مقدّمة (المقنع في الإمامة )

ص1 تقديم بقلم الحجّة السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على الرسول المجتبى والنبي المصطفى، وعلى الأئمّة النجباء من آله أئمّة الهدى ومصابيح الدجى. وبعد: فإن صدق قول القائل: «ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينيّة مثل ما سُلّ على الإمامة في كلّ زمان»(1). فإنّ من الصحيح القول بأنّه: «ما جرى قلم في شيء من القضايا الإسلامية مثل ما جرى في الإمامة»، وذلك: لأنّ ما اُلّف حول الإمامة في الإسلام، بمختلف طوائفه وفرقه ومذاهب، يتجاوز الآلاف!(2). فأكثر العلماء والكتّاب والاُدباء نجد في ما خلّدوه من آثار ما يرتبط بهذا الموضوع بشكل أو آخر.

الهامش (1) الملل والنحل، للشهرستاني، المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس 1/22، تحقيق عبدالعزيز محمّد الوكيل/1387هـ ـ القاهرة. (2) يراجع بهذا الصدد مقال (مصادر الإمامة في التراث) بقلم الشيخ عبدالجبّار الرفاعي/المنشور في أعداد مجلّة (تراثنا) الفصليّة الصادرة من مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ـ قم.

ص2 ويعود السبب الأساس في ذلك إلى أنّ موضوع «الإمامة» وهي: الرئاسة العامّة المستتبعة للطاعة والانقياد، أمر يمسّ حياة المسلم، ويباشر التأثير فيه ـ شاء ذلك أم أبى ـ إذ المتقلّد لها وهو «الإمام» ـ بحقّ تقلّدها أو بدون حقّ ـ هو القائم باُمور الناس، والمتحكّم بمصائرهم والسائق لهم والقائد، الذي بيده قرارات الحرب أو السلم، والعدل أو الظلم، فهو مالك لعصب الحياة الاجتماعية، وفي ظلّه تتحقّق الآمال والأماني، أو تتحطّم. وعلى هذا، فينبغي ـ لزوماً ـ على المسلم أن يَبُتَّ برأيه في الإمامة ويحدّد رؤيته إلى الإمام الذي تجب عليه طاعته، لأنّ ذلك هو الوجهة التي تدفع الإنسان للسير في الحياة على تشتّت الاتجاهات، واختلاف الطرق، واشتباه السبل، واعوجاج كثير منها. فأيّ الطرق يختار المسلم للسير عليه؟. وأيّ السبل ينتخب للسلوك فيه؟. وأين هو الصراط المستقيم الذي يوصل إلى الحياة الحرّة الكريمة؟!. إنّه الإمام الذي يهدي الإنسان، ويحدّد له الطرق التي يجب أن لا يتجاوزها، ويعلّمه أساليب الحذر من أحابيل الخطر. والإمام الحقّ هو الذي يفتح أمام عين الإنسان وفكره حقائق الدين والمعرفة الإلهيّة، فينتهل من نميرها العذب الطاهر الهنيء، ليخلد في هذه الدنيا مكرّماً، ويحشر في الآخرة مبيضّاً وجهه، قريرةً عينه، مبتهجاً بما اجتناه في دنياه من عمل صالح، فيسلك به إلى الجنّة والكرامة الخالدة. إنّه الإمام الذي يهدي الناس إلى الخير والمعروف والصلاح، ويبعّدهم عن الشرّ والمنكر والفساد. ومن أجل هذا اهتمّ العلماء والمفكّرون بهذا الموضوع غاية الاهتمام، مجدّين في تحرير أبعاده النظرية وتطوّر أساليبه العمليّة، وتحديد حدوده،

ص3 وتحقيق أهدافه، وإبراهم اُصوله المسلّمة، وتثبيت قواعده المحكمة، التي تضمن له الأصالة والصلابة والكمال. وللشيعة في هذا الميدان قدم راسخة، ويد طولى سابقة، فقلّما نجد واحداً من علمائهم البارزين لم يكتب في الإمامة أو ما يدور في فلكها من قريب أو بعيد!. وإنّ التراث الشيعي المؤلّف في موضوع الإمامة ليعدّ من أكبر الكنوز، ويحتوي على أثمن الذخائر، من المجلّدات الكبار، إلى الرسائل المتوسّطة، إلى الأجزاء الصغيرة المختصرة. فقد تناولوه بكلّ جوانبه، حتّى استوعبوه بحثاً، وتحليلا، وتنقيباً، فدارت المساجلات بينهم وبين من خالفهم في كلّ نقطة من النقاط حتّى أشبعوها دقّةً ودراسة، وملأوا الصحف بالاحتجاجات والاستدلالات. وهم لا يألون جهداً في بلورة البحوث ومتابعتها، وإضفاء ما تجود به قرائحهم من اهتمامات تؤدّي إلى القناعة، ولا يزالون ـ في كلّ عصر وحتّى العصر الحاضر ـ يُثرون المكتبة الإسلامية بهذا التراث الثقافي، وبلغة العصر في وضوحه ومنطقه. ومن الكتب القيّمة تلك، هذا الكتاب الممتاز باُمور نستعرضها: 1 ـ فصاحته ووضوحه: إنّ الكتب المؤلّفة في علم الكلام معقّدة التعبير غالباً، وذلك تناسباً مع طبيعة البحث الكلامي المحتوي على اصطلاحات خاصة، والمبتنى أساساً على النقاش حول الموضوعات الفكريّة المطروحة بصورة فرضيّات أو نظريّات، والإجابة عليها، وأكثرها ممّا هو بعيد عن الخطواطر غير المتخصّصة بالعلم، ممّا يوجب انغلاقاً خاصّاً في عبارات الكتب الكلاميّة، صعبة

ــ[10]ــ

الدرك لغير

ص4 دارسيها. لكنّ المؤلّف تعمّد إلى تبسيط عبارة كتابه إلى حدّ الفهم المتعارف لعامّة الناس، حتّى غير المتدرّب على أساليب المتكلّمين، فيقول: «سلكت فيه غير مسلك المتكلّمين في تدقيق الكلام، رجاء أن يلطف، ويقرب فهمه». 2 ـ الاستناد إلى البديهيّات والمشهورات: يستند كلّ بحث على أوّليّات مسلّمة للباحثين، تعتبر مقدّمات لهذا البحث وإن كانت هي بحاجة إلى استدلال وإثبات في بحث آخر، ولكنّها هنا لا تحتاج إلى أكثر من الإلتزام بها، والاعتراف بمضمونها، والتصديق بها كمبادىء أوّلية تعتمد على نتائجها قضايا هذا البحث وسير استدلالاته واستنتاجاته. لكن المصنف لم يتّبع في هذا الكتاب هذا المنهج، وإنّما بنى دليله واستنتاجاته على المسلّمات المشهورة، والبديهيات التاريخية التي لا تقبل النقاش والجدل، وكما يقول هو: «وجمعت فيه ما لا يمكن إنكاره، لأنّه ظاهر مشهور لا خاف مغمور». ولذلك جاء كتابه مقسّماً على ثلاثة فصول أساسيّة: الأوّل: الاستدلال على تعيين الإمام بطريق العقل: أوضح فيه ضرورة اتّصاف الإمام بصفات الكمال، وأن لا طريق إلى إثبات ذلك إلاّ النصّ الشرعي، لخفاء ذلك على الآخرين، ثمّ ذكر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبان ذلك بالفعل والقول، فتعيّن الإمام بوصفه وتعيينه.

ص5 الثاني: الاستدلال على تعيين الإمام بطريق القرآن: وأورد فيه ما جاء به القرآن لتعيين الإمام، كما في قضيّة تبليغ سورة براءة، وقضيّة المباهلة، حيث ظهر فيهما المخصوص للإمامة والمعيّن لها. الثالث: الاستدلال على تعيين الإمام بطريق الخبر: حيث أورد مجموعة من الأخبار المشهورة ممّا يدلّ على ذلك. ولم يتجاوز في كلّ فصل ما حدّده من الاُمور المشهورة بين المسلمين، والمعروفة لكلّ من انتمى إلى هذا الدين، من الوقائع والأحداث والسيرة والأخبار، وعرضها بشكل مرن، ووجّه بالمقارنات بينها إلى المفارقات والمناقشات الموصلة إلى المطلوب بسهولة ويسر. 3 ـ التأكيد والتكرار: يحرص المصنّف على أن يكون كتابه سهل الفهم للجميع، ولا يمتنع أو يصعب على أحد فلذا نجده يحوّر عبارته، ويكرّر البحث بعبارة اُخرى ليؤكّد على هضم السامع أو القارئ له، يقول: «ربّما تكرّر الكلام في فصل، فيظنّ ظانّ أنّ ذلك من سهو أو نسيان، وليس كذلك، إنّما اُكرّر القول ليفهم من لم يفهم الكلام الأوّل، فإذا تكرّر سمعه بلفظين مختلفين في معنى واحد، فهمه، ولم يصعب عليه الكلام». 4 ـ وأخيراً الشعر: لقد أكثر المصنّف من إيراد الأشعار في نهايات الفصول، تحتوي على «المدّعى والدليل» المعروضين في ذلك الفصل، وبلسان شعراء أقوياء من الطبقة الاُولى من الصحابة الذين عاصروا الأحداث أو عايشوها، أو من تأخّر

ص6 عن عصرها، لكن شعره محفوظ متداول لقوّته وشهوته. واللجوء إلى الشعر في مثل هذا الموضوع يوحي إلى ذكاء المصنّف وقوّة ملاحظته، حيث قام بتثبيت ما عرضه في الأذهان، التي تأنس بالكلام الموزون والمقفّى أكثر من غيره، فيسجّل الموضوع في قرارة النفوس متجاوزاً صفحات الذهن والذاكرة، بل للشعر ـ أحياناً ـ تأثير أكبر إذا كانت القضيّة مشحونة بعواطف مخدوشة وإحساسات مهانة، وتعدٍّ وظلم وتجاوز على الحرمات والموازين، ممّا يناسب الشعر ويتفاعل مع الوجدان، فيستقرّ في أعماق الضمير. إنّ اعتماد أساليب (الوضوح في الأداء، والبديهية في الاستدلال، والتأكيد والتكرار، ثمّ اختصار ذلك بشعر موزون) إنّما هي اُمور تعتمدها أحدث المناهج العلميّة التربويّة، وأكثرها جدّة في عصرنا الحاضر. واعتماد المصنّف على هذه الأساليب في القرن الخامس ليدلّ على نبوغ خاصّ. فنجد أنّ هذا الكتاب المؤلّف قبل ما يقرب من (ألف سنة) يساير روح عصرنا الحاضر في الإفادة العلمية والتأثير والقبول العام. ولذلك حدت الهمّة بالأخ العزيز الاُستاذ شاكر شَبَع أن يحييه، ويخرجه للناس، لأوّل مرّة، من ظلمات القرون التي بقي فيها غير متداول ولا منشور. والمحقّق رعاه الله ـ الذي جعل خدمة الحقّ في تراثه، وجهةً صالحةً ولّى شطرها، يتحرّق لما يرى من إهمال تجاهه، ويبتهج لما يراه من اهتمام به ـ يتمتّع بملكة تؤهّله للقيام بأداء شطر من هذا الواجب العلمي والديني العامّ الهامّ، الذي نرجو أن يتفرّغ له مجموعة من العلماء! ولقد أثبت جدارة في الجهد الذي بذله في التعريف بالمؤلّف، فجمع من شتات

ــ[11]ــ

المواضع المتباعدة ما أمكن أن يلقي أضواء على حياته، التي ضنّت

ص7 المصادر في التعريف بها، سوى السطرين اللذين كتبهما ابن شهر آشوب في معالمه. إنّ العمل الذي قام به المحقّق في هذا الكتاب، تقديماً، وتحقيقاً، وتخريجاً، إضافة إلى الجمال والروعة التي يتمتّع بها اُسلوبه في الكتابة، إنّ كلّ ذلك ليدلّ على طموح وتطلّع جديرين بالإكبار والتقدير والدعاء له بالتوفيق لخدمة الحقّ وأهله. وكان الله في عون كلّ مخلص أمين. حرّر في الخامس من ربيع الأوّل سنة 1412هـ . وكتب

                                                                  السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ

ــ[12]ــ