الحشويّة

آراءً ، وملتزماتٍ‏

السيِّد محمّد رضا الحسيني الجلالي‏

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للَّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيِّد الأنبياء والمرسلين محمّد ، وآله الأطهار المعصومين .

وبعد ، فقد سبق منّا في هذه المجلّة الموقّرة ، مقال «الحشوية نشأةً وتأريخاً» فصّلنا فيه الحديث عن هذه الفرقة ، ومناشئ وجودها وتاريخها ، وفرقها ، وقد تكوّن بذلك الفصل الأوّل من البحث(1) .

ونُقدّم هذا الفصل الثاني ، المتكفّل للحديث عن آراء الحشويّة وملتزماتها الخاصّة ، والتي شذّت بها عن سائر الفرق الإسلامية ، والتي لها آثار مهمّة في فكر أصحابها ومناهجهم في الحياة .

وباللَّه التوفيق إنّه خير معين .

الفصل الثاني‏

آراء الحشويّة وملتزماتها

اختصّت الحشويّة - على أثر المنهج الذي التزموه - بآراء شذّوا بها عن جماعة المسلمين كافّةً ؛ معتمدين في تلك الالتزامات على ما نقل إليهم من الروايات الشاذّة ، والأخبار النادرة ، والأحاديث الآحاد الأسانيد ، على منهجهم ، في الأخذ بكلّ ما رُوي ، مُعرضين عن مناهج النقد الدلالي الداخلي والخارجي ، وملتزمين بالنقد السندي حسب مصطلحات وأُسس خاصّة بهم ، موضوعة حسب أهواء جماعة من أهل نحلتهم ، مع ارتباك كبير في تحديدها ، وتطبيقها(2) .

وجمع الإمام الأقدم الفضل بن شاذان النيسابوري (ت حدود 260ه . ) مجموعة من تلك الأحاديث والأقوال المبتنية عليها في كتابه القيّم «الإيضاح»(3) .

ونحن نعرضُ أهمّ ما تميّزت به هذه الجماعة «الحشويّة» من ملتزمات وآراء ، مع تعليقات عابرة عليها .

1 - الالتزام بالتقليد في أصول العقائد :

التقليد في اللغة : مأخوذ من قلادة البعير وغيره ، فإنّ العرب تقول : «قلّدت البعير» إذا جعلت في عنقه حبلاً يُقاد به .

فكأنّ المقلِّد يجعل أمره كلّه لمن يقودُه ، حيث شاء القائد ، من دون أن يعرف المقلّدُ مسيره أو مصيره .

ولذلك اشترط العقلاء والعلماء في ما يجب ويلزم فيه التقليد أن يقلَّد الأحزمُ والأعرَفُ .

وقلّدوا أمركم للَّهِ دَرّكمُ‏

ثَبْتَ الجنان بأمر الحربِ مُضطلعا

ا

كما قال جمهور العقلاء والعلماء بأنّ التقليد ليس طريقاً للعلم ولا موصلاً إليه ، فلا يجوزُ التزامه فيما شأنه العلم وشرطه اليقين من أُصول الدين وفروعه ، وغيرها من فروع المعرفة وشعب العلم .

لكنّ الحشويّة خالفوا في هذا .

قال القرطبيّ : التقليدُ ليس طريقاً للعلم ولا موصلاً له ، لا في الأصول ولا في الفروع ، وهو قول جمهور العقلاء والعلماء ، خلافاً لما يُحكى عن جُهّال الحَشْويّة ، والثعلبية(4) ، من : «أنّه طريقٌ إلى معرفة الحقّ» و«أنّ ذلك هو الواجب» و«أنّ النظر والبحث حرامٌ»(5) .

وقد اعتمدوا في كلّ عقائدهم - كما في الأحكام الفرعية - على تقليد نقَلَة الأخبار ، ولم يفرّقوا بين ما تجب فيه المعرفة بطريق العلم ، وبين ما يكتفى فيه بالتعبُّد بما عيّنه الشارع المقدّس طريقاً للعمل .

وقال السيِّد محمّد تقي الحكيم في مبحث الخلاف في حجّية التقليد : وأكثريّة المسلمين - من الشيعة وأهل السنّة - على وجوبه تخييراً .

وأمّا رأي الحشويّة والتعليميّة(6) وربّما وافقهم ابن الصلاح ومن تبعه في عُهود التقليد من السنّة ، فأصل مبناهم حَظْرُ الاجتهاد مطلقاً في جميع العصور .

ولم أعثر على توجيهٍ له .

والذي يبدو من عرض الغزالي ، في مسألة التقليد - الذي عرّفه بقبول قول الغير بلا حجّةٍ - : أنّهم يحظرون الاجتهاد حتّى في مسألة وجوب التقليد عيناً ، فيكون قولهم بلا حجّة .

ومثل هذا التقليد - بالإضافة إلى عدم قيام الحجّة عليه - فالأدلّة القاطعة قائمةٌ على الردع عنه .

وحسبُك ما صرّح به الكتاب العزيز من ذمّه للمقلّدين الذين اعتمدوا أقوال سَلَفهم ، وأعمال آبائهم كمصدرٍ للسلوك وصدروا عن محاكاةٍ لهم وتقليد ، مع أنّ آباءهم كانوا لا يملكون من العلم شيئاً {لَا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ(7)} .

ومع أنّ هذا الكلام ينطبق على ما يراه الحشوية كاملاً ، إلّا أنّ المهمّ - في رأيهم - التزامُهم بالتقليد في أصول الدين والمعارف الإسلامية التي يجب أن تُعرَف بالعلم واليقين ، مع أنّ التقليد ظنّي لا يوصل إلى العلم بإجماع أهله ، فهو لا يُغني عن الحقّ شيئاً .

وقد سبق في الفصل الأوّل أنّ من أسماء هذه الطائفة : «المقلّدة»(8) .

وأنّ الشيخ المفيد ذكرهم بقوله : «جماعة من معتقدي التشيّع ، غير عارفين في الحقيقة ، وإنّما يعتقدون الديانة على ظاهر القول ، بالتقليد والاسترسال ، دون النظر في الأدلّة والعمل على الحجّة» .

فقال المعتزلي : خبّرني عن هؤلاء المقلّدين من الشيعة الإمامية(9)؟

ووصفهم الشيخ الطوسي بأنّهم : إذا سُئلوا عن التوحيد أو العدل أو صفات اللَّه تعالى ، أو صحّة النبوّة ، قالوا : «هكذا رُوّينا» ويروون في ذلك كلّه الأخبار(10) .

ومن هنا يظهر أنّ ما يختصّ بهم هو الالتزام بالتقليد في الأصول ، أمّا في الفروع فالتقليد للمجتهد العارف بالأحكام من الأدلّة التفصيليّة ، فهو أمر مجمع عليه لدى المسلمين مستدلٌّ عليه عند جميع الفقهاء ، فإنّه من باب رجوع الجاهل إلى العالم ، وهو موافق لأدلّة العقل والشرع ، وعليه الإجماع كما سبق .

بخلاف التقليد في أصول الدين ، فهو باطل كذلك بالإجماع ، سوى ما يلتزمه الحشويّة خاصّة .

ولبشاعة أمر هذا الالتزام ، أظهر واحد من كبار الحشويّة التضجّر منه ، واعتبر نِسْبة «التقليد» إليهم قذفاً(11) .

والغريب أنّ الحشويّة الذين هذا شأنُهم في حَظْر الاجتهاد والنظر والبحث ، في الفروع والأصول ، والالتزام بالتقليد التامّ في كلّ المعارف ، فإنّ ذيولهم الوهابيّة - في عصرنا - يمنعون من تقليد الفقهاء أصحاب المذاهب الفقهيّة الإسلاميّة كافّة ، ويحصرونه في اتّباع مذهبهم!

ولا شكّ أنّ عملية البحث والتنقيب التي تجب على كلّ مكلّف في أصول الدين هي نوع من بذل الجهد ، لكنّ تسميتها بالاجتهاد خطأٌ واضح ، لأنّ الاجتهاد أصبح مصطلحاً فقهيّاً يعتمد على مقدّمات طويلة من قبيل معرفة اللغة وعلومها ، ومعرفة النصوص وتحديدها وبلوغها ، ومعرفة القواعد الأصولية والفقهيّة وتمييزها ، ممّا هو معلوم لأهل العلم ، بينما البحث في علم الكلام لا يتوقّف على هذه ، ولهذا وجب على كلّ عاقل في بداية التكليف وعلى كلّ مكلّف حتّى العامّي ، لأنّ البحث الكلامي يتوقّف على مقدّمات ميسّرة لكلّ إنسان له قدرة التأمّل والنظر والفكر ، وهذه هي التي أمر اللَّه تعالى بها في القرآن الكريم حاثّاً على التفكّر في (15) آية : {ثمّ تتفكّروا} و{أولم يتفكّروا} و{أفلا تتفكّرون }و{لعلّكم تتفكّرون‏} و{لعلّهم يتفكّرون‏} و{لقومٍ يتفكّرون‏} و{الذين يذكرون اللَّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السموات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقِنا عذاب النار} الآية 191 من سورة آل عمران 3(12) .

و{أفلا يتدبّرون القرآن‏} و{أفلم يتدبّروا القول‏} و{ليتدبّروا آياته(13)} .

وجاءت كلمة { يعقلون‏} في (22) مورداً في كثير منها { آيات لقوم يعقلون }وجاءت كلمة { تعقلون‏} في (24) مورداً في كثير منها { أفلا تعقلون‏} و{لعلّكم تعقلون(14)} .

وهذه الخطابات لم تكن في البداية إلّا للاُمّة الاُمّية من أهل الجاهلية ، ثمّ لم تختصّ فيما بعد بالعلماء المحقّقين ، وإنّما هي عامّة لجميع البشر!

ولقد أبعد مَنْ توهّم فأطلق اسم «الاجتهاد» على مباحث علم الكلام ، ونسب ذلك إلى عرفهم فقال : كما أنّ اسم «الاجتهاد» يتناول في عرفهم فروع الفقه ، فكذلك مسائل الكلام ، لعموم مفهومه لغةً واصطلاحاً ووجوداً(15) .

فهذا جزافٌ من القول ، وبُعْدٌ عن المصطلح الأصولي للكلمة ، وخلط بين المعنى الاصطلاحي واللغوي ، يعرفه أصاغر الطلبة! .

وقد استطال بعضهم على العلم والدين بتلفيق مفتريات يضلّل بها نفسه والآخرين ممّن حوله ، يُقنعهم بهواه ويتقنّع بالدعوة الإسلامية إلى كتاب اللَّه وسنّة رسوله‏صلى الله عليه وآله مباشرة ، معارضاً لتقليد الأئمّة في المذاهب الفقهية ، وهو متهافتٌ في دعوته ، حيث يدعو إلى الأخذ بفتاوى من أسماهم الصحابة جاعلاً سنّتهم علامة الفرقة الناجية بزعمه!

مستنداً على طريقة الحشوية إلى حديث : «عليكم بسُنّتي وسنّة الخلفاء من بعدي . . .» وهو ما لم يثبت رفعه إلى النبيّ‏صلى الله عليه وآله كما أثبتنا(16) .

مع أنّ الحديث - على فرض صحّته - إنّما يدلّ على التزام سنّة الخلفاء من بعده ، والمفروض في عقائدهم أنّ الرسول‏صلى الله عليه وآله لم يستخلفْ أحداً ، ولم يعيّن للخلافة منهم واحداً ، فكيف يرجع إلى سُنّتهم؟

وإن صحّ الحديث ، فإنّما يصحّ على مذهب مَنْ التزم بحديث الثقلين الحاوي لقوله‏صلى الله عليه وآله : «إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتابَ اللَّه وعترتي أهلَ بيتي ، لو تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً . . .» وهو من المتواترات ، والمجمع على روايته المسلمون كافّةً(17) .

فأهلُ بيته‏صلى الله عليه وآله هم‏خلفاؤه الذين استخلفهم ، فالواجب اتّباع سُنّتهم والأخذ بقولهم.

ومع هذا فإنّ الأخذ بأقوال الصحابة - على اختلافها - إنّما هو التقليد لهم في ما فهموه من الكتاب وسُنّة الرسول‏صلى الله عليه وآله ، فلو كان التقليد ممنوعاً - حسب زعمكم الفاسد - لم يكن فرقٌ بين تقليد الصحابي ، وبين تقليد التابعي أو تابعه .

هذا إن كان كلّ صحابيٍّ فقيهاً ، بينما الفقهاء منهم معدودون!

ولكنّ المغالطة في أقوال ذيول السلفية هؤلاء ، أنّهم بينما يتهجّمون على التقليد للمذاهب الفقهيّة ، فهم في نفس الوقت من دعاة التقليد بأشدّ ما يكون ، ولمنْ لم يبلغ رتبة الاجتهاد ولم يستضي‏ء بنور العلم ، وإنّما روى ألفاظ الحديث ونصوصه ، ولم يجمع أحدٌ منهم كلّ الحديث بأجمعه .

فبدلاً أن يقلِّدوا مجتهداً جمع العلم وأخذ بزمامه واعتمد الكتاب وآياته ، والسنّة ونصوصها ، ورواها بطرقه إلى أعلام المحدّثين ، فهم يقلِّدون من سمّوهم الصحابة ، وهم رواة ، لم يزيدوا على الرواية اجتهاداً ولا استدلالاً ولا لاحظوا تعارضاً ولا ترجيحاً بين الروايات .

وزعمهم اتّباعهم للصحابة زورٌ وكذبٌ ، بل إنّما يتّبعون مَنْ وافق أهواءهم رأيه من الصحابة ، وأمّا مَنْ خالفهم فقد اتّهموه بعدم العلم وعدم سماع الحديث ، وهاهم يرفضونه ، فإذا كان الصحابيّ مثل أبي‏ذرّ ، فيقول أحدهم : إنّ أبا ذرّ - رضي اللَّه عنه - لم يعلم الناسخ ، وفي ذلك يقول أوس - رضي اللَّه عنه - كان أبو ذرّ يسمع الحديث من رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله فيه الشدّة ثمّ يخرج إلى قومه ، ثمّ يرخّص فيه النبيّ‏صلى الله عليه وآله فلا يسمع الرخصة ويتعلّق بالأمر الأوّل(18) .

وهذه جسارة فظيعة على هذا الصحابيّ الصادق ، وتجهيلٌ له ، وتبريرٌ لمن عارضوه من الاُمراء ، وتزييف لعمل ذلك الصحابي المجاهد .

فكيف يخفى‏ على مثله عدم جواز تبليغ الحكم ما لم يعرف ناسخه؟ لو صحّ فرض خروجه إلى قومه بمثل ذلك .

ثمّ إنّ ما ذُكر إنّما اُثير في وجه قولة الحقّ التي صدع بها أبو ذرّ لردع معاوية من اللعب بأموال اللَّه والمسلمين أيام ملكه وبعد ركوبه أعناق المسلمين بعد عام الذلّ ، أي عام «40» للهجرة .

ولو فرض صحّة تلك الدعوى ، فإنّ أبا ذرّ لابدّ قد عرف الناسخ بعد رجوعه من قومه ، كما بلغ غيره حسب الزعم ، فلماذا بقي مصرّاً على رأيه ، بعد تلك السنين الطوال من وفاة الرسول ، حتّى خالف باقي الصحابة ، كما يُزْعم!؟

ولمّا رأوا هذه الفضيحة اللائحة في مقالتهم ، لجأوا إلى تزييف الحقائق ، بدعوى التفرقة بين «التقليد» و«الاتّباع» وسمّوا تقليدهم للصحابة الرواة «اتّباعاً» وأخذ الأحكام عن فقهاء الاُمّة «تقليداً» .

ومن أدلّ ما يدلّ على جهلهم حتّى بالمصطلحات الواضحة المتداولة بين المسلمين أنّهم عرّفوا التقليد : «بالرجوع إلى قولٍ لا حجّة لقائله عليه» وهذا يعرِفُ كذبه أصاغِرُ طلّاب العلم ممّن يحفظ متونه ، وأنّ التقليد هو «أخذ الأحكام من المجتهد العارف بها من أدلّتها التي تمّت حجّيتها ودليليّتها عنده ، كما تمّت دلالتُها على ما يرى» ، لكنّ المقلِّد - بالكسر - لا يعرف الدليل .

فانظر إلى ما افتأتوه على العلم والعلماء وكافّة المسلمين ممّن يتبعون المذاهب الفقهية ، ترويجاً لمزاعمهم .

وقد عقد القرطبي باباً عنونه «بيان فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتّباع»(19) .

أورد فيه مجموعة من الآيات والأحاديث والأقوال الذامّة للتقليد ، والداعية إلى أخذ العلم والاتّصاف به وتحمّله بالاجتهاد إن أمكن ، أو بأخذه من أهله الواقفين على أدلّته ، وهو التقليد الفقهي .

ولجأ بعض مستسلفي العصر ، من ذيول الحشوية ، تحريف كلامه إلى ما ينفعه ، فجعل تقليد المذاهب الفقهية للمقلّدين لها ، من التقليد الممنوع ، داعياً إلى أخذ الأحكام من الكتاب والسنّة ، ومن الصحابة .

ومن تأمّل كلام القرطبي وهو من فُقهاء المالكيّة المجتهدين الحفّاظ ، علم أنّه إنّما يردّ في هذا الباب على الحشوية بالذات الداعين إلى التقليد للرواة ، بلا علمٍ ولا فقهٍ ولا اجتهاد ، ولكنّه هو يدعو إلى اتّباع الفقهاء الذين يفهمون مداليل الروايات ومعارضاتها ، وهو التقليد الشرعيّ بعينه .

ولو نظر المحقّق إلى الباب الذي سبق ذلك الباب في كتاب القرطبي ، المعنون ب «إثبات المُناظرة والمجادلة وإقامة الحجّة» وإلى الباب التالي لذلك ، والمعنون «باب ذكر من ذمّ الإكثار من الحديث دون التفهّم له والتفقّه فيه» علم بوضوح أنّ القرطبي إنّما يتصدّى للحشوية الجَهَلة والمقلّدة ، والمحشدة للأحاديث بلا فهمٍ ولا فقهٍ .

ويراوغ بعض ذيول السلفية في عصرنا حيث يمتدح أئمّة المذاهب الأربعة ، ويعتبرهم متّبعين للسنّة ، وأنّ الأصل فيها أنّها شروح للسنّة وفروع عنها ، وأنّ أهلها يعلمون أنّها تابعة للسنّة أصلاً وتفصيلاً .

إلى آخر ما يُغازل بها المذاهب وأئمّتها وأهلها!

فإذا كان كذلك فلماذا الهجوم على أتباعها ومقلِّديها؟

والدليل على فساد رأيهم في المذاهب الفقهيّة ، وتناقضهم في نفي التقليد ، أنّهم يَدْعون - بخلاف جميع المسلمين - إلى التقليد في أصول الدين والمسائل الاعتقادية ، بينما تلك ممّا يجب فيها العلم والاعتقاد واليقين ، والتقليد والاتباع لا يُثمر إلّا الظنّ والتخمين .

فمن يقلّد في أصول العقائد ، الواجب فيها المعرفة والعلم ، كيف يمنع من التقليد في الفروع؟

إنْ هذا إلّا تخليطٌ ورقاعة!

ولمّا تنبّه واحد من السلفيّين المعاصرين ، وهو الدكتور عبد العزيز القاري - أُستاذ مشارك في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة - إلى عمق التهافت بين التقليد في العقيدة ، ومنع التقليد في المذهب الفقهي ، وصار إلى التوفيق والتقريب ، فدعا في كتابه «برنامج عملي للمتفقّهين» إلى التفقّه من خلال أحد المذاهب الأربعة وقال : «لأنّ باقي المذاهب الفقهيّة ؛ إمّا قد اندرس أكثرها مثل الأوزاعيّة والسفيانيّة ، وإمّا غير معتبر كالظاهريّة ، فلذلك : أحسن وسيلة للتفقّه في الشريعة : أنْ تتمذهب بواحدٍ من المذاهب الأربعة ، تختار أحدها ، فكلّها طرقٌ للتفقّه في الشريعة»(20) .

لمّا وقف هذا السلفيّ على هذا الواقع ودعا إليه ، مع أنّه يدعو إلى التقليد في ما أسماه «فقه الإيمان» وتعلّمه على منهج السلف!

ضجّ منه بعض ذيول السلفية ، وعارضه بأنّ شأن فقه الأحكام هو نفس شأن فقه الإيمان ، فما دام فقه الإيمان محفوظاً عند السلف ، ففقه الأحكام عند السلف محفوظ باقٍ إلى قيام الساعة ، فبأيّ حجّة تدعو - والخطاب إلى القاري - لأخذ التوحيد منه؟ ثمّ تصدّ عنه في الفقه العملي إلى المذاهب ، والشأن في الحالين واحد؟(21)

هكذا عارضه السلفي الذيل ، مُتغابياً عن أنّ الخَلَل في كلام القاري إنّما هو :

أوّلاً : في دعوته إلى التقليد في «الإيمان» بينما «الإيمان» مبنيٌّ على العلم والمعرفة واليقين ، والتقليد لا يؤدّي إلى ذلك ، بل ينتج الظنّ الذي لا يُغني عن الحقّ شيئاً ، كما سبق .

ودعوته تلك مع مخالفتها لرأي علماء الاُمّة كافّة ، حتّى كبير الحشوية الذي ينتمون إليه في أكثر ملتزماتهم ، نسبوا إليه أنّه كان يقول : «مِنْ ضِيْق علم الرجل أنْ يقلِّد في اعتقاده رجلاً»(22) .

وثانياً : أيُّ فقهٍ حُفظ عن السلف؟

ولو كان ، لما احتاجت الاُمّة إلى التفقّه لتتكوّن المذاهب الفقهيّة : الظاهريّة والأوزاعية والطبريّة ، ثمّ حصرها في الأربعة الحنفية ثمّ الشافعية والمالكية وحتّى الحنبلية .

والأتعس في قول السلفي : أنّه يزعم أنّ المعوّل على السلف في شرح الكتاب والسنّة ، ففهمهم مقدّمٌ على فهم أيّ أحد من الاُمّة ، عليك أن تفهم الكتاب والسنّة بفهمهم(23) .

يدعو إلى ذلك ، فها هو تحجير للفهم ، وإجبار للإنسان أن يفهم شيئاً معيّناً بشكل معيّن!

بينما الفهم ليس إلّا إدراكاً نابعاً من العقل والضمير ، وحسب قواعد اللغة والمنطق والمقارنة ، وليس أمراً قسرياً أو إجباريّاً .

ومن سخافات السلفيّين المعاصرين ؛ أنّهم في الوقت الذي يشنّون الهجوم على المذاهب الفقهيّة وتقليدها ، هم يتّبعون المذهب الحنبلي فقهيّاً ، ولذلك يستثنون هذا المذهب من بينها جميعاً ، عندما ينسبون إلى المذاهب الضلال والشرك .

فيقول بعض الذيول : إنّه ما من مذهبٍ من هذه المذاهب إلّا واُشرب بعض أتباعه ضلالات ، وبدع التصوّف ، أو شركيّاته ، وتعطيل الأشاعرة وتحريفاتهم ، إلّا مذهب الحنابلة دونها جميعاً ، فهذه الإحالة على فقه المذاهب - إذنْ - ليست إلّا خوضاً في ظلماتٍ بعضها فوق بعض ، أقلّها أخذ العلم من شيخٍ مبتدع!

وهكذا ، يبدو سلفية العصر ، مُتناقضين ، متهافتين ، مخالفين لجميع المسلمين في العقيدة والشريعة ، مستجيرين من رمضاء التقليد إلى نار الجمود والحشويّة .

ودعواهم الاُولى والأخيرة : الانتماء إلى السلف والتمسّك بهم ، من دون حجّة ولا فهم ، بدعوى وجود العلم والفقه عندهم .

بينما المأثور عن السلف ليست إلّا روايات وأحاديث مجرّدة عن كلّ استدلال من الرواة على مداليلها ، بل هم نقلة أكداس من التراث ، هي المعتمدة لدى العلماء من أهل الكلام والفقه .

وبينما السلف لا كلام لهم حول ما رووا ، ولا فقه ، سوى ما حدّثوا ، وتلك الرواية وذلك الحديث بحاجة إلى اجتهادٍ وتفقّهٍ بأدواته وأساليبه المتقنة المقرّرة عند الفقهاء والعلماء .

أمّا السلفُ ، فكما قال الداعية العلّامة الشيخ محمّد الغزالي - : «فإنّ هناك اُموراً يُقحمُ [السلفيّةُ] فيها السلفَ إقحاماً ، ولا علاقة لهم بها .

فما دخلُ السلف في فقه الفروع؟

واختلاف الأئمّة فيه؟

ومن ذا الذي يزعم أنّ ابن حنبل هو ممثِّل السلفيّة في ذلكم الميدان؟

وأنّ أبا حنيفة أو مالكاً والشافعي ، جاروا عن الطريق؟

وأمسوا من الخلف لا من السلف؟

إنّ هذا تفكيرٌ صِبيانيّ(24) .

أقول : بل هو منهج شيطانيّ ، درجت عليه الحشوية قديماً ، ونشأت عليه السلفية المعاصرة ، اتّباعاً لخطواته .

وهذا التقليد ممّا يشترك فيه أتباع المنهج الحشويّ كافّةً ، فهو عند الحشويّة من أهل الحديث العامّة، من أشهر آرائهم ، كما التزمه مَنْ سلك هذا المنهج من المنتسبين إلى التشيّع من الأخبارية ، ولذلك سمّاهم الشيخ الطوسيّ ب «المقلّدة» كما سبق(25) .

بينما علماء الاُمّة فرّقوا بين المعارف الأُصوليّة ، التي تعتمد على القناعة العلمية ، ويجب فيها العلم واليقين ، فهي لابدّ أن تستند إلى أدلّة علميّة يقينيّة ، وتعتمد طرق البحث العلميّ والنظر والاستدلال البُرهانيّ ، دون التقليد الذي لا يوصل إلّا إلى الظنّ الذي لا يُغني عن العلم شيئاً .

وبالرغم من وجود المقلّدة في الشيعة ، إلّا أنّ ذلك ليس إلّا شذوذاً من ذلك البعض ، وليس له منشأٌ أصيل في الفكر الشيعيّ ، ولا هو من مستلزمات الالتزام بالحديث الشريف كمصدرٍ للثقافة الإسلاميّة .

فإنّ التعبّد بما جاء به الحديث والسنّة من الأحكام التعبّدية والمعارف التشريعيّة ، أمرٌ مسلّمٌ وهو عين الحقّ ، وهو الضروريّ ، إذ التشريعُ لا يُعرف إلّا من هذا الطريق ، وليس من طريق العقل والنظر .

وهذا بخلاف المعارف الأصوليّة المطلوب فيها القناعات العلميّة المتوقّفة على الفكر والنظر والبحث .

وإن كان في الأحاديث من الأدلّة والبراهين من لسان المعصومين عليهم السلام ما يكفي للاستدلال والإقناع ، إلّا أنّ الالتزام بها لابدّ أن يكون عن علم ومعرفةٍ وقناعةٍ تامّةٍ بمؤدّاها وما فيها من براهين ، لا الأخذ التقليديّ والتبعيّة الظنّية .

إذَنْ ، فليس مجرّد ما يُرى من شدّة التزام الإمام الصادق‏عليه السلام بالحديث الشريف والسنّة الشريفة ، موجباً للاعتقاد بأنّه «زعيم مدرسة المدينة الحديثيّة ، التي وَضَعَ سلفه من الأئمّة أُسسها السلفيّة ، حتّى غالى البعض واعتبره الأصل لكلّ المذاهب السلفيّة»(26) .

ففي هذا ، مع عدم التمييز بين المعارف الاُصوليّة ، وبين الأحكام التشريعيّة ، في مدى الاعتماد على الحديث فيهما ، وطريقة الاستناد إليه فيهما بين التعبُّد والتقيُّد بالنصّ في حدود التفريع والتفسير ، وبين الاسترشاد بالأدلّة المنقولة والانفتاح على مؤدّاها والاقتناع بها .

وهذا ليس الأئمّة المعصومون - قبل الإمام الصادق وبعده ، وحتّى الإمام نفسه - هم البادئين به ، بل هو المنهج الذي جاء به الرسول‏صلى الله عليه وآله في الوحي المعجز ، وغير المعجز ، وعليه صحابته الكرام والتابعون ، الذين لم يلجأوا إلى الاجتهاد في مقابل النصّ .

فمع هذا ، ففي ذلك التغافلُ عن واقع الطريقة السلفيّة الحشوية بالتزام التقليد في أصول الدين ، ومنع البحث والنظر والكلام فيها ، ممّا هو معلوم الفساد والبطلان في فكر الشيعة تبعاً للأئمّة المعصومين‏عليهم السلام .

وقد صرّح أعلام الإمامية الكبار ، بوجوب النظر في المعارف الأصولية وأخذها بالدليل الموصل إلى العلم واليقين ، وعدم جواز اعتماد طريقة «التقليد» الظنّية في المعرفة بها .

قال الشهيد الأوّل : ويجب معرفة اللَّه تعالى ، وصفاته الثبوتية والسلبية وعدله وحكمته ، ونبوّة نبيّنا محمّد صلوات اللَّه عليه وآله ، وإمامة الأئمّة ، والإقرار بكلّ ما جاء به النبيّ صلوات اللَّه عليه وآله من أحوال المعاد ، بالدليل لا بالتقليد(27) .

وعلّق المحقّق الكركي على قوله : «بالدليل لا بالتقليد» :

الدليل هو ما يلزم من‏العلم به العلمُ بشي‏ءٍ آخر ، إثباتاً ونفياً .

والتقليد : هو الأخذ بقول الغير ، من غير حجّة ملزمة(28) مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه ، كأنّ المقلِّد - بالكسر يجعل ما يعتقده من قول الغير قلادةً في عنق مَنْ قلّده(29) .

وقال المحقّق الكركي : يجب على كلّ مكلّفٍ - حرٍّ وعبدٍ ، ذكر واُنثى - أن يَعْرف الاُصول الخمسة - التي هي أركان الإيمان ، وهي : التوحيد ، والعدل ، والنبوّة ، والإمامة ، والمعاد - بالدليل ، لا بالتقليد(30) .

وفي النهاية وقفنا على كلامٍ مفصّل للفقيه العظيم الشهيد الثاني (قتل 965ه) فصّل فيه الكلام حول مسألة التقليد في أُصول الدين ، وأورد احتجاجات الطرفين ، إبراماً ونقضاً ، نورده هنا ، استيفاءً للبحث ، وخروجاً عن عهدته بنحو تام :

قال رحمه اللَّه في كتاب «حقائق الإيمان» بعنوان :

اعتبار اليقين في المعارف :

وحيث انجرّ البحث إلى ذكر الدلائل على اعتبار اليقين في الإيمان ، فلنذكر نبذة ممّا ذكره علماء الاُصول من الأدلّة على كون المعرفة واجبةً بالدليل ، وأنّ التقليد غير كافٍ فيها ، إذ بذلك يعلم اعتبار الدليل في الإيمان دون التقليد .

اعلم أنّ العلماء أطبقوا على وجوب معرفة اللَّه تعالى بالنظر ، وأنّها لا تحصل بالتقليد إلّا من شذّ منهم ، كعبداللَّه بن الحسن العنبري ، والحشويّة ، والتعليميّة ، حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الأصولية ، كوجود الصانع وما يجب له ويمتنع ، والنبوّة ، والعدل وغيرها .

لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة في أنّه عقليّ أو سمعيّ ، فالإماميّة والمعتزلة على الأوّل ، والأشعرية على الثاني ، ولا غرض لنا هنا ببيان ذلك ، بل ببيان‏أصل الوجوب المتّفق عليه :

من ذلك : أنّ للَّه تعالى على عبده نعماً ظاهرةً وباطنة لا تُحصى ، يعلم ذلك كلّ عاقلٍ ، ويعلم أنّها ليست منه ولا من مخلوقٍ مثله .

ويعلم - أيضاً - أنّه إذا لم يعترف بإنعام ذلك المُنعِم ، ولم يذعن بكونه هو المنعِم لا غيره ولم يَسْعَ في تحصيل مرضاته ، ذَمَّهُ العقلاء ، ورأوا سلبَ تلك النعم عنه حسناً .

وحينئذٍ فتحكم ضرورة العقل بوجوب شُكر ذلك المنعم .

ومن المعلوم أنّ شكره على وجهٍ يليق بكمال ذاته يتوقّف على معرفته .

وهي لا تحصل بالظنّيات كالتقليد وغيره ، لاحتمال كذب المخبر وخطأ الأمارة ، فلابدّ من النظر المُفيد للعلم .

وهذا الدليل إنّما يستقيم على قاعدة الحسن والقبح ، والأشاعرة يُنكرون ذلك ، لكنّه كما يدلّ على وجوب المعرفة بالدليل ، يدلّ أيضاً على كون الوجوب عقلياً .

واعترض - أيضاً - : بأنّه مبنيّ على وجوب ما لا يتمّ الواجب المطلق إلّا به .

وفيه - أيضاً - منع للأشاعرة .

ومن ذلك : أنّ الأمّة اجتمعت على وُجوب المعرفة ، والتقليدُ وما في حكمه لا يُوجبُ العلمَ ، إذ لو أوجبه لزمَ اجتماعُ الضدّين في مثل تقليد مَنْ يعتقد حدوث العالم ويعتقد قدمه .

وقد اعترض على هذا بمنع الإجماع ، كيف؟ والمخالف معروف .

بل عورض بوقوع الإجماع على خلافه ، وذلك لتقرير النبيّ‏صلى الله عليه وآله وأصحابه العوام على إيمانهم ، وهم الأكثرون في كلّ عصر ، مع عدم الاستفسار عن الدلائل الدالّة على الصانع وصفاته ، مع أنّهم كانوا لا يعلمونها ، وإنّما كانوا مقرّين باللسان ، ومقلّدين في المعارف ، ولو كانت المعرفة واجبةً لما جاز تقريرهم على ذلك مع الحكم بإيمانهم .

وأُجيب عن هذا : بأنّهم كانوا يعلمون الأدلّة إجمالاً ، كدليل الأعرابي حيث قال : البعرةُ تدلّ على البعير ، وأثر الأقدام على المسير ، أفسماءٌ ذات أبراج ، وأرضٌ ذاتُ فجاج ، لا تدلّان على اللطيف الخبير؟

فلذا أقرّوا ، ولم يُسألوا عن اعتقاداتهم .

أو أنّهم كان يُقبل منهم ذلك للتمرين ، ثمّ يُبيّن لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين .

ومن ذلك : الإجماع على أنّه لا يجوز تقليد غير المحقّ ، وإنّما يُعلم المحقّ من غيره بالنظر في أنّ ما يقوله حقّ أم لا؟ وحينئذٍ فلا يجوز له التقليد إلّا بعد النظر والاستدلال ، وإذا صار مستدلّاً امتنع كونه مقلّداً ، فامتنع التقليد في المعارف الإلهية .

ونقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيّات ، فإنّه لا يجوز تقليد المفتي إلّا إذا كانت فُتياه عن دليلٍ شرعيّ ، فإن اكتفى في الاطّلاع على ذلك بالظنّ وإن كان مُخطئاً في نفس الأمر ، لحطّ ذلك عنه ، فليجز مثله في مسائل الاُصول .

وأُجيب بالفرق ، بأنّ الخطأ في مسائل الأصول يقتضي الكفر ، بخلافه في الفروع ، فساغ في الثانية ما لم يَسُغْ في الأولى .

احتجّ مَنْ أوجب التقليد في مسائل الأصول :

بأنّ العلم باللَّه غير ممكن ، لأنّ المكلّف به :

إن لم يكن عالماً به تعالى؛ امتنع أن يكون عالماً بأمره ، وحال امتناع كونه عالماً بأمره يمتنع كونه مأموراً من قبله ، وإلّا لزم تكليف ما لا يُطاق .

وإن كان عالماً به؛ استحال أيضاً أمره بالعلم به ، لاستحالة تحصيل الحاصل .

والجواب عن ذلك على قواعد الإمامية والمعتزلة ظاهرٌ ، فإنّ وجوب النظر والمعرفة عندهم عقليّ لا سمعيّ .

نعم ، يلزم ذلك على قواعد الأشاعرة ، إذ الوجوب عندهم سمعيّ .

أقول : ويُجاب - أيضاً - معارضةً ، بأنّ هذا الدليل كما يدلّ على امتناع العلم بالمعارف الأصولية ، يدلّ على امتناع التقليد فيها أيضاً ، فينسدّ باب المعرفة باللَّه تعالى .

وكلّ مَنْ يُرجع إليه في التقليد لابدّ وأن يكون عالماً بالمسائل الأصولية ليصحّ تقليده ، ثمّ يجري الدليل فيه ، فيقال : علم هذا الشخص باللَّه تعالى غير ممكن ، لأنّه حين كُلّف به إن لم يكن عالماً به تعالى استحال أن يكون عالماً بأمره بالمقدّمات .

وكلّ ما أجابوا به فهو جوابنا ، ولا مخلص لهم إلّا أن يعترفوا بأنّ وجوب المعرفة عقليّ ، فيبطل ما ادّعوه من أنّ العلم باللَّه تعالى غير ممكن ، أو سمعيّ فكذلك .

فإن قيل : ربّما حصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهام ، إلى غير ذلك ، فيقلّده الباقون .

قلنا : هذا - أيضاً - يُبطل قولكم : إنّ العلم باللَّه تعالى غير ممكن .

نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلاً على امتناع المعرفة بالسمع ، فيكون حجّةً على الأشاعرة ، لا دليلاً على وجوب التقليد .

واحتجّوا أيضاً : بأنّ النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالى : {مَا يُجَادِلُ فِى‏آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا(31)} والنظر يفتح باب الجدال فيحرم .

ولأنّه‏صلى الله عليه وآله رأى الصحابة يتكلّمون في مسألة القَدَر ، فنهى عن الكلام فيها ، وقال : «إنّما هلك مَن كان قبلكم بخوضهم في هذا» .

ولقوله‏عليه السلام : «عليكم بدين العجائز» والمراد ترك النظر .

فلو كان واجباً لم يكن منهيّاً عنه .

وأُجيب عن الأوّل : أنّ المراد الجدال بالباطل ، كما في قوله تعالى : {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ(32)} لا الجدال بالحقّ ، لقوله تعالى : {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ(33)} .

والأمر بذلك يدلّ على أنّ الجدال مطلقاً ليس منهيّاً عنه .

وعن الثاني : بأنّ نهيهم عن الكلام في مسألة القَدَر على تقدير تسليمه لا يدلّ على النهي عن مطلق النظر ، بل عنه في مسألة القَدَر .

كيف؟ وقد ورد الإنكار على تارك النظر ، في قوله تعالى : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِى أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ(34)} .

وقد أثنى على فاعله في قوله تعالى : {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ(35)} .

على أنّ نهيهم عن الخوض في القَدَر لعلّه لكونه أمراً غيبيّاً وبحراً عميقاً ، كما أشار إليه عليّ‏عليه السلام بقوله : «بحرٌ عميق فلا تلجه»(36) .

بل كان مراد النبيّ‏صلى الله عليه وآله التفويض في مثل ذلك إلى اللَّه تعالى ، لأنّ ذلك ليس من الأصول التي يجب اعتقادها ، والبحث عنها مفصّلة .

وهاهنا جواب آخر عنهما معاً ، وهو : أنّ النهي في الآية والحديث ، مع قطع النظر عمّا ذكرناه ، إنّما يدلّ على النهي عن الجدال الذي لا يكون إلّا عن متعدّد ، بخلاف النظر فإنّه يكون من واحدٍ ، فهو نَصْبُ الدليل على غير المدّعى .

وعن الثالث : بالمنع من صحّة نسبته إلى النبيّ‏صلى الله عليه وآله فإنّ بعضهم ذكر أنّه من مصنوعات سُفيان الثوري ، فإنّه روى أنّ عمر بن عبداللَّه المعتزلي قال : إنّ بين الكفر والإيمان منزلة بين منزلتين ، فقالت عجوز : قال اللَّه تعالى : {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ(37)} ، فلم يجعل من عباده إلّا الكافر والمؤمن .

فسمع سفيان كلامها ، فقال : عليكم بدين العجائز(38) .

على أنّه لو سلّم ، فالمراد به التفويض إلى اللَّه تعالى في قضائه وحكمه والانقياد له في أمره ونهيه .

واحتجّ مَنْ جوّز التقليد : بأنّه لو وجب النظرُ في المعارف الإلهية لوُجِدَ من الصحابة ، إذْ هم أولى به من غيرهم ، ولم يوجد ، وإلّا لنُقل ، كما نُقل عنهم النظرُ والمناظرة في المسائل الفقهية ، فحيثُ لم يُنقل لم يقع ، فلم يجب .

وأُجيب : بالتزام كونهم أولى به ، لكنّهم نظروا ، وإلّا لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة اللَّه تعالى ، وكون الواحد منّا أفضل منهم ، وهو باطل إجماعاً .

وإذا كانوا عالمين ، وليس بالضرورة ، فهو بالنظر والاستدلال .

وأمّا أنّه لم يُنقل النظر والمناظرةُ ، فلاتفاقهم على العقائد الحقّة ، لوضوح الأمر عندهم ، حيث كانوا ينقلون عقائدهم عن مَنْ لا ينطق عن الهوى ، فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث والنظر .

بخلاف الأخلاف بعدهم ، فإنّهم لمّا كثرتْ شُبَهُ الضالّين ، واختلفت أنظار طالبي اليقين ، لتفاوت أذهانهم في إصابة الحقّ ، احتاجوا إلى النظر والمناظرة ، ليدفعوا بذلك شُبَهَ المضلّين ، ويقفوا على اليقين .

أمّا مسائل الفروع ، فإنّها لمّا كانت أموراً ظنّية ، اجتهادية خفيّة ، لكثرة تعارض الأمارات فيها ، وقع بينهم الخلاف فيها والمناظرة والتخطئة لبعضهم من بعض ، فلذا نُقل .

واحتجّوا أيضاً :

بأنّ النظر مظنّة الوقوع في الشبهات ، والتورّط في الضلالات ، بخلاف التقليد : فإنّه أبعد عن ذلك ، وأقرب إلى السلامة ، فيكون أولى .

ولأنّه أغمض أدلّةً من الفروع وأخفى ، فإذا جاز التقليد في الأسهل جاز في الأصعب بطريق أولى .

ولأنّهما سواء في التكليف بهما ، فإذا جاز في الفروع فليجُزْ في الأصول .

وأُجيب عن الأوّل : بأنّ اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد ، لزم إمّا التسلسل ، أو الانتهاء إلى مَنْ يعتقدُ عن نَظَرٍ ، لانتفاء الضرورة ، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة ، وهي احتمال كذب المخبر .

بخلاف الناظر مع نفسه ، فإنّه لا يُكابر نفسه في ما أدّى إليه نظره .

على أنّه لو اتّفق الانتهاء إلى مَنْ اتّفق له العلم بغير النظر ، كتصفية الباطن ، كما ذهب إليه بعضهم ، أو بالإلهام ، أو بخلْق العلم فيه ضرورة ، فهو إنّما يكون لأفراد نادرة ، لأنّه على خلاف العادة ، فلا يتيسّر لكلّ أحدٍ الوصول إليه مُشافهةً بل بالوسائط ، فيكثر احتمال الكذب ، بخلاف الناظر فإنّه لا يُكابر نفسه .

ولأنّه أقرب إلى الوقوع في الصواب .

إن قلت : ما ذكرت من الجواب إنّما يدلّ على كون النظر أولى من التقليد ، ولا يدلّ على عدم جوازه ، فجوازُ التقليد باقٍ لم يندفع .

على أنّ ما ذكرته من احتمال الكذب جارٍ في الفروع ، فلو منع من التقليد فيها لمنع في الأصول .

قلت : متى سلّمت الأولوية وجب العمل بها ، وإلّا لزم العمل بالمرجوح مع تيسّر العمل بالراجح ، وهو باطلٌ بالإجماع ، لاسيّما في الاعتقاديّات .

وأمّا الجواب عن العلاوة ، فلأنّه لمّا كان الطريق إلى العمل بالفروع إنّما هو النقل ساغ لنا التقليدُ فيها ، ولم يقدح احتمال كذب المخبر ، وإلّا لانسدّ باب العمل فيها ، بخلاف الاعتقادات فإنّ الطريق إليها بالنظر ميسّر ، فاعتبر قدح الاحتمال في التقليد فيها .

وأمّا احتمال الخطأ في النظر ، فإنّه وإن أمكن إلّا أنّه نادر جدّاً بالقياس إلى الخطأ في النقل ، فكان النظرُ أرجح ، وقد بيّنا أنّ العمل بالأرجح واجبٌ .

وأُجيب عن الثاني :

أوّلاً ، بالمنع من كونها أغمض أدلّةً ، بل الأمر بالعكس ، لتوقّف الشرعيّات على العقليّات عملاً وعلماً .

وثانياً ، بالمنع من الملازمة ، فإنّ كونها أغمض أدلّةً لا يستلزم جواز التقليد فيها ، فضلاً عن كونه أولى ، لأنّ المطلوب فيها اليقين ، بخلاف الشرعيّات ، فإنّ المطلوب فيها الظنّ ، اتّفاقاً .

ومن هذا ظهر الجواب عن الثالث .

واحتجّوا أيضاً : بأنّ هذه العلوم إنّما تحصل بعد الممارسة الكثيرة والبحث الطويل ، وأكثر الصحابة لم يُمارسوا شيئاً منها ، فكان اعتقادهم عن تقليد .

واُجيب : بأنّهم لمشاهدتهم المعجزات وقوّة معارفهم بكثرة البيّنات من صاحب الوحي‏عليه السلام لم يحتاجوا في تيقّن تلك المعارف إلى بحثٍ كثيرٍ في طلب الأدلّة عليها .

أقول : وممّا يُبطل به مذهب القائلين بالتقليد : أنّه إمّا أنْ يفيد العلمَ أو لا :

فإنْ أفاده ، لزم اجتماع الضدّين ، فيما لو قلّد واحداً في قدم العالم ، وآخر في حدوثه ، وهو ظاهر .

وإن لم يُفده ، وجب ترجيحُ النظر عليه ، إذ من المعلوم ضرورةً أنّ النظر الصحيح يُفيد العلم ، فإذا ترجّح النظر عليه وجب اعتباره ، وترك المرجوح ، إجماعاً .

وأقول : ممّا يدلّ على اعتبار اليقين في الإيمان : أنّ الأمّة فيه على قولين :

قول باعتبار اليقين فيما يتحقّق به الإيمان .

وقول بالاكتفاء بالتقليد أو ما في حكمه .

فإذا انتفى الثاني بما ذكرناه من الأدلّة ، ثبت الأوّل .

وأقول أيضاً : ممّا يصلح شاهداً على ذلك قوله تعالى :

{ قالَتِ اْلأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ اْلإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ‏} ، [سورة الحجرات : 14]

فنفى‏ ما زعموه إيماناً ، وهو التصديق القوليّ ، بل ما سوى‏ التصديق الجازم ، حيث لم يثبت لهم من الإيمان إلّا ما دخل القلب ، ولا ريب أنّ ما دخل القلب يحصل به الاطمئنان ، ولا اطمئنان في الظنّ وشبهه ، لتجويز النقيض معه . فيكون الثبات والجزم معتبراً في الإيمان .

فإن قلت : قوله تعالى‏ حكايةً عن إبراهيم : {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى(39)} يدلّ على أنّ الجزم والثبات غير معتبر في الإيمان ، وإلّا لما أخبرعليه السلام عن نفسه بالإيمان ، بقوله : «بلى» مع أنّ قوله : «ولكن ليطمئنّ قلبي» يدلّ على أنّه لم يكن مطمئناً ، فلم يكن جازماً .

قلت : يمكن الجواب بأنّه‏عليه السلام طلب العلم بطريق المشاهدة ، ليكون العلم بإحياء الموتى حاصلاً له من طريق الإبصار والمشاهدة .

ويكون المراد من اطمئنان قلبه‏عليه السلام استقراره وعدم طلبه لشي‏ء آخر بعد المشاهدة ، مع كونه موقناً بإحياء الموتى قبل المشاهدة أيضاً .

وليس المراد أنّه لم يكن متيقّناً قبل الإراءة ، فلم يكن مطمئناً ، ليلزم تحقّق الإيمان مع الظنّ فقط .

وأيضاً : إنّما طلب‏عليه السلام كيفيّة الإحياء ، فخوطب بالاستفهام التقريريّ على الإيمان بالكيف الذي هو نفس الإحياء ، لأنّ التصديق به مقدّم على التصديق بالكيفيّة ، فأجاب‏عليه السلام : «بلى» آمنت بقدرة اللَّه تعالى على الإحياء ، لكنّي أريد الاطّلاع على كيفيّة الإحياء ، «ليطمئنّ قلبي» بمعرفة تلك الكيفيّة الغريبة ، البديعة .

ولا ريب أنّ الجهل بمعرفة تلك الكيفيّة لا يضرّ بالإيمان ، ولا يتوقّف على معرفتها .

وأمّا سؤال اللَّه سبحانه عن ذلك؟ مع كونه عالماً بالسرائر ، فهو من قبيل خطاب المحبّ لحبيبه .

إن قلت : فما الجواب أيضاً عن قوله تعالى : {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(40)} فإنّه يفهم من الآية الكريمة وصف الكافر المشرك بالإيمان حال شركه ، إذ الجملة الإسمية حاليّة ، فضلاً عن الاكتفاء بالظنّ وما في حكمه في الإيمان ، وهو ينافي اعتبار اليقين .

قلت : لا ، فإنّ الآية الكريمة إنّما دلّت على إخباره تعالى عنهم بالإيمان بالصانع والتصديق بوجوده ، لكنّهم لم يوحِّدوه في حالة تصديقهم به ، بل اعتقدوا له شريكاً ، تعالى اللَّه عمّا يشركون .

وحينئذٍ فيجوز كونهم جازمين بوجود الصانع تعالى ، مع كونهم غير موحِّدين ، فإنّ التوحيد مطلبٌ آخر ، فكفرُهم كان كذلك ، فلم يتحقّق لهم الإيمان الشرعيّ ، بل الإيمان بجزءٍ منه ، وهو غير كافٍ .

على أنّه يجوز أن يكون المراد من الإيمان المنسوب إليهم في الآية الكريمة التصديق اللغوي ، وقد بيّنا سابقاً أنّه أعمّ من الشرعيّ ، وليس النزاع فيه بل في الشرعي . ويكون المعنى - واللَّه أعلم - : وما يؤمن أكثرهم بلسانه إلّا وهو مشركٌ بقلبه ، أي حال إشراكه بقلبه .

نعوذُ باللَّه من الضلالة ، ونسأله حسن الهداية ، هذا ما تيسّر لنا من المقال في هذا المقام(41) .

2 - موقفهم من العقل ودلالته :

من الاُمور الواضحة لدى البشر أنّ العقل من وسائل الإدراك التي يعتمدها الناس ، لفهم الاُمور ومعرفتها ، وأنّ المدركات العقلية إمّا هي بديهيّة واضحة مسلّمة عند الجميع ، ولا تحتاج إلى أكثر من المقدّمات العامّة للإدراك ، كالتوجّه وعدم الغفلة ، وعدم الشبهة ، وطلب المعرفة .

ومن المدركات ما يتوقّف على اللمس بأحد الحواسّ ، والتجربة العينية والعمل الميداني .

ومنها ما يحتاج إلى المقارنة والتأمّل والنظر ، والتدقيق في الاُمور والتوفيق بينها .

ثمّ بعد كلّ ذلك ، فإنّ المدركات العقليّة هي من أوضح ما يثبت ويستحكم عند الناس ، إذا كانت المزاولة العقلية في المجالات المذكورة التي تخصّ الإدراك العقلي .

وأحكامه ليست إلّا كلّيات عامّة ، ولا دخل لها في الأمور الخاصّة الجزئية ، إلّا من باب الوصول والوسيلة والدلالة منها على الكبريات ، إذا كان الاستقراء والتتبّع تامّاً كاملاً .

وما وراء ذلك المجال ، كالتشريعات للأحكام الدينية الفرعية ، فلا مجال للعقل في دركها والكشف عنها بموازينه ، فضلاً عن إثباتها ونفيها ، وليس له إلّا التسليم بها والاقتناع لما ثبت منها بالطرق الصحيحة المأمونة المقرّرة عند المشرّع لها .

والشارع الكريم - وهو ربّ العقل وخالقه - تأبى حكمته الجليلة أنْ يشرّع ما يتنافى مع مسلّمات أودعها هو في أحكام العقل ، أو فطر الناس عليها .

ومع وضوح هذه الحقائق ، في آيات من الذكر الحكيم ، وبيّنات من الحديث الشريف ، وبناء عمل النبيّ‏صلى الله عليه وآله وعقلاء المسلمين عليه منذ عهد الرسالة ، فإنّ شرذمة الحشويّة امتازت بالمخالفة لهذه البديهيّات المسلّمة كلّها .

قال الرازي - وهو يتحدّث عن الظاهري داود بن علي مؤسّس مذهب الظاهرية - : رجلٌ من الحشو ، جهولٌ ، لم يدر ما قال هؤلاء ولا ما قال هؤلاء؟ مع جهله بما تكلّم به الفريقان؟ وقد كان ينفي حجج العقول ، ويزعم أنّ العقل لا حظّ له في إدراك شي‏ء من علوم الدين ، فأنزل نفسه منزلة البهيمة ، بل هو أضلّ .

وذكر : أنّ أهل الحشو قائلون بأنّا نأخذ العلوم من دون نظر(42) .

قال الغزالي : وهذا لا خلاف في بطلانه(43) .

وقد ذكر الآلوسي - وهو ممّن يتمايل إلى السلفيّة في بعض الآراء - : إنّهم استدلّوا بآية : {انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ(44)} قال بعض الحشويّة والمقلّدة : إنّها من أدلّ الدلائل على المنع من النظر والاستدلال ، لما أنّ في ذلك فتح باب التفرّق والاختلاف المذموم بحكم الآية .

قال الآلوسي : وليس بشي‏ء ، كما لا يخفى(45) .

وهذا دليل على أنّ الحشوية لا يفهمون حتّى ظواهر الألفاظ ، فإنّ كلمة { انظر} في الآية ظاهرة في معنى الاعتبار التي جاءت في القرآن : {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِى الْأَبْصَارِ(46)} والمراد بالاعتبار هو : أن تَعْبُرَ عمّا ذكر في ظاهر اللفظ ، إلى غيره ، فلا تقتصر على المشاهَد ، بل تعرف ما وراءه من دلالات العقل وإرشاداته(47) .

وهذا القصور في فهم الألفاظ واللغة ، أمر معروف عن الحشوية ، وقد رأينا أنّ الرازي وصف الظاهريّ بأنّه «جهول» وصرّح بأنّه «لم يدر ما قال هؤلاء ولا ما قال هؤلاء» مع «جهله بما تكلّم به الفريقان» .

وقال بعضهم : الحشوية إذا وصلوا إلى الحشو تبلّدوا ، فتراهم لا يفهمون بالعربية ولا بالعجميّة ، كلّا واللَّه ، لو فهموا لهاموا ، ولكن اعترضوا بحر الهوى فشقّوه وعاموا ، وأسمعوا كلّ ذي عقل ضعيف وذهنٍ سخيف ، وخالفوا السلف في الكفّ عن ذلك مع العوام .

ولقد كان الحسن البصري إذا تكلّم في علم التوحيد ، أخرج غير أهله ، وكانوا لا يتكلّمون فيه إلّا مع أهل السنّة منهم ، إذ هي قاعدة أهل التحقيق ، وكانوا يضنون به على الأحداث(48) .

وهذا من أهمّ الاُمور التي أوقعتهم في مخالفات مفضوحة للملّة الإسلامية في عقيدتها وشريعتها ، حيث لم يفهموا ما يروونه من أحاديث الرسول‏صلى الله عليه وآله وما يتلونه من آيات الكتاب الكريم ، فضلاً عن كلام العلماء .

قال الغزالي : إنّ الحشوية لم يتمكّنوا من فهم «موجود لا في جهةٍ» فأثبتوا الجهة(49) .

وسيأتي بيان ذلك في قولهم في التشبيه . كما سيأتي أنّ من أقوالهم وآرائهم الشاذّة : منع تأويل المتشابه من آيات القرآن(50) وأنّ القرآن لا يفهم ظاهر معناه إلّا بتفسير خاصّ عن الرسول‏صلى الله عليه وآله له(51) .

فهم - بهذا - يكشفون عن قصورهم عن فهم اللغة العربية بكناياتها ومجازاتها واستعاراتها وإشاراتها التي هي رمز بلاغتها وروعة جمالها المعنوي ، ممّا هو متعارف بين أهلها ، وأهل سائر اللغات الرائعة البشرية .

فهم يقتصرون على ما يعطيه ظاهر الكلمة ، ولا يتجاوزونه ، زعماً منهم أنّ ذلك انقيادٌ منهم واتّباع وعبودية خالصة ومحضة .

مع أنّ اللغة إنّما هي وسيلة للتوصّل إلى المرادات المألوفة بين أهلها و الدلالات المعروفة بينهم .

وقد أدّى بهم هذا الالتزام الباطل بنفي حجج العقول ؛ إلى نفي الاشتغال بعلم الكلام ، وأنّه بدعة ومخالفة لطريق السلف .

ذكر هذا ابن السبكي ، وردّ عليهم بعنف ، فقال : الاسترواح إلى مثل هذا الكلام صفة الحشوية الذين لا تحصيل لهم ، وكيف يُظنّ بسلف الاُمّة أنّهم لم يسلكوا سبيل النظر ، وأنّهم رضوا بالتقليد؟ حاش للَّه أن يكون ذلك وصفهم .

ولقد كان السلف من الصحابة رضي اللَّه عنهم مستقلّين بما عرفوا من الحقّ ، وسمعوا من الرسول من أوصاف المعبود ، وتأمّلوه من الأدلّة المنصوبة في القرآن ، وأخبار الرسول في مسائل التوحيد ، وكذلك التابعون وأتباع التابعين لقُرب عهدهم من الرسول .

فلمّا ظهر أهل الأهواء وكثر أهل البدع من الخوارج والجهميّة والمعتزلة والقدرية ، وأوردوا الشُبَه ، انتدَبَ أئمّة السُنّة لمخالفتهم ، والانتصار للمسلمين بما يُنير طريقهم ، فلمّا أشفقوا على القلوب أن تُخامرهم شبههم شرعوا في الردّ عليهم وكشف فسقهم ، وأجابوهم عن أسئلتهم ، وحاموا عن دين اللَّه بإيضاح الحجج .

ولمّا قال اللَّه تعالى : {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ(52)} تأدّبوا بآدابه سبحانه ولم يقولوا في مسائل التوحيد إلّا بما نبّههم اللَّه سبحانه عليه في محكم التنزيل .

والعجبُ ممّن يقول : «ليس في القرآن علم الكلام» والآيات التي في الأحكام الشرعية [عديدة] والآيات التي فيها علم الاُصول يجدها تُوفي على ذلك وتربى بكثير .

وفي الجملة : لا يجحد علم الكلام إلّا أحد رجلين :

جاهلٌ ، رَكَنَ إلى التقليد ، وشقّ عليه سلوك أهل التحصيل ، وخلا عن طريق أهل النظر «والناس أعداء ما جهلوا» فلمّا انتهى عن التحقّق بهذا العلم ، نهى الناس ، ليُضلّ غيره كما ضَلَّ .

أو رجلٌ يعتقدُ مذاهب فاسدة ، فينطوي على بدعٍ خفيّةٍ يُلبس على الناس عَوار مذهبه ، ويُعمّي عليهم فضائح طويّته وعقيدته .

ويعلمُ أنّ أهل التحصيل من أهل النظر هم الذين يهتكون الستر عن بدعهم ، ويُظهرون الناس قبحَ مقالتهم و«القلّاب لا يُحبّ مَنْ يميّز النقود» والخلل في ما في يده من النقود الفاسدة ، لا في الصرّاف ذي التمييز والبصيرة .

وقد قال اللَّه تعالى : {هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(53)}»(54) .

ويُحاول بعض الحشوية الاعتراف بأنّ «الشرع يتضمّن بيان الدلائل العقلية التي يُحتاج إليها ويُنتفع بها في هذا الباب ، وقد اعترف بذلك أئمّة طوائف الكلام والفلسفة الذين يقولون : «لا نعرف إلّا بالعقل» بل الذين يقولون : «بأنّ وجوب المعرفة والنظر ثابت في العقل»(55) .

جاعلاً ذلك دليلاً على الغنية عن الكلام والنظر ، ونقضاً على أهل ذلك العلم .

مع أنّ وجود الاستدلال العقلي في الوحي قرآناً وحديثاً لابُدّ أن يكون مرشداً إلى أنّ الرجوع إلى العقل وأدلّته أمرٌ مقرّ به شرعاً ، والتوسّع في ذلك للردّ على الشُبَه المستجدّة من قبل الكفّار والمعاندين أمرٌ ضروريّ باستمرار ، فكلّما تجدّد نقض يجب التصدّي له بما يدفعه بالتوسّع في المناهج والأدلّة والاحتجاجات ، وهذا هو هدف علم الكلام على طول الخطّ في القرون الماضية .

ولكنّ الحشوية بمنهجهم الجامد ، يمنعون من ذلك التطوّر ، فلا تبقى لديهم أدلّة إلّا الدفع بالصدر ، والتهديد بالسيف ، والسبّ والقذف ، والفضاضة والقسوة ، ممّا يتنافى والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة التي دعا إليها القرآن الكريم في قوله تعالى : {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ(56)} .

ولا شكّ أنّ أحسن الجدال مع الأعداء هو الوقوف على شبههم وردّها بطرقهم ، والصدّ عنها بأساليبهم ، ولم يقمْ بهذا الواجب الإلهي في كلّ عصر إلّا أهل الكلام .

يقول العلّامة الكوثري : لم يعلم أنّ مذهب السنّة بلغ من التمحيص العلمي - على تعاقب القرون - بأيدي نوابغ أهل النظر والفقه في الدين ، ممّن لا يعدّ الحشويّ من صغار تلامذتهم ، إلى مستوى من قوّة الحجج ، بحيث إذا حاول مثله أن يصطدم بها لا يقع إلّا على أُمّ رأسه فيردى‏ ولا يُوْدى‏(57) .

وقال : كان القائمون بأعباء تلك المدافعات طائفة من المعتزلة ، فأصبحوا بين عدوّين :

عدوّ محتال من خارج الملّة ، له آراء وفلسفة تدرّب عليها من عهد قديم .

وعدوّ في داخل الاُمّة ، كاد السواد أن ينحاز إليه لتقشّفه ، وهو بعيد عن قضايا العقول ، وراجت عليه تمويهات المضلّين من اليهود والثنوية ، قصارى‏ عمله الوقيعة في أهل النظر ، لا يفرّق بين العدوّ والحميم ، ولو وكّل إليه الأمر لما أمكن أن يدافع ساعة من نهار(58) .

وهذا هو شأن الوهابية سلفية عصرنا ، كما سنقف على بعض أوصافهم وتصرّفاتهم .

3 - القول بالتشبيه والتجسيم باسم الصفات الخبرية :

وعلى أثر تعطيلهم للعقول ، والمنع عن حججها ، وتعصّبهم للالتزام بالظواهر ، ونفيهم للتأويل والفهم العُرفي من النصوص ، والتزامهم بكلّ ما سمّوه «خبراً وحديثاً» مهما كان أصله ومصدره ، تورّطوا في باب الصفات الإلهية .

قال القاضي أبو المعالي بن عبد الملك : قالت الحشوية المشبّهة : إنّ اللَّه سبحانه وتعالى يُرى مكيّفاً محدوداً كسائر المرئيات(59) .

وقالت الحشوية والمجسّمة : إنّه سبحانه حالٌّ في العرش ، وإنّ العرش مكان له وهو جالسٌ عليه .

وقالت الحشوية : يده يدٌ جارحة ، ووجهه وجه صورة .

وقالت المشبّهة والحشوية : النزول نزول ذاته بحركة ، وانتقالٌ من مكانٍ إلى مكان ، والاستواء جلوس على العرش وحلولٌ فيه .

ثمّ ذكر أنّ الأشعري خالفهم في ذلك كلّه(60) .

وذكر كبار المعتزلة عن ذلك ، قولهم : أمّا التشبيه فإنّما كان سبب حدوثه في هذه الاُمّة : أنّ قلوب العامّة لا تسبق إلّا إلى ما تصوّره ، فلمّا تركوا النظر ، وركبوا طريقة التقليد ، أدّاهم ذلك إلى ما قلنا .

ولو نظروا بعقولهم لعلموا أنّ ما يجوز عليه الجمع والتفريق والتبديل والتغيير لا يكون إلّا محدَثاً ، ولعلموا أنّ محدث العالم إذا كان هو الأوّل أنّه لا يجوز أن يكون إلّا قديماً ، مخالفاً للأجسام والأعراض .

وتعلّقوا بالآيات المتشابهة ، وتركوا أن يتأوّلوها على ما يوافق دليل العقل والآيات المحكمة في كتاب اللَّه تعالى .

قال : ثمّ حدث قوم من المشبّهة زعموا أنّ اللَّه تعالى جسم ، وأنّه على صورة الإنسان ، ورووا فيه خَبَراً وهو أنّ اللَّه تعالى خَلَقَ آدم على صورته .

ورووا عنه‏عليه السلام أنّه قال : رأيت ربّي بصورة شابّ أمرد جَعْد قطط .

وقال بعضهم : هو نور من الأنوار ، لقوله تعالى : {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ‏} وتعلّقوا بالآيات المتشابهة ، وهو قوله تعالى : {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } إلى ما شاكله(61) .

ولو تجاوزنا هذه النقول التي قد يعتبرها البعض نقولاً من الخصوم ، فلنقرأ ما أورده خبراء الملل والنحل .

فنقل الشهرستاني : عن جماعة من أصحاب الحديث الحشوية ، صرّحوا بالتشبيه ، مثل : مضر ، وكهمس ، وأحمد الهجيمي وغيرهم من الحشوية ، قالوا : معبودهم على صورةٍ ذات أعضاء وأبعاض إمّا روحانية وإمّا جسمانية ، ويجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار والتمكّن .

وحكى محمّد بن عيسى : أنّهم أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة ، وأنّ المسلمين المخلصين يُعانقونه في الدّنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص والاتّحاد المحض .

وحكى الكعبي عن بعضهم : أنّه كان يجوّز الرؤية في دار الدّنيا ، وأنّه يزوره ويزورهم .

وحكى عن داود الجواربي : أنّه قال : اعفوني عن الفرج واللحية ، واسألوني عمّا وراء ذلك!

وقال : إنّ معبوده جسم ولحم ودم وله جوارح وأعضاء من يدٍ ورِجْلٍ ورأسٍ ولسانٍ وعينين واُذنين ، ومع ذلك جسمٌ لا كالأجسام ، ولحم لا كاللحوم ، ودمٌ لا كالدماء ، وكذلك سائر الصفات ، وهو لا يشبه شيئاً من المخلوقات ، ولا يشبهه شي‏ءٌ .

وحكي عنه أنّه قال : هو أجوف من أعلاه إلى صدره ، مصمّت ما سوى ذلك ، وأنّ له وَفْرَةٌ سوداء ، وله شعر قطط .

وأمّا ما ورد في التنزيل من : الاستواء ، والوجه ، واليدين ، والجنب ، والمجي‏ء ، والإتيان ، والفوقية ، وغير ذلك ، فأجْروها على ظاهرها ، أعني : ما يُفهم عند الإطلاق على الأجسام .

وكذلك ما ورد في الأخبار من : الصورة وغيرها ، في قوله عليه الصلاة والسلام : خَلقَ آدم على صورة الرحمن .

وقوله : حتّى يضع الجبّار قدمه في النار .

وقوله : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن .

وقوله : خَمَّرَ طينة آدم بيده أربعين صباحاً .

وقوله : وضع يده أو كفّه على كتفي .

وقوله : حتّى وجدت بَرْدَ أنامله على كتفي .

إلى غير ذلك ، أجْرَوها على ما يُتعارف في صفات الأجسام .

وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام ، وأكثرها مقتبسة من اليهود ، فإنّ التشبيه فيهم طباع ، حتّى قالوا : اشتكتْ عيناهُ فعادتْهُ الملائكة ، وبكى على طوفان نوح حتّى رَمَدتْ عيناه ، وأنّ العرش ليئطُّ من تحته كأطيط الرحل الجديد ، وأنّه ليفضل من كلّ جانب أربع أصابع .

وروى المشبّهُ عن النبيّ عليه الصلاة والسلام أنّه قال : لقيني ربّي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفيَّ حتّى وجدتُ بَرْدَ أنامله(62) .

وهذه جلود منفوخة من كُبرائهم نقلت عنهم كلماتٌ واضحة من ذلك :

قيل لأحمد بن حنبل : يُحكى عن ابن المبارك أنّه قيل له : كيف نعرف ربّنا عزّوجلّ؟! قال : في السماء السابعة ، على عرشه يُحدُّ .

فقال أحمد : هكذا هو عندنا(63) .

وعن عبداللَّه بن خليفة ، قال : قال رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله : الكرسيّ الذي يجلس عليه الربّ ما يفضل منه إلّا قدر أربع أصابع ، وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد .

قال أبو بكر بن أبي مسلم العابد : إنّه الموضع الذي يفضل لمحمّدصلى الله عليه وآله ليجلسه عليه(64) .

والبربهاري - وهو من سفلة الحشوية - لم يكن يجلسُ مجلساً إلّا ويذكر فيه : إنّ اللَّه عزّوجلّ يُقْعد محمّداًصلى الله عليه وآله معه على العرش(65) .

وابن تيميّة يُكابر في البحث ، فبدلاً من أنْ يُطالب المجسّم على إثبات كلمة «جسم» وإطلاقه على الباري تعالى .

فيقول : وليس في كتاب اللَّه ولا سنّة رسوله ، ولا قول أحدٍ من سلف الاُمّة وأئمّتها أنّه «ليس بجسم» وأنّ صفاته «ليست أجساماً» وأعراضاً(66) .

متغافلاً عن أنّ الإثبات هو الذي يحتاج إلى الدليل ، وأمّا النفي والعدم فهو منتف بالأصل ، مضافاً إلى أنّ منع العقل من كونه «جسماً» ، كاف في منع إطلاقه - كما يفهم منه - عليه، حتّى يجي‏ء إثباته في دليلٍ ، ولو خبر مروي على مبناهم الزائف.

هكذا يقلب ابن تيمية الموازين ، والحجج ، ليروّج باطله .

والدليل على عناده : أنّه مدح واحداً من أشهر دُعاة الحشوية المجسّمة وهو الدارمي عثمان بن سعيد ، فقال : أحدُ الأئمّة المشاهير في زمن البخاري(67) .

ولقد أبدى تلميذه الوفي محمّد بن عبد الهادي الحنبلي الدمشقي (704 - 744ه) الذي قال عنه ابن كثير الشامي : كان مستقيماً على طريقة السلف واتباع السنّة(68) فإنّه زاد على كلّ الحشوية مسألة تقشعر منها الأبدان ، فقد ذكر الخلاف في مسألة النزول ، وأضاف : «هل يخلو العرش من الرحمن؟! عند نزوله في ثلث الليل ، أو لا؟!»(69) .

وقد ردّ عليه الإمام ابن الصدّيق الغُماري المغربي فقال : وهذا ممّا لا ينبغي أن يذكره في كتابٍ إلّا بليدٌ لا يفقه ، ولا يدري ما يخرج من رأسه .

وأين يوجد عن السلف هذا التشبيه؟! حتّى يُبنى عليه الخلاف في «خلوّ العرش» أو عدم خلوّه؟!

وهذا ممّا ينتقده أهل العلم على كثير من بُلداء أهل الحديث كما هو معلوم(70) .

فحق قول الطغراني في (تراكيب الأدوار) : الحشوية الطغام ، المظلمة الأذهان ، الكليلة الأفهام(71) .

ولقد بلغت الوقاحة بهم أنّهم لم يتأبّوا من أن يُقال فيهم أنّهم «مجسّمة» فاسمع ابن القيّم يقول :

إنّ إثبات ما دلّ عليه العقل والنقل من صفات اللَّه عزّوجلّ وحقائق أسمائه الحُسنى حقٌّ ، لا يُبطله تسمية المعطّلين لها : «تركيباً» و«تجسيماً» .

وكذلك ما دلّ عليه العقل والنقل من إثبات أفعاله وكلامه بمشيئته ونزوله كلّ ليلةٍ إلى سماء الدّنيا ، ومجيئه يوم القيامة للفصل بين عباده ، حقّ ، لا يُبطله تسمية المعطّلين له : «حلول حوادث» .

كما أنّ ما دلّ عليه العقل والنقل من عُلوّ اللَّه على خلقه ومُباينته لهم ، واستوائه على عرشه ، وعروج الملائكة والروح إليه ، ونزولها من عنده ، وصعود الكلم الطيّب إليه ، وعروج رسوله إليه ، ودنوّه منه حتّى صار قاب قوسين أو أدنى ، وغير ذلك من الأدلّة ، حقّ ، لا يُبطله تسمية الجهمية له : «حيِّزاً» و«جِهَةً» و«تجسيماً» .

ثمّ قال : قال الإمام أحمد : لا نزيل عن اللَّه صفةً من صفاته ، لأجل شناعة المشنّعين ، فإنّ هذا شأن أهل البدع ؛ يُلقّبُون أهل السنّة وأقوالها بالألقاب التي يُنَفِّرون منه الجهّال ، ويُسمّونها «حشواً» و«تركيباً» و«تجسيماً» ويُسمّون عرش الربّ تبارك وتعالى : «حيّزاً» و«جهةً» ليتوصّلوا بذلك إلى نفي عُلُوّه على خلقه واستوائه على عرشه(72) .

فأوّلاً : قوله : «ليتوصّلوا إلى نفي عُلُوّه» .

مغالطةٌ واضحةٌ ، إذ لم يهدف إلى نفي ذلك أحدٌ من الفِرق ، بل إنّ نُفاة الحيّز والجهة هم المثبتون للعلوّ الحقّ المطلق ، غير المقيّد ، وإنّما المجسّمة واللفظية هم المقيِّدون للعُلوّ بالمفهوم من الظاهر ، والمحدّدين لذلك بجهةٍ معيّنة خاصّة فوقيّة .

وثانياً : قوله : «لا نزيل عن اللَّه صفةً من صفاته» .

إنّ أهل التأويل لم يحاولوا أن يُزيلوا الصفة ، إذ هم حاولوا أن يفهموا معنى تلك الصفة ، ففهم الشي‏ء إثبات له لا إزالة ، ولا تعطيل له .

بل ، إثبات الصفة ، مع المنع من فَهمها هو التعطيل الحقيقي لها ، كما سيأتي .

وثالثاً : قول ابن القيم : «إثبات ما دلّ عليه العقل والنقل . . . حقٌّ» .

نعم ، لاريب في أنّ إثبات الصفة للَّه حقّ ، لدلالة العقل والنقل عليها ، لكن هل العقل والنقل يدلّان على إثبات الاسم فقط ، واللفظ المجرّد عن المعنى والمدلول ، والفارغ عن المفهوم والمعقول؟ كما تزعمون أنتم؟ حيث تمنعون عن تفسير ما دلّ عليه العقل وورد به النقل .

مع أنّ العقل إذا دلّ على شي‏ء ، فإنّما يدلّ على إثبات معنى ما يدركه ، ولا يدلّ على مجرّد إثبات اللفظ ، فإنّ المدركات العقلية هي المعاني المفهومة ، لا الألفاظ الملفوظة .

فإذا زعمتم كما تلتزمون ، بأنّ الثابت للَّه هو «مجرّد الاسم» والصفة الخبرية كاسم «الوَجْه» مثلاً مفرّغاً عن المعنى العرفي المفهوم لدى الناس ، فأيُّ ربط لهذا الوضع اللفظي ، بالعقل؟

وإنْ استندتم - كما هو دأبكم - إلى الدليل النقلي ، وأنّ هذا قد ورد في النصّ المنقول ، فلذا تطلقونه كما ورد ، فالكلام الشرعي الوارد بياناً للناس ، ولهدايتهم ، ولتعريفهم بالحقائق لابدّ أن يكون مفهوماً لهم ، ومعبِّراً عمّا يتداولونه ويدركونه . فإذا لم تكونوا تقولون في اسم «الوجه» بما يفهمه الناس من العضو المواجه للمخاطب من جسم الإنسان؟ فقد أفرغتم اسم «الوجه» عن معناه المتعارف ، لاستحالته ، لأنّه يؤدّي إلى التجسيم الذي تأبونه - حسب زعمكم - ويأباه العقل والنقل ، وكلّ الموحّدين من الإلهيّين . فإن كنتم عرباً فالتزموا بمعناه العُرفي الصحيح الآخر وهو التأويل .

وإذا لم يكن لاسم الوجه ، ذلك المعنى المعروف عند العامة ، وتمنعون من التأويل الذي هو معنىً عرفي آخر ، مستعمل ومتداول ، ومعقول؟

فقد أفرغتم الكلمة من كلّ معنى ، فأنتم قد عطّلتم الكلمة من أن تكون مفيدةً للسامعين! ونفيتم أن يكون لها دلالة على أيّ معنى ، لأنّكم تقولون : «الكيف مجهول» بل تمنعون عن السؤال عنه وفهمه ، فتقولون : «والسؤال بدعة»؟

إذنْ ، فأيّ شي‏ء ثبت لكم بالعقل؟ وما هو معقولكم من الصفة الإلهية التي ثبتت!؟ فأيّ شي‏ء تثبتون؟

فالإثبات الذي تلتزمونه هو ادّعاء مجرّد عن كلّ معقول ومدلول ، بينما الألفاظ إنّما توضع للدلالة على معانيها الموضوعة ، حتّى تكون «مستعملة» وإلّا كانت «مهملة» لخلوّها عن المعاني الموضوعة لها .

فها أنتم تثبتون «لفظاً» بلا معنى؟ فهل هذا إثبات أم تعطيل وإهمال؟!

نعم ، هو التعطيل الواقعي للصفة ، وإزالة معنى الصفة واقعاً! حتّى لو كان تظاهراً بإثبات لفظ «الاسم» الخالي عن المعنى! لكن هذا الإثبات خالٍ عن أيّ تصوّر عقليّ ، وعن أيّ مدلولٍ لغويّ ، فما هو الملتزم العقيديّ لكم؟

نعم هو مجرّد محاولة لفظية وتكرار باللسان .

بينما الأمر يرتبط بالاعتقاد ، وعقد القلب ، وليس عبارةً لفظيةً بالإجراء على اللسان كبقيّة الأذكار .

فاللازم على قولكم إخراج البحث عنها من باب العقائد ، وإدراجها في بحث الأذكار اللفظية .

ومهما كان ، فإنّ ارتباط الحشوية بالحنابلة ، وتداخلهما أمرٌ لم ينكره الحنابلة أنفسهم قال بعضهم : ومن الأصحاب على هذا ، وأثبت العلم بوجود صفاتٍ زائدةٍ على ما أثبتناه ، وذلك مثل البقاء ، والوجه ، واليدين ، ومن الحشوية مَنْ زاد على ذلك حتّى أثبت له نوراً وجنباً وقدماً ، والاستواء على العرش ، والنزول إلى سماء الدُّنيا(73) .

وقد أدّى مذهبهم في تعطيل العقل ، ومسلكهم في نفي التأويل عن الظواهر ، إلى الالتزام بالجسم للبارئ ، ومستلزمات الجسمية ، وقد قالوا في هذا الباب مقالاتٍ تقشعرّ منه جلود الذين آمنوا .

نقل ابن أبي الحديد عن ابن الهيصم في كتابه «المقالات» : أنّ أكثر الحشوية تجيز عليه تعالى : العَدْوَ والهرولة(74) .

وقال الغزالي : أمّا الحشوية فإنّهم لم يتمكّنوا من فهم «موجود لا في جهة» فأثبتوا الجهة ، حتّى لزمتهم - بالضرورة - الجسميّة والتقدير والاتصاف بصفات الحدوث(75) .

وممّن غالى وفضّع في إيراد هذه السخافات منهم :

ابن كلّاب ، عبداللَّه بن سعيد بن محمّد بن كلّاب ، القطّان البصري :

قال ابن النديم : هو من نابتة الحشوية(76) .

وعلّق عليه ابن حجر : يريد ممن يكون على طريقة السلف في ترك التأويل للآيات والأحاديث المتعلّقة بالصفات ، ويقال لهم : «المفوّضة» وعلى طريقته مشى الأشعري في كتاب «الإبانة»(77) .

وقد عدّ النديم - أيضاً - من النابتة الحشوية : الأشعري ، علي بن إسماعيل بن أبي بشر البصري(78) .

مع أنّ السلفية المتأخِّرة لم يرتضوا «الأشعري» أن يكون منهم .

قال الإمام الكوثري : الحنابلة لا يترجمونه - الأشعري - في طبقاتهم ، ولا يعدّونه منهم ، بل يمقته الحشوية منهم فوق مقت المعتزلة(79) .

«فويلٌ لمن كفّره نُمْرود» .

وعُدّ من كبرائهم :

أبو يحيى ، حفص القرد(80) .

والكرابيسي ، الحسين بن علي بن يزيد المهلّبي .

قال النديم : له كتاب في الإمامة ، وفيه غَمْزٌ على عليٍ‏عليه السلام(81) .

وداود الجواربي وهذا من أبشعهم كلمات فظيعة!(82) .

وقد ذكر الشهرستاني بعض حججهم ، ذيل عنوان «المشبّهة» كما يلي :

اعلم أنّ السلف من «أصحاب الحديث» تحيّروا في تقرير مذهب أهل السنّة والجماعة في متشابهات آيات الكتاب الحكيم وأخبار النبيّ‏صلى الله عليه وآله .

فأمّا أحمد بن حنبل (ت‏241ه) وداود بن علي الأصفهاني (ت‏270ه) وجماعة من أئمّة السلف : فجروا على منهاج السلف المتقدّمين عليهم من «أصحاب الحديث» مثل مالك بن أنس ، ومقاتل بن سليمان (ت‏150ه) فقالوا : نؤمن بما ورد به الكتاب والسنّة ، ولا نتعرّض للتأويل .

وقالوا : إنّما توقّفنا في تفسير الآيات ، وتأويلها ، لأمرين :

أحدهما : المنعُ الواردُ في التنزيل ، في قوله تعالى : {فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ(83)} .

فنحن نحترز من الزيغ .

والثاني : أنّ التأويل أمرٌ مظنون بالاتّفاق ، والقول في صفات الباري بالظنّ غير جائز ، فربّما أوّلنا الآية على غير مراد الباري تعالى ، فوقعنا في الزيْغ .

وأضافوا : بل نقول كما قال الراسخون في العلم : { كلٌّ من عند ربّنا} آمنّا بظاهره ، وصدّقنا بباطنه ، ووكلنا علمه إلى اللَّه تعالى ، ولسنا مكلّفين بمعرفة ذلك(84) .

هذا ما نقله الشهرستاني عن أصحاب الحديث ، وآراء الحشوية وملتزماتهم متوفّرة فيه بوضوح ، من منع التأويل ، والالتزام بالظواهر كما هي .

وكذلك ، فبطلان الاستدلال المذكور واضح جدّاً :

فقولهم : «آمنّا بظاهره» كلامٌ باطلٌ ، فالإيمان إنّما يتعلّق بالمعاني ، لا بالألفاظ والظواهر الخالية من المعنى ، فلا يصحّ أن يقول الإنسان : آمنت بلفظ «قالَ»؟!

وقولهم : «صدّقنا بباطنه» أيضاً كلامٌ فاسدٌ ، لأنّ التصديق حقيقته الاعتقاد بصدق الشي‏ء فيقتضي العلم به ، والمفروض أنّ الباطن مجهولٌ ، وغير معلومٍ لهم .

فكيف يعتقدون بما لا يَعرفون؟

وماذا هو المصدَّق والمعتقد به ، وهو مجهول؟

وقولهم : «وكلنا علمه إلى اللَّه تعالى» كلامٌ مضحك ، فما حصل لكم بهذا التوكيل؟ غير الاعتراف بالجهل؟ ومَنْ كلّفكم بهذا التوكيل؟

وأفظع من جميع تلك الجمل : قولهم : «ولسنا مكلّفين بمعرفة ذلك»!

وإذا لم تكونوا مكلّفين! فلماذا تعرّضتم للإيمان بظاهره والتصديق بباطنه .

ولو كنتم مكلّفين بالإيمان والتصديق ، المذكورين ، فأنتم مكلّفون بالمعرفة ، لأنّ الإيمان والتصديق متوقّفان على المعرفة ، ولا يمكن حصولهما بدونها ، فمن لا يعرف الشي‏ء لا يصحّ أن يؤمن به ، ولا أن يصدّق به .

وأمّا ما يلتزمه الحشوية ، فهو مجرّد لقلقة لسان ، لا ربط له بالضمير والقلب والوجدان .

وإذا لم تكونوا مكلّفين بالمعرفة؟

فلماذا تطلبون الاُصول بالتقليد ، وهو لا يفيد علماً ، بل حاصله مجرّد الظنّ الذي لا يغني عن الحقّ شيئاً .

فلو لم تكونوا مكلّفين بالمعرفة ، فاتركوا التقليد ، كما تركتم النظر والبحث العلمي ، وأهملوا هذه الاُمور ، وأوكلوها إلى اللَّه تعالى!

وأمّا استدلالهم بآية : { ابتغاء تأويله‏} فيردّه أنّ الآية دليلٌ واضح على وجود التأويل للمتشابه ، وبقيّة الآية تدلّ على أنّ التأويل معلوم للَّه تعالى وللراسخين في العلم ، وهم يقولون بعد المعرفة : { آمنّا} لا قبلها ، لعدم صحّة الإيمان بدون المعرفة ، كما مرّ .

فاللازم على المؤمن المصدّق أن يتّبع أوّلاً أولئك الراسخين ، فيتعلّم منهم ، ثمّ يؤمن بما عرف ويصدّق بالمعلوم ، ولا يكتفى بالتقليد الذي لا يستتبع إلّا الظنّ غير الجازم ، وغير الموصل إلى العلم .

وأمّا اكتفاء الحشوية بالظواهر ، والالتزام بالألفاظ مع تفريغها عن المعاني ، فهو جهلٌ ، يأباه العوامّ من أهل العربية ، إذ الألفاظ إنّما تستعمل للدلالة على المعاني ، سواء الحقيقيّة الموضوعة لها ، عند الإمكان ، أو المجازية المرادة بالاستعمال في بعض الأحيان .

وأمّا إطلاق الألفاظ الفارغة من الدلالات فلا تستتبع الالتزام ، ولا يترتّب عليها شي‏ء من الإرادة والإلزام ، ولا يقصد العقلاء مثل ذلك إلّا مع البهائم التي لا تدرك أنّ وراء الألفاظ معاني تقصدُ ، وتستعمل لإفادتها .

والمعارف الأصولية ، أجلّ مقاماً وأعلى شأناً وأرفع منزلة ، أن يتعاطى فيها الألفاظ المفرّغة هكذا .

ثمّ إنّ الالتزام بالظاهر ، يؤدّي بالنتيجة إلى ما يقوله الحشوية من التشبيه ، وإليك ما ذكره الشهرستاني من أقوالهم :

قال : وأمّا مشبّهة الحشوية :

فحكى الأشعري عن محمّد بن عيسى أنّه حكى عن مضر ، وكهمس ، وأحمد الهجيمي ، أنّهم أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة ، وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة ، إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص والاتحاد المحض .

وحكى الكعبي عن بعضهم : أنّه كان يجوّز الرؤية في دار الدّنيا ، وأن يزوره ويزورهم .

وحكى عن داود الجواربي ، أنّه قال : أعفوني من الفرج واللحية! واسألوني عمّا وراء ذلك (فإنّ في الأخبار ما يثبت ذلك)(85) .

وقال : إنّ معبوده جسم ولحم ودم ، وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين واُذنين .

وحكي عنه أنّه قال : هو أجوف من أعلاه إلى صدره ، مصمت ما سوى ذلك ، وأنّ له وفرة سوداء ، وله شعر قطط .

وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجي‏ء والإتيان والفوقيّة وغير ذلك ، فأجروها على ظاهرها ، أعني ما يُفهم عند الإطلاق على الأجسام ، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في :

قوله‏عليه السلام : «خلق آدم على صورة الرحمن» .

وقوله : «حتى يضع الجبّار قدمه في النار» .

وقوله : «قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن» .

وقوله : «خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً» .

وقوله : «وضع يده أو كفّه على كتفي» . وقوله : «حتّى وجدتُ برد أنامله على كتفي» .

إلى غير ذلك ، أجروها على ما يُتعارف في صفات الأجسام ، وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيّ‏عليه السلام ، وأكثرها مقتبسة من اليهود ، فإنّ التشبيه فيهم طباعٌ .

حتّى قالوا : اشتكت عيناه ، فعادته الملائكة .

وبكى على طوفان نوح حتّى رمدت عيناه .

وإنّ العرش ليئطّ من تحته كأطيط الرحل الجديد .

وأنّه ليفضل من كلّ جانب أربع أصابع .

وروى المشبّهة عن النبيّ‏صلى الله عليه وآله أنّه قال : «لقيني ربّي فصافحني وكافحني ، ووضع يده بين كتفيّ حتّى وجدتُ بَرْدَ أنامله»(86) .

هذا ما ذكروه عن صفات الذات ، وقد تجاوزوا ذلك إلى صفات الأفعال فقالوا : إنّها - كذلك - قديمةٌ أزليّة .

فكون صفات الأفعال قديمةً ، استحقّها اللَّه في القدم ، كصفات الذات ، أصل عند الحنابلة(87) .

وعلى أثر التزامهم الباطل بالظواهر ، ومواجهتهم للنقد اللاذع من كلّ مَنْ مُنح نعمة العقل ، التجأوا إلى تحريم المتابعة والسؤال عن «كيف يمكن الالتزام باللفظ فقط مع فراغه عن المعنى المعقول؟»

فقالوا بالبلكفة، مصدر مصنوع من قولهم: «بلا كيف» أي لا تقولوا : «كيف؟».

قال أحمد : التصديق بالأحاديث ، والإيمان بها ، لا يُقال : «لِمَ» ولا «كيفَ» إنّما هو التصديق والإيمان بها .

وقال : ومن لم يعرف تفسير الحديث ولم يبلغه عقله ، فقد كفي ذلك وأحكم له ، فعليه بالإيمان به والتسليم له . . . مثل أحاديث الرؤية كلّها - وإن نَبَتْ عن الأسماع ، واستوحش منها المستمع - فإنّما عليه الإيمان بها ، وأن لا يردّ حرفاً واحداً(88) .

وقال أبو عبداللَّه ابن بطة : سألت أبا عمر ، محمّد بن عبد الواحد ، غُلام ثعلب ، عن قول النبيّ‏صلى الله عليه وآله : ضحك ربّنا من قنوط عباده ، وقرب غيره؟

فقال : الحديث معروف ، وروايته سنّة ، والاعتراض بالطعن عليه بدعة ، وتفسير الضحك تكلّف وإلحاد(89) .

ولقد كانت هذه سمة «الحشوية» بالذات :

قال ابن بطة : ومن كلام الجهميّة : مَنْ انتحل مذهب الأثر ، واعتقد ما في الأحاديث على ظاهرها ، فهو حشوي زائغ ، وعند التحقيق كافر(90) .

وعلّق عليه : لأنّ الظاهر على ما يفهمونه يؤدّي إلى التمثيل والتشبيه بالمخلوقات .

وعلى أثر بشاعة تلك الأقوال ، وتعنّت تلك الأحكام على سائر العوام ، حاول بعض كبارهم التملّص من بعضها ، ويحاولون وضع لائمة تلك الأحاديث على الآخرين ، من بابة «رمتني بدائها وانسلّت» .

فهذا ابن عدي يقول في ترجمة «محمد بن شجاع الثلجي الفقيه» من أصحاب الرأي المتوفى (266) : كان يضع أحاديث التشبيه ، ينسبه إلى أصحاب الحديث ، ليثلبهم به .

روى عن حبان بن هلال - وهو ثقة - حديث : «إنّ اللَّه خلق الفرس فأجراها ، فعرقت ، ثمّ خلق نفسه منها»(91) .

ومن غريب أمرهم جرحهم لأهل التوحيد والتنزيه عند نفيهم لهذا ونحوه ، كما سيأتي .

اسمع إلى الذهبي يقول : إنكار الحدّ ، وإثبات الحدّ : من فضول الكلام ، والسكوت عن الطرفين أولى ، إذ لم يأت نصٌّ بنفي ذلك ولا إثباته ، واللَّه تعالى ليس كمثله شي‏ء .

فمتى أثبته قال له خصمه : جَعَلْت للَّه حدّاً برأيك ، ولا نصّ معك بالحدّ ، والمحدود مخلوق ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً .

وقال المثبتُ للحدّ ، للنافي : ساويتَ ربّك بالشي‏ء المعدوم ، إذ المعدوم لا حدّ له .

فمن نزّه اللَّه وسكت ، سَلِمَ وتابع السَلَف(92) .

وتعقّبه الحافظ ابن حجر ، فقال : قوله : «قال له النافي : «ساويت ربّك بالشي‏ء المعدوم إذ المعدوم لا حدّ له» نازلٌ ، فإنّا لا نسلّم أنّ القول بعدم الحدّ يُفضي إلى مساواته بالمعدوم ، بعد تحقّقه ووجوده(93) .

لكنّ الذهبي وإخوانه الحشوية لا يفهمون موجوداً لا في جهة ، فكلّ موجود عندهم ملازمٌ للجهة والحدّ ، ولا يتصوّرون «الموجود المجرّد» بينما هم يَدْعون إلى «اللفظ المجرّد عن المعنى» بالتزام الظواهر في الصفات الخبرية .

وهكذا ، هم متحيِّرون في ما يريدون ، بين الإثبات والنفي ، ولذا نجد كلماتهم غير مفهومة ، تارة يصرّحون بالحدّ والجهة والتجسيم ، وتارةً ينفونها ولكنّهم يصرّون على الإثبات!

ومن قبيح تصرّفاتهم أنّهم يعترضون على الآخرين ، بما يزيد لهم الفضيحة ويكشف عن عدم الفهم لما يخرج من أفواههم .

قال أحمد : صحّ الأمر على أبي ثور : مَنْ قال : «إنّ اللَّه خلق آدم على صورة آدم» فهو جهميّ ، وأيّ صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟!(94)

بينما الجواب على الحقّ من قِدَم العلم : واضح ، فاللَّهُ تعالى عالم بصورة آدم قبل أن يخلقه .

وعلى أصل الحنابلة من «قِدَم صفات الأفعال» أوضح ، فإنّ لازمه قدم الخلق .

ومن ذلك تعدّيهم على مخالفيهم بالجَرْح والقدح الرجالي ، ممّا سبَّب فوات أعداد كبيرة من الحديث الشريف ، وخسران تلك الثروة الهائلة من الوحي النبوي ، فانظر إلى هذه الترجمة :

قال الذهبي والسبكي - واللفظ للثاني - : اعلم أنّ أبا إسماعيل ، عبداللَّه بن محمّد الهروي ، الذي تسمّيه المجسّمة «شيخ الإسلام» : سألت يحيى بن عمّار ، عن ابن حبّان ، قلت : رأيته؟

قال : وكيف لم أره! ونحن أخرجناه من سجستان ، كان له علمٌ كثير ، ولم يكن له كبير دين ، قدم علينا ، فأنكر الحدّ للَّه ، فأخرجناه من سجستان!(95)

وعقّب السبكي : فياليت شعري من أحقّ بالإخراج؟ مَنْ يجعل ربّه محدوداً؟ أو من ينزّههُ عن الجسميّة؟

وأضاف السبكي : انظر ما أجهل هذا الجارح! وليت شعري مَنْ المجروح؟ مثبت الحدّ للَّه ، أو نافيه؟

وقد قال الحافظ العلائي : ياللَّه العجب؟ مَنْ أحقّ بالإخراج والتبديع وقلّة الدين؟(96) .

لكن ابن حجر يقول : الحقّ أنّ الحقّ مع ابن حبّان!(97) .

وكذلك تعدّيهم على عموم المعتزلة ، لقولهم بالتنزيه ، ونفيهم عن اللَّه تعالى التجسيم وشوابه التشبيه :

قال القاسمي : بقي التنبيه على النصفة مع مجتهدي فرق الإسلام ، ومجافاة التضليل عن كلّ من التزم قانون التأويل ، فنقول :

قد وقر في قلوب كثير من الناس رمي أمثال المعتزلة بالمروق والضلال والزيغ ، تقليداً لمن ينبزهم بذلك من حشوية المتفيقهين . وهذا من أغرب الغريب!

إذ كيف يصحّ هذا ، وكان القائمون بمذهب المعتزلة خلفاء الإسلام في العهد العبّاسي ، وقضاتهم ، وعدّة من علمائهم؟

وهم يحتّجون لما يدعون ، ويُبرهنون على ما يذهبون؟(98)

وكذلك هجومهم العنيف على علماء مذهب أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم بل على الشيعة كافّةً ، بأنواع التُهم والافتراءات ، لعدم فهم الحشوية آراءهم وكلماتهم تارةً ، أو لنسبة الباطل إليهم زوراً وكذباً ، تارةً اُخرى!

ومن ذلك ما نسبوه إلى «هشام بن الحكم» من الترّهات التي هي مقولات صرّح بها أسلافهم الحشوية بكلّ وقاحة(99) .

وأرى أنّ السبب في إشاعتهم تلك التهم وتأكيدهم على نسبتها إلى الشيعة وأعلام الفكر الإمامي بالذات ، أمور منها :

1 - الجهل ، وعدم فهم مغزى الكلمات التي تداولها متكلِّمو الشيعة ، لقصور الحشوية في مشاعرهم والبلادة المعروفة عنهم في فهم الاُمور وإدراكها ، فيعتمدون ظواهر الكلمات ، وينسبون ما يتخيّلون ويتوهّمون إلى غيرهم .

2 - محاولة تبرئة سلفهم من شناعة تلك الخرافات والسخافات ، وكأنّهم بذلك يخفّفون عن كواهلهم ثقل ما التزموا ، كما رأينا تصريح ابن تيميّة بأنّ التجسيم لو كان في الحنابلة ، فهو موجود في كلّ الطوائف .

يريد بذلك أن يخلص عن المحاسبة! كما سلف .

3 - الخلط عليهم - عمداً أو جهلاً أو سهواً - بين الأسماء المتشابهة ، فكثيراً ما يرى نسبة أقوال أحد إلى الآخر ، مثل ما نسبوه إلى هشام بن الحكم ، ما هو ليس من كلامه ولا رأيه ولا يناسب مذهبه ، بل هو كلام معروف لهشام الفوطيّ من أهل السنّة المعروفين .

ومن غرائب هذا الأمر أنّ ابن حزم الظاهري جعل «داود الجواربي» من الإمامية ، ونسب أقواله إليهم .

وهو الغاية في السفاهة ، والتزوير .

ولو دقّقوا - وخاصّة المتأخّرين والمعاصرين لنا من أساتذة الجامعات والدارسين الجُدد - لوجدوا هذا الخلط واضحاً .

وقد أوضحنا جانباً من هذا في بحثنا «مقولة جسم لا كالأجسام بين رأي هشام بن الحكم ورأي سائر أهل الكلام»(100) .

كما أنّ مراجعة المصادر الأصلية تكشف الكثير عن الواقع سواء في مجال معرفة الحشوية وفكرها ، أو في مجال معرفة خلطها وسفهها فإنّ الذخيرة التراثية ، من أوثق الطرق لمعرفة تاريخ الحشويّة ، نشأةً وتأريخاً وفكراً ، وقد خلّد الحشوية أنفسهم ذلك في كتب ، كما كتب معارضوهم كُتباً في الردّ عليهم .

ونحن لم نتصدّ لاستيعاب ذلك ، إلّا أنّا وقفنا خلال بحثنا لتنظيم هذه الأوراق ، على مفردات من الأسماء ، لا بأس بعرضها هنا .

فأشهر كتاب للحشوية هو المسمّى ب كتاب (التوحيد) لابن خزيمة وهو من أهمّ كتب السلفية ، وممّا يهتمّ به السلفيّون قديماً وحديثاً لاحتوائه على أهمّ ما يروّجون له من الآراء والأفكار .

قال العلّامة السيِّد حسن السقاف الأردني : ابن خزيمة في كتابه «التوحيد» الذي ندم على تأليفه أخيراً ، كما روى ذلك عنه الحافظ البيهقي في «الأسماء والصفات»(101) .

وكتاب «التوحيد» لابن خزيمة ، يسمّيه الفخر الرازي في تفسيره بكتاب «الشرك»(102) لما أتى به فيه من مستشنعات ، وللَّه في خلقه شؤون .

وقد طَبَعَ كتابَ ابن خزيمة هذا الحشويّةُ كراتٍ ومرّاتٍ ، ووزّعوه مجّاناً ، ليروّجوا به عقائدهم الفاسدة(103) .

وممّا نقل عنه فيه عنوانه للأبواب التالية :

باب إثبات اليد .

باب إمساك السماوات على أصابعه .

باب إثبات الرِجل ، ومن غريب ما أثبته فيه قوله : «وإن رُغمت أنوف المعتزلة!» . ثمّ قال : قال اللَّه : { ألهم أرجل يمشون بها ، أم لهم أيد يبطشون بها} .

فأعلمنا أنّ من لا يَد له ولا رجل فهو كالأنعام!(104)

وأمّا الردود على الحشوية :

فقد تصدّى لهم علماء الاُمّة الإسلامية منذ القرون الأولى وحتى اليوم ، ومن كلّ المذاهب والفرق .

ومن أقدمهم الإمام الفقيه المحدِّث : الفضل بن شاذان النيسابوري ، أبو محمّد الأزدي (ت حدود 260ه ) .

قال النجاشي : أحد أصحابنا الفقهاء والمتكلِّمين ، صنّف (180) كتاباً ، له : الردّ على الحشوية(105) .

ومن قدمائهم: المؤرِّخ المتكلِّم الحسن بن موسى أبومحمّدالنوبختي (ت‏310ه )

قال النجاشي : شيخنا المتكلِّم المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها . له : الردّ على المجسّمة(106) .

ومنهم : أبو يحيى الجرجاني أحمد بن داود بن سعيد الفزازي :

صنّف في الردّ على‏ الحشوية تصنيفاً كثيراً .

له : فضائح الحشوية ، واستنباط الحشوية ، ومحنة النابتة - يصف فيه مذاهب الحشوية وفضائحهم - (107) .

ومنهم : علي بن القاسم بن محمد ، أبو الحسن التميمي المغربي ، القُسَنْطيني ، المتكلِّم ، الأشعري :

قدم دمشق ، وخرج إلى العراق ، ولقي الأئمّة ، ثمّ عاد إلى دمشق ، وأكرمه رئيسها أبو الداود المفرّج بن الصوفي .

قال ابن عساكر : رأيت له تصنيفاً في الاُصول سمّاه : «تنزيه الإلهية وكشف فضائح المشبّهة الحشوية» .

توفّي بدمشق 18 شهر رمضان 519(108) .

ومنهم : ابن عقيل‏

قال ابن تيميّة : ولابن عقيل أنواع من الكلام ، فإنّه من أذكياء العالم ، كثير الفكر والنظر في كلام الناس ، فتارةً يسلك مسلك نُفاة «الصفات الخبرية» ويُنكر على مَنْ يُسمّيها صفاتٍ ، ويقول : «إنّما هي إضافاتٌ» موافقةً للمعتزلة ، كما فعله في كتابه : «ذمّ التشبيه وإثبات التنزيه» وغيره من كتبه .

واتّبعه على ذلك أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه : «كَفُّ التشبيه بكفّ التنزيه» وفي كتابه «منهاج الوصول»(109) .

ومنهم : ابن الجوزي هذا الذي ذكره ابن تيمية في النقل السابق .

فقد تصدّى للسلفية الحشوية بالردّ الحاسم في كتابه «دفع شبه التشبيه» وهو مطبوع بتحقيق محمّد زاهد الكوثري ، نشر المكتبة التوفيقيّة بالقاهرة وبتحقيق السيّد العلّامة حسن السقّاف الأردني ، حديثاً .

والملاحظ أنّ ابن الجوزي يُحسب على الحنابلة في بغداد ، ولذلك أرسل إليه إسحاق بن أحمد العلني الحنبلي (ت‏634) رسالة ينتقده على قوله الحقّ في الصفات ولتسفيه آراء الحنابلة السلفيّين في سائر كتبه خاصّة كتاب «الكشف لمشكل الصحيحين» ، ويقول في رسالته إليه : لقد سوّدت وجوهنا(110) .

ومنهم : الإمام الكبير الزاهد أبو بكر ، محمّد بن عبد المؤمن تقيّ الدين الحِصْني الدمشقي الشافعي (752 - 829ه) .

أخذ العلم عن جماعة من أهل عصره ، وبرع ، وقصده الطلبة ، وصنّف التصانيف ، كشرح التنبيه في خمس مجلّدات في الفقه الشافعي .

وقال الزركلي : فقيه ورع من أهل دمشق .

حطّ على ابن تيميّة وبالغ في ذلك ، وتلقّى ذلك عنه الطلبة بدمشق . له كتاب : «دفع شُبَهِ مَن شَبَّهَ وتمرّدَ ، ونسب ذلك إلى الإمام أحمد» طبع بتعليق الإمام العلّامة محمّد زاهد بن حسن الكوثري في دار إحياء الكتاب العربي - القاهرة 1350 .

وقد حقّقناه ، وطبع بتحقيقنا عام 1418ه باسم «دفع الشبه عن الرسول‏صلى الله عليه وآله والرسالة» .

ومن الرادّين على الحشويّة :

السيِّد الحسين بن عبد الرحمن بن محمّد بن علي الحسيني العلوي ، الشافعي المعروف بالأهدل ، ولد حدود سنة (779) وقرأ على الزيلعي وغيره ، وبرع في عدّة علوم، وصنّف‏على‏البخاري شرحاًانتقاه‏من‏الكرماني‏مع‏زيادة باسم«مفتاح القاري لجامع البخاري» ، وله : اللمعة المقنعة في ذكر الفرق المبتدعة ، والرسائل المرضيّة في نصر مذهب الأشعرية ، وبيان فساد مذهب الحشوية ، وشرح الأسماء الحسنى .

وهو شيخ عصره بلا مدافع ، دارت عليه الفتيا ، ورحل إليه الناس للتدريس ، وهو من مشاهير علماء اليمن المبرزين في علمي المعقول والمنقول . استقرّ بأبيات حسين ، ومات بها تاسع شهر المحرّم سنة (855) ودفن بها(111) .

وتعدّ دراستنا هذه أحدث كتاب عن الحشوية ، وأوسع ما كتب عنها بشكل مستقلّ ، نسأل اللَّه التوفيق للحقّ والصواب والإتمام وحسن المآب .

4 - موقفهم من عِصمة الأنبياء والصحابة والأئمّة

عصمة الأنبياء ممّا وقع فيها الخلاف بين المذاهب الإسلامية بشكل واسع ، وقد أجمل ذلك(112) السيِّد المرتضى في مقدّمة كتابه «تنزيه الأنبياء» فقال :

اختلف الناس في الأنبياء عليهم السلام :

فقالت الشيعة الإماميّة : لا يجوز عليهم شي‏ء من المعاصي والذنوب ، كبيراً كان أو صغيراً ، لا قبل النبوّة ولا بعدها ، ويقولون في الأئمّة مثل ذلك .

وجوّز أصحاب الحديث والحشوية على الأنبياء الكبائر قبل النبوّة .

ومنهم من جوّزها في حال النبوّة ، سوى الكذب فيما يتعلّق بأداء الشريعة .

ومنهم من جوّزها كذلك في حال النبوّة ، بشرط الاستسرار دون الإعلان .

ومنهم من جوّزها على الأحوال كلّها .

ومَنَعَت المعتزلة من وقوع الكبائر والصغائر المستخفّة من الأنبياءعليهم السلام قبل النبوّة وفي حالها ، وجوّزت في الحالين وقوع ما لا يُستخفّ من الصغائر(113) .

وقال الفخر الرازي : اختلفوا على مذاهب :

فالحشويّة على أنّه يجوز عليهم الإقدام على الصغائر والكبائر(114) .

وقال ابن أبي الحديد : جوّز قوم من الحشوية عليهم هذه الكبائر وهم أنبياء ، كالزنا واللواط وغيرهما .

ومنهم من جوّز ذلك بشرط الاستسرار دون الإعلان .

ومنهم مَنْ جوّز ذلك على الأحوال كلّها .

ثمّ ذكر أقوال المعتزلة مثل ما نقل السيّد المرتضى(115) .

وقال الدكتور عبد الغني عبد الخالق في عنوان : عصمتهم عن سائر المعاصي غير الكفر :

المذهب الأوّل : أنّه لا يمتنع عليهم شي‏ء من ذلك مطلقاً ، وهو مذهب الحشوية ، والأزارقة ، والفضلية .

أمّا الحشوية : فقد نقل عنهم جواز تعمّد الكبائر ، ويلزم ذلك أنّهم يجوّزون ما عداه - ممّا تقدّم - بالأولى(116) .

ثمّ نقل عن شرح المقاصد قوله : وإنّما جوّز الحشوية ما ذكر ، إمّا لعدم دليل الامتناع ، وإمّا لما ورد من شُبه الوقوع .

ثمّ قال : وستعلم دفع الأمرين في ما سيأتي إن شاء اللَّه(117) .

وقال التهانوي : أجمع أهل الملل والشرائع كلّها على وجوب عصمة الأنبياء عن تعمّد الكذب في ما دلّ المعجزة على صدقهم فيه ، كدعوى الرسالة ، وما يبلّغونه عن اللَّه إلى الخلائق .

وفي جواز صدور الكذب منهم - في ما ذكر - سهواً ونسياناً ، خلاف .

وأمّا ما سوى الكذب في التبليغ ، من الكفر وغيره :

فالكفر : اجتمعت الاُمّة على عصمتهم عنه - قبل النبوّة وبعدها ، ولا خلاف لأحدٍ منهم في ذلك ، إلّا الأزارفة من الخوارج .

أمّا الكبائر عمداً : فمنعه الجمهور من المحقّقين والأئمّة ، إلّا الحشويّة ، والأكثر على امتناعه سمعاً ، وقالت المعتزلة : بل عقلاً .

وقالت الروافض : لا يجوز عليهم صغيرة ، ولا كبيرة ، لا عمداً ، ولا سهواً ، ولا خطأً في التأويل ، بل هم مبرّؤون عنها بأسرها ، قبل الوحي وبعده(118) .

أقول : أمّا جعلهم رأي الحشوية تحت عنوان «الكبائر غير الكفر» فليس صحيحاً ، لأنّ من الحشوية من قال بجواز الكفر على الأنبياء :

حكى الفخر الرازي في (المحصّل)(119) عن بعض الحشوية ، وفي تفسيره أنّهم زعموا أنّ نبيّناصلى الله عليه وآله كان كافراً قبل البعثة!

مستدلّين بقوله تعالى : {وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى(120)} .

وجماهير المسلمين اتّفقت على فساد هذا الزعم لقوله تعالى : {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(121)} .(122)

كما أنّ الفخر الرازي أشبع في الردّ على استدلالهم ، وذكر وجوهاً عديدة(123) .

وقال ابن السيّد البطليوسي : توهّم قوم ممّن لم يكن له فهم صحيح بالقرآن ، ولا معرفة ثاقبة باللسان ، أنّه أراد الضلال الذي هو ضدّ الهدى . . فزعموا أنّه كان على مذهب قومه أربعين سنة .

وهو خطأٌ فاحش ، نعوذ باللَّه من اعتقاده في مَنْ طهّره اللَّه تعالى لنبوّته واصطفاه لرسالته .

ولو لم يكن في القرآن العزيز ما يردّ قولهم ، لكان في ما ورد من الأخبار المتواترة ما يردّ عليهم ذلك(124) .

ولمّا كان الحقّ عصمته‏صلى الله عليه وآله من الذنوب صغائرها وكبائرها ، كما ثبت في محلّه من علم الكلام ، فالكفر منتفٍ عنه ، لأنّه من أعظم الذنوب الكبائر .

وأمّا إنكار الحشويّة للعصمة ، فهو ممّا سارت به الركبان ، وشاع ذكره في كتب الكلام كافّة(125) .

أقول : وقد منع العقلاء كافّة الذنوب على الأنبياء والرسل ، لمنافاة الذنب لشؤون النبوّة ومقام الرسالة ، وممّا يؤدّي صدوره منهم إلى سقوط كلمتهم عن الحجّية ، وتجرّؤ غيرهم على ذلك بل الأشدّ ، وذلك مخالف لما يدعون إليه من الهدى والحقّ والاستقامة والتثبّت ، وعارٌ عليهم ، إذ ينهون أُممهم عنها ، كما قال :

لا تنْهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثله‏

عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ‏

وهذا الحكم يشمل جميع صور المسألة وفروضها ، إذ العصمة موهبة من اللَّه تعالى توهب لرُسُله ، وهم رُسل منذ الولادة ، بل وقبلها ، كما أنّ المحاذير المذكورة لا يفرق فيها العرف - وهم المرجع في ذلك - بين تلك الفروض والصور .

وتفصيل الكلام موكول إلى محلّه من المؤلّفات في الفنّ .

وموقف الحشوية من الصحابة :

ومع هذا الموقف الباطل من عصمة الأنبياء، نرى الحشوية تدافع عن الصحابة دفاعاً أعمى، ولايَسِمُون أحداًمنهم بذنبٍ، ولايعتذرون لهم‏بأنّهم‏ليسوا معصومين، بل ينفون عنهم المخالفات الفاضحة ، ويتّهمون مَنْ يثبت جرائمهم وينقلها ، بأنّه «رافضي» وربّما قالوا : زنديق ، ويحكمون بفسقه بل بكفره وإراقة دمه .

لكنّهم - هم - يتّهمون أنبياء اللَّه ورسله ، وينسبون إليهم القبائح من صغائر الذنوب وكبائرها .

نقل ابن أبي الحديد ما نصّه : والعجب من الحشوية وأصحاب الحديث : إذ يُجادلون على معاصي الأنبياء ، ويُثبتون أنّهم عصوا اللَّه تعالى ، وينكرون على مَن يُنكر ذلك ، ويطعنون فيه ، ويقولون : «قَدَريّ ، معتزليّ» وربّما قالوا : «ملحد» «مخالف لنصّ الكتاب» .

وقد رأينا منهم الواحد ، والمائة ، والألف ، يجادل في هذا الباب :

فتارةً يقولون : إنّ يوسف قعد - من امرأة العزيز - مقعد الرجل من المرأة .

وتارةً يقولون : إنّ داود قتل أوريا ، لينكح امرأته .

وتارةً يقولون : إنّ رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله كان كافراً ضالّاً قبل النبوّة .

فأمّا قدحهم في آدم‏عليه السلام وإثباتهم معصيته ، ومناظرتهم من ينكر ذلك فهو دأبهم وديدنهم(126) .

ومع هذا الموقف السيّ‏ء من أنبياء اللَّه ورسله ؛ فإذا تكلّم واحد في عمرو بن العاص أو في معاوية ، وأمثالهما ، ونسبهم إلى المعصية وفعل القبيح ، احْمرّت وجوههم ، وطالت أعناقهم ، وتخازرت أعينهم ، وقالوا : «رافضيٌّ» «يسبّ الصحابة ويشتم السلف»(127) .

وأضاف : وكيف يجوز أن نحكم حكماً جزماً : «أنّ كلّ واحد من الصحابة عدلٌ ، ومن جملة الصحابة : الحكم بن أبي العاص ، وكفاك به عدوّاً مبغضاً لرسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله .

ومن الصحابة : الوليد بن عقبة ، الفاسق بنصّ الكتاب .

ومنهم حبيب بن مسلمة ، الذي فعل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية .

وبُسر بن أبي أرطأة ، عدوّ اللَّه وعدوّ رسوله .

وفي الصحابة الكثير من المنافقين لا يعرفهم الناس . . إلّا حذيفة فيما زعموا؟ فكيف يجوز أن نحكم حكماً جزماً : أنّ كلّ واحدٍ ممّن صحب رسول اللَّه ، أو رآه ، أو عاصره : «عدلٌ مأمونٌ ، لا يقع منه خطأ ولا معصية»؟

ومن الذي يمكنه أن يتحجّر واسعاً كهذا التحجّر؟ أو يحكم هذا الحكم؟!

ولهم رأيهم الخاصّ في ما شجر بين الصحابة :

فقال قوم منهم : لا ينبغي لأحد أن يخوض في ذكر الصحابة ، وينقل ما شجر بينهم من النزاع والخصام والجدال .

قال المفيد : فقالت العامّة الحشوية المنتسبة إلى السنّة - على ما زعموا! - في ذلك أقاويل مشهورة وذهبوا مذاهب ظهرت عنهم مذكورة(128) .

قال : ومنهم فرقة اُخرى قالت : لا ينبغي لأحد أن يخوض في ذكر الصحابة ، وما جرى بينهم من تنازع واختلاف وتباين وقتال ، ولا يتعرّض بالنظر في ذلك ولا الفكر فيه ، ويعرض عنه جانباً ، وإن استطاع أن لا يسمع شيئاً من الأخبار الواردة به فليفعلْ ، فإنّه إن خالف هذه الوصاة وأصغى إلى الخبر باختلاف الصحابة ، أو تكلّم بحرف واحد ، أو تسرّع إلى الحكم عليهم بشي‏ء يشينُ المسلم ، فقد أبدع في الدين وخالف الشرع ، وعدل عن قول النبيّ‏صلى الله عليه وآله ولم يحذر ممّا حذره منه بقوله‏صلى الله عليه وآله : «إيّاكم وما شجر بين أصحابي» .

وقد زعموا : أنّ الرواية بذكر أصحاب السقيفة ، ومقتل عثمان والجمل وصفّين بدعة ، والتصنيف في ذلك ضلال ، والاستماع إلى شي‏ء منه يُكسب الآثام(129) .

وأضاف المفيد : وهذه فرقة مستضعفة من الحشوية ، يميل إلى قولها جمع كثير ممّن شاهدناه من العامّة ، ويدعو إليه المتظاهرون بالورع والزهد والصمت وطلب السلامة وحفظ اللسان .

وهم بذلك بُعداء عن العلم وأهله ، جهّالٌ أغمار(130) .

أقول : مضافاً إلى ما ذكره المفيد في هؤلاء من دعوتهم إلى الجهل والبُعد عن العلم وأهله ، وفي ذلك ما فيه من التغافل عن التاريخ وعدم الاعتبار بما حدث فيه ، وهو خلاف ما أراده اللَّه من الناس من الاعتبار بمن سبق من الاُمم الماضية ، ومن المعلوم أنّ اُمّة الإسلام وحوادثها التاريخية أحقّ بالاعتبار .

فهذا القول باطل جملةً وتفصيلاً ؛ لأنّ الحقّ الذي جاء به الإسلام أمرٌ ثابتٌ له مقوّماته واُسسه وبراهينه وأدلّته ، ونحن لا نعرفه بالرجال وأقوالهم ، وإنّما الرجال هم الذين يُميَّزون بميزان الحقّ ، ولابدّ أن يعرضوا عليه ، فإن وافقوه قُبِلوا ، وإلّا تُرِكوا ونُبذوا .

فمن وقف منهم في وجه الحقّ وصارعه ، فهذا دليل على مخالفته له وبُعده عنه ، وعلى فساد رأيه وفكره .

وقد أدّى الرسول الأكرم‏صلى الله عليه وآله حقّ الرسالة والدين في كتابه القرآن ، وسنّته الشريفة ، وفي وصاياه وإرشاداته ، فتمّ الدين وكملت النعمة .

وقد أجمعت الاُمّة أنّ الحقّ في كلّ ما حدث من الحروب والمشاجرات كان مع أمير المؤمنين عليّ‏عليه السلام .

وأنّ الذين وقفوا في وجهه ونابذوه الحربَ - بقطع النظر عن أشخاصهم وأهدافهم - لم يكونوا إلّا ظالمين له ، وإلّا خارجين على حقّه ، فمنهم من نكث بعد أن بايع ، وهم رجال الجمل ، ومنهم من بغى‏ على إمام زمانه وهم معاوية وأهل صفّين ، ومنهم من خرج وهم أهل النهروان .

فإنّ تصدّيهم للحقّ دليلٌ واضح على فسقهم وظلمهم .

هل كلّ الصحابة حملة الدين؟

وأمّا استدلالهم على‏ ذلك بدعوى‏ أنّ الصحابة استودعوا هذا الدين وحملوه ، وأنّ معاداتهم عداء للدين ولما حملوه من الكتاب والسنّة!

فالجواب : أوّلاً : إنّ استبعاد هؤلاء لأجل ما صدر منهم من تلك الأعمال ، إنّما استبعاد لهم ولأقوالهم الخاصّة بهم ، ولآرائهم التي رأوها والتزموا بها على خلاف الكتاب والسنّة .

ولا يعني استبعادها إطلاقاً ترك ما حملوه من الحقّ الثابت عن اللَّه في كتابه والرسول‏صلى الله عليه وآله في سُنّته .

نعم ، نرفض ما نسبوه إلى اللَّه والرسول ، زوراً وكذباً ، ممّا ثبت فساده وبطلانه ، وعارضته الأدلّة الثابتة المحكمة اليقينيّة ، وما صحّ حكمه برواية كبار الصحابة وأهل البيت .

وليس رفض ما رووه من الكذب ونسبوه إلى اللَّه والرسول ، تركاً للحقّ ، بل هو ترك للباطل ، فهو أمر واجب ، وليس عيباً .

ثمّ حاشا رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله الأمين على الوحي والرسالة ، أن يودع دينه القويم وسنّته الشريفة ، لدى اُناسٍ يُخالفونه بالقول والعمل ، ويعارضونه في الخلق والسيرة ، ويعتدون على أحكام الكتاب والدين ، ويقتلون خيار المسلمين من الصحابة ويهينون كراماتهم وكرامة أهل بيته بالتشريد والقتل والأسر ، حتّى لو تسمّوا زوراً ب «الصحابة»! والصحبة الكريمة عنهم بعيدة ، وهم عنها بُعداء .

بل ، إنّما حمّل الرسول الكريم هذا الدين أصحابه الاُمناء الشرفاء المجاهدين المضحّين في سبيله بكلّ غالٍ ورخيص ، وهم اُناس يحبّون اللَّه فلا يعصونه ، ويحبّون الرسول فلا يخالفونه قيد أنْمُلة ، لا في كبيرةٍ ولا في صغيرة!

والصحابة الصادقون هم الذين راقبوا اللَّه في الحفاظ على قُربى الرسول ، وأدّوا أجر الرسالة في مودّتهم ، وراقبوا اللَّه في الحفاظ على الاُمّة ، فأدّوا حقّ البلاغ والإرشاد والهداية ، بالرغم من عمليات منع الحديث والتهديد عليه إلى حدّ الضرب والسجن .

وهم الصحابة المطهّرون من الأدناس والأرجاس ، والبريئون من كلّ فسق وفجور .

وهم‏الأتقياء النجباء، الأبطال المجاهدون ، الذين وقفوا إلى جانب الحقّ المتمثِّل في شخص أمير المؤمنين علي‏عليه السلام إلى آخر نَفَسٍ ملكوه ، وإلى آخر قطرة دم حملوها.

فعلى أكتاف هؤلاء من الصحابة الأطهار - لا أولئك الجُناة الأشرار - حُمل الدين الإسلامي العظيم ، ونُشر واشتهر ، وثبت واستقرّ ، وهؤلاء ناؤوا بحمل أثقال الرسالة العظيمة ، فأدّوها بكلّ أمانٍ ، وضحّوا في سبيلها ، ووقفوا مع آل محمّد - كما وقفوا مع الرسول نفسه - في كلّ حرب ونضال ، وتحمّلوا الشدائد في ذلك السبيل ، حتّى ضُرب من ضُرب منهم ، وسُجن من سُجن ، واُبعد من اُبعد ، وهُدّد مَن هُدّد ، واُهين من اُهين ، وقُتل من قُتل .

ولم يخلُ مشهدٌ من مشاهد أهل البيت عليهم السلام ممّن حَضَر من أولئك الصحابة الكرام ، ومثّل جِيْلَ الصحابة في ذلك المقام ، من السقيفة إلى الشورى ، ومن الجمل وصفّين والنهروان إلى كربلاء ، ففازوا بالكرامة ، رضي اللَّه عنهم وأرضاهم .

وأمّا الفسقة ، والفجرة ، والقتلة ، والزناة ، والبُغاة ، والمارقون والخوارج ، والقاعدون ، ممّن تسمّى بالصحبة ، وخلع عن روحه معناها ، فليسوا أهلاً لحمل هذه الرسالة الكريمة ، لا ، ولا قرّة عين .

وقد نزّه اللَّه الدين الحنيف أن يكون أمثال هؤلاء خزنته وحَمَلته .

ولا ريب أنّ معرفتهم واجبة على الاُمّة ، وأنّ تعريفهم للأجيال من أوجب الأعمال ، بالكشف عمّا كانوا عليه من سوء الخصال والفعال ، كي تحذرهم الاُمّة ، وتجتنب ما زوّروه من الأحاديث والروايات وافتأتوه على صاحب الرسالة من الحكايات ، فهذا من أهمّ الواجبات على المسلم الغيور على هذا الدين .

هؤلاء المخالفون هل هم مجتهدون؟

وقد تذرّع قوم من الحشوية والعامّة ، بأنّ هؤلاء الصحابة المخالفين ؛ اجتهدوا ، فلا إثم عليهم ، ولا نحكم بخطئهم ولا خطأ عليّ‏عليه السلام وأصحابه .

وقال قوم من هؤلاء : بل نقول : أصحاب الجمل أخطأؤا ، ولكنّه خطأٌ مغفور ، وكخطأ المجتهد في بعض مسائل الفروع عند من قال بالأشبه .

وإلى هذا القول يذهب أكثر الأشعرية(131) .

نقول : دعوى الاجتهاد - صائباً أو خاطئاً - باطلةٌ وممتنعة ، لوجوه :

الأوّل : أنّ موضوعاً مهمّاً كهذا ، يرتبط بالإمامة والقيادة العامّة ، وبمصير الاُمّة ، لا يعتمد فيه على اجتهاد الرأي ، وإنّما المرجع فيه إلى الأدلّة القطعية ، كإجماع الاُمّة ، أو أهل الحلّ والعقد منهم ، ومن شذّ - بأيّ حجّة - شَذَّ في النار .

فليس لأيّ أحد ، مهما كان ، أن يخالف الأصول والأعراف والجماعة ، بدعوى الاجتهاد ، بل يُفنّد رأيه ، ويُرجع إلى الجماعة رغم أنفه .

الثاني : أنّ الاجتهاد إنّما يصحّ ممّن لم يتمّ له الأمر باليقين ، ومن لم يجد على خلاف رأيه الدليل المعلوم ، والأمر في تلك الحوادث التي قام بها أولئك الجناة ، لم يكن خافياً على أحد ، بل هي مسائل واضحة ، أصبحت من ضروريات الدين بإجماع المسلمين ، فهل الوقوف في وجه الحاكم القائم بالعدل والحقّ ، من الاُمور القابلة للاجتهاد؟

وإن كانت كذلك ، فلمن خالف عثمان عذره ، كما سيأتي .

الثالث : إنّ الاجتهاد إنّما تصحّ دعواه ممّن له أهليّة ذلك من أهل العلم والغرض الخالص ، وأهل بذل الوسع في تحصيل الأدلّة .

وأولئك الذين اُدّعي لهم ذلك ، من المنسوبين إلى الصحابة ، ليسوا كذلك قطعاً ، فهم :

إمّا جهلة بالأحكام ، وقد أعلنوا عن جهلهم بها في مواقع .

أو من أهل اللهو والزهو ، ممّن لا يهتمّ بالشرع ، فضلا عن أن يطلب أدلّة على ما يفعل أو يقول ، وقد صرّح هؤلاء أيضاً بأنّهم يصدرون عن آرائهم .

أو ممّن طلب الباطل ، وركض وراء الدّنيا ، وطمع في الحكم والجاه والسلطان والملك ، ولم يكن من أهل الدين ، حسب إعلانه .

أو من الأغبياء ، المعاندين ، الذين ركبوا رؤوسهم ، ولم ينفع فيهم كتاب ولا سنّة ، فهم أبعد مَن يكون عن الاجتهاد ، كالخوارج .

فكيف يدّعى في هؤلاء أنّهم اجتهدوا فأخطأوا!

وهم لا شأن لهم في الاجتهاد ، ولا يريدونه ، ولا يفهمونه .

مع أنّ الاجتهادات المذكورة ، كلّها باطلة ، لأنّها في مقابل النصّ الواضح الصريح ، وفي مقابل الإجماع على إمامة علي‏عليه السلام فقد كان القائم بالأمر بإجماع المسلمين من أهل الحلّ والعقد .

ثمّ إنّ هُنا مفارقة في هذا القول :

فإذا كان القائمون بتلك الأعمال معذورين بالاجتهاد ، فلماذا لا يعذر هؤلاء المدّعون للسُنّة جميعَ من قام بالأحداث في تلك الفترة ، من قاتل عَمَر ، ومعارضي عُثمان وقتلته؟ وفيهم من الصحابة عددٌ وفيرٌ؟

وإنّما يخصّون تلك الأعذار ، وأمثال هذه الأقوال في محاربي الإمام أمير المؤمنين‏عليه السلام فقط؟

نعم ، إنّ هذا إنّما هو ناشئ من حقدٍ بغيضٍ ، ونصبٍ في القلوب مكنون ، وعداء سافر لآل محمّد ، ولعليّ‏عليه السلام بالذات .

ويشهد لهذا العداء والنصب ، قولهم الخاص في أبي طالب بن عبد المطّلب‏عليه السلام .

فمّما انفردت به حشوية العامّة : لعن عمّ الرسول‏صلى الله عليه وآله أبي طالب بن عبد المطّلب ابن هاشم الهاشمي‏عليه السلام .

قال ابن حجر : رأيت لعليّ بن حمزة البصريّ ، جُزءً فيه شعر أبي طالب‏عليه السلام ، وزعم في أوّله : «إنّه كان مسلماً وإنّه مات على الإسلام ، وأنّ «الحشوية» تزعم أنّه مات على الكفر ، وأنّهم بذلك يستجيزون لعنه» .

فبالغ في سبّهم والردّ عليهم(132) .

وهذا من أقبح آراء الحشوية : لأنّ أبا طالب‏عليه السلام إن لم يستحقّ السلام والرحمة عليه ، لحمايته عن الرسول ورسالته في ذلك الظرف العصيب الذي مرّ به الإسلام في ابتداء الدعوة ، حيث قلَّ الناصر وعزّ المعين ، فهو على الأقل لا يستحقّ اللعن ، جزاءً لما قام به من الحضانة والرعاية لرسولنا العزيز .

وهم بينما يخصّون أباطالب باللعن ، يروون أحاديث تمنع من التعرّض للكفرة من الأموات من آباء المؤمنين ، لأنّه يؤذي المؤمنين ، ونسبوا إلى‏ الرسول‏صلى الله عليه وآله قوله : إذا ذكرتموهم فعمّوا .

لكنّهم لما بلغوا والد عليٍّ : خصّوه باللعن .

وقد نقل الخطابي حديثاً للنبيّ‏صلى الله عليه وآله أنّه قال : «ما زالتْ قريشٌ كاعّةً ، حتّى مات أبو طالب»(133) .

فقال الخطابي : «كاعّةً» جمع «كائع» وهو الجبانُ ، يريد أنّه كان يحوط رسول اللَّه ويذبُّ عنه ، فكانت قريش تكيع وتجبُن عن أذاه .

ثمّ روى الخطابي ، بسنده عن عبد الملك بن عُمير : سمعت عبداللَّه بن الحارث ابن نوفل ، يقول : سمعت عبّاس بن عبد المطّلب ، يقول : قلت : يارسول اللَّه ، إنّ أبا طالب كان يحوطك وينصرك ، فهل ينفعه ذلك؟

قال : نعم ، وجدته في غمرات من النار ، فأخرجته إلى ضحضاحٍ(134) .

وهذا الحديث البيّن الوضعُ ينافي أهداف واضعيه :

فإنْ كانت شفاعة النبيّ‏صلى الله عليه وآله لأبي طالب مفيدةٌ تخرجُ أبا طالب من النار ، فهذا دليل على إيمانه ، لأنّ الشفاعة لا تشمل الكفّار .

وإن لم تخلّصه من النار ، إلّا إلى قليل منه ، فلم تعمل شفاعته شيئاً ، لأنّ النار مهما كانت فهي نار .

وقد وضع الواضعون هذا الحديث بكلّ دقّة فهم أوهموا كفر أبي طالب وحكموا له بالوجود في النار ، بينما أظهروا أنّهم راعَوْا مشاعر كلّ المسلمين العارفين بالسيرة ، والذين يجدون فيه تضحية أبي طالب وسهره وجهوده في حفظ الرسول ورعايته ، ممّا يقتضي النجاة!

فأخرجوا أبا طالب بهذا الحديث من نار واسعة إلى ضحضاحٍ من النار!

والحشوية الجهلة غفلوا عن حقيقة واحدة ، وهي أنّ النبيّ‏صلى الله عليه وآله لو كان يُشفق على أبي طالب ويحنّ عليه إلى هذه الدرجة ، فأبو طالب على‏ هذا لا يستحقّ ممّن يؤمن بالنبيّ اللعنة! على كلّ حالٍ .

...................) Anotates (.................

1) نُشر في العدد السابع (ص‏11 - 65) ، السنة الرابعة ، محرم الحرام - جمادى الآخرة 1421ه .

2) لاحظ جانباً من هذا الارتباك في : العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل ، للسيِّد محمّد بن عقيل الحضرمي ، ومقالنا : إيقاظ الوسنان ، بالملاحظات على‏ «فتح المنّان في مقدّمة : لسان الميزان» المنشور بالعربيّة في مجلّة «علوم الحديث ، فارسي» العدد الأوّل (ص‏188-218) .

3) الإيضاح ، لابن شاذان (ص‏15 - 44) .

4) كذا في المصدر ، وسيأتي في نصّ قادم : «التعليمية» وأظنّ الثاني صواباً ، فليلاحظ .

5) الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) (ج‏2 ص‏212) ذيل الآية (170) من سورة البقرة .

6) مضى عن القرطبي بلفظ «الثعلبية» وهو تصحيف ، والتعليمية فرقة من الإسماعيليّة يمنعون من الاجتهاد في الاُصول والفروع ، وأنّ النظر غير كاف ، وأنّ الطريق الوحيد للمعرفة هو التعلّم من معلِّمٍ إلهي . لاحظ الملل والنحل للشهرستاني 2 / 29 . وانظر ما يأتي في كلام الشهيد الثاني في هذا المقال (ص‏23) .

7) الاُصول العامّة للفقه المقارن (641 - 642) بتصرّف ، والآية (105) من سورة المائدة .

8) الحشوية نشأة وتأريخاً ، للكاتب الجلالي ، المنشور في مجلّة «علوم الحديث» العدد (7) ، ص‏34 - 33 .

9) الفصول المختارة (ص‏112 - 113) مع المصنّفات (2) .

10) العدّة للطوسي (1 / 133) ولاحظ مقدّمتنا لكتاب الحكايات للمفيد (ص‏19 - 21) .

11) وهو اللألكاني في : اعتقاد أهل السنّة (1 / 12 - 14) .

12) لاحظ الآيات المذكورة في : المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ، لمحمّد فؤاد عبد الباقي (ص‏524- 525) .

13) المصدر السابق (ص‏252) .

14) المصدر السابق (ص‏8 - 469) .

15) تاريخ الجهمية والمعتزلة (ص‏7 - 78) .

16) لاحظ كتابنا «تدوين السنّة الشريفة» .

17) راجع حول الحديث سنداً ودلالة ، مقال «الثقلان ودعمهما لحجيّة السنّة» المنشور في‏العدد الأوّل من مجلّتنا هذه «علوم الحديث» (ص‏13-) .

18) فتنة مقتل عثمان ، محمّد بن عبد القبان (1 / 106) المدينة المنوّرة 1419ه .

19) جامع بيان العلم وفضله (2 / 109 - 120) للمجتهد حافظ المغرب يوسف بن عبد البرّ القرطبي الأندلسي (ت‏463ه) .

20) برنامج عملي للمتفقّهين (ص‏27) .

21) ما أنا عليه وأصحابي (ص‏210) .

22) تلبيس إبليس (ص‏101) .

23) برنامج عملي (22) .

24) هموم داعية ، للغزالي (ص‏19) .

25) لاحظ العدّة في الأصول (1 / ) وقد سبق (ص‏11) في هذا المقال .

26) الفكر السلفي ، للجابري (ص‏89) .

27) الرسالة الألفية والمطبوع مع شرحه للكركي في رسائل الكركي (1 / 80) .

28) يلاحظ أنّ قوله: «بغير حجّة ملزمة» قيد للأخذ الذي هو عمل العامّي اللاجى‏ء إلى التقليد ، وليس قيداً (لقول الغير) الذي هو قول المجتهد المقلَّد - بالفتح - فإنّه لابدّ أن يكون عن دليل معلوم له .

29) شرح الألفية ، المطبوع مع رسائل الكركي (1 / 80 و3 / 173) .

30) الرسالة النجمية (ص‏59) مع رسائل الكركي (1 / 57) .

31) سورة غافر : 4 .

32) سورة غافر : 5 .

33) سورة النحل : 125 .

34) سورة الروم : 8 .

35) سورة آل عمران : 191 .

36) التوحيد للصدوق (ص‏365) ح(3) .

37) سورة التغابن : 2 .

38) لاحظ دعوة علماء العامّة إلى دين العجائز والصبيان والحمّالين والنساء في البيوت! في : تلبيس إبليس (ص‏82 و86 و87) .

39) سورة البقرة : 260 .

40) سورة يوسف : 106 .

41) الشهيد الثاني - حقائق الإيمان : ص‏59 - 69 .

42) الفصول ، للرازي (ص ) لاحظ فيض القدير للمناوي (تفسير : {واخلع نعليك‏}) .

43) المنخول في علم الأصول (ص‏107) .

44) سورة الأنعام : 46 .

45) روح المعاني 7 : 181 .

46) سورة الحشر : 2 .

47) لاحظ فيض القدير للمناوي ، تفسير {واخلع نعليك‏} .

48) لكن السلفية المعاصرة تخالف أولئك الفضلاء في كلّ تصرّفاتهم الإسلامية الإنسانية ، فهؤلاء يحرّشون الأحداث ويحرّكونهم على المشايخ ، بعد أن يملأوا عقولهم بالخرافات السطحية ، وقد حدث أنّ طفلاً لم يبلغ الحُلم قال لي في مكّة المكرّمة : إنّ الشيعة يقولون في آذان الصلاة : «أشهد أنّ عليّاً رسول اللَّه» فذهلت لسماع هذه التهمة الكاذبة ، وتعجّبتُ ، وقلتُ له : أليس عندك جهاز الراديو؟ قال : نعم ، قلت : فافتحه واسمع الأذان لتعرف أنّ الشيعة يؤذّنون : «أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه» ولمّا جاء أبوه وهو شيخ كبير ، قلت : لماذا هذا التزريق الباطل للولد؟ قال : إنّه من فعل السلفية في المدارس ، ومن دون علمي وعلم الآباء ، بل يمنعونهم من التحدّث معنا خوفاً من تعديل أفكارهم ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللَّه .

49) الاقتصاد في الاعتقاد ، للغزالي (ص‏35) .

50) لاحظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (6 / 404) وسيأتي تفصيله .

51) لاحظ تفسير التبيان ، للطوسي (3 / 270) وسيأتي أيضاً .

52) سورة النحل : 125 .

53) سورة الزمر : 9 .

54) طبقات الشافعية الكبرى (3 / 421) ، ولاحظ تبيين كذب المفتري (1 / 358) .

55) درء تعارض المعقول والمنقول (7 / 35) .

56) سورة النحل : 125 .

57) مقدّمة تبيين كذب المفتري (ص‏17) .

58) مقدّمة تبيين كذب المفتري (ص‏13) .

59) تبيين كذب المفتري (1 / 149 - 150) .

60) نفس المصدر السابق .

61) فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبّار (ص‏149) .

62) الملل والنحل ، للشهرستاني (1 / 105) .

63) طبقات الحنابلة ، لأبي يعلى (1 / 267) .

64) طبقات الحنابلة (2 / 67) .

65) طبقات الحنابلة (2 / 43) .

66) التأسيس ، لابن تيمية (1 / 101) .

67) تاريخ الجهمية والمعتزلة (ص‏61) .

68) تاريخ البداية والنهاية وفيات عام 744 .

69) ذكر هذه الخرافة في الصارم المُكنّى‏ في الرد على السبكي (ص‏230) ط عقيل اليماني .

70) التهاني في التعقّب على الصنعاني (ص‏42) ولاحظ مقدّمتنا لشفاء السقام (ص‏44) .

71) روح المعاني للآلوسي (20 / 120) .

72) الروح ، لابن القيم (1 / 165) .

73) غاية المرام (1 / 135) .

74) شرح نهج البلاغة (3 / 230) .

75) الاقتصاد في الاعتقاد (ص‏35) .

76) الفهرست للنديم (ص‏230) .

77) لسان الميزان ( ) .

78) الفهرست للنديم (ص‏231) .

79) مقدّمة تبيين كذب المفتري (ص‏16) .

80) الفهرست للنديم (ص‏229) .

81) أيضاً (ص‏230 - 231) .

82) تجد بعض أقواله الشنيعة في : مقالات الإسلاميّين ، للأشعري (1 / 214 و258) .

83) آل عمران : 7 .

84) الملل والنحل ، للشهرستاني (1 / 3 - 104) .

85) ما بين القوسين اُضيف في (ص‏187) من المصدر .

86) الملل والنحل ، للشهرستاني (1 / 105 - 106) ونقل قسماً منه في كشاف اصطلاحات الفنون (ص‏1546) وانظر بهجة الآمال ، للعلياري (1 / 115) .

87) ذيل طبقات الحنابلة ، لابن رجب (1 / 141) .

88) طبقات الحنابلة ، (1 / 1 - 242) .

89) طبقات الحنابلة (2 / 69) .

90) تاريخ الجهمية ، للقاسمي (ص‏47) .

91) الكامل في الضعفاء (6 / 2293) .

92) ميزان الاعتدال (3 / 57) .

93) لسان الميزان (5 / 114) .

94) طبقات الحنابلة (1 / 309) .

95) طبقات الشافعية الكبرى ، للسبكي (3 / 132) .

96) المصدر السابق ، نفس الموضع .

97) لسان الميزان (5 / 114) .

98) تاريخ الجهمية (ص‏103) .

99) ولنا بحث مفصّل حوله بعنوان «مقولة جسم لا كالأجسام» نشر في مجلّة (تراثنا) العدد 19 .

100) نشر في مجلّة تراثنا ، العدد (19) .

101) الأسماء والصفات ، للبيهقي (ص‏267 - 269) .

102) التفسير الكبير (14 / 151) .

103) دفع شبه التشبيه ، لابن الجوزي (ص‏114) .

104) لاحظ التوحيد ، لابن خزيمة .

التفسير الكبير ، للرازي (14 / 151) والأسماء والصفات ، للبيهقي (267 - 269) .

105) رجال النجاشي (ص‏307 - 308) رقم 840 .

106) أيضاً (ص‏63) رقم 148 .

107) الفهرست للطوسي (ص‏76) رقم 100 ، ورجال النجاشي ، الكنى (رقم 1231) .

108) تاريخ دمشق (43 / 135) ومعجم البلدان (قسنطينة) وهي من بلاد الجزائر في المغرب العربي .

109) درء تعارض العقل والنقل (8 / 60) لابن تيمية ، تحقيق محمد رشاد سالم ط جامعة محمد بن سعود عام 1399ه .

110) ذيل طبقات الحنابلة ، لابن رجب (2 / 205 - 211) وقد أورد الرسالة هناك .

111) البدر الطالع ، للشوكاني (1 / 218) .

112) وفصل البحث عن ذلك الدكتور عبد الغني عبد الخالق في كتابه القيّم : حجّية السنّة (ص‏85 - 239) وليقرأ بحذر في ما نسبه إلى الشيعة ، ولاحظ ص‏110 - 115 .

113) تنزيه الأنبياء (ص‏15 - 16) .

114) عصمة الأنبياء (ص‏8) .

115) شرح نهج البلاغة (7 / 11) ولاحظ 20 / 32 .

116) حجّية السنّة (ص‏124) .

117) حجّية السنّة (ص‏125)ولاحظ (ص‏138) فقد ذكر فيه الردّ على شُبَه الوقوع .

118) كشاف اصطلاحات الفنون (ص‏1184) .

119) محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخِّرين (ص‏160 - 161) .

120) الضحى : 7 .

121) النجم : 2 .

122) نقله في حجّية السنّة (ص‏110 - 111) .

123) التفسير الكبير ، للفخر الرازي (8 / 151 - 152) .

124) الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف (ص ) ونقله برمّته في حجّية السنّة (ص‏111- 112) .

125) لاحظ المواقف وشرحها (3 / 426) .

126) شرح نهج البلاغة (20 / 32) .

127) المصدر (20 33) .

128) الجمل (ص‏53) .

129) الجمل (ص‏56) وخرجه محقّقه عن مسائل الإمامة للناشئ الأكبر (ص‏65) .

130) الجمل (ص‏56) .

131) شرح نهج البلاغة14 / 24) وانظر الجمل ، للشيخ المفيد (ص‏56 - 58) .

132) فتح الباري (

133) النهاية لابن الأثير (4 / 218) : مادة «كيع» وأخرجه ابن معين في : تاريخه (1 / 34) رقم 174 .

134) غريب الحديث ، للخطابي (1 / 129) عن مسلم (1 / 195) والحميدي (1 / 219) .