز أن يطلق معناه عليه (217) . إذا عرفت ذلك ، فنقول : قال الشيخ نصير الدين أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ـ قدّس الله سرّه ـ في فصوله : كلّ اسم يليق بجلاله ، و يناسب كماله ممّا لم يرد به إذن يجوز إطلاقه عليه تعالى ، إلاّ أنّه ليس من الأدب ، لجواز أن لا يناسبه تعالى من وجه آخر (218) . قلت : فعنده يجوز أن يطلق عليه الجوهر ، لأنّ الجوهر قائم بذاته ، غير مفتقر إلى الغير ، و الله تعالى كذلك . و قال الشيخ علّي بن يوسف بن عبد الجليل في كتاب« منتهى السؤول » : لا يجوز أن يطلق على الواجب تعالى صفة لم يرد في الشرع المطهّر إطلاقها عليه ، و إن صحّ اتّصافه بها معنى ، كالجوهر ، مثلاً ، بمعنى القائم بذاته ، لجواز أن يكون في ذلك مفسدة خفيّة لا نعلمها ، فإنّه لا يكفي في إطلاق الصفة على الموصوف ثبوت معناها له ، فإنّ لفظتي : « عزّ » و « جلّ » لا يجوز إطلاقهما على النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و إن كان عزيزاً جليلاً في قومه ، لأنّهما يختصّان بالله تعالى ، و لولا عناية الله ورأفته بعباده ، في
الهامش (217) القواعد و الفوائد 2 / 176 ـ 178 . (218) الفصول النصيرية : 17 ـ 18 .
................ص91..............
إلهام أنبيائه أسماءه ، لما جسر أحد من الخلق و لا يهمّ ، في إطلاق شيء من هذه الأسماء و الصفات عليه سبحانه . قلت : هذا القول أولى من قول صاحب « الفصول » المتقدّم آنفاً ، لأنّه إذا جاز عدم المناسبة ـ و لا ضرورة داعية إلى التسمية ـ وجب الامتناع ما لم يرد به نصّ شرعيّ من الأسماء ، و هذا معنى قول العلماء : « إنّ أسماء الله تعالى توقيفيّة » أي موقوفة على النصّ و الإذن الشرعيّ (219) . و أمّا موقف هشام من مسألة الأسماء : و بعد أن عرفنا أنّ هشاماً لم يخالف الحقّ في مسألة التوحيد و التنزيه ، و لكنّه كان له رأي خاصّ في كلمة « الجسم » حيث كان يطلقها على البارئ تعالى على معنى « شيء موجود » في مقولته : « جسم لا كالأجسام » فهي عنده بمعنى « شيء لا كالأشياء » فخلافه منحصر في إطلاق اسم « الجسم » على البارئ من دون إرادة معناه المعروف . و عرفنا ـ أيضاً ـ أنّ أعلام الشيعة و كافّة الفرق الإسلامية اعترفوا بعدم دلالة هذه المقولة على التجسيم المعنويّ لله تعالى . لكن ، بما أنّ الحقّ في الأسماء أنّها توقيفية ، فلا يجوز إطلاق أي اسم على البارئ تعالى إلاّ بتوقيف ، و ورد إذن من
الشرع بذلك ، و قد اتّققت كلمة المسلمين ، إلاّ من شذّ ، على ذلك كما ذكرنا . و قد تفرّد هشام من بين الطائفة بمخالفته في كلمة « الجسم » حيث اصطلح لها معنى « الشيء » فأطلقها على البارئ تعالى في مقولته . فأصبح لذلك مورداً للنقد الشديد من قبل الأئمّة عليهم السلام و العلماء ،
الهامش (219) المصباح ـ للكفعمي ـ : 8 ـ 339 .
................ص92..............
و تركّز نقدهم له على هذه النقطة بالذات ، يعني مخالفته للطائفة في إطلاق الإسلم على البارئ تعالى ، كما قال المفيد : كان هشام بن الحكم شيعيّاً و إن خالف الشيعة كافّة في أسماء الله تعالى (220) . ففي حديث محمد بن الفرج الرخجي ، قال : كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام ، أسأله عمّا قال هشام بن الحكم في « الجسم » ؟ و هشام بن سالم في « الصورة » ؟ فكتب عليه السلام : دع عنك حيرة الحيران ، و استعذ بالله من الشيطان ، ليس القول ما قال الهشامان (221) فالملاحظ أنّ المنسوب إلى هاشم في كلام الراوي هو « القول في الجسم » لا « القول بالجسم » ـ و معناه : أنّ له مقالة في لفظ « الجسم » و أنّه يعني به غير ما هو المفهوم المتعارف منه . و إلاّ ، فالذي يقول بالتجسيم الاعتقادي ، فهو يقول : إنّه جسم كالأجسام ؟ بينما هشام يقوله : أنّه لا كالأجسام . و الحاصل : أنّ الفرق واضح في الجسم ، و بين القول بالجسم ، كما أشرنا سابقاً . و يمكن استفادة التركيز على هذه الجهة ـ أي كون خلاف هشام في مسألة اللفظ ـ من قول الإمام عليه السلام : « ليس القول ما قال الهشامان » حيث جعل التركيز في النفي على القول ، فلاحظ . و يدلّ على أنّ الروايات المتهجّمة على هشام ، إنّما تنظر إلى قضيّة مخالفة هشام في الأسماء و اللفظ ، أنّها احتوت على المقولة ، ثم عقّب فيها الإمام عليه السلام بما ذكره عن التجسيم ، كما في حديث الحمّاني قال : قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام : إنّ هشام بن الحكم زعم : أنّ الله « جسم ليس كمثله شيء » عالم ،
الهامش (220) أوائل المقالات : 43 . (221) التوحيد ـ للصدوق ـ : 97 ح 2 .
................ص93..............
سميع ، بصير ، قادر ، متكلّم ، ناطق ، و الكلام و القدرة و العلم تجري مجرى واحداً ، ليس شيء منها مخلوقاً . فقال : قالته الله ، أما علم أنّ الجسم محدود ، و الكلام غير المتكلّم ، معاذ الله و أبرأ إلى الله من هذا القول ، لا جسم ، و لا صورة ، و لا تحديد ، و كلّ شيء سواه مخلوق ، و إنّما تكون الأشياء بإرادته و مشيئته من غير كلام ، و لا تردّد في نفس ، و لا نطق بلسان (222) . فإنّ المقولة على مصطلح هشام لا تدلّ على التجسيم المعنويّ ، كما أثبتنا مفصّلاً ، فلا يكون كلام الإمام عليه السلام متوجّهاً إلى هذه الجهة ، بل إلى جهة المخالفة في كلامه ، و هي مشكلة إطلاقه اسم الجسم على البارئ تعالى . و كذلك رواية يونس بن ظبيان ، قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له : إنّ هشام بن الحكم يقول
قولاً عظيماً ، إلاّ أنّي أختصر لك منه أحرفاً ، يزعم : أنّ الله جسم ، لأنّ الأشياء شيئان : جسم و فعل الجسم ، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل ، و يجوز أن يكون بمعنى الفاعل . فقال أبو عبد الله عليه السلام : ويله ، أما علم أنّ الجسم محدود متناه ، و الصورة محدودة متناهية ، فإذا احتمل الحدّ احتمل الزيادة و النقاصن ، و إذا احتمل الزيادة و النقصان كان مخلوقا . قال : قلت : فما أقول ؟ قال : لا جسم ، و لا صور ، و هو مجسّم الأجسام ، و مصوّر الصور ، لم يتجزّأ و لم يتناها ، و لم يتزايد ، و لم يتناقص (223) . و لكان كما يقول ، لم يكن بين الخالق و المخلوق فرق ، و لا بين المنشئ و المنشأ ، لكن هو المنشئ ، فرق بين من جسّمه و صوّره و أنشأه ، إذ كان لا يشبهه
الهامش (222) التوحيد ـ للصدوق ـ : 100 ح 8 . (223) إلى هنا أورد المفيد في الحكايات : 132 .
................ص94..............
شيء و لا يشبه شيئاً (224) . فكلام الإمام عليه السلام « و يله ... إلى آخره » بعد دليل مصطلح هشام الذي هو الأساس لمقولته ، و قد عرفنا أنّ المقولة لا تدلّ إلاّ على التجسيم اللفظي و الاسمي ، فمقصود الإمام عليه السلام الاستنكار على هشام أن يستعمل كلمة الجسم ـ و لو على مصطلحه ـ اسماً للبارئ تعالى ، مع أنّ المفهوم العرفي العامّ للكلمة هو المحدود المتناهي ! و رواية الصقر بن أبي دلف ، قال : سألت أبا الحسن ( الهادي ) علي بن محمد ابن علي بن موسى الرضا عليهم السلام عن التوحيد ، و قلت له : إنّي أقول بقول هشام ابن الحكم ؟ فغضب عليه السلام ثم قال : ما لكم و لقول هاشم ! إنّه ليس منّا من زعم أنّ الله عزّ و جلّ « جسم » و نحن منه براء في الدنيا و الآخرة . يابن أبي دلف : إنّ الجسم محدث ، و الله محدثه و مجسّمه (225) . حيث جعل المدار فيها على « قول هشام » و قد عرفنا أنّ قوله هو التجسيم الاسمي دون المعنوي . و لعلّ ما ورد في الروايات من نسبة القول بالجسم ( بنحو مطلق ) إلى هاشم ، من أثر عدم درك بعض الرواة لمقولة هشام بشكلها الدقيلق و تصوّرهم أنّه يقول بالتجسيم المنصرف إلى الحقيقي ، و عرضهم ذلك على الأئمّة عليهم السلام ، فكان ذلك يستدعي هجوم الأئمّة على ذلك ، و على المنقول عنه الذي هو هشام (226) . و كذلك يمكن حمل الروايات المتضمّنة لاختلاف الأصحاب في الجسم و الصورة ، على تنازعهم في إطلاق لفظي « الجسم » أو الصور » عليه تعالى لا القول
الهامش (224) التوحيد ـ للصدوق ـ : 99 ح 7 . (225) التوحيد ـ للصدوق ـ : 104 ح 8 . (226) التوحيد ـ للصدوق ـ : 98 ح 4 و 99 و ح 6 .
................ص95..............
بأنّه جسم أو صورة (227) . لوضوح كون هذا القول كفراً مخرجاً عن الملّة ، فكيف يمكن أن يقع في الطائفة نزاع كبير في ذلك ، و هو لم ينقل عن أحد رجال
الشيعة ، كما نقل عن بعضهم القول بإطلاق اسم « الجسم » . ثم إنّ رواية نقلها الكشّي ، تحدّث فيها عن مخاصمة جميع من كبار الأصحاب فيما اختلفوا فيه من التوحيد وصفة الله عزّ و جلّ ، فكتب أحدهم إلى أبي الحسن موسى الكاظم عليه السلام يحكي له مخاطبتهم و كلامهم و سيأله أن يعلّمه : ما القول الذي ينبغي أن ندين الله به من صفة الجبّار ؟ فأجابه في عرض كتابه : إنّ الله أجلّ و أعلى و أعظم من أن يبلغ كنه صفته ، فصفوه بما وصف به نفسه ، وكفّوا عمّا سوى ذلك (228) . فالظاهر من السؤال و الجواب، هو أنّ البحث و المناظرة و الخلاف الواقع بين الأصحاب إنّما كان في إطلاق الصفات على الله تعالى . و هذا القدر من تصرّف هشام ، في لفظ « جسم » و لو بالتواضع و الإصطلاح لم يكن مستساغاً من شخصية علميّة عظيمة مثل هشام ، لأنّ شخصاً مقتدراً قد تسنّم القمّة الشمّاء في علم الكلام ، و المناظرة ، و هو منسوب إلى مذهب الشيعة ، مذهب أهل البيت عليهم السلام لا بدّ أن لا يغفل عن أنّ الأعداء مترصّدون له و لأمثاله من أنصار الحقّ ، لاقتناص أيّة كلمة ، ليقيموا الدنيا ولا يقعدوها ، و يجعلوا من الحبّة قبّة ـ كما يقول المثل ـ و يغروا بنا كلابهم ، و يثيروا علينا غوغاءهم ، و يتّهموا كلّ الطائفة ، من أولها إلى آخرها ، حتى الأئمّة الأطهار سلام الله عليهم دعائم العدل و التوحيد . فكان لا بدّ لهشام أن يتأبّى من استعمال هذه الكلمة لأنّها مدعاة لاتّهامه بالتجسيم ، و مغرية للجهلة بالهجوم عليه ، و على الطائفة التي ينتمي إليها .
الهامش (227) التوحيد ـ للصدوق ـ : 100 ح9 و 101 ح 12 و 13 و 14 . (228) اختيار معرفة الرجال : 279 ـ 280 ح 500 .
................ص96..............
فمع أنّا عرفنا أنّ المقولة « جسم لا كالأجسام » ليست إلاّ دليلاً على التنزيه ، نافيه لحدّ التعطيل و حدّ التشبيه ، و بالرغم من اعتراف كافّة الفرق الإسلامية بأنّها لا تدلّ على التجسيم الحقيقي ، و إن دلّت على التجسيم اللفظي الإسلامي ، فمع كلّ هذا نجد أنّ أصحاب الفرق قد حاكوا تلك الحكايات البشعة ضدّ هشام ونسبوها إليه زوراً و بهتاناً ، و اختلقوا مذهباً و هميّاً نسبوه إليه باسم « الهاشميّة » ، إلى آاخر الترّهات التي يندى لها الجبين . فلأجل مثل هذه الغفلة من هشام ، هذه الغفلة التي سبّبت للأئمّة عليهم السلام هذه المشاكل ، و للطائفة هذه العراقيل و الاتّهامات ، مما كانت في غنى عنه ، لجأ الأئمّة عليهم السلام إلى توجيه العتاب الشديد إلى هشام و محاسبته على ذلك حساباً عسيراً ، دفعاً للاتّهامات الواردة على الشيعة . كما أنّ ما ذكره الأئمّة عليهم السلام فيه توجيه للأمّة إلى الحق في عقيدة التوحيد ، و نفي التجسيم عن ساحة عقيدتهم ، و في كثير منها توجيه بشكل أو آخر إلى أنّ فعل هشام إنّما كان مصطلحاً خاصّاً به ، و أنّ إطلاقه كلمة « الجسم » كان على خلاف رغبة الشارع و إذنه ، دون أن يكون له قول بالتجسيم الحقيقي . و مهما يكن سبب تصرّف هشام هذا ، و سبب صدور هذه المقولة منه ، فإنّ تسبيبها
لمشاكل على الطائفة ممّا لا يرتاب فيه ، و هي زلّة منه بلا ريب . إلاّ أنّ من الأعلام من يعتقد أنّه قد رجع حتّى عن التجسيم بالاسم . قال الشيخ المفيد : و قد روي أنّه رجع عن القول بعد ذلك (229) . و قال الكراجكي : و أمّا موالاتنا هشاماً فهي لما شاع منه و استفاض من تركه القول بالجسم الذي كان ينصره ، و رجوعه عنه ، و إقراره بخطئه فيه ، و توبته منه (230) . و قد يؤيّد هذا بما روي عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن أسماء الله عزّ و جلّ و اشتقاقها ؟
الهامش (229) الحكايات : 131 . (230) كنز الفوائد ـ الكراجكي ـ : 197 .
................ص97..............
فقال له : « الله » مستق من « إله » و « إله » يقتضي مألوهاً ، و الاسم غير المسمّى ، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر و لم يعبد شيئاً ، و من عبد الاسم و المعنى فقد أشرك و عبد الاثنين ، و من عبد المعنى دون الاسم فذاك « التوحيد » . أفهمت يا هشام . قال : قلت : زدني . قال : لله عزّ و جلّ تسعة و تسعون اسماً ، فلو كان الاسم هو المسمّى لكان كلّ اسم منها هو إلهاً ، و لكنّ الله عزّ و جلّ معنى يدلّ عليه بهذه الأسماء و كلّها غيره . يا هشام ، الخبز اسم للمأكول ، و الماء اسم للمشروب ، و الثوب اسم للمبلوس ، و النارس اسم للمحرق . أفهت يا هشام فهماً تدفع به عنّا و تنافر أعدائنا و الملحدين في الله و المشركين مع الله عزّ و جلّ غيره . قلت : نعم . فقال : نفعك الله به ، و ثبّتك ، يا هشام . قال هشام : فو الله ما قهرني أحد في التوحيد حينئذ حتى قمت مقامي هذا (231) . و لا يظنّ بهشام : أن يكون بعد هذا الحديث الشريف ممّن يصّر على القول في التجسيم بمصطلحه الخاصّ ، أي التجسيم اللفظي الاسمي . و كذلك دعاء الإمام عليه السلام له بالثبات ، فإنّ ذلك لا يمكن أن يكون لم يخالف النصوص و يلتزم بالتجسيم اللفظي المخالف لمسألة توقيفية الأسماء ، كما شرحناه . مضافاً إلى أنّ ما ورد في مدح هشام على لسان الأئمّة و العلماء حتى المعاصرين
الهامش (231) التوحيد ـ للصدوق ـ : 220 ح 13 .
................ص98..............
يدلّ على عظمة هشام ، و قوّته في العلم و العمل ، بما لا يصحّ معه فرض مخالفته في أمر الأسماء إلى حدّ العتاب ! فهذا المدح يكشف عن رجوعه إلى الحقّ حتى في أمر الأسماء ، ذلك الموضوع الذي أدّى إلى حزازة استنكرت على هذا المفكّر العلماق ، فبّرأ بالتوبة المنقولة ساحته عن كلّ تهمة و شبهة . و قد أفصحت نصوص مادحة له عن أكثر من ذلك : فقد قال المفيد : هشام بن الحكم كان من أكبر أصحاب أبي عبد الله جعفر ابن محمد عليه السلام ، و كان فقيهاً ، و روى حديثاً كثيراً ، و صحب أبا عبد الله عليه السلام و بعده أبا الحسن موسى عليه السلام ، و بلغ من مرتبته و علوّه عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام ، أنّه دخل عليه بمنى ، و هو غلام ، أول ما اختطّ عارضاه ، و في مجلسه شيوخ الشيعة
... فرفعه على جماعتهم ، و ليس فيهم إلاّ من هو أكبر سناً منه ، فلمّا رأى أبو عبد الله عليه السلام أنّ ذلك الفعل قد كبر على أصحابه قال : هذا ناصرنا بقلبه ، و لسانه ، و يده (232) . و روى المفيد عن الصادق عليه السلام أنّه قال لهشام : مثلك من يكلّم الناس (233) . و قال المرتضى : و ممّا يدلّ على براءة هشام من هذه التهم : ... ما روي عن الإمام الصادق في قوله عليه السلام : هشام بن الحكم رائد حقّنا ، و سابق قولنا ، المؤيّد لصدقنا ، و الدامغ لباطل أعدائنا ، من تبعه و تبع أثره تبعنا ، و من خالفه ، و ألحد فيه فقد عادانا و ألحد فينا (234) . و قال ابن النديم : هشام بن الحكم ... من جلّة أصحاب أبي عبد الله جعفر ابن محمد عليه السلام ، و هو من متكلّمي الشيعة الإمامية ، و بطائنهم ، و ممّن دعا له
(232) الفصول المختار : 28 . (233) تصحيح الاعتقاد : 218 ، و الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 . (234) الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 ، و معالم العلماء : 128 رقم 862 .
................ص99..............
الصادق عليه السلام ، فقال : أقول لك ما قال رسول الله صلّى الله عليه و آله لحسّان ; لا تزال مؤيّداً بروح القد ما نصرتنا بلسانك » (235) . و في هذا الحديث إيماء إلى زلّة هشام في مسألة اللفظ ، التي تبرأ منها برجوعه و يدلّ على ذلك بوضوح ما قاله زميله المتكلّم العظيم علي بن إسماعيل الميثمي ـ لمّا بلغه مطاردة الخليفة هارون العبّاسي لهشام ـ : إنّا لله و إنّا إليه راجعون ، على ما يمضي من العلم إن قتل ، فلقد كان عضدنا و شيخنا ، و المنظور إليه بيننا (236) . و لئن استغلّ الأعداء بعمد ، و بعض المغفّلين من دون قصد ، ظاهر المقولة في التهجّم على هشام ، فالأمل أن نكون قد وفّقنا في هذا البحث لأن نبدي جانباً من عظمة الرجل ، و براءته من كلّ ما اتّهموه به ، بشرحنا للمقولة ، على مصطلحه . و إلى هنا نطوي نهاية البحث ، و نسأل الله التوفيق للدفاع عن الحقّ و أهله و آخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين .
الهامش (235) الفهرست ـ للنديم ـ : ـ التكملة ـ : 224 ، و انظر : الشافي ـ للمرتضى ـ : 12 . (236) اختيار معرفة الرجال : 263 رقم 477 .
................ص100..............
المصادر و المراجع 1 ـ الاحتجاج على أهل اللجاج . تأليف : أبي منصور ، أحمد بن علي بن أبي طالب ، الطبرسي (ق 6) . تحقيق السيد محمد باقر الموسوي الخرسان ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت 1403 هـ . 2 ـ الاختلاف في اللفظ و الردّ على الجهميّة و المشبّهة . تأليف : عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينوري (ت 276) . تعليق و تصحيح : الشيخ محمد زاهد الكوثري ، مكتبة القدسي ـ مصر 1349 هـ . 3 ـ اختيار معرفة الرجال ، ( المعروف برجال الكشّي ) . اختصار الشيخ الطوسي أبي جعفر ، محمد بن الحسن الطوسي (ت 460) . تحقيق الشيخ
حسن المصطفوي ـ مشهد 1968 . 4 ـ الاقتصاد في الاعتقاد . تأليف : الغزّالي محمد الطوسي ، الطبعة الأولى ، مكتبة الحسين / القاهرة . 5 ـ الانتصار في الردّ على « فضيحة المعتزلة » لأبن الراوندي . تأليف : أبي الحسين ، عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخيّاط المعتزلي . تحقيق د . نيبرج السويدي . دار قابس . دمشق 1986 . 6 ـ الأنساب . تأليف : السمعاني ، عبد الكريم بن محمد التميمي ( ت 562 ) . نشر : مرجليوث ، ليدن 1912 . اعادته مكتبة المثنى ـ بغداد . 7 ـ أوائل المقالات في المذاهب المختارات . تأليف : الشيخ المفيد أبي عبد الله ، محمد بن محمد بن النعمان البغدادي (ت 413) . تقديم : الشيخ فضل الله الزنجاني ، المطبعة الحيدرية ـ النجف 1393 . 8 ـ الإيمان . مجلّة شهرية أصدرها الشيخ موسى اليعقوبي ، في النجف ، السنة الأولى 1383 هـ . 9 ـ بلاغة الإمام علي بن الحسين عليه السلام . تأليف : الشيخ جعفر عبّاس الحائري .
................ص101..............
الطبعة الثانية ـ مطبعة كربلاء ـ كربلاء 1383 هـ . 10 ـ تاريخ الجهمية و المعتزلة . تأليف : الشيخ جمال الدين القاسمي الطبقة الثانية ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1405 هـ . 11 ـ تاريخ الفرق الإسلامية . تأليف : علي مصطفى الغرابي . مطبعة محمد علي صبيح ـ القاهرة ، الطبعة الثانية 1378 هـ . 12 ـ تأويل مختلف الحديث . تأليف : عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكاتب الدينوري (ت 276) . تحقيق : محمد زهيري النّجار ـ دار الجيل ـ بيروت 1393 هـ . 13 ـ تراثنا . مجلّة فصلية تصدر عن مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم . 14 ـ التعريفات . تأليف : السيد الشريف الجرجاني علي بن محمد ، الطبعة الأولى ، المطبعة الخيرية ـ القاهرة 1306 . 15 ـ تفسير القمي . تأليف : الشيخ علي بن إبراهيم أبي الحسن القمي . 16 ـ تكملة ديوان الأصول ، لأبن رشيد . تأليف : الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة . مطبعة دار الكتب ـ القاهرة 1969 . 17 ـ تلبيس إبليس أو نقد العلم و العلماء . تأليف : عبد الرحمن أبي الفرج ابن الجوزي ( ت 597) . تصحيح : محمد منير الدمشقي . إدارة الطباعة المنيرية ـ مصر . 18 ـ التنبيه و الردّ على أهل الأهواء و البدع . تأليف : محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي ( ت 377) .
................ص102..............
تقديم و تعليق : الشيخ محمد زاهد الكوثري . مكتبة المعارف ـ بيروت 1388 هـ . 19 ـ تنقيح المقال في أحوال الرجال . تأليف : الشيخ عبد الله المامقاني (ت 1351) . المطبعة المرتضوية ـ النجف 1352 . 20 ـ التوحيد . تأليف : اليخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين القمي (ت 385) . تعليق : السيد هاشم الحسيني الطهراني . مكتبة الصدوق ـ طهران 1398 . 21 ـ الحكايات . إملاء الشيخ المفيد على السيد الشريف المرتضى . تحقيق : السيد محمد رضا الحسيني
، نشر في مجلّة ( تراثنا ) الفصلية ـ الصادرة عن مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم العدد (17) سنة 1409 هـ . 22 ـ الحور العين . تأليف : الأمير أبي سعيد بن نشوان الحميري ( ت 573) . تحقيق : كمال مصطفى ـ أعيد طبعه في طهران 1973 . 23 ـ ديوان الاصول . تأليف : أبي رشيد ، سعيد بن محمد النيسابوري . تحقيق : د . محمد عبد الهادي أبو ريدة . مطبعة دار الكتب ـ القاهرة 1969 . 24 ـ رجال البرقي . المنسوب إلى أحمد بن أبي عبد الله البرقي ! منشورات جامعة طهران 1962 ـ طهران . 25 ـ الرجال . تأليف : الحسن بن علي بن داود ، تقي الدين الحلّي ( ت بعد 707) . تحقيق : السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه الله . المطبعة الحيدرية ـ النجف 1392 . 26 ـ النجاشي .
................ص103..............
تأليف : أحمد بن علي بن أحمد بن العبّاس الأسدي الكوفي (ت 450) . تحقيق : السيد موسى الزنجاني . مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم 1407 . 27 ـ سير أعلام النبلاء . للهذبي . دار الرسالة . 28 ـ الشافي . للسيد الشريف المرتضى ، علم الهدى ، علي بن الحسين الموسوي (ت 436) . طبعة الحجر ـ إيران . 29 ـ الشامل في أصول الدين . للجويني . ط . ريتر ـ الاسكندرية ـ مصر . 30 ـ شرح أسماء الله الحسنى = لوامع البيّنات ، للرازي . 31 ـ شرح الأصول الخمسة . تأليف : القاضي عبد الجبّار بن أحمد . تحقيق : د . عبد الكريم عثمان : مكتبة وهبة ـ القاهرة 1384 هـ . 32 ـ شرح المواقف . للسيد الشريف ، طبعة تركيا . 33 ـ شرح نهج البلاغة . لابن أبي الحديد المعتزلي . تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم . 34 ـ الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة و الكلاميّين . (حاشية الشيخ محمد عبده على شرح الدوّاني للعقائد العضدية ) تحقيق : د . سليمان دنيا . دار إحياء الكتب العربية ـ 1377 هـ . 35 ـ الصواعق المحرقة . تأليف : أحمد بن حجر الهيتمي المكّي (ت 974) .
................ص104..............
المطبعة الميمنية ـ مصر 1312 هـ . 36 ـ الصلة بين التشيّع و التصوّف . تأليف : د . كامل مصطفى الشيبي . الطبعة الثانية ـ دار المعارف ـ مصر 1969 . 37 ـ ضحى الإسلام . تأليف : أحمد أمين . الطبعة السابعة مكتبة النهضة المصرية ـ 1964 . 38 ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري . تأليف : أبن حجر العسقلاني . 39 ـ الفرق بين الفرق . تأليف : عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي التميمي (ت 439) . تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ـ مكتبة محمد علي صبيح ـ القاهرة . 40 ـ الفصل في الملل و الأهواء و النحل . تأليف : علي بن حزم الأندلسي الظاهري (ت 456) . طبع مصر ، و أعادته مكتبة المثنى ـ بغداد . 41 ـ الفصول المختارة من العيون و المحاسن . اختيار السيد الشريف المرتضى . المطبعة الحيدرية ـ النجف ، و أعادته مكتبة الداوري ـ قم . 42 ـ الفصول
النصيرية ( فصول العقائد ) . تأليف : الخواجة نصير الدين الطوسي طبع بالمطبعة الرحمانية بمصر 1341 هـ . 43 ـ الفكر الشيعي و النزعات الصوفية . تأليف : د . كامل مصطفى الشيبي . الطبعة الأولى ـ مكتبة النهضة ـ بغداد 1386 هـ . 44 ـ الفهرست . تأليف : الشيخ الطوسي محمد بن الحسن أبي جعفر (ت 460) .
................ص105..............
صحّحه و علّق عليه : السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه الله المطبعة الحيدرية ـ النجف : 138 هـ . 45 ـ الفهرست . تأليف : أبي الفرج محمد بن إسحاق النديم الورّاق تحقيق : رضا تجدّد ـ طهران 1391 . 46 ـ في التوحيد = ديوان الأصول لأبي رشيد . 47 ـ القواعد . تأليف : الإمام الشيخ محمد بن مكّي الشهيد الأول ( المقتول عام 786) . تحقيق : الشهيد السيد عبد الهادي الحكيم رحمه الله . منشورات مكتبة المفيد ـ قم . 48 ـ الكافي . تأليف : الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الرازي ، الشهير بالكليني (ت 329) . دار الكتب ـ طهران . 49 ـ كلمة حول الرؤية . للسيد الإمام شرف الدين العاملي (ت 1377) . مطابع النعمان / النجف 1387 هـ . 50 ـ كنز الفوائد . تأليف : الكراجكي . 51 ـ لسان الميزان . تأليف : ابن حجر العسقلاني . طبع حيدر آباد ـ الهند ، أُفست مؤسسة الأعلمي . 52 ـ اللمع . تأليف : الأشعري . 53 ـ اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية . تأليف : جمال الدين المقداد بن عبد الله الأسدي السيّوري الحلّي (ت 826) . تحقيق : الشهيد السيّد محمد علي القاضي الطباطبائي ـ تبريز 1396 هـ .
................ص106..............
54 ـ لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى و الصفات ( طبع باسم : شرح أسماء الله الحسنى ) . تأليف : الرازي محمد بن محمد الخطيب الرازي فخر الدين ( ) . راجعه : طه عبد الرؤوف سعد ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت 1404 . 55 ـ مذاهب الإسلاميّين . تأليف : د . عبد الرحمن بدوي . الجزء الأول ، دار العلم للملايين ـ بيروت 1971 م . 56 ـ مروج الذهب و معادن الجوهر . تأليف : أبي الحسن ، علي بن الحسين المسعودي ( ت ) . طبع بيروت في 7 أجزاء . 57 ـ مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار . تأليف : الإمام يحيى بن حمزة العلوي (ت 745) . تحقيق : محمد السيد الجليند ـ دار الفكر الحديث القاهرة 1973 م . 58 ـ المصباح ( جنّة الأمان الواقيعة ) تأليف : تقي الدين إبراهيم بن علي العاملي الكفعي . الطبعة الثالثة ـ مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1403 هـ . 59 ـ معالم العلماء . تأليف : ابن شهر آشوب محمد بن علي المازندراني (ت 588 ) . تحقيق : السيد محمد صادق بحر العلوم ـ المطبعة الحيدرية ـ النجف 1380 هـ . 60 ـ معجم رجال الحديث . تأليف : الإمام الخوئي السيد أبو القاسم الموسوي دام ظلّه . الطبعة الأولى ـ النجف . 61 ـ معجم مقاييس اللغة . لأبن فارس . 62 ـ المغني في أبواب العدل و التوحيد . تأليف : القاضي عبد الجبار بن أحمد
المعتزلي الأسد آبادي (ت 415) . تحقيق : محمود محمد الخضيري ـ المؤسسة المصرية ـ 1958 م .
................ص107..............
63 ـ مغني اللبيب عن كتب الأعاريب . لابن هشام الأنصاري ، مراجعة الأفغاني . 64 ـ مقالات الإسلاميّين و اختلاف المصلّين . تأليف : الأشعري ، أبي الحسن علي بن إسماعيل (ت 324) . تصحيح : هلموت ريتر ـ الطبعة الثالثة ، دار النشر فرانز ـ بفيسبادن 1400 هـ . و تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ـ مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة 1369 هـ . 65 ـ الملل و النحل . تأليف : الشهرستاني محمد عبد الكريم . تحقيق : عبد العزيز محمد الوكيل . مؤسسة الحلبي و شركاه ـ القاهرة 1387 هـ . 66 ـ المواقف . للأيجي ، مع شرحه للسيد الشريف . 67 ـ نهج البلاغة ، مع كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلم . جمع : السيد الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي (406) . تحقيق : د . صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني ـ بيروت 1387 هـ . 68 ـ هشام بن الحكم استاذ القرن الثاني في الكلام و المناظرة . تأليف : الشيخ عبد الله نعمة ـ بيروت 1959 م .