عروض البلاء على الأولياء
تأليف الفقيه المحقّق آية الله العظمى السيّد محمّد هادي الحسيني الخراساني الحائري «1297 ـ 1368هـ»


ملاحظة السيّد محمّد صادق بحر العلوم


تقديم السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي


ص215 المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

ترجمة المؤلّف

اسمه ولقبه ونسبه: سمّاه أبوه «علي نقي» وعُرف بـ:«هادي» ويُذكر بـ:«الميرزا هادي» و «محمّد هادي». الحسيني، الخراساني، البجستاني، الحائري. ابن العالم العامل التقيّ، العلاّمة الورع الجليل السيّد الأمير علي الحسيني، البجستاني، ابن السيّد محمّد، بن الأمير أبي طالب، بن الأمير كلان; وهذا الجدّ الأعلى هو من الشخصيات المرموقة في مدينة (بجستان) من توابع محافظة خراسان.

ولادته ومنشؤه: ولد السيّد المؤلّف في كربلاء المقدّسة، في غُرّة ذي الحجّة الحرام سنة 1297هـ . نشأ في مسقط رأسه، ودخل الكُتّاب، فأتقن القراءة والكتابة وهو ابن سبع سنين، وانتهى في سنة 1309 من دراسة أوّليّات الأدب من النحو والصرف، حيث هاجر به والده إلى خراسان.

ص216 دراسته: ومكث في مشهد الإمام الرضا (عليه السلام) من سنة 1309 ـ 1314هـ ، مكبّاً على تحصيل المقدّمات لدى أساتذتها، وإكمال الكتب الأدبيّة كالألفيّة والكافية والشافية وشروحها، والمغني والمطوّل، وعلوم المنطق والاُصول، والرياضيّات، والأخلاق والآداب، في كتبها المتداولة، ومن بين أساتذته: السيّد والده، والأديب النيشابوري الكبير. ورجع سنة 1314هـ إلى كربلاء، وانقطع إلى دراسة الفقه والاُصول، وفي شوّال سنة 1315هـ هاجر إلى النجف الأشرف، حاضرة العلم، فاشتغل بتكميل كتب السطوح العالية، مضافاً إلى حضور دروس المعقول عند أساتذته، منهم: الشيخ ميرزا محمّد باقر الاصطهباناتي، الشهيد سنة 1326 في شيراز. ثمّ بدأ بحضور دروس الخارج في الفقه والاُصول على أعلام النجف من الفقهاء والاُصوليين، منهم: شيخ الشريعة فتح الله الغرويّ الأصفهاني الشيرازي (ت1339هـ)، والمحقّق الآخوند الخراساني المولى محمّد كاظم، صاحب «الكفاية» (ت1329هـ)، والفقيه المرجع السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت1338هـ). وجدّ في التحصيل في النجف طيلة خمس سنوات من دون إنقطاع، حتّى هاجر في سنة 1320هـ إلى سامراء، فبقي هناك بطلب من كبير علمائها الشيخ الميرزا محمّد تقي الشيرازي زعيم ثورة العشرين، والسيّد الميرزا علي آقا نجل السيّد المجدّد، فأقام في سامراء مشتغلا بالحضور لدى الشيخ الشيرازي، وكان يُعدّ من أفاضل تلامذته المرموقين، وقام بتدريس الخارج فقهاً واُصولا، كما درّس المعقول والكلام.

ص217 جهاده: وقد إشترك مع شيخه التقيّ المجاهد في عدّة قضايا إجتماعية أدّت به إحداها سنة 1330هـ إلى السجن في بغداد، بصفته الناطق عن الشيخ. ولمّا استعر أوار الحرب العالميّة الاُولى سنة 1333هـ إنتدبه اُستاذه الشيخ التقيّ ليمثّله في بعض المهمّات الخاصّة، وأوفده إلى إيران. وفي شهر شوّال من سنة 1335هـ خرج بصحبة الشيخ الاُستاذ مهاجرين من سامراء، وأقاموا مدّة في الكاظمية، والسيّد يلازمه ملازمة الظلّ، حتّى وردوا كربلاء في 18 صفر 1336هـ . ولمّا دخل الشيخ التقي معمعة الجهاد المقدّس، دفاعاً عن حوزة الإسلام وكرامة المسلمين، ضدّ الإنكليز الكفرة المحتلّين، كان السيّد إلى جانبه، طول المدّة التي وقف فيها علماء الإسلام، حتّى توفّي زعيم الثورة الشيخ التقيّ في الثالث من ذي الحجّة سنة 1338هـ . وفي ما خلّفه السيّد من أوراق ومؤلّفات نتف من المذكّرات الهامّة حول ذلك الجهاد المقدّس.

مرجعيّته: وعندما استقرّت الأوضاع، إنقطع السيّد إلى التدريس والتأليف، والإفتاء، وقضاء اُمور المؤمنين، فكانت له الزعامة العلميّة في كربلاء، وقلّده جماعة من أهلها، كما قلّده جمع من أهالي بغداد وخراسان وطهران. وكان يُعدّ من كبار فقهاء الطائفة واُصوليّيها، مع التبحّر في العلوم العقليّة، والكلامية، وعلوم القرآن والحديث. وله مواقف نضاليّة في مواجهة الحكومة العراقية، في قضايا خاصة، مذكورة في تاريخ حياته.

ص218 وكذلك في الدفاع عن حريم أهل البيت (عليهم السلام) عندما أقدم الوهّابيّون الجهلة على هدم قبورهم في المدينة المنوّرة، فكان للسيّد المؤلّف سعي بليغ في إثارة الاُمّة لإستنكار هذه الجريمة النكراء، كما جدّ في فضح القائمين بها بالكتب التي ألّفها ردّاً عليهم، ومنها كتاب «دعوة الحقّ إلى أئمّة الخلق». ووقف من تصرّفات شاه إيران الأسبق، المشبوهة، والهادفة لمحو آثار الديانة، ومسخ الشعب الإيراني المسلم، وعلمنة البلد، وقفةً حازمة، فكانت له مساجلات ومناقشات حادّة مع الشاه نفسه، ومع جلاوزته وأعوانه، كما كان يثير الاُمّة وعلمائها للتحرّك ضدّ تلك الإجراءات الفاسقة.

كلمات الأعلام في حقّه: قد مرّ ذكرأغلب ما قيل في حقّه من هذه الكلمات في ص87 ـ 89 من مقالنا المنشور في أوّل هذا العدد، وفيما يلي نثبت منها ما لم نذكره هناك: قال السيّد الأصفهاني: الإمام(1). وقال الإمام الشيخ الشيرازي: الورع البارع الهادي المهدي(2).

وفاته: وبعد عمر مبارك قضاه السيّد بين التحصيل، والتأليف، والجهاد، والفتوى، والعمل لله، قضى نحبه في 12 ربيع الأوّل 1368هـ عن عمر يناهز السبعين عاماً. ورثاه الشعراء والخطباء، وأبّنه العلماء، وممّن أرّخ وفاته العالم المرحوم الهامش (1) أنوار الكاظمين: 125. (2) إجازة الإمام الشيخ الشيرازي للسيّد، طبع نصّها في سيرة آية الله الخراساني: 106 ـ 107.

ص219 الشيخ عبدالحسين الحويزيّ في قوله:

عن هذه الدنيا مضى سيّد***ساد الورى بالجَدّ والجِدِّ

نواحساً أيّامها أصبحت***مذ غاب نجم الُيمن والسَعْدِ

إذ كان نوراً ومناراً به***للخلق يزهو منهج الرُشد

والعلم أضحى جيده عاطلا***وأنبت سمط جوهر العقد

أروع في تاريخه: (ماجد***هاد البرايا قرّ في الخُلد)

مشايخه في العلم والرواية:

1 ـ السيّد والده، العلاّمة التقي السيّد علي البجستاني، أخذ منه بعض مقدّمات العلوم.

2 ـ الأديب النيشابوري الكبير، درس عنده الكتب الأدبيّة في مشهد.

3 ـ الشيخ محمّد كاظم الخراساني الآخوند، صاحب كفاية الاُصول، وقد شرحها السيّد بشروح ثلاثة، حضر عليه في النجف الأشرف.

4 ـ السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، صاحب العروة الوثقى، حضر عليه برهة في النجف الأشرف، وشرح كتابه العروة.

5 ـ الشيخ محمّد تقي الشيرازي الحائري، زعيم ثورة العشرين العراقية، وقد أجازه بالإجتهاد والرواية المدبّجة.

6ـ الشيخ فتح الله الغروي، شيخ الشريعة الأصفهانيى، الشيرازي، وقد أجازه برواية الحديث.

7 ـ الشيخ محمّد حسن، الشهير بكُبّة، البغدادي، وهو من مشايخ إجازته في الحديث.

8 ـ السيّد حسن الصدر العاملي الكاظمي، وهو من مشايخ إجازته في الحديث.

ص220 9 ـ السيّد إبراهيم الراوي الشافعي البغدادي، وهو من علماء العامّة، وقد أجازه برواية الحديث من طرقهم. 10 ـ الشيخ فضل الله المازندراني، من أفاضل علماء كربلاء، وقد أجازه بالإجتهاد والرواية.

تلامذته والراوون عنه:

1 ـ الشيخ آقا بزرك الطهراني (ت1389هـ) وهو زميل السيّد المؤلّف في الدراسة، وإنّما تبادلا الإجازة لرواية الحديث، فهي بينهما مدبّجة.

2 ـ السيّد محمّد مهدي الأصفهاني الكاظمي، من علماء الكاظميّة والمؤلّفين المكثرين، وقد حضر على السيّد المؤلّف برهة في كربلاء، وحصل منه على إجازة الحديث.

3 ـ السيّد محمّد طاهر البحراني البوشهري، من علماء كربلاء وأئمّة الجماعة فيها.

4 ـ السيّد مهدي بن السيّد حبيب الشيرازي، من علماء كربلاء وأئمّتها في الجماعة، يروي عن السيّد المؤلّف بالإجازة، كما ذكره المجاز في إجازته لسماحة السيّد الكاشاني دام ظلّه.

5 ـ الشيخ محمّد علي سيبويه اليزدي، من أئمّة كربلاء في الجماعة.

6 ـ الشيخ محمّد علي الأُوردبادي الغروي، من علماء النجف واُدبائها والمحقّقين البارعين، توفّي سنة 1380هـ .

7 ـ السيّد علي نقي اللكهنوي الهندي، استجاز السيّد المؤلّف في رواية الحديث.

8 ـ السيّد محمّد صادق بحر العلوم النجفي، من العلماء المحقّقين، يروي عن السيّد المؤلّف بالإجازة.

9 ـ السيّد محسن الحسيني الجلالي الكشميري (ت1396هـ)، من

ص221 مدرّسي الفقه في كربلاء، وكان إمام الحرمين الحسيني والعبّاسي، وهو صهر السيّد المؤلّف. 10 ـ السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي (ت1411هـ)، من علماء مدينة قم ومراجعها، يروي عن السيّد المؤلّف بالإجازة.

هذا الكتاب وعملي فيه:

أحتفظُ في مكتبتي بمجلّد مخطوط يحتوي على عدّة كتب كلّها بخطّي، وأكثرها من مؤلّفات جدّي ـ أبي والدتي ـ سماحة آية الله العظمى السيّد الخراساني (رحمه الله)، وهي:

1 ـ مرقاة الثقات في تمييز المشتركات. وهو أوسع مؤلّف يعالج مشكلة التمييز بين الأسماء الرجالية المشتركة بين أكثر من واحد، بتعيين الراوي والمرويّ عنه. وقد إنتهيت من استنساخه في شهر رمضان سنة 1386هـ .

2 ـ عِلْمُ الإنسان بخلق القرآن. رسالة تعالج موضوع خلق القرآن في نظر الشيعة الإماميّة، وهو من نوادر الرسائل في هذا الموضوع، وهو قيد الإعداد من قِبَل كاتب هذه السطور.

3 ـ إفراط الغمّ والهمّة في إفراد العمّ وجمع العمّة. يبحث عن حكمة إفراد كلمة «عمّ» وجمع كلمة «عمّة» في آية: (وبنات عمّك وبنات عمّاتك ...). وقد ألّف السُبكي من العامّة رسالة في ذلك باسم: «بذل الهمّة في إفراد العمّ وجمع العمّة».

4 ـ الأسئلة اللطيفة من الذروة الشريفة. إجابة لخمسة أسئلة عن مواضيع متفرّقة بطرز ظريف، ألّفها المصنّف في ذي القعدة الحرام سنة 1349هـ .

ص222 5 ـ رسالة في البحث عن «عرض الجنّة» والجمع بين آياتها الواردة في القرآن الكريم.

6 عروض البلاء على الأولياء. وهي الرسالة التي نقدّمها، ونقدّم لها بهذه الأسطر. ملاحظة السيّد بحر العلوم: إنّ فضيلة العلاّمة المحقّق الحجّة السيّد محمّد صادق بحر العلوم (رحمه الله)، اطّلع على هذه المجموعة فاستعارها منّي، واستنسخ هذه الرسائل الصغار من خطّي ليضيفها في آخر مجموعة من مجاميعه التي كان يرغب ويتمنّى أن تبلغ أربعة عشر، بعدد المعصومين (عليهم السلام)، وقد وُفّق إلى ذلك بحصوله على هذه الرسائل. ولمّا أعاد إليّ المجموعة وجدتها موشّحة بملاحظات تصحيحيّة بقلمه الشريف وبخطّه الجميل، وفي هذه الرسالة بالخصوص كثير من ذلك. وقد التزمت بتلك الملاحظات في طبع هذا الكتاب، إعتزازاً بها، وتثميناً لجهده، وسجّلنا ذلك هنا تخليداً لذكره، (رحمه الله) وتغمّده بالمغفرة والرضوان. وكنت قد اتّصلت به في سنة 1394هـ بغرض الإستفادة من نسخة كانت عنده من «المكاسب» للشيخ الأنصاري، وكانت مصحّحة على خطّ الشيخ نفسه (رحمه الله)، وذلك أثناء تدريسي للكتاب. فلمّا عرفني، وعرفت أنزه من المجازين من سماحة جدّي السيّد الخراساني (رحمه الله)، استجزته، فأجازني بـ «الإجازة الجلالية» المبسوطة، وهي محفوظة بخطّه عندي. وتوطّدت علاقتي بالسيّد، بعد أن ضعفت قواه وفقد بصره، وإنقطعت زيارة الآخرين إيّاه، فكت لوحدي، أستفيد من مكتبته العامرة، ويبثّ إليّ أحزانه وشجونه، وقد أجازني في آخر عمره بإجازة فريدة تحتوي عليت تطبيق

ص223 «الطرق الثمانية» بأسرها. وقد توفّي السيّد الصادق في الحادي والعشرين من شهر رجب المرجّب سنة 1399هـ ، خلال الأزمة العاصفة بالعراق، فلم يؤدّ له ما يستحقّ من التبجيل والتكريم، وفي العزم أن نسجّل له «ذكرىً» تخلّده. (رحمه الله) وجزاه خيراً بما قدّم من خدمات للعلم والتراث.

عملي في الكتاب: 1 ـ قمت بتقطيع الكتاب، وتنقيطه بالعلامات، وضبطه بالحركات، تسهيلا لقراءته. 2 ـ بما أنّ المصنّف لا يلتزم بوضع النقط في الكتابة، ويستعمل الاختزال في كثير من الكلمات، فيما لم يعهد فيه مثل ذلك، فقد حاولت تعديل كلّ ذلك وفكّ الاختزال، وإثبات الصورة المتداولة للكلمات. كما عدّلت ما وقع في الكتاب من التأنيث والتذكير والإشارة طبقاً للقواعد العربية، وابتعاداً عن العُجْمة التي قد تحدث على أثر السرعة أو المسامحة أو الغفلة. وممّا علمته في الكتاب هو إظهار بعض الضمائر، التي كان وجودها مؤدّياً إلى تعقيد العبارة، وكذلك بعض التقديم والتأخير، فراراً عن الإرباك. كلّ ذلك من دون إخلال بالمعاني، ولا تحريف أو تصحيف في الألفاظ، ولا نقص في شيء منها. أمّا ما أضفناه للضرورة فقد وضعناه بين المعقوفين، تمييزاً له، ومحافظة على الأمانة العلميّة. 3 ـ وكانت لي تعليقات معدودة، غرضي منها توضيح المقصود، ومساعدة القارئ على المطالعة الواضحة، والتنبيه على المعاني العميقة التي تختفي وراء عبارة الكتاب.

ص224 وبعدُ: فهذا ما ساعدني على التوفيق على تقديمه لهذه الرسالة الشريفة، الفريدة رضا الحسيني الجلالي في قم المقدّسة

ص225 عروض البلاء على الأولياء

بسم الله الرحمن الرحيم إنّما أَذِنَ الله تعالى، ورَضِي أولياؤه بعروض البلايا، ووقوع المظالم عليهم، وصبروا، وسلّموا أنفسهم، حتّى تسلّط الأشرار والكفّار عليهم، ولم يسبّبوا الموانع والمدافع، حتّى أنّهم لم يسألوا الله تبارك وتعالى في كشف الكروب وهلاك الأعداء. بل قال الخليل (عليه السلام) ـ بعد سؤال جبرئيل ـ: «علمه بحالي يكفي عن سؤالي». وأعظم من ذلك قول الحسين (عليه السلام): «هوَّنَ ما نَزَل بي أنّه بعين الله». كلّ ذلك لوجوه:

ص226 الأوّل وهو أفضلها للفناء المحض، وكمال العبودية لله تعالى، وعدم الاعتناء بما سواه، وأنّه(1) لا يرى نفسه شيئاً، وذهل عن نفسه مع كمال قربه، فكيف يتوجّه إلى عدوّه مع كمال بُعده؟! فيعدّ الشكوى، والإنضجار، والدعاء عليه، توجّهاً إلى ما سوى الواحد الأحد المحبوب الصمد، وذلك إنحطاط لمرتبته الشامخة، بل مناقضة لفنائه المحض.

الثاني لأنّ الرضا والتسليم لمشيئة الله تعالى من أعلى مراتب العبادة. وذلك مُناف للمعالجة في الدفع. الثالث للعلم بعموم قدرته، وكمال حكمته، وأنّه تعالى لا يعزُب عن علمه مثقال ذرّة ولا يتصرّف أحد في سلطانه أقلّ من رأس إبرة، وأنّ الملك له، لا شريك له، وأنّه لولا المصلحة التامّة لا يوجد شيء في العالم، لأنّه الهامش (1) الضمير يعود إلى الشخص المبتلى.

ص227 بشراشره(2) في حيطة تصرّفه، ومداره على وفق حكمته. فكلّ ما يقع من الكائنات لابدّ وأن يكون بعلم سابق من الله، وتقدير أزليّ، وقضاء حتمي، وخيره أكثر من شرّه. وإلاّ، لكانت الحكمة الإلهيّة، والقوّة الربّانية مانعة عن وجوده. وهذا، من غير أن يلزم جبر في أفعال العباد، أو بطلان الثواب والعقاب(3) الرابع إظهار عظمة الله تعالى، وصفاته الجمالية والجلالية، وأنّه مستحقّ لكلّ ما يمكن من العبد من الفناء والتسليم(4). الهامش (2) الشراشر: الأثقال، والمراد هنا: جمع شؤون العالم. (3) يعني أنّ الإرادة الربّانية، والحكمة الإلهيّة مهيمنة على كلّ ما يقع، ولله أن يفعل ما يشاء، إلاّ أنّه بحكمته جعل الاختيار لعباده، ولمصلحة خلقه قرّر لهم شريعة ومنهاجاً، ليحيى من حيَّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة، من دون أن ينقص من هيمنته شيء، فهو القاهر فوق عباده وبإمكانه سلب ما أعطاهم من الإختيار، إلاّ أنّه لا يظلم أحداً، ولا يعاقب عبداً إلاّ على ما اختار من السوء. (4) فإنّ التوغّل في مشاغل الحياة، والإنهماك في مشاكلها، أو الإنغماس في ملذّاتها، قد تلهي الإنسان عن عظمة الله، وقد تصرف المؤمن عن التفكير في هذه العظمة وعن واجبه في التسليم المطلق، وعن مقام الربّ في استحقاق ذلك!

ص228 الخامس ظهور علوّ مقام ذلك العبد، وسمو مرتبتة تلك العبادة(5). حتّى يتأسّى به المتأسّون ]كما قال الله تعالى:[ (لقد كان لكم في رسول الله اُسوة حسنة)]الآية (21) من سورة الأحزاب (33)[. السادس حتّى يهون الخطب والكرب على سائر الخلق في عالمم الكون والفساد، فهذا لطف من الله تعالى ومن أوليائه، بل أعظم نعمة على العباد. ولذلك قد اجتمع للحسين (عليه السلام)، من كلّ ما يتصوّر ـ من أنواع البليّات والمصيبات ـ أعظم الأفراد، حتّى يتسلّى بملاحظته أرباب المصائب(6)، ويتوجّه كلّ مكروب إلى الله تعالى، ويبكي بتذكّر ما يوافق كربه وشدّته من مصائب الحسين (عليه السلام)، فيسأل الله كشف كربه، فيقضي حاجته ألبتة، وقد جرّبنا ذلك. وهذه غنيمة اُهديت إليك، فاحتفظ بها، بعون الله. الهامش (5) المراد بالعبادة، ذلك البلاء الذي يتحمّله العبد قربةً إلى الله، وفي سبيل الله ودينه. (6) وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبدالحسين الأعسم (ت1247هـ):

أَنْسَتْ رزيَّتكم رزايانا التي***سَلَفَتْ وهوّنت الرزايا الآتية

اُنظر: شعراء الغريّ 5/82.

ص229 السابع حتّى لا يعترض سائر الخلق، ويسلّموا، وترضى خواطرهم، إذا رأوا مقاماتهم العالية في الدنيا والآخرة. ]قال الله تعالى:[ (ومن الليل فتهجّد به نافلةً لك، عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً) ]الآية (79) من سورة الإسراء (17)[. الثامن حتّى يستحقّوا المثوبات العظيمة، والاُجور الثمينة، فإنّ الأجر على قدر المشقّة. فلولا سجن يوسف (عليه السلام)، وبكاؤه، وغربته ومخالفة هواه، ومجانبته الحرام، لم يكن يستحقّ تلك السلطنة العظمى مع النبوّة وعظيم الزلفة، ]قال الله تعالى:[ (وكذلك مكّنا ليوسف في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين * ولأجر الآخرة خير) ]الآيتان (56 و 57) من سورة يوسف (12)[. وهذا لا ينافي أن يكون الله تعالى له أن يُعطي جميع تلك المقامات لنبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو للحسين (عليه السلام)، وإن لم تعرض عليهما تلك البليّات من القتل والأذى أصلا. فإنّ ذلك يكون ـ حينئذ ـ «تفضّلا» لكون المحلّ لائقاً لكلّ جميل، والمبدأ لا نقص في جوده وفيضه. فكان له أن يعطيهم ]بلاء ابتلاء، عين[ ما يعطيهم مع الابتلاء، وإنّما

ص230 الفرق بين الحالتين هو «التفضّل» و «الإستحقاق». ومعلوم أنّ في «الإستحقاق» مسرّةً وكمالا لا يوجد في غيره، من دون استلزام نقص في المبدأ الفيّاض، لأنّ التسبيب إلى تكميل العبد، وتحصيل المسرّة والقرب بالعبودية فيض، هو أفضل من التحفّظ على صرف «التفضّل». مع ما في ذلك من المصالح السالفة، والآتية، وغيرها ممّا لا يحصى. وبما حقّقنا يجاب عن الإشكال في: فائدة الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)! وأنّ فائدتها له (عليه السلام)، أو للمصلّي؟ وأنّه كيف يزيد على مقامات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصلاة اُمّته عليه؟ فنقول: أثر الصلاة، وطلب الرحمة من الله تعالى هو «الإستحقاق» وإن كان ما يعطيه الله تعالى بعد الصلاة، كان يعطيه ولو لم يصلّ أحد عليه، ولكن كان العطاء من حيث «التفضّل». أو: أثر الصلاة هو شدّة الإستحقاق، وإن كان أصله ثابتاً. ومعلوم أنّ الإستحقاق، وتأكّد وجود، كمال آخر، لا يكون مع «التفضّل». التاسع أنّ التوجّه إلى الله تعالى مع البلاء أكمل، وأتمّ من التوجّه مع الرخاء. ألا ترى أنّ الأنين والحنين مع حرقة القلب له أثر عظيم، ربّما يؤثّر في

ص231 الصخرة الصمّاء والنسمة البهماء. و «ما خرج من القلب يدخل في القلب، وما يخرج من اللسان لم يتجاوز الآذان». وفي الخبر: «اتّقوا دعوة المظلوم فإنّها تصعد إلى السماء كأنّها شرارة». وقال الله تعالى: (أم من يجيب المضطرّ إذا دعاه ويكشف السوء)]الآية (62) من سورة النمل (27)[. وفي الشريعة المطهّرة ترتفع الحرمة والوجوب لدى الاضطرار. فالمضطرّ مورد للترحّم، والمظلوم مورد للإعانة، لقربه من الله. فكلّما اشتدّ العبد بلاءً ازداد إلى الله قرباً. العاشر أنّ الفَرَجَ بعد الشدّة، والفرج بعد الكربة، فيه لذّة عظيمة لا توجد فيما سواه. فكلّما كانت مرارة الدنيا أقوى، كانت حلاوة العقبى أحلى. وكذلك الشكر على ذلك يكون بتوجّه أكمل ورغبة إلى الله أعظم. ألا ترى كلام أهل الجنّة: (الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن وصدقنا وعده) ]الآية (34) من سورة فاطر (35)[. الحادي عشر أنّ الضغطات العارضة على النفس، والإصطكاك الوارد على الروح،

ص232 والصدمات الواقعة على الجسم، نظير الزناد القادح، فكما أنّه لا تخرج النار من الحجر إلاّ بشدّة ضرب الزناد، كذلك التنوّرات القلبية والأشعّة الروحية لا تعقل فعليّتها إلاّ بتلك الآلام والمصائب. أما سمعت قول سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) لسيّد الشهداء (عليه السلام): «إنّ لك درجةً لن تنالها إلاّ بالشهادة». فتلك الدرجة هي القوّة النوريّة المكنونة في ذاته المقدّسة، وفعليّتها كانت متوقّفة على الشهادة. الثاني عشر أنّ تميّز الخبيث من الطيّب، وبلوغ كلّ ممكن إلى غايته، التي هي ذاتيّ الممكنات المستنيرة من ساحة نور الأنوار، متوقّف على هذه البليّات. فلولا صبر النبي وعترته الطاهرة صلوات الله عليه وعليهم، لما كان يصدر من الأعداء والمنافقين تلك القبائح والمظالم. فإن قلت: وما الفائدة في فعليّة اُولئك الظالمين، ذاتاً، وأفعالا، وظهور أحوالهم الخبيثة؟ قلت: منها: تحرّز العباد من تلك الأخلاق والأفعال، فإنّه لمّا يلعنهم اللاعنون ويتبرّأ منهم العاقلون، يكون ذلك تحذيراً وتخويفاً لمن سواهم، وموعظةً بليغةً لمن عداهم. ومنها: كمال معرفة مقام الأولياء، فإنّه «تُعرف الأشياء بأضدادها». ومنها: تعذيبهم بأشدّ العذاب، ويكون الإخبار بذلك مانعاً للمؤمنين عن المعاصي في الدنيا، وسروراً لهم في الآخرة.

ص233 ومنها: ظهور الحجّة وبلوغها وإثبات العذر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) في قتل الكفّار والمنافقين. فإنّه لولا تحمّل الحسين (عليه السلام) وأصحابه في عرصة كربلاء وأسر عياله وسيرهم إلى الشام، لم يكن لأحد العلم بأحوال رجال ذلك العصر. فلربّما يستشكل أحد، ويعترض، في تلك الحروب والقتال الواقع من النبي والوصي صلّى الله عليهما وآلهما! فإنّهما (عليهما السلام) كانا مدافعين في جميع الوقائع لا مهاجمين، حتّى خروجه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عِير أبي سفيان، فإنّه كان للدفاع عن المؤمنين المُبتلين في مكّة، فوقعت حرب اُحد (بدر) بمجيء كفّار قريش، وهجومهم على المسلمين. ولهذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يبتدئ بالقتال في ]حربي[ الجمل وصفّين، وكان إبتداءُ القتال من الأعداء. ولهذا قال (عليه السلام) لعمرو بن عبد ودّ: أوّلا: أسألك أن تشهد الشهادتين. فأبى ذلك. وثانياً: ارجع بقريش إلى مكّة، وتنحّ عن القتال. فأبى. وثالثاً: إن لم تقبل إلاّ القتال، فانزل عن فرسك وقاتل. وبالجملة: إنّما قتل النبي والوصي (عليهما السلام) مثل اُولئك المنافقين الذين كانوا في كربلاء، وكلّهم كانوا يستحقّون القتل لنهاية خبثهم وظلمهم وفسادهم في الأرض، وسوء أخلاقهم، وقُبح سرائرهم، وعظم جرائمهم، فكانوا لا يُرجى منهم الخير أصلا.

ص234 ولم يُعلم ذلك، ولم ينكشف، إلاّ بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، في يوم كربلاء، حيث كانت العترة الطاهرة يتحمّلون، ويصبرون كي ينكشف ذلك تمام الإنكشاف. وإنّما لم يفعلوا ذلك في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) لعدم مقتضيه، ولتأييد من الله والملائكة، ومع ذلك، فإنّ مظالمهم ـ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبني هاشم وسائر المسلمين في مكّة ـ قد بلغت الغاية! ألم يحبسوهم ثلاث سنين في شعب أبي طالب، وقطعوا عنهم الميرة، فبلغ الجوع والضيق بهم ما بلغ؟! ولولا مهاجرة المسلمين إلى الحبشة والمدينة، لقتلوهم أشدّ قتلة، سيّما بعد قتل النبي (صلى الله عليه وآله)، إلاّ إذا كانوا يرتدّون إلى الكفر! الثالث عشر أنّ العبد إذا علم من نفسه أنّ البلاء ليس من جهة البُعد من الله، بل إنّه من جهة قربه إليه تعالى، وحبّه له، بظهور كمال صبره ولياقته للمثوبات وعلوّ الدرجات، وعَلِمَ بما ذكرنا من الجهات، يستبشر بتلك البليّات، ويشكر الله عليها، ويستأنس بها. ألم تسمع عن شهداء الطفّ، كيف كانوا يأنسون لوقع السيوف، وإصابة السهام؟! فكان عابس بن شبيب قد نزع ثيابه، وحمل عارياً. وكان سيّدهم الحسين (عليه السلام) كلّما اشتدّ عليه البلاء تهلّل وجهه، وزاد نوره، وقوي قلبه.

ص235 والعبّاس (عليه السلام) دخل الشريعة(7) وملأ القربة، ولم يذُق الماء طلباً للقُربة، فليس ذلك نقصاً في كماله، بل لو شرب لكان منافياً لجلاله. ولهذا كانت تُحفُ الله تعالى لعباده المقرّبين هي البلاء المبين. وكان البلاء للولاء. وإنّ من يُحبّ الله تعالى ينتظر بلاءه. وكلّما كان العبد أقرب إلى الله وأحبّ كان بلاؤه أعظم. ولذا قال سيّد الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما اُوذي نبيّ مثل ما اُوذيت». وأذيّة عترته عين أذيّته، فقد علم بها، وكان يراها رأى العين، ويتحمّلها قبل وجودها، ولذا كان يبكي حين تذكّرها. الرابع عشر إنّ مصائب الأئمّة (عليهم السلام) ـ وبالخصوص الحسين (عليه السلام) ـ لها منافع عظيمة لجميع المخلوقين. أعظمها غفران الله تعالى ورضوانه لمن بكى عليهم، فقد صارت الجنّة واجبة لمن دمعت عينه قطرة في رزاياهم. مضافاً إلى ما نرى من إقامة المآتم، ومجامع التعازي، فينتفع بها العالمون منافع دنيويّة واُخرويّة، ويؤيّد بها الدين، وتنشر العلوم والأحكام والمواعظ، وتقوّى العقائد ويجدّد الإسلام سنةً بعد سنة، ففي طول السنة تندرس أعلام الشرع، فإذ هلّ هلال محرّم تجدّدت حياة الديانة، وهاجت الهامش (7) الشريعة: مورد الشاربة من النهر ونحوه.

ص236 روح الملّة، وبزغت شمس التديّن، وغرقت سفن أعداء الدين، وإنهدم بنيانهم، واستؤصلت شأفتهم. ولهذا نشاهد ـ والمشتكى إلى الله ـ كمال جدّية الأجانب وتشديداتهم، في المنع من مجالس التعزية، ودفع المظاهر الدينيّة، وتشبّثهم بكلّ وسيلة لسدّ هذا الباب، ودرس آثاره، ويساعدهم على ذلك جهّال المسلمين! ولا يتأمّلون ما فيه من إضمحلال آثار الإسلام، وإنطماس أعلامه. فهلمّوا ياإخواننا إلى هذه المأدبة الإلهيّة، والمائدة الربّانية(8) واغتنموا الفرصة، ولا تدعوا الأجانب يسلبوا ما به قوّتكم وسموّ شوكتكم، وإعزاز نصركم، ورسوخ إيمانكم. الخامس عشر أنّ بمظلوميّة الحسين (عليه السلام) بقيت الشريعة، وحُفِظ الإسلام، وحُمي الدين، وسلم عن تغيير الفاسقين، وتحريف المنافقين. وإلاّ، لكان يزيد وبنو اُميّة أعادوا الكفر والجاهلية، وأبادوا الدين اُصولا وفروعاً بالكلّية، إذا كان يصفو لهم الملك، ويستقرّ عرش السلطنة. الهامش (8) يعني المجالس الحسينية والمظاهر العزائيّة. وقد تحدّثنا عن آثارها الحميدة في كتابنا «حول نهضة الحسين (عليه السلام)» وهو أوّل مؤلّف لنا، طبع سنة 1384هـ . ولكنّ المؤسف أن يسعى الأعداء ـ بالتزييف والتسخيف والمنع وبشتّى الأساليب الدنيئة الاُخرى ـ ليمحوا هذه النعمة الإلهيّة، ويضيّعوا الفرص الثمينة على الاُمّة، ويسلبوا أغلى ما به رقيّها وما يؤدّي إلى انتشار المعرفة والعلم بينها.

ص237 ألم تَرَ أنّه ـ لعنه الله ـ بمجرّد نيله ]الخلافة[ في أوّل أمره: قتل الحسين (عليه السلام)، وأباح المدينة، وأحرق الكعبة، مع تزلزل سلطانه؟! فكان الحسين (عليه السلام)، بقبوله القتل، قد أظهر ظُلمهم وكفرهم، وصرف وجوه الناس وقلوبهم ـ عنهم ـ إلى دين جدّه. فكان إحياء الدين من جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بغلبته، ومن الحسين (عليه السلام) بمغلوبيته ومظلوميّته. فلو كان (عليه السلام) يبقى في المدينة أو مكّة، لكانوا يقتلونه غِيلةً، وإن كان يبايعهم! إلاّ إذا كان يتابع رأيهم في تغيير الدين، والردّة إلى الكفر. وحاشاه ثمّ حاشاه. وكذلك صبر علي (عليه السلام) خمساً وعشرين سنة على أمرّ من العلقم، أبان للعالمين أنّ حروبه ومجاهداته وقتله الكافرين، لم يكن إلاّ بأمر من الله تعالى، دون الهوى وطلب الدنيا والميل إلى سفك الدماء. وإلاّ، فلا يعقل ممّن حاله ذلك، أن يضع اليد على اليد، ويحمل المسحاة على الكتف، فيصير حبيب بيته، وراهب داره! لكنّه (عليه السلام) رأى توقّف حفظ الإسلام، ورسوخه بين الأنام، على جعل نفسه من أضعف الرعايا، وأقلّ البرايا. وإلاّ، فهو لو سلّ ذا الفقار، لقالوا: كان قتاله في بدء الإسلام لمثل هذا اليوم! ولا ريب أنّ صبره هو الجهاد الأكبر، لأنّه جهاد النفس وقد (فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً) ]الآية (95) من سورة النساء (4)[.

ص238 السادس عشر أنّ في شهادة الحسين (عليه السلام) ومصائب العترة، وإنصراف الخلافة عنهم، وغصبها منهم، تصديقاً لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحقيقاً لنبوّته. لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبعث أعزّ أهله وأبا نسله، عليّاً (عليه السلام)، إلى قتال أبطال القبائل، وذؤبان العرب، فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم ألبتة ـ ولو من غير طريق الوحي، بل بشاهد الحال من أحوال الرجال وسيرة هؤلاء العرب ـ أنّ عليّاً (عليه السلام) لا يقتل من عشيرة أحداً إلاّ وطلب كلّ واحد من آحاد تلك العشيرة دم المقتول من القاتل، أو من عشيرته! فهم لا ينامون حتّى يأخذوا ثارهم. فكان كلّ أحد يعلم أنّ العرب لا يستقيمون لعلي (عليه السلام) بعد تلك المقاتلات والثارات. ولأجل ذلك كان الخلفاء الثلاث يحترزون عن المقاتلة في الحروب، فلم يسمع عن أحد منهم أنّه حارب، أو قتل أحداً، ولو من أراذل العرب وأذلاّئهم! وقد اُخبر (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ حاصل تلك المقاتلات والمجاهدات هو القتل والأسر والظلم والجور على عترته من بعده. ومع ذلك، فقد أقدم (صلى الله عليه وآله وسلم) على تأسيس الدين، وقتال الكافرين، بمباشرة أمير المؤمنين (عليه السلام). فلو كان نظره (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الدنيا، لم يتحمّل هذه المشاقّ ولم يكن يدع أمير المؤمنين (عليه السلام) يقتلُ أحداً، فضلا عن

ص239 أن يبعثه على القتال مع جميع الأبطال. فيقطع الناقد البصير بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن له همّ سوى الآخرة، فبذل نفسه ونفيسه، وتحمّل أعظم الرزايا، وأشدّ الأذى، في نشر الإسلام، كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا». السابع عشر أنّ في وقوعها(9) ظهور المعجزات القاهرة المصدّقة للنبوّة، حيث أخبر (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جميع ذلك، فوقع كلّ ما أخبر. وفيه الإعجاز من جهتين: الاُولى: علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) بها. الثانية: صدقه في جميع ما أخبر، ووقوعه، حتّى أنّه لم يكن فيه بداء، فكان صدره الشريف كاللوح المحفوظ. الثامن عشر رضاهم، وتسليمهم، وتحمّلهم لها، دليل قاطع على إيمانهم، وكمال عقائدهم، وقوّة يقينهم بالله تعالى وبوعده ووعيده. ولولاها، فلعلّ أحداً يحتمل، أو أمكن أن يقول: إنّهم ظنّوا، ولم يقطعوا، أو احتملوا فاحتاطوا(10)! الهامش (9) الضمير يعود على البلايا والمصائب الواردة على أهل البيت (عليهم السلام). (10) استدلال إنّي ظريف من المصنّف بنوعيّة المصائب الواردة على أهل البيت (عليهم السلام).

ص240 لكنّ رزاياهم موجبة لليقين بأنّ الحاصل لهم هو أعلى مراتب حقّ اليقين، فيكون علمهم حجّة على العالمين. وإنّ من لم يتيقّن فإنّما لضعف في بصيرته، فيجب عليه متابعة هؤلاء المتيقّنين، المتّقين. التاسع عشر ابتلاؤهم في الدنيا دليل على المعاد ويوم الجزاء. وإلاّ، فيلزم أعظم وهن في صنع العالم، لمخالفة الحكمة الواجبة، ونقض ما يُشاهد ويحكم به الحدس الصائب من إتقان الصنع، على أحسن نظام وأكمل وضع، وأجمل ترصيف. فيجب ـ بحكم نظام العالم ـ أن لا يضيع أجر المحسنين، ولا يفوت جزاء الظالمين. وبما أنّ ذلك ليس في الدنيا، وجب ـ بالضرورة ـ أن يكون في الآخرة. متمّ العشرين أنّ تحمّلهم للرزايا، وشهاداتهم، وقصر أعمارهم، لطف لهم، الهامش بظروفها ومقارناتها وتحمّلهم لها، على لزوم علمهم بها وتيقّنهم بنتائجها، إذ أنّ الإقدام على تحمّل مثلها لا يكون على أساس من الظنّ والإحتمال، والرجاء والإحتياط، بل خطورتها وفداحتها تقتضي اليقين والقطع. وهذه فائدة عظيمة، ودلالة قطعيّة حكيمة.

ص241 وتقريب إلى الفوز بنعيم المعاد، وتحصيل المراد. من جهة دلالة ذلك على عدم قابليّة هذه الحياة، ودناءة مرتبة الدنيا، وعدم لياقتها، وأنّها قنطرة إلى الآخرة. ولذا قالوا: «الدنيا ساعة، فاجعلها طاعة». فكأنّهم (عليهم السلام) برضاهم وتسليمهم بمنزلة من خيّره الله تعالى بين البقاء في الدنيا والرحيل، فاختار الرحيل، وأسرع عمداً، وعانق الموت رغبةً عن الدنيا، وشوقاً إلى الآخرة(11). وبهذا(12) يجاب عن إشكال: إنّهم (عليهم السلام) إذا كانوا يعلمون بأوقات وفياتهم، وأسبابها، فلِمَ لم يحترزوا عنها؟! وكيف باشروها، وحضروها مع قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ]الآية (195) من سورة البقرة (2)[؟! …(13) الهامش (11) وقد ذكر هذا في الروايات بعنوان: «اختيار لقاء الله».. كما في حديث عبدالملك بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: أنزل الله تعالى النصر على الحسين (عليه السلام)، حتّى كان بين السماء والأرض. ثمّ خُيّر النصر، أو لقاء الله. فاختار لقاء الله تعالى. الكافي ـ الاُصول ـ 1/260 باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون متى يموتون، وأنّهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم، الحديث 8. (12) هذا إشارة إلى الوجه الأخير، بل إلى الكتاب كلّه، لأنّ الوجوه السابقة تصلح ـ أيضاً ـ للإجابة عن هذا الإشكال، وقد تقدّم منّا مقال مفصّل تضمّن إجابة أوسع عن الإشكال، فراجع. (13) في مخطوطة المصنّف هنا بياض بمقدار نصف صفحة.

ص242 الهامش ولعلّ المصنّف أراد تفصيل الإجابة عن ذلك الإشكال الذي تحدّثنا نحن بالتفصيل عن أصله وكذا عن الردّ عليه في مقال مستقلّ بعنوان: «علم الأئمّة (عليهم السلام) بالغيب» وقد طبع في الصفحات 7 ـ 107 من هذا العدد من هذه المجلّة الموقّرة. وممّا ذكر ـ في هذه الرسالة، وفي المقالة ـ ظهر ما في كلام السيّد الطباطبائي (رضي الله عنه) حول علم النبي والأئمّة عليهم الصلاة والسلام بالغيب في رسالته المفردة عن الموضوع، حيث قال بعد تفريقه بين علم الله وبين علم الأئمّة، بالأصالة في الأوّل والإستقلالية به، والفرعيّة في الثاني والتبعيّة به، ما نصّة: إنّ من المعلوم أنّ الإنسان الفعّال بالعلم والإرادة إنّما يقصد ما يتعلّق به علمه من الخير والنفع، ويهرب ممّا يتعلّق به علمه من الشرّ والضرر. فللعلم أثر في دعوة الإنسان إلى العمل، وبعثه نحو الفعل والترك بالتوسّل بما ينفعه في جلب النفع أو دفع الضرر. وبذلك يظهر أنّ علم الإنسان بالخير، وكذا الشرّ والضرر في الحوادث المستقبلة إنّما يؤثّر أثره لو تعلّق بها العلم من جهة إمكانها لا من جهة ضرورتها. وذلك كأن يعلم الإنسان أنّه لو حضر مكاناً في ساعة كذا من يوم كذا قُتل قطعاً، فيؤثّر العلم المفروض فيه ببعثه نحو دفع الضرر، فيختار ذلك الحضور في المكان المفروض تحرّزاً من القتل. وأمّا إذا تعلّق العلم بالضرر ـ مثلا ـ من جهة كونه ضروري الوقوع، واجب التحقّق، كما إذا علم أنّه في مكان كذا في ساعة كذا من يوم كذا مقتول لا محالة، بحيث لا ينفع في دفع القتل عنه عمل، ولا تحول دونه حيلة، فإنّ مثل هذا العلم لا يؤثّر في الإنسان أمراً ببعثه إلى نوع من التحرّز والاتّقاء، لفرض علمه بأنّه لا ينفع فيه شيء من العمل، فهذا الإنسان مع علمه بالضرر والمستقبل يجري في العمل مجرى الجاهل بالضرر. إذا علمت ذلك، ثمّ راجعت الأخبار الناصّة على أنّ الذي علّمهم الله تعالى من العلم بالحوادث لا بداء فيه ولا تخلّف، ظهر لك إندفاع ما ورد على القول بعلمهم بعامّة الحوادث من: «أنّه لو كان لهم علم بذلك لاحترزوا ممّا وقعوا فيه من الشرّ، كالشهادة قتلا بالسيف، وبالسمّ لحرمة إلقاء النفس في التهلكة»! وجه الإندفاع: أنّ علمهم بالحوادث علم بها من جهة ضرورتها، كما هو صريح نفي

ص243 الهامش البداء عن علمهم. والعلم الذي هذا شأنه لا أثر له في فعل الإنسان ببعثه إلى نوع من التحرّز، وإذا كان الخطر بحيث لا يقبل الدفع بوجه من الوجوه، فالإبتلاء به وقوع في التهلكة، لا إلقاء في التهلكة! قال تعالى: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم). رسالة في علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام (عليه السلام) بالغيب، للسيّد محمّد حسين الطباطبائي، تحقيق رضا الاُستادي، طبع مع الرسائل الأربعة عشر، جماعة المدرّسين ـ قم 1415هـ . أقول: وجوه النظر فيه عديدة، هي: 1 ـ عدم فرضه أنّ ما وقعوا فيه، ممّا عدّه الأغيار تهلكة وشرّاً وضرراً، إنّما هو في اعتبار الأئمّة (عليهم السلام) خير وبرّ ورحمة، كما هو عند الأخيار كافّة. 2 ـ فرضه أنّ ما جرى على الأئمّة من قبيل ضروري الوقوع، واجب التحقّق، وأنّه لا بداء فيه، يقتضي الجبر لعدم تمكّنهم من التخلص منه. وهو مناف لصريح الروايات الدالّة على إختيارهم لما قوع، وأنّهم لو شاؤوا لم يقع. 3 ـ وفرضه أنّ العالم بالضرر يجري في العمل مجرى الجاهل، ينافي إثبات العلم لهم، فإنّه لو فُقد أثره لم يفرّق في ذلك في مقام العمل بينه وبين الجاهل، فمحاولة فرضه وإثباته لغو لا محالة. 4 ـ وفرضه أنّ علمهم لا بداء فيه، مخالف للنصوص الدالّة على أنّهم يختارون ذلك رغبةً في لقاء الله، ورفضاً للحياة الدنيا، مع تخييرهم في ذلك. 5 ـ وفرضه أنّ ما جرى عليهم وقوع في التهلكة، ينافي إصرارهم (عليهم السلام) على ما أقدموا عليه ورفضهم لكلّ أنواع التحذيرات والتوسّل بهم لدفعهم على الإمتناع، كما أعلنت عنها السيرة الشريفة لكلّ منهم. 6 ـ وأمّا إستشهاده بالآية، فغير مرتبط بالمقام، لأنّها: أوّلا: في مقام تبكيت المنافقين الذين قد أهمّتهم أنفسهم والذين يظنّون بالله غير الحقّ ظنّ الجاهلية. فأين هؤلاء من الذين طلبوا الشهادة، واستيقنت بها أنفسهم، وأعلنوها «فوزاً» مقسمين

ص244 وبذلك تعرف: أنّ من فدى روحه في الحجّ، وضحّى بنفسه بدل الاُضحيّة، شوقاً وعشقاً للقاء الله تعالى هو في أعلى مراتب القرب والقبول. لكن لا يليق ذلك بكلّ أحد، بل إنّما هو مشروط بحصول اليقين الكامل والعشق الخارق. أمّا مع عدم التهيّؤ وكمال الإستعداد، ومع الشكّ والترديد فهو من أعظم المآثم. والحمد لله ربّ العالمين. الهامش «بربّ الكعبة»؟! وثانياً: إنّ ما دلّ من الأخبار الصحيحة، والمشهورة، والسيرة الموثوقة، تخصّص الأئمّة (عليهم السلام) بكون موتهم باختيارهم كما عنون لذلك ثقة الإسلام الكليني في الباب الذي عنونه بـ«أنّ الأئمّة يعلمون متى يموتون، وأنّ ذلك باختيارهم». وبالله التوفيق وهو المستعان.