ضرورة تطويع الممارسات...

ضرورة تطويع الممارسات‏

للانتهال من معين الحديث الشريف‏

كلّما تبتعد الأيّام عن عصر النصّ ، المحدّد بالقرون الثلاثة الاُولى؛ التي كانت تزدهر بحضور مصادره المباشرين ، فإنّ الحاجات تتضخّم وتتنوّع وتكثُر ، مع زيادة المستجدّات وأطوار الحياة ، ومتطلّباتها المختلفة ، والتي تلحّ على الكشف عن وجهة النظر الإسلامية؛ فتكون الحاجة إلى النصوص ، للحصول على الإجابات الموثوقة ، أمراً أكثر ضرورة ، وأوضح.

وبما أن القسم الأكبر من معارف الإسلام وأحكامه ، تعتمد عنصر التعبُّد ، باعتبار أمميته ، ووضعه ديناً شاملاً ، وخاتمة لشرائع السماء ، ولم يكن منطوياً على جماعة ، أو عنصر ، أو قطر ، أو محدوداً بإطار زمنيّ معيّن ، فإنّ العالِمَ بالمصالح العامة بكل هذه الشمولية واللامحدودية ، ولجميع الكتلة البشرية ، ليس إلّا المشرِّع الإلهي ، ولا طريق إلى التوثق من صلاحها وصلاحيتها إلّا عبر رسالة السماء الخالدة ، بالوحي إلى العناصر المصطفاة ، والمؤيّدة من اللَّه عزّوجلّ ، وهم الرسل الكرام وأوصياؤهم العظام.

فالحاجة إلى النصوص المأثورة ، والحالة هذه ، تكون أمسَّ ، وآكد ، والضرورة إلى الانتهال منها أكثر إلحاحاً.

وبموازاة هذا ، فإن الملحوظ تأثير البُعْد الزمني - على مدى قرون - في التوجّه إلى النصوص ، بين التقوقع والانكماش إلى حدّ التفريط ، ممّا أدّى إلى الابتذال والسطحية.

وكان للغزو الغربيّ للبلاد الشرقية ، وتطويقه لمناهج التعلّم والتعليم في الوطن الإسلامي ، والتركيز على التجريبية ، أثرٌ على الأساليب العلمية الدقيقة التي دأب عليها المسلمون في قرون الازدهار الحضاري ، إلى حدّ ضياعها وانكماشها ، والاتّجاه إلى الشكليّات ممّا أدى إلى ضآلة العناية بأمر النصوص وتوثيقها ضبطاً ودلالة وتطبيقاً ، بينما هي أساس الإسلام.

ولكن ، كان للقرآن الكريم ، المعجزة الخالدة ، أكبر الأثر في الوقوف أمام ذلك الغزو ، وتبديد كل المحاولات الظالمة المظلمة. للتعتيم على مصادر هذا الدين الإلهي العظيم ، لأنّه العمود الفقري للنصوص المقدّسة ، والمرجع الآمن لنقدها ، وهو المحفوظ بوعد اللَّه تعالى ، بالرغم من المحاولات الفاشلة ، لطمس أثره ومعالمه ، سواء بدعوى «التحريف» زوراً وبهتاناً ، أو بمحاولة «نفي التحريف» الموحي إلى وجود شبهة التحريف ، غباءً وجهلاً ، فإنّ كلا العملين يصبّان في مجرى واحد ، هو وجود الاتهام ، والبحث عن الشبهة ، وتهيئة الأجواء لمن يُريد الإساءة إلى سمعة هذا النصّ المعجز الخالد.

فبينما المفروض التوجُّه إلى عظمة القرآن والاستضاءة بنوره ، ونشر فضائله ، والكشف عن سرّ إعجازه ، وبيان عميق تأويله ، والكشف عن أسرار خلوده ، وحكمة تشريعه ، وغير ذلك ممّا يزيّف أوهام المحرفين.

نجد ، مَنْ لا ينظر إلى الأبعد من بين قدميه ، يُحاول اتهام طائفة من المسلمين بالقول السخيف بالتحريف! وهذا يستفزّ الطرف الآخر ليوجّه الاتهام نفسه إلى ذلك الشاذّ المغرض ، فيقع هذا في نفس الغرض الذي بعثه ذلك المغرض وأثاره به فيقرّر الاحتمال السخيف ، من حيث لا يشعر!؟

ولكنّ اللَّه تعالى - الذي وَعَدَ بكل تأكيد ، بحفظ هذا القرآن الكريم ، فأكرم الإسلام والاُمّة بنصّه العظيم - أبى إلّا أنْ تطيش سهام المغرضين الحاقدين من حيث يشعرون ، وتذهب هباء جهود الغافلين من حيث لا يشعرون ، ويبقى هذا القرآن ، هو الملاك في تقويم النصوص ، والمحكّ لنقد المحض الصائب من الدخيل الزائف ، فيما يُروى أو يُنسب من الأحاديث الشريفة المأثورة عن أئمّة الإسلام.

والحديث الشريف: نفسه ، وهو ثاني مصادر الإسلام ، هو الآخر لم يزل ولا يزال المنبع الرويّ ، بلا منازع ، فعليه تعتمد تفاصيل الشريعة ، وهو المفسّر لمراد الآيات القرآنية الكريمة ، من أجل ذلك لم يألُ المسلمون جُهْداً في القيام بأمر ضبطه وحفظه - على الألسن والأوراق - وتداوله وتعاطيه ونشره وتخليده ودعمه وشرحه ، حتى أصبح الفكر الإسلامي من أغنى الحضارات من حيث النصوص المعتمدة كمّاً وكيفاً ، وهذا ممّا لا يرتاب فيه إلّا مكابر!

واليوم ، وحيث نقفُ في مواجهة التيارات المعادية لهذا الدين ، وحيث تنخر فينا الحضارة الغربية بزيفها وعلمنتها وزبرجها ، وبُعْدها عن كلّ سُمُوٍّ وسماويٍّ ، فإنّ من أوجب الضرورات على اُولي الأمر وأهل الحلْ والعقد: أن يتنبَّهُوا إلى تطويع القدرات المتوفّرة في سبيل خدمة النصوص - وأوسعها الحديث الشريف - لتطوير الإفادة منها ، وتنسيقها وبالسرعة والحجم والتنظيم حسب أدوات العصر وإمكاناته الهائلة بدءاً من التجميع ، والضبط والبرمجة ، وإلى التعميق والتأمّل الدقيق ، والابتعاد عن السطحية المتداولة في مناهج الدراسات العصرية ، والمحاطة بهالات العناوين والأسماء والشهادات الفارغة!

ولقد أثبتت التجربة في العقود الاُولى من هذا القرن - التاسع عشر - أنّ المناهج الدراسيّة القديمة ، هي أنجح وأنجع وأوصل للمراد في العلوم الإسلامية ، وأفيد: عمقاً واستيعاباً وأداءً.

ولا يعني هذا ، إطلاقاً - كما هو واضح - رفض الإمكانات والتسهيلات العصرية المتوفّرة ، وإنّما التركيز على المناهج والكتب ، فإنّ إضعافها ، أو إهمالها والتهاون بها ، حتى على مستوى آداب العلم والعلماء والمتعلّمين ، هو ممّا أدّى فقده لدى الطلّاب: الخمول ، والسطحيّة ، والعجز عن اللحاق بشأو أصغر المحصلين على الأسلوب القديم.

إن الإمكانات العصرية ، وهي مواهب إلهية ، لابدّ أن تستخدم بشكل أفضل ، لكن لا على حساب العلم ، ولا على حساب الخبرات التي لا تحصل بالآلات والأدوات ، بل بالمثابرة والجدّ والتطبيق ، وقبل كلّ شي‏ء وبعده: بالإخلاص في العمل للَّه ، مع التقوى والأدب والخلق الكريم.

بل في مناهج العلم القديمة ، ما لم يعوّض عنها شي‏ء في المناهج الحديثة ، كموضوع تحمّل الحديث وأدائه ، وكيفية ضبطه وتداوله ، فهذا ممّا أغفلته المناهج الحديثة ، ولم تعوّض عنها ببديل إطلاقاً ، فالعودة إليها واجب عينيّ ، في طريق إحياء الحديث الشريف للانتهال من مصادره ، والتزوّد من ينبوعه ، ذلك الأمر المعلوم ضرورته وأهمية ما يؤديه من دور عظيم في هذا الظرف العصيب.

وبما أنّا نسعى في هذه المجلّة لتعميق المعرفة الحديثيّة ، وتوجيه الأنظار والهِمَم إلى إحياء معالمه وتراثه ومناهجه ، فقد بدأنا في هذا العدد نشر ما يتعلّق بإجازة الحديث ، التي تعدّ من أوسع طرق تحمّل الحديث وأدائه ، وأكثرها تداولاً ودوراناً بين الأعلام ، في العصور المتوالية.

انطلاقاً منها إلى تثبيت هذه الطرق في المناهج العلمية والدراسية المعاصرة ، ورجاء في العودة الحميدة إلى الحديث الشريف وعلومه.

والحمد للَّه على إحسانه ، ونسأله الرضا عنّا بفضله وجلاله إنّه ذو الجلال والإكرام.

التحرير