شِفاءُ السقامِ

 

في زيارة خَيْرِ الأنام(صلى الله عليه وآله وسلم)

 

تأليف:

شيخ الإسلام الإمام السُبكي الفقيه المحدّث قاضي القضاة

علي بن عبد الكافي بن عليّ تقيّ الدين أبوالحسن

الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي

(683 ـ 756هـ )

 

الطبعة الرابعة، محقّقة ومفهرسة


(3)

 

المؤلّف

 

1 ـ قالوا فيه.

2 ـ مشايخه.

3 ـ تلامذته ورواته.

4 ـ أعماله ووظائفه.

5 ـ ابنه تاجُ الدين.

6 ـ مؤلَّفاته، وقائمة بأهمّها.

7 ـ ترجمته بقلم الحافظ ابن حجر العسقلاني، وابن كثير الدمشقي.

8 ـ مصادر ترجمته.


(4)

 

المؤلّف:

عليّ بن عَبْد الكافي بن علي بن تمام، الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الحسن، تقيّ الدين، السُبْكيّ المصري الشافعيّ، المولود بسُبك من أعمال المنوفيّة (ثالث صفر 683) والمتوفّى مسموماً، بالقاهرة (رابع جُمادى الآخِرةِ 756) ودفن بها بصعيد السعداء بباب النصر.

1 ـ قالوا فيه:

شيخُ الإسلام(1) الإمام، القاضي، العلامة، الفقيه، المحدّث الحافظ، فخر العلماء.

كان صادقاً، متثبّتاً، خيّراً، ديّناً، متواضعاً، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرّره، وعلم الحديث ويحرّره، والاُصول ويقرئها، والعربية ويحقّقها، وصنّف التصانيف المتقنة.

وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق والفضل، سمعتُ منه وسمع مني، وحكم بالشام وحُمدت أحكامه، فالله يؤيّده ويُسدّده، سمعنا معجمه بالكلاسة(2).

قال فيه شيخه الدمياطي: إمام المحدّثين، وقال ابن الرفعة: إمام الفقهاء، فلما بلغ ذلك الباجي فقال: وإمام الاُصوليين(3).

حجة المذاهب، مفتي الفِرَق، قدوة الحفّاظ، آخر المجتهدين، قاضي القضاة،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أطلقه عليه جماعة ومنهم ولده ونقله عن البرزالي أنه لم يكتب «شيخ الإسلام» إلاّ له ولابن تيمية وابن أبي عمر.

(2) قال ذلك الذهبي في المعجم المختصّ، ونقله ولده في طبقات 10/148.

(3) نقله ابن قاضي شهبة 3/41، وهو في طبقات السبكي 10/197.


(5)

التقيّ البرّ، العليّ القدر(1).

الإمام الحافظ المجتهد النظّار(2) العلامة ذي الفنون فخر الحفّاظ، صاحب التصانيف، ثقة، جمّ الفضائل، حسن الديانة، صادق اللهجة، قويّ الذكاء، من أوعية العلم، رفيقنا الإمام(3).

الإمام الحافظ العلامة، قاضي القضاة، بقية المجتهدين، ممّن طبّق الممالك ذكرُه، ولم يخْفَ على أحد خبره.

ممّن جمع فنون العلم من الفقه والأدب والنحو واللغة والشعر والفصاحة والزهد والورع والعبادة الكثيرة والتلاوة والشجاعة والشدّة في دينه(4).

شيخ الإسلام، وأحد الأئمة المجتهدين الأعلام(5).

شيخ الإسلام، إمام العصر، وتصانيفه تدلّ على تبحّره في الحديث(6).

الشيخ العالم الكبير، إمام من أئمة الشافعية، وعالم من كبار علماء الديار المصرية، ومن يُعترف له بالرتب العليّة، وله عدالة الأصل وأصالة القول، وإصابة النقل، ورزانة العقل، وجزالة القول والفعل، ومتانة الدين والفضل، إلى تحصيل ونفنُّن وتأصيل في المنقولات والمعقولات وتمكّن نظر راجح وحفظ راسخ، وتقدّم في الحديث والرواية عال شامخ.

كريم: شهد له العيان، وإليه يعزى البيان، ومن بحره يخرج اللؤلؤ والمرجان إلى آداب غضّة، وفضائل من فضة(7).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قاله العمري في مسالك الأبصار نقله ولده في الطبقات 10/148.

(2) الكتاني في فهرس الفهارس ص1033، وعنه نقلنا ما في المصادر التالية.

(3) الذهبي في المعجم المختص، لاحظ ما قاله الكتاني تعليقاً عليه في المصدر السابق.

(4) أبو المحاسن الحسيني الدمشقي، في ذيل طبقات الحفاظ للذهبي ص39.

(5) الحافظ ابن ناصر الدمشقي في طبقات الحفاظ ص522.

(6) السيوطي في طبقات الحفاظ ص55.

(7) أبو البقاء القاضي خالد بن أحمد البلوي الأندلسي في رحلته، نقله الكتاني في فهرس الفهارس ص1035، وقال: لقاؤه في وسط أمره... فانظر ما يقول فيه لو لقيه آخره عمره؟


(6)

كان أنْظر من رأيناه من أهل العلم، ومن أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلاماً في الأشياء الدقيقة، وأجلدهم على ذلك.

وكان في غاية الإنصاف والرجوع إلى الحق في المباحث ولو على لسان آحاد المستفيدين منه مواظباً على وظائف العبادات، مراعياً لأرباب الفنون(1).

تفقّه به جماعة من الأئمة، وانتشر صيته وتواليفه، ولم يخلف بعدَهُ مثلُه(2).

ومحاسنه ومناقبه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر(3).

وقد اعترف بفضله السلفية أتباع ابن تيمية:

فقال ابن كثير: الإمام العلامة... قاضي دمشق... برع في الفقه والاُصول والعربية وأنواع العلوم... انتهت إليه رئاسة العلم في وقته... وله كلام في صحّة القراءات أبان فيه عن تحقيق وسعة اطلاع(4).

وقال الزركلي الوهابيّ: شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفّاظ المفسّرين المناظرين(5).

ولما نقل الكتاني كلام الذهبي فيه، قال: فقف على وصفه له بـ «فخر الحفّاظ» وكونه «من أوعية العلم» وناهيك بذلك(6).

2 ـ مشايخه:

جمعهم أبو الحسين أحمد بن أيبك الحسامي الدمياطي في (معجمه) في عشرين جزءاً ولم يستوعبهم، سمعه عليه الحفاظ كالمزي والذهبي، وانتقى منه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاسنوي في الطبقات، لاحظ الدرر الكامنة 3/170.

(2) الحافظ العراقي كما في الدرر الكامنة 3/170.

(3) طبقات ابن قاضي شهبة 3/41.

(4) البداية والنهاية 1/551 رقم 2251.

(5) الأعلام 4/302.

(6) فهرس الفهارس ص1023.


(7)

ولده أبو نصر أربعين حديثاً حدث بها وبغيرها من المرويّات، فمنهم:

1 ـ والده: تفقّه عليه في صغره.

2 ـ نجم الدين ابن الرفعة: آخر من اشتغل عليه.

3 ـ علاء الدين الباجي: أخذ الأصلين وسائر المعقولات عنه.

4 ـ سيف الدين البغداديّ: أخذ الخلاف والمنطق عنه.

5 ـ أبو حيّان: أخذ النحو عنه.

6 ـ العراقيّ علم الدين: أخذ التفسير عنه.

7 ـ تقيّ الدين ابن الصائغ: أخذ القراءات عنه.

8 ـ الدمياطيّ الحافظ شرف الدين: أخذ الحديث عنه، ولازمه كثيراً.

9 ـ الحافظ إمام الفن سعد الدين الحارثي: أخذ الحديث منه وهو كبير.

10 ـ ابن عطاء الله تاج الدين: أخذ التصوّف عنه.

11 ـ الشيخ عبدالله الغماريّ المالكيّ: أخذ الفرائض عنه.

12 ـ ابن مشرف: أخذ عنه بدمشق.

13 ـ يحيى بن الصوّاف: أخذ عنه بالاسكندرية.

14 ـ عبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة: أخذ عنه بالاسكندرية.

15 ـ يحيى بن محمد بن عبد السلام: أخذ عنه بالاسكندرية.

16 ـ علي بن نصر بن الصوّاف، أخذ عنه بالقاهرة.

17 ـ علي بن عيسى بن القيّم: أخذ عنه بالقاهرة.

18 ـ علي بن محمد بن هارون الثعلبي: أخذ عنه بالقاهرة.

19 ـ الرضي الطبري: أخذ عنه.

20 ـ ابن الموازيني أبي جعفر: أخذ عنه بدمشق.

21 ـ الذهبي: قال: كتب عني وكتبت عنه، وسمعته وسمع مني.

22 ـ الحافظ مسعود الحارثي: حدّث عنه.


(8)

23 ـ أبو نصر الشيرازي: حدّث عنه.

24 ـ ابن بنت الأعز: ذكره ولده، وابن قاضي شهبة.

25 ـ شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد: قال ولده: وقيل: إن والده دخل به إليه وعرض عليه التنبيه ولم يتحقق هو ذلك.

26 ـ الحسن بن عبد الكريم سبط زيادة، قال ابن كثير: سمع الشاطبية والرائية منه أخذ عنه بالقاهرة.

27 ـ عبدالمؤمن بن خلف الدمياطي الحافظ: أخذ عنه بالقاهرة.

28 ـ شهاب بن علي المحسني: أخذ عنه بالقاهرة.

29 ـ موسى بن علي بن أبي طالب: أخذ عنه بالقاهرة.

30 ـ محمد بن عبدالعظيم السقطي: كذلك.

31 ـ محمد بن المكرّم الأنصاري: كذلك.

32 ـ محمد بن محمد بن عيسى الصوفي: كذلك.

33 ـ محمد بن نصير بن أمين الدولة: كذلك.

34 ـ يوسف بن أحمد المشهدي: كذلك.

35 ـ عمر بن عبدالعزيز الحسين بن رشيق: كذلك.

36 ـ شُهْدة بنت عمر بن العديم: كذلك.

37 ـ أبو بكر بن أحمد بن عبدالدائم: أخذ عنه بدمشق.

38 ـ أحمد بن موسى الدشتي: كذلك.

39 ـ اسحاق بن أبي بكر بن النحاس: كذلك.

40 ـ عيسى المطعّم: كذلك.

41 ـ سليمان بن حمزة القاضي: كذلك.

42 ـ الرشيد بن أبي القاسم: أجاز له من بغداد.

43 ـ إسماعيل بن الطبال: أجاز له من بغداد.


(9)

وغيرهم، خلق، وجمع معجمه الجمّ الغفير، والعدد الكثير(1).

3 ـ تلامذته ورواته:

قال الدمشقي الحسيني في ذيل طبقات الحفّاظ ص39: تخرّج به طائفة من العلماء وحمل عنه اُمم. منهم:

1 ـ ولده القاضي أبو نصر، عبد الوهاب صاحب (طبقات الشافعية).

2 ـ أبو المعالي ابن رافع.

3 ـ خالد بن أحمد البلدي الأندلسي: صاحب الرحلة: «تاج المفرق في تحلية علماء المشرق» قال: لقيته بمنزله في القاهرة، وسمعت عليه، ورسم لي الإجازة العامة  بخطه.

4 ـ أبو محمد البرزالي، ذكره ابنه في الطبقات.

5 ـ الحافظ أبو الحجاج المِزّي.

6 ـ الحافظ الذهبيّ. ذكر سماعه عليه ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية، وقد اعترف الذهبي بكتابته عنه، وسماعه منه.

7 ـ سراج الدين البلقيني.

8 ـ محمد بن يعقوب المقدسي، قرأ عليه القراءات.

9 ـ أحمد بن الغزي الشهير بالشريف الحسيني قرأ عليه القراءات.

10 ـ الإسنوي صاحب الطبقات، قال فيه: شيخنا.

11 ـ خليل بن أيبك الشيخ صلاح الدين الصفدي، قال السبكي: قرأ على الشيخ الإمام جميع كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام»(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ طبقات السبكي 10/147، دار إحياء التراث العربي.

(2) طبقات الشافعية 10/5 رقم 1352.


(10)

12 ـ أبو البقاء.

13 ـ ابن النقيب.

14 ـ تقي الدين أبو الفتح.

قال ابن قاضي شهبة: وأولاده، وغيرهم من الأئمة الأعلام.

4 ـ أعماله ووظائفه:

* تولى مشيخة المعاد بالجامع الطولوني، بمصر.

* تولّى قضاء الشام عند شغوره بموت الجلال القزويني في جمادى الآخرة سنة (739) فباشر ذلك على ما يليق به واستمر إلى سنة (756).

* قال ولده: سنة تسع وثلاثين وسبعمائة في تاسع عشر جمادى الآخرة منها، طلبه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وذكر له أن قضاء الشام قد شغر، وأراده على ولايته، فأبى، فما زال السلطان، فقبل الولاية: يا لها غلطةً، اُفّ لها، وورطةً ليته صَمَّم ولا فعلها!(1)

قالوا: فما حفظ عنه في التركات، ولا في الوظائف ما يُعاب عليه، وكان متقشفاً في اُموره، متقلّلا من الملابس، وكان لا يستكثر على أحد شيئاً.

ولما مات وجدوا عليه اثنين وثلاثين ألف درهم ديناً(2).

* درّس في مدارس الشام بالغزاليّة، والعادليّة الكبرى، والأتابكية، والمسرورية، والشاميّة البرّانية ـ وليها بعد موت ابن النقيب ـ.

* وولي بعد وفاة الحافظ المِزّي مشيخة دار الحديث الأشرفيّة.

* وقد خطب بجامع دمشق مدّة، وقال الذهبي في ذلك شعراً:

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جاء ذلك في طبقات الشافعية الكبرى 10/168.

(2) ذكره ابن قاضي شهبة في طبقاته.


(11)

ليهنَ المنبر الاُمويّ لمّا علاه الحاكم البحر التقيُّ

شيوخ العصر أحفظهم جميعاً وأخطبهم و«أقضاهم عليُّ»(1)

 

وانظر الى قوله: «وأقضاهم عليّ» ففيه اقتباس جليّ، ولذلك قال العمريّ في شأنه: سميُّ عليّ كرم الله وجهه، الذي هو باب العلم، ولا غروَ أن كان هذا المدخل إلى ذلك الباب، والمستخرج من دقيق ذلك الفضل هذا اللباب والمستعير من تلك المدينة التي ذلك الباب بابُها، والواقف عليها من سميّه فذاك بابُها وهذا بوّابُها(2).

5 ـ ابنه تاج الدين:

لقد خلّف الإمام السبكيّ أولاداً فضلاء، كلّهم قضاة نابهون، إلاّ أن أنبههم وأشهرهم الإمام ابن السبكيّ: تاج الدين عبد الوهاب صاحب (طبقات الشافعية) الكبرى.

ولد (728) وختم القرآن صغيراً وطلب العلم وهو ابن عشر سنين بدمشق، وعُنِيَ بالحديث، وأجاز له الحجّارُ، ولازم الذهبيّ، وسمع الكثير من شيوخ عصره، ومهر في الفنون، وولي قضاء دمشق بعد أبيه، وخرج له مع قصر عمره ما يتعجب منه، قاله ابن حجر في طبقات الحفاظ.

وقال الذهبي في (المعجم المختصّ): وكتب عني أجزاء نسخها وأرجو أنْ يتميّز في العلم، درّس وأفتى وعُني بهذا الشأن.

وقال البوني في ثبته: الإمام المجمع على جلالة قدره وتمام بدره، بل لو قيل: «لو قُدِّرَ إمام خامس مع الأئمة الأربعة لكان ابن السبكي».

نقل كل هذا المحدّث العلامة الكتاني في فهرس الفهارس والأثبات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشعر رواه ولده السبكي في طبقاته 10/169 ونقله عنه ابن قاضي شهبة في طبقاته 3/40.

(2) طبقات السبكي 10/148.


(12)

ص1028 رقم 586، وقال: من تأمّل ترجمة ابن السبكي هذا، بقلم الحافظ ابن حجر، مع ترجمة أبيه بقلم الحفّاظ الأعلام: الذهبي وابن ناصر والحسيني والسيوطي في طبقات الحفّاظ، يعلم عظمة الرجلين [السبكي وابنه].

لأن مَنْ ذكر ـ خصوصاً الذهبي وابن ناصر ـ كانا كالخصمين لهم، لتشيّعهما لابن تيميّة وحزبه، خصوصاً ابن ناصر: كان يُعادي بعداوته، ويحبّ  بحبّه!!

ومع ذلك ما وسعهما إلاّ الاعتراف للأب والابن، بما ذكر!

قال الكتاني: لتعلم، أنّ الحقَ أحقُ بالاتّباع.

فما يتقوّله بعض مَنْ لا علم له: «بأنّ السُبْكيّ إنّما مَجَّدَهُ وقدّسه ولدُه في الطبقات!» هو الدليل بعينه على جهل قائله وكذبه!(1)

6 ـ مؤلّفاته وقائمة بأهمّها:

قال الذهبي: صنّف التصانيف المتقنة.

وقال السيوطي: صنّف أكثر من مائة وخمسين مصنّفاً، تدلّ على تبحّره في الحديث.

وقال الحسيني الدمشقي: كتب بخطّه المليح الصحيح المتقن شيئاً كثيراً من سائر علوم الإسلام... وسارت بتصانيفه وفتاويه الركبان.

قال ابن حجر: كان لا تقع له مسألة مستغربة أو مشكلة إلاّ ويعمل فيها تصنيفاً يجمع فيه شتاتها، طال أو قصر، وذلك يبين في تصانيفه.

وقال الحافظ ابن حجر: قد استوعب ولده عدّة تصانيفه في ترجمته التي أفردها وأفرد مسائلها التي انفرد بتصحيحها أو باختيارها في كتابه (ترشيح التوشيح).

وسنذكر نحن بعض ما ذكروه له، ولنقدّم ما أورده المترجمون من المجاميع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فهرس الفهارس والأثبات ص1028 رقم 586: ابن السبكي الصغير.


(13)

المنسوبة إليه:

أ ـ قال الكتاني: وقد ظفرت في المكتبة الخالدية ببيت المقدس لمّا زرته عام (1324) بمجموعة بخطّ المترجم له الشيخ تقي الدين السبكيّ، اشتملت على عدّة مؤلّفات، منها:

1 ـ الأدلة في إثبات الأهلّة.

2 ـ رسالة في مضارّ القصيدة النونيّة المتضمّنة الردّ على الأشاعرة.

وهي (25) ورقة في القالب الكبير، كتبت سنة (749).

3 ـ الاعتبار ببقاء الجنّة والنار.

كتبت (748) تتضمّن تضليل من قال بفناء النار من أهل عصره.

وغير ذلك، وهي مجموعة قيّمة لا ثمن لها، من النفاسة بمكان(1).

ب ـ وقال الزركلي الوهّابي في أعلامه 4/302: ورأيت مجموعة اُخرى كلها بخطّه في الرباط (306 أوقاف) تشتمل على تسع رسائل له، منها:

1 ـ المحاورة والنقاط في المجاورة والرباط.

2 ـ مصمّي الرماه في وقف حماه.

وقال ولده: حجّ في سنة (716) ثم عاد، وألقى عصا السفر واستقرّ، وانتهت إليه رئاسة المذهب بمصر... وفي هذه المدّة ردّ على الشيخ ابن تيميّة في مسألتي الطلاق والزيارة، وألّف غالب مؤلّفاته المشهورة: كالتفسير، وتكملة شرح المهذّب، وشرح المنهاج للنوويّ، وغير ذلك من مبسوط ومختصر(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فهرس الفهارس ص1026 آخر ترجمة رقم 585 وقد ذكر الزركلي الوهابي هذه المجموعة وقال: رأيت مجموعة بخطه في مجلد ضخم، ولم يحدّد موقعها!

(2) الطبقات 10/167.


(14)

قائمة بأهم مؤلّفاته:

1 ـ النكت على صحيح البخاري، في مجلد.

قال الكتاني: وقفت عليه بمكتبة مكناسة.

2 ـ ضياء المصابيح في اختصار مصابيح البغوي.

ذكره الكتاني.

3 ـ السيف المسلول على مَنْ سبّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

ذكره السبكي، والكتاني، والزركلي: له نسخ في تركيا: في السليمانية 24 (319) وعاشر أفندي 12 (161) وفيض الله 113 (2132) ولاله لي 38 (365) ويكي جامع 12 (209).

4 ـ إبراز الحِكَم من حديث رفع القلم.

ذكره الكتاني، وذكره ولده السبكي وذكر بعده: الكلام على حديث رفع القلم، وكأنّهما واحد. ومنه نسخة في دار الكتب بالقاهرة رقم (1616) و(1625) وله مختصر في الظاهرية رقم 294 مجموع (32).

5 ـ الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم.

ذكره السبكي وذكره الزركلي، وقالا: لم يكمل، وله جهود تفسيرية متفرقة بين آيات خصّص لها أجزاء صغار، سنعدّدها، وبين آيات متفرقة جمعت في بداية (فتاوى السبكي).

6 ـ إحياء النفوس في صنعة إلقاء الدروس.

ذكره السبكي ولده، وذكره الزركلي.

7 ـ الإغريض في الحقيقة والمجاز والكناية والتعريض.

ذكره السبكي، والزركلي.

8 ـ المسائل الحلبية في الفقه.

ذكره السبكي، والزركلي.


(15)

9 ـ شفاء السقام في زيارة خير الأنام.

ذكره ولده وهو كتابنا هذا، ردّاً على ابن تيمية في تحريمه زيارة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ويسمّى (شنّ الغارة على مانع الزيارة) وسيأتي الكلام عنه مفصّلا.

10 ـ المحاورة والنقاط في المجاورة والرباط.

قال الزركلي: وجدتها في مجموعة بخطّه في الرباط (306 أوقاف) ضمن تسع رسائل له.

11 ـ مصمّي الرماه في وقف حماه.

ذكره الزركلي مع المجموعة (306 أوقاف ـ في الرباط).

12 ـ الأدلّة في إثبات الأهلّة.

ذكره الكتاني والزركلي، ضمن مجموعة بخطه، في المكتبة الخالدية، بالقدس الشريف.

13 ـ الاعتبار ببقاء الجنة والنار.

ذكره ولده، وذكره الكتاني والزركلي، ضمن مجموعة الخالدية بالقدس. وهو مطبوع.

14 ـ السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل.

ردّ على القصيدة النونية لابن قيّم الجوزية الحنبلي السلفيّ، الموسومة بالكافية في العقائد ردّاً على الأشاعرة، رآها الكتاني والزركلي في مجموعة الخالدية بالقدس كما مرّ في بداية هذه القائمة، وهو مطبوع مع تكملة مهمّة للإمام الكوثريّ.

15 ـ الابتهاج في شرح المنهاج في الفقه الشافعي.

ذكره السبكي والزركلي.

16 ـ الفتاوى السُبْكيّة.

ذكره ولده والزركلي، وذكر ابن حجر: أن ولده عبد الوهاب جمع فتاواه


(16)

ورتبّها في أربع مجلدات، طبع في مصر في مجلدين، وأعادته دار المعرفة ـ بيروت.

17 ـ التمهيد فيما يجب فيه التحديد.

ذكره الزركلي وأشار إلى أنه مطبوع، وأنه في المبايعات والمقاسمات والتمليكات وغيرها.

18 ـ تكملة (المجموع في شرح المهذب للنووي)

من باب الربا إلى التفليس، في خمس مجلدات، ذكره السبكي ولده.

19 ـ التحبير المُذهَب في تحرير المَذْهَب.

وهو شرح مبسوط على (المنهاج). ذكره السبكي، وقال: ابتدأ فيه من كتاب الصلاة، فعمل قطعة نفيسة.

20 ـ الابتهاج في شرح المنهاج للنووي.

قال السبكي: وصل فيه إلى أوائل الطلاق.

ثم كمّله ابنه أحمد بهاء الدين، كما في كشف الظنون ص1873.

21 ـ الدرّة المضيئة في الردّ على ابن تيميّة.

طبعت في الرسائل السبكية، وفي (التوفيق الرباني).

22 ـ التحقيق في مسألة التعليق.

قال السبكي: وهو الردّ الكبير على ابن تيمية في مسألة الطلاق.

23 ـ رافع الشقاق في مسألة الطلاق.

قال السبكي: وهو الردّ الصغير على ابن تيمية.

وله رد ثالث مختصر باسم النظر المحقق، مطبوع في الفتاوى 2/309.

وذكر ولده السبكي المؤلفات التالية له:

24 ـ أحكام «كلّ» وما عليه تدلّ.

25 ـ بيان حكم الربط في اعتراض الشرط على الشرط.


(17)

26 ـ الإقناع في الكلام على أنّ «لو» للامتناع.

27 ـ وشْيُ الحُلَى في تأكيد النفي بلا.

28 ـ الكلام على حديث «إذا مات ابن آدم انقطع عملُهُ».

29 ـ أجوبة سؤالات حديثيّة وردت من الديار المصريّة حول بعض ما في (تهذيب الكمال) للمِزيّ.

وذكره الكتاني.

30 ـ تنزيل السكينة على قناديل المدينة. نشر في الفتاوى السبكية 1/274.

31 ـ مسألة فناء الأرواح.

32 ـ مسألة في التقليد في اُصول الدين.

33 ـ المفرق في مطلق الماء والماء المطلق.

34 ـ أمثلة المشتق.

وهي اُرجوزة في الصرف ذكرها السبكي، وأوردها طابعو طبقات الشافعية في هوامش الصفحات ص186 وما بعدها من الجزء (10) منها.

35 ـ القول الصحيح في تعيين الذبيح.

36 ـ القول المحمود في تنزيه داوُد.

37 ـ ورد العِلَل في فهم العِلل.

38 ـ التهدّي في معنى التعدّي، في الصرف.

39 ـ بيان المحتمل في تعدية «عَمِل» وانظر الرقم (49).

40 ـ نيل العلا بالعطف بلا.

41 ـ الألفاظ: هل وضعت بإزاء المعاني الذهنيّة، أو الخارجيّة؟

42 ـ أحاديث رفع اليدين، ذكره ولده، والكتاني.

43 ـ الاقتناص في الفرق بين الحصر، والقصر، والاختصاص، في علم البيان.


(18)

44 ـ نصيحة القضاة.

45 ـ كتاب برّ الوالدين.

وقد ذكر ولده من مؤلّفاته ما يدخل ضمن التفسير، مثل:

46 ـ التعظيم والمنَة في }لتؤمنن به، ولتنصرنّه{ الآية 81 من سورة آل عمران، وهو مطبوع في فتاوى السبكي 1/48.

47 ـ الإقناع في تفسير قوله تعالى: }ما للظالمين من حميم ولا شفيع يُطاع {الآية 18 من سورة غافر، ولاحظ فتاوى السبكي.

48 ـ الحلمُ والأناه في إعراب قوله: }غير ناظرين إناه{ الآية 53 من سورة الأحزاب، طبع في فتاوى السبكي 1/105.

49 ـ تفسير: }يا أيّها الرسُلُ كلوا من الطيبات واعملوا{ الآية 51 من سورة المؤمنون.

50 ـ الكلام على قوله تعالى: }لا جناح عليكم إن طلّقتم النساء ما لم تمسّوهن {الآية 236 من سورة البقرة.

هذا ما اخترناه من أسماء مؤلّفاته التي تبلغ (150)، وقد أورد ولده السبكي أسماء ما يزيد على (125) منها في ترجمته في طبقات الشافعية 10/307 ـ 315 وأورد (18) رسالة ذات النصوص الصغار في الفتاوى السبكيّة، وجمع بعضها الاستاذ كمال أبو منى في (الرسائل السبكية) وهو مطبوع.

ومما طبع أيضاً في الفتاوى السبكية:

51 ـ بذل الهمّة في إفراد العمّ وجمع العمّة 1/97.

52 ـ الفهم السديد في إنزال الحديد 1/129.

53 ـ إشراق المصابيح في صلاة التراويح 1/165.

54 ـ الاعتصام بالواحد الأحد من إقامة جمعتين في بلد 1/181.

55 ـ مختصر: فصل المقال في هدايا العمّال 1/213.


(19)

56 ـ حفظ الصيام من قوت التمام 1/230.

57 ـ قدر الإمكان المختطف في دلالة «كان إذا اعتكف» 1/242.

58 ـ نثر الجمان في عقود الرهن والضمان 1/309.

59 ـ منبّه الباحث في دين الوارث 1/330.

60 ـ الطريقة النافعة في الإجارة والمساقاة والمزارعة.

61 ـ مؤلّف في مياه دمشق.

62 ـ الغيث المغدق في ميراث ابن المعتق 2/224.

63 ـ مؤلّف في ترميم الكنائس 2/369.

64 ـ الدلالة على عموم الرسالة 2/594.

7 ـ ترجمة المؤلّف: بقلم الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الدرر الكامنة»

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن سوار بن سليم السبكي تقي الدين، أبو الحسن الشافعي.

ولد بسُبك العبيد، أوّل يوم من صفر سنة (683) وتفقّه على والده، ودخل القاهرة، واشتغل على ابن الرفعة، وأخذ الأصلين عن الباجي، والخلاف عن السيف البغدادي، والنحو عن أبي حيان، والتفسير عن العلم العراقي، والقراءات عن التقي الصائغ، والحديث عن الدمياطي، والتصوّف عن ابن عطاء الله(1)والفرائض عن الشيخ عبدالله الغماري.

وطلب الحديث بنفسه، ورحل فيه إلى الشام، والإسكندرية والحجاز، فأخذ عن ابن الموازيني، وابن مشرف، وعن يحيى بن الصواف وابن القيم، والرضيّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن عطاء.


(20)

الطبري، وآخرين يجمعهم معجمه الذي خرجه له أبو الحسين ابن  أيبك.

وولي بالقاهرة تدريس المنصورية، وجامع الحاكم والكهارية وغيرها.

وكان كريم الدين الكبير والجاي الدوادار وجنكلي بن البابا والجاولي وغيرهم من أكابر الدولة الناصرية يعظّمونه ويقضون بشفاعته الأشغال.

ولمّا توفّي القاضي جلال الدين القزويني بدمشق، طلبه الناصر في جماعة ليختار منهم من يقرّره مكانه، فوقع الاختيار على الشيخ تقيّ الدين، فوليها ـ على ما قرأتُ بخطه ـ في تاسع عشر جُمادى الآخِرة سنة 739، وتوجّه إليها مع نائبها تنكز، فباشر القضاء بهمّة وصرامة وعفّة وديانة.

واُضيفت إليه الخطابة بالجامع الاُموي فباشرها مدّة في سنة 742، ثم اُعيدت لابن الجلال القزويني.

وولي التدريس بدار الحديث الأشرفية، بعد وفاة المِزي، وتدريس الشامية البرّانية بعد موت ابن النقيب في أوائل سنة 46، وكان طلب في جُمادى الاُولى إلى القاهرة بالبريد ليقرر في قضائها فتوجّه إليها وأقام قليلا ولم يتم الأمر واُعيد إلى وظائفه بدمشق، ووقع الطاعون العام في سنة 749 فما حفظ عنه في التركات ولا في الوظائف ما يُعاب عليه.

وكان متقشفاً في اُموره متقلّلا في الملابس، حتى كانت ثيابه في غير الموكب تقوّم بدون الثلاثين درهماً وكان لا يستكثر على أحد شيئاً حتى أنه لما مات وجدوا عليه اثنين وثلاثين ألف درهم ديناً، فالتزم ولداه تاج الدين وبهاء الدين بوفائها.

وكان لا يقع له مسألة مستغربة أو مشكلة إلاّ وجعل فيها تصنيفاً يجمع فيه شتاتها طال أو قصر، وذلك يبين في تصانيفه.

وقد جمع ولده فتاويه ورتّبها في أربع مجلدات.

قال الصفدي: لم يرد أحد من نواب الشام ولا من غيرهم تعرض له فأفلح،


(21)

بل يقع له إما اعزل وإما موت، جرّبنا هذا وشاع وذاع حتى قلت له يوماً في قضية: يا سيدي دع أمر هذه القرية فإنك قد أتلفت فيها عدداً وملك الأمراء وغيره في ناحية وأنت وحدك في ناحية وأخشى أن يترتب على ذلك شرّ كثير فما كان جوابه إلاّ أنشد قوله:

 

وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

 

قلت: رأيتُ بخطه عدّة مقاطيع ينظمها في ذلك كأنه يتوسل بها إلى الله فإذا انقضت حاجته طمس اسم الذي كان دعا عليه.

وقد استوعب ولده عدّة تصانيفه في ترجمته التي أفردها وأفرد مسائلها التي انفرد بتصحيحها أو باختيارها في كتابه التوشيح(1).

قرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي: كتب إليّ أبو الفتح ـ يعني قرابته ـ ورقة بسبب شخص أن أكتب إلى شخص في حاجة له، وذلك قبل ولاية الشام بسنة فأجبته: «وقفتُ على ما أشرت إليه، والذي تقوله صحيح، وهو الذي يتعيّن على العاقل، ولكني ما أجد طباعي تنقاد إلى هذا بل تأبى منه أشدّ الإباء، والله خلق الخلق على طبائع مختلفة وتكلّف ما ليس في الطبع صعب» إلى أن قال: «وأنا من عمري كلّه لم أجد ما يخرجني عن هذه الطريقة، فإني نشأت غير مكلّف بشيء من جهة والدي وكنتُ في الريف قريباً من عشرين سنة وكان الوالد يتكلف لي ولا أتكلف له ولا أعرف من الناس فيه غير الاشتغال ثم ولي والدي نيابة الحكم بغير سؤال فصرت أتكلم الكلام بسببه وأما في حق نفسي فلا أكاد أقدم على سؤال أحد إلاّ نادراً بطريق التعريض اللطيف فإن حصل المقصود وإلاّ رجعت على الفور وفي نفسي ما لا يعلمه إلاّ الله، وأما في حق غيري من الأجانب فكانوا يلحّون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ترشيح التوشيح اظن هذا الصواب وقد جعله صاحب كشف الظنون كتابين.


(22)

إلي فأتكلف فأقضي من حوائجهم ما يقدره الله، ولم أزل يكن معي عشرة أوراق أو أكثر ولا أتحدث فيها مع المطلوبة منه إلاّ معرفاً وشغلت بذلك عن مصلحتي ومصلحة أولادي لأن اجتماعي بهم كان قليلا يروح في حوائج الناس ولا ينقضي بها حاجة حتى يزيد نفور نفسي عن الحديث فيها وكان آخر ذلك أن طلبت حاجة تقي الدين الاقفهسي فأجابني المطلوب منه بجواب لا يرضاه فحلفت لا أسأله حاجة بعدها فمات بعد نحو نصف سنة وحصلت لي الراحة بترك السؤال ولكن استمرّ الوالد في نيابة المحلة فعرض من الجلال وولده ما يقتضي أن خاطري يغريه فحصل لي ضجر فقدّر الله وفاة الوالد وماتت الوالدة بعده بأربعين يوماً فعزفت نفسي عن الدنيا، وأنا الآن ابن اثنين وخمسين سنة، وقد تعبت نفسي في حوائج الناس مدّة، فأريد أن اُريح نفسي فيما بقي وأيضاً فلي نحو عشر سنين لا أتحرك تحركة في الدنيا فأحمدها فأخاف إذا تحدثت لغيري أن لا ينجح فأندم ويتعب قلبي، فالعزلة أصلح» إلى أن قال: «وليعلم أن الإنسان إنما يفعل ذلك إما لطبع فطري أو مكتسب، وهما مفقودان عندي، أو لحامل عليه من إيجاب شرعي وليس من صورة المسألة، أو غرض دنيوي وأرجو أن لا يكون عندي، أو اكتساب أجر بأن يكون مندوباً، ومثل هذا: الظاهر أن تركه هو المندوب، ثم لو سلم فالنفس لاتنقاد إليه في أكثر الأحوال كما يترك الإنسان المندوب لطبع أو ضعف باعث والمندوب أن قل ان يعمل إلى المخالطة على جميعها وذلك بحسب قوة الباعث وضعفه والسلام انتهى ملخّصه.

وقرأت بخط الشيخ شمس الدين محمد بن عبدالرحمن بن الصائغ الحنفي على جزء من تفسير الشيخ تقي الدين ما نصه، يقول(1):

 

أتيت لنا من الدرّ النظيم سلوكاً للصراط المستقيم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وأورده ابنه في طبقات الشافعية 10/177.


(23)

جمعت به العلوم فيالفرد حوى تصنيفه جمع العلوم

وكان ينظم كثيراً وشعره وسط، فمنه ما وصى به ولده محمداً، قال:

 

أبنيّ لا تُهمل نصيحتيَ التي اُوصيك واسمع من مقالي ترشدِ

احفظ كتاب الله والسنن التي صحّت وفقه الشافعي محمّدِ

وتعلّم النحو الذي يدني الفتى من كلّ فهم في القران مسدّد

واعلم اُصول الفقه علماً محكماً يهديك للبحث الصحيح الأيدِ

واسلك سبيل الشافعي ومالك وأبي حنيفة في العلوم وأحمدِ

 

ومنها قوله أيضاً:

 

واقطع عن الأسباب قلبك واصطبر واشكر لمن أولاك خيراً واحمد

 

ومنها قوله أيضاً:

 

وخذ العلوم بهمّة وتيقّظ وقريحة سمحاء ذات توقّدِ

 

ومنها قوله أيضاً:

 

واقف الكتاب ولا تمل عنه وقف متأدّباً مع كلّ حبر أوحدِ

 

ومنها قوله أيضاً:


(24)

 

وطريقة الشيخ الجنيد وصحبه والسالكين سبيلهم بهم اقتدِ

واقصد بعلمك وجهَ ربك خالصاً تظفر سبيل الصالحين وتهتدي

يقول في آخرها:

 

هذي وصيتيَ التي اُوصيكها أكرم بها من والد متودّدِ

 

وعدّتها نحو العشرين، هذا مختارها.

وله أيضاً:

 

إنّ الولايةَ ليس فيها راحةٌ إلاّ ثلاث يبتغيها العاقلُ

حكم بحق أو إزالة باطل أو نفع محتاج سواها باطلُ

 

وله أيضاً:

 

إذا أتتك يدٌ من غير ذي مقة(1) وجفوة من صديق كنتَ تأملهُ

خذها من الله تنبيهاً وموعظةً بأنّ ما شاء لا ما شئتَ يفعلهُ

 

وقد كان نزل عن منصب القضاء لولده تاج الدين بعد أن مرض، فلما استقر تاج الدين وباشر; توجّه الشيخ تقي الدين إلى القاهرة وأقام بها قليلا في دار على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ثقة.


(25)

شطّ النيل وهو موعوك إلى أن مات في ثالث جمادى الآخرة سنة 756.

فكانت إقامته بالقاهرة نحو العشرين يوماً وكان وصول التقليد لتاج الدين في ثالث عشر شهر ربيع الأول ولبس الخلعة في النصف منه وباشر ثم عوفي أبوه وركب وحضر معه بعض الدروس وحكم بحضرته وسرّ به وتوجّه إلى القاهرة في سادس عشري شهر ربيع الآخر من السنة .

ثم لما مات سعى ولده أن يدفن عند الإمام الشافعي داخل القبة فامتنع شيخو من إجابة سؤاله فدفنه بسعيد السعداء.

قال الاسنوي في(الطبقات)(1): كان أنظرمن رأيناه من أهل العلم، ومن أجمعهم للعلوم وأحسنهم كلاماًفي الأشياءالدقيقةوأجلهم على ذلك، وكان في غاية الإنصاف والرجوع الى الحق في المباحث ولو على لسان آحاد الطلبة، مواظباً على وظائف العبادات مراعياً لأرباب الفنون محافظاً على ترتيب الأيتام في وظائف آبائهم.

وقال شيخنا العراقي: طلب الحديث في سنة 703 ثم انتصب للإقراء وتفقّه به جماعة من الأئمة، وانتشر صيته وتواليفه، ولم يخلف بعده مثله.

ومن ماجرياته: أنه بحث مع ابن الكناني فنقل عن الشيخ أبي إسحاق شيئاً في الاُصول فلما رجع بعث إليه قاصداً يقول له: المسألة التي ذكرها، ما هي في (اللمع)! فكتب إليه:

 

سمعتُ بإنكار ما قلته عن الشيخ إذ لم يكن في اللمعْ

ونقلي لذلك من شرحه وخير خصال الفقيه الورعْ

 

لو وقفتَ على شرح اللمع ما أنكرت النقل فانظر فيه فإنه كتاب مفيد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات الشافعية للاسنوي ص75 رقم 666.


(26)

فلما وقف ابن الكناني على الجواب تألّم تألماً كثيراً، وكان أسنَّ من السبكي بكثير، لكن تقدّم السبكي واشتهر، واستمرّ هو على حالة واحدة.

ولذا كان ابن عدلان وابن الانصاري يمتعضان من السبكي لكونهما أسنّ منه وتقدّم عليهما(1).

 

ترجمة المؤلّف بقلم ابن كثير الدمشقي المؤرّخ المفسّر

علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، الإمام العلامة أبو الحسن السبكي الشافعي قاضي دمشق.

ولد سنة (ثلاث وثمانين وستمائة) وبرع في الفقه والأصول والعربية وأنواع العلوم، وقرأ القراءات على الصائغ، وسمع الشاطبية والرائية من سبط زيادة، وقدم دمشق قاضياً سنة (تسع وثلاثين وسبعمائة) قرأ عليه القراءات محمد بن يعقوب المقدسي وأحمد بن الغزي الشهير بالشريف الحسيني، انتهت إليه رئاسة العلم في وقته، وله كلام في صحّة القراءات العشر والردّ على من طعن فيها أبان فيه عن تحقيق وحسن اطلاع. تُوفّيَ سنة (سبع وخمسين وسبعمائة) بمصر(2).

8 ـ مصادر ترجمته:

1 ـ الدرر الكامنة في المائة الثامنة لابن حجر 3/63 وقد أوردناها بتصرّف، في ما تقدّم.

2 ـ فهرس الفهارس والأثبات للكتاني ص1023 ـ 1037 رقم 585.

3 ـ الأعلام للزركلي الوهّابي 4/302.

4 ـ البداية والنهاية لابن كثير 14/253 وقد أوردناها في مواضع متفرّقة من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدرر الكامنة في المائة الثامنة 3/63.

(2) البداية والنهاية 1 / 551.


(27)

هذا الجزء بمناسبات مختلفة.

5 ـ طبقات الشافعية، لولده عبد الوهاب تاج الدين 10/139 ـ 226 وفي طبعة الحسينية 6/146 وقد استفدنا منها كثيراً.

6 ـ حسن المحاضرة 1/177.

7 ـ غاية النهاية 1/55.

8 ـ الدارس في المدارس 1/4/134

9 ـ قضاة دمشق لابن طولون ص101.

10 ـ البدر الطالع 1/467 ـ 419.

11 ـ طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 3/37 ـ 42 رقم 603.

12 ـ طبقات الشافعية، للاسنوي ص75 رقم 666. وقد ذكرها ابن حجر في الدرر وأثبتناها معه.

13 ـ النجوم الزاهرة 10/318.

14 ـ ذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي ص352.

15 ـ بغية الوعاة للسيوطي 342.

16 ـ شذرات الذهب لابن العماد 6/180.

17 ـ مفتاح السعادة 2/221.

18 ـ هدية العارفين 1/720.

19 ـ مقدّمة (فتاوى السبكي) طبعة مصر، أعادته دار المعرفة ـ بيروت.

20 ـ بروكلمان 2/86 وذيله 2/102.

21 ـ معجم المؤلّفين لكحالة 7/127.

22 ـ وقد أفرد ولده عبد الوهاب صاحب الطبقات، ترجمةً خاصة لوالده، ونسخة منها باسم (ترجمة تقي الدين السبكي) في دار الكتب المصرية رقم 1634 وصورتها في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية رقم (1494 تاريخ)


(28)

كتبت سنة 764 وعليها خط المؤلّف.

23 ـ وخصّص تراجم آل السبكي، الاستاذ محمد الصادق حسين في كتاب (البيتُ السبكي) طبع بدار الكاتب المصري عام 1948م.


(29)

 

الكتاب

 

1 ـ الردّ على ابن تيميّة في منع الزيارة.

2 ـ شفاءُ السقام في نظر الأعلام.

3 ـ من هو ابن عبد الهادي صاحب الصارم المنكي.

4 ـ أهم ما في كتاب الصارم المنكي.

5 ـ الصارم المنكي في نظر العلماء.

6 ـ قاموس شتائم ابن عبد الهادي.

7 ـ نصيحة للمغترين بالسلفية في عصرنا.

8 ـ محتوى الكتاب ومادّته.

9 ـ عملنا في الكتاب.


(30)

 

1 ـ الرد على ابن تيمية في منع الزيارة:

قال ابن فضل الله العمري، في ترجمة السبكي:

إمام ناضَحَ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بنضاله، وجاهد بحداله، ولم يلطّخ بالدماء حدّ نصاله، حمى جناب النبوّة الشريف، وبقيامه في نصره، وتسديد سهامه للذبّ عنه من كنانة مصره، فلم يُخْطِ على بُعد الديار سهمه الراشق، ولم يُخْفِ مسامّ تلك الدسائس فهمه الناشق... قام حين خُلّطَ على ابن تيمية الأمر، وسَوَّلَ له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر، حين سَدَّ باب الوسيلة... وأنكر شدّ الرحل لمجرّد الزيارة.

إلى أن يقول: كيف يُزار المسجد، ويُجفى صاحبه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أو يخفيه الإبهام، أو تُذاد عنه وهي تتراشق إليه كالسهام؟

ولولاه عليه الصلاة والسلام، لما عرف تفضيل ذلك المسجد؟ ولا يمّم إلى ذلك المحلّ تأميل المغير ولا المنجد!؟

ولولاه لما قدّس الوادي، ولا اُسّس على التقوى مسجد ذلك النادي؟!

شكر الله له، قام في لزوم ما انعقد عليه الإجماع، وبعد الظهور بمخالفته على الأطماع.

وردّ القرن وهو ألدّ خصيم، وشدّ عليه وهو يشدّ على غير هزيم، وقابله وهو الشمس تغشي الأبصار، وقاتله ـ وكم جهد ـ ما يثبت البطلُ لعليّ وفي يده ذو الفَقار.

إلى أن يقول: وانجلت غياهب ذلك العِثْبَر: تبرق فيه صفحات الحق السويّ، والحظّ السعيد النبويّ، والنصر المحمّدي إلاّ أنّه بالفتوح العَلويّ، بجهاد أيّد


(31)

صاحب الشريعة وآزره، وردّ على من سدّ باب الذريعة وخذل ناصره(1).

وقال ولده في الطبقات: ثم حجّ في سنة ستّ عشرة [وسبعمائة] وزار قبر المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعاد، وألقى عصا السفر واستقرّ وانتهت إليه رئاسة المذهب بمصر...

وفي هذه المدّة ردّ على الشيخ أبي العباس ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة(2).

وذكر في الطبقات: ومما أورده ابن فضل الله [العمري] عنه في التاريخ:

في كلّ واد بليلى والِهٌ شغِفٌ ما إن تزالُ به من مسّها وصبُ

ففي بني عامِر من حبّها دَنِفٌ ولابن تيميّة من عهدها سَغَبُ

وكان قد قالهما وقد وجد إكثار ابن تيمية من ذكر ليلى وتمنّيها، وأراد بعهد ليلى  ـ ظاهراً ـ ما هوله، وباطناً يمينها، واليمين: العهد(3).

ونقل ابنه: صحّ من طرق شتّى عن الشيخ تقيّ الدين ابن تيمية: أنّه كان لا يعظّم أحداً من أهل العصر كتعظيمه له، وأنّه كان كثير الثناء على تصنيفه في الردّ عليه(4).

وقد ردّ الإمام السبكي على الفكر التيميّ، بكتب:

1 ـ الدرّة المضيئة.

2 ـ شفاء السقام (وهو كتابنا الذي نتحدث عنه بتفصيل).

3 ـ السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل ـ وهو ابن قيم الجوزية مقلد ابن تيمية ـ.

4 ـ التحقيق في مسألة التعليق، وهو الردّالكبير على ابن تيمية في مسألة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العمري في مسالك الأبصار، لاحظ طبقات السبكي 10/149 ـ 151.

(2) الطبقات للسبكي 10/167.

(3) الطبقات للسبكي 10/180.

(4) الطبقات للسبكي 10/194.


(32)

الطلاق.

5 ـ رافع الشقاق في مسألة الطلاق، وهو الردّ الصغير عليه.

6 ـ الاعتبار ببقاء الجنّة والنار.

7 ـ النظر المحقّق في الحلف بالطلاق المعلق، طبع في الفتاوى 2/309.

وسيأتي التفصيل في ذكر مؤلّفاته.

ويظهر من طبقات السبكي أن ابن تيميّة كتب كتاباً ردّاً على ما كتبه الشيخ عليه في مسألة الطلاق(1) ولكنه لم يطق أن يردّ عليه في مسألة الزيارة، بل كانَ يعظّمه ـ مع ان ابن تيميّة كان جَسُوراً يعتدي على جميع علماء عصره، بل السابقين ـ إلاّ أنّه كان يقرّ بفضل الإمام السبكي، ويُعجبه ما كتبه في (شفاء السقام) ردّاً عليه في مسألة الزيارة، مع أنّه ردّ بعنف على الإمام الاخنائيّ المالكي، كما ستعرف.

ولاحظ بقيّة الحديث عن موقفه من ابن تيمية في عنوان: (كتابنا هذا) في هذه المقدّمة.

 

2 ـ شفاء السقام في نظر الأعلام:

قال الحافظ أبو زرعة العراقي، وهو بصدد الكلام على المسائل التي انفرد ابن تيمية بها: وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق والزيارة وقد ردّ عليه فيهما معاً: الشيخ تقي الدين السبكي، وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن(2).

وقال: وللشيخ تقي الدين ابن تيمية كلام بَشِعٌ يتضمّن منع شدّ الرحل للزيارة، وأنه ليس من القُرَب بل بضدّ ذلك، وردّ عليه الشيخ تقي الدين السُبكي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات السبكي 10/195.

(2) الأجوبة المرضيّة عن الأسئلة المكية ص96 ـ 98.


(33)

في «شفاء السقام» فشفى صدور قوم مؤمنين(1).

وأنشد الصلاح الصفدي ـ الذي قرأ الشفاء على مؤلّفه(2) ـ في مدح الكتاب:

 

لقول ابن تيمية زخرُفٌ أتى في زيارة خير الأنامْ

فجاءت نفوس الورى تشتكي إلى خير حَبْر وأزكى إمامْ

فصنّفَ هذا، وداواهُمُ فكان يقيناً «شفاءَ السقامْ»(3)

 

وقال الإمام ابن حجر المكّي في الفتاوى الحديثيّة، ما نصّه: ابن تيمية عبدٌ خَذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله، وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وبلاغه رتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي، وولده التاج(4).

قال الإمام محمد بخيت المطيعي شيخ الإسلام: ولما تظاهر قوم في هذا العصر بتقليد ابن تيمية في عقائده الكاسدة وتعضيد أقواله الفاسدة... وجدنا كتاب الإمام الجليل والمجتهد الكبير تقي الدين أبي الحسن السبكي آتياً على ما قاله ابن تيمية، مقوّضاً لبنيانه، مزعزعاً لأركانه، ماحياً لآثاره، ماحقاً لأباطيله، مظهراً لفساده، مبيّناً لعناده(5).

وقال العلامة المعاصر المحمود السعيد الممدوح:

إن كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» الذي دبجتْهُ يراعة الإمام التقيّ السبكيّ: أنفسُ كتاب صُنِّفَ في هذا الباب، جمع فيه مؤلّفه بين النقل والعقل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طرح التثريب 6/43.

(2) لاحظ طبقات الشافعية للسبكي 10/؟؟؟.

(3) الوافي بالوفيات 21/256.

(4) الفتاوى الحديثيّة، لابن حجر المكّي الهيتميّ صاحب الصواعق.

(5) تطهير الفؤاد عن دنس الاعتقاد للمطيعي (ص13) ط مصر.


(34)

وزاد أبواباً في غاية الأهميّة، كالتوسّل، وحياة الأنبياء، والشفاعة، وغير ذلك.

وكان عفَّ اللسان، قويّ الحجّة، ناصع البرهان:

وقد حقّق الأقوال في مسألة الزيارة وغيرها من مباحث الكتاب تحقيقاً ما عليه مزيد(1).

3 ـ من هو ابن عبد الهادي صاحب الصارم المنكي:

هو، محمد بن أحمد بن عبد الهادي من آل قدامة الحنابلة، الدمشقيين: ولد 704 ومات 744.

ترجمه القليلون، وبالغ في ترجمته الحنابلة والشاميون المتعصبون كابن رجب فقال: المقرىء الفقيه، المحدث الحافظ، الناقد، النحوي، المتفنّن...».

وأكثر فيه ابن كثير الشامي في تاريخه سنة 744 (14/244) وأطراه وقال: «... كان مستقيماً على طريقة السلف! واتباع الكتاب والسنة...» يعني طريقة ابن تيمية وحزبه.

وذكره أبو المحاسن والذهبي وابن حجر والسيوطي، وقال: أحد الأذكياء، مهر في الحديث والاُصول والعربية.

وقال الصفدي: لو عاش كان آية، كنت إذا لقيتُه سألته عن مسائل أدبيّة وفوائد عربيّة، فينحدر كالسيل...».

وذكروا له من المؤلّفات:

العقود الدريّة في ترجمة ابن تيميّة، مطبوع.

والصارم المنكي، رآه ابن حجر، وذكر عنه في لسان الميزان 1/20 وفي ط. الهندية 1/14 قاعدة ابن حبان في التعديل، وقال: «وقد تصرّف في عبارة ابن حبّان».

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رفع المنارة ص13.


(35)

واتفقوا على ذكائه ومعرفته بطرق الحديث وحفظه لأسماء الرجال.

واهتمّ سلفية عصرنا بطبع الصارم، فله طبعة بتحقيق إسماعيل الأنصاري. وطبعة بمؤسسة الرّيان ـ بيروت عام 1412هـ  بعمل عقيل اليماني، وهي التي اعتمدناها هنا.

4 ـ أهم ما في كتاب الصارم المنكي؟!

وبعدما عرفنا شخصيّة ابن عبد الهادي، فلنحط بأهمّ ما احتواه كتابه حتى نعرف مدى مقولة سُفلية العصر من أنّه أهمّ كتاب في باب الدفاع عن آرائهم حول منع زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والردّ على شفاء السقام للإمام، فنقول: أهمّ ما في عمل ابن عبد الهادي أنه:

أولا: يُحاول إقناع القُرّاء بأنّ «ابن تيميّة لا يمنعُ من أصل زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل يقول باستحبابها، وبأن قبره أفضل القبور، وإنّما ابن تيمية يمنع فقط من شدّ الرحال إلى زيارة القبر النبويّ الشريف».

ويؤكّد على: «أنّ نسبة الإمام السبكيّ إلى ابن تيميّة بأنّه يمنع زيارة المصطفى عليه السلام، غير صحيحة».

ولذلك يحاول في (الصارم) إيراد عبارات طويلة ومكررة ينقلها عن مؤلّفات ابن تيميّة، ليثبت هذه المحاولة.

لكنّا:

1 ـ نجد نفس تلك العبارات التي نقلها ابن عبد الهادي، مليئة بجمل صريحة في أن ابن تيميّة يعتقد أن: زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غير ممكنة، لأنّ القبر غير ظاهر، ولأنّ الصحابة لم ينقل عن أحدهم القيام بزيارة القبر، ولأنّ زيارة القبر ممنوعة منهيٌّ عنها لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) «لا تجعلوا قبري عيداً» وحتى شكك في استعمال لفظ الزيارة، وقال مرادهم «السلام».


(36)

ولأن ذلك من فعل المشركين والنصارى وعبادة للقبر .

وأمثال هذه التعليلات، منثورة في كلماته التي نقلها عبد الهادي نفسه.

ومع ذلك كلّه: فإنّ عبد الهادي يدّعي ـ بكل وقاحة ـ أن ابن تيميّة لا يمنع الزيارة؟

واللطيف: أن ابن تيميّة حينما يجد في عبارة الفقهاء وإجماعهم على استحباب «زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)» يقول: المراد زيارة مسجده.

ومع هذا: فإنّ عبد الهادي يقول: لا يمنع من أصل الزيارة!!

وأمّا نسبة الإمام السبكي فتوى المنع إلى ابن تيميّة:

فهي ليست منفردة ولا محصورة بالإمام، بل كلّ من تعرّض للمسألة نسب إلى ابن تيميّة هذا القول البشع، فانظر:

* إبراز الغيّ للإمام أبي الحسنات اللكهنوي.

* رفع المنارة للشيخ محمود ممدوح ص92.

* دفع شُبَه التشبيه للإمام الحصني.

ثانياً: يحاول ابن عبد الهادي ـ تبعاً لابن تيمية نفي كل نصّ يحتوي على لفظ «الزيارة لقبر النبيّ» ويُناقش في أسانيد جميع الأحاديث والروايات، حتى يصل إلى النتيجة التي يؤكّد عليها ابن تيمية: إنّها مكذوبة بل موضوعة.

وهذا الإدّعاء، لابدّ أنّ يحكم فيه صيارفة نقد الحديث وجهابذة علم الجرح والتعديل، وقد حكموا بأنّ في أحاديث الزيارة المقدّسة ما هو صحيح وحسن، أيضاً، وإن كان فيها ما قيل فيه إنه من «قسم الضعيف» إلاّ أنّ من «الضعيف» ما يُعمل به، خصوصاً في المسائل والأحكام الفرعية العمليّة، والتي عمل الزيارة منها بلا ريب، وقد عمل بذلك المحدّثون والفقهاء والاُصوليون.

فما هذه المخالفات لهم منكم؟!

ثالثاً: يُحاول ـ تبعاً لابن تيمية ـ تعميم النهي في حديث: «لا تجعلوا قبري


(37)

عيداً ولا تتخذوه وثناً...» ليكون شاملا لما يفعله المسلمون الموحّدون عند قبره الشريف من السلام والدعاء والتكريم والتعظيم، ناسباً جميع أفعال المؤمنين عند القبر إلى الشرك وعبادة القبر، وما إلى ذلك من الألفاظ المهولة!

ومن الواضح لدى كل مسلم يزور قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه ممتلىء بالإيمان بالله ورسوله، والحبّ لهما، ولا يدعوه إلى المجيء إلى ذلك القبر إلاّ محض التوحيد والإيمان، وامتلائه بالعقيدة الراسخة.

ورابعاً: حديث «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة...» وهو عمدة ابن تيميّة وحزبه في منع الحجّاج القاصدين بعد أداء حجّهم إلى زيارة قبر نبيّهم، وإزعاجهم في مقام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعند المقصورة الشريفة بالضرب واللعن والتشريك والتكفير والدفش، والتهديد.

بدعوى: أنّ الحديث يدلّ على حرمة قصد زيارة القبر لمن يسكن بعيداً عنه من البلاد النائية.

وقد انهالت الاعتراضات الإسلاميّة من المذاهب الفقهيّة، وعلى مستويات أهل العلم والفكر من المسلمين على هذه الفتوى البشعة «منع السفر إلى مرقد الرسول» منذ طلوع نباتها الخبيث من رأس الشيطان في القرن الثامن أعني شيخ حرّان، الممتلىء بمعاداة هذه الشعائر الإسلاميّة التي تدلّ على عظمة الرسول ومقامه في قلوب المؤمنين برسالته.

وكثرت المؤلّفات في عصر مبتدع تلك الفتوى ابن تيميّة وإلى يومنا هذا، في الردّ عليها وتفنيدها وتزييفها، وقد بلغت المئات، وجمعناها في كتاب (معجم المؤلّفات الإسلاميّة في الردّ على بدع ودعاوى السلفيّة والوهابيّة).

وكتاب «شفاء السقام» للإمام التقيّ السبكيّ، هو من أهم وأقدم ما ردّ عليه في عصره.

وقد عجز ابن تيميّة من الإجابة عمّا فيه، بل كان يعظّم الإمام السبكي ويُعجبه


(38)

كلامه في «شفاء السقام».

وابن عبد الهادي جرو ابن تيميّة، حاول ـ عبثاً ـ في الصارم المنكي ـ من مواجهة الحجج والأدلة العلمية الواردة في شفاء السقام، لكنّه أخفق! ولم يأت بطائل، بل قد أصبح ما ألّفه وكتبه في (الصارم المنكي) محلاّ لنقد العُلماء، وتصدّوا له بالردّ والتنكيل، كما ستقرأ في الفقرة التالية.

5 ـ «الصارم المنكي» في نظر العلماء:

قال العلامة الكتاني في ترجمة ابن تيميّة، وقوله بالمنع من زيارة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)للمسافر إليها: انتدب للكلام معه فيها جماعة من الأئمة الأعلام، فوّقوا إليه بها السهام: كالشيخ تقي الدين السبكي، والكمال ابن الزملكاني، وناهيك بهما؟

وتصدّى للرد على السبكي: ابنُ عبد الهادي الحنبلي ولكنّه: ينقل الجرح ويغفل عن التعديل، وسلك سبيل العُنف، والتشديد!؟

وقد ردّ عليه، وانتصر للسبكي، جماعة(1).

وقال العلامة المحدّث السيّد عبد العزيز ابن الصدّيق الغماري:

ابن عبد الهادي: سلك في الكتاب (= الصارم) مسلك الإفراط الخارج عن قواعد أهل الحديث، فيجبُ الحذر منه(2).

زيادةً على سوء الأدب في التعبير مع التقيّ السبكيّ، الحافظ، الفاقه، وإتيانه في حقّه بما لا يليق بأهل العلم سلوكه.

يُضاف إلى ذلك ما أتى به من القول الفاسد والرأي الباطل، والخروج عن سبيل السلف في ذلك! وإن زعم أنه ينصر عقيدتهم؟!

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فهرس الفهارس ص277.

(2) لكنه لم يرد في (كتب حذّر منها العلماء) للسفي المغمور! بل هو مما يرغّب فيه السلفية!؟


(39)

ويكفيك من ذلك: أنّه ذكر الخلاف في مسألة النزول «هل يخلو العرش من الرحمن»! عند نزوله في ثلث الليل؟ أو لا؟(1)

وهذا مما لا ينبغي(2) أن يذْكره في كتاب، إلاّ بليد لا يفقه، ولا يدري ما يخرج من رأسه!

وأين يوجد عن السلف هذا التشبيه؟ حتى يُبنى عليه الخلاف في «خلوّ العرش» أو عدم خلوه؟

وهذا مما ينتقده أهل العلم على كثير من بُلداء أهل الحديث، كما هو معلوم(3).

وقال العلامة المعاصر المحدّث الشيخ محمود سعيد ممدوح: بعد النظر في «الصارم المنكي» رأيتُ الهول فيه، فتراه:

1 ـ يتعنّت أشدّ التعنُّت في ردّ الأحاديث.

2 ـ تطويله للكلام يخرجه عن المقصود إلى اللغو والحشو مع التكرار المملّ.

3 ـ يذكر أبحاثاً خارجة عن المقصود.

4 ـ يُطيل الكتاب جدّاً، ولو اختصر بحذف الخارج، لجاء في جزء صغير.

5 ـ أما تهجّمه على الإمام المجتهد التقيّ السبكيّ، فحدِّثْ ولا حرج!؟(4)

6 ـ وأحياناً يأتي بتعليلات للأحاديث، خارجة على قواعد الحديث.

7 ـ وقد أكثر في كتابه من الدعاوى على التقيّ السبكي، من غير برهان، وعند

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر هذه السخافة في الصارم المنكي ص230 وقبلها وبعدها ما لا يقل سخافةً.

(2) بل: لا يجوز، ويحرم ألبتّةَ، والاستثناء التالي منقطع، فإن هذا لا ينبغي أن يُدعى كتاباً، وهو بهذه الدرجة من السقوط! كما هو أكثر مؤلّفات السلفية المعاصرين.

(3) راجع: التهاني في التعقّب على الصغاني، لابن الصدّيق ص42.

(4) إقرأ نماذج من شتائمه في الفقرة التالية: قاموس شتائم ابن عبد الهادي!


(40)

المحاققة نجد الحقّ مع الإمام المجتهد السُبكي(1).

8 ـ يجزم الواقف عليه بأن عبد الهادي قد ظلمه بصارمه ولم يُجِبْ على كثير من مباحثه(2).

وقال المعلّق على ذيل تذكرة الحفّاظ ص352 عند ذكر الصارم المنكي لابن عبدالهادي: ولقد تهوّر فيه لابن تيميّة في شذوذه، فوقع في أغلاط من حيث الكلام على الأحاديث والاستنباط منها.

«ولم تدخل الهوى شيئاً إلاّ أفسدتْهُ».

الردود على الصارم المنكي:

قال العلامة الكتاني:

وقد رد عليه، وانتصر للسُبكي جماعة، منهم:

1 ـ الإمام عالم الحجاز في القرن الحادي عشر، الشمس، محمد بن علي بن علاّن، الصديقي، المكي، له: المبرد المبكي في ردّ الصارم المنكي.

2 ـ ومن أهل عصرنا: البرهان إبراهيم بن عثمان السمنودي المصري سمّاه: نصرة الإمام السُبكي بردّ الصارم المنكي.

3 ـ وكذا الحافظ ابن حجر، له: الإنارة بطرق حديث الزيارة(3).

وقال الكتاني أيضاً، في ترجمة أبي الحسنات عبد الحي اللكنهوي الأنصاري الهندي: خاتمة علماء الهند، وأكثرهم تأليفاً، وأتمّهم تحريراً واطلاعاً وإنصافاً، ولد (1264هـ ) وكلامه كلّه جواهر ودرر، ومات (1304هـ ).

وله في مسألة زيارة القبر النبويّ، وشدّ الرحال له، عدّة مصنّفات، منها:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ: رفع المنارة في تخريج أحاديث التوسل والزيارة ص10 ـ 11، وهو كتاب نفيس في موضوعه، واعتنى بالرد على الصارم المنكي، وحثالة حشوية العصر: بكر أبو زيد، وعثيمين، وأضرابهما من أجْراء الوهابيّة، واُجَرائهم.

(2) رفع المنارة ص13.

(3) فهرس الفهارس ص277.


(41)

4 ـ الكلام المبرم في نقض القول المحكم.

5 ـ الكلام المبرور في ردّ القول المنصور.

6 ـ السعي المشكور في ردّ المذهب المأثور.

قال(رحمه الله): ألّفتها ردّاً لرسائل مَنْ حجّ ولم يزر قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحرم زيارة قبره المعهود في العصور الإسلامية.

وكتبه هذه الثلاثة هي كالردّ على (الصارم المنكي) لابن عبد الهادي الحنبلي الذي قال عنه: راجعته فوجدتُه منقلباً على نحر شيخه.

ودعوى أنه لم يقدر أحدٌ من المخالفين على معارضته! صادرةٌ عن الغفلة! فقد ردّه على أحسن وجه ابنُ علاّن، ورددتُ كثيراً من مواضعه في (السعيُ المشكور)(1).

7 ـ وفي عصرنا الحاضر (1418هـ ) ردّ عليه الاستاذ المحدّث الواعي الشيخ محمود سعيد ممدوح، أفضل ردّ وأحسنه في كتابه القيّم «رفع المنارة في تخريج أحاديث التوسّل والزيارة» وقد نقلنا عنه في تعاليقنا، وهو مطبوع طبعة ثانية في دار الإمام الترمذي ـ القاهرة 1418هـ.

8 ـ ورددنا عليه ردّاً مركّزاً مفحماً في رسالة «زيارة القبر النبويّ المعظّم» وفّقنا الله لإصدارها.

6 ـ قاموس شتائم ابن عبد الهادي:

المتتبّع في (الصارم المنكي) لا يجد فيه بعد المناقشات السنديّة المطوّلة، غير المنقول عن ابن تيميّة في (الجواب الباهر) و(الرد على الأخنائي) كلاماً من ابن عبد الهادي، غير ما أضافه من الشتائم والسباب.

ولقد تعوّد المدّعون للسلفيّة على التلفظ بألفاظ نابية ضدّ معارضيهم فهم لا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فهرس الفهارس ص730.


(42)

يتورّعون من كلّ ما هو قذفٌ وسبٌّ وشتمٌ، يربؤ المسلمُ بنفسه أن يتفوَّهَ به، ويتعاطاه السلفيّة! ويدّعون مع ذلك اتّباع السنة، لكن يخالفونها حيث يجدونها تصرّح: «لا تكونوا سبّابين».

وقد أفرط ابن عبد الهادي الحنبلي التيمي ـ من أتباع ابن تيميّة ـ في مواجهة الإمام الورع التقيّ السبكيّ، بكلّ ما جرى على فمه وخرج من رأسه، يُحاول بذلك إرضاء نفسه، لمّا يجدها قاصرة من مواجهة حجج الإمام ومحكم أدلته:

ونحن نورد هنا قائمة ببعض ما أورده في الصارم المنكي، كي يتّضح ذلك لكلّ مسلم ورع، ويعرف بذاءة منطق هؤلاء المتمسلفين المدّعين لاتّباع الكتاب والسنة(1):

ونترك القرّاء ليقارنوا بين هذا وبينما قرأوه في صدر هذه المقدمة ممّا قاله العلماء في الإمام السبكي:

قال ابن عبد الهادي (الصارم 13) لكون مؤلّف الكتاب: رجلا، ممارياً، معجباً برأيه، متّبعاً لهواه، ذاهباً في كثير ممّا يعتقده إلى الأقوال الشاذّة، والآراء الساقطة، صائراً في أشياء مما يعتقده إلى الشبهِ المخيلة والحجج الداحظة وربما خرق الإجماع في مواضع لم يسبق إليها ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها!

يقول (ص14) ما حكاه من الافتراء العظيم والإفك المبين والكذب الصراح!

ويقول (الصارم 15): لكنه يُطفّف ويداهن ويقول بلسانه ما ليس في قلبه... اشتمل عليه [الكتاب] من الظلم والعدوان والخطأ والخبط والتخليط والغُلوّ والتشنيع والتلبيس.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ كتاب (قاموس شتائم الألْباني تأليف العلامة الورع السيد حسن السقاف) والألباني واحد من دُعاة السفليّة البذيئة في عصرنا، ويبدو من اتحاد سيرته مع إمامه ابن تيمية وابن عبدالهادي أنّهم خلقوا من طينة خبيثة واحدة، نعوذ بالله منها.


(43)

ويقول (ص21) متضمّن للتحامل والهوى وسوء الأدب والكلام بلا علم.

وقال (الصارم ص44): هذا المعترض المخذول.

وقال (الصارم ص65) ارتكب امراً يدل على جهله، أو على أنّه رجلٌ متّبع  لهواه.

وقال (الصارم ص66): كلام المعترض مشتمل على الوهم والإبهام والخبط والتخليط ـ والتلبيس... فهو جاهل مخطيء بالإجماع أو معاند صاحب هوىً متّبع لهواه، مقصوده الترويج والتلبيس وخلط الحقّ بالباطل.

ويقول (ص71): على ما في كلامه من الكذب وسوء الأدب... من الجور والعدوان والظلم.. مما وقع فيه من التخليط والتلبيس.

(الصارم 87): كلام المعترض «مزوّق غير محقّق ولا مصدّق، بل فيه من الوهم والإبهام والتلبيس والخَبط والتخليط ودفع الحقّ وقبول الباطل».

(الصارم ص285) جرأة المعترض وإقدامه على تكذيب ما لم يُحط بعلمه بغير برهان، بل بمجرد الهوى والتخرّص، وليس هذا ببدع منه، فإنّه قد عرف منه مثل ذلك في غير موضع... بل حمله فرط غلوّه ومتابعته هواه على نسبة أمور عظيمة لا اُحبّ ذكرها وهكذا عادته ودأبه يكذّب النصوص الثابتة أو يعرض عنها، ويقبل الأشياء الواهية التي لم تثبت والاُمور المجملة الخفيّة ويتمسّك بها بكلتا يديه.

ويقول (ص295) صدرت منه عن الفهم الفاسد والهوى المتّبع.

ويقول (334) ما تضمنه من الغلوّ والجهل والتكفير بمجرد الهوى وقلّة العلم أفلا يستحي من هذا مبلغ علم أن يرمي أتباع الرسول؟

ويقول (ص334) هذا المعترض وأشباهه من عبّاد القبور!؟

ويقول (ص341) في هذا الكلام من التلبيس والتمويه والغلو والتخليط والقول بغير علم!


(44)

واعلم أنّ هذا المعترض من أكثر الناس تلبيساً وخلطاً للحقّ بالباطل!

إلى غير ذلك ممّا كاله ابن عبد الهادي وسوّد صحائف أعماله من الشتائم!! على الإمام السبكي الذي وصفوه بأنه «شيخ الإسلام» من أوعية العلم، كان صادقاً متثبّتاً خيّراً ديّناً متواضعاً ـ وهذا كلّه من كلام الذهبي ـ التقي البرّ العليّ القدر، جمّ الفضائل، حسن الديانة، صادق اللهجة، جمع الزهد والورع والعبادة الكثيرة، ... والشدّة في دينه، له عدالة الأصل وأصالة القول... ومكانة الدين والفضل!

أهكذا تسبّه، وتتجاوز على مقامه! يابن عبدالهادي!

7 ـ نصيحة للمغترين بالسلفيّة في عصرنا:

وبعد معرفتنا بالعيان عظمة الإمام السبكي، وموقعه المقبول لدى طوائف الأمة من علمائها خاصّة، ومؤرّخيها عامّة، حتى أعداءه وخصومه الحنابلة والتيميّة، لم يجرءوا أن يَنْبِسُوا ـ ضدّهُ ـ ببنت شَفَهْ!

وبعد معرفتنا بما أقدم عليه ابن عبد الهادي الحنبليّ، في غمط حقّ السبكي ممّا أدى إلى تذمّر العلماء. والفضلاء، وجميع القرّاء المنصفين، وذمّهم لطريقته المتعنّتة، والجافية، والخاطئة، فردّوه وانتقدوه، وقد بتر الله عمره، لما تجاسر على شيخ الإسلام السبكي وإمام  عصره!

نرى من الواضح بطلان ما عليه سُفليّة العصر، من أَجْراء الوهابيّة واُجَرائهم، من الاغترار بما لفّقه ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) فنجدهم يرفعون عقيرتهم بما فيه، ويفتخرون به، كالعِنِّين يفتخر بهَنِ أبيه!

ولكن نحن ندعو العقلاء، إلى الاعتبار من تاريخ ابن عبد الهادي وما خلّفه بهذا الكتاب (= الصارم) لنفسه من العار والمذمّة والشنار. كما بتر الله عمره، لما تجاسر على الحقّ وعلماء عصره، وخالف المسلمين كافة، بتوجيه الإهانة إلى زائري مرقد النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)!


(45)

ندعوهم أن يعتبروا بذلك، وأن يتركوا الجدال بالباطل، والتمادي في الغيّ، باتّباع الحزب السلفيّ الجاهل.

وأن يعودوا إلى صفّ الاُمّة الإسلاميّة، ويتأمّلوا ـ لا بعين السُخْط ـ كلمات علماء الاُمة الأفاضل.

وأنْ يُقارنوا بأنفسهم ـ لا بإرشاد المطاوعة، ولا المُتَدكْتِرين السلفية ـ بين الأقوال، كما جاء في كتابي شفاء السقام، والصارم!

وأن يلتزموا الورع والتقوى، في تصرفاتهم وأحكامهم على الكتب وعلى الناس!

فإنّ وراءهم عقبةً كؤوداً، وسوف يُسألون عما كانوا يفعلون، ويعتقدون.

وفي البرزخ سوف يواجهون منكراً ونكيراً، ويحاسَبون!

فليتركوا كل فعل وكلمة تؤدّي إلى التفرقة والاختلاف بين المسلمين، وتشتيت كلمة اُمة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الموحّدين!

ولا يصدّوا الناس عن زيارة قبر النبيّ المعظم، ولا يهينوا المؤمنين، باتهامهم بالشرك والبدعة والشتائم!

فإنّ الله لهم بالمرصاد، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون!

8 ـ محتوى الكتاب ومادّته:

رتّب المؤلّف كتابه على عشرة أبواب:

احتوى «الباب الأول» على «الأحاديث الواردة في الزيارة» وفيها لفظ من مادّة الزيارة: زارَ، زائر، زيارتي، فزار، زارني، يزرني، يزر.

وعنون لخمسة عشر حديثاً، بنصوص مختلفة، لكنّها كلّها تحتوي على الحثّ على زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بما يدلّ على زيارة القبر النبويّ المعظم بالخصوص، بعد وفاته، أو بالعموم، أو بالإطلاق.


(46)

وقد بحث في كل حديث عن مصادره وسنده وضبط نصّه، وتوثيق رجاله، بكلّ دقّة.

حتّى أنّه يُسْند إلى المؤلّفين بطرق السماع أو القرائة المباشرة على مشايخه، وإلى النسخ، ويذكر بلاغات القراءة والتحديث، كل ذلك للتأكد من الضبط والتوثيق.

وهذه الطريقة التي كانت معتمدةً لدى القدماء، وقلّ مَنْ استخدمها في زمان الإمام السبكي.

والهدف من ذلك التأكّد من صحّة النسخ وضبطها، لتكون النصوص قابلة للاعتماد في الاستدلال، بشكل لا يتطرّق إليه الريب، بخلاف المعتمدين على النسخ الرائجة المبتذلة التي يتلاقفها الورّاقون، فإن اعتمادها من شأن الصُحّفيين غير الموثوقين.

وبالرغم من جلالة عمل الإمام السبكيّ هذا، فإنّه لم يَرُقْ ابن عبد الهادي الحنبلي في الصارم (ص16 و40) فراح يهرّج عليه بقوله: أطال بذكر الأسانيد وتكرارها منه إلى مؤلّفي الكتب كالطبراني والدارقطني وغيرهما، وحشد فيه بتعداد الطرق إليهم والرواية بالإجازات المركّب بعضها على بعض... وذكر طباق السماع وأسماء السامعين، ونحو ذلك مما يكبّر حجم الكتاب، وليس إلى ذكره كبير حاجة.

نقول: وهكذا تنقلب الأسانيد، عند الحنبلي إلى «حشد ليس إليه كبير حاجة»؟ مع أنّها أعمدة الحديث، والدين؟

ولكنّه الهوى يحسّن للسلفية القبيح! ويقبّح الحسن المليح؟!

وهذا الجهد العلمي، لا يهمّ الصحفيين الذين يهتمون بما يوافق أهواءهم، أما تصحيح النسخ وضبطها وهي من أهم الاُمور عند العلماء، لرفع ما يقع فيها من التصحيف والتحريف والسهو والغلط، فلا يهتمّ به إلاّ الجهابذة الأتقياء المتقنون.


(47)

ثم إنّ المؤلّف ـ وعلى أساس مما وصلته بالطرق العلمية من النسخ المتقنة ـ يتطرق إلى دلالات الأحاديث، بشكل علميّ منطقي رائع.

وقد أبدى إعجاب العلماء في دقّته في النقل من المصادر والكتب، وهو ما لاحظناه عند تخريجاتنا لمنقولاته، فوجدنا الأمانة التامة، والمحافظة على اختلافات الألفاظ حتى في الكلمة الواحدة.

وأما في علم الرجال، وفقه الحديث، وفنون العلم الاُخرى فهو علاّمة نَيْقَد بصير.

وفي «الباب الثاني» أورد الأحاديث الدالة على المراد، من دون احتوائها على لفظ من مادّة «زار».

فذكر ما فيه السلام على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكذا «الصلاة عليه».

وذكر فصلا في علم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمن يصلّي عليه، وسماعه سلام مَنْ يسلّم عليه من قرب، وإبلاغ الملائكة إليه سلام البعيد.

وفي دلالة كلّ ذلك على المراد يورد المناقشات والاحتمالات، ويبحث بحريّة من دون تعنّت.

وعقد «الباب الثالث» لذكر «ما ورد في السفر إلى زيارته صريحاً وبيان أن ذلك لم يزل قديماً وحديثاً».

فأثبت فيه قيام الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم، بالسفر وشدّ الرحل إلى قبر الرسول الأعظم من دون تحرّج، بل بكل رغبة وشوق.

رادّاً بذلك على مزعومة ابن تيمية بعدم قيام الصحابة والتابعين ومَنْ يسمّيهم السلف، بذلك.

وفي «الباب الرابع»: ذكر تقرير الفقهاء للسفر إلى زيارة القبر الشريف.

ناقلا عن فقهاء جميع المذاهب الأربعة هذا الحكم، وما ذكروه في كتب مناسك الحجّ من استحباب الزيارة وحكاية الإجماع على ذلك.


(48)

وفي هذا الباب ذكر حديث العُتْبي، وحكاية مالك مع المنصور العبّاسي، مما هو مشهور ومذكور في المؤلّفات.

ثم أورد أقاويل المانعين وما استندوا إليه:

من كراهة مالك للفظ «زيارة القبر وزيارة النبيّ» ونسبة المنع إلى أهل البيت، وحديث «لا تجعلوا قبري عيداً...».

وردّ عليها ردّاً قويماً مفحماً.

وفي «الباب الخامس» قرر كون زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قربة.

واستدلّ على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.

وذكر أنواع الزيارة وأحكامها، وزيارة النساء للقبور، وأخيراً ذكر اجتماع الأغراض الشرعية في زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم ذكر جهة القربة في زيارة القبور، وانتهى إلى أن زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قربة، لحثّ الشرع عليها وترغيبه فيها.

وعقد «الباب السادس» في «كون السفر إلى الزيارة قربة» من وجوه: الكتاب، والسنة والإجماع، وأن وسيلة القربة قربة.

وفي الوجه الأخير فصّل البحث عن أن قواعد الشرع معتبرة بالمقاصد، واستدلّ على ذلك بأبواب كثيرة من الفقه.

ثم ذكر الحكم في المقدمة، والفرق بينها وبين الوسيلة، واعتبارات السفر في مسألة الزيارة.

وعقد «الباب السابع» لذكر شُبَه الخصم وتتبُّع كلماته ودفع ما فيها من الأوهام، في فصلين:

الأول في ذكر شُبَهِهِ ودفعها، وهي:

الاستدلال بحديث «لا تشدّ الرحال» فذكر ألفاظه ومصادره ثم ذكر دلالته ومعناه، ثم ذكر محطّ البحث عند الفقهاء في شدّ الرحال إلى المساجد، وعنوان


(49)

المسألة في كتب الفقه.

وأورد ذكر فتاوى مُخْتَلَقَةً منسوبة إلى علماء بغداد أنّهم ايّدوا فتوى ابن تيمية بمنع شد الرحال إلى الزيارة الشريفة .

ثم إنّ المؤلّف نقل نصّ فتوىً لابن تيميّة جاء فيها التصريح بمنع أصل الزيارة للقبر النبوي الشريف، ولو بغير شدّ رحل ولا سفر.

وأجاب عمّا فيها من الشبه:

فالشبهة الثانية: عدم مشروعية أصل الزيارة، وأنّها من البدع إلى آخر ما ذكره ابن تيمية من عدم فعل الصحابة والتابعين لها.

فردّ عليها المؤلّف بورود التشريع للزيارة بالنصّ الصحيح، وعدم وجود دليل عند ابن تيمية لما نفاه من فعل الصحابة والتابعين.

والشبهة الثالثة: ربطه بين الزيارة والشرك.

فقد فصّل المؤلّف في ردّ هذا التخيّل، وأن الزيارة لا ترتبط بالشرك، ولا يقصد بها سوى التبرّك والتعظيم، والشرك لا يكون إلاّ بالعبادة واتخاذ الندّ والوثن، وليس شيء من هذا متصوّراً في زيارة القبر النبويّ.

وأما الفصل الثاني فعقده لتتبّع كلماته.

فنقل أولا نصّ الفتيا الرسمية التي كتبها ابن تيميّة، ووصلت إلى قضاة المذاهب الأربعة في مصر، فحاكموه على أساسها وسجنوه من أجلها، وكتب القضاة أحكامهم عليها.

ثم بدأ بالردّ عليها فقرةً، فقرةً، بما لم يبق لها قيمة علمية.

ثم عقد الباب الثامن في التوسل والاستغاثة والتشفّع بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

ذكر جواز التوسّل بالنبيّ، وأنّه على ثلاثة أنواع:

قبل خلقه، كتوسّل آدم وعيسى(عليهما السلام) به.

والتوسّل به بعد خلقه، وذكر حديث الأعمى المتوسّل به(صلى الله عليه وآله وسلم).


(50)

والتوسّل به بعد موته، كما في حديث عثمان بن حنيف.

ثم حديث الاستسقاء بمعنى طلب الدعاء منه.

والتوسّل بعد موته بالشفاعة منه(صلى الله عليه وآله وسلم).

وذكر الاستغاثة بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

وعقد الباب التاسع، لذكر حياة الأنبياء(عليهم السلام) بعد موتهم وفي قبورهم، في فصول:

الفصل الأوّل: في ما ورد في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

الفصل الثاني: في حياة الشهداء.

الفصل الثالث: في سماع سائر الموتى وكلامهم وإدراكهم وحياتهم وعود الروح إلى الجسد في القبر.

الفصل الرابع: الفرق بين الشهداء وغيرهم، في هذه المسألة.

الفصل الخامس: كيفية حصول السماع، للميت؟

و«الباب العاشر» خصّصه لمسألة «الشفاعة».

وذكر أنّ وجه تعرّضه لها هو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أوّل حديث ذكر في الكتاب: «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

وقد أشبع الكلام حولها، فذكر مصادرها وأحاديثها، وفصّل في ما تدلّ عليه من أنواعها وعددها، وذكر شرح الحديث الطويل في التجاء الناس ـ يوم القيامة ـ إلى الأنبياء وتوسّلهم بالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعصمة الأنبياء وترتيب الشفاعات، والمقام المحمود، كلّ ذلك في فصول.

وختم الكتاب بجمع النصوص المحتوية على الألفاظ المأثورة بالصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأورد (65) نصّاً.

والحقّ أنّ الإمام السبكيّ لم يعرض لبحث فيخرج منه إلاّ أشبعه بالدقّة والتحقيق، وكما قال الحافظ ابن حجر: «لا تقع له مسألة مشكلة أو مستغربة إلاّ


(51)

ويجمع شتاتها» بأفضل ما يتوقّع! ويُغني القارئ له عمّا سواه.

9 ـ عملنا في الكتاب:

(1) التحقيق:

قمنا بجمع نسخ المطبوعة(1)، وهي:

1 ـ طبعة مصر الاُولى عام (1318هـ ) بالمطبعة الكبرى الأميرية، ببولاق مصر المحميّة، بالقسم الأدبي.

طبعت بمعرفة الشيخ فرج الله التركي الكردستاني وشركائه. في مجلد يحتوي على:

1 ـ كتاب شفاء السقام في زيارة خير الأنام (كتابنا هذا).

ـ ويليه كتاب: نفحات القرب والاتصال، بإثبات التصرّف لأولياء الله تعالى، والكرامات بعد الانتقال. لشيخ الإسلام شهاب الدين أحمد الحسيني الحمويّ.

ـ ويليه أيضاً: رسالة في إثبات كرامات الأولياء للعلامة السجاعي.

ـ ومعها جواب سؤال عن كرامات الأولياء، للعلامة الشوبري.

ـ وفي مقدمة الكتاب تأليف (تطهير الفؤاد عن دَنَس الاعتقاد) للعلامة محمد بخيت المطيعي.

2 ـ وطبعة الهند عام 1403هـ  الطبعة الثالثة، تحت إدارة السيّد شرف الدين أحمد مدير دائرة المعارف العثمانية وسكرتيرها قاضي المحكمة العليا سابقاً.

بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدرآباد الدكن ـ الهند.

(2) فقمنا بمقارنة النسختين، وانتخاب الصحيح في المتن، والإشارة إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لقد اطّلعنا على وجود نسخ مخطوطة للكتاب، لكنّا لم نتمكّن من الوقوف عليها، منها نسخة يكي جامع 14 (264) بخط المصنّف، وطوبقبو سراى 2/232 ـ 2963 ـ 324 ألف ـ 164 و/775هـ، كلاهما في تركيا لاحظ الفهرس الشامل ص1032 رقم 654.


(52)

المخالفة في الهامش.

ثم التقويم والتقطيع والتنقيط، حسب أحدث الأساليب العلمية المتداولة.

(3) وقمنا بالتخريج الواسع للأحاديث والأقوال حسب المصادر والمراجع المذكورة في الأصل، والمتيسّرة الحصول لنا، ولو بواسطة الكتب الاُخرى.

(4) لقد راجعنا ما أورده ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) حرفياً من عبارة كتابنا هذا، ومتابعة ما أورده عليه باسم الردّ، وإرائة ما زيّفه من النقل، وما حرّفه من الكلم، بما يعدّ محاكمة عملية له، ومقارنة بين الكتابين.

وسيقف المطالع على تحريفات فظيعة قام بها ابن عبد الهادي يَرْبؤُ العالم الورع المتقي لله، بنفسه أنّ يقوم بها.

(5) أضفنا على جملة الصلاة والسلام على النبي الأعظم كلمة (وآله) اتّباعاً لسنّته في تعليم الصلاة عليه كما تدل عليه النصوص المنقولة في خاتمة الكتاب، وابتعاداً عن الصلاة البتراء المنهيّ عنها في بعض الأحاديث.

(6) وأخيراً وضعنا العناوين المناسبة لمواضيع الكتاب وبحوثه، بين المعقوفات، إضافة على ما كتبه المؤلّف للأبواب والفصول، لتمكين القرّاء من معرفة ما يحتويه الكتاب، وسهولة الوصول إلى ما فيه.

(7) نظمنا الفهارس الضرورية للتسهيل على القارىء.

ونحمد الله تبارك وتعالى على التوفيق لإنجاز هذا العمل، ونسأله الرضا عنّا بفضله وإحسانه، وأن يُتحفنا بالقبول بمنه وإفضاله، إنّه ذو الجلال والإكرام.


(53)

 

 

المقدّمة

 

الحمد لله الذي منّ علينا برسوله، وهدانا به إلى سواء سبيله، وأمرنا بتعظيمه وتكريمه وتبجيله، وفرض على كلّ مؤمن أن يكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وخليله، وجعل اتّباعه سبباً لمحبّة الله وتفضيله، ونصب طاعته عاصمة من كيد الشيطان وتضليله، ويغني عن جملة القول وتفصيله رفع ذكره، وما أثنى عليه في محكم الكتاب وتنزيله، صلّى الله عليه وسلّم صلاة دائمة بدوام طلوع النجم واُفوله.

أمّا بعد، فهذا كتاب سمّيته «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» ورتّبته على عشرة أبواب:

الأوّل: في الأحاديث الواردة في الزيارة.

الثاني: في الأحاديث الدالّة على ذلك وإن لم يكن فيها لفظ «الزيارة».

الثالث: فيما ورد في السفر إليها.

الرابع: في نصوص العلماء على استحبابها.

الخامس: في تقرير كونها قربة.

السادس: في كون السفر إليها قربة.

السابع: في دفع شُبَه الخصم وتتبّع كلماته.

الثامن: في التوسّل والاستغاثة.

التاسع: في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

العاشر: في الشفاعة ; لتعلّقها بقوله: «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

وضمّنت هذا الكتاب الردّ على من زعم: أنّ أحاديث الزيارة كلّها موضوعة؟!


(54)

وأنّ السفر إليها بدعة غير مشروعة؟!(1)

وهذه المقالة أظهر فساداً من أن يردّ العلماء عليها، ولكنّي جعلت هذا الكتاب مستقلاًّ في الزيارة وما يتعلّق بها، مشتملا من ذلك على جملة يعزّ جمعها على  طالبها.

وكنت سمّيت هذا الكتاب «شنّ الغارة على من أنكر سفر الزيارة» ثمّ اخترت التسمية المتقدّمة.

واستعنت بالله تعالى، وتوكّلت عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أوّل من ابتدع هذا القول، واجترأ على الحكم بالوضع على أحاديث الزيارة، هو أحمد بن عبدالحليم المعروف بابن تيمية الحرّاني، وسيأتي نقل كلامه ص109، ولاحظ: العقود الدريّة ص336، ومجموع فتاوى ابن تيمية 27/189 قال بحروفه: «وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله) فكلّها ضعيفة !، باتفاق أهل العلم بالحديث ! ! بل هي موضوعة ! ! !

لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئاً منها، ولم يحتج أحدٌ من الأئمة بشيء منها ! ! !» انتهى كلامه.

وكلّها دعاوى باطلة وكذب على أهل الحديث والأئمة وأهل السنن، كما سيتّضح لك في هذا الكتاب، وراجع الباب (7) منه خاصة.

وكذلك عمل جروه ابن عبدالهادي فقال: وجميع الأحاديث التي ذكرها... في هذا الباب ليس فيها حديث صحيح بل كلّها ضعيفة واهية، وقد بلغ الضعف ببعضها ! ! إلى أن حكم عليه الأئمة الحفاظ بالوضع ! كما أشار إليه شيخ الإسلام ! الصارم المنكي ص21.

وقد بدا تحريفه في كلمة (بعضها) مع أن شيخ إسلامه ابن تيمية أظهر الحكم فيها كلّها بقوله: «بل هي موضوعة!!».

وقد غفل ابن عبدالهادي عن هذه الحيلة، وعادَ، وصرّح كشيخه ـ بانّها كلها موضوعة في الصارم ص114 فظهر بذلك دَجَلُهُ وسوء صنيعه !

وكتب السيّد محمد الرضي


(55)

 

الباب الأوّل

 

في

الأحاديث الواردة في الزيارة نصّاً


(56)

 

الحديث الأول: «من زار قبري وجبت له شفاعتي»

رواه الدارقطنيّ والبيهقيّ وغيرهما:

أخبرنا الحافظ أبو محمّد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف بن الخضر بن موسى التونيّ الدمياطيّ رحمة الله تعالى، بجميع «سنن الدارقطنيّ» سماعاً، قال: أنا الحافظ أبو الحجّاج يوسف بن خليل بن عبدالله الدمشقيّ، أنا ناصر بن محمّد بن أبي الفتح أبو برح القطّان، أنا أبو الفتح إسماعيل بن الإخشيد السرّاج، أنا أبو طاهر محمّد بن أحمد بن محمّد بن عبد الرحيم، أنا أبو الحسن عليّ ابن عمر بن أحمد بن مهديّ الحافظ الدارقطنيّ(رحمه الله)، قال: حدّثنا القاضي المحاملي، ثنا عبيد بن محمّد الورّاق، ثنا موسى بن هلال العبديّ، عن عبيدالله بن عمر(1)، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال الدولابي في الكنى 2/64 في ترجمة عبدالله العمري: حدثنا علي بن معبد بن نوح حدثنا موسى بن هلال قال حدثنا عبدالله بن عمر أبو عبدالرحمن أخو عبيدالله عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): من زار قبري وجبت له شفاعتي، قال: وما بين قبري ومنبري ترعة من ترع الجنة ـ .

عن المولوي محمد حسن الزمان الحيدرآبادي.

(2) سنن الدارقطني (2 / 278) ح194 كتاب الحجّ وفيه: عُبيد الله بن محمد الورّاق، ولاحظ شعب الايمان للبيهقي (3/490) والدولابي في الكنى (2/64) والخطيب في تلخيص المتشابه (1/581) وغيرهم.

وأورده العقيلي في الضعفاء (4/170) في ترجمة موسى بن هلال، وانظر الكامل لابن عدي (6/2350).

وقال ابن حجر في تلخيص الحبير (7/417) حديثُ «من زار قبري فله الجنّة» رواه الدارقطني بلفظ «من زار قبري وجبت له شفاعتي» ورواه ابن خزيمة في صحيحه وقال: إن صحّ الخبر فإنّ في القلب من إسناده(!) ثم رجّح انّه عن رواية (عبدالله العمري المكبر الضعيف، لا المصغر الثقة، وصرّح بأن الثقة لا يروي هذا الخبر المنكر!

وقال العقيلي: لا يصح حديث موسى ولا يتابع عليه، ولا يصحّ في هذا الباب شيء!!

قال ابن حجر: وفي قوله«لا بتابع عليه» نظر، فقد رواه الطبراني... إلى آخر كلام ابن حجر في تلخيص الحبير، فراجع.


(57)

[روايته بتصغير «عبيد الله»]

هكذا في عدّة نسخ معتمدة من «سنن الدارقطنيّ»: «عبيدالله» مصغّراً، منها نسخة كتبها عنه أحمد بن محمّد بن الحارث الأصفهانيّ، وعليها طباق كثيرة على ابن عبدالرحيم فمن بعده إلى شيخنا.

وكذلك رواه الدارقطنيّ في غير السنن، واتفقت روايته على ذلك في السنن وفي غيره من طريق ابن عبدالرحيم، كما ذكرناه.

ومن طريق محمّد بن عبدالملك بن بشران، ومن طريق أبي النعمان تراب بن عبيد أيضاً:

فأمّا رواية ابن بشران: فأخبرنا بها عثمان بن محمّد في كتابه إليّ من مكّة شرّفها الله تعالى قال: أخبرنا الحافظ أبو الحسين يحيى بن عليّ القرشيّ بمصر، وأبواليمن بن عساكر بمكّة بقراءتي عليهما، قالا: أنا أبو البركات الحسن بن محمّد بن الحسن الشافعيّ العدل ـ وهو جدّ أبي اليمن، بدمشق ـ قال أبو الحسين: بقراءتي عليه، وقال أبو اليمن: قراءةً عليه ـ قال: أنا عمّي أبو الحسين هبة الله بن الحسن بن هبة الله الفقيه الاُصوليّ الحافظ، أنا أبو طاهر عبدالرحمان بن أحمد بن عبدالقادر ابن محمّد بن يوسف، أنا أبو بكر محمّد بن عبدالملك بن بشران، أنا أبو الحسن عليّ ابن عمر بن مهديّ الدارقطنيّ الحافظ، ثنا القاضي المحامليّ، ثنا عبيدالله بن محمّد الورّاق، ثنا موسى بن هلال العبديّ، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

هكذا أورده أبو اليمن بن أبي الحسن زيد بن الحسن في كتاب «إتحاف


(58)

الزائر وإطراف المقيم للسائر(1) في زيارة سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)» وهو عندي عليه خطّ مصنّفه، وقراءة أبي عمرو عثمان بن محمّد التوزريّ لجميعه عليه.

وكذلك أورده الحافظ أبو الحسين القرشيّ في كتاب «الدلائل المتينة(2) في فضائل المدينة» وقد قرأه عليه التوزريّ أيضاً، وسمعه أيضاً جماعة من شيوخنا على مصنّفه المذكور رحمه الله تعالى.

وأمّا رواية أبي النعمان تراب بن عبيد: فذكرها القاضي أبو الحسن عليّ بن الحسن الخلعيّ في فوائده، وهي عشرون جزءً، قرأت منها بثغر الإسكندريّة سنة أربع وسبعمائة على الشيخ الفاضل المقرىء أبي الحسن(3) ; يحيى بن أبي الفضل أحمد بن عبدالعزيز بن عبد الله بن عبد الباقي بن الصوّاف: الجزء الأوّل، والثاني، وبعضَ الثالث.

وحدّثني بهذا القدر كلمة كلمة، فإنّه كان قد عمّر وعمي وثقل سمعه، فصرت أقرأ عليه لفظة ويعيدها ; لأتحقّق سماعه، وناولني جميع الأجزاء الستّة الاُولى، والسادس عشر، والسابع عشر، والتاسع عشر، بسماعه لذلك من ابن عماد سنة عشرين وستمائة.

وقرأت منها بدمشق على المسند أبي عبدالله محمّد بن أبي العزّ بن مشرف بن بيان(4) الأنصاريّ القدرَ الذي يرويه منها باتصال السماع، وهو من أوّل الجزء الثامن إلى آخرها، وذلك ثلاثة عشر جزءً بسماعه من أبي صادق الحسن بن يحيى ابن صباح المخزوميّ المصريّ: أخبرنا ابن رفاعة.

والحديث المذكور في السابع من الفوائد المذكورة.

وأنا به شيخنا ابن الصوّاف المتقدّم ذكره، والشريف أبو الحسن عليّ بن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): المسافر.

(2) في (هـ ): المبيّنة.

(3) في (هـ ): الحسين.

(4) في (هـ ): بنان.


(59)

أحمد ابن عبدالمحسن القرافيّ(1) في كتابيهما إليّ من الثغر، قالا: أنا أبو عبدالله محمّد بن عماد ابن محمّد الحرّاني ـ قال ابن الصوّاف: بقراءة والدي عليه وأنا أسمع سنة عشرين، وقال القرافيّ: بقراءة والدي عليه وأنا أسمع عنه ثلاثين وستمائة ـ قال: أنبأنا أبو محمّد عبدالله بن رفاعة بن عدين(2) السعديّ الفرضيّ.

(ح) وكتب إليّ عثمان بن محمّد من مكّة شرّفها الله تعالى: أنّه قرأ على الحافظ أبي الحسين يحيى بن عليّ القرشيّ في تصنيفه المسمّى «الدلائل المتينة(3) في فضائل المدينة» قال: أنا القاضي أبو محمّد عبدالله بن محمّد بن عبدالله بن محمّد الشافعي بقراءتي عليه بمصر، وأبو عبدالله محمّد بن أبي المعالي الحرّاني بالإسكندرية قالا: أنا أبو محمّد عبدالله بن أبي الخير الشافعيّ الفرضيّ، أنا القاضي أبو الحسن عليّ بن الحسن بن الحسين بن محمّد الشافعيّ المعروف بـ «الخلعيّ» أنا أبو النعمان تراب بن عمر بن عبيد، ثنا أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني، ثنا أبو عبدالله الحسين بن إسماعيل، قال: ثنا عبيد بن محمّد الورّاق، ثنا موسى بن هلال العبديّ، عن عبيدالله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

وممّن رواها من طريق الخلعيّ الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تأريخه(4)في باب «أنّ من زار قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته كان كمن زار حضرته في حال حياته»:

أخبرنا بذلك عبد المؤمن بن خلف وعليّ بن محمّد وغيرهما مشافهة، عن القاضي أبي نصر محمّد بن هبة الله الشيرازيّ قال: أنا الحافظ أبو القاسم ابن عساكر قال: أنا خالي أبو المعالي محمّد بن يحيى القرشيّ القاضي بدمشق، أنا أبو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): الغرافيّ، ويأتي في ص26: العراقيّ.

(2) في (هـ ): غدين.

(3) في (هـ ): المبيّنة.

(4) تاريخ دمشق لابن عساكر

لاحظ مختصر ابن منظور (2 / 406).


(60)

الحسن الخلعيّ، أنا تراب بن عمر بن عبيد، ثنا أبو الحسن الدارقطنيّ، ثنا أبو عبدالله الحسين بن إسماعيل، ثنا عبيد بن محمّد الورّاق، ثنا موسى بن هلال العبديّ، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

فقد اتفقت الروايات عن الدارقطنيّ عن المحامليّ على: (عُبيدالله) مصغّراً.

وكذلك رواه غير الدارقطنيّ عن غير المحامليّ عن عبيد بن محمّد:

أنا بذلك عبد المؤمن بن خلف وغيره إذناً، عن أبي نصر الشيرازيّ، أنا ابن عساكر، أنا أبو القاسم الشحاميّ، أنا أبو بكر البيهقيّ، أنا أبو عبدالله الحافظ، أنا أبو الفضل محمّد بن إبراهيم، ثنا محمّد بن زنجويه العشيريّ، ثنا عبيد بن محمّد بن القاسم بن أبي مريم الورّاق ـ وكان نيسابوريّ الأصل سكن بغداد ـ ثنا موسى بن هلال العبديّ، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول  الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

فقد ثبت عن عبيد بن محمّد روايته على التصغير، وعبيد بن محمّد ثقة، قاله الخطيب رحمه الله تعالى(1).

[متابعات و شواهد]

ورواه عن موسى بن هلال عن عبيد بن محمّد جماعة:

منهم: جعفر بن محمّد البزوريّ

قال العقيليّ في كتابه: ثنا محمّد بن عبدالله الحضرميّ، ثنا جعفر بن محمّد البزوريّ، ثنا موسى بن هلال البصريّ، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي».

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ بغداد (11 / 97) رقم 5789.


(61)

هكذا رأيته في نسخة عبيدالله (1).

ومنهم: محمّد بن إسماعيل بن سَمُرة الأحمسيّ واختلف عليه

فروي عنه مصغّراً: كما رواه غيره، أخبرنا بذلك عبد المؤمن وغيره إذناً، عن أبي نصر، أنا عليّ بن الحسن الحافظ، أنا إسماعيل بن محمّد بن الفضل الحافظ، أنا أحمد بن عليّ بن خلف، أنا أبو القاسم بن حبيب، حدّثنا أبو بكر أحمد بن نصر بن نصير(2) بن بكار البخاريّ، أنا أبو عبدالرحمان عبدالله بن عبيدالله، ثنا محمّد بن إسماعيل الأحمسيّ، عن موسى بن هلال، عن عبيدالله.

[من رواه بتكبير «عبدالله»]

وروي عنه مكبّراً: أنا بذلك أقسيان(3) بن محفوظ بن محمود بن هلال بقراءتي عليه سنة ستّ وسبعمائة، أنا أبو سعيد قايماز بن عبدالله المعظميّ، أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمّد السلفي، أنا أبو سعيد أحمد بن الحسن بن أحمد بن عليّ بن الخصيب الخانساريّ، أنا أبو بكر أحمد بن الفضل بن محمّد المقرىء إمام الجامع بأصبهان، ثنا أبو بكر محمّد بن الحسن بن يوسف بن يعقوب الإمام، ثنا عبيدالله بن محمّد بن عبدالكريم الرازيّ، ثنا محمّد بن إسماعيل بن سَمُرة الأحمسيّ، ثنا موسى بن هلال العبديّ، عن عبدالله بن عمر.

هكذا نقلته من خطّ الحافظ أبي محمّد عبدالعظيم المنذري رحمه الله، وهكذا قاله أبو أحمد بن عديّ في كتاب «الكامل»(4):

كما أنبأنا عبد المؤمن وآخرون، عن أبي الحسن بن المقير، عن أبي الكرم بن الشهرزوريّ، أنا إسماعيل بن مسعدة الإسماعيليّ.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الضعفاء الكبير للعقيلي (4/170) ترجمة موسى بن هلال، وفيه عبدالله.

(2) في (هـ): نصر.

(3) علق في (هـ): التصحيح ممّا سيأتي، وفي المطبوع السابق: ابن محيل، وهو خطأ.

(4) الكامل في الضعفاء لابن عدي (6 / 2350) ترجمة موسى بن هلال.


(62)

(ح) وأنا عبد المؤمن وغيره أيضاً، عن ابن مميل، أنا عليّ بن الحسن الدمشقيّ، أنا أبو القاسم الشحاميّ، أنا أبو بكر البيهقيّ، أنا أبو سعيد المالينيّ.

(ح) قال الدمشقيّ: أنا أبو القاسم ابن السمرقنديّ، أنا إسماعيل بن مسعدة، أنا حمزة بن يوسف قالا: أنا أبو أحمد بن عديّ الحافظ، حدّثنا محمّد بن موسى الحلوانيّ.

(ح) قال الدمشقيّ: وأخبرنا عليّ بن إبراهيم الخطيب، أنا رشأ بن لطيف(1)، أنا الحسن بن إسماعيل، ثنا أحمد بن مروان، ثنا محمّد بن عبدالعزيز الدينوريّ.

قالا: ثنا محمّد بن إسماعيل بن سَمُرة، ثنا موسى بن هلال، ثنا عبدالله بن عمر.

وكذلك كتب إليّ عثمان بن محمّد من مكّة شرّفها الله تعالى: أنّه قرأ على الحافظ يحيى بن عليّ: أنا الحافظ عليّ بن المفضّل قراءةً عليه غير مرّة، والقاضي أبو القاسم حمزة بن عليّ بن عثمان المخزوميّ قالا: أنا الحافظ أبو طاهر السلفيّ.

(ح) وأنبأنا جماعة عن جماعة عنه، أنا أبو إبراهيم الخليل بن عبد الجبّار، أنا سليم بن أيّوب، أنا أحمد بن عبدالله المعدّل بالري، أنا عبدالرحمان بن أبي حاتم الرازيّ، ثنا محمّد بن إسماعيل الأحمسيّ، ثنا موسى بن هلال، عن عبدالله بن عمر.

ومرّض الحافظ يحيى بن عليّ القرشيّ هذه الرواية، وذكر أنّ الصواب «عبيدالله» بالتصغير.

ورأيت في «تأريخ ابن عساكر»(2) بخطّ أبي عبدالله البرزاليّ: المحفوظ عن ابن سَمُرة «عبيدالله».

قال أبو أحمد بن عديّ في كتاب «الكامل» فيما أنبأنا جماعة بالإسناد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): لظيف.

(2) تاريخ ابن عساكر


(63)

المتقدم إليه: عبدالله أصحّ(1).

وفيما قاله نظر.

 

[رأي المؤلّف بترجيح رواية التصغير]

والذي نرجّح أن يكون «عبيدالله» لتظافر روايات عبيد بن محمد كلّها، وبعض روايات ابن سَمُرة، ولما سنذكره من متابعة مسلمة الجهنيّ لموسى بن هلال، كما سيأتي في الحديث الثالث.

ويحتمل أن يكون الحديث عن عبيدالله وعبدالله جميعاً، ويكون موسى سمعه منهما، وتارة حدّث به عن هذا، وتارة عن هذا.

وممّن رواه عن موسى عن عبدالله: الفضلُ بن سهل ; فيما أنا أبو محمد الدمياطيّ وغيره إذناً عن أبي نصر: أنا ابن عساكر أنا أبو سعيد(2) أحمد بن محمّد البغداديّ، أنا أبو نصر محمّد بن أحمد بن محمّد، أنا أبو سعيد الصيرفيّ، أنا أبو عبدالله محمّد بن عبدالله بن أحمد الصفّار، ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، ثنا الفضل بن سهل، ثنا موسى ابن هلال، ثنا عبدالله بن عمر.

وهكذا قاله أبو الحسين يحيى بن الحسن الحسينيّ في كتاب «أخبار المدينة» قال: ثنا رجل من طلبة العلم، ثنا الفضل بن سهل... فذكره.

قال حفيد صاحب الكتاب الحسن بن محمّد بن يحيى في موضع آخر منه: يعني أبا بكر.

وكذلك رواه ابن الجوزيّ في «مثير العزم(3) الساكن»(4) ونقلته من خطّه قال:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكامل لابن عدي (6 / 2350) ترجمة موسى بن هلال.

(2) في (هـ ): سعد.

(3) كذا في كتابنا، وسيتكرر ذكر هذا الكتاب بهذا الاسم، وهو المذكور في مؤلفات ابن الجوزي، وقد ذكره الحصين في (دفع شبه التشبيه ص   ) باسم «مثير الغرام الساكن» فلاحظ.

(4) مثير العزم الساكن، لابن الجوزي.


(64)

أنبأنا الحريريّ، أنا الخيّاط، أنا ابن دُرُست، ثنا ابن صفوان، ثنا أبو بكر القرشيّ ; وهو ابن أبي الدنيا... فذكره.

وهذه الطريق إن صحّت، تحمل على أن الحديث عنهما، كما قدّمناه، فإنّه لا تنافي في ذلك.

[الاعتماد على رواية «عبدالله»](1)

على أنّ عبدالله المكبّر روى له مسلم مقروناً بغيره، وقال أحمد(رحمه الله): صالح.

وقال أبو حاتم: رأيت أحمد بن حنبل يحسن الثناء عليه (2).

وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال: إنّه في نافع: صالح(3).

وقال ابن عديّ: لا بأس به صدوق (4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يلاحظ أن ابن عبد الهادي في ردّه على المؤلّف في سند هذا الحديث ضعّفه، نظراً إلى ما قاله الجارحون، ولم يُعر اهتماماً لما ذكره هؤلاء الأعلام: أحمد، وابن معين، وابن حبان وحتى ابن عدي! قال الاستاد العلاّمة محمود سعيد ممدوح في (رفع المنارة ص79. لاحظ ص314): بعد النظر في الصارم المنكي رأيت الهَوْل، فتراه يتعنّت أشدّ التعنّت في ردّ الأحاديث عند كلامه على الرجل، ويطوّل الكلام جدّاً، ناقلاً ما يراه يؤيّد رأيه ـ وهو الجرح! ـ ولا يذكر من التعديل إلاّ ما يوافقه!! كما فعل مع عبدالله بن عمر العمري، وقال ممدوح: فالعمري حسن الحديث كما قال غير واحد من الأئمة وهذا ابن عبد الهادي الذي أقام الدنيا ولم يقعدها! وحشد الأقوال في تضعيف (عبدالله) قد استدل بحديثه في تنقيح التحقيق (1 / 122)!

ثم انطلق العلاّمة المحمود في دفع ما وجّه إلى الراوي في رفع المنارة (380 ـ 318) فجزاه الله خيراً.

بينما الإمام السبكي: ذكر الجرح ـ رغم شهرته ـ وذكر وجهه، إلى جنب الاعتماد ووجهه مفصّلاً.

ومع هذا فإن ابن عبدالهادي يتّهم الإمام السبكي بالتغافل عن الجرح! واللهُ يتولّى الصالحين.   وكتب السيّد

(2) الجرح والتعديل للرازي

(3) الكامل (4 / 1459) نقله عن ابن معين.

(4) الكامل (4 / 1461) ترجمة عبد الله بن عمر بن حفص العمري.


(65)

وقال ابن حبّان: كان ممّن غلب عليه الصلاح حتّى غلب عن ضبط الأخبار وجودة الحفظ للآثار، تقع المناكير في روايته، فلمّا فحش خطؤه استحقّ الترك(1).

وهذا الكلام من ابن حبّان يعرّفك أنّه لم يتكلّم فيه لجرح في نفسه، وإنّما هو لكثرة غلطه.

وأمّا حكمه باستحقاقه الترك، فمخالف لإخراج مسلم رحمه الله تعالى له في المتابعات.

وليس هذا الحديث في مظنّة أن يحصل فيه التباس على عبدالله ; لا في سنده، ولا في متنه، فإنّه في نافع [صالحٌ] كما سبق، وخصّيص به، ومتن الحديث في غاية القصر والوضوح، فاحتمال خطئه فيه بعيد، والرواة جميعهم إلى موسى بن هلال ثقات لا ريبة فيهم، وموسى بن هلال قال ابن عديّ: أرجو أنّه لا بأس به (2).

وأمّا قول أبي حاتم الرازيّ فيه: إنّه مجهول، فلا يضرّه ; فإنّه إمّا أن يريد جهالة العين، أو جهالة الوصف.

فإن أراد جهالة العين ـ وهو غالب اصطلاح أهل هذا الشأن في هذا الإطلاق ـ فذلك مرتفع عنه ; لأنّه قد روى عن أحمد بن حنبل، ومحمّد بن جابر المحاربيّ، ومحمّد بن إسماعيل الأحمسيّ، وأبو اُميّة محمّد بن إبراهيم الطرسوسيّ، وعبيد بن محمّد الورّاق، والفضل بن سهل، وجعفر بن محمد البزوريّ، وبرواية اثنين تنتفي جهالة العين، فكيف برواية سبعة؟!

وإن أراد جهالة الوصف فرواية أحمد عنه ترفع من شأنه، لا سيّما مع ما قاله ابن عديّ فيه.

وممّن ذكره في مشايخ أحمد رحمه الله تعالى أبو الفرج ابن الجوزيّ، وأبو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المجروحين لابن حبان.

(2) الكامل (6 / 2350).


(66)

إسحاق الصريفينيّ، وأحمد(رحمه الله) لم يكن يروي إلاّ عن ثقة.

وقد صرّح الخصم بذلك في الكتاب الذي صنّفه في (الردّ على البكريّ) بعد عشر كراريس منه، قال: إنّ القائلين بالجرح والتعديل من علماء الحديث نوعان:

منهم من لم يرو إلاّ عن ثقة عنده، كمالك، وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبدالرحمان بن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وكذلك البخاريّ وأمثاله(1).

وقد كفانا الخصم بهذا الكلام مؤنة تبيين أنّ أحمد لا يروي إلاّ عن ثقة، وحينئذ لا يبقى له مطعن فيه.

وأمّا قول العقيليّ: إنّه لا يتابع عليه، وقول البيهقيّ: سواءاً قال: عبيدالله، أم عبدالله، فهو منكر عن نافع عن ابن عمر، لم يأتِ به غيره.

فهذا وما في معناه يدلّك على أنّه لا علّة لهذا الحديث عندهم إلاّ تفرّد موسى به، وأنّهم لم يحتملوه له ; لخفاء حاله، وإلاّ، فكم من ثقة يتفرّد بأشياء ويُقبل منه؟!

وأمّا بعد قول ابن عديّ فيه ما قال، ووجود متابع، فإنّه يتعيّن قبوله، وعدم ردّه.

ولذلك ـ والله أعلم ـ ذكره عبدالحقّ(رحمه الله)(2) في «الأحكام الوسطى» و«الصغرى» وسكت عنه.

وقد قال في خطبة «الأحكام الصغرى»: إنّه تخيّرها صحيحة الإسناد، معروفة عند النقّاد، قد نقلها الأثبات، وتداولها الثقات.

وقال في خطبة «الوسطى» وهي المشهورة اليوم بـ «الكبرى»: إنّ سكوته عن الحديث دليل على صحّته فيما يعلم، وإنّه لم يتعرّض لإخراج الحديث المعتلّ كلّه، وأخرج منه يسيراً ممّا عمل به أو بأكثره عند بعض الناس، واعتمد وفزع إليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الرد على البكري، لابن تيمية، لم نعثر عليه في ما طبع لابن تيمية من مجموع الفتاوي وغيره، لكن ذكر اسمه في عداد (مجموع مؤلفاته ص61 رقم2) وقال المؤلف: قطعة منه، ومصدره: برلين الغربية رقم (3968) وقال يعرف بالاستغاثة.

(2) هو عبد الحقّ الاشبيلي، لاحظ رفع المنارة (ص280).


(67)

الحفّاظ عند الحاجة إليه، وإنّه إنّما يعلّل من الحديث ما كان فيه أمر أو نهي، أو يتعلّق به حكم، وأمّّا ما سوى ذلك فربّما في بعضها سمح، وليس منها شيء عن متّفق على تركه.

وسبقه الحافظ أبو عليّ بن السكن إلى تصحيح الحديث الثالث، كما سنذكره، وهو متضمّن لمعنى هذا الحديث.

وقول ابن القطّان: إنّ قول ابن عديّ صدر عن تصفّح روايات موسى بن هلال، لا عن مباشرة أحواله.

لا يضرّ أيضاً ; لأنّ كثيراً من جرح المحدّثين وتوثيقهم على هذا النحو، بل هو أولى من ثبوت العدالة المجرّدة من غير نظر في حديثه، وقد وجدنا لرواية موسى بن هلال متابعة وشواهد من وجوه سنذكرها.

وبذلك تبيّن: أنّ أقلّ درجات هذا الحديث أن يكون حسناً إن نوزع في دعوى صحّته، فإنّ الحسن قسمان:

أحدهما: ما في إسناده مستور لم يتحقّق أهلّيته، وليس مغفّلا كثير الخطأ، ولا ظهر منه سبب مفسّق، ومتن الحديث مع ذلك روي مثله أو نحوه من وجه آخر.

وأقلّ درجات موسى بن هلال رحمه الله تعالى أن يكون بهذه الصفة، وحديثه بهذه المثابة.

والقسم الثاني للحسن: أن يكون راويه مشهوراً بالصدق والأمانة، لم يبلغ درجة رجال الصحيح ; لقصوره في الحفظ، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يُعدّ ما ينفرد به حديثه منكراً، وهذا الحديث قد يقتضي إطلاق اسم «الحسن» على بعض ما سنذكره من الأحاديث أيضاً.

وليس لقائل أن يقول: إن هذا يقتضي سلب اسم «الحسن» عن الحديث الذي نحن فيه.

فإنّ ما ذكرناه ليس اختلافاً في حدّ الحسن، بل هو تقسيم له، والحديث


(68)

الحسن صادق على كلّ من النوعين.

[ قوّة الحديث بتضافر الإسناد ]

ثمّ إنّ الأحاديث التي جمعناها في الزيارة، بضعة عشر حديثاً ممّا فيه لفظ «الزيارة» غير ما يستدلّ به لها من أحاديث اُخر، وتظافر الأحاديث يزيدها قوّة ; حتّى أنّ الحسن قد يترقّى بذلك إلى درجة الصحيح.

والضعيف قسمان:

قسم يكون ضعف راويه ناشئاً من كونه متّهماً بالكذب ونحوه، فاجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا الجنس لا يزيدها قوّة.

وقسم يكون ضعف راويه ناشئاً من ضعف الحفظ، مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر، عرفنا أنّه ممّا قد حقّقه، ولم يختلّ فيه ضبطه له، هكذا قاله ابن الصلاح(رحمه الله) وغيره(1).

فاجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا النوع يزيدها قوّة، وقد يترقّى بذلك إلى درجة الحسن أو الصحيح.

ولهذا لمّا تكلّم النوويّ(رحمه الله) في أنّ ميقات ذات عرق، هل هو منصوص عليه، أو مجتهد فيه؟ صحّح أنّه منصوص عليه، وذكر عن جمهور أصحابنا تصحيحه للأحاديث الواردة فيه، وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة، فمجموعها يقوّي بعضه بعضاً، ويصير الحديث حسناً، ويحتجّ به، هكذا ذكره في «شرح المهذّب» في كتاب  الحجّ (2).

فهذه مباحث في إسناد هذا الحديث:

أوّلها: تحقيق كونه من رواية «عُبيدالله» المصغّر، وترجيح ذلك على ما رواه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) علوم الحديث لابن الصلاح (ص34) في التنبيه الثاني من النوع الثاني وهو (الحسن).

(2) شرح المهذب للنووي (7 / 194 ـ 195).


(69)

عن «عَبدالله» المكبّر.

وثانيها: القول بأنّه عنهما جميعاً.

وثالثهما: على تقدير التنزّل وتسليم أنّه عن عبدالله المكبّر وحده، فإنّه داخل في قسم الحسن ; لما ذكرناه.

ورابعها: على تقدير أن يكون ضعيفاً من هذا الطريق وحده ـ وحاشا لله ـ فإنّ اجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا النوع يقويّها، ويوصلها إلى رتبة الحسن.

وبهذا بل بأقلّ منه، يتبيّن افتراء من ادعى أنّ جميع الأحاديث الواردة في الزيارة موضوعة.

فسبحان الله!! أما استحى من الله ومن رسوله في هذه المقالة التي لم يسبقه إليها عالم ولا جاهل ؟ لا من أهل الحديث، ولا من غيرهم ؟

ولا ذكر أحد موسى بن هلال ولا غيره من رواة حديثه هذا بالوضع، ولا اتهمه به فيما علمنا !

فكيف يستجيز مسلم أن يطلق على كلّ الأحاديث التي هو واحد منها: «أنّها موضوعة» ولم ينقل إليه ذلك عن عالم قبله، ولا ظهر على هذا الحديث شيء من الأسباب المقتضية للمحدّثين للحكم بالوضع.

ولا حكم متنه ممّا يخالف الشريعة.

فمن أيّ وجه يحكم بالوضع عليه لو كان ضعيفاً ؟! فكيف وهو حسن أو  صحيح؟!

ولنقتصر على هذا القدر ممّا يتعلّق بسند هذا الحديث الأوّل.

[ دلالة الحديث ]

وأمّا متنه فقوله: «وجبت» معناه حقّت وثبتت ولزمت، وأنّه لابدّ منها ; لوعده(صلى الله عليه وآله وسلم) تفضّلا منه.


(70)

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «له» إمّا أن يكون المراد له بخصوصه ; بمعنى أنّ الزائرين يخصّون بشفاعة لا تحصل لغيرهم عموماً، ولا خصوصاً.

وإمّا أن يكون المراد أنّهم يفردون بشفاعة ممّا تحصل لغيرهم، ويكون إفرادهم لذلك تشريفاً وتنويهاً بهم بسبب الزيارة.

وإمّا أن يكون المراد أنّه ببركة الزيارة، يجب دخوله في عموم من تناله الشفاعة، وفائدة ذلك البشرى بأنّه يموت مسلماً.

وعلى هذا التقدير الثالث يجب إجراء اللفظ على عمومه ; لأنّا لو أضمرنا فيه شرط الوفاة على الإسلام، لم يكن لذكر الزيارة معنى ; لأنّ الإسلام وحده كاف في نيل هذه الشفاعة.

وعلى التقديرين الأوّلين يصحّ هذا الإضمار.

فالحاصل: أنّ أثر الزيارة إمّا الوفاة على الإسلام مطلقاً لكلّ زائر، وكفى بها نعمة، وأمّا شفاعة خاصّة بالزائر أخصّ من الشفاعة العامّة للمسلمين.

وقوله: «شفاعتي» في الإضافة إليه تشريف لها ; فإنّ الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون، والزائر لقبره(صلى الله عليه وآله وسلم) له نسبة خاصّة منه، فيشفع فيه هو بنفسه، والشفاعة تعظم بعظم الشافع، فكما أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل من غيره، كذلك شفاعته أفضل من شفاعة غيره.

ويحتاج هنا إلى ذكر الشفاعة الاُخرويّة، ولكنّي أؤخّر الكلام فيها(1) ; لئلاّ يملّ الناظر قبل كمال مقصوده من الزيارة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عقد المؤلّف (الباب العاشر) من هذا الكتاب، لذكر (الشفاعة) مفصّلاً لورودها في هذا الحديث، فراجع.


(71)

الحديث الثاني: «من زار قبري حلّت له شفاعتي»

[ سند الحديث ]

رواه الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البزّار في مسنده(1)، قال: حدّثنا فتيبة، ثنا عبدالله بن إبراهيم، ثنا عبدالرحمان بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري حلّت له شفاعتي».

وهذا هو الحديث الأوّل بعينه، ولذلك عزاه عبدالحقّ(رحمه الله) إلى الدارقطنيّ والبزّار جميعاً، إلاّ أنّ في الحديث الأوّل: «وجبت» وفي هذا: «حلّت» فلذلك أفردته.

وقد نقلته من نسخة معتمدة سمعها الحافظ القاضي أبو عليّ الحسين بن محمّد الصدفيّ على الشيخ الفقيه صاحب الأحكام ; أبو محمّد عبدالله بن محمّد بن إسماعيل ابن فُورْتش في سنة ثمانين وأربعمائة بسرقسطة، وعليها خطّ أبي محمّد عبدالله بن فُورْتش بسماع الصدفيّ عليه، وأنّه حدّثه بها عن الشيخ أبي عمر أحمد بن محمّد المقرىء الطلمنكيّ إجازة: أنا أبو عبدالله محمّد بن أحمد بن يحيى بن معرّج(2)، ثنا أبو الحسين محمّد بن أيّوب بن حبيب بن يحيى الرقّي الصموت، ثنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البزّار.

وعلى هذه النسخة: أنّها قوبلت بأصل القاضي أبي عبدالله بن معرّج الذي فيه سماعه على الرقّي محمّد بن أيّوب، وأكثر أصل ابن معرّج بخطّ الرقّي.

وقد حدّث القاضي أبو عليّ الصدفيّ بهذه النسخة مرّات، وعليها الطباق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند البزّار (لاحظ كشف الأستار للهيثمي 2 / 57) وسنن الدارقطني (2/278).

قال السيوطي في الدرّ المنثور (1 / 237) ط اُولى:

وأخرج الحكيم الترمذي، والبزار، وابن خزيمة، وابن عدي والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

وانظر مجمع الزوائد (4/2).

(2) كذا في المطبوعتين هنا وما يلي، لكن أثبتها في (الصارم ص40): مفرج.


(72)

عليه، وممّن قرأها على الصدفيّ محمّد بن خلف بن سليمان بن فتحون في سنة ثلاث وخمسمائة.

وقد حدّث بهذه النسخة أيضاً الفقيه العالم المتقن أبو محمّد بن حوط الله، قرأها عليه محمّد بن محمّد بن سَماعة في سنة ستّ وستمائة بمرسية.

وفُوْرْتش بضمّ الفاء بعدها واو ساكنة، ثمّ راء ساكنة، ثمّ تاء مثنّاة من فوق، ثمّ شين معجمة.

وقتيبة شيخ البزّار هو ابن المرزبان، روى عنه أحاديث غير هذا.

وعبدالله بن إبراهيم هو الغفاريّ يقال: إنّه من ولد أبي ذر(رضي الله عنه) روى له أبو داود والترمذيّ، قال أبو داود: منكر الحديث.

وقال ابن عديّ: عامّة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات (1).

وقال البزّار عقب ذكره هذا الحديث: عبدالله بن إبراهيم حدّث بأحاديث لم يتابع عليها، وإنّما يكتب من حديثه ما لا يحفظ إلاّ عنه.

وعبدالرحمان بن زيد بن أسلم روى له الترمذيّ وابن ماجة، وضعّفه جماعة(2)، وقال ابن عديّ: إنّه له أحاديث حسان، وإنّه ممّن احتمله الناس وصدّقه بعضهم، وإنّه ممّن يكتب حديثه(3).

وصحّح الحاكم رحمه الله تعالى حديثاً من جهته سنذكره في التوسّل بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وإذ كان المقصود من هذا الحديث تقوية الأوّل به وشهادته له، لم يضرّ ما قيل في هذين الرجلين ; إذ ليس راجعاً إلى تهمة كذب، ولا فسق، ومثل هذا يحتمل في المتابعات والشواهد(4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكامل (4 / 1508) ترجمة عبدالله بن ابراهيم، وانظر المجروحين لابن حبان (2 / 36).

(2) الكامل (4 / 1585).

(3) الكامل (4 / 1585) ترجمة عبد الرحمن بن زيد.

(4) وبهذا تبرّأ الإمام السبكي من الحكم على هذا الحديث بالصحّة، فهو لا يريد ذلك، ولذا ذكر كلام من ضعفه برمّته.

فقول ابن عبد الهادي في ردّه: «ان المستدل بالحديث عليه أن يبيّن صحّته» (الصارم ص42) هراء وخروج عن قواعد البحث، فالسبكي لا يُريد أن يستدل بهذا ولا حكم بصحّته، بل جعله شاهداً ومتابعاً، والمتابعة لا يشترط فيها الصحّة، وهذا واضح للمبتدئ بعلم الحديث!!

وكتب السيّد


(73)

الحديث الثالث: «من جاءني زائراً لا يعمله حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».

[ سند الحديث ]

رواه الطبرانيّ في معجمه الكبير (1)، والدارقطنيّ في أماليّه(2)، وأبو بكر ابن المقرىء في معجمه، وصحّحه سعيد بن السكن (3).

وهو من رواية مسلمة الجهنيّ عن عبيدالله العمريّ، ففيه متابعة لموسى بن هلال في شيخه، وبيان لأنّه لم يتفرّد بالحديث، وكان ينبغي لأجل ذلك أن نذكره مع الأوّل، لكن لمّا تضمّن زيادة معنى أفردناه.

وقد ورد في بعض الروايات: «لا يعمله» وفي بعضها: «لا ينزعه».

واختلف على مسلمة في عبيدالله وعبدالله، كما اختلف على موسى بن هلال، فرواه عبدالله بن محمّد العُباديّ البصريّ عن مسلمة، عن عُبيدالله مصغّراً، عن نافع.

والعُباديّ بضمّ العين المهملة، وفتح الباء المخفّفة المنقوطة بواحدة، وفي آخره الدال، نسبة إلى عُباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر.

قال أبو سعد ابن السمعانيّ: والمشهور بالنسبة إليهم: عبدالله بن محمّد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الكبير للطبراني (12 / 291) رقم 13149.

وقال المعلّق ورواه في الأوسط (157) ولاحظ مجمع الهيثمي (4 / 2).

(2) أمالي الدارقطني.

(3) لاحظ رفع المنارة (ص301).


(74)

العُباديّ، يروي عن الحسن بن حبيب بن ندبة، حدّث عنه عبدان وغيره(1).

وقال الصوريّ: بتشديد الباء. قال ابن ماكولا: ما نعرفه إلاّ مخفّفاً.

أخبرنا أبو الفضل إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم ابن النحّاس الأسديّ بقراءتي عليه بجامع دمشق في عاشر صفر سنة ثمان وسبعمائة، قلت له: أخبرك الحافظ أبو الحجّاج يوسف بن خليل بن عبدالله الدمشقيّ قراءة عليه وأنت تسمع، أنا أبو عبدالله بن أبي زيد بن حُمَيْد(2) بن نصر الكرانيّ، أنا أبو منصور محمود بن إسماعيل بن محمّد الصيرفيّ، أنا أبو الحسين أحمد بن محمّد بن الحسين بن فاذشاه، أنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيّوب بن مطير اللخميّ الطبرانيّ، ثنا عبدان بن أحمد، ثنا عبدالله بن محمّد العُباديّ البصريّ، ثنا مسلمة بن سالم الجهنيّ، حدّثني عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» (3).

وأخبرنا به أيضاً عليّ بن أحمد العراقيّ(4) في كتابه: أنا ابن عماد، أنا ابن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنساب للسمعاني (العُبَادي) (ص380) طبعة مرجليوت.

(2) في (هـ ): حمد.

(3) تلخيص الحبير (7 / 417) عن الطبراني، وقال: وجزم الضياء في الأحكام وقبله البيهقي بأن عبدالله بن عمر المذكور هو المكبّر، ورواه الخطيب في الرواة عن مالك في ترجمة النعمان بن شبل، وقال: إنّه تفرّد به عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ «من حج ولم يزرني فقد جفاني».

وذكره ابن عدي وابن حبان في ترجمة النعمان.

ورواه البيهقي عن حديث أبي داود الطيالسي عن سوار بن ميمون، وفي الباب عن أنس: أخرجها ابن أبي الدنيا في كتاب «القبور» مرفوعاً «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة».

وقال ابن حجر : طرق هذا الحديث كلّها ضعيفة، لكن صحّحه من حديث ابن عمر أبو علي بن السكن في إيراده إيّاه في أثناء (السنن الصحاح) له وعبد الحق في (الأحكام) في سكوته عنه، والشيخ تقي الدين السبكي (وهو المؤلف) من المتأخرين باعتبار مجموع الطرق.

(4) في (هـ ): الغرافي. وانظر ص؟؟؟.


(75)

رفاعة، أنا الخلعيّ (ح).

وكتب إليّ عثمان بن محمّد: أنّه قرأ على الحافظ يحيى بن عليّ القرشيّ: أنا عبدالله بن محمّد وابن عماد قالا: أنا ابن رفاعة، أنا الخلعيّ، أنا أبو النعمان تراب بن عمر بن عبيد بن محمّد بن عبّاس العسقلانيّ، ثنا أبو الحسن عليّ بن عمر بن أحمد ابن مهديّ الدرقطنيّ البغداديّ إملاءً بمصر، ثنا يحيى بن محمّد بن صاعد، ثنا أبومحمّد عبدالله بن محمّد العُباديّ من بني عُباد بن ربيعة في بني مرّة بالبصرة سنة خمسينن ومائتين، حدّثنا مسلمة بن سالم الجهنيّ إمام مسجد بني حرام ومؤدّبهم، ثنا عبيد(1)الله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».

وأخبرنا أيضاً عبدالمؤمن وغيره إذناً عن أبي نصر، أنبأنا ابن عساكر، أنا خالي أبو المعالي محمّد بن يحيى بن عليّ، أنا عليّ بن الحسن بن الحسين الخلعيّ... فكذره بإسناده ومتنه.

وفي هذين الطريقين ـ أعني طريق عبدان، وطريق يحيى بن محمّد بن صاعد ـ: «نافع، عن سالم».

ورواه غيرهما فقال فيه: عن نافع وسالم، كذلك قرىء على أبي الفضل إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق بن سالم بن النحّاس الأسديّ الحنفيّ في معجم ابن المقرىء وأنا أسمع بدمشق، أنّ الحافظ أبا الحجّاج يوسف بن خليل الدمشقيّ أخبره قراءة عليه وهو يسمع بحلب، أنا أبو مسلم المؤيّد بن عبدالرحيم بن أحمد ابن الإخوة، وزوجته عين الشمس بنت أبي سعيد بن الحسن قالا: أنا أبو الفرح سعيد بن أبي الرجاء الصيرفيّ ـ قال المؤيّد: سماعاً، وقالت زوجته: إجازةً ـ قال: أنا الشيخان أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفيّ، وأبو الفتح

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): عبد.


(76)

منصور بن الحسين بن عليّ بن القاسم، قالا: أنا أبو بكر محمّد بن إبراهيم ابن عليّ ابن عاصم بن المقرىء.

(ح) وأخبرنا عبدالمؤمن بن خلف وغيره إذناً، عن أبي نصر، أنا عليّ بن الحسن بن هبة الله، أخبرناه أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء الأصبهاني، أنا منصور ابن الحسين وأبو طاهر بن محمود، قالا: أنا أبو بكر ابن المقرىء، ثنا محمّد بن أحمد ابن محمّد الشطويّ ببغداد، ثنا عبدالله بن يزيد الخثعمي، ثنا عبدالله بن محمّد، حدّثني مسلمة بن سالم الجهنيّ إمام مسجد بني حرام ومؤدّبهم بالبصرة قال: حدّثني عبيدالله بن عمر العمريّ، عن نافع وسالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من جاءني زائراً لا ينزعه إلاّ زيارتي، كان حقّاً على الله عزّوجلّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».

وفي رواية ابن عساكر «حقّ» بالرفع.

وهذه الطرق كلّها متفقة عن عبدالله بن محمد العُباديّ، عن مسلمة، عن «عُبيدالله» مصغّراً.

ورواه مسلم بن حاتم الأنصاريّ، عن مسلمة، عن «عبدالله»

أخبرنا بذلك ابن خلف وغيره إذناً، عن ابن هبة الله، أنا الدمشقيّ، أنا أبو عليّ الحدّاد في كتابه، ثمّ حدثني عبدالرحيم بن عليّ أبو مسعود عنه، أنا أبو نعيم الحافظ، حدّثنا أبو محمّد بن حيّان، ثنا محمّد بن أحمد بن سليمان الهرويّ، ثنا مسلم ابن حاتم الأنصاري، ثنا مسلمة بن سالم الجهنيّ، حدّثني عبدالله ـ يعني العمريّ ـ حدّثني نافع، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».

هذه طرق هذا الحديث.

وقد ذكره الإمام الحافظ أبو عليّ سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن


(77)

البغداديّ المصريّ البزّار [توفّي بمصر 353] في كتابه المسمّى بـ «السنن الصحاح المأثورة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)» وهو كتاب محذوف الأسانيد، قال في خطبته:

أمّا بعد، فإنّك سألتني أن أجمع لك ما صحّ عندي من السنن المأثورة التي نقلها الأئمّة من أهل البلدان، الذين لا يطعن عليهم طاعن فيما نقلوه، فتدبّرت ما سألتني عنه، فوجدت جماعة من الأئمّة قد تكلّفوا ما سألتني من ذلك، وقد وعيت جميع ما ذكروه، وحفظت عنهم أكثر ما نقلوه، واقتديت بهم، وأجبتك إلى ما سألتني من ذلك، وجعلته أبواباً في جميع ما يحتاج إليه من أحكام المسلمين.

فأوّل من نصب نفسه لطلب صحيح الآثار البخاريّ، وتابعه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وقد تصفّحتُ ما ذكروه، وتدبّرتُ ما نقلوه، فوجدتُهم مجتهدين فيما طلبوه، فما ذكرته في كتابي هذا مجملا فهو ممّا أجمعوا على صحّته، وما ذكرته بعد ذلك ممّا يختاره أحد من الأئمّة الذين سمّيتهم، فقد بيّنت حجّته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته ممّا يتفرد به أحد من أهل النقل للحديث فقد بيّنت علّته، ودلّلت على انفراده دون غيره، وبالله التوفيق.

قال في هذا الكتاب في آخر كتاب الحجّ: «باب ثواب من زار قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)» عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».

ولم يذكر ابن السكن في هذا الباب غير هذا، وذلك منه حكم بأنّه مجمع على صحّته ; بمقتضى الشرط الذي شرطه في الخطبة (1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لقد تغافل ابن عبد الهادي في ردّه، عن تصحيح ابن السكن للحديث وراح على عادة السلفية المتزمّتين، يلوك بذكر الجروح في الرواة، وغاية ما طرحه: أن هناك حديثاً واحداً، رواه شيخان: أحدهما فيه زيارة القبر من دون «تعمله» والآخر فيه «تعمله» بلا ذكر القبر، فمع ضعف الرواة لا يمكن الاعتماد عليه! لاحظ (الصارم 50).

أقول: مع اعترافه بوحدة الحديث، لا وجه لإغفاله تصحيح حافظ جليل مثل ابن السكن ولا الإعراض عن الطرق الكثيرة المذكورة هنا، وفي الحديث الأول المتحد معه في الرواة.

وأما الدلالة: فمقتضى الجمع بين الدلالتين، هو أن يكون مدلولهما الإعمال إلى زيارة القبر الشريف، وهو الذي فهمه العلماء المحقّقون، فأثبتوا هذه الأحاديث في أبواب زيارة القبر، والسفر إليها.

وأما التفرقة بينها بجعل بعضها لمطلق الزيارة بلا قبر، وبعضها، للقبر بلا إعمال، فهو عمل البُلداء ممّن لا يعرفون الحديث ولا فقهه!

ثم إن من خبط ابن عبد الهادي وتمويهه تعرّضه لأحاديث اُخرى عن ابن عمر في سكنى المدينة والموت بها.

فهل ثبوت هذه الأحاديث مهما صحّت وكثرت، فيها أدنى دلالة على نفي أحاديث الزيارة؟! حتى يطوّل فيها بلا طائل، مع أن لها دلالة عن طرف آخر، حيث أنّ فيها الترغيب في سكنى المدينة، ولا ريب أنه يستحبّ لساكنها زيارة القبر، فتكون بالتالي دالّة على الترغيب بالزيارة، ولو مع واسطة السكنى في المدينة، كما سيأتي ذيل الحديث الخامس في كتابنا هذا.

والتيميّة لا يُوافقون على ذلك، فليدقّق.


(78)

وابن السكن هذا إمام حافظ ثقة، كثير الحديث، واسع الرحلة، سمع بالعراق والشام ومصر وخراسان وما وراء النهر من خلائق، وهو بغداديّ سكن مصر، ومات بها في النصف من المحرّم سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.

 

[ دلالة الحديث ]

وتبويب ابن السكن يدلّ على أنّه فهم منه أنّ المراد بعد الموت، أو أنّ ما بعد الموت داخل في العموم، وهو صحيح (1).

 

الحديث الرابع: «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي»

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال العلاّمة ممدوح: عندما رتب ابن حزم كتب السُنّة، جعل (صحيح ابن السكن) ثالث الكتب، بعد الصحيحين، راجع: تذكرة الحفاظ للذهبي (3 / 1153).

رفع المنارة (ص301 هـ(1)) وقال في المتن: الحافظ بن السكن صحّح هذا الطريق بمفرده، فما بالك؟ وهذا الطريق متابع لموسى بن هلال البصري؟!

فهو مقبول، حسب القواعد.


(79)

رواه الدارقطنيّ في سننه وغيرها، ورواه غيره أيضاً:

أخبرنا عبدالمؤمن بن خلف الحافظ، أنا يوسف بن خليل الحافظ، أنا ناصر ابن محمّد أبو برح، أنا إسماعيل بن الفضل بن الإخشيد، أنا أبو طاهر بن عبدالرحيم، أنا عليّ بن عمر الحافظ الدارقطنيّ قال: حدّثنا عبدالله بن محمّد بن عبدالعزيز، ثنا أبو الربيع الزهرانيّ.

(ح) وقرأت على أبي محمّد إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم الآمديّ  ـ واللفظ له ـ: أخبرك يوسف بن خليل الحافظ، أنا محمّد بن أبي زيد الكرانيّ، أنا محمود الصيرفيّ، أنا ابن فاذشاه، أنبأنا الطبرانيّ، ثنا الحسين بن إسحاق التستريّ، ثنا أبو الربيع الزهرانيّ، ثنا حفص بن أبي داود، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي»(1).

وكتب إليّ عثمان بن محمّد، من مكّة: أنّه قرأ على الحافظ أبي الحسين بمصر قال: أنا أبو البركات الحسن بن محمّد بن الحسن الشافعيّ، أنا أبو طاهر عبدالرحمان بن أحمد بن عبدالقادر بن يوسف البغداديّ، أنا أبو بكر محمّد بن عبدالملك بن بشران، أنا أبو الحسن الدارقطنيّ، حدّثنا عبدالله بن محمّد بن عبدالعزيز، ثنا أبو الربيع، ثنا حفص بن أبي داود، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي».

وأخبرناه عبدالمؤمن وغيره إذناً عن الشيرازيّ، أنا الحافظ الدمشقيّ، أنا أبو عبدالله الخلاّل، أنا إبراهيم بن منصور، أنا أبو بكر ابن المقرىء، أنا أبو يعلى الموصليّ، ثنا أبو الربيع، ثنا حفص بن أبي داود، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن الدارقطني (3 / 378) ح193، كتاب الحج، وانظر المعجم الكبير للطبراني (12 / 406) ح13497.


(80)

عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ فزارني بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي» (1).

وكذلك رواه أبو أحمد بن عديّ في «الكامل»: أخبرنا أبو محمّد التونيّ ـ هو الحافظ الدمياطيّ ـ وآخرون إذناً، عن أبي الحسن النجّار، عن أبي الكرم المبارك ابن الحسن الشهرزوريّ، أنا إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي، أنا حمزة بن يوسف السهميّ، أنا أبو أحمد عبدالله بن عديّ الجرجاني، أنا الحسن بن سفيان، ثنا عليّ ابن حجر.

وثنا عبدالله بن محمّد البغويّ، ثنا أبو الربيع الزهرانيّ.

قال عليّ: ثنا حفص بن سليمان، وقال أبو الربيع: ثنا حفص بن أبي داود.

وقالا: عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وصحبني». واللفظ لابن سفيان(2).

وذكر أبو بكر البيهقيّ في السنن رواية ابن عديّ هذه من الطريقين، عن أبي سعد المالينيّ، عن ابن عديّ.

وذكر ابن عديّ ذلك في ترجمة حفص بن سليمان الأسديّ الغاضريّ القارىء، وذلك حكم منه بأنّه حفص بن أبي داود المذكور في الإسناد، وقال ـ أعني ابن عديّ ـ: إنّ أبا الربيع الزهرانيّ يسمّيه حفص بن أبي داود ; لضعفه، وهو حفص بن سليمان.

وقال البيهقيّ: تفرّد به حفص، وهو ضعيف(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أبي يعلى الموصلي.

انظر المطالب العالية (1 / 372).

(2) الكامل لابن عدي (3 / 789 ـ 790) ترجمة حفص بن سليمان، ورواه في الترغيب والترهيب (1 / 447) والفاكهي في أخبار مكة (1 / 437).

(3) السنن الكبرى للبيهقي (5 / 246) باب زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله) من كتاب الحجّ، وانظر شعب الإيمان له.


(81)

وكذلك الحافظ الحافظ ابن عساكر، ورواه مسمّىً: أخبرنا الدمياطيّ إذناً، أنبأنا ابن هبة الله الشيرازيّ، أنا ابن عساكر، أناه الخلاّل، أنا إبراهيم بن منصور السلميّ، أنا أبو بكر ابن المقرىء، أنا أبو سعيد المفضّل بن محمّد بن إبراهيم الجندي، ثنا مسلمة ـ وهو ابن شبيب ـ ثنا عبدالرزاق، ثنا أبو عمر حفص بن سليمان.

(ح) قال ابن عساكر: وأنا أبو القاسم ابن السمرقنديّ، أنا أبو القاسم إسماعيل ابن مسعدة، أنا حمزة بن يوسف السهميّ.

قالا: أنا أبو أحمد بن عديّ، أنا الحسن بن سفيان، ثنا عليّ بن حجر.

(ح) قال ابن عساكر: وأنا أبو القاسم الشحاميّ، أنا أبو بكر البيهقيّ، أنا عليّ ابن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد، حدّثني محمّد بن إسحاق الصفّار، ثنا ابن بكّار، ثنا حفص بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي».

زاد السهميّ: «وصحبني»(1).

ورواه البيهقيّ في السنن بدون هذه الزيادة، عن عبدالله بن يوسف، أنا محمّد ابن نافع الخزاعيّ، ثنا المفضّل الجنديّ ـ فذكره سنداً ومتناً، كما ذكره ابن عساكر من طريق ابن المقرىء(2).

وكتب إليّ عثمان بن محمّد التوزريّ من مكّة شرّفها الله تعالى: أنّه قرأ على أبي اليمن ابن عساكر بها قال: أنا الحسن بن محمّد، أنا عليّ بن الحسن، أنا أبو القاسم إسماعيل بن محمّد، نا أحمد بن عبدالغفّار بن أشته، أنا أبو سعيد النقاش، أنا أبو بكر محمّد بن عبدالله بن إبراهيم الجوزجانيّ، ثنا الحسن بن الطيّب البلخيّ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ دمشق لابن عساكر، لاحظ مختصره لابن منظور (2 / 406).

(2) السنن للبيهقي (5 / 246).


(82)

ثنا عليّ بن حجر، ثنا حفص بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي».

وقال ابن النجّار الحافظ البغداديّ في كتاب «الدرة الثمينة في أخبار المدينة»(1): أنبأنا عبدالرحمان بن عليّ، أنا أبو الفضل الحافظ، عن أبي عليّ الفقيه، أنبأنا أبو القاسم الأزهريّ، أنا القاسم بن الحسن، ثنا الحسن بن الطيّب، ثنا عليّ ابن حجر، ثنا حفص بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ فزار قبري بعد موتي، كان كمن زارني في حياتي وصحبني».

قال أبو اليمن ابن عساكر(رحمه الله) بالإسناد المتقدّم إليه: وقد روى هذا الحديث الحسن بن الطيّب عن عليّ بن حجر، فزاد فيه زيادة منكرة، قال فيه: «من حجّ فزاري قبري بعد موتي، كان كمن زارني في حياتي وصحبني» تفرّد بقوله «وصحبني» الحسن بن الطيّب، وفيه نظر.

قلت: وقد ذكرنا هذه الزيادة من طريق الحسن بن سفيان، فلا تفرّد فيها.

وعبدالرحمان الذي روى عنه ابن النجّار هو ابن الجوزيّ(رحمه الله) وقد رأيته بخطّه في كتابه «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» بالإسناد المذكور(2).

وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن حفص بن سليمان، عن كثير بن شنظير، عن ليث بن أبي سليم:

أخبرنا بذلك الحافظ أبو محمّد الدمياطيّ إجازة، أنبأنا أبو نصر مكاتبة، أنا ابن عساكر سماعاً، أنا الشحاميّ، أنا الجنزروديّ، أنا ابن حمدان، أنا أبو يعلى الموصليّ، ثنا يحيى بن أيّوب، ثنا حسّان بن إبراهيم، ثنا حفص بن سليمان، عن كثير بن شنظير، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدرة الثمينة لابن النجار (ص397) الباب (16) فضل زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

(2) مثير العزم الساكن لابن الجوزي، ولاحظ كنز العمّال (15 / 651) ح2582.


(83)

رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ فزارني بعد وفاتي عند قبري، فكأنما زارني في حياتي».

وأشار ابن عساكر إلى أن الصواب الأوّل (1).

أمّا كون حفص بن سليمان القارىء الغاضريّ، هو حفص بن أبي داود، فكذلك قال البخاريّ، وابن أبي حاتم، وابن عديّ، وابن حبّان، وغيرهم.

وأمّا كونه هو الراوي لهذا الحديث، فكذلك قاله ابن عديّ، وابن عساكر، وأشار إليه البيهقيّ، وهو السابق إلى الذهن.

لكن ابن حبّان في كتاب «الثقات» ذكر ما يقتضي التوقّف في ذلك، فإنّه قال: حفص بن سليمان البصريّ المنقريّ يروي عن الحسن، مات سنة ثلاثين ومائة، وليس هذا بحفص بن سليمان البزّاز أبي عمر القارىء، ذاك ضعيف، وهذا ثبت.

ثمّ قال في الطبقة التي بعد هذه: حفص بن أبي داود يروي عن الهيثم بن حبيب، عن عون بن أبي جحيفة، روى عنه أبو ربيع الزهرانيّ(2).

هذا كلام ابن حبّان، ومقتضاه أنّ حفص بن أبي داود المذكور في الطبقة الأخيرة ثقة، وأنّه غير القارىء الضعيف المذكور في الطبقة التي قبله على سبيل التمييز بينه وبين المنقريّ البصريّ، ولعلّ أبا الربيع الزهرانيّ روى عنهما جميعاً ; أعني حفص بن سليمان المنقريّ، وحفص بن أبي داود، وإن اختلفت طبقتهما.

وقد ذكر ابن حبّان حفص بن سليمان المقرىء في كتاب المجروحين، وذكر ضعفه وقال: إنّه ابن أبي داود (3).

ويبعد القول بأنّه اشتبه عليه وجعلهما اثنين: أحدهما ثقة، والآخر ضعيف، على أنّ هذا الاستبعاد مقابل بأنّ ابن عديّ ذكر في ترجمة حفص القارىء حديثاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ دمشق لابن عساكر.

(2) الثقات لابن حبّان (6 / 195)، ولاحظ التاريخ الكبير للنجاري (1 / 2 / 360).

(3) المجروحين لابن حبان (2 / 250) ولاحظ (1 / 255).


(84)

من رواية أبي الربيع الزهرانيّ، عن حفص بن أبي داود، عن الهيثم بن حبيب، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: مرّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) برجل يصلّي قد سدل ثوبه، فعطفه عليه (1).

ويبعد أيضاً أن يكونا اثنين، ويشتبه على ابن عديّ فيجعلهما واحداً.

والموضع موضع نظر، فإن صحّ مقتضى كلام ابن حبّان زال الضعف فيه، ولا ينافي هذا كونه جاء مسمّى في رواية هذا الحديث ; لجواز أن يكون قد وافق حفصاً القارىء في اسم أبيه وكنيته.

وإن كان هو القارىء كما حكم به ابن عديّ وغيره، وهو ابن امرأة عاصم، فقد أكثر الناس الكلام فيه، وبالغوا في تضعيفه، حتّى قيل عن عبدالرحمان بن يوسف بن خِراش: إنّه كذّاب متروك يضع الحديث.

وعندي أنّ هذا القول سرف، فإنّ هذا الرجل إمام قراءة، وكيف يعتقد أنّه يقدم على وضع الحديث والكذب، ويتّفق الناس على الأخذ بقراءته؟!(2)

وإنّما غايته أنّه ليس من أهل الحديث، فلذلك وقعت المنكرات والغلط الكثير في روايته.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكامل لابن عدي (2 / 789) ترجمة حفص بن سليمان.

(2) وهكذا تجدهم، لا يحفظون حُرْمَة القرآن، فيتَهمون أكبر قرّائه بمثل هذا، من دون أن يتنبهوا إلى ماذا يجرّ عملهم؟! فهذا (حفص) هو صاحب القراءة المتداولة بين المسلمين المعروفة بقراءة (حفص عن عاصم) ولكن كلا الرجلين مجروحان عند هؤلاء، لأنّهما من الشيعة، والحمد لله.

وقد حاول الذهبي في (سير أعلام النبلاء 5 / 260) في ترجمة عاصم، أن يعتذر عن هذا العمل الشنيع، بقوله: ما زال في كل وقت يكون العالم إماماً في كلّ فنّ مقصّراً في فنون، وكذلك كان (حفص بن سليمان) ثبتاً في القراءة، واهياً في الحديث، وكان الأعمش بخلافه كان ثبتاً في الحديث ليّناً في الحروف. انتهى.

أقول: وهذا العذر أقبح من الفعل، لأنّ الوَهْي في (حفص) لو كان بمثل (الكذب) والوضع في الحديث، فإنّه يسلب الثقة عن نقله، ومهما كان المنقول أهم وأعظم، لزم كون ناقله أوثق، فاعتماد الناس على حفص في القراءة دليل واضح على ثقته بأتمّ شكل، كما صرّح المؤلّف(رحمه الله).   وكتب السيّد


(85)

وقد قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سألته ـ يعني أباه ـ عن حفص بن سليمان المنقريّ، فقال: هو صالح.

وروى عثمان بن أحمد الدقّاق عن حنبل بن إسحاق، قال: قال أبو عبدالله: وما كان بحفص بن سليمان المنقريّ بأس.

وحسبك بهذين القولين من أحمد(رحمه الله) وهما مقدّمان على من روى عن أحمد خلاف ذلك فيه.

 

[ متابعات للحديث ]

ولو ثبت ضعفه ـ كما هو المشهور ـ فإنّه لم يتفرّد بهذا الحديث.

وقول البيهقيّ رحمه الله تعالى: إنّه تفرّد به، [فهو] بحسب ما اطلع عليه.

وقد جاء في معجمي الطبرانيّ الكبير والأوسط متابعته: أخبرنا به في «المعجم الكبير» أبو محمد إسحاق بن يحيى الآمديّ بقراءتي عليه بسفح قاسيون في يوم السبت رابع عشر صفر سنة ثمان وسبعمائة، قلت له: أخبرك الحافظ أبوالحجّاج قراءة عليه وأنت تسمع، أنا ابن أبي زيد الكراني، أنا محمود الصيرفيّ، أنا ابن فاذشاه، أنا الطبرانيّ(رحمه الله) ثنا أحمد بن رشدين، ثنا عليّ بن الحسن بن هارون الأنصاريّ، ثنا الليث ابن بنت الليث بن أبي سليم قال: حدّثتني جدّتي عائشة بنت يونس امرأة الليث، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» (1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الكبير للطبراني (12 / 406) رقم 13496، وقال المعلق: رواه في الأوسط (1/201) رقم (157)، ولاحظ مجمع الزوائد (4/2).

وروى الطبراني بعده: «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي».

المعجم الكبير (12 / 406 ـ 407) رقم 13497، وخرجه المعلق عن الأوسط (157) وابن عدي (       ) والدارقطني في سننه (2 / 278) والبيهقي في سننه (5 / 246) والسلفي في الثاني عشر من المشيخة البغدادية (54 / 2).


(86)

وأخبرناه أيضاً عبدالمؤمن وغيره إذناً، عن ابن مميل، أنا الحافظ عليّ بن الحسن، أنا أبو الفتح أحمد بن محمّد بن أحمد بن سعيد الحدّاد في كتابه، أنا عبدالرحمان بن محمّد بن حفص الهمذانيّ، ثنا سليمان بن أيّوب، وهو الطبرانيّ، فذكره.

وقد روى بعضهم هذا الحديث فقال فيه: «جعفر بن سليمان الضبعيّ» كذلك وقع في جزء أبي بكر محمّد بن السريّ، أخبرنا به عبدالمؤمن الحافظ إذناً، عن يوسف بن خليل الحافظ، أنا أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج بن عليّ الحصريّ، أنا أبو محمّد محمّد بن أحمد بن عبدالكريم التميميّ، أنا أبو نصر محمّد بن محمّد بن عليّ الزينبيّ.

(ح) وأنبأنا عبدالمؤمن أيضاً قال: أنبأنا أبو نصر، أنا ابن عساكر، أنا أبو الفرج عبدالخالق بن أحمد بن عبدالقادر بن محمّد بن يوسف، أنا الزينبيّ.

(ح) وأنبأنا عالياً أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن سالم السلميّ المرداسيّ ابن الموازنيّ(1) مكاتبة ومشافهة قال: أنبأنا أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن محفوظ بن صصري، أنا عبدالخالق بن يوسف وأبو المظفّر بن الترنكيّ(2)كلاهما عن الزينبيّ.

(ح) ووجدته بخطّ إسماعيل ابن الأنماطيّ: أنا محمّد بن علوان، أنا سعيد بن محمّد، ثنا أبو سعد بن السمعانيّ إملاء بهراة، أنا المظفّر بن أحمد ومحمّد بن القاسم قالا: أنا الزينبيّ، أنا أبو بكر محمّد بن عمر بن خلَف بن زنبور الكاغذيّ، أنا أبو بكر محمّد بن السريّ بن عثمان التمّار، ثنا نصر بن شعيب مولى العبديّين، ثنا أبي، ثنا جعفر بن سليمان الضبعيّ، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): الموازيني.

(2) في (هـ ) : التريكي .


(87)

عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ بعد وفاتي وزار قبري كان كمن زارني في حياتي».

قال ابن عساكر: كذا قال: «جعفر بن سليمان الضبعيّ» وهو وهم، وإنّما هو حفص بن سليمان أبو عمر الأسديّ الغاضريّ القارىء(1).

الحديث الخامس: «من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني»

رواه ابن عديّ في «الكامل» وغيرُه (2).

أخبرناه إذناً ومشافهة عبدالمؤمن وآخرون، عن أبي الحسن ابن المقير البغداديّ، عن أبي الكرم ابن الشهرزوريّ، أنا إسماعيل بن مسعدة الإسماعيليّ، أنا حمزة بن يوسف السهميّ، أنا أبو أحمد بن عديّ، ثنا عليّ بن إسحاق، ثنا محمّد بن محمّد بن النعمان، حدّثني جدّي قال: حدّثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني».

وذكر ابن عديّ أحاديث النعمان ثمّ قال: هذه الأحاديث عن نافع، عن ابن عمر، يحدّث بها النعمان بن شبل عن مالك، ولا أعلم رواه عن مالك غير النعمان بن شبل، ولم أرَ في أحاديثه حديثاً غريباً قد جاوز الحدّ فأذكره.

وروى في صدر ترجمته عن عمران بن موسى الزجاجيّ: أنّه ثقة، وعن موسى بن هارون: أنّه متّهم.

وهذه التهمة غير مفسّرة فالحكم بالتوثيق مقدّم عليها.

وذكر أبو الحسن الدارقطنيّ(رحمه الله) هذا الحديث في أحاديث مالك بن أنس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن عساكر.

(2) الكامل لابن عدي (7 / 2480) ترجمة النعمان بن شبل.


(88)

الغرائب التي ليست في «الموطّأ» وهو كتاب ضخم (1).

قال: ثنا أبو عبدالله الأيليّ وعبدالباقي قالا: ثنا محمّد بن محمّد بن النعمان بن شبل، ثنا جدّي، ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني».

قال الدارقطنيّ: تفرّد به هذا الشيخ، وهو منكر.

هذه عبارة الدارقطنيّ، والظاهر أنّ هذا الإنكار منه بحسب تفرّده وعدم احتماله بالنسبة إلى الإسناد المذكور، ولا يلزم من ذلك أن يكون المتن في نفسه منكراً، ولا موضوعاً.

وقد ذكره ابن الجوزيّ في «الموضوعات»(2) وهو سرف منه، ويكفي في الردّ عليه ما قاله ابن عديّ.

وقال ابن الجوزيّ: عن الدارقطنيّ أنّ الحمل فيه على محمّد بن محمّد بن النعمان، لا على جدّه.

وكلام الدارقطنيّ الذي ذكرناه محتمل لذلك، ولأن يكون المراد تفرّد النعمان، كما قاله ابن عديّ.

وأمّا قول ابن حبّان: إنّ النعمان يأتي عن الثقات بالطامّات(3)، فهو مثل كلام الدارقطنيّ، إلاّ أنّه بالغ في الإنكار، وقد روى ابن حبّان في كتاب «المجروحين» عن أحمد بن عبيد، عن محمّد بن محمّد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) غرائب مالك التي ليست في الموطأ، للدارقطني.

قال ابن حجر في تلخيص الحبير (7 / 417): رواه الخطيب في (الرواة عن مالك) في ترجمة ابن النعمان بن شبل، وقال: بأنّه تفرّد به عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ: «من حجّ ولم يزرني فقد جفاني».

ولاحظ تاريخ جرجان للسهمي (ص217).

(2) الموضوعات لابن الجوزي (2 / 217).

(3) المجروحين لابن حبان (3 / 73) ترجمة النعمان.


(89)

وقول ابن الجوزيّ في كتاب الضعفاء: «إنّ الدارقطنيّ طعن في محمّد بن محمّد ابن النعمان» (1)، فالذي حكيناه من كلام الدارقطنيّ(رحمه الله)هو الإنكار، لا التضعيف.

فتحصّل من هذا إبطال الحكم عليه بالوضع، لكنّه غريب، كما قال الدارقطنيّ، وهو لأجل كلام ابن عديّ صالح لأن يعتضد به غيره.

وهذا الحديث كان ينبغي تقديمه بعد الأوّل ; لكونه من طريق نافع، ولكنّا أخّرناه لأجل ما وقع فيه من الكلام.

وممّا يجب أن يتنبّه له: أنّ حكم المحدّثين بالإنكار والاستغراب، قد يكون بحسب تلك الطريق، فلا يلزم من ذلك ردّ متن الحديث، بخلاف إطلاق الفقيه «أنّ الحديث موضوع» فإنّه حكم على المتن من حيث الجملة، فلا جرم قبلنا كلام الدارقطنيّ، ورددنا كلام ابن الجوزيّ، والله أعلم.

وحديث آخر: من رواية ابن عمر رضي الله عنهما:

ذكره الدارقطنيّ في «العلل» في مسند ابن عمر في حديث: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل»(2).

قال: ثنا جعفر بن محمّد الواسطيّ، ثنا موسى بن هارون، ثنا محمّد بن الحسن الختليّ، ثنا عبدالرحمان بن المبارك، ثنا عون بن موسى، عن أيّوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زارني إلى المدينة كنت له شفيعاً وشهيداً».

قيل للختليّ: إنما هو سفيان بن موسى!

قال: اجعلوه عن ابن موسى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الضعفاء لابن الجوزي (3 / 97) رقم 3183.

(2) العلل للدارقطني(      ) ومسند أحمد (2 / 74).


(90)

قال موسى بن هارون: ورواه إبراهيم بن الحجّاج، عن وهب، عن أيّوب، عن نافع مرسلا عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا أدري أسمعه من إبراهيم بن الحجّاج أو لا؟

وإنّما لم اُفرد هذا الحديث بترجمة ; لأنّ نسخة «العلل» للدارقطنيّ التي نقلت منها سقيمة(1).

   الحديث السادس: «من زار قبري» أو «من زارني» «كنت شفيعاً له» أو «شهيداً»

رواه أبو داود الطيالسيّ في مسنده(2).

وقد سمعت المسند المذكور كلّه متفرّقاً على أصحاب ابن الخليل:

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن أبي القاسم بن بدران بن أبان الدشتيّ بقراءتي عليه بالشام سنة سبع وسبعمائة قال: أنا الحافظ أبو الحجّاج يوسف بن خليل بن عبدالله الدمشقيّ بحلب سنة ثلاث وأربعين وستمائة قال: أنا القاضي أبو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر إلى مدى احتياط الإمام السبكي في نقله للحديث، وتمييزه بين الصائب والسقيم، وعدم وضعهما في محلٍّ واحد للاستدلال؟ وهذا غاية الورع والضبط والدقّة.

وكل هذا لم يَرُقْ في عين ابن عبد الهادي فاعترض عليه بقوله: يعتلّ بأنّ النسخة التي نقل منها سقيمة؟! (الصارم 95).

ولم يعرف المنكوب! أنّ الإنسان لم يكلّف إلاّ ما في وسعه، والواجب عليه التنبيه على خطأ النسخة ليخرج من عهدته.

ولمّا كان الإمام السُبكي يؤكّد على قراءات النسخ ويوصل طرقه إلى النسخ الصحيحة المسموعة التي عليها بلاغات القراءة والسماع والطباق، نرى ابن عبد الهادي يضجّ ـ أيضاً ـ من ذلك، ويعتبره تطويلاً لا حاجة إليه!!

فلا يرضى جناب ابن عبد الهادي الحنبلي، بالتصريح بالتصحيح، ولا بالتنبيه على السقم؟!

فبالله عليك ـ أيها القارئ الكريم ـ أيّ الطريقتين أهدى، وأقرب رشداً؟ طريقة الإمام السبكيّ، أو طريقة الحنبلي؟   وكتب السيّد

(2) مسند أبي داود الطيالسي (1 / 12) وفيه: نوار بن ميمون.

وانظر منحة المعبود (1 / 228).


(91)

المكارم أحمد بن محمّد بن محمد بن عبدالله بن محمّد بن عبدالرحمان بن محمّد بن قيس اللبان قراءة عليه وأنا أسمع غير مرّة بأصبهان في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، قيل له: أخبركم أبو عليّ الحسن بن أحمد بن الحسن الحدّاد المقرىء قراءة عليه وأنت تسمع في محرّم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة فأقرّ به، قال: أنا الإمام أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق الحافظ قراءة عليه وأنا أسمع، أنا أبو محمّد عبدالله بن جعفر بن أحمد بن فارس، ثنا أبو بشر يونس بن حبيب، ثنا أبوداود الطيالسيّ، ثنا سوار بن ميمون أبو الجرّاح العبديّ قال: حدّثني رجل من آل عمر، عن عمر(رضي الله عنه)قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من زار قبري» ـ أو قال: «من زارني» ـ «كنت له شفيعاً» ـ أو «شهيداً ـ ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله عزّوجلّ في الآمنين يوم القيامة».

وذكر البيهقيّ هذا الحديث في «السنن الكبير»(1) من جهة الطيالسيّ(رحمه الله).

وذكره الحافظ ابن عساكر من جهته (2):

أنبأناه عبدالمؤمن وغيره، عن ابن الشيرازيّ، أنا ابن عساكر، أناه أبو عليّ الحدّاد إجازة، ثمّ أنا ابن السمرقنديّ، أنا يوسف بن الحسن التفكريّ قالا: أنا أبو نعيم ثنا ابن فارس.

(ح) وبه إلى ابن عساكر قال: وأخبرنا الشحاميّ، أنا أبو بكر البيهقيّ، أنا ابن فورك، أنا ابن فارس، فذكره.

وسوار بن ميمون روى عنه شعبة ; لما سنذكره في الحديث السابع، ورواية شبعة عنه دليل على ثقته عنده، فلم يبق في الإسناد من ينظر فيه إلاّ الرجل الذي من آل عمر، والأمر فيه قريب، لا سيّما في هذه الطبقة التي هي طبقة التابعين (3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السنن الكبرى للبيهقي (5 / 245) باب زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

ولاحظ شعب الإيمان (3/488).

(2) تاريخ ابن عساكر.

(3) هذا هو المعروف بحديث (حاطب) الذي قال عنه الذهبي انّه أجود أحاديث الزيارة إسناداً، وأقرّه السخاوي في المقاصد الحسنة (ص413) والسيوطي في الدرر المنتثرة (ص173) قال ممدوح: فهؤلاء ثلاثة من الحفّاظ اتّفقوا على مقولة تدحض المخالف. لاحظ رفع المنارة (ص333).


(92)

وأمّا قول البيهقيّ: هذا إسناد مجهول.

فإن كان سببه جهالة الرجل الذي من آل عمر فصحيح، وقد بيّنا قرب الأمر  فيه.

وإن كان سببه عدم علمه بحال سوار بن ميمون، فقد ذكرنا رواية شعبة عنه، وهي كافية.

وقد روى البيهقيّ أيضاً رواية شعبة عنه في غير السنن، كما سنذكره في الحديث السابع.

وذكر البيهقيّ في موضع آخر: أنّه اختلف فقيل: سوار بن ميمون، وقيل: ميمون بن سوار، من رواية وكيع عنه.

الحديث السابع: «من زارني متعمّداً كان في جواري يوم القيامة»

رواه أبو جعفر العقيليّ(1) وغيره من رواية سوار بن ميمون المتقدّم على وجه آخر غير ما سبق:

أخبرنا الحافظ أبو محمّد إذناً، أنا ابن الشيرازيّ في كتابه، أنا ابن عساكر سماعاً، أنا الشحاميّ، أنا البيهقي، أنا أبو عبدالله الحافظ، أخبرني عليّ بن عمر الحافظ، ثنا أحمد بن محمّد الحافظ، حدّثني داود بن يحيى.

(ح) قال ابن عساكر: وأنا أبو البركات ابن الأنماطيّ، أنا أبو بكر الشاميّ، أنا أبو الحسن، أنا أبو الحسن العتيقيّ، أنا ابن الدخيل، ثنا أبو جعفر محمّد بن عمرو العقيليّ، ثنا محمّد بن موسى، قالا: ثنا أحمد بن الحسن الترمذيّ، ثنا عبدالملك بن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الضعفاء الكبير للعقيلي (4 / 361) رقم 1973.

ولاحظ شعب الإيمان للبيهقي (3 / 489) وانظر رفع المنارة (ص335).


(93)

إبراهيم الجديّ، ثنا شعبة، عن سوار بن ميمون، عن.. (1).

وفي حديث الشحاميّ: ثنا هارون بن قزعة، عن رجل من آل الخطّاب، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من زارني متعمّداً كان في جواري يوم القيامة». زاد الشحاميّ: «ومن سكن المدينة وصبر على بلائها، كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة». وقالا: «ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين». وقال الشحاميّ: «من الآمنين يوم القيامة».

وهارون بن قزعة: ذكره ابن حبّان في «الثقات»(2) والعقيليّ لمّا ذكره في كتابه(3) لم يذكر فيه أكثر من قول البخاريّ: إنّه لا يتابع عليه، فلم يبق فيه إلاّ الرجل المبهم، وإرساله.

وقوله فيه: «من آل الخطّاب»، كذا وقع في هذه الرواية، وهو يوافق قوله في رواية الطيالسيّ: من آل عمر، وقد أسنده الطيالسيّ عن عمر، كما سبق.

لكنّي أخشى أن يكون «الخطّاب» تصحيفاً من «حاطب» فإنّ البخاريّ لمّا ذكره في التأريخ قال: هارون أبو قزعة، عن رجل من ولد حاطب، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات في أحد الحرمين...» روى عنه ميمون بن سوار، لا يتابع عليه.

وقال ابن حبّان: إنّ هارون بن قزعة يروي عن رجل من ولد حاطب المراسيل.

وعلى كلا التقديرين فهو مرسل جيّد.

وأمّا قول الأزديّ: إنّ هارون متروك الحديث ; لا يحتجّ به.

فلعلّ مستنده فيه ما ذكره البخاريّ والعقيليّ، وبالغ في إطلاق هذه العبارة ; لأنّها إنّما تطلق حيث يظهر من حال الرجل ما يستحقّ به الترك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في هامش الهندية: كذا في الأصل.

(2) الثقات لابن حبان (7 / 580) ترجمة هارون.

(3) الضعفاء للعقيلي (4 / 361) رقم 1973.


(94)

وقد عرفت أنّ ابن حبّان ذكره في الثقات، وابن حبّان أعلم من الأزديّ وأثبت.

وقد روي عن هارون بن قزعة أيضاً مسنداً بلفظ آخر، وهو:

الحديث الثامن: «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي»(1)

رواه الدارقطنيّ وغيره.

أخبرناه الحافظ أبو محمّد الدمياطيّ سماعاً عليه في كتاب «السنن» للدارقطنيّ قال: أنا الحافظ أبو الحجّاج يوسف بن خليل، أنا أبو برح، أنا ابن(2)الإخشيد، أنا ابن عبدالرحيم، أنا الدارقطنيّ، ثنا أبو عبيد والقاضي أبو عبدالله وابن مخلّد قالوا: ثنا محمّد بن الوليد البسريّ، ثنا وكيع، ثنا خالد بن أبي خالد وأبو عون، عن الشعبيّ والأسود بن ميمون (3)، عن هارون بن قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة».

هكذا هو في «سنن الدارقطنيّ»(4).

وأنبأنا به أيضاً عبدالمؤمن، أنبأنا ابن الشيرازيّ، أنا ابن عساكر، أنا فراتكين التركيّ، أنا الجوهريّ، أنا عليّ بن محمّد بن لؤلؤ، أنا زكريّا الساجيّ.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في تلخيص الحبير (7 / 415) رواه الدارقطني، وفي طريق آخر بلفظ «وفاتي» بدل «موتي» ورواه أبو يعلى في مسنده، وابن عدي في كامله.

ورواه الطبراني في الأوسط، ورواه العقيلي عن حديث ابن عباس.

وقال الممدوح: وأخرجه البيهقي والمحاملي والساجي كما في الميزان، وعلقه ابن عبد البرّ في الاستذكار، ورواه البخاري في تاريخه بلفظ: «من مات...» لاحظ رفع المنارة (ص330).

(2) الكلمة (ابن) لا توجد في الطبعة المصرية والصحيح إثباتها لاحظ ص    وغيرها .

(3) علّق في المصرية: كذا وقع في الأصل هنا، وفيما يأتي، وانظر هل هو المتقدّم أو غيره.

(4) سنن الدارقطني (2 / 193) وفي طبعة (2 / 278) كتاب الحج، وفيه: هارون أبي قزعة، وانظر شعب الإيمان للبيهقي (3 / 488).


(95)

(ح) قال ابن عساكر: وأنا أحمد بن محمّد البغداديّ، أنا ابن شكرويه ومحمّد ابن أحمد الشمار(1) قالا: أنبأنا إبراهيم بن عبدالله، أنا المحامليّ قالا: ثنا محمّد بن الوليد البسريّ، ثنا وكيع، ثنا خالد بن أبي خالد وابن عون، عن الشعبيّ والأسود ابن ميمون، عن هارون بن قزعة، به.

وأنبأناه عبدالمؤمن أيضاً، أنبأنا أبو نصر، أنا ابن عساكر، أنا عليّ بن إبراهيم الحسينيّ، أنا رشأ بن نظيف المقرىء، أنا الحسن بن إسماعيل الفرات، ثنا أحمد بن مرواه المالكيّ، ثنا زكريّا بن عبدالرحمان البصريّ، ثنا محمّد بن الوليد، ثنا وكيع بن الجرّاح، عن خالد وابن عون، عن هارون بن قزعة مولى حاطب، عن حاطب(رضي الله عنه)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين»(2).

كذا وقع في رواية أحمد بن مروان المالكيّ، وهو صاحب المجالسة، عن هارون، عن حاطب، والذين رووا عن رجل عن حاطب ـ كما تقدّم ـ أولى بأن يكون الصواب معهم.

الحديث التاسع: «من حجّ حجّة الإسلام، وزاري قبري، وغزا غزوة، وصلّى عليّ في بيت المقدس، لم يسأله الله عزّوجلّ فيما افترض عليه»

رواه الحافظ أبو الفتح الأزديّ في الجزء الثاني من «فوائده»(3):

أخبرنا به أبو النجم شهاب بن عليّ المحسنيّ قراءة عليه وأنا أسمع، بالقرافة الصغرى في سنة سبع وسبعمائة، وأبو الفتح بن إبراهيم بقراءتي عليه سنة ثلاث وعشرين، قالا: أنا أبو محمّد عبدالوهّاب بن ظافر بن عليّ بن فتوح الأزديّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): السمسار.

(2) تاريخ ابن عساكر، لاحظ مختصر ابن منظور (2 / 406).

(3) لاحظ لسان الميزان (2 / 4) ترجمة أبي الفخر الأزدي، قال وهو الثامن من فوائده.


(96)

المعروف بـ «ابن رواج» قال الأوّل: سماعاً، وقال الثاني: إجازة، قال: أنا الحافظ أبوطاهر أحمد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن سِلَفة الأصبهانيّ قراءة عليه وأنا أسمع، أنا أبو طالب عبدالقادر بن محمد بن يوسف ببغداد، ثنا أبو إسحاق بن إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكيّ، أنا أبو الفتح محمّد بن الحسين بن أحمد الأزديّ الحافظ، ثنا النعمان بن هارون بن أبي الدلهاث، ثنا أبو سهل بدر بن عبدالله المصيصيّ، ثنا الحسن بن عثمان الرماديّ(1)، ثنا عمّار بن محمّد، حدّثني خالي سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بن عمر(2) رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ حجّة الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلّى عليّ في بيت المقدس، لم يسأله الله عزّوجلّ فيما افترض عليه».

عمّار بن محمّد ابن اُخت سفيان الثوري: روى له مسلم.

والحسن بن عثمان الرماديّ: قال الخطيب (3): كان أحد العلماء الأفاضل، من أهل المعرفة والثقة والأمانة، ولي قضاء الشرقيّة في خلافة المتوكّل، وروى عنه طلحة بن محمّد بن جعفر، وذكره غير الخطيب أيضاً، وكان صالحاً ديّناً فهماً، قد عمل الكتب، كانت له معرفة بأيّام الناس، وله تأريخ حسن، وكان كريماً واسعاً مفضالا.

وأبو سهل بدر بن عبدالله المصيصيّ: ما علمت من حاله شيئاً.

والنعمان بن هارون بن أبي الدلهاث: حدّث ببغداد عن جماعة كثيرين،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في تاريخ بغداد  (6 / 356) : الزياديّ.

(2) هكذا ورد في الكتاب: «ابن عمر» وقال ممدوح: والصواب: ابن مسعود، كما في لسان الميزان (2 / 4) والقول البديع للسخاوي (ص135) وتنزيه الشريعة (2 / 175) تبعاً لذيل اللالئ المصنوعة للسيوطي.

أقول: وعبارة الصارم «عن عبدالله» فلاحظ.

(3) تاريخ بغداد (7 / 356) ترجمة الزيادي.


(97)

وروى عنه محمّد بن المظفّر، وعليّ بن عمر السكريّ، قال الخطيب: وما علمت من حاله إلاّ خيراً.

وصاحب الجزء ابو الفتح محمّد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن عبدالله بن بريدة(1) بن النعمان الأزديّ الموصليّ: من أهل العلم والفضل، كان حافظاً، صنّف كتاباً في علوم الحديث، ذكره الخطيب في «التأريخ»(2) وابن السمعانيّ في «الأنساب» أثنى عليه محمّد بن جعفر بن علاّن، وذكره بالحفظ وحسن المعرفة بالحديث.

وقال أبو النجيب الأرمويّ: رأيت أهل الموصل يوهنونه جدّاً، ولا يعدّونه شيئاً، وسئل البرقانيّ عنه فأشار إلى أنّه كان ضعيفاً، وذكر غيره كلاماً أشدّ من هذا (3).

الحديث العاشر: «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني وأنا حيّ»

رواه أبو الفتوح سعيد بن محمّد بن إسماعيل اليعقوبيّ في «جزء له فيه فوائد» مشتملة على بعض شمائل سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وآثاره، وما ورد في فضل زيارته، ودرجة زوّاره.

وهذا الجزء رواية المحدّث إسماعيل بن عبدالله بن عبدالمحسن الأنصاريّ المالكيّ المشهور بـ «ابن الأنماطيّ» ونقلت من خطّه قال:

أنا أبو محمّد عبدالله بن علوان بن هبة الله بن ريحان الحوطيّ التكريتيّ الصوفيّ قراءة عليه وأنا أسمع، بالحرم الشريف على دكّة الصوفيّة بجانب باب بني شيبة تجاه الكعبة المعظّمة زادها الله شرفاً، قال: ثنا أبو الفتوح(4) سعيد بن محمّد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): يزيد.

(2) تاريخ بغداد (2 / 243) رقم 724 والأنساب للسمعاني (1 / 120) الأزدي.

(3) لاحظ كلام البرقاني في تاريخ بغداد (2 / 243) رقم 724 ترجمة الأزدي.

(4) في (هـ ): الفتح.


(98)

بن إسماعيل اليعقوبيّ في ربيع الأوّل سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة قال: ثنا الإمام ابن السمعاني، ثنا أبو سعيد أحمد بن محمّد بن أحمد بن الحسن الحافظ إملاء في الروضة بين قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنبره في الزورة الثانية، أنا أبو الحسين أحمد بن عبدالرحمان الذكوانيّ، أنا أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ، ثنا الحسن بن محمّد السوسيّ، ثنا أحمد بن سهل بن أيّوب، ثنا خالد بن يزيد، ثنا عبدالله بن عمر العمريّ قال: سمعت سعيد المقبريّ يقول: سمعت أبا هريرة(رضي الله عنه) يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني وأنا حيّ، ومن زارني كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة».

خالد بن يزيد: إن كان هو العمريّ، فقد قال ابن حبّان: إنّه منكر الحديث (1).

وأحمد بن سهل بن أيّوب: أهوازيّ، قال الصريفينيّ: مات بالأهواز يوم التروية سنة إحدى وتسعين ومائتين.

   الحديث الحادي عشر: «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً»

وفي رواية: «من زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة».

أنبأنا الدمياطيّ وابن هارون وغيرهما قالوا: أنبأنا محمّد بن هبة الله قال: أنا عليّ بن الحسن الحافظ سماعاً، أنا زاهر، أنا البيهقي، أنا أبو سعيد بن أبي عمرو.

(ح) قال الحافظ: وأنا أبو سعد ابن البغداديّ، أنا أبو نصر محمّد بن أحمد بن سيبويه(2) أنا أبو سعيد الصيرفيّ، أنا محمّد بن عبدالله الصفّار، ثنا ابن أبي الدنيا، حدّثني سعيد بن عثمان الجرجانيّ، ثنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المجروحين لابن حبان (1 / 284).

(2) في (هـ ): شبويه.


(99)

أبو المثنّى سليمان بن يزيد الكعبيّ(1)، وفي حديث زاهر: العتكيّ.

(ح) قال الحافظ: وأنا ابن السمرقنديّ، أنا ابن مسعدة، أنا حمزة، ثنا أبو بكر ابن محمّد بن أحمد بن إسماعيل بجرجان، ثنا أبو عوانة موسى بن يوسف القطّان، ثنا عبّاد بن موسى الختليّ، ثنا ابن أبي فديك، عن سليمان بن يزيد الكعبيّ، عن أنس ابن مالك(رضي الله عنه): أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً».

وفي حديث عبادة: «كنت له شهيداً» أو «شفيعاً».

وقالا: «يوم القيامة» (2).

وذكره ابن الجوزيّ في «مثير العزم الساكن»(3) ومن خطّه نقلت بسنده إلى ابن أبي الدنيا بإسناده المذكور.

وبالإسناد إلى البيهقيّ: أنا أبو عبدالله الحافظ، ثنا عليّ بن عيسى، ثنا أحمد بن عبدوس بن حمدويه الصفّار النيسابوري، ثنا أيّوب بن الحسن، ثنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فديك بالمدينة، ثنا سليمان بن يزيد الكعبيّ، عن أنس بن مالك(رضي الله عنه)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة، ومن زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة».

هذه الأسانيد الثلاثة دارت على محمّد بن إسماعيل بن أبي فديك، وهو مجمع عليه.

وسليمان بن يزيد: ذكره ابن حبّان في الثقات(4)، وقال أبو حاتم الرازيّ: إنّه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): العكي.

(2) قال ممدوح: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3 / 488)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص434) وابن أبي الدنيا في القبور. وانظر المداوي لعلل المناوي (6 / 2325) لأحمد بن الصديق الغماري. رفع المنارة (ص324 ـ 326).

(3) مثير العزم الساكن لابن الجوزي.

(4) الثقات لابن حبان (6 / 395).


(100)

منكر الحديث، ليس بقويّ (1).

   الحديث الثاني عشر: «ما من أحد من اُمّتي له سعة ثمّ لم يزرني، فليس له عذر»

قال الحافظ أبو عبدالله محمّد بن محمود بن النجّار في كتاب «الدرّة الثمينة في فضائل المدينة»: أنبأنا أبو محمّد بن عليّ، أنا أبو يعلى الأزديّ، أنا أبو إسحاق البجليّ، أنا سعيد بن أبي سعيد النيسابوريّ، أنبأنا إبراهيم بن محمّد المؤدّب، أنا إبراهيم بن محمّد، ثنا محمّد بن محمّد، ثنا محمّد بن مقاتل، ثنا جعفر بن هارون، ثنا سمعان بن المهديّ، عن أنس(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زارني ميّتاً فكأنّما زارني حيّاً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من اُمّتي له سعة ثمّ لم يزرني فليس له عذر».

   الحديث الثالث عشر: «من زارني حتّى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً» أو قال: «شفيعاً».

ذكره الحافظ أبو جعفر العقيليّ في كتاب الضعفاء في ترجمة «فضالة بن سعيد ابن زميل المازنيّ»(2)، قال: ثنا سعيد بن محمّد الحضرميّ، ثنا فضالة بن سعيد بن زميل المازني، ثنا محمّد بن يحيى المازنيّ، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتّى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً» أو قال: «شفيعاً».

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجرح والتعديل للرازي (      ).

(2) الضعفاء للعقيلي (3 / 457) وفيه: ان ابن زمّيل بلفظ: «كنت له شهيداً».


(101)

وذكره الحافظ ابن عساكر(1) من جهته أيضاً: أنبأنا به أبو محمّد الدمياطيّ، عن ابن هبة الله بسماعه منه، أنا أبو البركات عبدالوهّاب بن المبارك الأنماطيّ، أنا أبو بكر محمّد بن المظفّر الشاميّ، أنا أبو الحسن أحمد بن محمّد العتيقيّ، أنا يعقوب بن يوسف بن أحمد الصيدلانيّ، ثنا أبو جعفر محمّد بن عمرو العقيليّ... فذكره بإسناده، إلاّ أنّه قال: «من رآني في المنام كان كمن رآني في حياتي» والباقي سواء.

ووقع في روايته أيضاً شعيب بن محمّد الحضرميّ، ولعلّه تصحيف.

وفضالة بن سعيد: قال العقيليّ في ترجمته: حديثه غير محفوظ، لا يعرف إلاّ به، هكذا رأيته في كتاب العقيليّ، وذكر الحافظ ابن عساكر عنه أنّه قال: لا يتابع على حديثه من جهة تثبّت، ولا يعرف إلاّ به.

ومحمّد بن يحيى المازنيّ: ذكره ابن عديّ في «الكامل»(2) وقال: إنّ أحاديثه مظلمة منكرة.

ولم يذكر ابن عديّ هذا الحديث في أحاديثه، ولم يذكر فيه ولا العقيليّ في فضالة شيئاً من الجرح سوى التفرّد والنكارة.

الحديث الرابع عشر: «من لم يزر قبري فقد جفاني»

قال أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر الحسينيّ(3) في كتاب «أخبار المدينة»: ثنا محمّد بن إسماعيل، حدّثني أبو أحمد الهمداني، ثنا النعمان بن شبل، ثنا محمّد بن الفضل ـ مدينيّ ـ سنة ستّ وسبعين، عن جابر، عن محمّد بن عليّ، عن عليّ(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي، ومن لم يزرني فقد جفاني».

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ دمشق لابن عساكر.

(2) الكامل لابن عدي (6 / 2238).

(3) في (هـ ): المصفّى. وعلّق فيها: هو يحيى بن الحسن بن جعفر الحجّة بن عُبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن الإمام السجّاد زين العابدين، المتوفى سنة (277هـ) الاعلام للزركلي 9/170.


(102)

وقال الحافظ أبو عبدالله ابن النجّار في «الدرّة الثمينة»(1): روي عن عليّ(رضي الله عنه)أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من لم يزر قبري فقد جفاني».

وقال أبو سعيد عبدالملك بن محمّد بن إبراهيم النيسابوريّ الخركوشيّ الواعظ في كتاب «شرف المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)»: روي عن عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) قال: قال نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي، ومن لم يزر قبري فقد جفاني» (2).

وهذا الكتاب في ثمان مجلدات، ومصنّفه عبدالملك النيسابوريّ، صنّف في علوم الشريعة كتباً، توفّي سنة ستّ وأربعمائة بنيسابور، وقبره بها مشهور يزار ويتبرّك به، وشيخه في الفقه أبو الحسن الماسرجسيّ.

وقد روي حديث عليّ(رضي الله عنه) من طرق اُخرى ليس فيها تصريح بالرفع، ذكرها ابن عساكر(3):

أنبأنا عبدالمؤمن وآخرون، عن ابن الشيرازيّ، أنا ابن عساكر، أنا أبو العزّ أحمد بن عبيدالله، أبا أبو محمّد الجوهريّ، أنا عليّ بن محمّد بن أحمد بن نصير بن عرفة، ثنا محمّد بن إبراهيم الصلحيّ، ثنا منصور بن قدامة الواسطيّ، ثنا المضيئ ابن أبي الجارود، ثنا عبدالملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ ابن أبي طالب قال: «من سأل لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الدرجة الوسيلة حلّت له شفاعتي يوم القيامة، ومن زار قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في جوار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)».

عبدالملك بن هارون بن عنترة: فيه كلام كثير، رماه يحيى بن معين وابن حبّان، وقال البخاريّ: منكر الحديث، وقال أحمد: ضعيف الحديث.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الدرة الثمينة لابن النجار (ص397) ب  (16).

(2) شرف المصطفى للخركوشي (ص421 و 466) كما في بعض التخريجات.

(3) تاريخ دمشق لابن عساكر، لاحظ مختصر ابن منظور (2 / 406).


(103)

الحديث الخامس عشر: من أتى المدينة زائراً...».

قال يحيى الحسينيّ في «أخبار المدينة» في باب ما جاء في زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وفي السلام عليه: ثنا محمّد بن يعقوب، ثنا عبدالله بن وهب، عن رجل، عن بكر ابن عبدالله، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعث آمناً»(1).

وقد وردت أحاديث اُخر في ذلك فيها: «من لم يمكنه زيارتي فليزر قبر إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام».

وسأذكر ذلك إن شاء الله تعالى في الكلام عن زيارة سائر الأنبياء والصالحين (2).

 

الباب الثاني:

 

في

ما ورد من الأخبار والأحاديث

دالاّ على فضل الزيارة

وإن لم يكن فيه لفظ «الزيارة»

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ وفاء الوفاء للسمهودي (4 / 1348) والدرّة الثمينة (ص397) ورفع المنارة للممدوح المحمود (ص327 ـ 329).

(2) لاحظ ما يلي (ص      ) الباب


(104)

 

 

رُوّينا في «سنن أبي داود السجستانيّ»(1) عن أبي هريرة(رضي الله عنه): أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ عليه السلام» (2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن أبي داود السجستاني (2 / 218) ح2041 كتاب المناسك، باب زيارة القبور.

(2) قال ابن حجر في تلخيص الحبير (7 / 418) في أحاديث الزيارة: وأصح ما ورد في ذلك ما رواه أحمد وأبو داود من طريق أبي صخر حُميد بن زياد عن يزيد بن عبدالله بن قسيط عن أبي هريرة مرفوعاً «مامن أحد يسلّم...» الحديث وبهذا الحديث صدّر البيهقي الباب.

وقال في الصارم المنكي (ص189): روى الإمام أحمد حديث أبي هريرة هذا في مسنده (2/527) [وانظر تحفة الاشراف (10 / 421) مع النكت الظراف لابن حجر].

وقال: اعلم ان هذا الحديث هو الذي اعتمد عليه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما من الأئمة في مسألة الزيارة، وهو أجود ما استدل به في هذا الباب، ومع هذا فلا يسلم من مقال في إسناده!: من جهة تفرّد ابن صخر عن ابن قسيط عن أبي هريرة، ولم يُتابع ابن قسيط.

أقول: وتعنّت ابن عبد الهادي هنا واضح، إذ يُظهر أن الحديث بحاجة إلى متابعة حتى يسلم عن مقالة فيه! وهو خطأ فادح لم ينطق به متعلِّم في الحديث فضلاً عن عالم به.

ثم نقل كلمات أهل الجرح في رواة الخبر، وقال: انّه لا يُنتهى به إلى درجة الصحيح» بالرغم من اعترافه بأنهم من رجال صحيح مسلم، لكنّه اعترض «انّه لم يرو عنهم عن أبي هريرة» ثم قال (ص197) فعلم ان الحديث لا ينبغي أن يقال: هو على شرط مسلم، وإنّما هو حديث إسناده مقارب، وهو صالح أن يكون متابعاً لغيره وعاضداً له.

ثم ذكر (ص197) النزاع في دلالة الحديث: من جهة احتمال لفظه فان قوله «مامن أحد يسلّم عليّ» يحتمل أن يكون المراد به عند قبره كما فهمه جماعة من الأئمة، ويحتمل أن يكون معناه على العموم، وأنه لا فرق في ذلك بين القريب والبعيد، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو الموافق للأحاديث المشهورة... .

أقول: أوّلاً: إن فهم الأئمة وهم أفقه الناس بالحديث هو الحجّة، وموجب لصرف الظاهر ـ إن ثبت ـ كما فعل أبو داود حيث ترجم للباب بزيارة القبور وأورد الحديث المذكور فيه (السنن   ).

وثانياً: العموم يشمل القريب أيضاً فيكون دليلاً على مشروعية قصد السلام عليه بالسفر للزيارة، وهو كاف في دحض مقالة السلفيّة، والأحاديث المشهورة كلّها عاضدة لهذا الحكم ودليل على صحّة قصد المسلّم حضرته الشريفة، فلماذا تخالفون سنته بالمنع عن ذلك؟   وكتب السيّد


(105)

أنا بذلك وبجميع «سنن أبي داود» شيخنا الحافظ أبو محمّد الدمياطيّ بقراءتي عليه لبعضها، وقراءةً عليه وأنا أسمع لباقيها قال: أنا بجميعها أبو الحسن بن أبي عبدالله بن أبي الحسن البغداديّ قراءة عليه وأنا أسمع، عن أبي المعالي الفضل بن سهل بن بشر الأسفرايينيّ، عن الخطيب أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الحافظ.

قال شيخنا: وأنا أيضاً أبو الحسن، عن الحافظ أبي الفضل محمّد بن ناصر بن محمّد بن علي الفارسيّ الأصل السلاميّ، وقال : أخبر الشيخان أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عمر بن السمرقنديّ المقرىء، والعدل الفقيه أبو الحسين محمّد بن محمّد بن الحسين بن محمّد الفرّاء الحنبليّ قالا: أنا الخطيب ـ وفات ابن السمرقنديّ الجزء السابع والعشرين، فرواه عن الخطيب بالإجازة ـ .

قال ابن ناصر: وقرأت هذا الكتاب مراراً على الشيخ الصالح ; أبي غالب محمّد بن الحسن بن عليّ البصريّ الماورديّ.

قالا: أنا أبو عليّ عليّ بن أحمد بن علي التستريّ قال: أنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبدالواحد الهاشميّ، أنا أبو عليّ محمّد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤيّ، ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستانيّ قال: ثنا محمّد بن عوف، ثنا المقرىء، ثنا حَيْوة، عن أبي صخر حُمَيْد بن زياد، عن يزيد بن عبدالله بن قسيط، عن أبي هريرة... فذكره بلفظه.

وهذا إسناد صحيح ; فإنّ محمّد بن عوف ـ شيخ أبي داود: ـ جليل حافظ لا يسأل عنه، وقد رواه معه عن المقرىء عبّاس بن عبدالله الترقفيّ، رواه من جهته أبو بكر البيهقيّ (1).

والمقرىء، وحَيْوة، ويزيد بن عبدالله بن قسيط: متّفق عليهم.

وحُمَيْد بن زياد: روى له مسلم، وقال أحمد: ليس به بأس، وكذلك قال أبو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السنن الكبرى للبيهقي (5 / 245) كتاب الحج، باب زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله).


(106)

حاتم، وقال يحيى بن معين: ثقة ليس به بأس.

وروي عن ابن معين فيه رواية: أنّه ضعيف.

ورواية التوثيق ترجّح عليها ; لموافقتها أحمد، وأبا حاتم، وغيرهما.

وقال ابن عديّ: هو عندي صالح الحديث، وإنّما أنكرت عليه حديثين: «المؤمن يألف» وفي القدريّة، وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيماً (1).

وأمّا قول الشيخ زكيّ الدين فيه: إنّه أنكر عليه شيئاً من حديثه، فقد بيّنا عن ابن عديّ تعيين ما أنكر عليه، وليس منه هذا الحديث، وبمقتضى هذا يكون هذا الحديث صحيحاً إن شاء الله تعالى.

وقد اعتمد جماعة من الأئمّة على هذا الحديث في مسألة الزيارة، وصدّر به أبو بكر البيهقيّ «باب زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)»، وهو اعتماد صحيح، واستدلال مستقيم ; لأنّ الزائر المسلّم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يحصل له فضيلة ردّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) السلام عليه، وهي رتبة شريفة، ومنقبة عظيمة، ينبغي التعرّض لها، والحرص عليها ; لينال بركة سلامه(صلى الله عليه وآله وسلم).

فإن قيل: ليس في الحديث تخصيص بالزائر، فقد يكون هذا حاصلا لكل مسلّم ; قريباً كان أو بعيداً، وحينئذ تحصل هذه الفضيلة بالسلام من غير زيارة، والحديث عامّ.

قلت: قد ذكره ابن قدامة من رواية أحمد(2)، ولفظه: «ما من أحد يسلّم عليّ عند قبري» وهذه زيادة مقتضاها التخصيص .

فإنّ ثبت فذاك، وإن لم يثبت فلا شكّ أنّ القريب من القبر يحصل له ذلك ; لأنّه في منزلة المسلّم بالتحيّة التي تستدعي الردّ، كما في حال الحياة، فهو بحضوره عند القبر قاطع بنيل هذه الدرجة على مقتضى الحديث، متعرّض لخطاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكامل لابن عدي (2 / 684) ترجمة حميد بن زياد، والجرح والتعديل للرازي (3/222).

(2) المغني لابن قدامة (3 / 588).


(107)

النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) له بردّ السلام عليه، وفي المواجهة بالخطاب فضيلة زائدة على الردّ على الغائب.

 

[ أنواع السلام على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)]

واعلم: أنّ السلام على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على نوعين:

أحدهما: المقصود به الدعاء(1)، كقولنا: «صلّى الله عليه وسلّم» فهذا دعاء منّا له بالصلاة والتسليم من الله تعالى، ويقال للعبد: «مسلّم» لدعائه بالسلام، كما يقال له: «مصلّ» إذا دعا بالصلاة:

قال الله تعالى: }إنَّ اللهَ وَمَلئِكَتَهُ يُصَلُّوَنَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً {[الآية (56) سورة الأحزاب (33)].

وسئل(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما ثبت في الصحيحين(2) وغيرهما ـ قيل: قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟

قال: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنّك حميد مجيد، والسلام كما قد علّمتم».

قال العلماء: معناه كما قد علّمتم في التشهّد «السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته».

وقد يأتي هذا القسم بلفظ الغيبة، كما روي عن فاطمة بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ورضي عنها قالت: قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا دخلت المسجد فقولي: بسم الله، والسلام على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، واغفر لنا،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سيذكر المؤلّف في (خاتمة) هذا الكتاب ألفاظ «الصلاة» على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الواردة في النصوص الحديثية، فراجع.

(2) صحيح البخاري (6 / 489) باب (452) كتاب التفسير، ذيل الآية وصحيح مسلم (2 / 16) باب الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد التشهّد.


(108)

وسهّل لنا أبواب رحمتك، فإذا فرغت فقولي مثل ذك غير أن قولي: وسهّل لنا أبواب فضلك».

رواه القاضي إسماعيل بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجة في سننه(1) عن فاطمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل المسجد يقول: «بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك» وإذاخرج قال: «بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك».

والإسناد إلى فاطمة رضي الله عنها عن الطريقين فيه انقطاع.

والمختار أن يقول في ذلك أيضاً: السلام عليك أيّها النبيّ، كما في التشهد.

والمقصود من هذه الأحاديث: بيان هذا النوع من السلام على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بلفظ الخطاب والغيبة جميعاً، ولا فرق في ذلك بين الغائب عنه، والحاضر عنده(صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذا النوع هو الذي قيل باختصاصه بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الأُمّة ; حتّى لا يسلّم على غيره من الأُمّة إلاّ تبعاً له، كما لا يُصلّى على غيره من الأُمّة إلاّ تبعاً له.

النوع الثاني: ما يقصد به التحيّة، كسلام الزائر إذا وصل إلى حضرته الشريفة عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته وبعد وفاته.

وهذا غير مختصّ، بل هو عامّ لجميع المسلّمين، ولهذا كان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يأتي إلى القبر ويقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، وورد عنه بلفظ الخطاب وبلفظ الغيبة.

إذا عرف هذان النوعان، فالنوع الثاني لا شكّ في استدعائه الردّ، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يردّ على المسلّم عليه، كما اقتضاه الحديث ; سواء أوصل بنفسه إلى القبر، أم أرسل رسولا ؟ كما كان عمر بن عبدالعزيز يرسل البريد من الشام إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة (1 / 253) كتاب المساجد والجماعات، باب (13) الدعاء عند دخول المسجد.


(109)

المدينة ليسلّم له على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

ففي هذين القسمين من هذا النوع يحصل الردّ من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما هو عادة الناس في السلام.

وأمّا النوع الأوّل فالله أعلم، فإن ثبت الردّ فيه أيضاً ـ وحبّذا، لتشملنا بركة ذلك كلّما سلّمنا ـ فلا شكّ أنّ الحاضر عند القبر له مزيّة القرب والخطاب، وإن كان الردّ مختصّاً بالنوع الثاني حرم من لم يزر هذه الفضيلة، لا حرم الله مؤمناً خيراً.

وقد روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «أتاني ملك فقال: يا محمّد، ربّك يقول: أما يرضيك أن لا يصلّي عليك أحد من اُمّتك إلاّ صلّيت عليه عشراً، ولا يسلّم عليك إلاّ سلّمت عليه عشراً»، رواه القاضي إسماعيل.

والظاهر أنّ هذا في السلام بالنوع الأوّل.

وقد ورد تفسير هذا الحديث عن الإمام الجليل ; أبي عبدالرحمان عبد الله بن يزيد المقرىء، بما يوافق النوع الثاني:

أخبرنا بذلك سليمان بن حمزة قاضي القضاة الحنبليّ بالشام بقراءتي عليه بسفح جبل قاسيون، أخبرنا جعفر الهمدانيّ، أخبرنا السلفيّ، أخبرنا الشراح، أخبرنا أبو محمّد الحسن بن محمّد الخلاّل الحافظ، حدثنا عبدالله بن محمّد بن الحسن بن محمّد الشراحيّ قدم علينا قال: سمعت أبا عبدالله أحمد بن خالد الجروريّ قال: سمعت أبا عبدالله محمّد بن زيد يقول: سمعت المقرىء عبدالله بن يزيد يقول في قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من أحد يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ عليه السلام» وقال: هذا في الزيارة إذا زارني فسلّم عليّ «حتّى ردّ الله عليّ روحيّ حتّى أردّ عليه»


(110)

فصل: في علم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بمن يسلّم عليه

روي عن عبدالله بن مسعود(رضي الله عنه)، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض ; يبلغوني من اُمّتي السلام».

رواه النسائيّ(1) وإسماعيل القاضي وغيرهما من طرق مختلفة بأسانيد صحيحة لا ريب فيها إلى سفيان الثوريّ، عن عبدالله بن السائب، عن زاذان، عن عبدالله، وصرّح الثوريّ بالسماع فقال: حدّثني عبدالله بن السائب، هكذا في كتاب القاضي إسماعيل(2).

وعبدالله بن السائب وزاذان: روى لهما مسلم، ووثّقهما ابن معين، فالإسناد إذن صحيح.

ورواه أبو جعفر محمّد بن الحسن الأسديّ، عن سفيان الثوريّ، عن عبدالله ابن السائب، عن زاذان، عن عليّ(رضي الله عنه)، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ لله ملائكة يسيحون في الأرض ; يبلغوني صلاة من صلّى عليّ من اُمّتي».

قال الدارقطنيّ(3): المحفوظ عن زاذان، عن ابن مسعود: «يبلغوني عن اُمّتي السلام».

وقال بكر بن عبدالله المزنيّ: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حياتي خير لكم ;

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن النسائي (3 / 43).

(2) كتاب فضل الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، للقاضي إسماعيل.

(3) سنن الدارقطني.

نقله في مجمع الزوائد (9 / 24) عن البزّار، قال في الصارم (202): رواه أحمد في مسنده، ورواه أبو يعلى الموصلي ورواه ابن أبي عاصم ورواه الحاكم في المستدرك (2 / 421) وحكم له بالصحّة، ورواه أبو حاتم اليستي (2 / 134) في كتاب الأنواع والتقاسيم عن أبي يعلى وقد سُئل الدارقطني في كتاب العلل عنه؟ فقال ... .

وعلّق عليه: رواه في الكبرى كما في تحفة الأطراف (7 / 21) وفي عمل اليوم والليلة رقم (66) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9 / 24): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وفي فيض القدير (2 / ...) قال الحافظ العراقي: الحديث متفقٌ عليه دون قوله «سيّاحين».


(111)

تحدّثون، ويحدّث لكم، فإذا متّ كانت وفاتي خيراً لكم ; تعرض عليّ أعمالكم، فإن رأيت خيراً حمدت الله، وإن رأيت غير ذلك استغفرت الله لكم»(1).

قال أيّوب السختيانيّ: بلغني ـ والله أعلم ـ أنّ ملكاً موكّل بكلّ من صلّى على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى يبلغه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وفي كتاب «فضل الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)» للقاضي إسماعيل، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليّ وسلّموا حيث كنتم، فسيبلغني سلامكم وصلاتكم».

وهذا الحديث في «سنن أبي داود»(2) من غير ذكر السلام، وفي هذه الرواية زيادة: «السلام».

وروى ابن عساكر(3) من طرق مختلفة عن نعيم بن ضمضم العامريّ [عن عمران] بن حميري الجعفيّ قال: سمعت عمّار بن ياسر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله أعطاني ملكاً من الملائكة يقوم على قبري إذا أنا متّ، فلا يصلّي عليّ عبد صلاة إلاّ قال: يا أحمد، فلان بن فلان بن فلان يصلّي عليك، يسمّيه باسمه واسم أبيه، فيصلّي الله عليه مكانها عشراً».

وفي رواية: «إنّ الله أعطى ملكاً من الملائكة أسماء الخلائق» ـ وفي رواية: «أسماع الخلائق» ـ «فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة...» وذكر الحديث.

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: ليس أحد من اُمّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال في الصارم (ص203) هذا خبر مرسل رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب فضل الصلاة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) (ص36 رقم 25) عن سليمان بن حرب عن حمّاد بن زيد عن غالب القطان عن بكر بن عبدالله، وهذا إسناد صحيح إلى بكر المزني، وبكر من ثقات التابعين وأئمّتهم.

(2) سنن أبي داود (2 / 218) ح2042 كتاب المناسك زيارة القبور، وزاد: ولا تجعلوا قبري عبداً، ورواه القاضي في فضل الصلاة (ص45).

(3) تاريخ دمشق لابن عساكر.


(112)

عليه صلاة إلاّ وهي تبلغه ; يقول له الملك: فلان بن فلان يصلّي عليك كذا وكذا  صلاة (1).

وما تضمّنته هذه الأحاديث والآثار من تبليغ الملائكة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، تبيّن ما ورد من كون الصلاة عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) تعرض عليه، كما جاء ذلك في أحاديث:

منها في «سنن أبي داود والنسائيّ وابن ماجه»(2) عن أوس بن أوس(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ من أفضل أيّامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ».

قال: فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ ـ قال يقولون: بليت ـ.

قال: «إنّ الله حرّم على الأرض أجساد الأنبياء» (3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وروى المتعصّب العنيد ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص206) قال: وقال عيسى بن علي الوزير: قرئ على القاضي أبي القاسم بدر بن الهيثم ـ وأنا أسمع ـ قيل له: حدثكم عمرو بن النصر العزال، حدّثنا عصمة بن عبدالله الأسدي، حدّثنا نعيم بن ضمضم، عن عمران بن الحميري، قال: قال لي عمّار بن ياسر ـ وأنا وهو مُقْبِلان، ما بين الحيرة والكوفة ـ : يا عمران بن الحميري، ألا اُخبرك بما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: قلت: بلى، فأخبرني! قال: إن الله أعطى ملكاً من الملائكة أسماع الخلائق، فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة، لا يصلّي عليَّ أحدٌ صلاةً إلاّ سمّاه باسمه واسم أبيه...» الحديث.

وقال عثمان بن خُرّزاذ: حدّثني سعيد بن محمد الجرمي، حدّثنا علي بن القاسم الكندي عن نعيم بن ضمضم، عن عمران بن حميري، قال: قال لي عمّار بن ياسر: ألا اُحدّثك عن حبيبي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): يا عمّار، ان الله عزّوجلّ أعطى ملكاً أسماع الخلائق...» الحديث بنحوه.

وقد روى هذا الحديث أيضاً محمد بن هارون الروياني في مسنده (      ) عن أبي كريب عن قبيصة عن نعيم، وهو حديث غريب(!) تفرّد به نعيم عن عمران بن حصين، والله أعلم!!.

(2) سنن أبي داود (1 / 236) باب فضل الجمعة وليلة الجمعة ح1047 و(1 / 342) ح1531 باب في الاستغفار، وسنن النسائي (3 / 91)، وسنن ابن ماجة (1 / 345) كتاب إقامة الصلاة باب (79) في فضل الجمعة ح1085 وفيه: شدّاد عن أوس، وذكره في الجنائز كما سيأتي.

(3) أخرجه في الصارم المنكي (ص212) عن القاضي إسماعيل في فضل الصلاة (ص35) رقم (22 و23).


(113)

قال الشيخ الحافظ زكيّ الدين المنذريّ(رحمه الله): وله علّة دقيقة أشار إليها البخاريّ وغيره، وقد جمعت طرقه في «جزء الحديث المذكور» من رواية حسين الجعفيّ، عن عبدالرحمان بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعانيّ، عن أوس ابن أوس، وهؤلاء ثقات مشهورون، وعلّته أنّ حسين بن عليّ الجعفيّ لم يسمع من عبدالرحمان بن يزيد بن جابر، وإنّما سمع من عبدالرحمان بن يزيد بن تميم، وهو ضعيف، فلمّا حدّث به الجعفيّ غلط في اسم الجدّ فقال: ابن جابر.

قلت: وقد رواه أحمد في مسنده(1) عن حسين الجعفيّ، عن عبدالرحمان بن يزيد بن جابر، هكذا بالعنعنة، وروى حديثين آخرين بعد ذلك قال فيهما: حسين، ثنا عبدالرحمان بن يزيد بن جابر، وذلك لا ينافي الغلط إن صحّ أنّه لم يسمع منه.

وروى ابن ماجة الحديث المذكور من طريق آخر ذكره في آخر كتاب الجنائز (2)، وفي متنه زيادة.

أنا أقضى القضاة أبو بكر محمّد بن عبدالعظيم بن عليّ الشافعيّ المعروف بـ «ابن السقطيّ» بقراءتي عليه، بجميع «سنن ابن ماجة» قال: أنا أبو بكر عبدالعزيز بن أحمد بن أبي الفتح بن ياقا، إجازة، قال: أنا أبو زرعة طاهر بن محمّد بن طاهر المقدسيّ سماعاً، إلاّ ما عيّن في الكتاب بإجازته من أبي زرعة، وهذا الحديث من المسموع، قال: أنا أبو منصور محمّد بن الحسين بن أحمد بن الهيثم المقوميّ، إجازة إن لم يكن سماعاً ـ ثمّ ظهر سماعه منه ـ أنا أبو طلحة القاسم بن أبي المنذر الخطيب، أنا أبو القاسم عليّ بن إبراهيم بن سلمة بن بحر القطّان، ثنا أبو عبدالله محمّد بن يزيد ابن ماجة، ثنا عمرو بن سوّاد المصريّ، ثنا عبدالله بن وهب، عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد (4 / 8) وانظر سنن الدارمي (1 / 369) باب في فضل الجمعة، والسنن الكبرى للبيهقي (3 / 248) باب ما يؤثر به في ليلة الجمعة ويومها من كثرة الصلاة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

(2) سنن ابن ماجة (1 / 524) ح8636 باب (65)، وانظر المستدرك على الصحيحين للحاكم (1 / 278) و (4 / 560)، ولاحظ كنز العمال (7 / 708) ح21037.


(114)

عمرو بن الحارث(1)، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسيّ، عن أبي الدرداء(رضي الله عنه)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة ; فإنّه مشهود تشهده الملائكة، وإنّ أحداً لن يصلّي عليّ إلاّ عرضت عليّ صلاته حتّى يفرغ منها».

قال قلت: وبعد الموت؟

قال: «وبعد الموت، إنّ الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام، فنبيّ الله حيّ يرزق».

هذا لفظ ابن ماجة، وفيه زيادة قوله: «حين يفرغ منها»(2) وفي الأصل: «حتّى» التي هي حرف غاية، وعليه تضبيب، وفي الحاشية: «حين» التي هي ظرف زمان.

فإن كانت هي الثابتة استفيد منها أنّ وقت عرضها على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حين الفراغ من غير تأخير.

وإن كان الثابت «حتّى» كما في الأصل دلّ على عرضها عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) وقت قوله، فيدلّ على عدم التأخير أيضاً.

وفيه زيادة أيضاً، وهي قوله: «وبعد الموت» بحرف العطف، وذلك يقتضي أنّ عرضها عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حالتي الحياة والموت جميعاً.

وفي إسناد الحديث المذكور: «زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيّ» مرسل، إلاّ أنّه يتقوى باعتضاده بغيره.

وقد روينا من جهة القاضي إسماعيل عن الحسن عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مرسلا قال: «أكثروا عليّ الصلاة يوم الجمعة، فإنّها تعرض عليّ».

وروى الإمام أبو بكر أحمد بن محمّد بن إسحاق بن السنيّ في كتاب «عمل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الأصل: «عمرو بن أبي الحرب» كذا في الهندية، وفي نسخة: الحرث.

(2) سنن ابن ماجة (1 / 524) ح1637 ب 65 كتاب الجنائز.


(115)

يوم وليلة» عن أنس بن مالك(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة»(1).

وأنبأنا عبدالمؤمن وآخرون، أنبأنا ابن الشيرازيّ، أنا ابن عساكر، أنا أبو الحسين، أنا جدّي أبو بكر البيهقيّ، أنا عليّ بن أحمد الكاتب، ثنا أحمد بن عبيد، ثنا الحسين بن سعيد، ثنا إبراهيم بن الحجّاج، ثنا حمّاد بن سلمة، عن برد بن سنان، عن مكحول الشاميّ، عن أبي اُمامة(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أكثروا عليّ من الصلاة في كلّ يوم جمعة، فإنّ صلاة اُمّتي عليّ في كلّ يوم جمعة ; فمن كان أكثرهم عليّ صلاة كان أقربهم منّي منزلة».

وهذا إسناد جيّد.

وعن حصين بن عبدالرحمان، عن يزيد الرقاشيّ قال: إنّ ملكاً موكّل يوم الجمعة بمن صلّى على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، يبلغ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ فلاناً من اُمّتك صلّى عليك.

وعن أبي طلحة(رضي الله عنه)، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أتاني جبرئيل(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: بشّر اُمّتك ; من صلّى عليك صلاة واحدة كتب الله له بها عشر حسنات، وكفّر عنه بها عشر سيّئات، ورفع له بها عشر درجات، وردّ الله عليه مثل قوله، وعرضت عليّ يوم القيامة».

رواه ابن عساكر (2).

ولا تنافي بين هذه الأحاديث، فقد يكون العرض عليه مرّات: وقت الصلاة، ويوم الجمعة، ويوم القيامة.

وحديث أبي هريرة، وحديث ابن مسعود مصرّحان: بأنّه يبلغه سلام كلّ من سلّم عليه، وهما صحيحان إن شاء الله.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عمل اليوم والليلة، لابن السنّي.

(2) تاريخ ابن عساكر.


(116)

وحديث أوس بن أوس وما في معناه يدلّ على أنّ الموت غير مانع من ذلك.

وكان مقصودنا بجمع هذه الأحاديث بيان العرض على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ مراده التبليغ من الملائكة له(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما تضمّنه حديث أبي هريرة، وحديث ابن مسعود، وهذا في حقّ الغائب بلا إشكال.

 

[ سماع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للمصلّي عليه عند قبره ]

وأمّا في حقّ الحاضر عند القبر، فهل يكون كذلك، أو يسمعه(صلى الله عليه وآله وسلم) بغير واسطة؟

ورد في ذلك حديثان:

أحدهما: «من صلّى عليّ عند قبري سمعتُه، ومن صلّى عليّ نائياً بُلِّغْتُهُ».

وفي رواية: «نائياً منه أبلغت». وفي رواية: «نائياً من قبري».

وفي رواية: «عن قبري».

والحديث الثاني: «ما من عبد يسلّم عليّ عند قبري إلاّ وكّل بها ملك ليبلغني، وكفي أمر آخرته ودنياه، وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة».

وفي رواية: «من صلّى عليّ عند قبري وكّل الله بها ملكاً يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة».

وفي رواية: «ما من عبد صلّى عليّ عند قبري إلاّ وكّل الله به» وفيها: «شفيعاً وشهيداً».

وهذان الحديثان كلاهما من رواية محمّد بن مروان السُدّي الصغير، وهو ضعيف، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة(رضي الله عنه) عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):

أمّا الحديث الأوّل الذي فيه: «من صلّى عليّ عند قبري سمعته».

فرواه أحمد بن عليّ الحبرانيّ، ويوسف بن الضحّاك الفقيه، ومحمّد بن


(117)

عثمان ابن أبي شيبة، وأحمد بن إبراهيم بن ملحان، وعيسى بن عبدالله الطيالسيّ، وليث ابن نصر الصاغانيّ، والحسن(1) بن عمر بن إبراهيم الثقفيّ، كلّهم عن العلاء بن عمرو الحنفيّ، عن محمّد بن مروان السُدّي بالسند المذكور.

وفي رواية عيسى الطيالسيّ: ثنا العلاء بن عمرو الحنفيّ، ثنا أبو عبدالرحمان عن الأعمش.

قال ابن عساكر: قال لنا أبو الحسن سبط البيهقيّ: قال لنا جدّي أبو بكر: أبو عبدالرحمان هذا هو محمّد بن مروان السُدّي فيما أرى، وفيه نظر.

القائل: «وفيه نظر» هو البيهقيّ، كذا رأيته في جزء «حياة الأنبياء» من تصنيفه.

وأمّا الحديث الثاني:

فرواه محمّد بن عبدالله بن إبراهيم الشافعيّ، وأبو الحسين أحمد بن عثمان الآدميّ، وأبو عبدالله الصفّار، ومحمّد بن عمر بن حفص النيسابوريّ، كلّهم عن محمّد بن يونس بن موسى الكديميّ ـ وفي بعض هذا عن محمّد بن موسى ; نسبةً إلى جدّه ـ عن الأصمعيّ عبدالملك بن قريب، عن محمّد بن مروان السُدّي، عن الأعمش بالسند الأوّل.

وهذا الحديث أضعف من الأوّل ; لأنّه انضمّ فيه ضعف الكديميّ إلى ضعف السُدّي، والأوّل ليس فيه إلاّ ضعف السُدّي خاصّة.

فإن ثبت ذلك فكفى بها شرفاً، وإن لم يثبت فهو مرجوّ، فينبغي الحرص عليه، والتعرّض لإسماعه(صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك بالحضور عند قبره، والقرب منه.

وسنذكر(2) في الأحاديث والآثار والأدلّة ما يدلّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يسمع من يسلّم عليه عند قبره، ويردّ عليه عالماً بحضوره عنده، وكفى بهذا فضلا حقيقاً أن ينفق فيه ملك الدنيا حتّى يتوصّل إليه من أقطار الأرض.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): الحسين.

(2) سيذكره.


(118)

وسنفرد باباً(1) لحياة الأنبياء(عليهم السلام) بعد تمام المقصود من إقامة الدلائل على الزيارة، وبإثبات الحياة تتأكّد الزيارة، ولكنّي رأيت ذكره بعدُ، لئلاّ يجادل فيه جدل متطرّق به إلى المجادلة في الزيارة.

عن سليمان بن سحيم قال: رأيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في النوم فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين يأتونك ويسلّمون عليك، أتعلم سلامهم؟

قال: «نعم، وأردّ عليهم».

وعن إبراهيم بن بشّار قال: حججت في بعض السنين، فجئت المدينة، فتقدّمت إلى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسلّمت عليه، فسمعت من داخل الحجرة: «وعليك السلام».

فإن قيل: ما معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إلاّ ردّ الله عليّ روحي؟».

قلت: فيه جوابان:

أحدهما: ذكره الحافظ أبو بكر البيهقيّ(2) ; أنّ المعنى إلاّ وقد ردّ الله عليّ روحي ; يعني أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما مات ودفن ردّ الله عليه روحه ; لأجل سلام من يسلّم عليه، واستمرّت في جسده(صلى الله عليه وآله وسلم).

والثاني: يحتمل أن يكون ردّاً معنويّاً، وأن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الإلهيّة والملأ الأعلى من هذا العالم، فإذا سلّم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم، فيدرك سلام من يسلّم عليه، ويردّ عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سيفرد له الباب (التاسع).

(2) قال في الصارم (ص222): ذكره البيهقي في (الجزء) الذي جمعه في (حياة الأنبياء(عليهم السلام)بعد دفنهم).

ثم قال (ص225): وهذا التأويل المنقول عن البيهقي في هذا الحديث قد تلقّاه عنه جماعة من المتأخرين، والتزموا لأجل اعتقادهم له، اُموراً ظاهرة البطلان.

أقول: ومن شذّ عن فهم الناس والتزامهم، فهو في النار!


(119)

 

الباب الثالث:

 

في

ما ورد في السفر إلى زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) صريحاً

وبيان أنّ ذلك لم يزل قديماً وحديثاً


(120)

 

 

وممّن روى ذلك عنه من الصحابة ; بلال بن رباح مؤذّن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سافر من الشام إلى المدينة لزيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم).

روّينا ذلك بإسناد جيّد إليه، وهو نصّ في الباب، وممّن ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر(رحمه الله) بالإسناد الذي سنذكره.

وذكره الحافظ أبو محمّد عبدالغنيّ المقدسيّ(رحمه الله) في «الكمال» في ترجمة بلال فقال: ولم يؤذّن لأحد بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما روي إلاّ مرّة واحدة في قدمة قدمها المدينة لزيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) طلب إليه الصحابة ذلك، فأذّن ولم يتمّ الأذان.

وقيل: إنّه أذّن لأبي بكر الصديق(رضي الله عنه) في خلافته، وممّن ذكر ذلك أيضاً الحافظ أبو الحجّاج المزي أبقاه الله.

وها أنا أذكر إسناد ابن عساكر في ذلك(1)، أنبأنا عبدالمؤمن بن خلف، وعليّ ابن محمّد بن هارون وغيرهما قالوا: أنا القاضي أبو نصر بن هبة الله بن محمّد بن مميل الشيرازيّ، إذناً، أنا الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن(2) بن هبة الله بن عساكر الدمشقيّ قراءة عليه وأنا أسمع قال: أنا أبو القاسم زاهر بن طاهر قال: أنا أبو سعيد محمّد بن عبدالرحمان قال: أنا أبو أحمد محمّد بن محمّد، أنا أبو الحسن محمّد بن الفيض الغسّاني بدمشق قال: ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سليمان ابن بلال بن أبي الدرداء، حدّثني أبي محمّد بن سليمان، عن أبيه سليمان بن بلال، عن اُمّ الدرداء، عن أبي الدرداء قال: لمّا دخل(3) عمر بن الخطّاب(رضي الله عنه) من فتح بيت المقدس، فصار إلى الجابية، سأل بلال أن يقرّه بالشام،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن عساكر (      ) لاحظ مختصر ابن منظور (4/117) وتهذيب تاريخ دمشق لبدران (2/259) ترجمة إبراهيم بن محمد بن سليمان.

(2) في المصرية: الحسين.

(3) راجع تهذيب تاريخ ابن عساكر 2/259.


(121)

ففعل ذلك، قال: وأخي أبو رويحة الذي آخى بيني وبينه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

فنزل داريّا في خَوْلان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان فقال لهم: قد أتيناكم خاطبين، وقد كنّا كافرين فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله، فان تزوّجونا فالحمد لله، وإن تردّونا فلا حول ولا قوة إلاّ بالله! فزوّجوهما.

ثمّ إنّ بلالا رأى في منامه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول له: «ما هذه الجفوة يا بلال؟! أمّا آن لك أن تزورني يا بلال!».

فانتبه حزيناً وجلا خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فجعل يبكي عنده، ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما فجعل يضمّهما ويقبّلهما.

فقالا له: نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذّن به لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد، ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه.

فلمّا أن قال: الله أكبر، الله أكبر، ارتجّت المدينة.

فلمّا أن قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، ازداد رجّتها.

فلمّا أن قال: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، خرجت العواتق من خدورهنّ، وقالوا: أبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فما رئي يوم أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك اليوم.

كذا ذكره ابن عساكر في ترجمة بلال(رضي الله عنه)(1).

وذكره أيضاً في ترجمة إبراهيم بسند آخر إلى محمّد بن الفيض: أنبأ جماعة عن ابن عساكر قال: أنبأ أبو محمّد ابن الأكفانيّ، ثنا عبدالعزيز بن أحمد، ثنا تمام بن محمّد، ثنا محمّد بن سليمان، ثنا محمّد بن الفيض فذكره سواء، إلاّ أنّه سقط منه «من فتح بيت المقدس»، وقال: آخى بينه وبيني، ولم يقل «خاطبين»(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ دمشق (      ) ترجمة بلال.

(2) تاريخ دمشق (7 / 136) ترجمة إبراهيم برقم 293.


(122)

أبو رويحة: اسمه عبدالله بن عبدالرحمان الخثمعيّ، وفي «الطبقات»: أنّ مؤاخاته لبلال لم يثبتها محمّد بن عمر، وأثبتها ابن إسحاق وغيره، وأختار أنس أن يجعل ديوانه معه، فضمّه عمر إليه، وضمّ ديوان الحبشة إلى خثعم; لمكان بلال منهم.

وسليمان بن بلال بن أبي الدرداء: روى عن جدّه وأبيه بلال، روى عنه ابنه محمّد، وأيّوب بن مدرك الحنفيّ، ذكر له ابن عساكر حديثاً، ولم يذكر فيه تجريحاً(1).

وابنه محمّد بن سليمان بن بلال: ذكره مسلم في الكنى(2)، وأبو بشر الدولابيّ(3)، والحاكم أبو أحمد، وابن عساكر(4)، كنيته أبو سليمان، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ما بحديثه بأس.

وابنه إبراهيم بن محمد بن سليمان أبو إسحاق: ذكره الحاكم أبو أحمد، وقال: كنّاه لنا محمّد بن الفيض، وذكره ابن عساكر ; وذكر حديثه، ثمّ قال: قال ابن الفيض: توفّي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (5).

ومحمّد بن الفيض بن محمّد بن الفيض أبو الحسن الغسّاني الدمشقيّ: روى عن خلائق، روى عنه جماعة منهم: أبو أحمد بن عديّ، وأبو أحمد الحاكم، وأبو بكر ابن المقرىء في معجمه، ذكره ابن زبر وابن عساكر في التأريخ(6)، توفّي سنة خمس عشرة وثلاثمائة، ومولده سنة تسع عشرة ومائتين، ومدار هذا الإسناد عليه، فلا حاجة إلى النظر في الإسنادين اللذين رواه ابن عساكر بهما وإن كان رجالهما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ دمشق لابن عساكر (10 / 118) رقم 864 .

(2) الكنى لمسلم.

(3) الكنى والأسماء للدولابي.

(4) تاريخ دمشق لابن عساكر.

(5) تاريخ دمشق لابن عساكر (7 / 136) رقم 493.

(6) تاريخ دمشق لابن عساكر (15 / 861) من النسخة المصوّرة.


(123)

معروفين مشهورين.

وليس اعتمادنا في الاستدلال بهذا الحديث على رؤيا المنام فقط، بل على فعل بلال، وهو صحابيّ، لا سيّما في خلافة عمر(رضي الله عنه)، والصحابة متوافرون، ولا يخفى عنهم هذه القصّة.

ومنام بلال ورؤياه للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا يتمثّل به الشيطان، وليس فيه ما يخالف ما ثبت في اليقظة، فيتأكّد به فعل الصحابيّ.

 

[ إبْراد عمر بن عبد العزيز بالسلام على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ]

وقد استفاض عن عمر بن عبدالعزيز(رضي الله عنه): أنّه كان يبْرِد البريد من الشام يقول: سلّم لي على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (1).

وممن ذكر ذلك ابن الجوزيّ، ونقلته من خطّه في كتاب «مثير العزم الساكن» وقد ضبطه بإسكان الباء الموحّدة، وكسر الراء المخفّفة، وهو كذلك، يقال: أبرد فهو مُبْرِدٌ.

وذكره أيضاً الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، ووفاته سنة سبع وثمانين ومائتين في «مناسك» له لطيفة جرّدها من الأسانيد، ملتزماً فيها الثبوت، قال فيها: وكان عمر بن عبدالعزيز يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ; ليقرىء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ يرجع.

وهذه المناسك رواية شيخنا الدمياطيّ: أنا ابن خليل، أنا الطرطوسيّ(2)والكرانيّ، أنا الصيرفيّ، ثنا أبو بكر محمّد بن عبدالله بن شاذان، ثنا القباب، ثنا ابن أبي عاصم.

فسفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبدالعزيز في زمن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان (      ) كما نقله في الصارم (ص246).

(2) في (هـ ): الطرطوشي.


(124)

صدر التابعين من الشام الى المدينة، لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك ; لا من أمر الدنيا، ولا من أمر الدين، لا من قصد المسجد، ولا من غيره، وإنما قلنا ذلك لئلاّ يقول بعض من لا علم له: إنّ السفر لمجرّد الزيارة ليس بسنّة ! وسنتكلّم على بطلان ذلك في موضعه.

وأمّا من سافر الى المدينة لحاجة، وزار عند قدومه، أو اجتمع في سفره قصد الزيارة مع قصد آخر فكثير.

وقد ورد عن يزيد بن أبي سعيد مولى المهريّ قال: قدمت على عمر بن عبدالعزيز، فلمّا ودّعته قال: لي إليك حاجة، إذا أتيت المدينة سترى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فأقرئه منّي السلام.

وورد هذا عن غير عمر بن عبدالعزيز أيضاً: قال أبو الليث السمرقنديّ الحنفيّ في «الفتاوى» في باب الحجّ: قال أبو القاسم: لمّا أردت الخروج إلى مكّة قال القاسم بن غسّان: إنّ لي إليك حاجة، إذا أتيت قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأقرئه منّي السلام.

فلمّا وضعت رجلي في مسجد المدينة ذكرت.

قال الفقيه: فيه دليل أنّ من لم يقدر على الخروج، فأمر غيره ليسلّم عنه، فإنّه ينال فضيلة السلام إن شاء الله تعالى، انتهى.

وفي «فتوح الشام»(1): أنّه لمّا كان أبو عبيدة منازلا بيت المقدس، أرسل كتاباً إلى عمر مع ميسرة بن مسروق(رضي الله عنه) يستدعيه الحضور، فلمّا قدم ميسرة مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، دخلها ليلاً، ودخل المسجد، وسلّم على قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى قبر أبي بكر(رضي الله عنه).

وفيه أيضاً: أنّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس، وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم، وفرح عمر بإسلامه، قال عمر(رضي الله عنه) له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتوح الشام (1 / 148) ذكر فتح بيت المقدس.


(125)

وتزور قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتمتع بزيارته؟

فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، أنا أفعل ذلك.

ولمّا قدم عمر المدينة أوّل ما بدأ بالمسجد، وسلّم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد ذكر المؤرّخون والمحدّثون ـ منهم أبو عمر بن عبدالبرّ في «الاستيعاب»(1) وأحمد بن يحيى البلاذريّ في «تأريخ الأشراف»(2) وابن عبدربّه في «العقد»(3) ـ أنّ زياد بن أبيه أراد الحجّ، فأتاه أبو بكرة(رضي الله عنه) وهو لا يكلّمه، فأخذ ابنه فأجلسه في حجره ليخاطبه ويسمع زياداً فقال: إنّ أباك فعل وفعل، وإنّه يريد الحجّ، وأم حبيبة زوج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هناك، فإن أذنت له فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن هي حجبته فأعظم بها حجّة عليه.

فقال زياد: ما تدع النصيحة لأخيك، وترك الحجّ تلك السنة، هكذا حكاه البلاذريّ.

وحكى ابن عبدالبرّ ثلاثة أقوال:

أحدها: أنّه حجّ، ولم يزر من أجل قول أبي بكرة.

والثاني: أنّه دخل المدينة وأراد الدخول على اُمّ حبيبة رضي الله عنها فذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك.

والثالث: أنّ اُمّ حبيبة حجبته ولم تأذن له.

والقصّة على كلّ تقدير تشهد لأنّ زيارة الحاجّ كانت معهودة من ذلك الوقت، وإلاّ فكان زياد يمكنه أن يحجّ من غير طريق المدينة، بل هي أقرب إليه ; لأنّه كان بالعراق، والإتيان من العراق إلى مكّة أقرب، ولكن كان إتيان المدينة عندهم أمراً لا يُترك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاستيعاب (2 / 526) رقم (825).

(2) أنساب الأشراف (1 / 493) رقم 993.

(3) العقد الفريد لابن عبد ربه (5 / 12) أخبار زياد.


(126)

 

[ البدأة بمكّة أو بالمدينة، في سفر الحجّ؟ ]

واختلف السلف رحمهم الله في أنّ الأفضل البداءة بالمدينة قبل مكّة، أو بمكّة قبل المدينة.

وممّن نصّ على هذه المسألة وذكر الخلاف فيها ; الإمام أحمد(رحمه الله) في كتاب «المناسك الكبير» من تأليفه، وهذه المناسك رواها الحافظ أبو الفضل محمّد بن ناصر، عن الحاجب أبي الحسن عليّ بن محمّد العلاّف، عن أبي الحسن عليّ بن أحمد بن عمر الحمامي، عن إسماعيل بن عليّ الخطييّ(1)، عن عبدالله بن أحمد، عن أبيه.

في هذه المناسك: سئل عمّن يبدأ بالمدينة قبل مكّة ؟

فذكر بإسناده عن عبدالرحمان بن يزيد وعطاء ومجاهد قالوا: إذا أردت مكّة فلا تبدأ بالمدينة، وابدأ بمكّة، وإذا قضيت حجّك فامرر بالمدينة إن شئت.

وذكر بإسناده عن الأسود قال: اُحبّ أن يكون نفقتي وجهازي وسفري أن أبدأ بمكة.

وعن إبراهيم النخعيّ: إذا أردت مكّة فاجعل كلّ شيء لها تبعاً.

وعن مجاهد: إذا أردت الحجّ أو العمرة فابدأ بمكّة، واجعل كلّ شيء لها تبعاً.

وعن إبراهيم قال: إذا حججت فابدأ بمكّة، ثمّ مرّ بالمدينة بعد.

وذكر الإمام أحمد أيضاً بإسناده عن عديّ بن ثابت: أنّ نفراً من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يبدأون بالمدينة إذا حجّوا، يقولون: نهلّ من حيث أحرم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): الخطبي.


(127)

وذكر ابن أبي شيبة في مصنّفه هذا الأثر أيضاً (1)، وذكر بإسناده عن علقمة والأسود وعمرو بن ميمون: أنّهم بدأوا بالمدينة قبل مكة(2).

وقال الموفّق بن قدامة: قال ـ يعني أحمد ـ: وإذا حجّ للذي لم يحجّ قطّ ـ يعني من غير طريق الشام ـ لا يأخذ على طريق المدينة ; لأنّي أخاف أن يحدث به حدث، فينبغي أن يقصد مكّة من أقْصَر الطرق، ولا يتشاغل بغيره.

قلت: وهذا في العمرة متّجه ; لأنّه يمكنه فعلها متى وصل إلى مكّة، وأمّا الحجّ فله وقت مخصوص، فإذا كان الوقت متّسعاً لم يفت عنه بمروره بالمدينة  شيء.

وممّن نصّ على هذه المسألة من الأئمّة أبو حنيفة(رحمه الله) وقال: الأحسن أن يبدأ بمكّة، روى ذلك الحسن بن زياد عنه فيما حكاه أبو الليث السمرقنديّ.

فانظر كلام السلف والخلف في إتيان المدينة إمّا قبل مكّة، وإمّا بعدها.

ومن أعظم ما تؤتى له المدينة الزيارة، ألا ترى أنّ بيت المقدس لا يأتيه إلاّ القليل من الناس وإن كان مشهوداً له بالفضل، والصلاة فيه مضاعفة؟!

فتوفّر الهمم خلفاً عن سلف على إتيان المدينة إنّما هو لأجل الزيارة، وإن اتفق معها قصد عبادات اُخر فهو مغمور بالنسبة إليها.

وأمّا ما نقل من تعليل بعض الصحابة بالإهلال من ميقات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فذلك أمر مقصود، وليس هو كلّ المقصود، ولعلّهم رضي الله عنهم رأوا أنّه ميقاتهم الأصليّ لمّا كانوا بالمدينة مع نبيّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) فأحبّوا أن لا يغيّروا ذلك، وإلاّ فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وقّت لأهل كلّ بلد ميقاتاً، ولعلّ الإحرام منه أولى، إلاّ أن يعارضه معارض.

والتابعون الكوفيّون الذين اختاروا البداءة بالمدينة لم يُنقل عنهم تعليل،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصنف لابن أبي شيبة (4 / 318) ب32 في الرجل يحجّ يبدأ بمكّة أو بالمدينة، ح(1).

(2) المصنف لابن أبي شيبة (نفس الموضع والباب) ح(6).


(128)

فلعلّ سببه عندهم إيثار الزيارة، ولو كانت العلّة الإحرام من ميقات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأتوها إذا اتفق لهم البداءة بمكّة ; لفوات الإحرام، فلمّا اتفقوا على إتيانها ـ وإنّما اختلفوا في البداءة ـ دلّ على أنّ العلّة غيره، وهي ما فيها من المشاهد، وأعظمها الزيارة، فهي إمّا كلّ المقصود، أو معظمه، وغيرها منغمر فيها.

وممّن اختار البداءة بمكّة ثمّ إتيان المدينة والقبر ; الإمام أبو حنيفة، كما سنحكيه عنه في الباب الرابع.

[ الفقهاء يقرّرون السفر لزيارة القبر الشريف ]

وقال أبو بكر محمّد بن الحسين الآجريّ في كتاب «الشريعة»(1) في باب دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ما أحد من أهل العلم قديماً ولا حديثاً ـ ممّن رسم لنفسه كتاباً نسبه إليه من فقهاء المسلمين، فرسم كتاب المناسك ـ إلاّ وهو يأمر كلّ من قدم المدينة ممّن يريد حجّاً أو عمرة، أو لا يريد حجّاً ولا عمرة، وأراد زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمقام بالمدينة لفضلها إلاّ وكلّ العلماء قد أمروه ورسموه في كتبهم، وعلّموه كيف يسلّم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وكيف يسلّم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: علماء الحجاز قديماً وحديثاً، وعلماء أهل العراق قديماً وحديثاً، وعلماء أهل الشام قديماً وحديثاً، وعلماء أهل خراسان قديماً وحديثاً، وعلماء أهل اليمن قديماً وحديثاً، وعلماء أهل مصر قديماً وحديثاً، فلله الحمد على ذلك.

وقال قريباً من هذا الكلام أبو عبدالله عبيدالله بن محمّد بن محمّد بن حمدان بن بطة العكبريّ الحنبليّ في كتاب «الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة»(2) في باب دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أيضاً قال: بحسبك دلالة على إجماع المسلمين واتفاقهم على دفن أبي بكر وعمر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشريعة للآجري.

(2) الإبانة لابن بطة.


(129)

مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّ كلّ عالم من علماء المسلمين وفقيه من فقهائهم، ألفّ كتاباً في المناسك، ففصّله فصولا، وجعله أبواباً، يذكر في كلّ باب فقهه، ولكلّ فصل علمه، وما يحتاج الحاجّ إلى علمه والعمل به قولا وفعلا: من الإحرام، والطواف، والسعي، والوقوف، والنحر، والحلق، والرمي، وجميع ما لا يسع الحاجّ جهله، ولا غنى بهم عن علمه، حتّى يذكر زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيصف ذلك فيقول:

ثمّ تأتي القبر فتستقبله، وتجعل القبلة وراء ظهرك وتقول: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته، حتّى يصف السلام والدعاء.

ثمّ يقول: وتقدم على يمينك قليلا وتقول: السلام عليك يا أبا بكر وعمر.

وإنّ الناس يحجّون البيت من كلّ فجّ عميق وبلد سحيق، فإذا أتوا البيت لا يشكّون أنّه بيت الله المحجوج إليه، وكذلك ما يأتونه من أعمال المناسك وفرائض الحجّ وفضائله ينادي بعضه بعضاً، حتّى يأتوا قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فيسلّمون عليه وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد أدركنا الناس ورأيناهم، وبلغنا عمّن لمن نره أنّ الرجل إذا أراد الحجّ فسلّم عليه أهله وصحابته قالوا له: وتقرأ على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر منّا السلام، فلا ينكر ذلك أحد ولا يخالفه.

هذا كلام ابن بطة رحمه الله تعالى، وقد أنبأنا به جماعة من شيوخنا عن الحافظ أبي الحجّاج يوسف بن خليل بسنده إلى ابن بطة.

ومقصوده ومقصود الآجريّ الردّ على بعض الملحدة في إنكار دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّا زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم ينكرها أحد، وإنّما جاءت في كلامهما على سبيل التبع ; لأنّه لم يظنّ أحد أن يقع فيها أو في السفر إليها نزاع في قرن الثمانمائة.

واستفيد من كلامهما أنّ سفر الحجيج إليها لم يزل في السلف والخلف، وأنّها تابعة للمناسك.


(130)

وأبو بكر الآجريّ هذا قديم، توفّي في المحرّم سنة ستّين وثلاثمائة، وكان ثقة صدوقاً ديّناً، وله تصانيف كثيرة، وحدّث ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة، انتقل إلى مكّة فسكنها حتّى توفّي بها.

وابن بطة المذكور توفّي في المحرّم سنة سبع وثمانين وثلاثمائة بعكبرى، من فقهاء الحنابلة، كان إماماً فاضلا عالماً بالحديث، وفقهه أكثر من الحديث، وصنّف التصانيف المفيدة.

وهكذا قال غيرهما:

قال القاضي عياض (1): قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: وممّا لم يزل من شأن من حجّ المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والتبرّك برؤية روضته، ومنبره، وقبره، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطىء قدميه، والعمود الذي كان يستند إليه، وينزل جبرئيل بالوحي فيه عليه، وبمن عمّره وقصده من الصحابة وأئمّة المسلمين، والاعتبار في ذلك كلّه.

وقد ذكرنا في باب نصوص العلماء على استحباب الزيارة قول الباجي المالكيّ: إنّ الغرباء قصدوا لذلك ; يعني قصدوا المدينة من أجل القبر والتسليم.

ذكر هذا في معرض الفرق بين أهل المدينة والغرباء لمّا فرق مالك رحمه الله بينهم، كما سبق.

وسنذكر في الباب الرابع من كلام العبديّ المالكيّ في «شرح الرسالة» أنّ المسير إلى المدينة لزيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل من الكعبة ومن بيت  المقدس.

وأكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب ممّن حكينا كلامهم في باب الزيارة، يقتضي استحباب السفر ; لأنّهم استحبّوا للحاجّ بعد الفراغ من الحجّ الزيارة، ومن ضروريّها السفر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشفاء، بتعريف حقوق المصطفى(عليه السلام) للقاضي عياض (2 / 197) الفصل (9) حكم زيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم). وشعب الايمان للبيهقي (ص      ).


(131)

[ حكاية العُتبيّ عن الأعرابيّ ]

وحكاية الأعرابيّ المشهورة التي ذكر المصنفون في مناسكهم، وفي بعض طرقها: أنّ الأعرابيّ ركب راحلته وانصرف، وذلك يدلّ أنّه كان مسافراً.

والحكاية المذكورة ذكرها جماعة من الأئمة عن العتبيّ، واسمه محمّد بن عبيدالله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان ; صخر بن حرب، كان من أفصح الناس، صاحب أخبار ورواية للآداب، حدّث عن أبيه، وسفيان ابن عيينة(1) توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين، يكنّى أبا عبدالرحمان.

وذكرها ابن عساكر في تأريخه(2)، وابن الجوزيّ في «مثير العزم الساكن» وغيرهما بأسانيدهم إلى محمّد بن حرب الهلاليّ قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابيّ فزاره، ثمّ قال: يا خير الرسل، إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: }وَلَوْ أنّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيمَاً{ وإنّي جئتك مستعفراً ربّك من ذنوبي، مستشفعاً فيها بك.

وفي رواية: وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربّي.

ثمّ بكى وأنشأ يقول:

 

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهنّ القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم

 

ثمّ استغفر وانصرف فرقدت فرأيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في نومي وهو يقول: «الحق الرجل، وبشّره أن الله قد غفر له بشفاعتي» فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم  أجده.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): عتبة.

(2) تاريخ ابن عساكر.


(132)

وقد نظم أبو الطيّب أحمد بن عبدالعزيز بن محمّد المقدسيّ(رحمه الله) وسأله بعضهم الزيادة على هذين البيتين وتضمينهما، فقال ـ ورواها ابن عساكر(رحمه الله)عنه ـ(1):

 

أقول والدمع من عينيّ منسجم لمّا رأيتُ جدار القبر يُستلمُ

والناس يغشونه باك ومنقطعٌ من المهابة أو داع فملتزم

فما تمالكتُ أن ناديتُ من حرق في الصدر كادت له الأحشاء تضطرم

يا خير من دُفنتْ بالقاع أعظمُه فطابَ من طيبهنّ القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنتَ ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم

وفيه شمس التقى والدين قد غربت من بعد ما أشرقتْ من نورها الظلم

حاشا لوجهك أن يبلى وقد هُديتْ في الشرق والغرب من أنواره الأمم

وإن تمسّك أيدي الترب لامسةً وأنت بين السماوات العلى علم

لقيتَ ربّك والإسلام صارمه ماض وقد كان بحر الكفر يلتطم

فقمت فيه مَقام المرسلين إلى أن عزّ فهو على الأديان يحتكم

لئن رأيناه قبراً إنّ باطنه لروضة من رياض الخلد تبتسم

طافت به من نواحيه ملائكة تغشاه في كلّ ما يوم وتزدحم

لو كنتُ أبصرته حيّاً لقلت له: لا تمشِ إلاّ على خدّي لك القدم

هدى به الله قوماً قال قائلهم ببطن يثرب(2) لمّا ضمه الرجم:

إن مات أحْمَدُ فالرحمن خالقه حيّ ونعبده ما أورق السلم

 

قال الجوهريّ(رحمه الله): الرجَم ـ بالتحريك ـ القبر، والله تعالى أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن عساكر.

(2) حرّف ابن عبدالهادي في الصارم المنكي (ص253) كلمة «يثرب» إلى (حكة)!!


(133)

 


(134)

 

الباب الرابع:

 

في

نُصوص العُلماء على استحباب زيارة

قبر سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

وبيان أنّ ذلك مجمعٌ عليه بين المسلمين


(135)

 

 

قال القاضي عياض(رحمه الله): وزيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) سنّة بين المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغّب فيها(1).

وقال القاضي أبو الطيّب: ويستحبّ أن يزور النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن يحجّ ويعتمر.

وقال المحامليّ في «التجريد»: ويستحبّ للحاجّ إذا فرغ من مكّة أن يزور قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال أبو عبدالله الحسين بن الحسن الحليميّ في كتابه المسمّى بـ «المنهاج في شعب الإيمان في تعظيم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)» فذكر جملة من ذلك، ثمّ قال: وهذا كان من الذين رزقوا مشاهدته وصحبته، فأمّا اليوم فمن تعظيمه زيارته.

وقال الماورديّ في «الحاوي»: أمّا زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فمأمور بها، ومندوب إليها.

وذَكر الماورديّ في «الأحكام السلطانيّة» باباً في الولاية على الحجيج قال: ولاية الحجّ ضربان:

أحدهما: على تسيير الحجيج.

والثاني: على إقامة الحجّ.

فأمّا الأوّل: فشرط المتولّي أن يكون مطاعاً ذا رأي وشجاعة، وعليه في هذه الولاية عشرة أشياء... فذكرها.

ثمّ قال: فإذا قضى الناس حجّهم أمهلهم الأيّام التي جرت عادتهم بها، فإذا رجعوا سار بهم على طريق مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليجمع لهم بين حجّ بيت الله، وزيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رعايةً لحرمته، وقياماً بحقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فروض الحجّ فهو من مندوبات الشرع المستحبّة، وعادات الحجيج

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشفاء للقاضي عياض (2 / 194) الفصل (9) وفي طبعة (2 / 74).


(136)

المستحسنة (1).

وقال صاحب «المهذّب»: ويستحبّ زيارة قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال القاضي حسين: إذا فرغ من الحجّ فالسُنّة أن يقف بالملتزم ويدعو، ثمّ يشرب من ماء زمزم، ثم يأتي المدينة ويزور قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال الروياني: يستحبّ إذا فرغ من حجّه أن يزور قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

ولا حاجة إلى تتبّع كلام الأصحاب في ذلك، مع العلم بإجماعهم وإجماع سائر العلماء عليه.

والحنفية قالوا: إنّ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من أفضل المندوبات والمستحبّات، بل تقرب من درجة الواجبات.

وممّن صرّح بذلك منهم أبو منصور محمّد ابن مكرم الكرمانيّ في «مناسكه»، وعبدالله بن محمود بن بلدحي في «شرح المختار»(2).

وفي «فتاوى أبي الليث السمرقنديّ» في باب أداء الحجّ: روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنّه قال: الأحسن للحاجّ أن يبدأ بمكّة، فإذا قضى نسكه مرّ بالمدينة، وإن بدأ بها جاز، فيأتي قريباً من قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيقوم بين القبر والقبلة، فيستقبل القبلة، ويصلّي على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويترحّم عليهما.

وقال أبو العباس السروجيّ في «الغاية»: إذا انصرف الحاجّ والمعتمرون من مكّة، فليتوجّهوا إلى طيبة مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وزيارة قبره ; فإنّها من أنْجح المساعي.

 

[ نصوص الحنابلة ]

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأحكام السلطانية للماوردي (ص108 ـ 109).

(2) لاحظ ردّ المحتار على شرح المختار (2 / 257).


(137)

وكذلك نصّ عليه الحنابلة أيضاً ; قال أبو الخطّاب محفوظ بن أحمد بن الحسن(1) الكلواذانيّ الحنبلي في كتاب «الهداية» في آخر باب صفة الحجّ: وإذا فرغ من الحجّ استحبّ له زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبر صاحبيه.

وقال أبو عبدالله محمّد بن عبدالله بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن إدريس السامريّ في كتاب «المستوعب»: باب زيارة قبر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا قدم مدينة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) استحبّ له أن يغتسل لدخولها، ثمّ يأتي مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ويقدّم رجله اليمنى في الدخول، ثمّ يأتي حائط القبر، فيقف ناحية، ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره... وذكر كيفيّة السلام والدعاء إلى آخره.

ومنه: اللهمّ إنّك قلت في كتابك لنبيّك(عليه السلام): }وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤوكَ...{ الآية، وإنّي قد أتيت نبيّك مستغفراً، فأسألك أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهمّ إنّي أتوجّه إليك بنبيّك(صلى الله عليه وآله وسلم)... وذكر دعاء طويلا.

ثمّ قال: وإذا أراد الخروج عاد إلى قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فودّع.

وانظر هذا المصنّف من الحنابلة ـ الذين الخصم متمذهب بمذهبهم(2) ـ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): الحسين.

(2) دعوى ابن تيميّة أنّه على المذهب الحنبلي مشهورة، لكنّه مخالف له في عقائده بأصول الدين وأحكامه في فروع الدين، لاحظ للتوسع:

كتاب «دفع شُبَه من شَبّه وتمرّد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد» للإمام تقي الدين الحِصْنيّ، وهو مطبوع.

وكتاب «صلح الإخوان في الردّ على من قال على المسلمين بالشرك والكفران» للعلاّمة داود بن سليمان النقشبندي العاني البغدادي، وهو مطبوع.

وانظر الصارم المنكي (ص145) فقد نقل الأثرم عن أحمد بن حنبل: قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يُلمس ويتمسّح به؟ قال: ما أعرف هذا، قلت: فالمنبر؟ قال: أما المنبر، فنعم.

وقد جاء عن ابن عمر انّه مسح على المنبر، ومن سعيد بن المسيب: في الرمانة.

قلت: انّهم يلصقون بطونهم بجدار القبر ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسّونه ويقومون ناحية فيسلّمون، فقال: نعم.

وهكذا صدّق أحمد بأنّ الناس كانوا يفعلون بجدار القبر، ولم يستنكره، ولم يكرهه ولم يكفر القائمين بمسح بطونهم بجدار القبر، كما يفعل السلفية المدعون للحنبلية في عصر ابن تيمية والوهابية اليوم! قطع الله أيديهم، وكفى القبر الشريف وزائريه الكرام شرورهم.

وانظر رفع المنارة (ص57 هـ) فقد نقل نصّاً قاطعاً عن الحافظ الذهبي في معجم الشيوخ (1  / 73 ـ 74) فيه عن أحمد انّه لم يرَ بأساً بلمس القبر النبوي. وفيه كلام عجيب تكفّره عليه السلفيّة الأجلاف!


(138)

كيف نصّ على التوجّه بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)!

وكذلك أبو منصور الكرمانيّ من الحنفيّة قال: إن كان أحد أوصاك بتبليغ السلام تقول: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، يستشفع بك إلى ربّك بالرحمة والمغفرة، فاشفع له.

وسنعقد لذلك باباً في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

وقال نجم الدين بن حمدان الحنبليّ في «الرعاية الكبرى»: ويسنّ لمن فرغ من نسكه زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبر صاحبيه رضي الله عنها، وله ذلك بعد فراغ حجّه، وإن شاء قبل فراغه.

وقد عقد ابن الجوزيّ في كتابه المسمّى «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن»(1) باباً في زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر فيه حديث ابن عمر وحديث أنس رضي الله عنهم.

وقال الشيخ موفّق الدين بن قدامة المقدسيّ في كتاب «المغني»(2) وهو من أعظم كتب الحنابلة التي يعتمدون عليها: فصل: يستحبّ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكر حديث ابن عمر من طريق الدارقطنيّ ومن طريق سعيد بن منصور عن حفص، وحديث أبي هريرة(رضي الله عنه) من طريق أحمد: «ما من أحد يسلّم عليّ عند

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مثير العزم الساكن لابن الجوزي.

(2) المغني لابن قدامة (3 / 558).


(139)

قبري...»(1).

وكذلك نصّ عليه المالكيّة، وقد تقدّم حكاية القاضي عياض الإجماع.

وفي كتاب «تهذيب المطالب»(2) لعبد الحقّ الصقليّ عن الشيخ أبي عمران المالكيّ: أنّ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) واجبة(3).

قال عبدالحقّ: يعني من السنن الواجبة.

وقال عبدالحقّ أيضاً في هذا الكتاب: رأيت في بعض المسائل التي سئل عنها الشيخ أبو محمّد بن أبي زيد: قيل له في رجل استؤجر بمال ليحجّ به،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المغني لابن قدامة (3 / 588) وقد مرّ سابقاً.

(2) في معجم المؤلفين (5 / 94) سمّاه: تهذيب الطالب! فلاحظ.

(3) وجوب الزيارة نقله الأخنائي المالكي في ردّه على ابن تيمية كما في (الصارم ص157). قال(رحمه الله): ونحن السادة العلماء المجتهدين بالحضّ على ذلك والندب إليه وعلى ذلك والندب إليه والغبطة لمن سارع لذلك وداوم عليه حتى نحا بعضهم في الوجوب وورفعه عن درجة المباح والمندوب.

لابدّ أن يحمل على الكفائي ـ دون العيني ـ وذلك بعنوان تعظيم الشعائر الإسلامية، إذ لا ريب أنّ تركها فيه من الجفاء وعدم الاهتمام بالرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ما يتوق له أعداء الإسلام، ويروّجون له، ولهذا ترى السلفية اللئام يركّزون عليه، ويمنعونه ويقبّحونه بشتّى الأشكال والأساليب، وبكلمة «التوحيد» التي هي حق، لكن يُراد بها باطل لإزدراء بمقام الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وقبره المعظّم.

والمحافظة على كرامة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بالوفود على قبره المعظّم وزيارته والسلام عليه عند قبره بالقصد الخاص من أعظم القرب الدينية والشعائر الإسلامية، في كل العصور، وخصوصاً في عصرنا الذي تستولي زمرة الوهابيّة، عبّاد الاُمراء والملوك، وعبيد الدنيا والدولار، على تلك المشاهد الشريفة والبيوت المرفوعة، قطع الله شأفتهم، وأراح البلاد والعباد منهم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

وسيأتي بعض هذا في كلام الإمام السبكي المؤلّف في الباب الخامس: في تقرير كون زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قربة.

وسيعيد المصنّف عبارة الصقلي هذا في هذا الباب عند نقل فتوى مالك كراهة لفظ «الزيارة».

والغريب ان ابن عبد الهادي ذكر في الصارم (325) النوع الثالث من أنواع زيارة القبور، قال: فهو زيارتها للدعاء.. إلى أن يقول: وهذا مشروع، بل فرض على الكفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين! لكنّه لم يصرّح هنا باسم زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل أطلق، وهذا من أساليب تلبيس السلفية الأوغاد.   وكتب السيّد


(140)

وشرطوا عليه الزيارة: لم يستطع تلك السنة أن يزور لعذر منعه من تلك ؟

قال: يردّ من الاُجرة بقدر مسافة الزيارة.

قال الحاكي عنه ذلك.: وقال غيره من شيوخنا: عليه أن يرجع ثانياً(1) حتّى يزور.

قال عبدالحقّ: انظر، إن استوجر للحجّ لسنة بعينها، فها هنا يسقط من الأُجرة ما يخصّ الزيارة، وإن استؤجر على حجّة مضمونة في ذمّته فهاهنا يرجع ويزور، وقد اتفق النقلان.

وعبدالحقّ هذا هو: عبدالحقّ بن محمّد بن هارون السهميّ القرويّ، صقليّ، تفقّه بشيوخ القيروان، وتفقّه بالصقليّين أيضاً، منهم: أبو عمران وغيره، وحجّ ولقي عبدالوهّاب(رحمه الله)، وحجّ ثانياً فلقي إمام الحرمين، فباحثه في أشياء، وسأله عن مسائل أجابه عنها، وكان مليح التأليف، ألّف كتباً كثيرة في مذهب مالك، توفّي بالإسكندريّة سنة ستّ وستّين وأربعمائة.

وهذا الفرع الذي ذكره في الاستئجار على الزيارة فرع حسن.

والذي ذكره أصحابنا: أنّ الاستئجار على الزيارة لا يصحّ ; لأنّه عمل غير مضبوط، ولا مقدّر بشرع، والجعالة إن وقعت على نفس الوقوف لم يصحّ أيضاً ; لأنّ ذلك ممّا لا يصحّ فيه النيابة عن الغير، وإن وقعت الجعالة على الدعاء عند قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت صحيحة ; لأنّ الدعاء ممّا يصحّ النيابة فيه، والجهل بالدعاء لا يبطلها، قال ذلك الماورديّ في «الحاوي» في كتاب الحجّ (2).

وبقي قسم ثالث لم يذكره الماورديّ: وهو إبلاغ السلام، ولا شكّ في جواز الإجارة والجعالة عليه، كما كان عمر بن عبدالعزيز يفعل.

والظاهر أنّ مراد المالكيّة هذا، وإلاّ فمجرّد الوقوف من الأجير لا يحصّل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): نائبه.

(2) الحاوي للماوردي.


(141)

للمستأجر غرضاً، وسيأتي في كتاب ابن المواز من نصّ مالك ما يقتضي أنّه يقف ويدعو عند قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يفعل عند وداع البيت.

وفي كتاب «النوادر» لابن أبي زيد ـ بعد أن حكى في زيارة القبور من كلام ابن حبيب، وعن المجموعة عن مالك، ومن كلام ابن القرظيّ ـ ثمّ قال عقيبه: ويأتي قبور الشهداء باُحد ويسلّم عليهم، كما يسلّم على قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى ضجيعيه.

وفيه أيضاً من كلام ابن حبيب: ويدلّ على التسليم على أهل القبور ما جاء من السنّة في التسليم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر مقبورين.

وقال أبو الوليد محمّد بن رشد المالكيّ في شرح «العينيّة» المسمّى بكتاب «البيان والتحصيل»(1) في كتاب الجامع، في سلام الذي يمرّ بقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وسئل عن المارّ بقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أترى أن يسلّم كلمّا مرّ؟

قال: نعم، أرى ذلك عليه أن يسلّم عليه إذا مرّ به، وقد أكثر الناس من ذلك، فأمّا إذا لم يمرّ به فلا أرى ذلك، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهمّ لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

فقد أكثر الناس من هذا، فإذا لم يمرّ عليه فهو في سعة من ذلك.

قال: وسئل عن الغريب يأتي قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ يوم ؟

فقال: ما هذا من الأمر، ولكن إذا أراد الخروج.

قال محمّد بن رشد: المعنى في هذا، أنّه يلزمه أن يسلّم عليه كلّما مرّ به متى ما مرّ، وليس عليه أن يمرّ به ليسلّم عليه إلاّ للوداع عند الخروج، ويكره له أن يكثر المرور به، والسلام عليه، والإتيان كلّ يوم إليه ; لئلاّ يجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يؤتى كلّ يوم للصلاة فيه، وقد نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك ; لقوله: «اللهمّ لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البيان والتحصيل، لابن رشد.


(142)

أنبيائهم مساجد» انتهى كلام ابن رشد.

وانظر كيف جعل عليه أن يأتيه للوداع، وبطريق الأولى السلام، وإنّما كراهة الإكثار لما ذكره، وأصل الاستحباب متّفق عليه.

 

[ مناظرة الإمام مالك وأبي جعفر المنصور ]

وقد روى القاضي عياض في «الشفاء»(1) قال: ثنا القاضي أبو عبدالله محمّد ابن عبدالرحمان الأشعريّ، وأبو القاسم أحمد بن بقيّ [الحاكم]، وغير واحد فيما أجازوا به (2)، قالوا: ثنا أحمد بن عمر بن دلهاث، ثنا عليّ بن فهر، ثنا محمّد بن أحمد ابن الفرج، ثنا عبدالله بن المنتاب، ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا ابن حميد قال:

ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد ; فإنّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: }لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ...{ الآية، ومدح قوماً: }إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهم عندَ رسول الله...{ الآية، وذمَّ قوماً، فقال: }إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ... {الآية، وإنّ حرمته ميّتاً كحرمته حيّاً.

فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبدالله، أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فقال: ولِمَ تصرف وجهك عنه ؟ وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم(عليه السلام) إلى الله تعالى يوم القيامة؟!

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشفاء للقاضي عياض (2 / 201 ـ 206) فصل 9 ونقلها في الصارم (263) عن افتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص393 ـ 394.

وقد حاول تضعيفها والحكم بأنها مغيّرة! وببطلان ذيلها!!!

وهكذا يُحاول فيما لا يوافق هواه!

(2) في الصارم (259): أجازوا فيه.


(143)

بل استقبله واستشفع به، فيشفعه الله تعالى، قال الله تعالى: }وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاؤوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله...{ الآية.

فانظر هذا الكلام من مالك(رحمه الله) وما اشتمل عليه من الزيارة والتوسّل بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحسن الأدب معه.

وقال القاضي عياض: قال ابن حبيب: وتقول إذا دخلت مسجد الرسول: بسم الله، وسلام على رسول الله، السلام علينا من ربّنا، وصلّى الله وملائكته على محمّد، اللهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وجنّتك، واحفظني من الشيطان الرجيم.

ثم اقصد إلى الروضة، وهي ما بين القبر والمنبر، فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر.

ثمّ تقف بالقبر متواضعاً متواقراً، فتصلّي عليه، وتثني بما يحضرك، وتسلّم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وتدعو لهما.

ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.

وقال مالك في «كتاب محمّد»: ويسلم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل وخرج ; يعني في المدينة وفيما بين ذلك.

وقال محمّد: وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر، وكذلك من خرج مسافراً.

وقال مالك في «المبسوط»: وليس يلزم من دخل المسجد أو خرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنّما ذلك للغرباء.

وقال فيه أيضاً: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيصلّي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر.

فقيل له: فإنّ ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرّة أو أكثر، وربّما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرّة والمرّتين أو


(144)

أكثر عند القبر، فيسلّمون ويدعون ساعة.

فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأُمّة إلاّ ما أصلح أوّلها، ولم يبلغني عن أوّل هذه الأُمّة وصدرها أنّهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلاّ لمن جاء من سفر أو أراده.

قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها، أتوا القبر فسلّموا، قال: وذلك رأيي.

قال الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء ; لأنّ الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها، لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم.

انتهى ما حكاه القاضي عياض.

وانظر قول الباجي: إنّ الغرباء قصدوا لذلك، ودلالته على أنّ الغرباء قصدوا المدينة من أجل القبر والتسليم.

والمتلخّص من مذهب مالك(رحمه الله): أنّ الزيارة قربة، ولكنّه على عادته في سدّ الذرائع يكره منها الإكثار الذي قد يفضي إلى محذور.

والمذاهب الثلاثة يقولون باستحبابها واستحباب الإكثار منها ; لأنّ الإكثار من الخير خير، وكلّهم مجمعون على استحباب الزيارة.

وفي كتاب «النوادر»: ويأتي قبور الشهداء باُحد، ويسلّم عليهم كما يسلّم على قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى ضجيعيه.

وقال أبو محمّد عبدالكريم بن عطاء الله بن عبدالرحمان بن عبدالله بن محمّد بن عيسى بن الحسن المالكيّ في «مناسكه» التي التزم فيها مشهور مذهب مالك: فصل: إذا كمل لك حجّك وعمرتك على الوجه المشروع، لم يبقَ بعد ذلك إلاّ إتيان مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للسلام على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والدعاء عنده، والسلام على صاحبيه، والوصول إلى البقيع، وزيارة ما فيه من قبور الصحابة والتابعين، والصلاة في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا ينبغي للقادر على ذلك  تركه.


(145)

وقال العبديّ في «شرح الرسالة»: وأمّا النذر للمشي إلى المسجد الحرام، أو المشي إلى مكّة، فله أصل في الشرع، وهو الحجّ والعمرة، وإلى المدينة لزيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس، وليس عندهما حجّ ولا عمرة، فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاثة لزمه، فالكعبة متّفق عليها، واختلف أصحابنا وغيرهم في المسجدين الآخرين.

قلت: الخلاف الذي أشار إليه في نذر إتيان المسجدين، لا في الزيارة.

 

[ عمل الصحابة والتابعين ]

فهذه نقول المذاهب الأربعة، وكذلك غيرهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

فقد صحّ من وجوه كثيرة عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنّه كان يأتي القبر، فيسلّم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):

أنا عبدالمؤمن بن خلف، أنا إبراهيم بن أبي الخير، وأبو عبدالله محمّد بن المنى، منفردين في الرحلة الأُولى، قالا: أنا شهدة، أنا الحسن بن أحمد بن سليمان، أنا الحسن بن أحمد بن شاذان، أنا دعلج، أنا محمّد بن عليّ بن زيد الصائغ، ثنا سعيد ابن منصور، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر: أنّه كان يأتي القبر فيسلّم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أبي بكر وعمر.

وقال دعلج: هذا الحديث في «الموطّأ»(1) عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، وأنا به إسحاق بن النحّاس من طريق آخر إلى سعيد بن منصور ثنا مالك به.

وروي عن ابن عون قال: سأل رجل نافعاً: هل كان ابن عمر يسلّم على القبر؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الموطأ لمالك.

أقول لم أجده فيه، ولعلّ نسخه مختلفة كرواياته، وقد نقل السيوطي في الدر المنثور (1 / 237) قال: أخرج البيهقي عن ابن عمر أنه كان يأتي القبر فيسلّم على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يمسّ القبر، ثم يسلّم على أبي بكر ثم على عمر.


(146)

قال: نعم، لقد رأيته مائة مرّة أو أكثر من مائة مرّة ; كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول: السلام على النبيّ، السلام على أبي بكر، السلام على أبي.

وفي «الموطّأ» من رواية يحيى بن يحيى الليثيّ عن ابن عمر: كان يقف على قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيصلّي على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أبي بكر وعمر.

وعن ابن القاسم والقعنبيّ: ويدعو لأبي بكر وعمر.

وقال في رواية ابن وهب: يقول المسلّم: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته.

قال في «المبسوط»: ويسلّم على أبي بكر وعمر.

قال القاضي أبو الوليد الباجي: وعندي أنّه يدعو للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بلفظ «الصلاة» ولأبي بكر وعمر ; لما في حديث ابن عمر من الخلاف.

وقال عبدالرزاق في مصنّفه: باب السلام على قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(1)، وروى فيه آثاراً، منها بإسناد صحيح أنّ ابن عمر كان إذا قدم من سفر، أتى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.

وروى عبدالرزاق في هذا الباب أيضاً أنّ سعيد بن المسيّب رأى قوماً يسلّمون على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ما مكث نبيّ في الأرض أكثر من أربعين يوماً.

ثمّ روى عبدالرزاق فيه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «مررت بموسى ليلة اُسري بي وهو قائم يصلّي في قبره»(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصنّف لعبد الرزاق (3 / 576) ح6725. ويلاحظ ان القبر هنا لا يمكن تأويله بالمسجد كما يُحاول ابن تيمية! لأنّه لا معنى للسلام على المسجد، إلاّ أن يدّعي أن المراد: السلام على باب المسجد، يعني السلام على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على باب المسجد، فانّه مستحب، وليس مثل هذه التأويلات البعيدة بعيداً عن عمل ابن تيمية وأتباعه!

(2) المصنف لعبد الرزاق (3 / 577) ح6727. الحديث من كنز العمال (11 / 511) برقم (32387) وقال: حل ـ عن أنس.

وقال السيوطي في الدر المنثور (4 / 150) أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لما اُسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلّي في قبره.


(147)

كأنّه قصد بذلك ردّ ما روي عن ابن المسيّب، وهو ردّ صحيح، وما ورد عن ابن المسيّب ورد فيه حديث نذكره في باب حياة الأنبياء.

وقد وري عن عثمان بن عفّان(رضي الله عنه) أنّه لمّا حُصر، أشار بعض الصحابة عليه بأن يلحق بالشام فقال: لن اُفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها.

وهو مخالف لما قال ابن المسيّب(رحمه الله) وهو الصحيح، وكذلك ما ذكرناه عن ابن عمر.

ثمّ لو صحّ قول ابن المسيّب، لم يمنع من استحباب زيارة القبر ; لشرفه بحلوله فيه، ونسبته إليه، كما قال الشاعر:

 

أمّر على الديار ديار ليلى اُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حبّ من سكن الديارا

 

وابن المسيّب(رحمه الله) لم ينكر التسليم، وإنّما ذكر عدم الفائدة.

وقال القاضي عياض في «الشفاء» (1): قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فوقف فرفع يديه، حتى ظننت أنّه افتتح الصلاة، فسلّم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ثمّ انصرف.

 

[ استقبال القبر الشريف عند السلام عليه ]

وفي «مسند الإمام أبي حنيفة(رحمه الله)»(2) تصنيف أبي القاسم طلحة بن محمّد بن جعفر الشاهد العدل، قال: ثنا محمّد بن مخلّد، حدّثني محمّد بن يعقوب بن إسحاق ابن حكيم، حدّثني أحمد بن الخليل، حدّثني الحسن، ثنا ابن المبارك، ثنا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشفاء للقاضي عياض (2 / 198) فصل (9).

(2) مسند أبي حنيفة.


(148)

وهب، عن أبي حنيفة قال: جاء أيّوب السختيانيّ فدنا من قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فاستدبر القبلة، وأقبل بوجهه إلى القبر، فبكى بكاء غير متباك.

وقال إبراهيم الحربيّ في «مناسكه»: تولي ظهرك القبلة، وتستقبل وسطه ـ يعني القبر ـ وتقول: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته.

وقال ابن بطّال في «شرح البخاريّ» قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» ـ بعد أن حكى القولين المشهورين ـ قال: واستدلّ الثاني بقوله: «ارتعوا في رياض الجنّة» يعني حلق الذكر والعلم، قال: ويكون معناه التحريض على زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والصلاة في مسجده، انتهى.

ولو استوعبنا الآثار وأقاويل العلماء في ذلك، لخرجنا إلى حدّ الطول والملل.

 

[ كراهة مالك لفظ : الزيارة ]

فإن قلت: قد كَرِهَ مالك(رحمه الله) أن يقال: «زرنا قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)».

قلت: قال القاضي عياض: قد اختلف في معنى ذلك.

فقيل: كراهية الأسم ; لما ورد من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لعن الله زوّارات القبور».

وهذه يردّه قوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» وقوله: «من زار قبري...» فقد أطلق اسم «الزيارة».

وقيل: لأنّ ذلك ما قيل: «إنّ الزائر أفضل من المزور».

وهذا أيضاً ليس بشيء، إذ ليس كلّ زائر بهذه الصفة، وليس عموماً، وقد ورد في حديث أهل الجنّة «لزيارتهم لربّهم»، ولم يمنع هذا اللفظ في حقّه.

والأولى عندي: أنّ منعه وكراهة مالك له ; لإضافته إلى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه لو قال: «زرنا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكرهه ; لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهمّ لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» فحمى إضافة هذا اللفظ


(149)

إلى القبر والتشبيه بفعل أولئك ; قطعاً للذريعة، وحسماً للباب، والله أعلم.

هذا كلام القاضي(1)، وما اختاره يشكل عليه قوله: «من زار قبري» فقد أضاف الزيارة الى القبر، إلاّ أن يكون هذا الحديث لم يبلغ مالكاً، فحينئذ يحسن ما قاله القاضي في الاعتذار عنه، لا في إثبات هذا الحكم في نفس الأمر.

ولعلّه يقول: إنّ ذلك من قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا محذور فيه، والمحذور إنّما هو في قول غيره.

وقد قال عبدالحقّ [الصقلي]، عن أبي عمران المالكيّ: إنّه قال: إنّما كره مالك أن يقال: «زرنا قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)» لأنّ الزيارة من شاء فعلها، ومن شاء تركها، وزيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) واجبة ـ .

قال عبدالحق: يعني من السنن الواجبة ـ ينبغي أن لا تذكر الزيارة فيه، كما تذكر في زيارة الأحياء الذين من شاء زارهم، ومن شاء ترك، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أشرف وأعلى من أن يسمّى أنّه يزار.

وهذا الجواب بينه وبين جواب القاضي بون في شيئين:

أحدهما: أنّه يقتضي تأكّد نسبة معنى الزيارة إلى القبر، وإن تجنّب لفظها، وجواب القاضي يقتضي عدم نسبتها إلى القبر.

والثاني: أنّه يقتضي التسوية في كراهية اللفظ بين قوله: «زرت القبر» وقوله: «زرت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)» وجواب القاضي يقتضي الفرق بينهما.

وقد قال أبو الوليد محمّد بن رشيد في «البيان والتحصيل»: قال مالك: أكره أن يقال: «الزيارة» لزيارة البيت الحرام، وأكره ما يقول الناس: «زرت النبيّ» وأعظم ذلك أن يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يزار.

قال محمّد بن رشد: ما كره مالك هذا ـ والله أعلم ـ إلاّ من وجه أنّ كلمة أعلى من كلمة، فلمّا كانت الزيارة تستعمل في الموتى، وقد وقع فيها من الكراهة ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشفاء للقاضي بن عياض (2 / 195 ـ 197) فصل (9).


(150)

وقع، كره أن يذكر مثل هذه العبارة في النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما كره أن يقال: «أيّام التشريق» واستحبّ أن يقال: «الأيّام المعدودات» كما قال الله تعالى، وكما كره أن يقال: «العتمة» ويقال: «العشاء الأخيرة» ونحو هذا.

وكذلك طواف الزيارة كأنّه يستحبّ أن يسمّى بـ «الإفاضة» كما قال الله تعالى في كتابه }فإذَا أفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَات {فاستحبّ أن يشتقّ له الأسم من هذا.

وقيل: إنّه كره لفظ «الزيارة» في الطواف بالبيت والمضيّ إلى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأنّ المضيّ إلى قبره(عليه السلام) ليس ليصله بذلك، ولا لينفعه به، وكذلك الطواف بالبيت، وإنّما يفعل تأديةً لما يلزمه من فعله، ورغبته في الثواب على ذلك من عند الله عزّوجلّ، وبالله التوفيق، انتهى كلام ابن رشد.

وقد وقع فيه كراهية مالك قول الناس: «زرت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)» وهو يردّ ما قاله القاضي عياض.

فأمّا كراهية إسناد الزيارة الى القبر، فيحتمل أن تكون العلّة فيه ما قاله القاضي عياض، ويحتمل أن تكون العلّة ما قاله أبو عمران وابن رشد.

وأمّا إضافة الزيارة إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إن ثبت ذلك عن مالك ـ فيتعيّن أن تكون العلّة فيه ما قاله أبو عمران وابن رشد.

والمختار في تأويل كلام مالك(رحمه الله) ما قاله ابن رشد، دون ما قاله القاضي عياض ; لأنّ ابن المواز حكى في كتابه في كتاب الحجّ في باب ما جاء في الوداع قال أشهب: قيل لمالك: في من قدم معتمراً، ثمّ أراد أن يخرج إلى رباط، أعليه أن يودّع؟

قال: هو من ذلك في سعه.

ثم قال: إنّه لا يعجبني أن يقول أحد: «الوداع» وليس هو من الصواب، وإنّما هو «الطواف» قال الله تعالى }وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ{.

قال: وأكره أن يقال: «الزيارة» وأكره ما يقول الناس: «زرت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)»


(151)

وأعظم ذلك أن يكون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يزار!.

وقال مالك في وداع البيت: ما يعرف في كتاب الله ولا سنّة رسوله(عليه السلام)«الوداع»، إنّما هو «الطواف بالبيت».

قلت لمالك: أفترى هذا الطواف الذي يودّع به أهو الالتزام؟

قال: بل الطواف، وإنّما قال فيه عمر: آخر النسك الطواف بالبيت.

قيل لمالك: فالذي يلتزم أترى له أن يتعلّق بأستار الكعبة عند الوداع؟

قال: لا، ولكن يقف ويدعو.

قيل له: وكذلك عند قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قال: نعم، انتهى، ما أردت نقله من «الموازية» وهي من أجلّ كتب المالكيّة القديمة المعتمد عليها.

وسياقة حكاية أشهب عن مالك ترشد إلى المراد ; وأنّ مالكاً(رحمه الله) إنّما كره اللفظ، كما كرهه في طواف الوداع.

أفَترى يتوهّم مسلم أو عاقل أنّ مالكاً كره طواف الوداع؟!

وانظر في آخر كلام مالك، كيف اقتضى أنّه يقف ويدعو عند القبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)كما يقف ويدعو عند الكعبة في طواف الوداع.

فأيّ دليل أبين من هذا في أنّ إتيان قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والوقوف والدعاء عنده من الاُمور المعلومة، التي لم تزل قبل مالك وبعده؟!

ولو عرف مالك(رحمه الله)أنّ أحداً يتوهّم عليه ذلك من هذا اللفظ، لما نطق به ! ولا لوم على مالك، فإنّ لفظه لا إبهام فيه، وإنّما يتلبس على جاهل أو متجاهل! (1).

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ليلاحظ القارئ الكريم كيف تصبح كلمة مالك وحبّه وكراهته محطّاً لاهتمام هؤلاء الناس وكشف مراده، ويحتجّ بها السلفية كانّه وحيّ منزل، وتهاجم الأكداس من الأحاديث والآثار المروية في الكتب والمذكورة في الأحكام والمؤلَّفات، التي يعتمدها المؤلِّفون والرواة وكلّها تنادي بصراحة «زيارة القبر» واستحبابها وكونها المقصود للزائر فضلاً عن إطلاق لفظ الزيارة؟!!؟


(152)

[ عدم كراهة ذلك هو الحق ]

والمختار عندنا أنّه لا يكره إطلاق هذا اللفظ أيضاً ; لقوله: «من زار قبري» وقد تقدّم الاعتذار عن مالك فيه.

ولا يرد عليه قوله: «زوروا القبور» لأنّ زيارة قبور غير الأنبياء لينفعهم ويصلهم بها وبالدعاء والاستغفار.

ولهذا قال: قال أبو محمّد عبدالله بن عبدالرحمان المالكيّ المعروف بـ «الشارمساحي» في كتاب «تلخيص محصول المدوّنة من الأحكام» الملقّب بـ «نظم الدرّ» في كتاب الجامع في الباب الحادي عشر في السفر: إنّ قصد الانتفاع بالميّت بدعة، إلاّ في زيارة قبر المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.

وهذا الذي ذكره في الانتفاع بقبور المرسلين صحيح، وكذلك سائر الأنبياء، وأمّا ما ذكره في غير الأنبياء فسنتكلّم عليه إن شاء الله تعالى في قبور غير الأنبياء.

وأمّا زيارة أهل الجنّة لله تعالى، فإن صحّ الحديث فيها! فلا ترد على شيء من المعاني التي قالها عبدالحقّ وابن رشد ; لأنّها ليست واجبة، فإنّ الآخرة ليست دار تكليف، وقد انقطع الإلحاق بزيارة الموتى في توهّم الكراهة.

فقد بان لك بهذا وجه كلام مالك(رحمه الله) وأنّه:

على جواب القاضي عياض إنّما كره زيارة القبر، لا زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وعلى جواب غيره إنما كره اللفظ فقط، دون المعنى.

وكذلك أكثر ما حكيناه من كلام أصحابه أتوا فيه بمعنى الزيارة، دون لفظها.

فمن نقل عن مالك «أنّ الحضور عند قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لزيارة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)والسلام عليه والدعاء عنده ـ ليس بقربة»، فقد كذب عليه.

ومن فهم عنه ذلك فقد أخطأ في فهمه وضلّ، وحاشا مالكاً وسائر علماء الإسلام، بل وعوامّهم ممّن وقر الإيمان في قلبه.


(153)

 

[ نسبة المنع من الزيارة إلى أهل البيت ]

فإن قلت: فقد روى عبدالرزاق في مصنّفه(1) بسنده إلى الحسن بن الحسن بن عليّ: أنّه رأى قوماً عند القبر فنهاهم، وقال: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا تتّخذوا قبري عيداً، ولاتتّخذوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليّ حيث ما كنتم، فإنّ صلاتكم تبلغني».

قلت: قد روى القاضي إسماعيل في كتاب «فضل الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)» بسنده إلى عليّ بن الحسين بن عليّ ـ وهو زين العابدين ـ: أنّ رجلا كان يأتي كلّ غداة، فيزور قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ويصلّي عليه، ويصنع من ذلك ما انتهره عليه عليّ بن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصنّف لعبد الرزاق (3 / 577) ح6727. وهو في المصنّف لابن أبي شيبة ـ أيضاًـ (3/226) كتاب الجنائز باب (146) ح5. عن حسن بن حسن قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تتّخذوا...» الحديث.

وأورده الذهبي في ترجمته من سير أعلام النبلاء (4 / 484) رقم (185) وقال بعد الحديث: هذا مرسل(!). وأضاف الذهبيّ: وما استدل حسن ـ في فتواهُ ـ بطائل من الدلالة.

فمن وقفَ عند الحجرة المقدّسة ذليلاً مسلِّماً مصلّياً على نبيّه، فيا طوبى له، فقد أحسن الزيارة، وأجمل في التذلّل والحبّ، وقد أتى بعبادة زائدة على من صلّى عليه في أرضه، أو في صلاته، إذ الزائر له أجر الزيارة وأجر الصلاة عليه، والمصلّي عليه من سائر البلاد له أجر الصلاة فقط. «فمن صلّى عليه واحدة صلّى الله عليه عشراً».

ولكن من زاره ـ صلوات الله عليه ـ وأساء أدب الزيارة!! أو سجد للقبر!!! أو فعل ما لا يشرع!!! فهذا فعل حسناً وسيّئاً، فيعلّمُ برِفْق، والله غفورٌ رحيم.

فوالله ما يحصل الانزعاج لمسلم والصياح وتقبيل الجدران وكثرة البكاء، إلاّ وهو محبٌّ لله ولرسوله، فحبّهُ المعيار والفارق بين أهل الجنّة وأهل النار.

فزيارة قبره من أفضل القُرَب، وشدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء ـ لئن سلّمنا أنّه غير مأذون فيه، لعموم قوله صلوات الله عليه: «لا تشدّوا الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد»! ـ فشدّ الرحال إلى نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) مستلزم لشدّ الرحل إلى مسجده، وذلك مشروعٌ بلا نزاع، إذ لا وصول إلى حضرته إلاّ بعد الدخول إلى مسجده، فليبدأ بتحيّة المسجد، ثم بتحيّة صاحب المسجد، رزقنا الله وإيّاكم ذلك، آمين.


(154)

الحسين، فقال له عليّ بن الحسين: ما يحملك على هذا؟

قال: اُحبّ التسليم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال له عليّ بن الحسين: هل لك أن أحدّثك حديثاً عن أبي؟

قال: نعم.

فقال له عليّ بن الحسين: أخبرني أبي، عن جدّي أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجعلوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليّ وسلّموا حيث ما كنتم، فسيبلغني سلامكم وصلاتكم»(1).

وهذا الأثر يبيّن لنا أنّ ذلك الرجل زاد في الحدّ، وخرج عن الأمر المسنون، فيكون كلام عليّ بن الحسين موافقاً لماتقدّم عن مالك، وليس إنكاراً لأصل الزيارة، أويكون أرادتعليمه: أنّ السلام يبلغ من الغيبة، لمّا رآه يتكلّف الإكثار من الحضور.

وعلى ذلك يحمل ما ورد عن حسن بن حسن وغيره من ذلك.

ولم يذكر هذا الأثر ليحتجّ به، بل للتأنيس بأمر يحتمل في ذلك الأثر المطلق، وإبداء وجه من وجوه التأويل.

وكيف يتخيّل في أحد من السلف منعهم من زيارة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)وهم مجمعون على زيارة سائر الموتى؟!

وسنذكر ذلك، وما ورد من الأحاديث والآثار في زيارتهم.

فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وسائر الأنبياء الذين ورد فيهم أنّهم أحياء، كيف يقال فيهم هذه المقالة؟!

[ حديث: لا تجعلوا بيتي عيداً ]

وأمّا قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجعلوا قبري عيداً» فرواه أبو داود السجستانيّ(2)، وفي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فضل الصلاة... للقاضي إسماعيل (ص33)، وقال في الصارم (ص294) قد رواه أبو يعلى الموصلي والحافظ المقدسي في الأحاديث المختارة، وله شواهد كثيرة. هو خبر محفوظ مشهور.

(2) سنن أبي داود (1 / 453) ح2042، باب زيارة القبور.


(155)

سنده عبدالله بن نافع الصائغ، روى له الأربعة ومسلم.

قال البخاريّ: تعرف حفظه وتنكر.

وقال أحمد بن حنبل: لم يكن صاحب حديث ; كان ضعيفاً فيه، ولم يكن في الحديث بذاك.

وقال أبو حاتم الرازيّ: ليس بالحافظ ; هو ليّن تعرف حفظه وتنكر.

ووثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به.

وقال ابن عديّ: روى عن مالك غرائب، وهو في رواياته مستقيم الحديث (1).

فإن لم يثبت هذا الحديث فلا كلام، وإن ثبت ـ وهو الأقرب ـ فقال الشيخ زكيّ الدين المنذريّ: يحتمل أن يكون المراد به الحثّ على كثرة زيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم)وأن لا يهمل حتّى لا يزار إلاّ في بعض الأوقات، كالعيد الذي لا يأتي في العامّ إلاّ مرّتين.

قال: ويؤيّد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً» أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتّى تجعلوها كالقبور التي لا يصلّى فيها.

قلت: ويحتمل أن يكون المراد لا تتّخذوا له وقتاً مخصوصاً لا تكون الزيارة إلاّ فيه، كما ترى كثيراً من المشاهد، لزيارتها يوم معيّن كالعيد، وزيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم)ليس فيها يوم بعينه، بل أيّ يوم كان.

ويحتمل أيضاً أن يراد أن يجعل كالعيد في العكوف عليه، وإظهار الزينة والاجتماع، وغير ذلك ممّا يعمل في الأعياد، بل لا يؤتى إلاّ للزيارة والسلام والدعاء، ثمّ ينصرف عنه.

والله أعلم بمراد نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)(2).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكامل لابن عدي.

(2) أقول: المحفوظ في بعض النصوص قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجعلوا بيتي عيداً...» والظاهر أن من رواه بلفظ «قبري» إنّما حرّفه، والقرينة على ذلك لفظ «بيوتكم» في ما ورد بلفظ «قبري» وعلى هذا فالمراد منعهم من مراودة بيته والجلوس فيه، للسمر والسهر، وهو أذيّة للرسول ومزاحمة لحياته، ولمن يُريد الاستفادة من علمه، كما ورد في القرآن الكريم وللتفصيل محلٌ آخر، فراجع رسالتنا حول «الزيارة»    وكتب السيرة.


(156)


(157)

 

الباب الخامس

 

في

تقرير كون الزيارة قُرْبَةً


(158)

 

 

وذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس:

 

[ أما الكتاب العزيز ]

أمّا الكتاب:

فقوله تعالى: }وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ، تَوّابَاً رَحِيمَاً{.

دلّت الآية على الحثّ على المجيء إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والاستغفار عنده، واستغفاره لهم، وذلك وإن كان ورد في حال الحياة فهي رتبة له(صلى الله عليه وآله وسلم) لا تنقطع بموته ; تعظيماً له.

فإن قلت: المجيء إليه في حال الحياة ليستغفر لهم، وبعد الموت ليس كذلك؟

قلت: دلّت الآية على تعليق وجدانهم الله تعالى توّاباً رحيماً بثلاثة اُمور: المجيء، واستغفارهم، واستغفار الرسول.

فأمّا استغفار الرسول: فإنّه حاصل لجميع المؤمنين ; لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)استغفر للمؤمنين والمؤمنات، لقوله تعالى: }وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ{.

ولهذا قال عاصم بن سليمان ـ وهو تابعيّ ـ لعبدالله بن سرجس الصحابيّ(رضي الله عنه): استغفر لك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

فقال: نعم، ولك، ثمّ تلا هذه الآية، رواه مسلم (1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم (7 / 86) كتاب الفضائل، باب إثبات خاتم النبوّة، وفي طبعة (4 / 1823) وانظر الشمائل للترمذي رقم22.


(159)

فقد ثبت أحد الاُمور الثلاثة; وهو استغفار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لكلّ مؤمن ومؤمنة، فإذا وُجِدَ مجيئهم، واستغفارهم; تكمّلت الاُمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته.

وليس في الآية ما يعيّن أن يكون استغفار الرسول بعد استغفارهم، بل هي مجملة(1).

والمعنى يقتضي بالنسبة إلى استغفار الرسول أنّه سواءاً تقدّم أم تأخّر ؟ فإنّ المقصود إدخالهم لمجيئهم واستغفارهم تحت من يشمله استغفار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وإنّما يحتاج إلى المعنى المذكور إذا جعلنا }وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ{ معطوفاً على }فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ{ أمّا إن جعلناه معطوفاً على }جَاؤوكَ{ لم يحتج إليه.

هذا كلّه، إن سلّمنا أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يستغفر بعد الموت، ونحن لا نسلّم ذلك ; لما سنذكره من حياته(صلى الله عليه وآله وسلم) واستغفاره لأُمّته بعد موته.

وإذا أمكن استغفاره، وقد علم كمال رحمته وشفقته على اُمّته، فيعلم أنّه لا يترك ذلك لمن جاءه مستغفراً ربّه تعالى.

فقد ثبت على كلّ تقدير أنّ الاُمور الثلاثة المذكورة في الآية، حاصلة لمن يجيء إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) مستغفراً في حياته وبعد مماته.

والآية وإن وردت في أقوام معيّنين في حالة الحياة، فتعمّ بعموم العلّة كلّ من وجد فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت.

ولذلك فهم العلماء من الآية العموم في الحالتين، واستحبّوا لمن أتى إلى قبره(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يتلو هذه الآية، ويستغفر الله تعالى.

وحكاية العتبيّ في ذلك مشهورة، وقد حكاها المصنّفون في المناسك من جميع المذاهب، والمؤرّخون، وكلّهم استحسنوها، ورأوها من آداب الزائر، وما ينبغي له أن يفعله، وقد ذكرناها في آخر الباب الثالث.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصارم (ص314): «محتملة» بدل: مجملة.


(160)

 

[ وأمّا السنّة ]

وأمّا السنّة: فما ذكرناه في الباب الأوّل والثاني من الأحاديث، وهي أدلّة على زيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) بخصوصه، وفي السنة الصحيحة المتّفق عليها الأمر بزيارة  القبور.

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها».

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «زوروا القبور، فإنّها تذكّركم الآخرة».

وقال الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ في كتابه «آداب زيارة القبور»: ورد الأمر بزيارة القبور من حديث بريدة، وأنس، وعليّ، وابن عبّاس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، واُبيّ بن كعب، وأبي ذر رضي الله عنهم، انتهى كلام أبي موسى الأصبهاني.

فقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ سيد القبور ـ داخل في عموم القبور المأمور بزيارتها.

[ وأمّا الإجماع ](1)

وأمّا الإجماع: فقد حكاه القاضي عياض ; على ما سبق في الباب الرابع (2).

وأعلم: أنّ العلماء مجمعون على أنّه يستحبّ للرجال زيارة القبور، بل قال بعض الظاهريّة بوجوبها ; للحديث المذكور.

وممّن حكى إجماع المسلمين على الاستحباب أبو زكريّا النوويّ.

وقد رأيت في «مصنّف ابن أبي شيبة»(3) عن الشعبيّ قال: لولا أنّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لم يتمكّن المتعصّب العنيد من دفع الإجماع على مشروعية الزيارة، وقول علماء الإسلام بها، إلاّ بقوله في الصارم المنكي (ص330): إن الإجماع المذكور في هذه المسألة غير محقّق، وإن كان قول من خالف الجمهور ضعيفاً!! وشيخ الإسلام (؟!) لم يذهب إلى هذا القول المخالف لقول الجمهور، وإنّما حكاه غيره.

أقول: ومن المعلوم أن مخالفة الضعيف لا يؤثر في الإجماع وتحقّقه، وإلاّ كان كل قول واحتمال، ممّن هبّ ودبّ، مؤثّراً في نقض الإجماع، فلم ينعقد إجماع على شيء!!

(2) سبق ص   .

(3) المصنف لابن أبي شيبة (3 / 226) كتاب الجنائز (9) الباب (146) من كره زيارة القبور ح(11).


(161)

رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن زيارة القبور، لزرت قبر بنتي.

وهذا إن صحّ، يحمل على أنّ الشعبي لم يبلغه الناسخ، مع أنّ الشعبيّ لم يصرّح بقول له، ومثل هذا لا يقدح.

وكذلك رأيت فيه: عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون زيارة القبور (1).

وهذا لم يثبت عندنا، ولم يبيّن إبراهيم الكراهة عمّن؟ ولا كيف هي ؟ فقد تكون محمولة على نوع من الزيارة مكروهة.

ولم أجد شيئاً يمكن أن يتعلّق به الخصم غير هذين الأثرين (2)، ومثلهما لا يعارض الأحاديث الصريحة الصحيحة، والسنن المستفيضة المعلومة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

بل لو صحّ عن الشعبيّ والنخعيّ التصريح بالكراهة، لكان ذلك من الأقوال الشاذّة التي لا يجوز اتّباعها والتعويل عليها ; فإنّا نقطع ونتحقّق من الشريعة بجواز زيارة القبور للرجال، وقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) داخل في هذا العموم.

ولكن مقصودنا إثبات الاستحباب له بخصوصه ; للأدلّة الخاصّة، بخلاف غيره ممّن لا يستحبّ زيارة قبره لخصوصه، بل لعموم زيارة القبور، وبين المعنيين فرق كما لا يخفى.

فزيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) مطلوبة بالعموم والخصوص.

بل أقول: إنّه لو ثبت خلاف في زيارة قبر غير النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يلزم من ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصنف لابن أبي شيبة (الموضع والباب) ح(9).

(2) لاحظ استدلال ابن تيمية على منع الزيارة بأسخف من هذين، وهو أنّ مالكاً كره أن يُقال «زرت قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)» مجموع فتاوى (27 / 26) والصارم (ص328).

وأمثال ذلك من الحكايات التي (ينطبق عليها قوله في موضع آخر:) قد تكون صدقاً، وقد تكون كذباً، وبتقدير أن تكون صدقاً فإنّ قائلها غير معصوم ومَنْ يعارض النقل الثابت عن المعصوم (في مشروعية الزيارة) بنقل (من هذه الحكايات) غير ثابت حتى عن غير المعصوم؟ إلاّ مَنْ يكون من الضآلّين (المنحرفين عن تقديس الرسول وصحابته كالسفلية والوهابية) إخوان الشياطين.

وهذا من أسباب الشرك وتغيير الدين! بحكم ابن تيمية في مجموع فتاواه (27 / 171).


(162)

إثبات خلاف في زيارته ; لأنّ زيارة القبر تعظيم، وتعظيم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)واجب.

وأمّا غيره فليس كذلك.

[ زيارة النساء للقبور ]

ولهذا المعنى أقول ـ والله أعلم ـ: إنّه لا فرق في زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) بين الرجال والنساء لذلك، ولعدم المحذور في خروج النساء إليه.

وأمّا سائر القبور فمحلّ الإجماع على استحباب زيارتها للرجال.

وأمّا النساء ففي زيارتهن أربعة أوجه في مذهبنا:

أشهرها: أنّها مكروهة، جزم به الشيخ أبو حامد، والمحامليّ، وابن الصبّاغ، والجرجانيّ، ونصر المقدسيّ، وابن أبي عصرون، وغيرهم.

وقال الرافعيّ: إن الأكثرين لم يذكروا سواه.

وقال النوويّ: قطع به الجمهور، وصرّح بأنّها كراهة تنزيه.

والثاني: أنّها لا تجوز، قاله صاحب «المهذّب» وصاحب «البيان».

والثالث: لا تستحبّ ولا تكره، بل تباح، قاله الرويانيّ.

الرابع: إن كانت لتجديد الحزن والبكاء بالتعديد والنوح ـ على ما جرت به عادتهنّ ـ فهو حرام، وعليه يحمل الخبر، وإن كانت للاعتبار بغير تعديد ولا نياحة كره، إلاّ أن تكون عجوزاً لا تُشتهى فلا تكره، كحضور الجماعة في المساجد، قاله الشاشيّ، وفرّق بين الرجل والمرأة: بأنّ الرجل معه من الضبط والقوّة بحيث لا يبكي ولا يجزع، بخلاف المرأة.

واحتجّ المانعون بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لعن الله زوَّارات القبور» رواه الترمذيّ في حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجة من حديث حسّان بن ثابت (1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن الترمذي (2 / 259) ح1061، باب (61) ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء، وفيه: عن أبي هريرة: ان رسول الله لعن...» ورواه البيهقي في السنن الكبرى (4/78) وسنن ابن ماجة (1 / 502) ح1574، باب ما جاء في زيارة القبور، والموجود في المطبوع: عن حسان بن ثابت: لعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) زوّارات القبور، لا ما نقله في المتن من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لعن الله...»، وقد روى بعده عن ابن عباس وأبي هريرة مثله. وحديث حسّان رواه الحاكم في مستدركه (1/374)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/78)، لكن في كنز العمال (16 / 388) رقم (45038): «لعنَ الله زوّارات القبور» حم ت هـ ك. عن حسان: وحم ت هـ عن أبي هريرة فليلاحظ، وفي مصنف ابن أبي شيبة (3 / 226) كتاب (9) باب (146) ج(10) وفيه: زائرات.


(163)

واحتجّ المجوزون بأحاديث:

منها: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها»(1).

وأجاب المانعون بأنّ هذا الخطاب للذكور.

ومنها: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) للمرأة التي رآها عند قبر تبكي: «اتقي الله واصبري» ولم ينهها عن الزيارة.

وهو استدلال صحيح.

ومنها: قوله عائشة: كيف أقول؟ يا رسول الله!

قال: «قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين» وسنذكره في خروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للبقيع.

وهو استدلال صحيح.

 

[ الاستدلال على استحباب زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالقياس ]

وقد خرجنا عن المقصود، فنرجع إلى غرضنا: وهو الاستدلال على أنّ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قربة.

وممّا يدلّ على ذلك القياس ; وذلك على زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) البقيع وشهداء أحد  ـ وسنبيّن أنّ ذلك غير خاصّ به(صلى الله عليه وآله وسلم) بل مستحبّ لغيره ـ وإذا استحبّ زيارة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصنف لابن أبي شيبة (3 / 223) كتاب (9) الجنائز، الباب (145) من رخص في زيارة القبور ح(1).


(164)

قبر غيره(صلى الله عليه وآله وسلم) فقبره أولى ; لما له من الحقّ ووجوب التعظيم.

فإن قلت: الفرق: أنّ غيره يزار للاستغفار له ; لاحتياجه إلى ذلك، كما فعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في زيارته أهل البقيع، والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مستغن عن ذلك ؟

قلت: زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هي لتعظيمه، والتبرّك به، ولتنالنا الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه، كما أنّا مأمورون بالصلاة عليه والتسليم، وسؤال الوسيلة، وغير ذلك ممّا يعلم أنّه حاصل له(صلى الله عليه وآله وسلم) بغير سؤالنا، ولكنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أرشدنا إلى ذلك ; لنكون بدعائنا له متعرّضين للرحمة التي رتّبها الله تعالى على ذلك.

فإن قلت: الفرق أيضاً: أنّ غيره لا يخشى فيه محذور، وقبره(صلى الله عليه وآله وسلم) يخشى الإفراط من تعظيمه أن يُعْبَدَ ؟!

قلت: هذا كلام تقشعرّ منه الجلود، ولولا خشية اغترار الجهّال به لما ذكرته، فإنّ فيه تركاً لما دلّت عليه الأدلّة الشرعية بالآراء الفاسدة الخياليّة، وكيف تقدم ـ على تخصيص قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «زوروا القبور» وعلى ترك قوله: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» وعلى مخالفة إجماع السلف والخلف ـ بمثل هذا الخيال الذي لم يشهد به كتاب ولا سنّة؟!

بخلاف النهي عن اتخاذه مسجداً، وكون الصحابة احترزوا عن ذلك المعنى المذكور ; لأنّ ذلك قد ورد النهي فيه.

وليس لنا نحن أن نشرّع أحكاماً من قبلنا: }أمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأذَنْ بِهِ اللهُ{.

فمن منع زيارة قبرالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد شرع من الدين مالم يأذنْ به الله! وقوله مردود عليه، ولو فتحنا باب هذاالخيال الفاسد لتركنا كثيراً من السنن، بل ومن الواجبات.

والقرآن كلّه، والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة، وسير الصحابة والتابعين، وجميع علماء المسلمين، والسلف الصالحين ; على وجوب تعظيم


(165)

النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمبالغة في ذلك.

ومن تأمّل القرآن العزيز، وما تضمّنه من التصريح والإيماء إلى وجوب المبالغة في تعظيمه وتوقيره والأدب معه، وما كانت الصحابة يعاملونه به من ذلك، امتلأ قلبه إيماناً، واحتقر هذا الخيال الفاسد، واستنكف أن يصغي إليه، والله تعالى هو الحافظ لدينه: }وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهْوَ الْمُهْتَدِي{ و}مَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ{.

وعلماء المسلمين متكفّلون بأن يبيّنوا للناس مايجب من الأدب والتعظيم، والوقوف عند الحدّ الذي لا يجوز مجاوزته ; بالأدلّة الشرعية، وبذلك يحصل الأمن من عبادة غير الله تعالى.

ومن أراد الله ضلاله من أفراد الجهّال، فلن يستطيع أحد هدايته.

فمن ترك شيئاً من التعظيم المشروع لمنصب النبوّة ; زاعماً بذلك الأدب مع الربوبيّة، فقد كذب على الله تعالى، وضيّع ما أمر به في حقّ رسله.

كما أنّ من أفرط وجاوز الحدّ إلى جانب الربوبيّة فقد كذب على رسل الله، وضيّع ما أمروا به في حقّ ربّهم سبحانه وتعالى.

والعدل حفظ ما أمر الله به في الجانبين.

وليس في الزيارة المشروعة من التعظيم ما يفضي إلى محذور (1).

[ أقسام الزيارة ]

واعلم: أنّ زيارة القبور على أقسام:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وعند هذا الموضع، قد انقطع ابن عبد الهادي عن ردّه السخيف على الإمام السبكي، فصرم الله عمره وبتره بما أبداه على هذا الإمام الهمام من التعدّي والظلم وقد تركَ ما بقي من الكتاب، وهو القسم الأكبر والأهم ويحتوي على الأبواب الخمسة المتبقية من (الباب السادس) إلى (الباب العاشر) التي جاء فيها الإمام السبكي بالعجب العجاب من الكلام الحكيم القويم، والفقه الصائب، والحقّ الصراح.

وقد شرحنا جانباً من أسباب نكوص السلفي البغيض عن التعرّض لهذه الأبواب في المقدّمة، فراجع.


(166)

القسم الأولّ: أن تكون لمجرّد تذكّر الموت والآخرة.

وهذا يكفي فيه رؤية القبور من غير معرفة بأصحابها، ولا قصد أمر آخر من الاستغفار لهم، ولا من التبرّك بهم، ولا من أداء حقوقهم، وهو مستحبّ ; لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «زوروا القبور ; فإنّها تذكّركم الآخرة» .

وذلك لأنّ الإنسان إذا شاهد القبر تذكّر الموت وما بعده، وفي ذلك عظة واعتبار.

وهذا المعنى ثابت في جميع القبور، ودلالة القبور على ذلك متساوية، كما أنّ المساجد ـ غير المساجد الثلاثة ـ متساوية لا يتعيّن شيء منها بالتعيين بالنسبة إلى هذا الغرض.

القسم الثاني: زيارتها للدعاء لأهلها، كما ثبت من زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل البقيع.

وهذا مستحبّ في حقّ كلّ ميت من المسلمين.

القسم الثالث: للتبرّك بأهلها إذا كانوا من أهل الصلاح والخير.

وقد قال أبو محمّد الشارمساحيّ المالكيّ: إنّ قصد الانتفاع بالميّتِ بدعة، إلاّ في زيارة قبر المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.

وهذا الذي استثناه من قبور الأنبياء والمرسلين صحيح.

وأمّا حكمه في غيرهم بالبدعة ففيه نظر، ولا ضرورة بنا هنا إلى تحقيق الكلام فيه ; لأنّ مقصودنا أنّ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وغيره من الأنبياء والمرسلين للتبرّك بهم مشروعة، وقد صرّح به.

القسم الرابع: لأداء حقّهم، فإنّ من كان له حقّ على الشخص، فينبغي له برّه في حياته، وبعد موته، والزيارة من جملة البرّ ; لما فيها من الإكرام، ويشبه أن تكون زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قبر اُمّه من هذا القبيل، كما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه زار قبر اُمّه فبكى وأبكى مَنْ حوله، فقال: «استأذنت ربّي في أن استغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته


(167)

في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنّها تذكّر الموت» رواه مسلم (1).

ويدخل في هذا المعنى الزيارة رحمة للميّت ورقّة له وتأنيساً، فقد روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «آنس ما يكون الميّت في قبره إذا زاره من كان يحبّه في دار الدنيا».

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلّم عليه، إلاّ عرفه وردّ عليه السلام».

ذكره جماعة، وقال القرطبيّ في «التذكرة»: إنّ عبدالحقّ صحّحه، وروّيناه في «الخلعيّات» من حديث أبي هريرة(رضي الله عنه) أيضاً.

والآثار في انتفاع الموتى بزيارة الأحياء، وما يصل إليهم منهم، وإدراكهم لذلك، لا تحصر.

 

[ اجتماع الأغراض الشرعية في زيارة النبي خير البرية ]

إذا عرف هذا، فنقول: زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ثبت فيها هذه المعاني الأربعة:

أمّا الأول: فظاهر.

وأما الثاني: فلأنّا مأمورون بالدعاء له(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان هو غنيّاً بفضل الله عن دعائنا.

وأمّا الثالث والرابع: لأنّه لا أحد من الخلق أعظم بركة منه، ولا أوجب حقّاً علينا منه، فالمعنى الذي في زيارة قبره لا يوجد في غيره، ولا يقوم غيره مقامه، كما أنّ المسجد الحرام لا يقوم غيره مقامه، ومن ها هنا شُرِّعَ قصده بخصوصه ويتعيّن، بخلاف غيره من القبور، هذا لو لم يرد في زيارته دليل خاصّ، فكيف وقد ورد في زيارته بخصوصه ما سبق من الأحاديث! وغيره لم يرد فيه إلاّ الأدلة العامّة.

فزيارة قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) مستحبّة بعينها ; لما ثبت من الأدلّة الخاصّة، ولما فيها من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم (3 / 65) كتاب الجنائز، باب استئذان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في زيارة قبر اُمّه.


(168)

المعاني العامّة التي لا تجتمع في غيره.

وأمّا زيارة قبر غيره; فهي مستحبّة بالإطلاق.

وقد تقدّمت النصوص الدالّة على استحباب زيارة القبور، وحكاية الإجماع على ذلك، وأنّ من الناس من قال بوجوبها.

وفي كتاب «النوادر» لابن أبي زيد من «كتاب ابن حبيب»: ولا بأس بزيارة القبور، والجلوس إليها، والسلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد قدم ابن عمر من سفر وقد مات أخوه عاصم، فذهب إلى قبره فدعا له واستغفر ـ وفي غير «كتاب ابن حبيب» ـ: ورثاه فقال:

 

فإن تك أحزان وفائض دمعة جرين دماً من داخل الجوف منقعا

تجرّعتها من عاصم واحتسيتها فأعظم منها ما احتسى وتجرّعا

فليت المنايا كنّ خلّفن عاصماً فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا

دفعنا بك الأيّام حتّى إذا أتت تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا

 

قال ابن حبيب: وفعلته عائشة رضي الله عنها لمّا مات أخوها عبدالرحمان وهي غائبة، فلمّا قدمت أتت قبره، فدعت له واستغفرت.

قال: وقد خرج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى البقيع يستغفر لهم.

وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سلّم على أهل القبور يقول: «السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهمّ ارزقنا أجرهم، ولا تفتنّا بعدهم».

والقول في ذلك واسع بقدر ما يحضر منه.

ويدلّ على التسليم على أهل القبور ما جاء من السنّة في التسليم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر مقبورين.


(169)

وقد أتى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قبور شهداء اُحد، فسلّم عليهم، ودعا لهم.

ومن «المجموعة» عن مالك: أنّه سئل عن زيارة القبور ؟

فقال: قد كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عنه، ثمّ أذن فيه، فلو فعله إنسان ولم يقل إلاّ خيراً، لم أرَ به بأساً، وليس من عمل الناس.

وروي عنه أنّه كان يضعّف زيارتها.

قال ابن القرظيّ(1): وإنّما أذن في ذلك ليعتبر بها، إلاّ لقادم من سفر، وقد مات وليّه في غيبته، فليدع له وليترحّم عليه، ويؤتى قبور الشهداء باُحد، ويسلّم عليهم، كما يسلّم على قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى ضجيعيه، انتهى كلام ابن أبي زيد في «النوادر».

وما وقع في كلام ابن حبيب من قوله: «ولا بأس» قد يوهم أنّه مباح، ولكن ذلك لا ينافي كونه سنّة، ولعلّ زيارة القبور عنده من قبيل عيادة المرضى ونحوها من القربات التي لم توضع بأصلها عبادة ; على ما سيأتي عند الكلام في نذر الزيارة.

وإذا اُريد هذا المعنى فلا يبعد الموافقة عليه، فإنّ زيارة الموتى كزيارة الأحياء، وزيارة الأحياء لا يقول: بأنّها وضعت عبادة، بل تفعل على قصد التقرّب تارة، فيثاب عليها، وعلى غير قصد التقرب تارة، فلا يثاب، وتكون إمّا مباحة، أو غير مباحة بحسب قصده، وهكذا زيارة القبور.

[ جهة القربة في زيارة القبور ]

وجهة القربة فيها على أنواع:

منها: الاعتبار، وهو مستحبّ لكلّ أحد.

ومنها: الترحّم والدعاء، وهو مؤكّد لمن مات قريبه في غيبته، كما فعل ابن عمر حين قدم بعد موت أخيه عاصم، وكان ابن عمر إذا قدم وقد مات بعض ولده قال: دلّوني على قبره، فيدلّونه عليه، فينطلق فيقوم عليه، ويدعو له، رواه ابن أبي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في (هـ ): القرطبي.


(170)

شيبة (1).

وكما فعلته عائشة حين مات أخوها عبدالرحمان، وكان قد مات بالحُبْشيّ ـ والحُبْشيّ على اثني عشر ميلا من مكّة، هكذا في كتاب ابن أبي شيبة عن ابن جريج ـ فحُمِلَ حتّى دفن بمكّة، فقدمت عائشة من المدينة، فأتت قبره فوقفت عليه، فتمثّلت بهذين البيتين:

 

وكنّا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتّى قيل: لن يتصدّعا

فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

 

أمّا والله لو شهدتك ما زرتك، ولو شهدتك ما دفنتك إلاّ في مكانك الذي متّ  فيه (2).

وروى ابن سعد في «الطبقات»(3) بسنده إلى ابن أبي مليكة قال: رحت من منزلي وأنا اُريد منزل عائشة، فتلقّتني على حمار، فسألت بعض من كان معها.

قال: زارت قبر أخيها عبدالرحمان.

وفي «السير الكبير»(4) لمحمّد بن الحسن تصنيف شمس الأئمّة السرخسيّ الحنفيّ: أنّها جاءت من المدينة حاجّة أو معتمرة، فزارت قبره.

وقال في قولها: «لو شهدتك ما زرتك» إنّما قالت ذلك لإظهار التأسّف عليه حين مات في الغربة، ولإظهار عذرها في زيارته، فإنّ ظاهر قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لعن الله زوّارات القبور» يمنع النساء من زيارة القبور.

قال: والحديث وإن كان متأوّلا، فلحشمة ظاهرة قالت ما قالت، انتهى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصنّف لابن أبي شيبة (3 / 224) كتاب (9)، الجنائز، باب (145) ح9.

(2) المصنّف لابن أبي شيبة (نفس الموضع والباب) ح(8) باختلاف يسير.

(3) الطبقات الكبير لابن سعد.

(4) السير الكبير (1 / 236) رقم 303 باب الشهيد ما يصنع به؟


(171)

ومقصودنا: أنّ زيارة ما عدا قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا يثاب الشخص على فعله، وقد يتأكّد بحسب بعض الأحوال، فزيارة القريب آكد من غيره، وتطلب لمعنى فيه مختصّ به ; وهو القرابة، وزيارة غير القريب أيضاً مستحبّة ; للاعتبار والترحّم والدعاء، وذلك عامّ في كلّ المسلمين، وسيأتي من نصوص المالكيّة في زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جملة اُخرى في الباب السابع(1).

وإذا زار قبراً معيّناً، يكون مؤدّياً للسنّة بما تضمّنه من زيارة جنس القبور، ولا نقول: إنّ زيارة ذلك القبر المعيّن بخصوصه سنّة، حتّى يرد فيها فضل خاصّ، أو نعرف صلاحه، فإنّ زيارة جميع الصالحين قربة، كما يقولون: إنّ الصلاة في المسجد مطلوبة، ولا نقول: الصلاة في مسجد بعينه مطلوبة، إلاّ في الثلاثة التي شهد الشرع بها، ويقوم ما هو الأفضل منها، كالمسجد الحرام عن غيره.

وإذا ظهر لك تنظير زيارة القبور بإتيان المساجد، فمتى كان المقصود بالزيارة تذكّر الموت، لا يشرع فيها قصد قبر بعينه، وإن صحّ عن أحد من العلماء أنّه يمنع من شدّ الرحال إلى زيارة القبور ـ كما نقل عن ابن عقيل، وكما وقع في «شرح مسلم» ـ فليحمل على هذا القسم.

وكذلك إذا كان المقصود التبرّك ممن لا يقطع له بذلك ; وإن كنّا نستحبّ زيارة قبور الصالحين من حيث الجملة، ونرجو البركة بزيارتها أكثر ممّا يستحبّ زيارة مطلق القبور.

وأمّا من يقطع ببركته ـ كقبور الأنبياء، ومن شهد الشرع له بالجنة، كأبي بكر وعمر ـ فيستحبّ قصده.

ثمّ هم في ذلك على مراتب ; أعظمهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما أنّ المساجد المشهود لها بالفضل على مراتب، أعظمها المسجد الحرام.

ولا تشدّ الرحال في هذا القسم إلى قبر أحد غير الأنبياء.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سيأتي في


(172)

وإذا كان المقصود الدعاء من غير حقّ خاصّ لذلك الميّت، فلا يتعيّن أيضاً.

نعم، لو نذره لميّت بعينه ممّن يجوز الدعاء له، وجب الوفاء بالدعاء ; لتعلّق حقّه به، ولا يقوم غيره مقامه، كما لو نذر الصدقة على فقير بعينه.

وفي وجوب الوفاء بالزيارة مع الدعاء ـ كما [لو] نذره ـ نظر، والأقرب وجوب الوفاء ; لأنّ الدعاء عند القبور مقصود، كما في الدعاء لأهل البقيع، وحينئذ يجوز شدّ الرحل لأداء هذا الواجب بعد لزومه بالنذر، ولا يستحبّ شدّ الرحل لهذا الغرض قبل النذر، فإنّ الدعاء لذلك الميّت بعينه عند قبره لم يطلبه الشارع، ولا تعلّق به حقّ الميّت.

وأمّا الزيارة لأداء الحقّ، كزيارة قبر الوالدين، فيظهر أنّ قصد ذلك بعينه مشروع، ويجوز، بل يستحبّ شدّ الرحال إليه ; تأدية لهذا الحقّ.

وأعظم الحقوق حقّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيستحبّ شدّ الرحال إليه لذلك.

هذا لو لم يرد فيه دليل خاصّ، فكيف، وقد قام الإجماع على فعله خلفاً عن سلف؟!

فإن قلت: ما قولكم فيمن نذر زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، هل ينعقد نذره ويلزمه ذلك، أم لا؟ فإنّ مقتضى قولكم باستحبابها أن يلزم بالنذر.

قلت: نعم، نقول بانعقاد نذره، ولزوم الزيارة به، وبه صرّح القاضي ابن كج من أصحابنا، ولم نر لغيره من الأصحاب خلافه، وقد قدّمنا في الباب الرابع(1) عن العبديّ المالكيّ لزومه، على أنّه لا يلزم أنّ كلّ مستحبّ أو قربة يلزم بالنذر، فإنّ القربات نوعان:

أحدهما: قربة لم توضع لتكون عبادة، وإنّما هي أعمال وأخلاق مستحسنة، رغّب الشارع فيها لعموم فائدتها، وقد يبتغي فيها وجه الله تعالى فينال الثواب، كعيادة المرضى، وزيارة القادمين، وإفشاء السلام، وما أشبه ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ (ص      ).


(173)

فهذا النوع في لزومه بالنذر وجهان، أصحّهما اللزوم ; لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من نذر أن يطيع الله فليطعه» ومن هذا النوع تشييع الجنائز، وتشميت العاطس.

والنوع الثاني: في العبادات المقصودة، وهي التي وضعت للتقرّب بها، وعرف من الشرع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة، كالصلاة، والصوم، والصدقة، والحجّ، فهذا النوع يلزم بالنذر بالإجماع إلاّ فيما يستثنى.

ومنهم من يعبّر عن النوع الأوّل بـ «ما لم يوجبه الشرع ابتداء» وعن الثاني بـ «ما أوجبه» وأدرجوا الاعتكاف في النوع الثاني وإن كان لم يجب ابتداء، وقالوا: الاعتكاف لبث في مكان مخصوص، ومن جنسه ما هو واجب شرعاً، وهو الوقوف بعرفات.

وجعلوا من النوع الأوّل تجديد الوضوء، فإنّه ليس في الشرع وضوء واجب بغير حدث، وليس الوضوء مقصوداً لنفسه، بل للصلاة، والأصحّ لزوم تجديده بالنذر.

والمستثنى ممّا اُجمع عليه صور:

منها: ما إذا أفرد صفة الواجب بالإلزام، كتطويل القراءة، وإقامة الفرائض في جماعة، ففي لزومه بالنذر وجهان، أصحّهما اللزوم.

ومنها: ما فيه إبطال رخصة شرعيّة، كنذر صوم رمضان في السفر، ففي لزومه وجهان، أصحّهما المنع، وكذلك نذر المريض القيام بتكلّف المشقّة في الصلاة، ونذر صوم بشرط أن لا يفطر في المرض، فلا يلزم بالشرط، على الأصحّ.

وأجرى الرافعيّ الوجهين فيمن نذر القيام في النوافل، أو استيعاب الرأس بالمسح، أو التثليث في الوضوء، أو أن يسجد للتلاوة والشكر ونحو ذلك، وجعل نذر فعل السنّة الراتبة ـ كالوتر، وسنّة الفجر ـ على الوجهين فيما إذا اُفردت الصفة بالنذر، والذي يتّجه التسوية بين هذا وبين استيعاب الرأس بالمسح ونحوه.

وإذا نذر التيمّم، لا ينعقد نذره على المذهب ; لأنّه إنّما يؤتى به عند


(174)

الضرورة.

ولو نذر الصلاة في موضع لزمه الصلاة قطعاً، وهل يتعيّن ذلك الموضع؟

إن كان المسجد الحرام تعيّن، وإن كان مسجد المدينة تعيّن على الأصحّ هو أو المسجد الحرام، وإن كان المسجد الأقصى تعيّن على الأصح هو أو المسجدان، وإن كان ما سواها من المساجد والمواضع لم يتعين.

ولو نذر إتيان المسجد الحرام لزمه، إلاّ على وجه ضعيف.

ولو نذر إتيان مسجد المدينة والمسجد الأقصى، ففيه قولان للشافعيّ، أظهرهما عند الشافعيّة عدم اللزوم.

قال الشافعيّ في «الأُم»(1): لأنّ البرّ بإتيان بيت الله فرض، والبرّ بإتيان هذين نافلة.

واستدلّوا لهذا القول بما روى أبو داود في «سننه»(2) عن جابر بن عبدالله رضي  الله عنهما: أنّ رجلا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله، إنّي نذرت لله إن فتح الله عليك مكّة أن اُصلّي في البيت المقدس ركعتين.

قال: «صلّ ها هنا». ثمّ أعاد. قال: «صلّ ها هنا». ثمّ أعاد عليه. فقال: «صلّ ها هنا». ثمّ أعاد عليه. فقال: «شأنك إذن».

وعن عمر بن عبدالرحمان بن عوف، عن رجال من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بهذا الخبر، زاد، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «والذي بعث محمّداً بالحقّ، لو صلّيت ها هنا لأجزأ عنك صلاة في البيت المقدس».

واعلم: أنّ الصلاة في مكّة تجزىء عن الصلاة في بيت المقدس ـ كما قدمناه ـ بلا خلاف.

وإن قلنا بتعيّنه، فقد يقال: إنّ الحديث محمول على ذلك، وإنّه لا دلالة له فيه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاُم للشافعي (2 / 281).

(2) سنن أبي داود (2 / 102) باب (24) من نذر أن يصلّي في بيت المقدس، ح(3305).


(175)

على المدّعى من عدم لزوم الإتيان.

ووجه الدلالة: أنّ الصلاة في مكّة تقوم مقام الصلاة في بيت المقدس ; لأنّهما جنس واحد، والصلاة بمكّة أفضل، فالتضعيف الذي ألزمه في بيت المقدس يحصل له في مكّة وزيادة، وأمّا المشي فأمر زائد على الصلاة، وهو عبادة اُخرى، فلو لزم لما قامت الصلاة بمكّة مقامه، فمن لزمه الصلاة ببيت المقدس من غير مشي ـ بأن كان وقت النذر ببيت المقدس ـ فلا شكّ أنّ الصلاة بمكّة تجزيه.

ومن نذر المشي إلى بيت المقدس والصلاة فيه، فهما عبادتان، فإن قلنا بعدم لزوم إتيانه لم يبقَ عليه إلاّ الصلاة، فتجزيه الصلاة بمكّة، وإن قلنا يجب إتيانه فيظهر أنّ الصلاة لا تقوم مقامه، ولو مشى إلى مكّة ـ من مسافة ـ مثل المسافة التي بينه وبين بيت المقدس ـ أجزاه.

وصيغة الحديث، كما رُوِّيناه، لم يصرّح فيه بإتيان بيت المقدس، فيحتمل أن يقال: إنّما التزم الصلاة، فلذلك قامت الصلاة في مكّة مقامها.

ويحتمل أن يقال: إنّ الناذر لمّا لم يكن في بيت المقدس، فهو بنذره للصلاة ملتزم إتيانه ; بناءً على أنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب، وحينئذ يكون الإتيان ملتزماً، لو صرّح به، فلمّا أفتاه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة في مكّة، دلّ على عدم لزوم الإتيان بالنذر، كما استدلّ به الشافعيّ والأصحاب.

وقد أطلنا في هذا الفصل أكثر ممّا يحتمله هذا المكان، وظهر لك منه أنّ القربات:

منها: ما يلزم بالنذر بلا خلاف.

ومنها: ما يلزم على الصحيح.

ومنها: ما لا يلزم على الصحيح.

وظهر لك مأخذ كلّ قسم منها، والصحيح عندنا أنّه لا يشترط في المنذور أن يكون جنسه واجباً، وهو مذهب مالك، والوجه الثاني لأصحابنا اشتراطه، وينقل


(176)

عن أبي حنيفة.

 

[ زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قربة ]

إذا عرفت هذا، فزيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قربة ; لحثّ الشرع عليها، وترغيبه فيها، وقد قدّمنا أنّ فيها جهتين: جهة عموم، وجهة خصوص:

فأمّا من جهة الخصوص وكون الأدلّة الخاصّة وردت فيها بعينها، فيظهر القطع بلزومها بالنذر ; إلحاقاً لها بالعبادات المقصودة التي لا يؤتى بها إلاّ على وجه العبادة، كالصلاة، والصدقة، والصوم، والاعتكاف.

ولهذا المعنى ـ والله أعلم ـ قال القاضي ابن كج(رحمه الله): إذا نذر أن يزور قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فعندي أنّه يلزمه الوفاء وجهاً واحداً، ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان.

قلت: وما قاله من القطع بلزوم الوفاء بها هو الحقّ ; لما قدّمناه من الأدلّة الخاصّة عليها، وتردّده في قبر غيره:

يحتمل أن يكون محلّه عند الإطلاق، وسواء لو عيّن أم لا ؟ تشبيهاً لذلك بزيارة القادمين، وإفشاء السلام، ونحو ذلك ممّا لم يوضع قربة مقصودة وإن كان قربة، وعلى هذا يكون الأصحّ لزومه بالنذر، كما في تلك المسائل.

ويحتمل أن يكون محلّه عند التعيين، فإنّ زيارة قبر معيّن من غير الأنبياء لا قربة فيها بخصوصها، كما سبق عند الكلام في أغراض الزيارة.

وأمّا إذا نظرنا إلى زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة العموم خاصّة، واجتماع المعاني التي تقصد بالزيارة فيه، فيظهر أن يقال أيضاً: إنّه يلزم بالنذر قولا واحداً.

ويحتمل على بُعْد أن يقال: إنّه كما لو نذر زيارة القادمين وإفشاء السلام، فيجري في لزومها بالنذر ذلك الخلاف، مع كونها قربة في نفسها قبل النذر وبعده.

وقد بان لك بهذا: أنّها تلزم بالنذر، وأنّه على تقدير أن يقال: «لا تلزم بالنذر»،


(177)

لا يخرجها ذلك عن كونها قربة.

ومن يشترط في المنذور أن يكون ممّا وجب جنسه بالشرع، ويقول: إنّ الاعتكاف كذلك ; لوجوب الوقوف، فقد يقول: إنّ زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجب جنسها، وهي الهجرة إليه في حياته.

فقد ظهر بهذا: أنّ كلّ ما يلزم بالنذر قربة، وليس كلّ قربة تلزم، وزيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من القرب التي تلزم بالنذر، ولو ثبت عن أحد من العلماء أنّه يقول: «لا تلزم بالنذر»، لم يكن في ذلك ما يقتضي أنّه يقول: إنّها ليست بقربة.

وقد وقفت على كلام بعض المتعصّبين للباطل قال فيه: إنّ القاضي إسماعيل قال في «المبسوط»: إنّه رُوي عن مالك: أنّه سئل عمّن نذر أن يأتي قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فليأته، وليصلّ فيه، وإن كان إنّما أراد القبر فلا يفعل ; للحديث الذي جاء «لا تعمل المطيّ إلاّ إلى ثلاثة مساجد».

وهذه الرواية ـ إن صحّت عن مالك! ـ يجب تأويلها على وجه لا يمنع كون الزيارة قربة ; جمعاً بينها وبين ما ثبت عنه وعن جميع العلماء وجميع المسلمين.

وهذه الرواية تحتمل وجوهاً:

أحدها: أن تكون من القرب التي لا تلزم بالنذر، كما أنّ إتيان مسجد قباء لمن كان في المدينة أو قريباً منها قربة عند جميع العلماء، ولا يلزم بالنذر عند جمهور العلماء، إلاّ ما روي عن محمّد بن مسلمة المالكيّ: أنّه قال بلزومه بالنذر.

الثاني: الجواب المذكور، ولكن بالنسبة إلى البعيد خاصّة، كما دلّ عليه بقيّة الكلام من الاستدلال بالحديث الذي جاء: «لا تعمل المطيّ إلاّ إلى ثلاثة مساجد» فيكون المراد أنّه إذا نذر السفر إليه لا يلزم، ولا يمنع ذلك كون السفر إليه قربة بغير النذر، كمسجد قباء في حقّ القريب عند غير محمد بن مسلمة، ولا يمنع أيضاً من لزوم الزيارة في حقّ القريب، كما قاله محمّد بن مسلمة في مسجد قباء، وهذا الوجه هو أقرب التأويلات على قواعد مالك رحمه الله تعالى.


(178)

قال في «التهذيب للمسائل المدوّنة»: من قال: «عليّ أن آتي المدينة» أو «بيت المقدس» أو «المشي إلى المدينة» أو «بيت المقدس» فلا يأتهما حتّى ينوي الصلاة في مسجديهما، أو يسمّيهما فيقول: «إلى مسجد الرسول» أو «مسجد إيلياء» وإن لم ينوِ الصلاة فيهما فليأتهما راكباً، ولا هدي عليه، وكأنّه لمّا سمّاهما قال: «لله عليّ أن اُصلّي فيهما». ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار، صلّى بموضعه، ولم يأته.

ومن نذر أن يرابط أو يصوم بموضع يتقرّب بإتيانه إلى الله تعالى ـ كعسقلان والإسكندريّة ـ لزمه ذلك فيه، وإن كان من أهل مكّة والمدينة، ولا يلزم المشي إلاّ من قال: «عليّ المشي إلى مكّة» أو «بيت الله» أو «المسجد الحرام» أو «الكعبة» أو «الحجر» أو «الركن» انتهى كلام «التهذيب».

وهو يدلّ على أنّه إنّما يلزم إتيان المدينة إذا سمّى مسجدها، أو نوى الصلاة فيه، فما عدا هذا لا يلزم بالنذر، وإن كان قربة.

الثالث: إنّا قدّمنا أنّ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مطلوبة بالخصوص ; للأحاديث التي صدّرنا بها هذا الكتاب، ولعمل السلف والخلف، ومطلوبة بالعموم ; لاندراجها تحت الأحاديث الصحيحة المشهورة في زيارة القبور.

واللزوم بالنذر ظاهر من الجهة الاُولى، وأمّا من الجهة الثانية، فقد قدّمنا أنّ مقاصد الزيارة متعدّدة، وزيارة القبور ـ من حيث الجملة ـ كزيارة القادمين، وقد قدّمنا في لزوم زيارة القادمين بالنذر خلافاً مع القطع بكونها قربة، وزيارة القبور ـ من حيث الجملة ـ مثله.

وزيارة قبر معيّن إن قصد بها الدعاء له أو أداء حقّه، ظهر اللزوم ; لحقّ الميّت، وإن قصد التبرّك ظهر اللزوم أيضاً في قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتعيّنه دون غيره، وإن قصد الاتعاظ لم يتعيّن، وكان لزوم أصل الزيارة على الخلاف، وإن لم يقصد شيئاً فأبعد عن اللزوم.


(179)

والسائل لمالك(رحمه الله) إنّما ذكر مجرّد الإتيان، فلعلّ مالكاً لم يلزمه لذلك، ولعلّ مالكاً(رحمه الله) لم تبلغه الأحاديث الخاصّة الواردة في زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على الخصوص، وإنّما يدرجه تحت الأحاديث الواردة في زيارة القبور، وإن كان هو أشرفها وأحقّها بالزيارة، ولا يلزمه بالنذر لذلك في حقّه، ولا في حقّ غيره.

الرابع: أنّ إتيان القبر قد يقصد زيارة من فيه، وهو الذي نقول: بأنّه قربة، وهو الذي يقصده الناس غالباً.

وقد يقصد زيارة المكان في نفسه لشرفه، وهذا لا نقول بأنّه قربة إلاّ فيما شهد الشرع به، فلعلّ مالكاً(رحمه الله) أجاب على ذلك.

ويدلّ على أنّ هذا مراده استدلاله بالحديث الذي جاء «لا تعمل المطيّ إلاّ إلى ثلاثة مساجد».

وسنبيّن بياناً واضحاً: أنّ الحديث إنّما هو في السفر للأمكنة، لا للمقاصد التي فيها، ومالك أجلّ وأعلم وأوسع باعاً وأعلى كعباً من أن يخفى عليه ذلك، فاستدلاله به يدلّ على أنّه أراد المكان، فيكون مراده أنّ زيارة القبر من حيث هو تلك البقعة ليس بقربة، وهو يوافق ما حمل القاضي عياض عليه قوله: «زرت قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)».

وحينئذ فإمّا أن نوافق مالكاً(رحمه الله) على ذلك ; عملا بقوله(رحمه الله): «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» ويحمل قوله: «من زار قبري» على أنّ المراد من زارني في قبري، كما هو الظاهر المتبادر إلى الفهم.

وأما إن يقال: إنّ زيارة قبره أيضاً قربة بقوله: «من زار قبري» وهذا أخصّ من قوله: «لا تشدّ الرحال» فيخصّص به.

إلاّ أنّ كلاًّ منهما أعمّ وأخصّ من وجه، فلا يقضى بتخصيص أحدهما للآخر.

والأولى أنّ المراد بقوله: «من زار قبري»: من زارني في قبري، ويكون قصد


(180)

البقعة نفسها ليس بقربة، كما اقتضاه كلام مالك(رحمه الله).

فقد بان بهذا معنى كلام مالك(رحمه الله)، وأنّه ليس فيه ما يقتضي أنّ الزيارة ليست بقربة، ولا أنّ السفر إليها ليس بقربة، بل هي قربة عند جميع العلماء، ولهذا لو نذر الإتيان إلى مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قلنا: بأنّه يلزمه، وأنّه يشترط ضمّ قربة إلى الإتيان، قال الشيخ أبو عليّ السنجيّ من أصحابنا: إنّه يكتفى بالزيارة، وقال الرافعيّ: إنّه الظاهر، وتوقّف فيه الإمام ; من جهة أنّ الزيارة لا تتعلّق بالمسجد وتعظيمه، وليس توقّفه لكون الزيارة ليست قربة، هذا لم يقله أحد.

وقد قدّمنا في الباب الرابع(1) من كلام العبديّ المالكيّ التصريح بأنّ المشي إلى المدينة للزيارة، أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم


(181)

 

الباب السادس

 

في

كون السفر إليها قربة


(182)

 

وذلك من وجوه:

أحدها: الكتاب العزيز:

في قوله تعالى: }وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ... {الآية.

وقد تقدّم تقريرها في الباب الخامس(1).

والمجيء صادق على المجيء من قرب ومن بعد، بسفر وبغير سفر.

ولا يقال: إنّ }جَاؤُوكَ{ مطلق، والمطلق لا دلالة له على كلّ فرد، وإن كان صالحاً لها.

لأنّا نقول: هو في سياق الشرط فيعمّ، فمن حصل منه الوصف المذكور وجد الله توّاباً رحيماً.

الثاني: السنّة:

من عموم قوله: «من زار قبري»(2).

فإنّه يشمل القريب والبعيد، والزائر عن سفر وعن غير سفر، كلّهم يدخلون تحت هذا العموم، لا سيّما قوله في الحديث الذي صحّحه ابن السكن: «من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلاّ زيارتي»(3) فإنّ هذا ظاهر في السفر، بل في تمحيض القصد إليه، وتجريده عمّا سواه.

وقد تقدّم(4) أنّ حالة الموت مرادة منه إمّا بالعموم، وإمّا أنّها هي المقصود.

والثالث: من السنّة أيضاً:

لنصّها على «الزيارة»(5) ولفظ «الزيارة» يستدعي الانتقال من مكان الزائر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدم

(2)

(3) مرّ نقله عن الطبراني (12 / 406) رقم 13496، وانظر هنا (ص32).

(4) تقدّم

(5)


(183)

إلى مكان المزور، كلفظ «المجيء» الذي نصّت عليه الآية الكريمة.

فالزيارة إمّا نفس الانتقال من مكان إلى مكان بقصدها، وإمّا الحضور عند المزور من مكان آخر.

وعلى كلّ حال لابدّ في تحقيق معناها من الانتقال، ولهذا إنّ من كان عند الشخص دائماً لا يحصل الزيارة منه، ولهذا تقول: «زرت فلاناً من المكان الفلانيّ» وتقول: «زرنا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من مصر» أو «من الشام» فتجعل ابتداء زيارتك من ذلك المكان، فالسفر داخل تحت اسم الزيارة من هذا الوجه.

فإذا كانت كلّ زيارة قربة، كان كلّ سفر إليها قربة.

وأيضاً: فقد ثبت خروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة لزيارة القبور، وإذا جاز الخروج إلى القريب جاز إلى البعيد.

فممّا ورد في ذلك:

خروجه إلى البقيع، كما هو ثابت في الصحيح، وقد ذكرته في الباب السابع من هذا الكتاب (1).

وخروجه(صلى الله عليه وآله وسلم) لقبور الشهداء

روى أبو داود في سننه(2) عن طلحة بن عبيدالله قال: خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نريد قبور الشهداء، حتّى إذا أشرفنا على حرّة واقم، فلمّا تَدَلّينا منها فإذا قبور مجنبة(3)، قال قلنا: يا رسول الله، أقبور إخواننا هذه؟ قال: «قبور أصحابنا».

فلمّا جئنا قبور الشهداء قال: «هذه قبور إخواننا».

وإذا ثبت مشروعيّة الانتقال إلى قبر غيره، فقبره(صلى الله عليه وآله وسلم) أولى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الباب السابع ص   .

(2) سنن أبي داود (2 / 218) ح2043 كتاب المناسك، باب زيارة القبور وفيه: يريد، بدل: نريد.

(3) في (هـ ): بمحنية.


(184)

الرابع: الإجماع:

لإطباق السلف والخلف، فإنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحجّ يتوجّهون إلى زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنهم من يفعل ذلك قبل الحجّ، هكذا شاهدناه، وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة، كما ذكرناه في الباب الثالث، وذلك أمر لا يرتاب فيه، وكلّهم يقصدون ذلك، ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة، وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة.

وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على ممرّ السنين ـ وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم ـ يستحيل أن يكون خطأ، وكلّهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى الله عزّوجلّ.

ومن تأخّر عنه من المسلمين فإنّما يتأخّر بعجز، أو تعويق المقادير، مع تأسّفه عليه، وودّه لو تيسّر له.

ومن ادعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ، فهو المخطىء.

فإن قلت: إنّ هذا ليس ممّا يسلّمه الخصم ; لجواز أن يكون سفرهم ضمّ فيه قصد عبادة اُخرى إلى الزيارة، بل هو الظاهر، كما ذكر كثير من المصنّفين في المناسك: أنّه ينبغي أن ينوي مع زيارته التقرّب بالتوجّه إلى مسجده(صلى الله عليه وآله وسلم)والصلاة فيه.

والخصم ما أنكر أصل الزيارة، إنّما أراد أن يبيّن كيفيّة الزيارة المستحبّة، وهي أن تضمّ إليها قصد المسجد، كما قاله غيره.

قلت: أمّا المنازعة فيما يقصده الناس(1)، فمن أنصف من نفسه، وعرف ما الناس عليه، علم أنّهم إنّما يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ تدخّل ابن تيميّة في تحميله أغراضه ومقاصده، على الناس، واتهامهم بها، والرد على ذلك.


(185)

المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلاّ ببال قليل منهم، ثمّ مع ذلك: هو مغمور بالنسبة إلى الزيارة في حقّ هذا القليل، وغرضهم الأعظم هو الزيارة، حتّى لو لم يكن ربّما لم يسافروا، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرف.

فالمقصود الأعظم في المدينة الزيارة، كما أنّ المقصود الأعظم في مكّة الحجّ أو العمرة، وهو المقصود ـ أو معظم المقصود ـ من التوجّه إليها.

وإنكار هذا: مكابرة، ودعوى كون هذا الظاهر أشدّ.

وصاحب هذا السؤال إن شكّ في نفسه، فليسأل كلّ مَنْ توجّه إلى المدينة، ما قصد بذلك ؟

وأمّا ما ذكره المصنّفون في المناسك، فإنّهم لم يريدوا به أنّه شرط في كون السفر للزيارة قربة! ما قال هذا أحد منهم، ولا توهّمه، ولا اقتضاه كلامه، وإنّما أرادوا أنّه ينبغي أن يقصد قربة اُخرى ليكون سفراً إلى قربتين، فيكثر الأجر بزيادة القُرَب، حتّى لو زاد من قصد القربات زادت الاُجور، كأن يقصد مع ذلك زيارة شهداء اُحد، وغير ذلك من القرب التي هناك.

وأرادوا بالتنبيه على ذلك: أنّه قد يتوهّم أنّ قصد قربة اُخرى، قادح في الإخلاص في نيّة الزيارة، فنبّهوا بذلك على هذا المعنى.

ولهذا قال أبو عمرو ابن الصلاح: ولا يلزم من هذا خلل في زيارته على ما لا يخفى.

فمن تخيّل أنّ مرادهم: أنّ شرط كون سفر الزيارة قربة ضمّ قصد قربة اُخرى إليه، فقد أخطأ خطأ لا يخفى على أحد ممّن له فهم.

وقوله: «إنّ الخصم إنّما أراد أن يبيّن كيفيّة الزيارة المستحبّة، وهو أن يضمّ إليها قصد المسجد، كما قاله غيره».

إنّ غيره لم يقل ذلك، ولا دلّ عليه كلامه، ولا أراده.


(186)

الخامس: أنّ وسيلة القربة قربة:

فإنّ قواعد الشرع كلّها تشهد بأنّ الوسائل معتبرة بالمقاصد.

قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، وترفع به الدرجات؟».

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» رواه مسلم (1).

والخطى إلى المساجد إنّما شرفت لكونها وسيلة إلى عبادة.

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا توضّأ فأحسن الوضوء، ثمّ خرج إلى المسجد لا تخرجه إلاّ الصلاة، لم يخط خطوة إلاّ رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة» رواه البخاريّ ومسلم(2).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أعظم الناس أجراً في الصلاة، أبعدهم فأبعدهم ممشى» رواه البخاري ومسلم (3).

وقال رجل: ما يسرّني أنّ منزلي إلى جنب المسجد، إنّي اُريد أن يكتب ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي.

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «قد جمع الله لك ذلك كلّه» رواه مسلم (4).

وقال جابر: كانت ديارنا نائية من المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «إنّ لكم بكلّ خطوة درجة» رواه مسلم (5).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم (1 / 151) كتاب الطهارة باب فضل إسباغ الوضوء.

(2) صحيح البخاري (1 / 319) ح612 كتاب الأذان باب (423) فضل صلاة الجماعة. وصحيح مسلم (2 / 129) كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة.

(3) صحيح البخاري (1 / 320) ح615 كتاب الأذان باب (424) فضل صلاة الفجر في جماعة. وصحيح مسلم (2 / 130 ـ 131) كتاب الصلاة، باب فضل كثرة الخطى إلى المساجد.

(4) صحيح مسلم (2 / 130 ـ 131) كتاب الصلاة، باب فضل كثرة الخطى.

(5) صحيح مسلم (2 / 130 ـ 131) نفس الموضع.


(187)

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من تطهّر في بيته، ثمّ مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحطّ خطيئة، والاُخرى ترفع درجة» رواه مسلم (1).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من غدا إلى المسجد أو راح، أعدّ الله له نزلا كلّما غدا أو راح» رواه البخاري ومسلم(2).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من خرج من بيته متطهّراً إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاجّ المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلاّ إيّاه فأجره كأجر المعتمر» رواه أبو داود(3).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «بشر المشّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التامّ يوم القيامة» رواه أبو داود والترمذيّ وابن ماجة(4).

وفي رواية: «أولئك الخوّاضون في رحمة الله».

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من غسل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا من الإمام ولم يلغ، كان له بكلّ خطوة عمل سنة صيامها وقيامها» رواه أبو داود(5).

وفي رواية: «ومشى ولم يركب».

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من أتى أخاه المريض عائداً مشى في مخرقة(6) الجنة حتى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم (2 / 131) كتاب الصلاة، باب المشي إلى الصلاة.

(2) صحيح البخاري (1 / 161) ح623 كتاب الأذان، باب فضل من غدا إلى المسجد.

صحيح مسلم (2 / 132) كتاب الصلاة باب المشي إلى الصلاة.

(3) سنن أبي داود (1 / 153) ح(558) كتاب الصلاة باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة، عن أبي امامة، وفيه زيادة.

(4) سنن أبي داود (1 / 154) ح(561) نفس الموضع، عن بريدة.

سنن الترمذي (1 / 142) ح(223) باب (165) ما جاء في فضل العشاء.

سنن ابن ماجة (1 / 256) ح(781) باب (14) كتاب المساجد والجماعات.

(5) سنن أبي داود (1 / 95) ح345 كتاب الطهارة باب في الغسل يوم الجمعة.

(6) في (هـ ): غرفة. وفي سنن ابن ماجة: خرافة.


(188)

يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة» (1).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله، ناداه مناد من السماء: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوّأت من الجنّة منزلا» رواه الترمذيّ وابن ماجة(2).

وقال الترمذيّ: حسن غريب.

فهذه الأحاديث كلّها تدلّ على أنّ وسائل القربة قربة، وكيف يتأتّى نزاع في ذلك والشريعة كلّها طافحة به ؟ والقرآن ناطق به؟! قال تعالى:

}ذلِكَ بِأنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلا إلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أجْرَ الُْمحْسِنِينَ * وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيَاً إلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ (3).

فهذه الاُمور كلّها إنّما كتبت لهم وكتب لهم بها أجر ; لأنّها وسيلة إلى الجهاد في سبيل الله، بل الجهاد نفسه إنّما شُرّف لكونه سبباً لإعلاء كلمة الله.

وكذلك جميع ما طلبه الشرع ممّا هو معقول المعنى، فهو وسيلة لذلك المعنى المعقول منه، وبسببه طلب.

وقد نقل الاُصوليّون الإجماع على أنّ من مشى من مكان بعيد حتّى حجّ، كان أفضل ممّن حجّ من مكّة.

وفي الحديث عن الله تعالى: «بعيني ما يتحمّل المتحمّلون من أجلي» (4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة (1 / 462) ح1442 ب2 كتاب الجنائز.

(2) سنن الترمذي (3 / 246) ح2076 باب (63) ما جاء في زيارة الاخوان ونسبه في كنز العمال (9/94) رقم 251134 إلى الترمذي وقال المعلّق: أخرجه في كتاب البرّ والصلة، باب زيارة الاخوان (ح2008).

سنن ابن ماجة (1 / 464) ح1443 ب2 كتاب الجنائز.

ورواه أحمد في مسنده (2 / 344 و 354).

(3) سورة التوبة: الآية 120 ـ 121.

(4) أخرجه


(189)

ولا شك أنّ المتوسّل إلى قربة بمباح فيه مشقّة ـ كالسفر وغيره ـ متحمّل لتلك المشقّة من أجل الله تعالى، فهو بعين الله تعالى، والله ناظر إليه، وجازيه على سعيه.

بل المباح الذي لا مشقّة فيه، وفيه راحة للنفس، إذا قصد به التوصّل إلى قربة، حصل له به أجر، كمن نام ليتقوّى على قيام الليل، أو أكل ليتقوّى على الطاعة، ولهذا ورد في الأثر: «إنّي أحتسب نومتي كما احتسب قومتي» (1).

وتكلّم العلماء في أنّ الثواب في هذا القسم على القصد خاصّة، أو على الفعل ؟

والأقرب: الثاني، ويشهد له قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الصحيح: «إنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ـ حتّى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك إلاّ ازددت رفعة ودرجة»(2).

فهذا يشهد لأنّه يؤجر على المباح، إذا اقترن بالنيّة.

وكذلك الحديث الصحيح «إنّه يضع شهوته في الحلال، وله فيها أجر» (3).

 

[ أقسام العبادات ]

وحاصلها: أنّ العبادات أربعة أقسام:

أحدها: ما وضعه الشرع عبادة إمّا تعبّداً، وإمّا لمعنى يحصل بها، كالصلاة،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: فأحسب (5 / 108).

وفي سنن أبي داود (2 / 327) ح4354 وفيه: وأرجو، بدل (أحتسب).

(2) أخرجه البخاري في صحيحه (3 / 186) وأحمد في المسند (1 / 172 ـ 177). و(4/ 267) و (5 / 127) و(6 / 189) و(8 / 5).

وصحيح مسلم (5 / 71) وسنن أبي داود (1 / 654) ح2864.

والبيهقي في السنن الكبرى (3 / 376) و(6 / 268) و(7 / 467) و(9 / 18).

(3)


(190)

والصوم، والصدقة، والحجّ، فهذا متى صحّ كان قربة، ولا يمكن وجوده شرعاً على غير وجه القربة.

وثانيها: ما طلبه الشرع من مكارم الأخلاق، كإفشاء السلام ونحوه ; لما فيه من المصالح، وهذا مقصود الشارع، فإذا وجد منه الامتثال كان قربة، وإن وجد بدونها كان من جملة المباحات.

وثالثها: ما لا يستقلّ بتحصيل مصلحة، ولا يفعل إلاّ على وجه التوصّل به إلى غيره، كالمشي ونحوه، فهذا لا يقع غالباً إلاّ على وجه الوسيلة، فيكون بحسب ما يُقصد به ; إن قُصد به حرام كان حراماً، أو مباح كان مباحاً، أو قربة كان قربة، وإن وقع من المكلّف لا بقصد أصلا كان عبثاً، فيكون مكروهاً.

ولا نزاع في هذا القسم أنّه إذا قصد به القربة كان قربة، وهو القسم الذي نحن بصدده، وتصدّينا لتقرير كونه قربة.

ورابعها: ما وضع مباحاً مقصوداً لتحصيل المصالح الدنيويّة، كالأكل والشرب والنوم لمصلحة الأبدان، فهذا إن حصل بغير نيّة أو بنيّة دنيويّة، كان مستوي الطرفين، وإن حصل بنيّة دينيّة، حصل الأجر إمّا على النيّة وحدها، كما ذكره بعض العلماء، وإمّا على النيّة مع الفعل، وهو الحقّ لما سبق.

وهذا القسم الرابع أخفض رتبة من الوسيلة، كما أنّ الوسيلة أخفض رتبة من القسمين الأوّلين.

فقد تقرّر بهذا: أنّ وسيلة القربة قربة، والسفر بقصد الزيارة وسيلة إليها، فتكون قربة.

فإن قلت: قد يقول الخصم: الزيارة قربة في حقّ القريب خاصّة، أمّا البعيد الذي يحتاج إلى سفر فلا، وحينئذ لا يكون السفر إليها وسيلة إلى قربة في حقّه، وإنّما تكون الوسيلة قربة إذا كانت يتوصّل بها إلى قربة مطلوبة من ذلك الشخص المتوسّل.


(191)

قلت: الزيارة قربة مطلقاً في حقّ القريب والبعيد، فإنّ الأدلّة الدالّة عليها غير مفصّلة، ومن ادعى تخصيص العام بغير دليل قطعنا بخطئه.

فإن قلت: فالصلاة مطلقاً قربة، والسفر إليها ليس بقربة إلاّ إلى المساجد الثلاثة.

قلت: قد يكون الشيء قربة، وانضمامه إلى غيره ليس بقربة، فالصلاة في نفسها قربة، وكونها في مسجد بعينه غير الثلاثة ليس بقربة، فالسفر إليه وسيلة إلى ما ليس بقربة.

فإن قلت: لو كانت وسيلة القربة قربة مطلقاً، لكان النذر قربة ; لأنّه وسيلة إلى إيقاع العبادة واجبةً، والواجب أفضل من النفل، والنذر مكروه ; لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن النذر وقال: «إنّه لا يأتي بخير، وإنّما يستخرج به من البخيل» (1).

قلت: جعل النفل فرضاً ليس بقربة، بل هو مكروه ; لما فيه من الخطر والتعرّض للإثم بتقدير الترك، ووقوع العبادة ممكن بغير النذر، فلم يحصل بالنذر إلاّ التعرّض للخطر والحرج.

على أنّا نقول: إنّ وسيلة القربة قربة من حيث هي موصلة لذلك المطلوب، وقد يقترن بها أمر عارض يخرجها عن ذلك، كمن مشى إلى الصلاة في طريق مغصوب، والمدّعى أنّ الفعل إذا كان مباحاً ولم يقترن به إلاّ قصد القربة به، كان قربة، وهذا لا يستثنى منه شيء.

فإن قلت: كيف تجزمون بهذا، وقد اشتهر خلاف الاُصوليّين في أنّ الأمر بالشيء أمر بما لا يتمّ إلاّ به، أو لا؟! ومقتضى ذلك أن يجري خلافٌ، أنّ وسيلة المندوب هل هي مندوبة، أو لا؟

قلت: سنبيّن في آخر الكلام أنّ كون الفعل قربة، أعمُّ من كونه مأموراً به.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البخاري (8 / 513) ح1463 كتاب القدر، باب (829) و(8 / 539) ح1542 كتاب الأيمان والنذور، باب (865) الوفاء بالنذر.


(192)

ونبدأ أوّلا بالكلام على كون هذا السفر مأموراً به أمرَ ندب:

فنقول: ما لا يتمّ المأمور به إلاّ به ينقسم إلى شرط في وجوده، وإلى ما هو تابع يشترط للعلم بوجوده، كغسل جزء من الرأس للعلم بغسل الوجه، والخلاف في القسم الثاني قويّ، وليس ممّا نحن فيه.

وأمّا القسم الأول ـ وهو ما كان شرطاً أو سبباً لوجود المأمور به، كالذي نحن فيه، ونعبّر عنه بـ «المقدّمة» ـ فالجمهور على أنّه مأمور به واجب ; لوجوب المقصد، وخالف في ذلك فريقان من الاُصوليّين:

فرقة خالفوا في الشرط، ولم يخالفوا في السبب.

وفرقة خالفوا في الشرط والسبب جميعاً.

وربّما نقل الخلاف في ذلك عن الواقفيّة ; وأنّهم لم يجزموا في ذلك بشيء، بل توقّفوا على عادتهم، وربّما نقل الجزم بعدم الوجوب.

وكلا القولين:

إن اُخذ بالنسبة إلى دلالة اللفظ ; وأنّ دلالة لفظ الأمر بالمقصود قاصرة عن دلالته على الأمر بالمقدّمة، فيسهل الأمر فيه، ولا يمنع عدم دلالة غيره، ولا ينفي ذلك كون مقدّمة المأمور به مأموراً بها لدليل عقليّ.

وإن اُخذ بالنسبة إلى أنّه إذا ترك يعاقب على ترك المقصد خاصّة، ولا يعاقب على ترك المقدّمة، فقريب أيضاً، ولكنّه إنّمايبقى الوجوب لاالندب، وكلامنا في الندب.

وإن اُخذ بالنسبة إلى أنّ المشروط الذي ورد الأمر به مطلقاً، لا يجب إلاّ عند وجود شرطه، كما صرّح به بعض متأخّري الاُصوليّين، فهذا قول باطل لم يتحقّق القول به عن أحد من الأئمة المعتمد على كلامهم، وقواعد الشريعة تقطع ببطلانه، ولا شكّ أنّ الأئمّة المعتبرين الذين هم أئمّة الفتيا على خلافه.

ومستند من فرّق بين السبب والشرط: أنّ إيجاب المسبّب لو كان مقيّداً بحال


(193)

وجود السبب، لكان إيجاباً لتحصيل الحاصل ; لأنّ المسبّب حاصل مع السبب، بخلاف الشرط.

وقد أطلنا في ذلك، والمقصود أنّ الزيارة إذا كانت مندوبة في حقّ البعيد، والسفر شرط لها، كان مندوباً، وهذا لم يحصل فيه نزاع بين العلماء.

فإن قلت: هل يقولون إنّ كلّ سفر للزيارة مندوب، أو مطلق السفر لها؟

قلت: قد تقرّر في اُصول الفقه أنّ الأمر بالماهيّة الكلّية ليس أمراً بشيء من جزئيّاتها، ولكنّه مأمور بجزئيّ من الجزئيّات لا بعينه ; لأنّه لا يتحقّق الإتيان بالكلّي بدونه، وهو مخيّر في تعيين ذلك الجزئيّ، فإذا أتى بجزئيّ معيّن خرج عن عهدة الأمر وتقول: إنّه أتى بالمأمور به ; وهو الكلّي والجزئيّ لا بعينه، وأمّا هذا الجزئيّ المعيّن فلا تقول: إنّه مأمور به، لأنّه مخيّر فيه، ولكنّه قربة وطاعة ; لأنّه فعل لامتثال الأمر.

فكلّ سفر يقع بقصد الزيارة، ولم يقترن به قصد محرّم أو مكروه، فهو قربة ; لكونه موصلا إلى قربة، وبه يحصل أداء السفر المأمور به ; لأنّه حاصل في ضمن ذلك المشخّص، ولا تقول: إنّ ذلك المشخّص هو المأمور به ; لأنّ الأمر إنّما يتعلّق بكلّي، وهذا جزئيّ، لكنّه قربة ; لكونه قصد به القربة، ووسيلة إليها.

فالقربة تصدق على الكلّي والجزئيّ، والطلب لا يتعلّق إلاّ بكلّي، والسفر المعيّن وسيلة إلى الزيارة، وليس شرطاً فيها، ومطلق السفر للزيارة وسيلة وشرط، ومطلق السفر شرط، وقد لا يقصد به التوسّل، فلا يسمّى «وسيلة».

 

[ بين المقدمة و الوسيلة ]

فإن قلت: هل المقدّمة هي الوسيلة، أو غيرها؟

قلت: المقدّمة ما يتوقّف عليها الشيء، وقد علمت خلاف الاُصوليّين في أنّها هل تجب بوجوب ذلك الشيء، أو لا؟ وذلك خارج عن كونها قربة أو ليست


(194)

بقربة.

فإنّ الذي يتوقّف عليه الفعل قد يفعل بقصد القربة، فيكون قربة، وقد يفعل لا بقصد القربة، فلا يكون قربة، فمن مشى إلى مكّة لمقصد غير صالح، ثمّ حجّ، لم يكن سفره قربة، ولكن سقط عنه الأمر بالمقدّمة ; لزوال السبب المقتضي لوجوبها.

وأمّا الوسيلة فقال الجوهريّ: الوسيلة ما يتقرّب به إلى الغير، والجمع الوسل، والوسائل، والتوسيل والتوسّل واحد، يقال: وسّل فلان إلى ربّه وسيلة، وتوسّل إليه بوسيلة ; إذا تقرّب إليه بعمل، انتهى كلام الجوهريّ (1).

فاسم «الوسيلة» إذا اُطلق على المقدّمة، فهو من حيث كونها يتقرّب بها، لا من حيث كونها متوقّفاً عليها، بل:

قد يكون المقصد متوقّفاً على الوسيلة بعينها، فيجري في وجوبها الخلاف السابق.

وقد لا يتوقّف المقصد عليها بعينها، بل على ما هو أعمّ منها، ويختارها العبد للتوسّل بها.

وقد لا يتوقّف المقصد عليها أصلا في نفس الأمر، ولكن يقصد العبد أو يتوهّم توقّفه، أو خطر بباله أنّها موصلة إليه، ولم يخطر بباله أمر آخر.

ففي كلّ هذه الأحوال تسمّى «وسيلة» و«قربة» لا يجري فيها الخلاف الاُصوليّ.

فالوسيلة لا تطلق على المقدّمة حتّى يقصد بها التقرّب إلى المقصود، ولا تسمّى «وسيلة» بدون هذا القصد إلاّ على سبيل المجاز ; بمعنى أنّها صالحة للتوسّل، ومراد الاُصوليّين بـ «المقدّمة» ما يتوقّف عليها الشيء ; سواء أقصد بها التوصّل إليه، أم لا ؟ فبينهما عموم وخصوص من وجه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصحاح للجوهري (5 / 1841) باب اللام فصل الواو (وسل).


(195)

ولو سلّمنا أنّ الوسيلة مرادفة للمقدّمة، فلا شكّ أنّها لا تكون قربة حتّى يقصد بها التقرّب إلى قربة، فمرادنا بقولنا: «وسيلة القربة قربة» هذا المعنى.

ومن ها هنا يظهر: أنّ كون الشيء قربة، غير كونه واجباً ومندوباً، فإنّ حكم الحكم بالإيجاب أو الندب إنّما هو على الماهيّة الكلّية، وكلّ ما وجد في الخارج مشخّص لا يتعلّق الطلب به بخصوصه، فلا يحكم عليه بخصوصه: بأنّه واجب، لكنّه مؤدّ للواجب في ضمنه، والحكم بكون الشيء قربة تارة: يكون باعتبار حقيقته، وهو ما وضع لأنّ يتقرّب به، فيكون كذلك، وتارة: يكون باعتبار ما قصد به التقرّب، فيطلق على الفعل بعد تشخّصه.

 

[ اعتبارات السفر في مسألة الزيارة ]

إذا عرف ذلك فهاهنا اعتبارات:

أحدها: مطلق السفر.

والثاني: السفر إلى المدينة.

والثالث: السفر إلى المدينة بقصد القربة.

وكلّ واحد من القسمين الأوّلين ليس مطلوباً ولا قربة من حيث هو هو، وإنّما قد يطلب طلب الوسائل لغيره.

والقسم الثالث مطلوب وقربة، وتتفاوت مراتبه بحسب تفاوت القربة المقصودة به، فإنّها قد تكون الزيارة، وقد تكون قربة اُخرى، كالصلاة في المسجد ونحوها، وقد تكون مجموع ذلك، أو القدر المشترك بينها، وهو مطلق القربة، وكلّ من هذه الأربعة قربة ; لما قرّرناه.

ولأنّ السفر إلى المدينة لم يكن قربة لمطلق كونه سفراً، ولا سفراً إلى المدينة، وإنّما كان لعلّة ; وهي قصد القربة، وحيث وجدت العلّة وجد المعلول، ولا فرق في الحكم بالقربة على كلّ واحد من الأربعة بين أن يوجد كلّياً، أو جزئيّاً


(196)

مشخّصاً ; لما قدّمناه.

وأمّا الحكم بكونه مطلوباً أو مندوباً إليه بخصوصه، فلا يتعلّق بمشخّص منها كان، ولا بواحد من الأربعة بعينه، وإنّما يتعلّق بواحد منها لا بعينه، ومهما وجد منها كان قربة يتأدّى المأمور به في ضمنه.

وهذا التقسيم وحكم كلّ واحد منها، لا يتأتّى فيه نزاع بين العقلاء ; سواء قلنا: مقدّمة المأمور به مأمور بها، أم لا ؟ وهكذا حكم كلّ كلّي طلبه الشرع، ولم ينصّ على أنواعه.

وأمّا خصال الكفّارة:

فقيل: إنّ الواجب فيها القدر المشترك بين الخصال، فيأتي في أنواع الخصال ما قلنا في الجزئيّات.

والمشهور أنّ كلّ خصلة واجبة بعينها على تقدير أن لا يأتي بغيرها، فمتى فعلها وقعت واجبة بخصوصها ; لنصّ الشرع عليها، أعني خصوص العتق مثلا بالنسبة إلى الإطعام والكسوة، وأمّا إعتاق الرقبة المعيّنة فهو كأشخاص الكلّي بلا إشكال، فيأتي فيه ما سبق من البحث.

فإن قلت: السفر ينقسم:

إلى ما يقصد به المسافر ضمّ عبادة اُخرى إلى الزيارة، كصلاة واعتكاف في مسجده(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا إشكال في كونه قربة.

وإلى ما يقصد قصره على قصد الزيارة لا غيره، والنزاع إنّما هو في هذا.

وإلى ما يعرى عن القصدين.

واستدلالكم بكون وسيلة القربة قربة فيه نظر ; لأنّ توقّف الشيء على الأعمّ لا يستلزم توقّفه على الأخصّ، وزيارة من كان على مسافة بعيدة، إنّما تتوقّف على سفر من الأسفار الثلاثة المذكورة المقصودة، لا على القسم الثاني ليتمّ ما ذكرتم.

قلت: هذا خلف من الكلام ;


(197)

لأنّك إن لم تقل: بأنّ وسيلة القربة قربة، فلا حاجة بك إلى هذا الاستدلال والتقسيم، وقل: إنّ وسيلة القربة ليست بقربة.

وحينئذ يرد عليك ما لا قبل لك به ممّا قدّمناه من الاستدلال على كون وسيلة القربة قربة، وذلك أمر معلوم من الشرع.

ثمّ يلزمك أن السفر للزيارة وقربة اُخرى لا يكون قربة على زعمك ; لأنّه إنّما يكون قربة لكونه وسيلة إلى قربة.

وإن كنت تقول: بأنّ وسيلة القربة قربة، فما وجه النظر بعد تقرير كون الزيارة قربة؟!

واحتجاجك بأنّ توقّف الشيء على الأعمّ لا يستلزم توقّفه على الأخصّ، عجيب جدّاً.

لأنّك إن فسّرت الوسيلة بما يفعل لقصد التقرّب إلى المقصود كما فسّرناه، كان كلّ واحد من السفر الذي قصد به الزيارة مع قربة اُخرى، والسفر الذي قصد به الزيارة فقط قربةً ; لأنّه قصد به التوسّل إلى قربة، فوجب أن يكون قربة ; سواء كانت الزيارة متوقّفة على عينه أم لا ؟ فالفرق بين القسمين باطل قطعاً.

وإن فسّرت الوسيلة بما يتوقّف عليه المقصود، كما يشعر به ظاهر كلامك:

فإن أخذته بشرط قصد القربة معه، وجعلت علّة القربة ذلك القصد، عاد الكلام، وكان كلّ من القسمين قربة ; لأنّ الموجب لجعله قربة قصد القربة، وهو موجود في القسمين.

وإن جعلت العلّة التوقّف، وقلت: إنّه يتوقّف على الأعمّ، لا على الأخصّ، لزمك أن تقول: القربة ما هو أعمّ من السفرين، وخصوص كلّ منهما ليس بقربة، ففرقك بين القسمين لا وجه له.

وإن أخذته مجرّداً فهو باطل ; لأنّه يدخل فيه مطلق السفر، ولم يقل أحد: بأنّه قربة ; فإنّ السفر من حيث هو هو مباح، وإنّما تعرض له القربة بعلّة قصد القربة،


(198)

فحيث حصلت تلك العلّة حصل معلولها، وحيث لا فلا، ففرقك بين قربة وقربة لا وجه له.

فقد بان بهذا: أنّه بعد العلم بكون الزيارة قربة، وبكون وسيلة القربة قربة، يقطع بأنّ السفر للزيارة قربة ; سواء ضمّ معه قصد قربة اُخرى أم لا ؟ والشكّ في ذلك إنّما يكون للشكّ في إحدى المقدّمتين.

وتقرير السؤال مختلّ على كلّ تقدير.

وليس لك أن تقول: إنّ السفر للزيارة المجرّدة داخل تحت النهي بقوله: «لا تشدّ الرحال» والسفر لها وللمسجد سفر للمسجد، فكان مباحاً للحديث.

لأنّا سنبيّن معنى الحديث، وأنّه لا يشمل الزيارة.

وبتقدير أن يكون السفر للزيارة منهيّاً عنه، فالسفر لها وللمسجد ينبغي أن يكون منهيّاً عنه على هذا البحث ; لتركّبه من منهيّ عنه وغيره.

وأيضاً: فإنّ هذا دلّ على أنّك لا تقول: بأنّ وسيلة القربة قربة، فكان يكفيك من الأوّل أن تقول: إنّ وسيلة القربة ليست قربة، وإنّما كان السفر في القسم الأوّل قربة لدليل آخر، فانتقالك إلى هذا التطويل لا فائدة فيه.

فعلى كلّ تقدير هذا الكلام ساقط.

وأمّا السفر العاري عن القصدين المذكورين، فيدخل فيه السفر لقربة غير الزيارة فقط، والسفر المباح، والسفر لغيرهما، ولا حاجة بنا إلى الكلام في ذلك.

وأمّا قولك في القسم الثاني من أقسام السفر: «ما يقصد به قصره على قصد الزيارة لا غير» فهذه العبارة تحتمل أمرين:

أحدهما: أن يقصد الزيارة، ويقصد أن لا يفعل معها قربة اُخرى من تحيّة المسجد ولا غيرها، وهذا الأمر لا يقصده عاقل غالباً، وليس هو المسؤول عنه، فإنّ الناس إنّما يسألون عن الواقع منهم، وبهم حاجة إلى معرفة حكمه، فذكر هذا القسم هوس، وإرادته في فتيا العامّة بعبارة يفهمون منها العموم تضليل.


(199)

ثمّ إنّا نقول: ولو فرض ذلك، كان سفره قربة ; لأنّه قصد به قربة، ولكن قصده ترك غيرها من القربات ليس بقربة.

الأمر الثاني: أن يقصد الزيارة، ولا يخطر بباله أمر آخر بنفي ولا إثبات، ولا وجه للتوقّف في كون ذلك قربة بعد العلم بكون الزيارة قربة، ووسيلة القربة قربة.

والظاهر من صاحب هذا السؤال أنّه أراد هذا الأمر الثاني، فإنّه الذي قال: إنّ الخصم إنّما أراد أن يبيّن كيفيّة الزيارة المستحبّة، وهي أن تضمّ إليها قصد المسجد، كما قاله غيره، وقدّمنا الكلام على ذلك.

ففي هذه القطعة من كلامه بيان أنّ شرط الاستحباب في الزيارة عند الخصم(1) وغيره، ضمّ قصد المسجد إليها، ومقتضى ذلك أنّ عند عدم الضمّ ينفي الاستحباب ; سواء أراد عدم ما سواها من القرب أم لا ؟

وهو يبيّن أنّ مراده فيما تقدّم ـ «بما يقصد قصره على قصد الزيارة لا غير» ـ المعنى الثاني الذي قدّمناه، وهو عدم قصد سواها، لا قصد عدمه، وقد قدّمنا أنّه لا وجه للتوقّف في كون ذلك قربة ; لأنّه وسيلة إلى قربة، ولم يقترن به قصد صارف، ولا مانع من الحكم بالقربة عليه بالمعنى الثاني.

[مع] إنّ إطلاق قوله يقتضي أنّ الخصم وغيره إنّما يستحبّون الزيارة مطلقاً من غير سفر ; إذا ضمّ إليها قصد المسجد، وحينئذ لا تكون الزيارة وحدها قربة ; سواء كانت عن سفر، أم عن غير سفر؟

وهو مخالف للأدلّة الدالّة على أنّ الزيارة قربة، وكأنّه إنّما أراد السفر للزيارة، وإنّما أطلق العبارة، وأيّا ما كان فهو باطل ; لما قدّمناه.

واعلم: أنّ هذا السؤال المبنيّ على تقسيم السفر ضعيف، وكذلك السؤال المبنيّ عليه الذي قدّمته في الاستدلال بعمل السلف والخلف على السفر، وإنّما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ كلام ابن تيمية في حكم الزيارة وشرطها: مجموع فتاوى ابن تيمية (27 / ص26 ـ 34) وقد نسب فيه إلى الفقهاء أحكاماً لم يقولوا بها، واستفاد من الأحاديث معاني لا تفيدها، فراجع.


(200)

ذكرتهما لأنّي وقفت على كلام بعض الفضلاء ذكرهما فيه، فاحتجت إلى جوابهما، والخصم الذي النزاع معه لعلّه لا يرتضيهما.

والعجب ممّن أوردهما مع موافقته على أنّ السفر لمجرّد الزيارة قربة.

فإن كان قال ذلك بغير دليل فهو باطل.

وإن كان قاله لأحد الدليلين المذكورين، فالقدح فيهما قدح فيه، فلا يمكنه الجزم به.

وإن كان قاله لدليل آخر فكان ينبغي أن يبيّنه حتّى يظهر أنّه يفترق الحال فيه بين الأسفار أو لا ؟

بل العجب منه قوله بهذه الاُمور، مع قوله: بأنّ كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة، وجاحده محكوم عليه بالكفر.

وقد بان بما ذكرناه: أنّ لزوم كون السفر لمجرّد الزيارة قربة، لازم لكون الزيارة قربة، وأنّ اللزوم بينهما بيّن ليس بالخفيّ، والعلم بالملزوم مع التوقّف في اللازم البيّن له مستحيل، فالقول بإثبات الملزوم مع التوقّف في إثبات اللازم لا يجتمعان.

فمن توقّف في كون السفر لمجرّد الزيارة قربة، لزمه التوقّف في كون الزيارة قربة.

ومن قال: بأنّ كون السفر لمجرّد الزيارة قربة من الأُمور الخفيّة، لزمه أن يقول بذلك في الزيارة، فإنّه تقرّر أنّ الملازمة بينهما بيّنة معلومة من الشرع.

فإن قلت: فما تقولون في السفر إلى زيارة ما عدا قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قلت: قال الفقيه الإمام أبو محمّد عبدالله بن عبدالرحمان بن عمر المالكيّ المعروف بـ «الشار مساحي» في كتاب «تلخيص محصول المدوّنة من الأحكام» الملقّب بـ «نظم الدرّ» في كتاب الجامع في الباب الحادي عشر في السفر، وهو أحد أبوابه، قال في هذا الباب: والسفر قسمان: هرب، وطلب، أمّا الهرب فالخروج من


(201)

أرض الحرب، وأرض البدعة، وأرض غلب عليها الحرام، ومن خوف الأذى في البدن، ومن الأرض الغمّة(1).

وأمّا الطلب فيكون للحجّ، والجهاد، والعمرة، والمعاش، والاتّجار، وقصد البقاع الشريفة ; وهي المساجد الثلاثة، ومواضع الرباط تكثيراً لأهلها، ولطلب العلم، ولتفقّد أحوال الإخوان، وزيارة الموتى ; لينتفعوا بترحّم الأحياء، وقصد الانتفاع بالميّت بدعة إلاّ في زيارة قبر المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، انتهى.

فأمّا استثناؤه قبر المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، واقتصاره إن قصدها للانتفاع بهم سنّة، فصحيح.

والظاهر أنّ ذلك عامّ في زيارتها، والسفر إليها، كما يقتضيه صدر كلامه.

وأمّا السفر لزيارة غيرهم من الموتى لينتفعوا بترحّم الأحياء، فقد عدّه الشارمساحيّ ـ كما ترى ـ من أقسام سفر الطلب، والظاهر إن قصده أنّه سنّة، والأمر كذلك، وإن كان عدّ معه سفر التجارة الذي هو مباح.

وأمّا قوله: «إنّ قصد الانتفاع بالميّت غير الأنبياء بدعة» ففيه نظر ; فإن ثبت فينبغي أن يخرج منه [من] يتحقّق صلاحه، كالعشرة المشهود لهم بالجنّة وغيرهم، وحينئذ يكون السفر لهم كالقسم الثاني.

فخرج من هذا أنّ الزيارة حيث استحبّت استحبّ السفر لها، وذلك عامّ في قصد انتفاع الميّت بالترحّم، وخاصّ في قصد الانتفاع بالميّت.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في هامش الهندية: لعلّه: الوخمة.


(202)

 

الباب السابع

 

في

دفع شُبَهِ الخَصْم وتتبُّع كلماتِهِ


(203)

 

وفيه فصلان:

الأوّل: في شبهه

وله ثلاث شبه:

 

[ حديث: «لا تشدّ الرحال...» ألفاظه ومصادرها ]

إحداها: فهم قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تُشَدُّ الرِحالُ إلاّ إلى ثلاثة مساجد»

فتوهّم الخصم أنّ في هذا منع السفر للزيارة(1).

وليس كما توهّمه، ونحن نذكر ألفاظ الحديث، ثم نذكر معناه إن شاء الله.

فنقول: هذا الحديث متّفق على صحّته عن أبي هريرة(رضي الله عنه) عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وورد بألفاظ مختلفة:

أشهرها: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» وهذه رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ.

والآخر: «تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد» من غير حصر، وهذه رواية معمّر عن الزهريّ.

وآخر: «إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء». وهذه من طريق غير الزهريّ.

وهذه الروايات الثلاث ذكرها مسلم في فضل المدينة عن أبي هريرة (2).

وذكر قبل ذلك في سفر المرأة عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تشدّوا الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن استدلال ابن تيمية بهذا الحديث راجع مجموع فتاواه (ج27 ص26) ومواضع عديدة في هذا الجزء الخاص بالزيارة وشدّ الرحال إليها.

(2) صحيح مسلم (4 / 126) كتاب الحج باب لا تُشدُّ الرِحال...


(204)

والمسجد الأقصى»(1) ولفظه ـ كما ذكرنا ـ بصيغة النهي، واللفظ السابق بصيغة الخبر.

وورد في خبر أبي سعيد أيضاً: «إنّما تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد إبراهيم،ومسجد محمّد، ومسجد بيت المقدس» رواه إسحاق بن راهويه في مسنده(2).

وورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضاً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولفظه بصيغة النهي: «لا تشدّوا الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس» رواه الطبرانيّ في معجمه (3).

هذه ألفاظ المرويّات.

 

[ دلالة الأحاديث ومعناها ]

وأمّا معناها: فاعلم: أنّ هذا الاستثناء مفرّغ، تقديره: لا تشدّ الرحال إلى مسجد إلاّ إلى المساجد الثلاثة، أو لا تشدّ الرحال إلى مكان إلاّ إلى المساجد الثلاثة.

ولابدّ من أحد هذين التقديرين ليكون المستثنى مندرجاً تحت المستثنى منه.

والتقدير الأوّل أولى ; لأنّه جنس قريب، ولما سنبيّنه من قلّة التخصيص أو عدمه على هذا التقدير(4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم (4 / 102) كتاب الحج باب سفر المرأة مع محرم.

(2) مسند ابن راهويه.

(3) المعجم الكبير للطبراني (12 / 337) ح13283، وفيه (لا تشدّ) وعلّق عليه: قال في مجمع (الزوائد) 4 / 4، بعد أن نسبه إلى الأوسط: ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزّار أيضاً.

(4) لاحظ ما ذكره الذهبي في سير الأعلام (4 / 484) في هذا الصدد وقد نقلناه في الباب الرابع (ص100) فراجع الهامش.


(205)

ثم اعلم: أنّ السفر فيه أمران:

أحدهما: غرض باعث عليه، كالحجّ، أو طلب العلم، أو الجهاد، أو زيارة الوالدين، أو الهجرة، وما أشبه ذلك.

والثاني: المكان الذي هو نهاية السفر، كالسفر إلى مكّة، أو المدينة، أو بيت المقدس، أو غيرها من الأماكن لأيّ غرض كان.

ولا شكّ أنّ شدّ الرحال إلى عرفة لقضاء النسك، واجب بإجماع المسلمين، وليس من المساجد الثلاثة.

وشدّ الرحال لطلب العلم إلى أيّ مكان كان، جائز بإجماع المسلمين، وقد يكون مستحبّاً، أو واجباً على الكفاية، أو فرض عين.

وكذلك السفر إلى الجهاد، ومن بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ; للهجرة وإقامة الدين، وكذلك السفر لزيارة الوالدين وبرّهما، وزيارة الإخوان والصالحين، وكذلك السفر للتجارة، وغيرها من الأغراض المباحة.

فإنّما معنى الحديث: أنّ السفر إلى المساجد مقصور على الثلاثة على التقدير الأوّل الذي اخترناه.

أو أنّ السفر إلى الأماكن مقصور على الثلاثة على التقدير الثاني.

ثمّ على كلا التقديرين: إمّا أن يجعل المساجد أو الأمكنة غاية فقط، وعلّة السفر أمراً آخر، كالاشتغال بالعلم ونحوه من الأمثلة التي ذكرها، فهذا جائز إلى كلّ مسجد وإلى كلّ مكان، فلا يجوز أن يكون هو المراد.

وقد يقال على بُعد: إنّ خروج تلك المسائل بأدلّة على سبيل التخصيص للعموم، فلا يمنع من إرادته في الباقي.

وهذا لو قيل به، فتقدير المساجد أيضاً أولى من تقدير الأمكنة ; لعلّة التخصيص، إذ التخصيص على تقدير إضمار الأمكنة أكثر، فيكون مرجوحاً.

ثمّ على هذا التقدير: فالسفر بقصد زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غايته مسجد المدينة ;


(206)

لأنّه مجاور للقبر الشريف، فلم يخرج السفر للزيارة عن أن تكون غايته أحد المساجد الثلاثة، وهو المراد على هذا التقدير.

وإمّا أن يجعل المساجد أو الأمكنة علّةً فقط، ويكون قد عبّر بـ «إلى» عن اللام، أو غايةً وعلّةً من باب تخصيص العامّ بأحد حاليه ; لأنّ غاية السفر قد يكون هو العلّة، وقد لا يكون، فيكون المراد النوع الأوّل، وهو ما يكون علّة مع كونه غاية.

ومعنى كونه علّة: أنّه يسافر لتعظيمها، أو للتبرّك بالحلول فيها، أو بأن يوقع فيها عبادة من العبادات التي يمكنه إيقاعها في غيرها ; من حيث أنّ إيقاعها فيها أفضل من إيقاعها في غيرها، وكلّ ذلك إنّما نشأ من اعتقاد فضل في البقعة زائد على غيرها، فنهي عن ذلك إلاّ في المساجد الثلاثة، وهذا هو المراد، وغيرها من الأماكن والمساجد لا يؤتى إلاّ لغرض خاصّ لا يوجد في غيره، كالثغر للرباط الذي لا يوجد في غيره.

وعلى هذا التقدير أيضاً، المسافر لزيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يدخل في الحديث ; لأنّه لم يسافر لتعظيم البقعة، وإنّما سافر لزيارة مَنْ فيها، كما لو كان حيّاً وسافر إليها فيها أو في غيرها، فإنّه لا يدخل في هذا العموم قطعاً.

وملخّص ما قلناه على طوله: أنّ النهي عن السفر مشروط بأمرين:

أحدهما: أن يكون غايته غير المساجد الثلاثة.

والثاني: أن تكون علّته تعظيم البقعة.

والسفر لزيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غايته أحد المساجد الثلاثة، وعلّته تعظيم ساكن البقعة، لا البقعة، فكيف يقال بالنهي عنه؟!

بل أقول: إنّ للسفر المطلوب سببين:

أحدهما: ما يكون غايته أحد المساجد الثلاثة.

والثاني: ما يكون لعبادة وإن كان إلى غيرها.


(207)

والسفر لزيارة المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) اجتمع فيه الأمران، فهو في الدرجة العليا من الطلب، ودونه ما وجد فيه أحد الأمرين، وإن كان السفر الذي غايته أحد الأماكن الثلاثة، لابدّ في كونه قربة من قصد صالح.

وأمّا السفر لمكان غير الأماكن الثلاثة لتعظيم ذلك المكان، فهو الذي ورد فيه الحديث، ولهذا جاء عن بعض التابعين أنّه قال: قلت لابن عمر: إنّي اُريد أن آتي الطور.

قال: إنّما تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومسجد الأقصى، ودع الطور فلا تأته.

 

[ محط البحث عند الفقهاء ]

وفي مثل هذا الذي تكلّم الفقهاء في شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة.

فنقل إمام الحرمين عن شيخه: أنّه كان يفتي بالمنع عن شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد، قال: وربّما كان يقول: يكره، وربّما كان يقول: يحرم ; أخذاً بظاهر  النهي.

وقال الشيخ أبو عليّ: لا يكره، ولا يحرم، ولكن أبان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ القربة المقصودة في قصد المساجد الثلاثة، وما عداها ليس في قصد أعيانها قربة، قال: وهذا حسن لا يصحّ عندي غيره.

قلت: ويمكن أن يقال: إن قصد بذلك التعظيم فالحقّ ما قاله الشيخ أبو محمّد ; لأنّه تعظيم لما لم يعظّمه الشرع، وإن لم يقصد مع عينه أمراً آخر، فهذا قريب من العبث، فيترجّح فيه ما قاله الشيخ أبو عليّ، ولا نعلم في مذهبنا غير ذلك.

وذهب الداوديّ إلى أنّ ما قرب من المساجد الفاضلة من المصر، فلا بأس أن يؤتى مشياً وركوباً ; استدلالا بمسجد قباء، ولا يدخل تحت النهي في إعمال


(208)

المطيّ ; لأنّ الإعمال وشدّ الرحال لا يكون لما قرب غالباً.

ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أنّه إنّما يمنع المطيّ للناذر، وأمّا غير الناذر ممّن يرغب في فضل مشاهد الصالحين فلا.

فهذه أربعة مذاهب في إتيان ما سوى الثلاثة من المساجد، وعلى المذهب الرابع المفصّل بين أن يكون بالنذر أو بغيره، حمل بعضهم إتيان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مسجد قباء ; لأنّه كان بغير نذر، ولا حرج فيه، بل متى خفّ عليه فعل القربة.

فيجيء في نذر ما سوى الثلاثة من المساجد ثلاثة مذاهب:

أحدها: أنّه لا يصحّ، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور.

والثاني: يصحّ مطلقاً، وهو مذهب الليث بن سعد.

والثالث: يلزم ما لم يكن بشدّ رحل، كمسجد قباء، وهو قول محمّد بن مسلمة المالكيّ.

وقد روى مالك عن عبدالله بن أبي بكر بن حزم: أنّ عبدالله بن عباس سُئل عمّن جعل على نفسه مشياً إلى مسجد قباء وهو بالمدينة ؟ فألزمه ذلك، وأمره أن  يمشي.

قال عبدالملك بن حبيب في كتاب «الواضحة»: فكذلك من نذر أن يمشي إلى مسجده الذي يصلّي فيه جمعته، أو مكتوبته، فعليه أن يمشي إليه، وليس ذلك بلازمه فيما نأى عنه من المساجد لا ماشياً، ولا راكباً، وكذلك روى ابن وهب وغيره عن مالك إلاّ المساجد الثلاثة، فيلزمه في المسجد الحرام ما نذر من مشي أو ركوب، ولا يلزمه في المسجدين ـ مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبيت المقدس ـ المشي إليهما، ويلزمه أن يأتيهما راكباً للصلاة فيهما.

هذا كلّه في قصد المكان بعينه، أو قصد عبادة فيه تمكن في غيره.

أمّا قصده بغير نذر لغرض فيه ـ كالزيارة وشبهها ـ فلا يقول أحد فيه بتحريم ولا كراهة.


(209)

فإن قلت: فقد قال النوويّ في «شرح مسلم»(1) في باب سفر المرأة مع مَحْرَم إلى الحجّ: اختلف العلماء في شدّ الرحال وإعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمّد من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره.

والصحيح عند أصحابنا ـ وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحقّقون ـ أنّه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد أنّ الفضيلة التامّة إنّما هي في شدّ الرحال إلى هذه الثلاثة خاصّة، والله أعلم، انتهى كلام النوويّ.

وقد جعل الذهاب إلى قبور الصالحين من محلّ الخلاف.

قلت: رحم الله النوويّ، لو اقتصر على المنقول أو نقده حقّ النقد لم يحصل خلل، وإنّما زاد التمثيل فحصل الخلل من زيادته.

والذي نقله الإمام الرافعيّ والنوويّ في غير «شرح مسلم» عن الشيخ أبي محمّد(رحمه الله)ليس فيه هذه الزيادة، بل فيه ما يبيّن أنّ مراده ما قدّمناه.

فإنّ الإمام قال: إذا نذر أن يأتي مسجداً من المساجد سوى المسجد الحرام، قال العلماء: فإن كان المسجد الذي عيّنه غير مسجد المدينة ومسجد القدس، فلا يلزم بالنذر شيء أصلا، فإنّه ليس في قصد مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة قربة مقصودة، وما لا يكون قربة ولا عبادة مقصودة فهو غير ملزم بالنذر، وكان شيخي يفتي بالمنع عن شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد... وذكر ما قدّمناه.

وكذلك الرافعيّ قال: إذا نذر إتيان مسجد آخر سوى الثلاثة لم ينعقد نذره، قال الإمام وكان شيخي يفتي... وذكر ما تقدّم.

وكذلك النوويّ في «شرح المهذّب»(2) وكذلك في «شرح مسلم» في باب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح مسلم للنووي (9 / 106).

(2) المجموع شرح المهذب للنووي (8 / 477) وانظر نذر الصلاة في (6/ 488) وانظر (8/473) و(8/475).


(210)

فضل المساجد الثلاثة، كلامه مشعر بما قلناه.

ومع ذلك قال: إنّ ما قاله الشيخ أبو محمّد غلط.

ففي كلام كلّ من الإمام والرافعيّ والنوويّ ـ في غير «شرح مسلم» وفي «شرح مسلم» في غير هذا الباب ـ ما يبيّن أنّ فرض المسألة في قصد المساجد، فيحمل كلام أبي محمّد عليه.

أمّا قصد الأغراض الصحيحة في المساجد وغيرها من الأمكنة ـ من الزيارة، والاشتغال والجهاد، وغيرها ـ فلم يتكلّم فيه أبو محمّد، ولا يجوز أن ينسب إليه المنع منه، ولو قاله هو أو غيره ممّن يقبل كلامه الغلط لحكمنا بغلطه، وأنّه لم يفهم مقصود الحديث، لكنّه بحمد الله لم يثبت عندنا أنّه قال ذلك، ولا نقله عنه أحد غير ما وقع في «شرح مسلم» من التمثيل على سبيل السهو والغفلة، ولهذا أجللنا مالكاً(رحمه الله)عن أن يستدلّ بالحديث على هذا المقصود، وأوجبنا تأويل كلامه على إرادة البقعة لعينها.

وهكذا القاضي عياض، فإنّه قال في «الإكمال»(1): قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» فيه تعظيم هذه المساجد، وخصوصها بشدّ الرحال إليها ; لأنّها مساجد الأنبياء(عليهم السلام)، وتفضيل الصلاة فيها، وتضعيف أجرها، ولزوم ذلك لمن نذره، بخلاف غيرها ممّا لا يلزم ولا يباح شدّ الرحال إليها ; لا لناذر، ولا لمتطوّع، بهذا النهي، إلاّ ما ألحقه محمّد بن مسلمة من مسجد  قباء.

وهذا الكلام من القاضي عياض ليس فيه تعرّض لزيارة الموتى أصلا، ولا يجوز أن ينقل ذلك عنه بتصريح ولا بإشارة، وإنّما أشار به إلى غير الثلاثة من المساجد.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإكمال للقاضي عياض.


(211)

[ عنوان المسألة في كتب الفقه ]

فإن قلت: قد قال ابن قدامة الحنبليّ في كتاب «المغني»(1): فصل: فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخّص ; لأنّه منهيّ عن السفر إليها، قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد».

والصحيح إباحته، وجواز القصر فيه ; لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأتي قباء ماشياً وراكباً، وكان يزور القبور، وقال: «زوروها تذكّركم الآخرة».

وأمّا قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد» فيحمل على نفي الفضيلة، لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر، ولا يضرّ انتفاؤها.

قلت: قد وقفت على كلام ابن قدامة المذكور، وترجمته بالسفر لزيارة القبور والمشاهد، ولم أقف على كلام ابن عقيل، فإن كان في المشاهد، أو في قصدها مع الزيارة، فلا يرد علينا ; لأنّه من باب قصد الأمكنة، وهذا هو الظاهر من استدلاله بالحديث على ما تقرّر، وكلامنا إنّما هو في مجرّد قصد الزيارة للميّت من غير قصد البقعة أصلا، وليس في كلام ابن عقيل ولا ابن قدامة تصريح بذلك، بل كلامه يشير إلى أنّه إنّما تكلّم في القبور التي بنيت عليها المشاهد، وقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لا يدخل في ذلك ; لأنّ مكانه لا يسمّى «مشهداً».

ولوسلّمنااندراجه في مدلول كلامه فيجب تخصيصه، وحمل كلامه على ما سواه.

وإذا كنّا نخصص كلام الله وكلام رسوله بالأدلّة، فأيّ شيء كلام ابن عقيل حتّى لا نخصّص ; إذا أحسنّا الظنّ به؟!

والموجب لتخصيص هذا القبر الشريف عن سائر القبور، الأدلّة الواردة في زيارته على الخصوص، وإطباق الناس على السفر إليه، فإن لم يعتبر ابن عقيل هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المغني لابن قدامة (2 / 103).


(212)

الأدلّة لفوّقت سهام التخطئة إليه، وردّ كلامه عليه، ولكنّه لم يثبت بحمد الله عندنا ذلك عنه.

فإن قلت: قد أكثرت من التفرقة بين البقعة، وقصد مَنْ فيها، وسلّمت أنّ قصد البقعة داخل تحت الحديث، والزيارة لابدّ فيها من قصد البقعة، فإنّ السلام والدعاء يحصل من بعد، كما يحصل من قرب، وهو مقصود الزيارة.

قلت: قصد البقعة لما اشتملت عليه ليس بمحذور، ولا نقول بنفي الفضيلة عنه، وإنّما قلنا ذلك في قصد البقعة لعينها، أو لتعظيم لم يشهد به الشرع.

على أنا نقول: إنّه لا يلزم من الزيارة أن يكون للبقعة مدخل في القصد الباعث، بل تارة: يكون ذلك مقصوداً، وتارة: يجرّد قصد الشخص المزور من غير شعور بما سواه.

وقوله: «إنّ مقصود الزيارة يحصل من بُعد» ممنوع ; فإنّ الميّت يعامل معاملة الحيّ، فالحضور عنده مقصود، ألا ترى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا خرج فيه ليلة عائشة إلى البقيع، فقام فأطال القيام، ثمّ رفع يديه ثلاث مرّات... الحديث المشهور، وفيه: أنّ عائشة سألته فقال: «إنّ جبرئيل أتاني فقال: إنّ ربّك عزّوجلّ يأمرك أن تأتي أهل البقيع وتستغفر لهم».

قالت فقلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟

قال: «قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» رواه  مسلم (1).

فانظر كيف خرج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى البقيع بأمر الله تعالى يستغفر لأهله، ولم يكتفِ بذلك من الغيبة، وهذا أصل في الإتيان إلى القبور لزيارة أهلها للاستغفار  لهم.

وقد سألت عائشة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كيف تقول؟ تعني إذا فعلت كفعله، وعلّمها،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم (3 / 63) كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبر.


(213)

وفي ذلك دليل على أنّه يجوز لها وللنساء، الإتيان إلى القبور لهذا الغرض ; لأنّ سؤالها ذلك كان بعد رجوعهما إلى البيت، فلم يكن المقصود منه: كيف أقول الآن؟ وإنّما معناه كيف أقول مرّة اُخرى؟ فلو كان لا يجوز لها ذلك لبيّنه  لها.

وليس هذا المقصود هنا، فإنّا نذكره إن شاء الله تعالى في موضع آخر (1).

وإنّما المقصود هنا أنّ الحضور عند القبر لسبب زيارة من فيه والدعاء مطلوب، وليس ذلك من باب قصد الأمكنة، ولا دلّ الحديث على امتناعه، ولا قال به أحد من العلماء.

 

[ فتاوى مختلفة مزوّرة باسم علماء بغداد(2) ]

وقد أحضر إليّ بعض الناس صورة فتاوى منسوبة لبعض علماء بغداد في هذا الزمان، لا أدري هل هي مختلقة من بعض الشياطين الذين لا يحسنون ؟ أو هي صادرة ممّن هو متّسم بسمة العلم، وليس من أهله ؟:

فأوّلها: فتيا مالكيّ قال فيها: قد نصّ الشيخ أبو محمّد الجويني في كتبه على تحريم السفر لزيارة القبور، وهو اختيار القاضي الإمام عياض في إكماله (3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يأتي.

(2) نسب هذه الفتاوى ولفظها السلفيّ محمد بن عبد الهادي الذي انتصر لابن تيميّة، وقد نقل نصّ فتواه، ثم عقبّها بقوله: وقد وصل ما أجاب به الشيخ في هذه المسألة إلى «علماء بغداد» فقاموا في الانتصار له، وكتبوا بموافقته، ورأيتُ خطوطهم بذلك، وهذه صورة ما كتبوا، العقود الدرية (ص342) ونقله في مجموع فتاوى ابن تيميّة (27 / 193).

ثم أوردها، وهي كما عرفت بلا سَنَد ولا صادرة عن اُناس معروفين بل كلّها أسماء نكرات، ومنقولاتهم فيها مزيّفة وكاذبة، واستدلالاتهم باطلة، كما ستعرف.

ولقد اغرق ابن عبد الهادي في التعصّب لما ادّعى في (الصارم ص15) أن هذه الفتاوى مشهورة! ممّا شاع خبرها وذاع واشتهر أمرها وانتشر! وهي صحيحة ثابتة، متواترة!

ولاحظ المقارنة بين قوله (مشهورة) و(متواترة)!!

(3) هذا النص في مجموع فتاوى ابن تيمية (13 / 197) وهو الجواب الثاني، كتبه محمد ابن عبد الرحمن البغدادي الخادم للطائفة المالكية بالمدرسة الشريفة المستنصرية.


(214)

ولقد كذب في هذا النقل عن الشيخ أبي محمّد والقاضي عياض جميعاً... ثمّ أطال الكلام بما لا فائدة فيه.

وثانيها: فتيا شافعيّ قال فيها: إنّ المفهوم من كلام العلماء ونظّار العقلاء، أنّ الزيارة ليست عبادة وطاعة بمجرّدها(1).

فإن أراد المفهوم عنده فلا علينا منه، ونقول له: المفهوم عند العلماء خلافه.

ثمّ قال: إنّ من اعتقد جواز الشدّ إلى غير ما ذكر أو وجوبه أو ندبه، كان مخالفاً لصريح النهي، ومخالفة النهي معصية إمّا كفرأ وغيره; على قدر المنهيّ عنه ووجوبه  وتحريمه.

ويكفي هذا الكلام ضحكةً على ما قاله أن يجعل المنهيّ عنه منقسماً إلى وجوب وتحريم، دع سوء فهمه للحديث.

وثالثها: فتياآخر شارك فيها الأوّل في النقل عن الشيخ أبي محمّد والقاضي  عياض.

وقد تقدّم جوابه، وأساء الفهم في الحديث، كما أساءه غيره.

ورابعها: فتيا آخر ليس فيها طائل.

وكلّهم خلط مع ذلك ما لا طائل تحته، والأقرب أنّها مختلقة، وأنّ مثلها لا يصدر عن عالم، وإنّما ذكرتها هنا لتضمّنها النقل عن الشيخ أبي محمّد والقاضي عياض الذي تعرّضت هنا لإفساده.

[ ابن تيميّة يمنع الزيارة مطلقاً، لا شدّ الرحل إليها فقط ](2)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا النص في مجموع فتاوى ابن تيمية (13/196) وهو الجواب الأول لمحرّره ابن الكتبي الشافعي.

(2) لقد كذّب ابن عبد الهادي هذه النسبة، ونفى أن يكون ابن تيمية منع عن مطلق الزيارة، وهو عمدة عمله في الصارم المنكي، لكن ما نقله المصنّف من كلام ابن تيميّة واضح الدلالة على ذلك، وقد أفردنا له كتاب «الزيارة» فراجع.

ثم أورد ابن عبد الهادي أجوبة اُخرى بعنوان: «ووقفت على كتاب ورد مع أجوبة أهل بغداد وصورته: ...»، وقد ذكر هذا مكرراً، وذكر أجوبة ليس فيها طائل، كما ذكر المؤلّف الإمام السبكي.

وهكذا يعتمد على الرقاع والمكاتيب التي لا سند لها ولا خطم ولا أزمّة، ويعتبرها شيئاً، بينما لو فعل غير السلفية هذا، لأقامت الدنيا وما أقعدتها؟ باعتبار اعتماد شيء لا سند له، وهي الرقاع، والمكاتيب، إلى آخر حملاتهم الشنعاء على أهل العلم وكتب العلم، وأنهم صحفيون!!

ثم ما حجّة كلام هؤلاء، أمام الحجج الشرعية والنصوص الإلهية والنبوية الدالّة على مشروعيّة أعمال العباد القاصدين بها القربة وامتثال أوامر الرسول والأئمّة الاُمناء على الناس ديناً ودنياً.

ثم لماذا خصّت بغداد وعلماؤها الأعلام! بهذا النقض للأحكام الصادرة من سلطان مصر؟ أليس يستشم منها رائحة السياسة التي يسير في فلكها السلفية الأميريّون أتباع الحكّام الظلمة والاُمراء الفسقة في كل عصر ومصر!


(215)

تنبيه: قد يتوهّم من استدلال الخصم بهذا الحديث: أنّ نزاعه قاصر على السفر للزيارة، دون أصل الزيارة.

وليس كذلك، بل نزاعه في الزيارة أيضاً ; لما سنذكره في الشبهتين الثانية والثالثة، وهما:

كون الزيارة على هذا الوجه المخصوص بدعة.

وكونها من تعظيم غير الله المفضي إلى الشرك، وما كان كذلك كان ممنوعاً.

وعلى هاتين الشبهتين بنى كلامه، وأصل الخيال الذي سرى إليه منهما لا غير، وهو عامّ في الزيارة والسفر إليها.

ولهذا يدّعي هو: أنّ الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّها ضعيفة، بل موضوعة (1).

ويستدلّ بقوله: «لا تتخذوا قبري عيداً» وبقوله: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .

وبأنّ هذا كلّه محافظة على التوحيد، وأن اُصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد، كما سنذكر ذلك في نصّ كلامه المنقول عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ مواضع هذه العبارة في كلام ابن تيميّة وجروه ابن عبدالهادي في أول تعليقة لنا على هذا الكتاب (ص1).


(216)

وقد رأيت أيضاً فتيا بخطّه، ونقلت منها ما أنا ذاكره، قال فيها ـ ومن خطّه نقلت ـ:

 

[ نصّ فتوى قديمة لابن تيمية ]

وأمّا السفر للتعريف عند بعض القبور، فهذا أعظم من ذلك، فإنّ هذا بدعة وشرك، فإنّ أصل السفر لزيارة القبور ليس مشروعاً، ولا استحبّه أحد من العلماء، ولهذا لو نذر ذلك لم يجب عليه الوفاء به بلا نزاع بين الأئمّة.

ثمّ قال: ولهذا لم يكن أحد من الصحابة والتابعين ـ بعد أن فتحوا الشام، ولا قبل ذلك ـ يسافرون إلى زيارة قبر الخليل(عليه السلام) ولا غيره من قبور الأنبياء التي بالشام، ولا زار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك ليلة اُسري به.

والحديث الذي فيه: «هذا قبر أبيك إبراهيم فانزل فصلّ فيه، وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى، انزل فصلّ فيه» كذب لا حقيقه له.

وأصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذين سكنوا الشام، أو دخلوا إليه ولم يسكنوه، مع عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه وغيره، لم يكونوا يزورون شيئاً من هذه البقاع والآثار المضافة إلى الأنبياء.

ثمّ قال: ولم يتّخذ الصحابة شيئاً من آثاره مسجداً ولا مزاراً ; غير ما بيّناه من المساجد، ولم يكونوا يزورون غار حراء، ولا غار ثور.

ثمّ قال: حتّى أنّ قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يثبت عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لفظٌ بزيارته، وإنّما صحّ عنه «الصلاة عليه والسلام» ; موافقة لقوله تعالى: }يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً{ الآية.

ثمّ قال: ولهذا لم يكن على عهد الصحابة والتابعين مشهدٌ يُزار ; لا على قبر نبيّ، ولا غير نبيّ، فضلا عن أن يُسافر إليه ; لا بالحجاز، ولا بالشام ولا اليمن، ولا العراق، ولا مصر، ولا المشرق !


(217)

ثمّ قال: ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعيّة، وزيارة بدعيّة:

فالزيارة الشرعيّة مقصودها السلام على الميّت، والدعاء له إن كان مؤمناً، وتذكّر الموت سواء كان الميّت مؤمناً أم كافراً.

وقال بعد ذلك: فالزيارة لقبر المؤمن نبيّاً أو كان غير نبيّ، من جنس الصلاة على جنازته، يدعى له كما يدعى إذا صلّي على جنازته.

وأمّا الزيارة البدعيّة، فمن جنس زيارة النصارى مقصودها الإشراك بالميّت، مثل طلب الحوائج منه، أو به، أو التمسّح بقبره، وتقبيله، أو السجود له، ونحو ذلك، فهذا كلّه لم يأمر الله به ورسوله، ولا استحبّه أحد من أئمّة المسلمين، ولا كان أحد من السلف يفعله ; لا عند قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا غيره.

ثمّ قال: ولم يكونوا يقسمون على الله بأحد من خلقه ; لا نبيّ، ولا غيره، ولا يسألون ميّتاً، ولا غائباً، ولا يستغيثون بميّت، ولا غائب ; سواء كان نبيّاً، أو غير نبيّ، بل كان فضلاؤهم لا يسألون غير الله شيئاً.

انتهى ما أردت نقله من كلام ابن تيمية(رحمه الله) من خطّه، وأنا عارف بخطّه(1).

وهو يدلّ على ما ذكرناه: من أنّ نزاعه في السفر والزيارة جميعاً، غير أنّه كلام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذه الفتوى لم ينقلها أحد من أتباع ابن تيميّة، والظاهر أنّها الفتوى القديمة في مسألة الزيارة التي قال عنها ابن عبد الهادي في (العقود ص327) «وكان الشيخ في هذه المسألة كلام متقدّم أقدم من الجواب المذكور بكثير، وذكره في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم» وغيره وفيه ما هو أبلغ من هذا الجواب الذي ظفروا به.

أقول: وقد ذكرنا ان الإمام السبكي إنّما ألَّف كتاب (شفاء السقام) في مصر حوالي سنة (716) واعتمد كما يقول هنا، على هذه الفتوى، وهي صريحة في منع ابن تيميّة لمطلق زيارة القبر المعظّم، مضافاً إلى منعه لشدّ الرحال إلى زيارته، كما أثبته السبكي هنا.

ونفس هذه المقاطع الدالّة على منعه لمطلق الزيارة، مبثوثة في كتبه، ومجموع فتاواه، وفي النقول عنه، فلاحظ كتابه: الجواب الباهر ـ وهو الذي كتبه بعد تكفير علماء الاُمّة له ـ وطبع في مجموع الفتاوى (27 / 414 ـ 444) و(ج17 ص461) وانظر (15 / 154 و 143 ـ 144) والرد على الاخنائي ومختصره في المجموع (27 / 114 ـ 288) واقتضاء الصراط، وغيرها.


(218)

مختبط ; في صدره ما يقتضي منع الزيارة مطلقاً، وفي آخره ما يقتضي أنّها إن كانت للسلام عليه والدعاء له جازت، وإن كانت على النوع الآخر الذي ذكره لم يجز.

وبقي قسم لم يذكره: وهو أن تكون للتبرّك به من غير إشراك به.

فهذه ثلاثة أقسام:

أوّلها: السلام والدعاء له.

وقد سلّم جوازه، وأنّه شرعيّ، ويلزمه أن يسلّم جواز السفر له، فإن فرّق في هذا القسم بين أصل الزيارة وبين السفر ـ محتجّاً بالحديث المذكور ـ فقد سبق جوابه.

والقسم الثاني: التبرّك به والدعاء عنده للزائر.

وهذا القسم يظهر من فحوى كلام ابن تيمية(رحمه الله) أنّه يلحقه بالقسم الثالث، ولا دليل له على ذلك، بل نحن نقطع ببطلان كلامه فيه، وأنّ المعلوم من الدين وسير السلف الصالحين، التبرّك ببعض الموتى من الصالحين، فكيف بالأنبياء والمرسلين؟!

ومن ادعى أنّ قبور الأنبياء وغيرهم من أموات المسلمين سواء، فقد أتى أمراً عظيماً نقطع ببطلانه وخطئه فيه، وفيه حطّ لدرجة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى درجة من سواه من المسلمين، وذلك كفر متيقّن، فإنّ من حطّ رتبة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عمّا يجب له، فقد كفر.

فإن قال: إنّ هذا ليس بحطّ، ولكنّه منع من التعظيم فوق ما يجب عليه.

قلت: هذا جهل وسوء أدب، وقد تقدّم في أوّل الباب الخامس(1) الكلام في ذلك، ونحن نقطع بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يستحقّ من التعظيم أكثر من هذا المقدار في حياته وبعد موته، ولا يرتاب في ذلك من كان في قلبه شيء من الإيمان.

وأمّا القسم الثالث: وهو أن يقصد بالزيارة الإشراك بالله تعالى:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الباب الخامس .


(219)

فنعوذ بالله منها وممّن يفعلها، ونحن لا نعتقد في أحد من المسلمين ـ إن شاء الله ـ ذلك.

وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهمّ لا تجعل قبري وثناً يعبد» ودعاؤه(صلى الله عليه وآله وسلم)مستجاب، وقد أيس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب (1).

فهذا شيء لا نعتقده إن شاء الله في أحد ممّن يقصد زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا التمسّح بالقبر وتقبيله والسجود عليه ونحو ذلك:

فإنّما يفعله بعض الجهّال، ومن فعل ذلك ينكر عليه فعله ذلك، ويعلّم آداب الزيارة، ولا ينكر عليه أصل الزيارة، ولا السفر إليها، بل هو مع ما صدر منه من الجهل محمود على زيارته وسفره، مذموم على جهله وبدعته.

وأمّا طلب الحوائج عند قبره(صلى الله عليه وآله وسلم)

فسنذكره في باب الاستغاثة بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(2):

ولنتكلّم على الشبهة الثانية والثالثة اللتين بنى ابن تيمية(رحمه الله) كلامه عليهما:

 

[ مشروعية الزيارة ]

أمّا الشبهة الثانية:

وهي كون هذا ليس مشروعاً، وأنّه من البدع التي لم يستحبّها أحد من العلماء ; لا من الصحابة، ولا من التابعين ومن بعدهم.

فقد قدّمنا سفر بلال من الشام إلى المدينة لقصد الزيارة.

وأنّ عمر بن عبدالعزيز كان يجهّز البريد من الشام إلى المدينة للسلام على النبيّ عليه الصلاة والسلام .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ سنن الترمذي (4 / 401) ح2159 كتاب الفتن، وسنن ابن ماجة (2 / 1015) ح3055 كتاب المناسك، وسنن النسائي (6 / 353) ح11213 كتاب التفسير، ومسند أحمد (2 / 368).

(2) سيأتي في الباب الثامن.


(220)

وأنّ ابن عمر كان يأتي قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيسلّم عليه وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهم.

وكلّ ذلك يكذّب دعوى: أنّ الزيارة والسفر إليها بدعة.

ولو طولب ابن تيمية(رحمه الله) بإثبات هذا النفي العامّ، وإقامة الدليل على صحّته، لم يجد إليه سبيلا.

فكيف يحلّ لذي علم أن يقدم على هذا الأمر العظيم بمثل هذه الظنون، التي مستنده فيها أنّه لم يبلغه، وينكر به ما أطبق عليه جميع المسلمين شرقاً وغرباً في سائر الأعصار ; ممّا هو محسوس خلفاً عن سلف، ويجعله من البدع؟!

فإن قلت: إنّ الذي كان يفعله السلف من النوع الأوّل ; وهو السلام والدعاء له، دون النوع الثاني والثالث.

قلنا: أمّا الثالث فلا استرواح إليه ; لأنّا نبعد كلّ مسلم منه.

وأمّا النوع الأوّل والثاني، فدعوى كون السلف كلّهم كانوا مطبقين على النوع الأوّل ; وأنّه شرعيّ، وكون الخلف كلّهم مطبقين على الثاني ; وأنّه بدعة، من التخرّص الذي لا يقدر على إثباته، فإنّ المقاصد الباطنة لا يطّلع عليها إلاّ الله تعالى.

فمن أين له أنّ جميع السلف لم يكن أحد منهم يقصد التبرّك، أو أنّ جميع السلف لا يقصدون إلاّ ذلك؟!

ثمّ إنّه قال فيما سنحكيه من كلامه: «إنّ أحداً لا يسافر إليها إلاّ لذلك» ; يعني لاعتقاده أنّها قربة، وأنّه متى كان كذلك كان حراماً.

ولا شكّ أنّ بلالا وغيره من السلف ـ وإن سلّمنا أنّهم ما قصدوا إلاّ السلام ـ فإنّهم يعتقدون أنّ ذلك قربة.

فلو شعر ابن تيمية(رحمه الله) أنّ بلالا وغيره من السلف فعل ذلك، لم ينطق بما قال، ولكنّه قام عنده خيال: أنّ هذه الزيارة فيها نوع من الشرك، ولم يستحضر أنّ أحداً


(221)

فعلها من السلف، فقال ما قال وغلط رحمه الله فيما حصل له من الخيال، وفي عدم الاستحضار.

ودعواه: «أنّه لو نذر ذلك، لم يجب عليه الوفاء به بلا نزاع من الأئمّة».

نحن نطالبه بنقل هذا عن الأئمّة.

وتحقيق أنّه لا نزاع بينهم فيه.

ثمّ بتقرير كون ذلك عامّاً في قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيره.

ليحصل مقصوده في هذه المسألة التي تصدّينا لها.

ومتى لم تحصل هذه الأُمور الثلاثة لا يحصل مقصوده، وليس إلى حصولها سبيل.

ونحن قد نقلنا أنّ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تلزم بالنذر، وعلى مقتضاه يلزم السفر إليها أيضاً بالنذر ; على الضدّ ممّا قال.

وأمّا قوله: «إنّ الصحابة لمّا فتحوا الشام، لم يكونوا يسافرون إلى زيارة قبر الخليل وغيره من قبور الأنبياء التي بالشام».

فلعلّه لأنّه لم يثبت عندهم موضعها، فإنّه ليس لنا قبر مقطوع به إلاّ قبره(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا قوله: «ولا زار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً من ذلك ليلة اُسري به».

فلعلّه لاشتغاله بما هو أهمّ.

وقد تحقّقنا زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم) القبور بالمدينة وغيرها في غير تلك الليلة، فليس ترك زيارته في تلك الليلة دليلا على أنّ الزيارة ليست بسنّة، فالتشاغل بالاستدلال بذلك تشاغل بما لا يجدي.

وأمّا قوله: «إنّ الحديث الذي فيه: «هذا قبر أبيك إبراهيم فانزل فصلّ فيه، وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى انزل فصلّ فيه» كذب لا حقيقة له.

فصدق فيما قال.


(222)

وهذا الحديث يرويه بكر بن زياد الباهليّ، قال ابن حبّان: شيخ دجّال يضع الحديث على الثقات، لا يحلّ ذكره في الكتب إلاّ على سبيل القدح فيه.

وذكر ابن حبّان من طريقه الحديث المذكور، وفيه: «ثمّ أتى بي إلى الصخرة فقال: يا محمّد، من ها هنا عرج ربّك إلى السماء...» وذكر كلاماً طويلا كره ابن حبّان ذكره.

قال ابن حبان: وهذا شيء لا يشكّ عوام أصحاب الحديث أنّه موضوع، فكيف البذل في هذا الشأن؟! هذا كلام ابن حبّان(1).

وقد ذكر هذا الحديث أبو القاسم المكّي بن عبدالسلام بن الحسين بن القاسم المقدسيّ الرُمَيْليّ في «كتاب صنّفه في فضائل زيارة قبر إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ».

والرُمَيْليّ هذا بضمّ الراء، وفتح الميم، وسكون الياء، نسبة إلى الرُمَيْلة من الأرض المقدّسة.

وذكره أبو سعد عبدالكريم بن محمد بن منصور ابن السمعانيّ في كتاب «الأنساب»(2) فقال:كان حافظاً مكثراً، رحل إلى مصر، والشام، والعراق، والبصرة، قال ابن ناصر: وصنّف كتاباً في تأريخ بيت المقدس، وسمع من الخطيب بالشام وبغداد، وكان فاضلا صالحاً ثبتاً، وعاد إلى بيت المقدس، وأقام بها يدرّس الفقه على مذهب الشافعيّ، ويروي الحديث، إلى أن غلبت الفرنج على بيت المقدس، ثمّ قتل شهيداً.

قال ابن السمعانيّ: روى عن مكّي بن عبدالسلام: محمّد بن علي الاسفرايينيّ، وأبو سعيد عمّار التاجر، ولم يحدّث عنه سواهما.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المجروحين لابن حبان.

(2) الأنساب للسمعاني (الرميلي) ظهر ص259. من طبعة مرجليوث.


(223)

وقال ابن النجّار (1): عزم على أن يعمل تأريخاً لبيت المقدس، فحالت دونه منيّته، قتلته الفرنج بالحجارة في اليوم الثاني عشر من شوّال سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.

وذكر أبو القاسم عمر بن أبي جرادة في «تأريخ حلب»(2): أنّه ولد في المحرّم يوم عاشوراء سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة بيت المقدس.

قلت: وذكر في هذا التصنيف آثاراً في زيارة قبر إبراهيم الخليل، منها الحديث المذكور، قال: أنا الشيخ الصالح الثقة أبو محمّد عبدالعزيز بن أحمد بن عمر بن إبراهيم المقدسيّ قراءة عليه رحمة الله، أنا محمّد بن أحمد أبو بكر بن محمّد الواسطيّ الخطيب قراءة عليه، ثنا أبو القاسم عيسى بن عبيدالله بن عبدالعزيز الموصليّ المعروف بـ «المصاحقيّ»(3) ثنا أبو الحسن عليّ بن جعفر بن محمّد الرازي وكيل المسجد الأقصى، ثنا العباس بن أحمد بن عبدالله وأنا سألته، ثنا عبدالله بن أبي عمرة المقدسيّ، ثنا بكر بن زياد الباهليّ، عن عبدالله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لمّا اُسري بي إلى بيت المقدس، مرّ بي جبرئيل إلى قبر إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فقال: انزل صلّ ها هنا ركعتين ; فإنّ هنا قبر أبيك إبراهيم(عليه السلام)، ثمّ مرّ بي إلى بيت لحم فقال: انزل صلّ ها هنا ركعتين ; فإنّ ها هنا ولد أخوك عيسى(عليه السلام)ثم أتى بي إلى الصخرة...» قال: وذكر الحديث.

ورواه ابن حبّان، عن محمّد بن أحمد بن إبراهيم، ثنا عبدالله بن سليمان بن أبي عمرة، ثنا بكر بن زياد.

وإنّما تكلّمنا على هذا الحديث للتنبيه على الفائدة فيه، وليس بنا ضرورة إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذيل تاريخ بغداد لابن النجار.

(2) تاريخ حلب لابن أبي جرادة.

(3) في (هـ ): المصاحفيّ.


(224)

إثباته أو نفيه في تحقيق المقصود، لما سبق أنّ عدم الزيارة في وقت خاصّ لا يدلّ على عدم الاستحباب.

وقوله: «إنّ الصحابة لم يكونوا يزورون شيئاً من هذه البقاع والآثار».

فكلامنا إنّما هو في زيارة ساكن البقعة، لا في زيارة البقعة، وقد تقدّم التنبيه على الفرق بينهما.

ثمّ إنّ هذه شهادة على نفي، يصعب إثباتها ; وإن كنّا مستغنين عن منعها أو تسليمها.

وقوله: «حتّى أنّ قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)».

هذا هو المقصود في هذه المسألة.

وقوله: «لم يثبت عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لفظ بزيارة».

قد تقدّم إبطال هذه الدعوى ; وتحقيق ثبوت الحديث فيها.

وقوله: «ولهذا لم يكن على عهد الصحابة والتابعين مشهد يُزار على قبر نبيّ، ولا غير نبيّ، فضلا عن أن يسافر إليه...» إلى آخر كلامه.

إن أراد ما يسمّى «مشهداً» فموضع قبره(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يسمّى «مشهداً» وكلامنا إنّما هو فيه، وإن أراد أنه لم يكن في ذلك الزمان زيارة لقبر نبيّ من الأنبياء، فهذا باطل لما قدّمناه.

وبقيّة كلامه ; وتقسيمه الزيارة إلى: شرعيّة، وبدعيّة، سبق الكلام عنه.

وفيه اعتراف بمطلق الزيارة، ويلزمه الاعتراف بالسفر إليها، ولا يمنع من ذلك كون نوع منها، يقترن به من بعض الجهّال ما هو منهيّ عنه.

فمن ادعى الزيارة من غير انضمام شيء آخر إليها بدعة، فقد كذب وجهل.

ومن حرّمها فقد حرّم ما أحلّه الله تعالى.

ومن أطلق التحريم عليها ـ لأنّ بعض أنواعها محرّم، أو يقترن به محرّم ـ فهو جاهل.


(225)

وهكذا من امتنع من إطلاق الاستحباب على الزيارة من حيث هي ـ لوقوع بعض أنواعها من بعض الناس على وجه التحريم ـ فهو جاهل أيضاً، فإنّ الصلاة قد تقع على وجه النهي عنه، كالصلاة في الدار المغصوبة، وما أشبه ذلك، ولا يمنع ذلك من إطلاق القول: بأنّ الصلاة قربة أو واجبة.

فهكذا أيضاً الزيارة من حيث هي قربة ; لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «زوروا القبور» وإن كان بعض أنواعها يقع على وجه منهيّ عنه، فيكون ذلك الوجه منها منهيّاً عنه وحده، والحكم بالابتداع على هذا النوع لا يضرّنا، ونحن نسلّمه، ونمنع من يفعله، والحكم بالابتداع على المطلق عين الابتداع.

 

[ القبور والشرك ]

وأمّا الشبهة الثالثة: وهي أنّ من الشرك بالله تعالى اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: }قَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ ودَّاً وَلاَ سُوَاعَاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً{.

قالوا: كان هؤلاء قوماً صالحين في [عهد ]نوح، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا على صورهم تماثيل، ثمّ طال عليهم الأمد فعبدوها.

وتخيّل ابن تيمية: أنّ منع الزيارة والسفر إليها من باب المحافظة على التوحيد، وأنّ فعلها ممّا يؤدّي إلى الشرك.

وهذا تخيّل باطل ; لأنّ اتخاذ القبور مساجد، والكعوفَ عليها، وتصويرَ الصور فيها، هو المؤدّي إلى الشرك، وهو الممنوع منه، كما ورد في الأحاديث الصحيحة، كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لعن الله اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(1) يحذّر ممّا صنعوا.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري (1 / 110 و112 و113) و(2 / 91 و 106) و(4 / 144) و(5 /139 و140) و(7 / 41) وصحيح مسلم (2 / 67).


(226)

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أخبر بكنيسة بأرض الحبشة: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثمّ صوّروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله»(1).

وأمّا الزيارة والدعاء والسلام، فلا يؤدّي إلى ذلك، ولهذا شرعه الله تعالى على لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لما ثبت من الأحاديث المتقدّمة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قولا وفعلا، وتواتر ذلك، وإجماع الأُمّة عليه.

فلو كانت زيارة القبور من التعظيم المؤدّي إلى الشرك ـ كالتصوير ونحوه ـ لم يشرّعها الله تعالى في حقّ أحد من الصالحين، ولا فعلها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة في حقّ شهداء اُحد والبقيع وغيرهم.

وليس لنا أن نحرّم إلاّ ما حرّمه الله وإن تخيّلنا: أنّه يفضي إلى محذور، ولا نبيح إلاّ ما أباحه الله وإن تخيّلنا: أنّه لا يفضي إلى محذور.

ولمّا أباح الزيارة وشرعها، وسنّها رسوله، وحظر اتخاذ القبور مساجد، وتصوير الصور عليها، قلنا بإباحة الزيارة ومشروعيّتها، وتحريم اتخاذ القبور مساجد والتصوير.

فمن قاس الزيارة على التصوير في التحريم، كان مخالفاً للنصّ، كما أنّ شخصاً لو قال بإباحة اتخاذ القبور مساجد إذا لم يفضِ إلى الشرك، كان مخالفاً للنصّ أيضاً.

والوسائل التي لا يتحقّق بها المقصود، ليس لنا أن نجري حكم المقصود عليها إلاّ بنصّ من الشارع ; فإنّ هذا من باب سدّ الذرائع الذي لم يقم عليه دليل.

فالمفضي إلى الشرك حرام بلا إشكال، وأمّا الأُمور التي قد تؤدّي إليه، وقد لا تؤدّي، فما حرّمه الشرع منها كان حراماً، وما لم يحرّمه كان مباحاً ; لعدم استلزامه للمحذور.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1)


(227)

وهذه الأُمور التي نحن فيها من هذا القبيل:

حرّم الشرع منها اتخاذ القبور مساجد، والتصوير، والعكوف على القبور.

وأباح الزيارة، والسلام، والدعاء.

وكلّ عاقل يعلم الفرق بينهما، ويتحقّق أنّ النوع الثاني إذا فعل مع المحافظة على آداب الشريعة، لا يؤدّي إلى محذور، وأنّ القائل بمنع ذلك جملة ـ سدّاً للذريعة ـ متقوّل على الله، وعلى رسوله، منتقص ما ثبت لذلك المزور من حقّ الزيارة.

واعلم: أنّ ها هنا أمرين لابدّ منهما:

أحدهما: وجوب تعظيم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ورفع رتبته عن سائر الخلق.

والثاني: إفراد الربوبيّة ; واعتقاد أنّ الربّ تبارك وتعالى منفرد بذاته وصفاته وأفعاله عن جميع خلقه.

فمن اعتقد في أحد من الخلق مشاركة الباري تعالى في ذلك، فقد أشرك وجنى على جانب الربوبيّة فيما يجب لها، وعلى الرسول فيما أدّى إلى الأُمّة من حقّها.

ومن قصّر بالرسول عن شيء من رتبته، فقد جنى عليه فيما يجب له، وعلى الله تعالى بمخالفته فيما أوجب لرسوله.

ومن بالغ في تعظيم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنواع التعظيم، ولم يبلغ به ما يختصّ بالباري تعالى، فقد أصاب الحقّ، وحافظ على جانب الربوبيّة والرسالة جميعاً، وذلك هو العدل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.

ومن المعلوم: أنّ الزيارة بقصد التبرّك والتعظيم، لا تنتهي في التعظيم إلى درجة الربوبيّة، ولا تزيد على ما نصّ عليه في القرآن والسنّة، وفعل الصحابة من تعظيمه في حياته وبعد وفاته، وكيف يتخيّل امتناعها؟!

إنا لله وإنّا إليه راجعون.


(228)

وهذا الرجل قد تخيّل: أنّ الناس بزيارتهم متعرّضون للإشراك بالله تعالى، وبنى كلامه كلّه على ذلك، وكلّ دليل ورد عليه يصرفه إلى غير هذا الوجه، وكلّ شبهة عرضت له يستعين بها على ذلك.

فهذا داء لا دواء له إلاّ بأن يلهمه الله الحقّ.

أيرى هو لمّا زار: قصد ذلك، وأشرك مع الله غيره؟!


(229)

 

 

الفصل الثاني:

في تتبّع كلماته

وقد سبق تتبّع ما نقلته من خطّه في فتيا لم يسأل فيها عن الزيارة قصداً، بل جاء ذكرها تبعاً للكلام في المشاهد.

والذي اتصل عنه بالدولة نسخة فتيا نقلت من خطّه، وعلى رأسها بخطّ قاضي القضاة جمال الدين ما صورته: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب دونه، في هذه الورقة، على خطّ تقيّ الدين ابن تيمية، فصحّ، سوى ما علّم عليه بالأحمر، فإنّ مواضعه من الورقة التي بخطّه وجدتها واهية، وليس ذلك بمحزّ، إنّما المحزّ جعله زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور سائر الأنبياء عليه السلام معصية بالإجماع، مقطوعاً بها.

وكتب محمّد بن عبدالرحمان القزوينيّ الشافعيّ.

وقد علّم عليها الآن بالأسود في هذه النسخة (1):

بسم الله الرحمن الرحيم

ما يقول السادة العلماء أئمّة الدين ـ نفع الله بهم المسلمين ـ في رجل نوى زيارة (قبر نبيّ من الأنبياء)(2)، مثل نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيره، فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة ؟ وهل هذه الزيارة شرعيّة أم لا؟

وقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من حجّ ولم يزرني فقد جفاني» و«من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أورد هذه الفتوى ابن عبدالهادي في (العقود الدرية) ص (332 ـ 340) ونقلها في مجموع فتاوى ابن تيمية (27 / 182 ـ) وقد قابلنا المطبوع في كتابنا بما فيهما، ووضعنا ما أُضيف بين المعقوفين.

(2) في المجموع: (قبور الأنبياء والصالحين).


(230)

زارني بعد موتي كمن زارني في حياتي».

وقد روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تشدّ الرحال إلاّ [إلى ثلاثة مساجد ]المسجد الحرام، والمسجد الأقصى(1)، ومسجدي هذا».

أفتونا مأجورين.

 

[ صورة فتوى ابن تيميّة التي استنكرها علماء الملّة الإسلاميّة ]

صورة ما وجد بخطّ تقي الدين بن تيمية(رحمه الله) مكتوباً تحت هذا السؤال، جواباً عنه:

الحمد لله [ربّ العالمين].

أمّا من سافر لمجرّد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين:

أحدهما: ـ وهو قول متقدّمي العلماء الذين لا يجوّزون القصر في سفر المعصية، كأبي عبدالله بن بطة، وأبي الوفاء بن عقيل، وطوائف كثيرة من العلماء المتقدّمين ـ أنّه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر ; لأنّه سفر منهيّ عنه.

ومذهب مالك والشافعيّ وأحمد: أنّ السفر المنهيّ عنه في الشريعة لا يقصر  فيه.

والقول الثاني: أنّه يقصر فيه، وهذا قول من يجوّز القصر في السفر المحرّم، كأبي حنيفة(رحمه الله)، ويقوله بعض المتأخّرين من أصحاب الشافعيّ وأحمد ممّن يجوّز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، كأبي حامد الغزاليّ، وأبي الحسين بن عبدوس الحرّاني، وأبي محمّد بن قدامة المقدسيّ، وهؤلاء يقولون: إنّ هذا السفر ليس بمحرّم ; لعموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «زوروا القبور».

وقد يحتجّ بعض من لا يعرف الأحاديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تأخير (والمسجد الأقصى).


(231)

النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كقوله: «من زارني بعد مماتي فكأنّما زارني في حياتي» رواه الدارقطنيّ وابن ماجة (1).

وأمّا ما يذكره بعض الناس من قوله: «من حجّ ولم يزرني فقد جفاني» فهذا لم يروه أحد من العلماء، وهو مثل قوله: «من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد، ضمنت له على الله الجنة» فإن هذا أيضاً باطل باتفاق العلماء لم يروه أحد، ولم يحتجّ به واحد (2)، وإنّما يحتجّ بعضهم بحديث الدارقطنيّ(3).

وقد احتجّ أبو محمّد المقدسيّ على جواز السفر لزيارة (قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وقبور الأنبياء: بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم))(4) كان يزور مسجد قباء، وأجاب عن حديث: «لا تشدّ الرحال» بأنّ ذلك محمول على نفي الاستحباب.

وأمّا الأوّلون فإنّهم يحتجّون بما في «الصحيحين» عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».

وهذا الحديث ممّا اتفق الأئمة على صحّته والعمل به.

فلو نذر الرجل أن يصلّي في مسجد أو مشهد، أو يعتكف فيه، أو يسافر إليه(5) غير هذه الثلاثة، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمّة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن الدارقطني

وهكذا نقله ابن تيميّة عن ابن ماجة، وسيأتي ردّ المصنّف عليه أنّه ليس في سنن ابن ماجة، وهو كذلك، ولكن المحقّق السلفيّ (الأمين!) للعقود الدرية حذف كلمة (وابن ماجة) فلاحظ (ص333)!! والغريب ان ابن عمّه جامع (مجموع فتاوى ابن تيميّة) أثبته فيه (27 / 185) فلاحظ الجمع بين الخيانة والغباء.

وقد مرّ نقله عن العقيلي في الضعفاء في الحديث (13) من الباب الأول، فراجع.

(2) في المجموع والعقود: أحد، بدل (واحد).

(3) أضاف في المجموع والعقود هنا: ونحوه.

(4) في المجموع والعقود: (القبور بأنه) بدل ما بين القوسين.

(5) حرف في العقود هذه الفقرة إلى هنا، فلاحظ.


(232)

ولو نذر أن [يُسافر و] يأتي المسجد الحرام بحجّ أو عمرة، وجب عليه ذلك باتفاق العلماء.

ولو نذر أن يأتي مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف، وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعيّ [في أحد قوليه] وأحمد، ولم يجب عند أبي حنيفة ; لأنّه لا يجب عنده بالنذر إلاّ ما كان (من) جنسه واجباً بالشرع.

وأمّا الجمهور فيوجبون الوفاء بكلّ طاعة ; لما ثبت في «صحيح البخاريّ»(1)عن عائشة: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» والسفر إلى المسجدين طاعة، فلهذا وجب الوفاء به.

وأمّا السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره ; حتّى نصّ العلماء على أنّه لا يسافر إلى مسجد قباء ; لأنّه ليس من [المساجد] الثلاثة، مع أنّ مسجد قباء يستحبّ زيارته لمن كان في المدينة ; لأنّ ذلك ليس بشدّ رحل، كما في الحديث الصحيح: «من تطهّر في بيته، ثمّ أتى مسجد قباء لا يريد إلاّ الصلاة فيه، كان كعمرة».

قالوا: ولأنّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة ; لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا استحبّ ذلك أحد من أئمّة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها(2) فهو مخالف للسنّة، ولإجماع الأُمّة.

وهذا ممّا ذكره أبو عبدالله بن بطة في «إبانته الصغرى» من البدع المخالفة للسنّة والإجماع.

وبهذا يظهر ضعف(3) حجّة أبي محمّد [المقدسيّ]، فإنّ زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري (8 / 540) ح1545 كتاب الايمان والنذور باب (867) النذر في الطاعة.

(2) في المجموع والعقود (وفعله).

(3) في العقود والمجموع: (بطلان) بدل: ضعف.


(233)

لمسجد قباء لم تكن بشدّ رحل، وهو يدلّهم(1) أنّ السفر إليه لا يجب بالنذر.

وقوله: إنّ قوله: «لا تشدّ الرحال» محمول على نفي الاستحباب، يحتمل(2)وجهين:

أحدهما: أنّ هذا تسليم منه أنّ هذا السفر ليس بعمل صالح، ولا قربة، ولا طاعة، ولا هو من الحسنات، فإذن من اعتقد في السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنّها قربة وعبادة وطاعة، فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أنّها طاعة كان ذلك محرّماً بإجماع المسلمين، فصار التحريم (من الأمر المقطوع به)(3)، ومعلوم أنّ أحداً لا يسافر إليها إلاّ لذلك.

وأمّا إذا قدّر(4) أنّ الرجل يسافر إليها لغرض مباح، فهذا جائز، وليس من هذا الباب.

الوجه الثاني: أنّ (النفي يقتضي النهي)(5)، والنهي يقتضي التحريم.

وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فكلّها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة ! لم يروِ أحد من أهل السنن المعتمدة شيئاً منها ! ولم يحتجّ أحد من الأئمّة بشيء منها !!(6)

بل مالك ـ إمام أهل المدينة النبويّة، الذين هم أعلم الناس بحكم هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في المجموع (يسلّم لهم) بدل: يدلهم، ولم يرد في العقود; وفيه: بشدّ رحل، ولأن السفر.

(2) في العقود والمجموع: يجاب عنه، بدل: يحتمل.

(3) في العقود والمجموع بدل ما بين القوسين: من جهة اتخاذه قربة.

(4) في العقود والمجموع: (نذر الرجل أن يسافر) بدل: (قدّر أن الرجل يسافر).

(5) في العقود والمجموع: بدل ما بين القوسين: «أن هذا الحديث يقتضي النهي». والأصوب ما في كتابنا، لأنّ المذكور في الحديث هو النفي، فلاحظ.

(6) لاحظ ما علقناه في صدر الحديث الأول من الباب الأول من كتابنا هذا (ص   ) وقال العلاّمة ممدوح: شاع بين كثير من الناس(!) أن أحاديث الزيارة كلّها ضعيفة، بل موضوعة!!

وهو خطأ بلا ريب، ومصادم لقواعد الحديث بلا مين، ويكفي اللبيب قول الذهبي الحافظ الناقد عن حديث الزيارة: طرقُه كلّها ليّنةٌ، لكن يتقوّى بعضها ببعض لأنّ ما في روايتها متّهم بالكذب! نقله عنه السخاوي، وأَقَرَّهُ، في المقاصد الحسنة (ص413) لاحظ (رفع المنارة ص9).


(234)

المسألة ـ كره أن يقول: «زرت قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)» ولو كان هذا اللفظ هو معروفاً عندهم، أو مشروعاً، أو مأثوراً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكرهه عالم [أهل] المدينة !!

والإمام أحمد ـ أعلم الناس في زمانه بالسنّة ـ لمّا سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه، [في ذلك من الأحاديث] إلاّ حديث أبي هريرة: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من رجل يسلّم عليّ إلاّ ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ عليه السلام» وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه(1).

وكذلك مالك في «الموطأ»(2) روى عن عبدالله بن عمر: أنّه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثمّ ينصرف.

وفي «سنن أبي داود»: عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تتّخذوا قبري عيداً، وصلّوا عليّ، فإنّ صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم»(3).

وفي «سنن سعيد بن منصور»(4): أنّ عبدالله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، رأى رجلا يختلف إلى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) [و] يدعو عنده، فقال: يا هذا، إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تتّخذوا قبري عيداً، وصلّوا عليّ حيث ما كنتم ; فإنّ صلاتكم تبلغني» فما أنت ورجل بالأندلس إلاّ سواء.

وفي «الصحيحين»: عن [عائشة، عن] النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى ; اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(5) يحذّر ما فعلوا.

قالت عائشة: ولولا ذلك لاُبرز قبره، ولكن كره أن يتّخذ مسجداً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن أبي داود (2 / 218) كتاب المناسك، باب زيارة القبور ح2042 من حديث أبي هريرة. ولاحظ ما ذكره أحمد.

(2) الموطأ لمالك، لم نجده في الموطأ المطبوع!

(3) سنن أبي داود (الموضع الأسبق).

(4) سنن سعيد بن منصور.

(5) صحيح البخاري (1 / 250) باب (296) حلّ نبش قبور مشركي الجاهلية ح417.


(235)

فهم دفنوه(صلى الله عليه وآله وسلم) في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء ; لئلاّ يصلّي أحد عند قبره، ويتّخذه مسجداً، فيتّخذ قبره وثناً.

وكان الصحابة والتابعون ـ لمّا كانت الحجرة النبويّة منفصلة عن المسجد إلى زمان الوليد بن عبدالملك ـ لا يدخل أحد (إلى عنده)(1) لا لصلاة هنالك، ولا لمسح بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنّما يفعلونه في المسجد.

وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء، دعوا مستقبلي القبلة، ولم يستقبلوا القبر.

وأمّا وقت(2) السلام عليه، فقال أبو حنيفة(رحمه الله): يستقبل القبلة أيضاً، ولا يستقبل القبر.

وقال أكثر الأئمّة: (بل يستقبل القبر عند السلام خاصّة،

ولم يقل أحد من الأئمّة: إنّه يستقبل القبر)(3) عند الدعاء، إلاّ في حكاية مكذوبة تروى عن مالك، ومذهبه بخلافها.

واتفق الأئمّة على أنّه لا يتمسّح بقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يقبّله.

وهذا كلّه محافظة على التوحيد ; فإنّ من اُصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: }وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدَّاً وَلاَ سَوَاعَاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَاً{.

قالوا: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثمّ صوّروا على صورهم تماثيل، ثمّ طال عليهم الأمد فعبدوها.

وقد ذكر هذا المعنى البخاريّ في صحيحه(4) عن ابن عبّاس، وذكره ابن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في العقود والمجموع: (إليه) بدل ما بين القوسين.

(2) في العقود والمجموع (الوقوف للسلام) بدل: وقت السلام.

(3) في العقود بدل ما بين القوسين (يستقبل القبر عند الدعاء) فلاحظ.

(4) صحيح البخاري (2 / 93) باب بناء المساجد على القبر.


(236)

جرير الطبريّ(1) وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف، وذكره وثيمة وغيره في «قصص الأنبياء» من عدّة طرق، وقد بسط الكلام على اُصول هذه المسائل في غير هذا [الموضع](2).

[وأوّل مَنْ وضع الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الرافضة ونحوهم، الذين يُعطّلون المساجد، ويعظّمون المشاهد، يدعون بيوت الله التي أَمَر أن يُذكر فيها اسمه ويُعبد وحده لا شريك له، ويعظّمون المشاهد التي يُشرك فيها ويُكذب فيها ويُبتدع فيها ما(3) لم ينزّل الله به سُلطاناً].

والكتاب والسنة إنّما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال الله تعالى: }قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوْا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّيْنَ{.

وقال الله تعالى: }إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ باللهِ والْيَوْمِ الاْخِرِ وَأقَامَ الصّلوةَ...{ الآية.

وقال الله تعالى: }وَأنَّ الْمَسَاجِدَ للهِِ فَلاَ تَدْعُوا مِعَ اللهِ أحَدَاً{.

وقال الله تعالى: }وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ{.

وقال الله تعالى: }وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا...{ الآية.

وقد ثبت عنه في الصحيح أنّه كان يقول: «إنّ من كان قبلكم كانوا يتّخذون القبور مساجد، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد، فإنّي أنهاكم عن ذلك».

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري

الدر المنثور للسيوطي (6 / 269) عن ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى }ولا تذرنّ ودّاً ولا سواعاً...{.

(2) علّق في العقود الدرية: في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، وفي الرد على الأخنائي والبكري وفي اقتضاء الصراط المستقيم، وفي منهاج السنة، وغير ذلك كثير.

(3) في العقود والمجموع: «دينٌ»! بدل (ما).


(237)

والله سبحانه أعلم، كتبه أحمد بن تيمية.

هذا صورة خطّة من أوّل الجواب إلى هنا(1).

 

[ الردّ على فتوى ابن تيميّة ]

قلت: أمّا قوله: «من سافر بمجرّد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين ».

فيرد عليه فيه أسئلة:

أحدها: أنّ زيارة قبور الأنبياء والصالحين إمّا أن تكون عنده قربة، أو مباحة، أو معصية.

فإن كانت معصية فلا حاجة إلى قوله: «مجرّد» فإنّ القولين في سفر المعصية سواء تجرّد قصد المعصية، أم انضمّ إليه قصد آخر.

وإن كانت قربة لم يجر فيها القولان، بل يقصر بلا خلاف.

وإن كانت مباحة، فالمسافر لذلك له حالتان:

إحداهما: أن يسافر معتقداً أنّ ذلك من المباحات المستوية الطرفين، فيجوز القصر أيضاً بلا خلاف، ولا إشكال في ذلك، كالسفر لسائر الأُمور المباحة.

والثانية: أن يسافر معتقداً أنّ ذلك قربة وطاعة، وهذا سيأتي الكلام فيه.

وعلى تقدير أن يسلّم له ما يقول، يكون كلامه هنا مطلقاً في موضع التفصيل، فهو على التقديرين الأوّلين خطأ صريح، وعلى التقدير الثالث خطأ بالإطلاق في موضع التفصيل.

السؤال الثاني: أنّه بنى كلامه في ذلك على أنّ هذا السفر مختلف في تحريمه، فقد قدّمنا إنكار هذا الخلاف، وأنّه لم يتحقّق صحّته إلاّ ما وقع في كلام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قابلناه على النسخة المطبوعة في مجموع فتاوى ابن تيميّة (27 / ص184 ـ 192) وأثبتنا الفوارق هنا باسم (المجموع).


(238)

ابن عقيل، وقد قدّمنا الكلام عليه.

وعلى تقدير صحّته وعدم تأويله، لم يتعرّض فيه لقبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يجوز أن ينقل عنه فيه بخصوصه شيء، من إطباق الناس على السفر إليه.

وابن تيمية(رحمه الله) نقل المنع من القصر فيه عن ابن بطة، وابن عقيل، وطوائف كثيرين من العلماء المتقدّمين.

وهو مطلوب بتحقيق هذا النقل؟ وتبيين هؤلاء الطوائف الكثيرين من المتقدّمين ؟

السؤال الثالث: أنّه جعل المنع من القصر قول متقدّمي العلماء، كابن بطة، وابن عقيل، فجعل ابن عقيل من المتقدّمين.

ثمّ جعل القول بجواز القصر قول أبي حنيفة(رحمه الله) وبعض المتأخّرين من أصحاب الشافعيّ وأحمد، كالغزاليّ وغيره.

والغزاليّ في طبقة ابن عقيل، بل تأخّرت وفاته عنه، فإنّ وفاة الغزاليّ في سنة خمس وخمسمائة، ووفاة ابن عقيل في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، فكيف يجعل ابن عقيل من المتقدّمين، والغزاليَّ من المتأخّرين؟!

وليس ابن تيمية(رحمه الله) ممّن يخفى عنه طبقتهما، فإن كان مراده بجعله ابن عقيل من المتقدّمين أن [يقوّيَ] قوله عند العوام لاختياره إيّاه، وبجعله الغزاليّ من المتأخّرين أن يضعّف قوله عند العوامّ، فليس ذلك صنيع أهل العلم !

وقوله: إن «من زارني بعد مماتي فكأنّما زارني في حياتي» رواه ابن ماجة، ليس كذلك ; لم أره في «سنن ابن ماجة» (1).

قوله: «من حجّ ولم يزرني فقد جفاني» لم يروه أحد من العلماء !

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لم يخرجه ابن ماجة.

وهذا من موارد جهل ابن تيميّة بتخريج الحديث ومصادره، ونسبته لما يشتهي إلى المحدّثين الكبار ترويجاً لرأيه، وقد مرّ الحديث في الباب الأوّل برقم (13) عن الضعفاء للعقيلي.


(239)

ليس بصحيح، وقد قدّمنا(1) من رواه وإن كان ضعيفاً.

قوله: «لو نذر الرجل أن يصلّي في مسجد أو مشهد، أو يعتكف فيه، أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمّة ».

ليس بصحيح، فإنّ في مذهب الشافعيّ وجهين مشهورين فيما إذا نذر الاعتكاف في مسجد معيّن غير المساجد الثلاثة، هل يتعيّن كما تتعيّن المساجد الثلاثة، أو لا؟

قوله: «حتّى نصّ العلماء على أنّه لا يسافر إلى مسجد قباء ; لأنّه ليس من الثلاثة ».

ليس كذلك عن العلماء كلّهم، فإنّ المنقول عن الليث بن سعد: أنّه متى نذر مسجداً لزمه من المساجد الثلاثة وغيرها.

والمنقول عن بعض المالكيّة: أنّه يجوز إعمال المطيّ لغير الناذر مطلقاً، وحمل على ذلك إتيان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مسجد قباء، فإنّه كان بغير نذر.

فهذان المذهبان يردّان قوله: «إنّ العلماء نصّوا على أنّه لا يسافر إلى مسجد قباء».

قوله: «قالوا: ولأنّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا استحبّ ذلك أحد من أئمّة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنّة، ولإجماع الأُمّة».

هذا من البهت الصريح، وقد قدّمنا من فعل ذلك من الصحابة والتابعين، ومن استحبّه من علماء المسلمين وأئمّتهم، فجحد ذلك مباهتة.

ثمّ قوله: «قالوا»

وجعله ذلك على لسان غيره، إن كان مراده به أن يخلص من تبعته عند

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تقدّم


(240)

المخالفة، فليس ذلك من دأب العلماء.

ثمّ هو مطلوب بنقل هذا القول برمّته عن المتقدّمين الذين نسبه إليهم، أو عن بعضهم !

ثمّ نسبة ذلك إلى غيره لا تخلّصه ; لأنّه إنّما حكاه حكاية من يرتضيه وينتصر له، ويفتي به العوامّ، ويغريهم على اعتقاده، ولا يفرّق العاميّ الذي يسمع هذه الفتيا بين أن يذكره عن نفسه، أو حاكياً عن غيره.

وقوله: «وهذا ممّا ذكره أبو عبدالله بن بطة في «إبانته الصغرى».

قلنا: قد ذكرنا عن ابن بطة في الإبانة ما يخالف هذا في حقّ قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

ورأيت من يذكر أنّ لابن بطة إبانتين، وأنّ الذي نقله ابن تيمية(رحمه الله) من الصغرى، والذي نقلناه من الكبرى، فإن صحّ ذلك، وصحّ ما نقله ابن بطة في الصغرى، فيحمل على غير قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) توفيقاً بين الكلامين، وإن قال ابن بطة خلاف ذلك لم يلتفت إليه.

وقد ذكر الخطيب ابنَ بطة في «تأريخ بغداد»(1) وحكى كلام المحدّثين فيه من جهة دعوى سماع ما لم يسمع، وقول أبي القاسم الأزهريّ فيه: إنّه ضعيف، ضعيف، ضعيف، ليس بحجّة.

وذكر عنه، عن البغويّ، عن مصعب، عن مالك، عن الزهريّ، عن أنس، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» وقال: إنّه باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب عنه، ومن حديث البغويّ عن مصعب، وهو موضوع بهذا الإسناد، والحمل فيه على ابن بطة، هكذا قال في التاريخ.

وحكى مع ذلك أيضاً: أنّه كان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة، فالله تعالى يسلّمنا من إثمِهِ.

وإنّما أردنا أن نبيّن حاله ليعلم الناظر: أنّه على تقدير صحّة النقل عنه ليس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ بغداد للخطيب


(241)

ممّن يبعد في كلامه الخطأ.

وقوله: «إنّ قول أبي محمّد المقدسيّ: إنّ قوله: «لا تشدّ الرحال» محمول على نفي الاستحباب، يحتمل وجهين: أحدهما: أنّ هذا تسليم منه أنّ هذا السفر ليس بعمل صالح، ولا قربة، ولا طاعة، ولا هو من الحسنات، فإذن من اعتقد في السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنّها قربة وعبادة وطاعة، فقد خالف الإجماع.

واعلم: أنّ هذا الكلام في غاية الإيهام والفساد.

أمّا الإيهام، فلأنّ بعض من يراه يتوهّم: أنّه استنتج ممّا سبق انعقاد الإجماع على أنّ ذلك ليس بقربة، ونحن قد قدّمنا عن الليث بن سعد وبعض المالكيّة ما يقتضي ; أنّ السفر إلى غير المساجد الثلاثة قربة، فبطل التعرّض لدعوى الإجماع، وإنّما مقصود ابن تيمية(رحمه الله) إلزام أبي محمّد المقدسّي على قوله: إنّ «لا تشدّ الرحال» محمول على نفي الاستحباب.

وعلى تقدير أنّ هذا تسليم منه، لأنّ هذا السفر ليس بعمل صالح، فغاية ما يلزم من هذا أنّ هذا السفر ليس بقربة، وأنّ من اعتقد أنّه قربة فقد خالف أبا محمّد.

وأين ذلك من مخالفة الإجماع؟!

وأمّا فساده، فلأنّ أبا محمّد إنّما تكلّم في جواز القصر، ومقصوده إثبات الإباحة، فإنّها كافية فيه، فنفى توهّم التحريم بحمل الحديث على نفي الفضيلة ; أي لا يستحبّ شدّ الرحال إلى مكان إلاّ إلى الثلاثة.

ومع هذا لابدّ فيه من تأويل ; لأنّ السفر مستحبّ لطلب العلم وغيره إلى غيرها.

فالمقصود لا يستحبّ إليها من حيث هي، وقد يكون هناك أمر آخر يقتضي الاستحباب أو الوجوب، ولا مانع بكون قصد زيارة شخص مخصوص أو


(242)

أشخاص، ممّا يقتضي الاستحباب، ولم يتعرّض أبو محمّد لذلك ; لأنّه لم يتكلّم فيه، وإنّما تكلّم في جواز القصر، فاقتصر على ما يكفي فيه ; وهو إثبات الإباحة.

وقوله: «وإذا سافر لاعتقاده أنّها طاعة، كان ذلك محرّماً بإجماع المسلمين، فصار التحريم من الأمر المقطوع به».

هذا أيضاً موهم وفاسد:

أمّا إيهامه، فلأنّ كثيراً ممّن يسمعه يظنّ أنّ هذا كلام مبتدأ، ادعي فيه انعقاد الإجماع على التحريم، وأنّ ذلك مقطوع به، وكأنّ ابن تيمية أراد ذلك، وجعله معطوفاً على إلزام الشيخ أبي محمّد، حتّى إذا حوقق فيه يتخلّص من دركه بجعله معطوفاً.

وليس هذا دأب من يبغي الإرشاد، بل من يبغي الفساد.

وأمّا فساده، فلأنّا لو سلّمنا أنّ السفر ليس بطاعة بالإجماع، فسافر شخص معتقداً أنّه طاعة، كيف يكون سفره محرّماً بإجماع المسلمين، أو على قول عالم من علماء المسلمين؟!

فإنّ من فعل مباحاً معتقداً أنّه قربة لا يأثم، ولا يوصف ذلك بكونه محرّماً، بل إن كان اعتقاده ذلك لما ظنّه دليلا، وليس بدليل، وقد بذل وسعه في ذلك، كان مثاباً عليه بمقتضى ظنّه، وإلاّ كان جهلا، ولا إثم عليه فيه، ولا أجر، وفعله موصوف بالإباحة على حاله.

فمن أين يأتي وصفه بالتحريم؟!

وإنّما يأتي هذا الكلام في المباح إذا فعله على وجه العبادة، مع اعتقاده أنّه ليس بعبادة، فهذا يأثم به، ويكون حراماً; لأنّه تقرّب إلى الله تعالى بما ليس بقربة عند الله تعالى، ولا في ظنّه.

ومن هنا نشأ الغلط في هذه المسألة وهكذا سائر البدع.

ومن ابتدع عبادة فعليه إثم ابتداعه ; لأنّه أدخل في الدين ما ليس منه، وإثم


(243)

فعله ; لأنّه تقرّب بما يعتقد أنّه ليس من الدين.

وأمّا من قلّده من العوامّ:

فإن كان ذلك ممّا يسوغ فيه التقليد كالفروع، وفعله معتقداً بأنّه عبادة شرعيّة، فلا إثم عليه.

وإن كان ممّا لا يسوغ فيه التقليد، كاُصول الدين، فعليه الإثم.

ومسألتنا هذه من الفروع، فلو فرضنا أنّه لم يقل أحد باستحباب السفر، وفعله شخص على جهة الاستحباب، معتقداً ذلك لشبهة عرضت له، لم يحرم، ولم يأثم.

فكيف، وكلّ الناس قائلون باستحبابه؟!

وقوله: «ومعلوم أنّ أحداً لا يسافر إليها إلاّ لذلك».

هذا يقتضي أنّ كلامه ليس في أمر مفروض، بل في الواقع الذي عليه الناس، وأنّ الناس كلّهم إنّما يسافرون لاعتقادهم أنّها طاعة، والأمر كذلك.

ويقتضي على زعمه أنّ سفر جميعهم محرّم بإجماع المسلمين !

فإنّا لله، وإنا إليه راجعون، أيكون جميع المسلمين في سائر الأعصار، من سائر أقطار الأرض، مرتكبين لأمر محرّم، مجمعين عليه؟!

فهذا الكلام من ابن تيمية(رحمه الله) يقتضي تضليل الناس كلّهم، القاصدين لزيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعصيتهم.

وهذه عثرة لا تقال، ومصيبة عظيمة، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

وقوله: «وأمّا إذا قدّر أنّ الرجل يسافر إليها لغرض مباح، فهذا جائز، وليس من هذا الباب».

مفهوم هذا الكلام أنّ غرض الزيارة ليس بمباح.

وقوله: «الوجه الثاني: أنّ النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم».

ظاهر صدر كلامه أنّ كلام أبي محمّد يحتمل وجهين هذا ثانيهما، وإنّما يتّجه


(244)

هذا الوجه الثاني على سبيل الردّ لقول أبي محمّد ; يعني أنّ حمله على نفي الاستحباب خلاف الظاهر ; لأنّه نفي، والنفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم.

وجواب هذا بالدليل المانع من حمله على التحريم، وتعيّن المصير إلى المجاز.

على أنّ هذه العبارة فاسدة ; لأنّ النفي لا يقتضي النهي، وإنّما يستعمل فيه على سبيل المجاز، نعم قد يقال: بأنّ النهي يقتضي النفي على العكس ممّا قال، أمّا كون النفي يقتضي النهي فلا يقول به أحد، وإنّما مراده أنّه نفي بمعنى النهي.

وإذا عرف هذا، فلأبي محمّد أن يقول: لا شكّ أنّ حقيقة النفي خبر ; لا يقتضي تحريماً، ولا كراهة.

والنهي له معنيان ; أحدهما: هو فيه حقيقة ; وهو التحريم، والآخر: هو فيه مجاز ; وهو الكراهة.

فإذا صرف النفي عن حقيقة الخبريّة إلى معنى النهي، احتمل أن يستعمل في التحريم أو الكراهة، وأيّا ما كان فاستعماله فيه مجاز ; لأنّ الخبر غير موضوع له، فإنّ رجح استعماله في التحريم لبعض المرجّحات، كان ذلك من باب ترجيح بعض المجازات على بعض، وقد يكون ذلك الترجيح معارضاً بترجيح آخر.

فلأبي محمّد أن يمنع كون اللفظ المذكور حقيقة في التحريم أو ظاهراً فيه ; فإنّ الخبر ليس مستعملا في لفظ النهي، بل في معناه، ومعناه منقسم إلى الحقيقيّ والمجازيّ.

فإن قيل: النهي النفسانيّ شيء واحد ; وهو طلب الترك الجازم المانع من النقيض، وما سواه ليس بنهي حقيقة، فإذا ثبت أنّ المراد بالخبر النهي ثبت التحريم.

قلنا: حينئذ، يمنع أنّ المراد بالخبر النهي.


(245)

وقوله: «إنّ ما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فكلّها ضعيفة باتفاق أهلم العلم بالحديث، بل هي موضوعة ; لم يروِ أحد من أهل السنن المعتمدة شيئاً منها».

قد بيّنا بطلان هذه الدعوى في أوّل هذا الكتاب(1).

وما روي [عن