ضرورة النقد العلمي في مجال تحقيق التراث‏

أبو سيف العلوي‏

الحمد للَّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء والمرسلين وآله الطاهرين .

وبعد؛ فإنّ لتحقيق النصوص في التراث الإسلامي أثراً بارزاً في تخليد مصادر المعرفة ، ولتأكيد حيويّتها ، مضافاً إلى ما فيه من شارات الفخر والمجد العتيد ، وما فيه من تزويد الأجيال القادمة من معارفها العظيمة ومعالمها الحقّة .

وقد سبق علماءُ الإسلام كلَّ الثقافات في هذا الشأن ، ولهم في سبيل ذلك جهود ومناهج دقيقة ، تعدّ من أفضل طرق التوثيق وأساليب التأكّد من صحّة النصوص ، حسبما وقفنا عليه من المقارنة بين ما وضعوه منذ القدم ، وما هو المعروف بين ذوي الاختصاص في القرن العشرين ، من مختلف الحضارات والأديان .

وقد اجتمعت كلمةُ ذوي الاختصاص على ضرورة هذا الفنّ ، في سبيل الإفادة الصحيحة والتامّة من التراث العظيم الذي خلّده السابقون ، وأودعوا فيه الفكر والثقافة والأدب وما له دخل في المعرفة الإنسانية والإسلامية عامّة .

واجتمعت - كذلك - كلمتُهم على دوران أمر «تحقيق النصوص بين صعوبة المهمّة ، وخطورة الهفوات» وذلك : لأنّ التراث يعتبر أمانةً في أيدي الأجيال ، وبخلوده تخلُد الحضارات ، ومهما كان التراث مقدّساً فإنّ صعوبة المهمّة وخطورة الهفوات فيه تزداد أكثر .

أمّا صُعوبة المهمّة فتنشأ عن مشاكل اختلاف الخطوط التي دوّنت بها الكتب التراثية ، مع ما عليه الرسم في الخطّ العربي ، من متشابهات ومشاكل تعود إلى مسألة «الضبط» واختلاف الكتاب في الالتزام بما يلزم من شؤون الخطّ وآدابه ، واختلاف ثقافات الخطّاطين والكتّاب بالنسبة إلى ما يتصدّون لكتابته من كتب العلوم والفنون ، مضافاً إلى تأثّر التراث المخطوط بعوامل مخرّبة ومشوّهة للحبر والكتابة والورق وما إلى ذلك من شؤون طبيعية وبيئية .

فيقف المتصدّي لتحقيق التراث أمام جميع هذه المشاكل في كلّ صفحة وسطر ، بل كلّ كلمة .

وبما أنّ «التحقيق» يقتضي - حسب معناه اللغوي والاصطلاحي - إظهار الحقّ وإبرازه ، ممّا بيده من النسخ ، وإخراج «الحق الذي ألّفه المؤلّف وكتبه وأراده» فهذا يتوقّف على بذل جهود عديدة :

1 - لأداء الأمانة التي يلتزمها ، فلو أخلّ بجزءٍ ممّا سبق فيعتبر عمله خيانةً وتقصيراً بالنسبة إلى المؤلِّف ، لاتهامه بما وضع في الكتاب المنسوب إليه .

وكم وجدنا من الجَهَلة مَنْ نسبوا باسم «تصحيح تراثنا . . .» إلى الأعاظم من العلماء ما هم بُرءاء منه ، استناداً إلى ما طُبع في المنسوب إليهم من المؤلَّفات ، زاعمين أنه من أخطاء المؤلِّفين أنفسهم!؟

دون أن يراجعوا النسخ الصحيحة ليجدوا بأعينهم الخائنة: أنّ المُثبت في خطوط العلماء هو الصحيح الصائب ، دون ما نُسب في المطبوع إليهم من الخطأ .

فالإهمال في عمل التحقيق ، يُسْخط المؤلِّفين قطعاً ، كما أنّه يُشوّه سمعة العلم والتراث ، وفيه خيانة للأجيال من الاُمّة الذين سيراجعون هذا التراث فيستفيدون منه .

بينما الاهتمام بالتحقيق والتأكّد منه بالسير على أُصوله العلمية القويمة ، أمر يوجب الفخر للمحقِّق ، كما أنّه إحياءٌ للمؤلِّف ، وتخليد للحقّ الذي أودعه في كتابه ، ولقد ذكر أحد الأعلام : إنّ المؤلّفين القدماء سوف يغمرون بأدعيتهم الصالحة ، المحقّقين الذين يقومون بإحياء آثارهم .

وهو خدمةٌ للأُمّة في الإعلان عن أمجادها العلمية ، وللأجيال القادمة بتوفير هذا الكنز لهم ، ليتزوّدوا منه بأسهل شكل وأحسنه وأقومه .

وكلّ ذلك لا يتحقّق إلّا بالعمل الجادّ والصائب .

وأمّا الخطورة فتكمن في الانحراف الذي قد يترتّب على هفوة تحقيقية يقع فيها المحقِّق ، خصوصاً في الكتب التي لها قدسيّة خاصّة ، كالذي يتعلّق بالقرآن وعلومه ، والحديث وعلومه ، وكتب الأنساب ، وأمثال ذلك .

وكما قلنا ، فمهما توغّل الأثر التراثيّ في القدسيّة ، كانت الخطورة في أخطائه أكثر وأشدّ .

ومن أهمّ الإعدادات اللازمة للمحقِّق - مضافاً إلى الدقّة والصبر والتواضع والإخلاص - هو المعرفة التامّة بالفنّ المصنَّف فيه ذلك الكتاب ، كي يكون واقفاً على أسراره وأبعاده الاصطلاحية التي لا يعرفها إلّا أهل الفنّ ، ويُطبّقها على النصّ الذي يريد تحقيقه .

كما أنّ الإلمام بأكثر علوم الإسلام ، أمر لازم للمحقّق ، خصوصاً العلوم الأدبية العربية ، وأهمّها النحو والصرف والبلاغة ، والأدب العام ، والتاريخ والخط ، والضبط ، والقرآن وعلومه ، والحديث والرجال ، كلّها من الضرورات التي لابدّ أن يتمتّع المحقّق للنصوص بشي‏ءٍ وافرٍ منها ، لأنّ الثقافة الإسلامية تعتمد على هذه العلوم بشكل واسع ، وهي من المعارف التي كان يلمّ بها كلّ مثقفٍ مسلم في قرون الازدهار ، وتنعكس آثارها بقوّة على حياتهم ، فضلاً عن جهودهم المكتوبة .

* * *

وبالرغم من توجّه الكثيرين من مثقّفي الأمّة إلى العمل في مجال تحقيق النصوص ، وإبداعهم في إحياء عيّنات كثيرة من الكتب طوال القرن الرابع عشر الهجري - العشرين الميلادي - فيها ما يمتاز بالروعة والجودة ، ويستحقّ الإكبار والتمجيد ، ويكشف عن قدرات فائقة للمحقّقين لها ، يذكرون من أجلها ، ويشكرون عليها .

فإنّ هذا الفنّ - ككثير من الفنون والعلوم - لم يخلُ من التطفّل على موائده والتدخّل في ساحته المقدّسة ، وعلى أيدي أُناس لا يحسّون بأدنى‏ مسؤولية ، ولا يعلمون عن «صعوبة المهمّة وخطورة الهفوات» شيئاً ، لو أحسنّا الظنّ بهم .

وقد تردّى الوضع في هذا المجال ، إلى حدّ دفع بعض أصحاب المؤسسات المدّعية «لإحياء التراث» وهو ممّن يشجِّع المتطفّلين للتكثير من العمل الهابط ، ليُضْفي غطاءً على فضائح مؤسّسته ، يحسب أنّ : «البلية إذا عمّت طابت» .

إنّ تردّى أوضاع العمل في مجال «تحقيق النصوص» أدّى إلى ذلك الُمجرم أن يقول : «لا أشتري ألفي محقّقٍ ، بفَلْسٍ واحِدٍ» .

وهكذا يرخّص القزْمُ من شأن هذا العمل المقدّس والعاملين فيه ، لأنّه يستخدم كلّ يوم مَنْ يشتهي من باعة سوق الخُضَر ، للعمل في تحقيق تراثه! يريد بذلك التأثير على سمعة العلماء الأجلّاء الذين يعملون في هذا الفنّ الجليل والعمل الديني النبيل .

ولا يدري - كافأه اللَّه - أنّ هذا العمل هو جزء من إحياء الدين ، الذي يعلو ولا يُعلى عليه .

ومن جانب آخر :

نجد الزخم الذي ينشر من الكتب التراثية ، وبالتحقيقات الهزيلة ، ممّا يندى له جبين العلم ، ويجعل الحديث عن ذلك ، والتفصيل عن مآسيه ، موجباً للنفرة والتقزّز .

مع أن هذا لا يعني الإطلاق؛

ففي الوقت والآخر نجد عملاً جيّداً فخماً وبأيدٍ أمينة من فطاحل العلم والقلم ، يُضي‏ء الفضاء العلمي والتراثي ، ويثلج الصدر ، ويحيي الأمل في القلوب ، وكذلك نجد في المحقّقين الناشئين تطلُّعاً إلى الانقطاع إلى هذا الفنّ الذي أصبح - لتطفّل الجهلة عليه - مظلوماً ومُهاناً .

فنحن ندعو المخلصين لهذا التراث وهذا الدين وهذه الحضارة ، أن لا يتهاونوا في هذا العمل ، ويلتفتوا إلى «صعوبة المهمة وخطورة الهفوات» .

وليعلم الإخوة أنّ هذا الفنّ - ككلّ عملٍ وفنٍّ وصنعةٍ - بحاجةٍ إلى مُرْشِدٍ يقوم بإراءة الخطوات الاُولى والإرشادات العامّة والخاصّة ، وأنّ الأمر أعزُّ وأخطر وأصعب من الدخول فيه بغير عُدّة واستعداد .

* * *

ولم نجد في التصدّي لما يصدر من الأعمال الهزيلة ، فائدةً علميّة ، ولا عمليّة ، ولعدم تفرّغنا لذلك ، مع ما في مثل ذلك من تحسّس العاملين والناشرين ، ممّا نبرّئ أنفسنا ونيّاتنا منه ، فاللَّه يعلم أنّا لا نقصد من عرض ما نقوله إلّا الحقّ وخدمة مصادر الدين ، وإرشاد مَنْ يعمل في هذا المضمار المقدّس .

إلّا أنّا لمّا نقف على أعمال تمسُّ النصوص المقدّسة ، الداخلة في إطار القرآن وعلومه ، أو الحديث وعلومه ، فإنّا لا تأخذنا في ذلك لومة لائم ، فذلك أعزّ علينا من المؤاخذات والعتاب .

فنرجو أن ينتبه لهذا أصحاب الأعمال المعروضة في هذا الباب (باب النقد العلمي) الذي لم نفتحه - منذ العدد الأوّل - ونحن نفتقده ، والعلم والعلماء بحاجةٍ ماسّة إليه ، لما فيه من دَعْم وتقويم وتصحيح للمسار العلميّ ، وإرشاد وتوجيه للسائرين عليه .

ونقدّم في هذا العدد ، نقدين لعملين صدرا حديثاً :

أحدهما : تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين ، للإمام الحاكم الجِشُميّ (الشهيد 494ه) ، وهو جهد قرآني .

ثانيهما : عيون المواعظ والحِكم ، للمحدِّث الواسطي ، وهو جهد حديثي .

نرجو أن ينفتح لهما صدر العاملين في مجال التحقيق ليكون ما جاء فيهما درْساً للإخوة الزملاء ، والناشئين الأحبّاء ، وتذكرةً للعلماء والفضلاء والمحقّقين الأكفاء ، ونسأل اللَّه التوفيق وهو قريب مجيب الدّعاء .