الرِعايةُ في شرح البِدايَة
الرِعايَةُ
في شرح البِدايَة
في عِلم الدِرايَةِ
أَلَّفَهُ
الإمامُ الفقيهُ الشهيدُ الثاني
زينُ الدين بنُ عليّ بن أحمد
الشاميّ العامليّ الجبعيّقدس سره
(911 - 965 ه)
ضَبَطَ نَصَّهُ
السيّد مُحَمَّدرضا الحسينيّ الجلاليّ
قم المقدّسة - 1421 ه
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
النسخ المعتمدةفي تحقيق الكتاب :
1 - نسخة مع الشرح مقابلة ومصحّحة على النسخة المقروءة على المصنّف في (8) من شهر جُمادى الأولى، عام 974 ه بدار الحديث مدينة قزوين.وهي مصوّرة عن نسخة مكتبة النصيري في طهران .
ورمزها في عملنا «ط».
2 - ونسخة مع الشرح كتبها محمد حسين بن كاظم الكاظميفي أصفهان في (20) جمادى الآخرة عام 1115 ه وهي مصورة من نسخة مكتبة الشهيد السيد محمد علي القاضي الطباطبائي التبريزي.
رمزها في عملنا «ق».
و المتنُ الذي نقدّمه ضمن الشرح اعتمدنا فيه على ما في تلك النسخٍ، مضافاً إلى النسخة الفريدة التالية:
3 - ونسخةٌ - من المتن - مقروءةٌ على تلميذ المؤلّف، وهو الشيخ الأجلُّ الإمامُ المحدّثُ الحسينُ بنُ عبد الصمد الحارثيّ العامليّ من أئمّة الفنّ، قُرِئَتْ عليه عام 969ه، وهي محفوظة في مجموعة برقم 1044 في جامعة طهران.
ورمزها في عملنا «ن».
وَكَتَبَ
السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ
الحوزة العلميّة في قم المقدّسة
5 / جُمادى الأولى /1422ه
نماذج من صور النسخ المعتمدة
الصفحة الأولى من نسخة « ن ».
الصفحة الأخيرة من نسخة « ن ».
الصفحة الأولى من نسخة « ط ».
الصفحة الأخيرة من نسخة « ط ».
الصفحة الأولى من نسخة « ق ».
الصفحة الأخيرة من نسخة « ق ».
سفيد 16
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
«نَحْمَدُكَ اللّهُمَّ عَلَى» حُسن توفيق «البِدايَةِ فِي» علم «الدِرايَةِ والرِوايَةِ، و نَسْأَلُكَ حُسْنَ الرِعايَةِ» في جميع الأحوال «إلَى النِهايَةِ و نُصَلَّي عَلَى نَبِيِّكَ» وحبيبك «مُحَمَّدٍ» صلى الله عليه وآله وسلم «المُنْقِذِ» للخَلْقِ «مِن الغِوايَةِ، المُرْشِدِ» لهم «إلى» الحقّ و «سَبِيْلِ الهِدايَةِ، و عَلى آلِهِ» الأطهار «و أصْحابِهِ» الأخيار «صَلاةً» دائمةً متّصلةً و «لا يُبْلَغُ لَها غايَةٌ» ونسلّم تسليماً.
«و بَعْدُ» الحمد للَّه بما هو أهله والصلاة على مستحقّها «فَهذا» كتاب «مُخْتَصَرٌ» وضعناهُ «فِي عِلْمِ دِرايَةِ الحَدِيْثِ» وهو: علمٌ يُبحث فيه عن متن الحديث، وطرقه؛ من صحيحها وسقيمها وعليلها، وما يحتاج إليه من شرائط القبول والردّ؛ ليعرف المقبول منه والمردود. وموضوعه: الراوي والمروي من حيث ذلك. وغايته: معرفة ما يُقبل من ذلك ليُعمل به، وما يُردّ منه ليُجتنب عنه. ومسائله: ما يذكر في كتبه من المقاصد «و بَيانِ مُصْطَلَحاتِهِمْ» في هذا العلم من المفهومات المنقولة عن معانيها اللغوية، أو المخصّصة لها كما سيرد عليك إن شاء اللَّه تعالى. جعلنا وضعه «عَلى وَجْهِ الإِيْجازِ و الاخْتِصارِ» ليسهل حفظه، ويكثر نفعه؛ فإنّ طباع أهل الزمان لا تحمل أعباء الكثير من العلم، خصوصاً في هذا الشأن. وهو «مُرَتَّبٌ عَلى مُقَدَّمَةٍ و» أربعة «أَبْوابٍ».
سائلين من اللَّه تعالى إلهام الحقّ والدلالة على صوب الصواب.
«فَ» أمّا «المُقَدَّمَةُ»
ف«فِي بَيانِ أُصُولِهِ و اصْطِلاحاتِهِ(1)» التي يحتاج طالبه إلى معرفتها. ومدارها على المتن والسند وغيرهما.
«الخَبَرُ وَ الحَدِيْثُ» مترادفان «بِمَعْنَىً» واحدٍ «وَ هُوَ» اصطلاحاً «كَلامٌ يَكُوْنُ لِنِسْبَتِهِ خارِجٌ فِي أَحَدِ الأزْمِنَةِ» الثلاثة، أي: يكون له في الخارج نسبة ثُبوتيّة أو سلبيّة «تُطابِقُهُ» أي: تطابق تلك النسبة ذلك الخارج، بأن تكونا سلبيّتين أو ثبوتيّتين «أَوْ لا» تطابقه؛ بأن يكون أحدهما ثبوتيّاً والآخر سلبيّاً.
والكلام في التعريف بمنزلة الجنس. وخرج بقوله: لنسبته خارج، الإنشاء، فإنّه وإن اشتمل على النسبة إلّا أنّه لا خارج له منها، بل لفظه سبب لنسبة غير مسبوقة باُخرى.
وتوضيح ذلك: أنّ الكلام إمّا أن تكون نسبته بحيث تحصل من اللفظ، ويكون اللفظ موجداً لها، من غير قصد إلى كونها دالّة على نسبة حاصلة في الواقع بين الشيئين، وهو الإنشاء. أو تكون نسبته بحيث يقصد أنّ لها نسبة خارجية أي ثابتة في نفس الأمر تطابقه أو لا تطابقه، وهو الخبر. فإذا قلت مثلاً: زيد قائم، فقد أثبتّ لزيد في اللفظ نسبة القيام إليه، ثمّ في نفس الأمر لابدّ أن يكون بينه وبين القيام نسبةٌ بايجاب أو سلب، فإنّه في نفس الأمر لا يخلو من أن يكون قائماً أو غير قائم. بخلاف قولنا: قم، فإنّه وإن اشتمل على نسبة القيام إليه لكنّها نسبة حدثت لا تدلّ على ثبوت أمر آخر خارج عنها تطابقه أو لا تطابقه، ومن ثمّ لم يحتمل الصدق والكذب، بخلاف الخبر.
«و هُوَ» أي: الخبر المرادف للحديث «أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ الرَسُوْلِ» صلى الله عليه وآله وسلم «والإِمامِ» عليه السلام «و الصَحابِيّ، والتابِعِيِّ، و غَيْرِهِمْ» من العلماء الصلحاء ونحوهم «و فِي مَعْناهُ فِعْلُهُمْ، وتَقْرِيْرُهُمْ».
هذا هو الأشهر في الاستعمال، والأوفق بعموم معناه اللغوي.
«و قَدْ يُخَصُّ الثانِي» وهو الحديث «بِما جاءَ عَن المَعْصُوْمِ» من النبيّ صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام «وَ» يخصّ «الأَوَّلُ» وهو الخبر «بِما جاءَ عَنْ غَيْرِهِ» ومن ثمّ قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكل: الأخباري، ولمن يشتغل بالسنّة النبويّة: المحدّث. وما جاء عن الإمام عندنا في معناه.
«أَوْ يُجْعَلُ الثانِي » وهو الحديث «أَعَمَّ» من الخبر «مُطْلَقاً» فيقال لكلّ خبرٍ: حديثٌ، ولا عكس.
ولكلّ واحد من هذه الترديدات قائل.
«وَ الأَثَرُ : أَعَمُّ» منهما «مُطْلَقاً» فيقال لكلّ منهما: أثر، بأيّ معنى اعتبر. وقيل: إنّ الأثَرَ مساوٍ للخبر.
وقيل: الأثَرُ ما جاء عن الصحابيّ، والحديثُ ما جاء عن النبيّ، والخبرُ هو الأعمُّ منهما.
والأعرف ما اخترناه.
«وَ المَتْنُ» لغةً: ما اكتنف الصُلب من الحيوان، وبه شُبّه المتن من الأرض. وَمَتُنَ الشيء قوي متنه، ومنه حبل متين، فمتن كلّ شيء ما يتقوّم به ذلك الشيء ويتقوّى به. فمتن الحديث: «لَفْظُ الحَدِيْثِ الذِي يَتَقَوَّمُ بِهِ المَعْنَى» وهو قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وما في معناه. «و السَنَدُ :طَرِيْقُ المَتْنِ» وهو جملة مَنْ رواه، من قولهم: فلان سند، أي: معتمد، فسمّي الطريق سنداً لاعتماد العلماء - في صحّة الحديث وضعفه - عليه. «و قِيْلَ:» إنّ السند هو «الإِخْبارُ عَنْ طَرِيْقِهِ» أي: طريق المتن. والأوّل أظهر؛ لأنّ الصحّة والضعف إنّما يُنسبان إلى الطريق باعتبار رُواته لا باعتبار الإخبار، بل قد يكون الإخبار بالطريق الضعيف صحيحاً؛ بأن رواه الثقة الضابط بطريق ضعيف، بمعنى صحة الإخبار بكون تلك الرواة في طريقه مع الحكم بضعفه. «و الإِسْنادُ : رَفْعُ الحَدِيْثِ إِلى قائِلِهِ» من نبيّ أو إمام أو ما في معناه. «و الأَوْلى رَدُّ المَعْنى الثانِي» للسند، وهو الإخبار عن طريق المتن «اِلَيْهِ» أي: إلى الإسناد « أَيْضاً» لا أن يُجعل تعريفاً للسند؛ لأنّ الإخبار عن الطريق - في الحقيقة - هو الإسناد، كما يظهر من تعريفه. وعليه، فالسند والإسناد بمعنى، وعلى الأوّل هما غيران.
«ثُمَّ الخَبَرُ» بأيّ معنى اعتبر «مُنْحَصِرٌ فِي الصِدْقِ والكِذْبِ» على وجه منع الجمع والخلو «فِيالأَصَحِّ» من الأقوال. وإنّما قلنا: إنّه منحصر فيهما؛ «لِأَنَّهُ» كما قد عرفت يقتضي نسبة في اللفظ ونسبة في الواقع. ثمّ «إِنْ طابَقَ الواقِعَ المَحْكِيَّ» باللفظ «فالأَوَّلُ» وهو الصدق «و إلاّ» إن لم يطابقه «فَالثانِي» وهو الكذب. وبذلك ظهر وجه الحصر. ولا يرد على الأوّل مثل قول من قال: محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ومسيلمة صادقان، فإنّه صادق من إحدى الجهتين، وكاذب من اُخرى؛ لأنّا إن جعلناه خبراً واحداً فهو كاذب، وإن جعلناه خبرين - كما هو الظاهر - فهو صادق في أحدهما كاذب في الآخر.
ص7 ونبّه بقوله: في الأصحّ، على خلاف الجاحِظ، حيث أثبت فيه واسطة بينهما، وشرط في صدق الخبر مع مطابقته للواقع اعتقاد المخبر أنّه مطابق، وفي كذبه مع عدم مطابقته له اعتقاد أنّه غير مطابق، وما خرج عنهما فليس بصدق ولا كذب. وتحرير كلامه: أنّ الخبر إمّا مطابق للواقع أو لا. وكلّ منهما إمّا مع اعتقاد أنّه مطابق، أو اعتقاد أنّه غير مطابق، أو بدون الاعتقاد، فهي ستّة أقسام: واحد منها صادق، وهو المطابق للواقع مع اعتقاد أنّه مطابق. وواحد كاذب، وهو غير المطابق مع اعتقاد أنّه غير مطابق. والأربعة الباقية، وهي المطابقة مع اعتقاد اللامطابقة، وبدون الاعتقاد، وعدم المطابقة مع اعتقادها، أو بدون الاعتقاد: ليست بصدق ولا كذب. فكلٌّ من الصدق والكذب بتفسيره أخصّ منه بتفسير الجمهور. واستند الجاحظ في قوله تعالى: «أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّة... » سُورَةُ سَبَأٍ:34/8 حيث حصر الكفّار إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الافتراء، والإخبار حال الجِنّة، على سبيل منع الخلوّ ولا شُبهة في أنّ المراد بالثاني غير الكذب؛ لأنّهم جعلوه قسيمه، وهو يقتضي أن يكون غيره وغير الصدق أيضاً؛ لأنّهم لا يعتقدون صدقه. ولمّا كانوا من أهل اللسان عارفين باللغة وقد أثبتوا الواسطة لزم أن يكون من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب، ليكون هذا منه بزعمهم، وإن كان صادقاً في نفس الأمر. واُجيب بأنّ الواسطة التي أثبتوها إنّما هي بين افتراء الكذب والصدق، وهو غير الكذب، لأنّه تعمّد الكذب، وحيث لا عمد للمجنون كان خبر قسيماً للافتراء الذي هو أخصّ من الكذب، وإن لم يكن قسيماً للأعمّ، ومرجعه إلى حصر خبر الكاذب في نوعيه وهما: الكذب عن عمد، والكذب لا عن عمد. ونبّه بقوله: «سَواءٌ وافَقَ اعْتِقادَ المُخْبِرِ؛ أَمْ لا» على خلاف النّظام حيث جعل صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر مطلقاً، وكذبه عدم المطابقة كذلك. فجعل قول القائل: السماء تحتنا، معتقداً ذلك صدقاً، وقوله السماء فوقنا، غير معتقد ذلك كذباً. محتجّاً بقوله تعالى: «إذا جاءك المنافقون - إلى قوله - واللَّه يشهد إنّ المنافقين لكاذبون» حيث سجّل اللَّه تعالى عليهم بأنّهم كاذبون في قولهم: «إنّك لرسول اللَّه» مع أنّه مطابق للواقع، حيث لم يكن موافقاً لاعتقادهم فيه ذلك فلو كان الصدق عبارة عن مطابقة الواقع مطلقاً لما صحّ ذلك. واُجيب بأنّ المعنى: لكاذبون في الشهادة، وادّعائهم فيها مواطاة قلوبهم لألسنتهم، فالتكذيب راجع إلى قوله: نَشْهَدُ، باعتبار تضمّنه خبراً كاذباً، وهو أنّ شهادتهم صادرة عن صميم القلب، وخلوص الاعتقاد، بشاهد تأكيدهم الجملة بإنّ، واللام، والجملة الإسميّة. والمعنى: لكاذبون في تسمية هذه الأخبار شهادةً. أو في المشهود به أعني قوله: إنّك لرسول اللَّه، في زعمهم؛ لأنّهم يعتقدون أنّه غير مطابق للواقع، فيكون كذباً عندهم، وإن كان صدقاً في نفس الأمر، لوجود مطابقته له فيه. أو في حلفهم أنّهم لم يقولوا: «لا تنفقوا على من عند رسول اللَّه حتّى ينفضّوا» لما روى عن زيد بن أرقم أنّه سمع عبداللَّه بن اُبي يقول ذلك، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم به، فحلف عبداللَّه أنّه ما قال: فنزلت. ونبّه بقوله «و سَواءٌ قَصَدَ» به «الخَبَرَ؛ أَمْ لا» على خلاف المرتضى رحمه الله حيث ذهب إلى أنّ الخبر لا يتحقّق إلّا مع قصد المخبر، استناداً إلى وجوده من الساهي والحاكي والنائم، ومثل ذلك لا يُسمّى خبراً. والمحقّقون على عدم اشتراطه؛ لأنّه لفظ وُضع للخبريّة، فلا يتوقّف على الإرادة، كغيره من الألفاظ.
«ثُمَّ» الخبر إمّا أن يُعلم صدقه قطعاً، أو كذبه كذلك، أو يخفى الأمران. والعلم بهما قد يكون ضرورياً، وقد يكون نظرياً. فهذه خمسة أقسام أشار إلى تفصيلها بقوله: إنّ الخبر « قَدْ يُعْلَمُ صِدْقُهُ (2) قَطْعاً: ضَرُوْرَةً، كَالمُتَواتِرِ» لفظاً وسيأتي تفسيره. والحكم بكون العلم به ضرورياً منهج الأكثر، ومستنده أنّه لو كان نظرياً لما حصل لمن لا يكون من أهله، كالصبيان والبُلْه، ولافتقر إلى الدليل، فلا يحصل للعوام، لكنّه حاصل لهم، فيكون ضرورياً.
وذهب أبو الحسين البصري، والغزّالي، وجماعة إلى أنّه نظريّ؛ لتوقّفه على مقدّمات نظريّة، كانتفاء المواطاة، ودواعي الكذب، وكون المخبر عنه محسوساً. ولا يستلزم المدّعى؛ لأنّ الاحتياج إلى النظر في المقدّمات البعيدة لا يُوجب كون الحكم نظرياً، كلازم النتيجة، ولأنّ المقتضي لحصول هذه العلمُ بالمخبَر عنه، دون العكس. «و ما عُلِمَ وُجُوْدُ مُخْبَرِهِ » بفتح الباء «كَذلِكَ» أي: بالضرورة، كوجود مكّة.
«أَوْ» يُعلم صدقه قطعاً، لكن «كَسْبَاً» لا ضرورةً «كَخَبَرِ اللَّهِ» تعالى؛ لقبح الكذب عليه، بالاستدلال. «و» خبر «الرَسُوْلِ» أعمّ من خبر نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم «و» خبر «الإِمامِ» عندنا كذلك، للعصمة المعتبرة فيهم، بالدليل أيضاً. «و» خبر جميع «الأُمَّةِ» باعتبار الإجماع الثابت حقيّة مدلوله، بالاستدلال. «و» الخبر «المُتَواتِرِ مَعْنَىً» كشجاعة عليّ، وكرمه، وكرم حاتم، فإنّه قد رُوي وقائع في شجاعته، وكرمهما، وإن لم يتواتر كلّ واحد، لكنّ القدر المشترك متواتر.
«و» الخبر «المُحْتَفِّ بِالقَرائِنِ» كمن يُخبر عن مرضه عند الحكيم، ونبضه لونه يدلّان عليه، وكذا مَنْ يُخبر عن موت أحد، والنياح والصياح في بيته، وكنّا عالمين بمرضه، وأمثال ذلك كثيرة. وإنكار جماعة أصل العلم به، للتخلّف عنه. خطأ؛ لجواز عدم الشرائط في صورة التخلّف، خصوصاً مع عدم الضبط لهذه الجهات بالعبارات. «و ما» أي الخبر الذي «عُلِمَ وُجُوْدُ مُخْبَرِهِ بِالنَظَرِ» كقولنا: محمّد صلى الله عليه وآله وسلم رسول اللَّه.
«و قَدْ يُعْلَمُ كِذْبُهُ (3) كَذلِكَ» أي بالضرورة، أو النظر، وأمثلتهما تُعلم «بِالمُقايَسَةِ» على السابق. فالمعلوم كذبه ضرورةً: ما خالف المتواتر، وما علم عدم مخبَره حسيّاً، أو وجدانيّاً، أو بديهيّاً. أو كسباً: الخبر المخالف لما دلّ عليه دليل قاطع بالكسب، ومنه الخبر الذي تتوفّر الدواعي على نقله ولم ينقل، كسقوط المؤذِّن عن المَنارة، ونحو ذلك.
«و قَدْ يَحْتَمِلُ» الخبر «الأَمْرَيْنِ» الصدق، والكذب، لا بالنظر إلى ذاته، إذ جمع الأخبار تحتملها كذلك، «كَأَكْثَرِ الأَخْبارِ» فإنّ الموافق منها للقسمين الأوّلين قليل.
«و يَنْقَسِمُ الخَبَرُ - مُطْلَقَاً» أعمّ من المعلوم صدقه وعدمه «إِلى مُتَواتِرٍ» وآحاد.
«و» الأوّل «هُوَ: ما بَلَغَتْ رُواتُهُ فِي الكَثْرَةِ مَبْلَغاً أَحالَت العادَةُ تَواطُؤَهُمْ» أي اتّفاقهم «عَلَى الكَذِبِ، و اسْتَمَرَّ ذلِكَ» الوصف «فِي» جميع «الطَبَقاتِ حَيْثُ تَتَعَدَّدُ» بأن يرويه قوم عن قوم، وهكذا إلى الأوّل «فَيَكُونُ أَوَّلُهُ» في هذا الوصف «كَآخِرِهِ، و وَسَطُهُ كَطَرَفَيْهِ» ليحصل الوصف، وهو: استحالة التواطؤ على الكذب، للكثرة في جميع الطبقات المتعدّدة.
ص11 وبهذا ينتفي التواتر عن كثير من الأخبار التي قد بلغت رواتها في زماننا ذلك الحدّ، لكن لم يتّفق ذلك في غيره خصوصاً في الابتداء، وظنّ كونَها منها مَنْ لم يتفطّن لهذا الشرط.
«و لا يَنْحَصِرُ ذلِكَ فِي عَدَدٍ خاصٍّ» على الأصحّ، بل المعتبر العدد المحصِّل للوصف، فقد يحصل في بعض المُخبِرين بعشرة وأقلّ، وقد لا يحصل بمائة، بسبب قربهم إلى وصف الصدق وعدمه. وقد خالف في ذلك قوم. فاعتبروا اثني عشر عدد النقباء. أو عشرين لآية العشرين الصابرين. أو السبعين لاختيار موسى عليه السلام لهم، ليحصل العلم بخبرهم إذا رجعوا. أو ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أهل بدر. ولا يخفى ما في هذه الاختلافات من فنون الجزافات، وأيّ ارتباط لهذا العدد بالمراد؟ وما الذي أخرجه عن نظائره ممّا ذكر في القرآن من ضروب الأعداد؟
«و شَرْطُ» حصول «العِلْمِ بِهِ» أي: بالخبر المتواتر: «انْتِفاؤُهُ» أي: انتفاء العلم المستفاد منه «اضْطِراراً عَن السامِعِ» لاستحالة تحصيل الحاصل، وتحصيل التقوية أيضاً محال؛ لأنّ العلم يستحيل أن يكون أقوى ممّا كان. «و أَنْ لا تَسْبِقَ شُبْهَةٌ إِلَى السامِعِ، أَوْ تَقْلِيْدٌ يُنافِي مُوْجَبَ خَبَرِهِ» بأن يكون معتقداً نفيه. وهذا شرط اختصّ به السيّد المرتضى رحمه الله، وتبعه عليه جماعة من المحقّقين، وهو جيّد في موضعه. واحتجّ عليه بأنّ حصول العلم عقيب الخبر المتواتِر - إذا كان بالعادة - جاز أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال، فيحصل للسامع، إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك الحكم قبل ذلك، ولا يحصل إذا اعتقد ذلك. وبهذا الشرط يحصل الجواب لمن خالف الإسلام من الفِرَق إذا ادّعى عدم بلوغه التواتُر بدعوى نبيّناصلى الله عليه وآله وسلم النبوّة، وظهور المعجزات على يديه موافقة لدعواه، فإنّ المانع لحصول العلم لهم بذلك - دون المسلمين - سبق الشُبهة إلى نفيه. ولولا الشرط المذكور لم يتحقّق جوابُنا لهم عن غير معجزة القرآن. وبهذا أجاب السيّد عن نفي مَنْ خالف تواتر النصّ على إمامة علي عليه السلام حيث إنّهم اعتقدوا نفي النصّ لشُبهة. «و اسْتِنادُ المُخْبِرِيْنَ إِلى اِحْساسٍ» بأن يكون المخبَر عنه محسوساً بالبصر أو غيره من الحواسّ الخمس. فلو كان مستنَده العقل، كحدوث العالم، وصدق الأنبياء، لم يحصل لنا العلم. «و هُوَ» أي: التواتر «مُتَحَقِّقٌ فِي أُصُوْلِ الشَرائِعِ» كوجوب الصلاة اليوميّة، وأعداد ركعاتها، والزكاة، والحجّ، تحقّقاً «كَثِيْراً كَالصَلَواتِ الخَمْسِ، و أَعْدادِ الرَكَعاتِ.» وفي الحقيقة مرجع إثبات تواترها إلى المعنويّ لا اللفظيّ، إذ الكلام في الأخبار الدالّة عليها، كغيرها. «و قَلِيْلٌ» تحقّقه «فِي الأَحادِيْثِ الخاصَّةِ» المنقولة بالألفاظ المخصوصة، لعدم اتّفاق الطرفين والوسط فيها «واِنْ تَواتَرَ مَدْلُوْلُها» في بعض الموارد، كالأخبار الدالّة على شجاعة علي عليه السلام، وكرم حاتم، ونظائرهما، فإنّ كلّ فرد خاصّ من تلك الأخبار الدالّة على أنّ عليّاً عليه السلام قتل فلاناً، وفعل كذا، غير مُتواتِر، وكذا الأخبار الدالّة على أنّ حاتماً أعطى الفرس الفلانية، والجمل، والرمح، وغيرها، إلّا أنّ القدر المشترك بينها مُتواتر، تدلّ عليه تلك الجزئيّات المتعدّدة آحاداً، بالتضمن. وعلى هذا نُزّل ما ادّعى المرتضى رحمه الله ومَنْ تبعه تواتره من الأخبار الدالّة على النصّ وغيره. إذ لا شبهة في أنّ كلّ واحد من تلك الأخبار آحاد. وقد أومى إلى ذلك في المسائل التبانيّات. ولم يتحقّق إلى الآن خبر خاصّ بلغ حدّ التواتُر إلّا ما سيأتي «حَتّى قِيْلَ:» والقائل ابن الصلاح: ««مَنْ سُئِلَ عَنْ إِبْرازِ مِثالٍ لِذلِكَ ؟ أَعْياهُ طَلَبُهُ»» هذا مع كثرة رواتهم قديماً وحديثاً، وانتشارهم في أقطار الأرض قال: «وحَدِيْثُ: « إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِيَّاتِ » لَيْسَ مِنْهُ» أي: من المتواتر «وإِنْ نَقَلَهُ» الآن «عَدَدُ التَواتُرِ و أَكْثَرُ» فإنّ جميع علماء الإسلام، ورُواة الحديث، الآن يروونه، وهم يزيدون عن عدد التواتر أضعافاً مُضاعفة. «لِأَنَّ ذلِكَ» التواتر المدّعى قد «طَرَأَ فِي وَسَطِ إِسْنادِهِ» الآن، دون أوّله، فقد انفرد به جماعة مترتبون، أو شاركهم مَنْ لا يخرج بهم عن الآحاد.
«و أَكْثَرُ ما ادُّعِيَ تَواتُرُهُ مِنْ هذا القَبِيْلِ» ينظر مدّعي التواتُر إلى تحقّقه في زمانه، أو هو وما قبله، من غير استقصاء جميع الأزمنة، ولو أنصف لوجد الأغلب خِلواً أوّل الأمر منه، بل ربّما صار الحديث الموضوع ابتداءً متواتراً بعد ذلك، لكن شرط التواتر مفقود من جهة الابتداء. ونازع بعض المتأخّرين في ذلك وادّعى وجود المتواتِر بكثرة، وهو غريب.
«نَعَمْ، حَدِيْثُ: « مَنْ كَذِبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدَاً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ »» يمكن ادّعاء تواتُره؛ فقد «نَقَلَهُ» عن النبيّ «مِن الصَحابَةِ الجَمُّ الغَفِيْرُ» أي: الجمع الكثير.
«قِيْلَ:»: الرواة منهم له «أَرْبَعُوْنَ و قِيْلَ: نَيِّفٌ» بفتح النون وتشديد الياء مكسورة، وقد تخفّف: ما زاد على العقد إلى أن يبلغ العقد الآخر، والمراد هنا اثنان «و سِتُّوْنَ» صحابياً «و لَمْ يَزَل العَدَدُ» الراوي لهذا الحديث «فِي ازْدِيْادٍ» وظاهر أنّ التواتُر يتحقّق بهذا العدد، بل بما دونه.
«و آحادٍ، و هُوَ: ما لَمْ يَنْتَهِ إِلَى المُتَواتِرِ (4) مِنْهُ» أي من الخبر، سواء كان الراوي واحداً، أم أكثر.
«ثُمَّ هُوَ» أي: الخبر الواحد «مُسْتَفِيْضٌ: إِنْ زادَتْ رُواتُهُ عَلى (5) ثَلاثةٍ» في كلّ مرتبة « أَو» زادت عن «اثْنَيْنِ» عند بعضهم. مأخوذ من فاض الماء يَفيض فيضاً «و يُقالُ لَهُ: المَشْهُورُ - أَيْضَاً -» حين تزيد رواته عن ثلاثة أو اثنين، سُمّي بذلك لوضوحه «و قَدْ يُغايَرُ بَيْنَهُما» أي: بين المستفيض، والمشهور، بأن يُجعل المستفيض ما اتّصف بذلك في ابتدائه، وانتهائه، على السواء، والمشهور أعمّ من ذلك. فحديث: إنّما الأعمال بالنيّات، مشهور غير مستفيض؛ لأنّ الشهرة إنّما طرأت له في وسطه كما مرّ. وقد يُطلق المشهور على ما اشتهر على الألسنة، وإن اختصّ بإسناد واحد، بل ما لا يوجد له إسناد أصلاً. «و غَرِيْبٌ: إِن انْفَرَدَ بِهِ» راوٍ «واحِدٌ» في أيّ موضع وقع التفرّد به من السند، وإن تعدّدت الطرق إليه أو منه. ثمّ إنْ كان الانفراد في أصل هذه فهو المفرد المطلق، وإلّا فالمفرد النسبيّ. «و غَيْرُهُما» أي: ينقسم الخبر الواحد إلى غير المستفيض والغريب، «و هُوَ: ما عَدا ذلِكَ» المذكور من الأقسام.
«فمنه العَزِيْزُ (6)» وهو: الذي لا يرويه أقلّ من اثنين عن اثنين، سُمّي عزيزاً لقلّة وجوده، أو لكونه عزّ أي: قوي لمجيئه من طريق آخر.
«و منه المَقْبُولُ » وهو: ما يجب العمل به عند الجمهور، كالخبر المحتفّ بالقرائن، والصحيح عند الأكثر، والحسن على قول.
«و المَرْدُودُ» وهو: الذي لم يترجّح صدق المخبَر به لبعض الموانع، بخلاف المتواتر، فكلّه مقبول، لإفادته القطع بصدق المخبَر به.
«و» منه «المُشْتَبِهُ» حالُه، بسبب اشتباه حال رُواته. وهو مُلْحقٌ بالمردود عندنا، حيث نشترط ظهور عدالة الراوي، ولا نكتفي بظاهر الإسلام والإيمان.
«و الأَخْبارُ - مُطْلقاً» متواترةً كانت أم آحاداً، صحيحةً كانت أم لا « غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ» في عَدَدٍ معيّن، بحيث لا يقبلُ الزيادة عليه، لإمكان وجود أخبار اُخرى بيد بعض الناس لم تصل إلى الجامع. «و مَنْ بالَغَ فِي تَتَبُّعِها، و حَصَرَها» في عددٍ (7) كقول أحمد: صحّ من الأحاديث سبعمائة ألف وكسر «فَبِحَسَبِ ما وَصَلَ إِلَيْهِ» لو سُلّم ذلك له.
وحَصْرُ أحاديث أصحابنا أبعدُ، لكثرة مَنْ روى عن الأئمّة عليهم السلام منهم.
وكان قد استقرّ أمرُ المتقدّمين على أربعمائة منصَّف لأربعمائة مصنِّف، سمّوها الاُصُول (8) فكان عليها اعتمادُهم، ثمّ تداعت الحالُ إلى ذهاب معظم تلك، ولخّصها جماعةٌ في كتب خاصّة، تقريباً على المتناوِل. وأحسنُ ما جُمع منها: كتاب «الكافي» لمحمّد بن يعقوب الكُليني. و «التهذيب» للشيخ أبي جعفر الطوسيّ. ولا يُستغنى بأحدهما عن الآخر؛ لأنّ الأوّلَ أجمعُ لفنون الأحاديث، والثاني أجمع للأحاديث المختصّة بالأحكام الشرعيّة. وأمّا «الاستبصار» فإنّه أخصّ من التهذيب غالباً، فيمكن الغنى به عنه، وإن اختصّ بالبحث عن الجمع بين الأخبار المختلفة؛ فإنّ ذلك أمر خارج عن أصل الحديث. و «كتاب من لا يحضره الفقيه» حسن أيضاً، إلّا أنّه لا يخرج عن الكتابين غالباً. وكيف كان، فأخبارُنا ليست منحصرةً فيها إلّا أنّ ما خرجت عنها صارت الآن غيرَ مَضْبوطةٍ، ولا يكلّف الفقيهُ بالبحث عنها.
«و اعْلَمْ أَنَّ مَتْنَ الحَدِيْثِ - نَفْسَهُ - لا مَدْخَلَ لَهُ فِي الاعْتِبارِ» أي اعتبار أهل هذا الفن «إِلّا نادِراً» وإنّما يدخلُ في اعتبار الباحث عنه بخصوصه، كالفقيه في متون الأحاديث الفقهية، والشارح لها حيثُ يبحثُ عمّا يتعلّق به منها. واستثنى النادِرَ، ليدخُلَ مثلُ: الحديث المقلوب، والمصحّف، والمضطرِب، والمزيد؛ فإنّه يُبحثُ عنها في هذا العلم مع تعلّقها بالمتن. «بَلْ يَكْتَسِبُ» الحديثُ «صِفَةً مِن القُوَّةِ و الضَعْفِ و غَيْرِهِما» من الأوصاف «بِحَسَبِ أَوْصافِ الرُواةِ؛ مِن العَدالَةِ» والضبط والإيمان «و عَدَمِها» كغير ذلك من الأوصاف.
«أَو» بحسب «الإِسْنادِ؛ مِن الاتِّصالِ، و الانْقِطاعِ، و الاِرْسالِ» والاضطراب «و غَيْرِها.
و تَحْرِيْرُ البَحْثِ عَنْ ذلِكَ» في هذا العلم بذكر أوصافه، وتمييز بعضها عن بعض «يَنْجَرُّ إِلى بَيانِ أَنْواعِهِ؛ مِن الصِحَّةِ و أَضْدادِها»: من الحُسْن، والضَعْف، والثقة، وغيرها، حتّى يقال: حديثٌ صحيحٌ، أو حَسَنٌ، أو مُوَثَّقٌ، أو ضعيفٌ. «وَ» ينجرّ «إِلى» بيان «الجَرْحِ» للرواة «و التَعْدِيْلِ» لهم، فيقال: فلانٌ ثقة، أو غيرُ ثقة، أو متّهمٌ، أو مجهولٌ، أو كذوبٌ، ونحو ذلك. ليترتّب عليه ما سبقَ من الأنواع. «وَ» إذا نظر إلى حال الطالب انجرّ «النَظَرِ إِلى كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ، و طُرُقِ تَحَمُّلِهِ» من القراءة، والسماع، والإجازة، والمناولة، وغيرها، «وَ» ينجرّ الكلامُ إلى «وَ البَحْثِ عَنْ أَسْماءِ الرُواةِ» المتّفقة الاسم والمفترقة «و أَنْسابِهِمْ، و نَحْوِ ذلِكَ».
وهذا التقرير يناسبُ إفراد كلّ مطلبٍ منها بباب يخصّه.
«فَهاهُنا أَبْوابٌ» أربعة:
الأوّلُ: في أقسام الحديث.
الثاني: في من تُقْبلُ روايتُه أو تردُّ.
الثالثُ: في طُرق تحمّله ومحلّه، وكيفية روايته.
الرابعُ: في أسماء الرجال وطبقاتهم.
«البابُ الأَوَّلُ»
«فِي أَقْسامِ الحَدِيْثِ»
«و أُصُوْلُها »المفتقرةُ إلى البحث عنها «أَرْبَعَةٌ» وباقي الأقسام ترجعُ إليها.
«الأَوّلُ: الصَحِيْحُ، و هُوَ: ما اتَّصَلَ سَنَدُهُ اِلَى المَعْصُوْمِ بِنَقْلِ العَدْلِ الإِمامِيِّ عَنْ مِثْلِهِ، فِي جَمِيْعِ الطَبَقاتِ» حيثُ تكون متعدّدةً.
فخرج ب«اتّصال السند» المقطوعُ، في أيّ مرتبة اتّفق، فإنّه لا يُسمّى صحيحاً، وإن كان رواتُه من رجال الصحيح.
وشمل قوله: «اِلَى المَعْصُوْمِ» النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام.
وبقوله: «بِنَقْلِ العَدْلِ» الموثقُ.
وبقوله: «الإِمامِيِّ» الحسنُ.
وبقوله: «فِي جَمِيْعِ الطَبَقاتِ» ما اتّفق فيه واحدٌ بغير الوصف المذكور؛ فإنّه بسببه يلحقُ بما يُناسبه من الأوصاف، لا بالصحيح. وهو واردٌ على مَنْ عرّفه من أصحابنا - كالشهيد في الذكرى - بأنّه: «ما اتّصلت روايته إلى المعصوم بعدلٍ إماميّ» فإنّ اتّصاله بالعدل المذكور لا يلزمُ أن يكونَ في جميع الطبقات بحسب إطلاق اللفظ، وإنْ كان ذلك مراداً.
ونبّه بقوله: «وإِن اعْتِراهُ شُذُوْذٌ» على خلاف ما اصطلحَ عليه العامّةُ من تعريفه، حيثُ اعتبروا سلامتَه من الشذوذ، وقالوا في تعريفه: «إنّه ما اتّصل سندُه بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلمَ عن شُذوذ وعلّة». وشملَ تعريفُهم - بإطلاق العدل - جميع فرق المسلمين. فقبلوا روايةَ المُخالف العدل، ما لم يبلغُ خلافُه حدَّ الكفر، أو يكن ذا بِدْعةٍ ويروي ما يقوّي بدعتَه؛ على أصحّ أقوالهم. وبهذا الاعتبار كثرت أحاديثُهم الصحيحة وقلّت أحاديثُنا الصحيحة. مضافاً إلى ما اكتفوا به في العدالة من الاكتفاء بعدم ظهور الفسق والبناء على ظاهر حال المسلم. فالأخبارُ الحسنةُ والموثّقةُ عندنا صحيحةٌ عندهم، مع سلامتها من المانِعَيْنِ المذكورَيْنِ. واحترزوا بالسلامة من الشذوذ عمّا رواه الثقةُ - مع مخالفته ما روى الناسُ - فلا يكون صحيحاً. وأرادوا بالعلّة ما فيه من أسباب خفيّة قادحة، يستخرجُها الماهرُ في الفنّ. وأصحابُنا لم يعتبروا في حدّ الصحيح ذلك. والخلاف في مجرّد الاصطلاح، وإلّا فقد يقبلونَ الخبر الشاذَّ والمعلّلَ ونحنُ قد لا نقبلهما، وإن دخلا في الصحيح بحسب العوارض.
«و قَدْ يُطْلَقُ» الصحيح عندنا «عَلَى سَلِيْمِ الطَرِيْقِ مِن الطَعْنِ بِما يُنافِي الأَمْرَيْنِ» وهما كون الراوي بالاتصال عدلاً إماميّاً «وإِن اعْتَراهُ مَعَ ذلِكَ» الطريق السالم «إِرْسالٌ، أَوْ قَطْعٌ» وبهذا الاعتبار يقولون كثيراً: «روى ابنُ أبي عُمير في الصحيح كذا» أو «في صحيحته كذا» مع كون روايته المنقولة كذلك مرسلةً. ومثله وقعَ لهم في المقطوع كثيراً.
ص20 وبالجملة: فيُطلقون الصحيحَ على ما كان رجالُ طريقه المذكورون فيه عدولاً إماميّة وإنْ اشتملَ على أمرٍ آخر بعدَ ذلك، حتّى أطلقوا الصحيحَ على بعض الأحاديث المرويّة عن غير إماميّ بسبب صحّة السند إليه. فقالوا: «في صحيحة فلان» ووجدناها صحيحةً ممّن عداهُ. وفي الخلاصة وغيرها: أنّ طريق الفقيه إلى مُعاوية بن ميسرة، وإلى عائذ الأحْمَسيّ، وإلى خالد بن نجيح، وإلى عبدالأعلى مولى آل سام: صحيحٌ. مع أنّ الثلاثةَ الُأوَلَ لم يُنصَّ عليهم بتوثيقٍ ولا غيره، والرابعَ لم يوثّقهُ، وإنْ ذكره في القسم الأوزل. وكذلك نقلوا الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن أبان بن عُثمان، مع كونه فطحيّاً. وهذا كلّه خارجٌ عن تعريف الصحيح الذي ذكروه في التعريفين خصوصاً الأوّل المشهور. ثمّ في هذا الصحيح: ما يُفيد فائدةَ الصحيح المشهور، كصحيح أبان. وما يُراد منه وصفُ الصحة دون فائدتها، كالسالم طريقه - مع لحوق الإرسال به، أو القطع، أو الضعف، أو الجهالة - بمن اتّصل به الصحيح. فينبغي التدبّر لذلك فقد زلّ فيه أقدام أقوام.
«الثانِي: الحَسَنُ ، و هُوَ: ما اتَّصَلَ سَنَدُهُ - كَذلِكَ -» أي إلى المعصوم «بِإِمامِيٍّ مَمْدُوْحٍ، مِنْ غَيْرِ نَصٍّ عَلَى عَدالَتِهِ» مع تحقّق ذلك «فِي جَمِيْعِ مَراتِبِهِ» أي جميع مراتب رواة طريقه «أَوْ» تحقّق ذلك «فِي بَعْضِها» بأن كان فيهم واحدٌ إماميّ ممدوح؛ غيرَ موثّق «مَعَ كَوْنِ الباقِي» من الطريق «مِنْ رِجالِ الصَحِيْحِ» ويُوصَفُ الطريقُ بالحُسْن لأجل ذلك الواحد.
واحترز ب«كون الباقي من رجال الصحيح» عمّا لو كان دونه؛ فإنّه يلحقُ بالمرتبة الدنيا، كما لو كان فيه واحدٌ ضعيفٌ، فإنّه يكون ضعيفاً، أو واحدٌ غيرُ إماميّ عدل، فإنّه يكون من الموثّق. وبالجملة فيتبعُ أخَسَّ ما فيه من الصفات حيثُ تتعدَّد. وهذا كلُّه واردٌ على تعريف مَنْ عرّفه من الأصحاب؛ كالشهيد رحمه الله بأنّه: «ما رواه الممدوح من غير نصٍّ على عدالته». فإنّه يشملُ ما كان في طريقه واحدٌ كذلك، وإنْ كان الباقي ضعيفاً، فضلاً عن غيره. ويَزيدُ أنّه لم يُقيّد الممدوح بكونه إماميّاً مع أنّه مرادٌ. «و يُطْلَقُ» الحَسَن « - أَيْضاً - عَلَى ما يَشْمَلُ (9) الأَمْرَيْنِ» وهما: كون الوصف المذكور في جميع مراتبه، وفي بعضها بمعنى كون رواته متّصفين بوصف الحُسْن إلى واحد معيّن، ثمّ يصيرُ بعد ذلك ضعيفاً، أو مقطوعاً، أو مرسلاً، كما مرّ في الصحيح «مَعَ اتِّصافِ رُواتِهِ بِالوَصْفَيْنِ» وهما: كون كلّ واحد إماميّاً، ممدوحاً على وجه لا يبلُغ العدالة. «كَذلِكَ» أي كما أنّ الصحيح يُطلقُ على سليم الطريق ممّا يُنافي الأمرين، وهما: كون الراوي عدلاً، إماميّاً، وإن لم يتّصل. ومن هذا القسم حُكْمُ العلامة وغيرهُ بكون طريق «الفقيه» إلى مُنْذِر بن جَفير حَسَناً، مع أنّهم لم يذكروا حال مُنذر بمدحٍ ولا قدحٍ، ومثله طريقُه إلى إدريس بن زيد. وأنّ طريقه إلى سُماعة بن مِهْران حَسَن، مع أنّ سُماعة واقفيٌّ، وإنْ كان ثقةً، فيكونُ من الموثّق، لكنّه حَسَنٌ بهذا المعنى. وقد ذكر جماعة من الفقهاء أنّ رواية زُرارة، في مُفْسد الحجّ إذا قضاه: «أنّ الاُولى حَجّة الإسلام» من الحَسَن، مع أنّها مقطوعةٌ. ومثل هذا كثير، فينبغي مراعاته.
«الثالِثُ: المُوَثَّقُ» سُمّي بذلك لأنّ راويه ثقة وإن كان مخالفاً، وبهذا فارق الصحيح، مع اشتراكهما في الثقة. «و يُقالُ لَهُ: القَوِيُّ» - أيضاً - لقوّة الظنّ بجانبه بسبب توثيقه. «و هُوَ: ما دَخَلَ فِي طَرِيْقِهِ مَنْ نَصَّ الأَصْحابُ عَلَى تَوْثِيْقِهِ؛ مَعَ فَسادِ عَقِيْدَتِهِ» بأن كان من إحدى الفرق المخالفة للإماميّة، وإن كان من الشيعة. واحترزَ بقوله: «نصّ الأصحابُ على توثيقه» عمّا رواه المخالفون في صحاحهم التي وثّقوا رواتَها، فإنّها لا تدخلُ في الموثّق عندنا، لأنّ العِبْرة بتوثيق أصحابنا للمخالِف، لا بتوثيق غيرنا، لأنّا لم نقبل إخبارهم بذلك. وبهذا يندفع ما يُتَوهّم من عدم الفرق بين رواية مَنْ خالفنا ممّن ذُكر في كتب حديثنا، وما رووه في كتبهم. وحينئذٍ فذلك كلّه مُلْحَقٌ بالضعيف عندنا، لما سيأتي من صدق تعريفه عليه، فيُعمل منه بما يُعمل به منه «و لَمْ يَشْتَمِلْ باقِيْهِ» أي باقي الطريق «عَلَى ضَعْفٍ» وإلّا لكان الطريقُ ضعيفاً، فإنّه يتبع الأخسّ، كما سبق. وبهذا القيد سلم ممّا يرد على تعريف الأصحاب له، بأنّ الموثّق «ما رواه من نَصّ الأصحابُ على توثيقه مع فساد عقيدته» فإنّه يشتمل بإطلاقه ما لو كان في الطريق واحد كذلك مع ضعف الباقي، وليس بمراد، كما مرّ.
«و قَدْ يُطْلَقُ القَوِيُّ عَلَى مَرْوِيِّ الإِمامِيِّ، غَيْرِ المَمْدُوْحِ، و لا المَذْمُوْمِ» كنُوح ابن دَرّاج، وناجية بن أبي عُمارة الصَيْداويّ، وأحمد بن عبداللَّه بن جعفر الحميريّ، وغيرهم، وهم كثيرون. وقولنا: «غير الممدوح ولا المذموم» خير من قول الشهيد رحمه الله، وغيره - في تعريفه -: «غير المذموم» مقتصرين عليه، لأنّه يشمل الحَسَن، فإنّ الإماميّ الممدوحَ غيرُ مذمومٍ.
ولو فُرِضَ كونه قد مُدح وذُمّ، كما اتّفق لكثير، وردَ على تعريف الحسن أيضاً. والأولى أنْ يُطلبَ - حينئذٍ - الترجيحُ، ويُعملَ بمقتضاه، فإنْ تحقّقَ التعارضُ لم يكن حسناً. وعلى هذا فينبغي زيادة تعريف الحسن بكون المدح مقبولاً، فيقال: «ما اتّصل سنده بإماميّ ممدوحٍ مدحاً مقبولاً، أو غير معارض بذمٍّ» ونحو ذلك.
«الرابِعُ: الضَعِيْفُ، و هُوَ: ما لا يَجْتَمِعُ فِيْهِ شُرُوْطُ أَحَدِ الثَلاثَةِ» المتقدّمة «بِأَنْ يَشْتَمِلَ طَرِيْقُهُ عَلَى مَجْرُوْحٍ» بالفسق ونحوه «أَوْ مَجْهُوْلٍ» الحال «أَوْ ما دُوْنَ ذلِكَ» كالوضّاع. ويكن اندراجُه في المجروح، فيُستغنى به عن الشقّ الأخير.
«و دَرَجاتُهُ» في الضعف «مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ بُعْدِهِ عَنْ شُرُوْطِ الصِحَّةِ» فكلّما بَعُدَ بعضُ رجاله عنها كان أقوى في الضعف، وكذا ما كثُر فيه الرواة المجروحون، بالنسبة إلى ما قلّ فيه. «كَما تَتَفاوَتُ دَرَجاتُ الصَحِيْحِ و أَخَوَيْهِ» الحَسَن والموثّق «بِحَسَبِ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَوْصافِها» فما رواه الإماميّ الثقة الفقيه الورع الضابط؛ كابن أبي عمير، أصحُّ ممّا رواه مَنْ نَقَضَ في بعض الأوصاف منه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى أقلّ مراتبه. وكذلك ما رواه الممدوحُ كثيراً، كإبراهيم بن هاشم، أحسنُ ممّا رواه مَنْ هو دونَه في المدح، وهكذا إلى أنْ يتحقّق مُسمّاهُ. وكذا القولُ في الموثّق؛ فإنّ ما كانَ في طريقه مثلُ علي بن فَضّال، وأبان ابن عُثمان، أقوى من غيره، وهكذا. ويظهر أَثَرُ القوّة عند التعارض، حيثُ يُعمل بالأقسام الثلاثة له، ويُخَرّجُ أحدُ الأخيرين شاهداً له، أو يتعارضُ صحيحان أو حَسَنان، حيثُ يجوزُ العملُبه.
«و كَثِيْراً مَّا يُطْلَقُ الضَعِيْفُ» في كلام الفقهاء «عَلَى رِوايَةِ المَجْرُوْحِ خاصَّةً (10)» وهو استعمال الضعيف في بعض موارده، وأمره سهل.
«و اعْلَمْ أَنَّ» مَنْ منعَ العملَ بخبر الواحد مطلقاً؛ كالسيّد المرتضى رحمه الله تنتفي عنده فائدةُ البحث عن الحديث الغير المتواتر مُطلقاً. و «مَنْ جَوَّزَ العَمَلَ بِخَبَرِ الواحِدِ» كأكثر المتأخّرين « - فِي الجُمْلَةِ - » فائدةُ القيد التنبيهُ على أنّ مَنْ عَمِلَ بخبر الواحد لم يَعْمل به مطلقاً، بَلْ منهم مَنْ خصّه بالصحيح، ومنهم مَنْ أضاف الحَسَنَ، ومنهم من أضاف الموثّق، ومنهم من أضاف الضعيفَ على بعض الوجوه، كما سنُنَبّهُ عليه. فالعاملُ بخبر الواحد على أيّ وجهٍ كان «قَطَعَ بِالعَمَلِ بِالخَبَرِ الصَحِيْحِ» لعدم المانع منه، فإنّ رواتَه عدولٌ صحيحةٌ العقائد، لكن لم يعمل به مطلقاً، بل «حَيْثُ لا يَكُوْنُ شاذَّاً أَوْ مُعارَضَاً» بغيره من الأخبار الصحيحة، فإنّه - حينئذٍ - يُطلبُ المرجّحُ. وربّما عملَ بعضُهم بالشاذّ - أيضاً - كما اتّفق للشيخين في صحيحة زرارة في «مَنْ دخلَ في الصلاة بتيمّم، ثمّ أحدثَ: أنّه يتوضّأ حيثُ يُصيب الماءَ، ويبني على الصلاة» وإن خصّاها بحالة الحَدَث ناسياً. ومثل ذلك كثير.
«و اخْتَلَفُوْا فِي العَمَلِ بِالحَسَنِ:
فَمِنْهُمْ مَنْ عَمِلَ بِهِ مُطْلَقاً؛ كَالصَحِيْحِ» وهو الشيخ رحمه الله على ما يظهر من عَمَله، وكلّ مَنْ اكتفى في العدالة بظاهر الإسلام ولم يشترط ظهورَها.
«و مِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ مُطْلَقاً» وهم الأكثرون، حيثُ اشترطوا في قبول الرواية الإيمان والعدالة، كما قطع به العلّامةُ في كتبه الاُصوليّة وغيره.
والعجبُ أنّ الشيخ رحمه الله اشترط ذلك - أيضاً - في كتب الاُصول، ووقعَ له في الحديث وكُتب الفروع الغرائبُ: فتارةً: يعمل بالخبر الضعيف مطلقاً، حتّى أنّه يخصّص به أخباراً كثيرةً صحيحةً حيثُ تُعارضه بإطلاقها. وتارةً: يصرّح بردّ الحديث الضعيف لضعفه. واُخرى: بردّ الصحيح معلّلاً بأنّه خبر واحد لا يوجب علماً ولا عملاً، كما هي عبارة المرتضىرحمه الله.
«و فَصَّلَ آخَرُوْنَ.» في الحَسَن؛ كالمحقّق في «المعتبر» والشهيد في «الذكرى» فقبلوا الحَسَن بل الموثّق، وربّما ترقّوا إلى الضعيف - أيضاً - إذا كان العملُ بمضمونه مشتَهراً بينَ الأصحاب، حتّى قدموه - حينئذٍ - على الخبر الصحيح، حيث لا يكون العمل بمضمونه مشتَهراً.
«و كَذا اخْتَلَفُوْا فِي العَمَلِ بِالمُوَثَّقِ نَحْوَ اخْتِلافِهِمْ فِي الحَسَنِ» فقبله قوم مطلقاً، وردّه آخرون، وفصّل ثالث بالشهرة وعدمها. ويمكن اشتراك الثلاثة في دليلٍ واحد يدلّ على جواز العمل بها مطلقاً، وهو: أنّ المانع من قبول خبر الفاسق هو فسقُه؛ لقوله تعالى: «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا» فمتى لم يُعلم الفسقُ لا يجب التثبّتُ عند خبر المخبر، مع جهل حاله، فكيف مع توثيقه ومدحه، وإن لم يبلغ حدّ التعديل؟. وبهذا احتجّ مَنْ قبل المراسيلَ. وقد أجابوا عنه بأنّ الفسقَ لمّا كان علّة التثبّت وجبَ العلمُ بنفيه، حتى يُعلم انتفاءُ التثبّت، فيجب التفحّصُ عن الفسق ليُعلم هو أو عدمُه، حتّى يُعلم التثبّتُ أو عدمُه. وفيه نظر؛ لأنّ الأصلَ عدمُ وجود المانع في المسلم، ولأنّ مجهولَ الحال لا يمكن الحكمُ عليه بالفسق. والمرادُ في الآية المحكوم عليه بالفسق.
«و أَمَّا الضَعِيْفُ: * فَذَهَبَ الأَكْثَرُ إِلى مَنْعِ العَمَلِ بِهِ مُطْلَقاً» للأمر بالتثبُّت عند إخبار الفاسق، الموجب لردّه.
«و أَجازَهُ آخَرُوْنَ» وهم جماعة كثيرة منهم مَنْ ذكرناه «مَعَ اعْتِضادِهِ بِالشُهْرَةِ رِوايَةً» بأن يكثر تدوينُها وروايتُها بلفظ واحد أو ألفاظ مُتغايرة مُتقاربة المعنى «أَوْ فَتْوَىً» بمضمونها في كتب الفقه «لِقُوَّةِ الظَنِّ » بصدق الراوي «فِي جانِبِها» أي جانب الشهرة «وإِنْ ضَعُفَ الطَرِيْقُ» فإنّ الطريقَ الضعيفَ قد يَثْبُتُ به الخبرُ مع اشتهار مضمونه «كَما تُعْلَمُ مَذاهِبُ الفِرَقِ» الإسلاميّة، كقول أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد «بِأَخْبارِ أَهْلِها» مع الحكم بضعفهم عندنا «وإِنْ لَمْ يَبْلُغُوْا حَدَّ التَواتُرِ».
وبهذا اعتُذِرَ للشيخ رحمه الله في عمله بالخبر الضعيف «و هذِهِ حُجَّةُ مَنْ عَمِلَ بِالمُوَثَّقِ، أَيْضاً» بطريق أولى.
«و فِيْهِ نَظَرٌ؛ تَحْرِيْرُهُ يَخْرُجُ عَنْ وَضْعِ الرِسالَةِ» فإنّها مبنيّةٌ على الاختصار. ووجهه على وجه الإيجاز: أنّا نمنعُ من كون هذه الشهرة - التي ادّعوها - مؤثِّرةً في جَبْر الخبر الضعيف، فإنّ هذا إنّما يتمّ لو كانت الشهرةُ متحقّقةً قبلَ زمن الشيخ، والأمرُ ليس كذلك، فإنّ مَنْ قَبْله من العلماء كانوا بينَ مانعٍ من خبر الواحد مطلقاً؛ كالسيّد المرتضى، والأكثر، على ما نقله جماعةٌ، وبينَ جامعٍ للأحاديث من غير التفات تصحيح ما يَصحّ، وردّ ما يُردّ. وكان البحثُ عن الفتوى مجرّدةً لغير الفريقين قليلاً جدّاً، كما لا يخفى على من اطّلع على حالهم. فالعملُ بمضمون الخبر الضعيف قَبْلَ زمن الشيخ، على وجهٍ يَجْبرُ ضعفَه، ليس بمتحقّقٍ. ولمّا عملَ الشيخُ بمضمونه في كتبه الفقهية، جاء مَنْ بعده من العلماء واتّبعهُ منهم عليها الأكثر تقليداً له، إلّا من شذّ منهم، ولم يكن فيهم مَنْ يَسْبرُ الأحاديث وينقّبُ عن الأدلّة بنفسه، سوى الشيخ المحقّق ابن إدريس، وقد كان لا يُجيز العملَ بخبر الواحد مطلقاً. فجاء المتأخّرون بعدَ ذلك ووجدوا الشيخَ ومَنْ تبعه قد عملوا بمضمونذلك الخبر الضعيف لأمرٍ مّا رأوه في ذلك، لعلّ اللَّه يُعذِرهم فيه، فحسبوا العلمَ به مشهوراً، وجعلوا هذه الشهرة جابرةً لضعفه. ولو تأمّل المنصف وحرّز المنقّب لوجد مرجع ذلك كلّه إلى الشيخ، ومثلُ هذه الشهرة لا تكفي في جبر الخبر الضعيف. ومن هنا يظهر الفرق بينه وبين ثبوت فتوى المخالفين بإخبار أصحابهم؛ فإنّهم كانوا منتشرين في أقطار الأرض من أوّل زمانهم، ولم يزالوا في ازدياد. وممّن اطّلع على أصل هذه القاعدة، التي بيّنتها وحقّقتها ونقبتها، من غير تقليد: الشيخ الفاضل المحقّق سديد الدين محمود الحمّصي، والسيّد رضي الدين ابن طاوس، وجماعة. قال السيّد في كتاب «البهجة لثمرة المهجة»: أخبرني جدّي الصالح ورّام بن أبي فرّاس: أنّ الحمّصي حدّثه أنّه لم يبق للإماميّة مُفتٍ على التحقيق، بل كلّهم حاكٍ. وقال السيّد عقيبه: «والآن فقد ظهر أنّ الذي يُفتى به، ويُجاب عن، على سبيل ما حُفِظَ من كلام العلماء المتقدّمين» انتهى. وقد كشفت لك بذلك بعض الحال، وبقي الباقي في الخيال، وإنّما يتنبّه بهذا المقال مَنْ عرف الرجال بالحقّ، وينكره من عرف الحقّ بالرجال. «و جَوَّزَ الأَكْثَرُ العَمَلَ بِهِ» أي بالخبر الضعيف « فِي نَحْوِ القَصَصِ، و المَواعِظِ، و فَضائِلِ الأَعْمالِ، لا فِي» نحو صفات اللَّه المتعال و «أَحْكامِ الحَلالِ و الحَرامِ.
و هُوَ حَسَنٌ، حَيْثُ لا يَبْلُغُ الضَعْفُ حَدَّ الْوَضْعِ.» والاختلاف؛ لما اشتهر بين العلماء المحقّقين من التساهل بأدلّة السنن، وليس في المواعظ والقصص غير محض الخير، لما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - من طريق الخاصّة والعامّة - أنّه قال: «من بلغه عن اللَّه تعالى فضيلة فأخذها وعَمِلَ بما فيها إيماناً باللَّه ورجاء ثوابه أعطاه اللَّه تعالى ذلك، وإن لم يكن كذلك». وروى هشام بن سالم في الحسن عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «مَن سَمِعَ شيئاً من الثواب على شيء فصنعه كان له أجره، وإن لم يكن على ما بَلَغَهُ». وإذا عرفت هذه المعاني الأربعة التي هي اُصول علم الحديث.
«بَقِيَ هُنا عِباراتٌ لِمَعانٍ شَتّى:
* مِنْها ما يَشْتَرِكُ فِيْهِ الأَقْسامُ الأَرْبَعَةُ» إمّا جميعها، أو بعضها؛ بحيث لا يختصّ بالضعيف ليدخل فيه المقبول؛ فإنّه ليس في أقسام الصحيح، وإنّما يشترك فيه الثلاثة الأخيرة على ظاهر الاستعمال، وإن كان إطلاق مفهومه قد فُهِمَ منه كونه أعمّ من الصحيح - أيضاً - وجملة المشترك: ثمانية عشر نوعاً.
«و مِنْها ما يَخْتَصُّ بِالضَعِيْفِ» وهو ثمانية، فجملة الأنواع الفروع ستّة وعشرون، ومع الاُصول ثلاثون نوعاً، وذلك على وجه الحصر الجعليّ، أو الاستقرائيّ، لإمكان إبداء أقسامٍ اُخر.
« فَمِن» القسم «الأَوَّلِ» وهو المشترك «أُمُوْرٌ:
أَحَدُها: المُسْنَدُ، و هُوَ: ما اتَّصَلَ سَنَدُهُ مَرْفُوعاً» من راويه إلى مُنتهاه « إِلى المَعْصُوْمِ (11)» وأكثر ما يُستعمل في ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فخرج باتّصال السند: المرسل، والمعلّق، والمُعْضَلُ. وبالغاية: الموقوف إذا جاء بسند متّصلٍ، فإنّه لا يُسمّى في الاصطلاح «مسنداً». وربّما أطلقه بعضهم على المتّصل مطلقاً. وآخرون على ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان منقطعاً.
و «و ثانِيْها: المُتَّصِلُ، و يُسَمَّى - أَيْضاً - المَوْصُوْلُ، وهُوَ: ما اتَّصَلَ إِسْنادُهُ» إلى المعصوم أو غيره «و كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنْ رُواتِهِ قَدْ سَمِعَهُ مِمَّنْ» هو «فَوْقَهُ، أَوْ ما» هو «فِي مَعْنَى السَماعِ» كالإجازة، والمناولة.
وهذا القيد أخلّ به كثير، فورد عليهم ما تناوله «؛ سَواءٌ كانَ مَرْفُوعاً» إلى المعصوم «أَمْ (12) مَوْقُوفاً » على غيره.
وقد يخصّ ممّا اتّصل إسناده إلى المعصوم أو الصحابي، دون غيرهم. هذا مع الإطلاق. أمّا مع التقييد، فجائز مطلقاً، وواقع؛ كقولهم: «هذا متّصل الإسناد بفلان» ونحو ذلك.
«و ثالِثُها: المَرْفُوْعُ، و هُوَ: ما أُضِيْفَ إِلى المَعْصُوْم؛ مِنْ قَوْلٍ» بأن يقول في الرواية: إنّه عليه السلام قال كذا «أَوْ فِعْلٍ» بأن يقول: فعل كذا «أَوْ تَقْرِيْرٍ» بأن يقول: فعل فلان بحضرته كذا ولم ينكره عليه، فإنّه يكون قد أقرّه عليه، وأولى منه ما لو صرّح، بالتقرير «؛ سَواءٌ كانَ» إسناده «مُتَّصِلاً» بالمعصوم بالمعنى السابق «أَمْ مُنْقَطِعاً» بترك بعض الرواة، أو إبهامه، أو رواية بعض رجال سنده عمّن لم يلقه.
«و قَدْ تَبَيَّنَ» من التعريفات الثلاثة «أَنَّ بَيْنَ الأَخِيْرَيْنِ» منها «عُمُوْمَاً مِنْ وَجْهٍ» بمعنى صدق كلّ منهما على شيءٍ ممّا صدق عليه الآخر، مع عدم استلزام صدق شيءٍ منهما صدق الآخر. ومادّة تصادقهما - هنا - فيما إذا كان الحديث متّصل الإسناد والرواية بالمعصوم، فإنّه يصدق عليه الاتّصال والرفع، لشمول تعريفهما له. ويختصّ المتّصل بمتّصل الإسناد على الوجه المقرّر، مع كونه موقوفاً على غير المعصوم. ويختصّ المرفوع بما اُضيف إلى المعصوم بإسنادٍ منقطع.
«وَ» تبيّن - أيضاً - «أَنَّهُما أَعَمُّ مِن الأَوَّلِ مُطْلَقاً» بمعنى استلزام صدقه صدقهما من غير عكس؛ ووجه عمومهما - كذلك - اشتراك الثلاثة في الحديث
ص30 المتّصل الإسناد على الوجه السابق إلى المعصوم، واختصاص المتّصل بحالة كونه موقوفاً، والمرفوع بحالة انقطاعه.
«و رابِعُها: المُعَنْعَنُ، و هُوَ: ما يُقالُ فِي سَنَدِهِ: « فُلانٌ عَنْ فُلانٍ»» من غير بيان للتحديث، والإخبار، والسماع، وبذلك يظهر وجه تسميته معنعناً.
وقد اختلفوا في حكم إسناد المعنعن: فقيل: هو من قبيل المرسل والمنقطع حتّى يتبيّن اتّصاله بغيره؛ لأنّ المعنعنَ أعمّ من الاتّصال لُغةً. «و الصَحِيْحُ» الذي عليه جمهور المحدّثين، بل كاد يكون إجماعاً «أَنَّهُ مُتَّصِلٌ؛ إِذا أَمْكَنَ الِلقاءُ» أي ملاقاة الراوي بالعنعنة لمن رواه عنه «مَعَ البَرائَةِ» أي برائته أيضاً «مِن التَدْلِيْسِ» بأن لا يكون معروفاً به، وإلّا لم يكف اللقاء؛ لأنّ مَن عُرِفَ بالتدليس قد يتجوّز في العنعنة مع عدم الاتّصال، نظراً إلى ظهور صدقه في الإطلاق وإن كان خلاف الاصطلاح والمتبادر من معناه.
«و قَد اسْتَعْمَلَهُ» أي المعنعن - والمراد استعمال المصدر، وهو العنعنة في الأحاديث - «أَكْثَرُ المُحَدِّثِيْنَ» مُريدين به الاتّصال، وأكثرهم لا يقول بالمرسل. وزاد آخرون في الشرائط كون الراوي قد أدرك المرويّ عنه بالعنعنة إدراكاً بيّناً. وآخرون على ذلك كونه معروفة بالرواية عنه. والأظهر عدم اشتراطهما.
«و خامِسُها: المُعَلَّقُ، و هُوَ: ما حُذِفَ مِن مَبْدَأِ إِسْنِادِهِ واحِدٌ فَأَكْثَرُ» كقول الشيخ رحمه الله: «محمّد بن أحمد، ومحمّد بن يعقوب» أو «روى زرارة عن الباقر أو الصادق عليهما السلام أو قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الصادق عليه السلام» ونحو ذلك. مأخوذ من تعليق الحدود أو الطلاق، لاشتراكهما في قطع الاتّصال. ولم يستعملوه فيما يسقط وسط إسناده أو آخره لتسميتهما بالمُنقطع، والمرسَل. «و لا يَخْرُجُ»المعلّق «عَنْ الصَحِيْحِ؛ إِذا عُرِفَ المَحْذُوْفُ مِن جِهَةِ ثِقَةٍ» خصوصاً إذا كان العلم من جهة الراوي، كقول الشيخ في كتابيه، والصدوق في الفقيه: «محمّد بن يعقوب، أو أحمد بن محمّد، أو غيرهما» ممّن لم يدركه، ثمّ يذكر في آخر الكتاب طريقه إلى كلّ واحدٍ ممّن ذكره في أوّل الإسناد. «و هُوَ - حِيْنَئِذٍ -» أيّ حين إذ يُعلم المحذوف «فِي قُوَّةِ المَذْكُوْرِ» لأنّ الحذف إنّما هو في الكتابة، أو اللفظ حيث تكون الرواية به، والقصد ما ذكر. «و إِلّا» أي: وإن لم يُعلم المحذوف من جهة ثقة « خَرَجَ» المعلّق عن الصحيح إلى الإرسال، أو ما في حكمه.
«و سادِسُها: المُفْرَدُ»: وهو قسمان: لأنّه «إِمَّا» أن ينفرد به راويه «عَنْ جَمِيْعِ الرُواةِ» وهو الانفراذ المطلق، وألحقه بعضهم بالشاذّ، وسيأتي أنّه يخالفه. «أَوْ» ينفرد به «بِالنِسْبَةِ اِلى جِهَةٍ» وهو النسبي «كَتَفَرُّدِ أَهْلِ بَلَدٍ بِهِ» معيّن كمكّة والبصرة والكوفة، أو تفرّد واحد من أهلها به «و لا يُضَعَّفُ الحَدِيْثُ بِذلِكَ(13)» من حيث كون إفراداً، إلّا أن يلحق بالشاذّ، فيردّ لذلك.
«و سابِعُها: المُدْرَجُ، و هُوَ:
ما أُدْرِجَ فِيْهِ كَلامُ بَعْضِ الرُواةِ؛ فَيَظُنُّ» لذلك «أَنَّهُ مِنْهُ» أي من الحديث.
«أَوْ» يكون عنده «مَتْنانِ بِإِسْنادَيْنِ؛ فِي أَحَدِهِما» أي أحد إسنادي الحديثين، ويترك الآخر.
«أَوْ يُسْمَعُ حَدِيْثٌ واحِدٌ (14) مِن جَماعَةٍ؛ مُخْتَلِفِيْنَ فِي سَنَدِهِ» بأن رواه بعضهم بسندٍ، ورواه غيره بغيره «أَوْ» مختلفين «فِي مَتْنِهِ» مع اتّفاقهم على سنده «فَيُدْرِجُ رِوايَتَهُمْ» جميعاً «عَلَى الاتِّفاقِ» في المتن أو السند، ولا يذكر الاختلاف. وتعمّد كلّ واحد من الأقسام الثلاثة حرام.
«و ثامِنُها: المَشْهُوْرُ، و هُوَ:
ما شاعَ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيْثِ» خاصّةً دون غيرهم «بِأَنْ نَقَلَهُ» منهم «رُواةٌ كَثِيْرُوْنَ» ولا يعلم هذا القسم إلّا أهل الصناعة.
«أَوْ عِنْدَهُمْ و عِنْدَ غَيْرِهِمْ؛ كَحَدِيْثِ: «إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِيَّاتِ»» وأمره واضح، وهو بهذا أعمّ من الصحيح. «أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ؛ خاصَّةً» ولا أصل له عندهم «و هُوَ كَثِيْرٌ».
قال بعض العلماء: أربعة أحاديث تدور على الألسن وليس لها أصل:
«من بشّرني بخروج آذار بشّرته بالجنّة».
و: «من آذى ذميّاً فأنا خصمه يوم القيامة».
و: «يومن نحركم يوم صومكم».
و: «للسائل حقّ وإن جاء على فرس».
«و تاسِعُها: الغَرِيْبُ:» بقول مطلق وهو:
«إِمّا» غريب «إِسْناداً و مَتْناً» معاً «و هُوَ: ما تَفَرَّدَ (15) بِرِوايَةِ مَتْنِهِ واحِدٌ (16) .
أَوْ» غريب «إِسْناداً؛ خاصَّةً» لا متناً «كَحَدِيْثٍ يُعْرَفُ مَتْنُهُ عَنْ جَماعَةٍ(17) » من الصحابة - مثلاً - أو ما في حكمهم «إِذا انْفَرَدَ واحِدٌ بِرِوايَتِهِ عَنْ» آخر « غَيْرِهِمْ » ويعبّر عنه بأنّه: غريب من هذا الوجه، ومنه غرائب المخرجين في أسانيد المتون الصحيحة. «أَوْ» غريب « مَتْنَاً؛ خاصَّةً؛ بِأَن اشْتَهَرَ الحَدِيْثُ المُفْرَدُ؛ فَرَواهُ عَمَّنْ تَفَرَّدَ بِهِ جَماعَةٌ كَثِيْرَةٌ، فَإِنَّهُ»
حينئذٍ «يَصِيْرُ غَرِيْبَاً مَشْهُوْرَاً».
أو غريب متناً لا إسناداً بالنسبة إلى أحد طرفي الإسناد، فإنّ إسناده متّصف بالغرابة في طرفه الأوّل، وبالشهرة في طرفه الآخر «و حَدِيْثُ: « إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِيَّاتِ» ( مِنْ هذاالبابِ؛ فَإِنَّهُ ) (18) غَرِيْبٌ فِي طَرَفِهِ الأَوَّلِ» لأنّه ممّا تفرّد به من الصحابة عُمَرُ - وإن كان قد خطب به على المنبر فلم ينكر عليه، فإنّ ذلك أعمّ من كونهم سمعوه من غيره أم لم يسمعوه - ثمّ تفرّد به عنه علقمة، ثمّ تفرّد به عن علقمة محمّد بن إبراهيم، ثمّ تفرّد به يحيى بن سعيد عن محمّد «مَشْهُوْرٌ فِي» طرفه «الآخِرِ» لتعدّد رواته بعد من ذكرنا، واشتهاره حتّى قيل: إنّه رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مأتي نفس، وحكي عن أبي إسماعيل الهروي أنّه كتبه من سبعمائة طريق عن يحيى بن سعيد. وما ذكرناه من تفرّد الأربعة بهذا الحديث هو المشهور بين المحدّثين، ولكن ادّعى بعض المتأخّرين: أنّه روي أيضاً عن علي عليه السلام، وأبي سعيد الخدري، وأنس؛ بلفظه؛ وعن جمع من الصحابة؛ بمعناه. وعلى هذا فيخرج عن حدّ الغرابة. «و نَظائِرُهُ » في الأحاديث «كَثِيْرَةٌ» فإنّ كثيراً من الأحاديث ينفرد به واحد ثمّ تتعدّد رواته خصوصاً بعد الكتب المصنّفة التي يودع الحديث فيها، كما لا يخفى.
«و قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الغَرِيْبِ اسْمُ الشاذِّ (19)» والمشهور المغايرة بينهما على ما ستعرفه في تعريف الشاذّ.
«و عاشِرُها: المُصَحَّفُ»: وهذا فنّ جليل إنّما ينهض بأعبائه الحُذّاق من العلماء «و التَصْحِيْفُ يَكُوْنُ:
فِي الراوِي: » كتصحيف مُراجِم - بالراء المهملة، والجيم - أبو العوام؛ بمزاحم - بالزاي المعجمة، والحاء - وتصحيف حرير بجرير، وبريد بيزيد، ونحو ذلك. وقد صحّف العلماء في كتاب الرجال كثيراً من الأسماء، من أراد الوقوف عليها فليُطالع «الخلاصة»، و «إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة» وينظر ما بينهما من الاختلاف، وقد نبّه الشيخ تقيّ الدين ابن داود على كثير من ذلك.
«و فِي المَتْنِ» كحديث: «مَن صامَ وأَتْبَعَهُ سِتّةً مِنْ شَوّال» صحّفه بعضهم بالشين المعجمة، ورواه كذلك.
«و مُتَعَلَّقُهُ » أي التصحيف: «إِمَّا البَصَرُ، أَو السَمْعُ».
والأوّل: كما ذكر من الأمثلة متناً وإسناداً؛ لأنّ ذلك التصحيف إنّما يعرض للبصر لتقارب الحروف لا للسمع، إذ لا يلتبس عليه مثل ذلك. والثاني: تصحيف بعضهم عاصم الأحول بواصل الأحدب؛ فإنّ ذلك لا يشتبه في الكتابة على البصر، وأشباه ذلك.
والتصحيف أيضاً يكون: «فِي اللَّفْظِ» كما ذكر. «و» في «المَعْنَى» كما حُكي عن أبي موسى محمّد بن المثنّى العنزي أنّه قال: «نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة صلّى إلينا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم» يريد بذلك ما روي أنّه صلى الله عليه وآله وسلم صلّى إلى عنزةٍ، وهي حربة تنصب بين يديه سُتْرةً، فتوهّم أنّه صلى الله عليه وآله وسلم صلّى إلى قبيلتهم بني عنزة، وهو تصحيف معنويّ عجيب.
«و حادِي عَشَرِها: العالِي سَنَدَاً»: وهو القليل الواسطة مع اتّصاله. «و طَلَبُهُ» أي طلب عُلُوّ الإسناد «سُنَّةٌ» عند أكثر السلف، وقد كانوا يرحلون إلى المشايخ في أقصى البلاد لأجل ذلك. «فَبِعُلُوِّهِ» أي السند «يَبْعُدُ» الحديث «عَنْ الخَلَلِ المُتَطَرِّقِ اِلى كُلِّ راوٍ» إذ ما من راوٍ من رجال الإسناد إلّا والخطأ جائز عليه، فكلّما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظانّ التجويز، وكلّما قلّت قلّت. ولكن قد يتّفق في النزول مزية ليست في العلوّ، كأن يكون رواته أوثق، أو أحفظ أو أضبط، أو الإتّصال فيه أظهر؛ للتصريح فيه باللقاء - واشتمال العالي على ما يحتمله وعدمه؛ كعن فلان - فيكون النزول حينئذ أولى. ومنهم من رجّح النزول مطلقاً، استناداً إلى أنّ كثرة البحث يقتضي المشقّة، فيعظم الأجر. وذلك ترجيح بأمرٍ أجنبيّ عمّا يتعلّق بالتصحيح والتضعيف.
«وَ» العلوّ أقسام: «أَعْلاهُ» وأشرفه «قُرْبُ الإِسْنادِ مِن المَعْصُوْمِ» بالنسبة إلى سند آخر يروى به ذلك الحديث بعينه بعدد كثير، وهو: المطلق: فإن اتّفق - مع ذلك - أن يكون سنده صحيحاً ولم يرجّح غيره عليه - بما تقدّم - فهو الغاية القصوى. وإلّا، فصورة العلوّ فيه موجودة، ما لم يكن موضوعاً، فيكون كالمعدوم.
«ثُمَّ» بعد هذه المرتبة في العلوّ: قرب الإسناد المذكور «مِنْ أَحَدِ أَئِمَّةِ الحَدِيْثِ» كالشيخ، والصدوق، والكليني، والحسين بن سعيد، وأمثالهم.
«ثُمَّ» بعده «بِتَقَدُّمِ زَمانِ سَماعِ أَحَدِهِما» أي: أحد الروايين في الإسنادين «عَلَى» زمان سماع «الآخَرِ؛ وإِن اتَّفَقا فِي العَدَدِ» الواقع في الإسناد «أَوْ» في «عَدَمِ الواسِطَةِ» بأن كانا قد رويا في زمانين مختلفين «فَأَوَّلُهُما» سماعاً «أَعَلَى» من الآخر، لِقُرب زمانه من المعصوم بالنسبة إلى الآخر. والعلوّ بهذين المعنين يعبّر عنه بالعلوّ النسبي، وشرف اعتباره قليل، خصوصاً الأخير، لكن قد اعتبره جماعة من أئمّة الحديث، فذكرناه لذلك. وزاد بعضهم للعلوّ معنىً رابعاً وهو: تقدّم وفاة الراوي، فإنّه أعلى من إسناد آخر يساويه في العدد مع تأخّر وفاة مَن هو في طبقته عنه، مثاله: ما نرويه بإسنادنا إلى الشيخ الشهيد، عن السيّد عميد الدين، عن العلّامة جمال الدين ابن المطهّر. فإنّه أعلى ممّا نرويه عن الشهيد، عن فخر الدين ابن المطهّر، عن والده جمال الدين، وإن تساوى الإسنادان في العدد، لتقدّم وفاة السيّد عميد الدين على وفاة فخر الدين بنحو خمس عشرة سنة. والكلام في هذا العلوّ كالذي قبله، وأضعف.
«و ثانِي عَشَرِها: الشاذُّ، و هُوَ: ما رَواهُ» الراوي «الثِقَةُ، مُخالِفَاً لِما رَواهُ الجُمْهُوْرُ» أي الأكثر. سمّي شاذّاً باعتبار ما قابله، فإنّه مشهور، ويقال للطرف الراجح: المحفوظ.
«ثُمَّ:
* إِنْ كانَ المُخالِفُ لَهُ» الراجح « أَحْفَظَ أَوْ أَضْبَطَ أَوْ أَعْدَلَ» من راوي الشاذّ «فَشاذٌّ مَرْدُوْدٌ» لشذوذه ومرجوحيّته بفقد أحد الأوصاف الثلاثة.
«و إِنْ انْعَكَسَ» فكان راوي الشاذّ أحفظ للحديث، أو أضبط له، أو أعدل من غيره من رواة مقابله « فَلا» يردّ، لأنّ في كلٍّ منهما صفة راجحة، وصفة مرجوحة؛ فيتعارضان؛ فلا ترجيح.
«و كَذا إِنْ كانَ» المخالف أي راوي الشاذّ «مِثْلَهُ» أي مثل الآخر في الحفظ والضبط والعدالة؛ فلا يردّ؛ لأنّ سماعه من الثقة يوجب قبوله، ولا رجحان للآخر عليه من تلك الجهة.
«و مِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ مُطْلَقاً» نظراً إلى شذوذ، وقوّة الظنّ بصحّة جانب المشهور.
«و مِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ مُطْلَقاً» نظراً إلى كون راويه ثقةً في الجملة.
«و لَوْ كانَ» راوي الشاذّ «المُخالِفُ» لغيره «غَيْرَ ثِقَةٍ؛ فَحَدِيْثُهُ مُنْكَرٌ مَرْدُوْدٌ» لجمعه بين الشذوذ، وعدم الثقة، ويُقال لمقابله: المعروفُ.
«و مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُما» أي الشاذّ والمنكر «مُتَرادِفَيْنِ» بمعنى الشاذّ المذكور، وما ذكرناه - من الفرق - أضبط.
«و ثالِثُ عَشَرِها: المُسَلْسَلُ، و هُوَ: ما تَتابَعَ فِيْهِ(20) رِجالُ الإِسْنادِ عَلَى صِفَةٍ» كالتشبيك بالأصابع.
«أَوْ حالَةٍ» كالقيام «فِي الراوِي» للحديث، سواء كانت تلك الصفة أو الحالة: «قَوْلاً ؛ كَقَوْلِهِ : « سَمِعْتُ فُلاناً يَقُوْلُ: سَمِعْتُ فُلاناً يَقُوْلُ » إِلى المُنْتَهى» أي منتهى الإسناد «أَوْ: «أَخْبَرَنا فُلان و اللَّهِ، قالَ: أَخْبَرَنا فُلان، واللَّهِ» إِلى آخِرِ» الإسناد، وكالمسلسل بقرائة سورة الصفّ.
«أَوْ فِعْلاً ؛ كَحَدِيْثِ«التَشْبِيْكِ بِاليَدِ» و «القِيامِ»» حال الرواية «وَ «الاتِّكاءِ»» حالته «وَ «العَدِّ بِاليَدِ»» في حديث تعليم الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
«أَوْ بِهِما» أي بالقول والفعل «كَالمُسَلْسَلِ ب«المُصافَحَةِ»» فإنّه يتضمّن الوصف بالقول، في قول كلّ واحد: «صافحني بالكفّ التي صافحت بها فلاناً» وقوله: «فما مَسَستُ خَزّاً ولا حَريراً ألْيَنَ من كفّه». والفعل، وهو نفس المصافحة من كلّ واحدٍ من رجال الإسناد. «وَ» المسلسل ««التَلْقِيْمِ»» فإنّه يتضمّن الوصف بالقول؛ كقول كلّ واحد: «لقّمني فلان بيده لُقمة لُقمة» والفعل؛ وهو التلقيم.
ومثله المسلسل ب«قرّبَ إليَّ جُبناً وجَوْزاً».
والمسلسل: «أطعمني وسقاني».
والمسلسل بالضيافة على الأسودين: التمر، والماء.
«أَوْ» حالةً «فِي الرِوايَةِ؛ كَ» الحديث «
المُسَلْسَلِ بِاتِّفاقِ أَسْماءِ الرُواةِ» كالمسلسل بالمحمّدين، أو الأحمدين. «أَوْ أَسْماءِ آبائِهِمْ أَوْ كُناهُمْ، أَوْ أَنْسابِهِمْ، أَوْ بُلْدانِهِمْ» وتسلسل هذه المذكورات وقع في جميع الإسناد.
«و قَدْ يَقَعُ التَسَلْسُلُ فِي مُعْظَمِ الإِسْنادِ » دون جميعه «كَالمُسَلْسَلِ بِالأَوَّلِيَّةِ» وهو أوّل ما يسمعه كلّ واحد منهم من شيخه من الأحاديث، فإنّ تسلسله بهذا الوصف ينتهي إلى سفيان بن عُيينة فقط، وانقطع في سماعه من عمرو، وفي سماعه من أبي قابُوس، وفي سماعه من عبداللَّه، وفي سماعه من النبيصلى الله عليه وآله وسلم ومَن رواه مسلسلاً إلى منتهاه فقد وَهمَ.
«و هذَا الَوْصْفُ» وهو التسلسل ليس له مدخل في قبول الحديث وعدمه، وإنّما هو «مِنْ فُنُوْنِ الرِوايَةِ و ضُرُوْبِ المُحافَظَةِ عَلَيْها» والاهتمام بها «و فَضِيْلَتُهُ اشْتِمالُهُ عَلَى مَزِيْدِ الضَبْطِ» والحرص على أداء الحديث بالحالة التي اتّفق بها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم «وَ أَفْضَلُهُ ما دَلَّ عَلَى اتِّصالِ السَماعِ» لأنّه أعلى مراتب الرواية على ما سيجيء.
«و قَلَّما تَسْلَمُ المُسَلْسَلاتُ عَنْ ضَعْفٍ فِي الْوَصْفِ» بالتسلسل، فقد طعن في وصف كثير منها لا في أصل المتن. «و مِنْهُ» أي من الحديث المسلسل «ما يَنْقَطِعُ تَسَلْسُلُهُ فِي وَسَطِ إِسْنادِهِ؛ كَالمُسَلْسَلِ بِالأَوَّلِيَّةِ عَلَى الصَحِيْحِ» عند الناقدين، وإن كان المشهور بينهم خلافه.
«و رابِعُ عَشَرِها: المَزِيْدُ» على غيره من الأحاديث المرويّة في معناه.
«وَ الزِيادَةُ تَقَعُ فِي المَتْنِ» بأن يروي فيه كلمةً زائدة تتضمّن معنىً لا يستفاد من غيره.
«وَ» في «الإِسْنادِ» بأن يرويه بعضهم بإسناد مشتمل على ثلاثة رجال معيّنين - مثلاً - فيرويه المزيد بأربعة، يتخلّل الرابع بين الثلاثة.
«وَ الأَوَّلُ» وهو المزيد في المتن «مَقْبُوْلٌ» إذا وقعت الزيادة «مِن الثِقَةِ» لأنّ ذلك لا يزيد على إيراد حديث مستقلٍّ «حَيْثُ لا يَقَعُ» المزيد «مُنافِيَاً لِما رَواهُ غَيْرُهُ مِن الثِقاتِ؛ ولَوْ» كانت المنافاة «فِي العُمُوْمِ و الخُصُوْصِ» بأن يكون المروي بغير زيادة عامّاً، بدونها؛ فيصير بها خاصّاً، أو بالعكس، فيكون المزيد حينئذٍ كالشاذّ، وقد تقدّم حكمه. مثاله حديث: «... وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسْجِداً وترابها طَهُوراً» فهذه الزيادة تفرّد بها بعض الرواة، ورواية الأكثر لفظها: «جُعِلَتْ لنا مَسْجِداً وطَهُوراً» فما رواه الجماعة عامّ لتناوله لأصناف الأرض من الحجر، والرمل، والتراب. وما رواه المتفرّد بالزيادة مخصوص بالتراب؛ وذلك نوع من المخالفة يختلف به الحكم.
«و الثانِي» وهو المزيد في الاسناد «كَما إِذا أَسْنَدَهُ و أَرْسَلُوْهُ، أَوْ وَصَلَهُ و قَطَعُوْهُ، أَوْ رَفَعَهُ » إلى المعصوم «وَ وَقَفُوْهُ» على مَن دونه، ونحو ذلك. «و هُوَ: مَقْبُوْلٌ - كَالأَوَّلِ - » غير المنافي «لِعَدَمِ المُنافاةِ» إذ يجوز اطّلاع المسند والموصل والرافع على ما لم يطّلع عليه غيره، أو تحريره لما لم يحرّروه، وبالجملة: فهو كالزيادة غير المنافية؛ فيقبل.
«و قِيْلَ: الإِرْسالُ نَوْعُ قَدْحٍ» في الحديث، بناء على ردّ المرسل «فَيُرَجَّحُ»على ا لموصول «كَما يُقَدَّمُ الجَرْحُ عَلَى التَعْدِيْلِ» عند تعارضهما.
«و فِيْهِ» أي في هذا الدليل: « مَنْعُ المُلازَمَةِ » بين تقديم الجرح على التعديل، وتقديم الإرسال على الوصل. «مَعَ وُجُوْدِ الفارِقِ» بينهما «
فَإِنَّ الجَرْحَ» إنّما «قُدِّمَ » على التعديل «بِسَبَبِ زِيادَةِ العِلْمِ» من الجارح على المعدِّل؛ لأنّه بُني على الظاهر، واطّلع الجارح ما لم يطّلع عليه المعدّل «و هِيَ » أي زيادة العلم التي أوجبت تقديم الجارح« - هُنا - » أي في صورة تعارض الإرسال والوصل «مَعَ مَنْ وَصَلَ» لا مع من أرسل؛ لأنّ مَن وصل اطّلع على أنّ الراوي للحديث فلان عن فلان، ومن أرسل لم يطّلع على ذلك كلّه، فترك بعض السند لجهله به، وذلك يقتضي ترجيح من وصل على من أرسل، كما يقدّم الجارح على المعدّل، بقلب الدليل.
«و خامِسُ عَشَرِها: المُخْتَلِفُ» وصفه بالاختلاف نظراً إلى صنفه لا إلى شخصه؛ فإنّ الحديث نفسه ليس بمختلف، إنّما هو مخالف لغيره ممّا قد أدّى معناه، كما نبّه عليه بقوله:
«و هُوَ: أَنْ يُوْجَدَ حَدِيْثانِ مُتَضادَّانِ فِي المَعْنَى، ظاهِرَاً» قيّد به لأنّ الاختلاف قد يمكن معه الجمع بينهما، فيكون الاختلاف ظاهراً خاصّةً، وقد لا يمكن؛ فيكون ظاهراً وباطناً، وعلى التقديرين: فالاختلاف ظاهراً متحقّق. «وَ حُكْمُهُ» أ ي حكم الحديث المختلف «الجَمْعُ بَيْنَهُما؛ حَيْثُ يُمْكِنُ» الجمع «و لَوْ بِوَجْهٍ بَعِيْدٍ» يوجب تخصيص العامّ بينهما، أو تقييد مطلقه، وحمله على خلاف ظاهره. «كَحَدِيْثِ: «لا عَدْوَى...» و حَدِيْثِ: «لا يُوْرِدُ» بكسر الراء «مُمْرِضٌ» بإسكان الميم الثانية وكسر الراء «عَلَى مُصِحٍّ »» بكسر الصاد؛ ومفعول «يورد» محذوف، أي لا يورد إبله المِراضَ. فالممرض صاحب الإبل المريضة، من أمرض الرجل إذا وقع في ماله المرض. والمصحّ صاحب الإبل الصحيحة. فظاهر الخبرين الاختلاف من حيث دلالة الأوّل على نفي العدوى، والثاني على إثباتها. ووجه الجمع «بِحَمْلِ الأَوَّلِ عَلَى» أنّ العدوى المنفيّة: عدوى «الطَبْعِ» بمعنى كون المرض يعدي بطبعه، لا بفعل اللَّه تعالى، وهو «الذِيْ يَعْتَقِدُهُ الجاهِلُ» ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فمن أعدى الأوّل». «والثانِي عَلَى» الإعلام بأنّ اللَّه تعالى جعل ذلك سبباً لذلك، وحذّر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده مع «أَنَّ المُؤَثِّرَ هُوَ اللَّهُ تَعالى».
ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فِرَّ من المجذوم فِرارك من الأسد» ونهيه عن دخول بلد يكون فيه الوباء، ونحو ذلك.
«وَ إِلّا» يمكن الجمع بينهما: فإن علمنا أنّ أحدهما ناسخ؛ قدّمناه؛ وإلّا «رُجِّحَ أَحَدُهُما؛ لِمُرَجِّحِهِ(21) المُقَرَّرِ فِي علم الأُصُوْلِ» من صفة في الراوي، والرواية، والكثرة، وغيرها.
«و هُوَ أَهَمُّ فُنُوْنِ عِلْمِ الحَدِيْثِ» لأنّه يضطرّ إليه جميع طوائف العلماء، خصوصاً الفقهاء «و لا يَمْلِكُ القِيامَ بِهِ إِلّا المُحَقِّقُوْنَ مِنْ أَهْلِ البَصائِرِ» الغوّاصون على المعاني والبيان «المُتَضَلِّعُوْنَ » أي المكثرون بقوّة «مِن الفِقْهِ والأُصُوْلِ» الفقهيّة.
«وَ قَدْ صَنَّفَ فِيْهِ الناسُ» كثيراً، وأوّلهم الشافعي، ثمّ ابن قتيبة، ومن أصحابنا: الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار» «وَ جَمَعُوْا» بين الأحاديث «عَلَى حَسَبِ ما فَهِمُوْهُ مِنْهُ (22) و قَلَّما يَتَّفِقُ» فَهْمانِ على جمع واحد.
ومن أراد الوقوف على جليّة الحال فليُطالع المسائل الفقهيّة الخلافيّة التي ورد فيها أخبار مختلفة ليطّلع على ما ذكرناه.
«و سادِسُ عَشَرِها: الناسِخُ و المَنْسُوْخُ»: فإنّ من الأحاديث ما ينسخ بعضها بعضاً؛ كالقرآن.
«و الأَوَّلُ» وهو الناسخ: «ما» أي حديث «دَلَّ عَلَى رَفْعِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ سابِقٍ»
والحديث المدلول عليه ب«ما» بمنزلة الجنس يشمل الناسخ وغيره، ومع ذلك خرج به ناسخ القرآن.
و «الحكم المرفوع» شامل للوجودي والعدميّ. وخرج ب«الشرعيّ» الذي هو صفة الحكم: الشرع المبتدأ بالحديث فإنّه يرفع به الإباحة الأصليّة لكن لا يسمّى شرعيّاً. وخرج ب«السابق» الاستثناء، والصفة، والشرط، والغاية، في الحديث؛ فإنّها قد ترفع حكماً شرعيّاً لكن ليس سابقاً.
«و الثاني» وهو المنسوخ: «ما رُفِعَ حُكْمُهُ الشَرْعِيُّ بِدَلِيْلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ» وقيوده تعلم بالمقايسة على الأوّل.
وهذا فنّ صعب مهمّ، حتّى أدخل بعض أهل الحديث فيه ما ليس منه لخفاء معناه.
«و طَرِيْقُ مَعْرِفَتِهِ: النَصُّ» من النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل: «كُنْتُ نَهَيْتُكُم عن زِيارَةِ القُبُوْر، فَزُورُوها».
«أَوْ نَقْلُ الصَحابِيّ» مثل: «كان آخر الأمرين من رسول اللَّه أنّه ترك الوضوء ممّا مسّته النار».
«أَو التارِيْخُ» فإنّ المتأخّر منهما يكون ناسخاً للمتقدّم، لما رُوي عن الصحابة: كُنّا نعمل بالأحدث فالأحدث.
«أَو الإِجْماعُ» كحديث قتل شارب الخمر في المرّة الرابعة، نسخه الإجماع، حيث لا يتخلّل الحدّ. والإجماع لا ينسخ بنفسه، وإنّما يدلّ على النسخ.
«وَ سابِعُ عَشَرِها: الغَرِيْبُ لَفْظَاً» احترز به عن «الغريب» المطلق: متناً أو إسناداً وقد تقدّم.
«و هُوَ: ما اشْتَمَلَ مَتْنُهُ عَلَى لَفْظٍ غامِضٍ بَعِيْدٍ عَنْ الفَهْمِ، لِقِلَّةِ اسْتِعْمالِهِ» في الشائع من اللغة.
«وَ هُوَ فَنٌّ مُهِمٌّ» من علوم الحديث «يَجِبُ أَنْ يُتَثَبَّتَ فِيْهِ أَشَدَّ تَثَبُّتٍ» لانتشار اللغة وكثرة معاني الألفاظ الغريبة، فربّما ظهر معنىً مناسب للمراد، والمقصود غيره ممّا لم يصل إليه.
«وَ قَدْ صَنَّفَ فِيْهِ جَماعَةٌ مِن العُلَماءِ» قيل: أوّل من صنّف فيه النضر بن سهل، وقيل: أبو عبيدة معمر بن المثنّى، وبعدهما أبو عبيد القاسم بن سلام، ثمّ ابن قتيبة ثمّ الخطّابيّ فهذه اُمّهاته، ثمّ تبعهم غيرهم بفوائد وزوائد، كابن الأثير؛ فإنّه بلغ بنهايته النهاية، ثمّ الزمخشري؛ ففاق في الفائق كلّ غاية، والهروي؛ فزاد في غريبه غريب القرآن مع الحديث، وغير من ذكر من العلماء «شَكَرَ اللَّهُ تَعالى سَعْيَهُمْ».
«وَ ثامِنُ عَشَرِها: المَقْبُوْلُ، و هُوَ: ما» أي الحديث «تَلَقَّوْهُ بِالقَبُوْلِ، و العَمَلِ بِالمَضْمُوْنِ» اللام عوض عن المضاف إليه؛ أي مضمونه «مِن غَيْرِ الْتِفاتٍ إِلى صِحَّتِهِ و عَدَمِها» وبهذا الاعتبار اُدخل هذا النوع في القسم المشترك بين الصحيح وغيره. ويمكن جعله من أنواع الضعيف؛ لأنّ الصحيح مقبول مطلقاً إلّا لعارض، بخلاف الضعيف؛ فإنّ منه المقبول وغيره. وممّا يرجّح دخوله في القسم الأوّل: أنّه يشمل الحسن والموثّق، عند من لا يعمل بهما مطلقاً؛ فقد يعمل بالمقبول منهما - حيث يعمل بالمقبول من الضعيف - بطريق أولى، فيكون حينئذٍ من القسم العام، وإن لم يشمل الصحيح؛ إذ ليس ثمّ قسم ثالث. والمقبول «كَحَدِيْثِ عُمَرِ بْنِ حَنْظَلَةٍ، فِي» حال «المُتَخاصِمَيْنِ(23)» من أصحابنا وأمرهم بالرجوع إلى رجل منهم قد روى حديثهم، وعرف أحكامهم «الخبر». وإنّما وَسَمُوه بالمقبول؛ لأنّ في طريقة محمّد بن عيسى، وداود بن الحصين، وهما ضعيفان، وعمر بن حنظلة لم ينصّ الأصحاب فيه بجرح ولا تعديل، لكنّ أمره عندي سهل، لأنّي حقّقت توثيقه من محلٍّ آخر، وإن كانوا قد أهملوه. ومع ما ترى في هذا الإسناد قد قَبِلَ الأصحاب متنه، وعملوا بمضمونه، بل جعلوه عمدة التفقّه، واستنبطوا منه شرائطه كلّها، وسمّه مقبولاً. ومثله في تضاعيف أحاديث الفقه كثير.
«القِسْمُ الثانِي:
ما يَخْتَصُّ» من الأوصاف «بِ» الحديث «الضَعِيْفِ
و هُوَ أُمُوْرٌ:
الأَوَّلُ: المَوْقُوْفُ، وهُوَ» قسمان: «مُطْلَقُ» ومقيّد؛ فإن اُخذ مطلقاً، فهو: «ما رُوِيَ عَنْ مُصاحِبِ المَعْصُوْمِ» من نبي أو إمام «مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ» أو غيرهما «مُتَّصِلاً كانَ » مع ذلك سنده «أَمْ مُنْقَطِعَاً.
و قَدْ يُطْلَقُ فِي غَيْرِ المُصاحِبِ» للمعصوم «مُقَيَّدَاً» وهو هو القسم الثاني منه «مِثْل : « وقَفَهُ فُلانٌ عَلَى فُلانٍ »» إذا كان الموقوف عليه غير مصاحب.
«و قَدْ يُطْلَقُ عَلَى المَوْقُوْفِ «الأَثَرُ» إِنْ كانَ المَوْقُوْفُ عَلَيْهِ صَحابِيّاً لِلنَبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم .
وَ» يطلق «و عَلَى المَرْفُوْعِ «الخَبَرُ»» والمفصِّل لذلك بعض الفقهاء، وأمّا أهل الحديث فيطلقون «الأثر» عليهما، ويجعلون الأثر أعمّ منه مطلقاً، وقد تقدّم. «و مِنْهُ» أي من الموقوف «تَفْسِيْرُ الصَحابِيّ» لآيات القرآن، عملاً بالأصل، ولجواز التفسير - للعالم بطريقه - من نفسه، فلا يكون ذلك قادحاً. وقيل: هو مرفوع، عملاً بالظاهر؛ من كونه شَهِدَ الوحي والتنزيل. الهامش (1) لاحظ منتقى الجمان، للشيخ حسن ابن المؤلّف (ج1 ص19) طبعة جامعة المدرسين - قم.
وفيه: أنّه أعمّ، فلا يدلّ على الخاصّ. وفصّل ثالث، إذ قيّد قول الرافع مطلقاً بتفسير يتعلّق بسبب نزول آيةٍ يخبر به الصحابي، أو نحو ذلك، فيكون مرفوعاً، وإلّا فلا. كقول جابر: «كانت اليهود تقول: مَن أتى امرأةً من دبرها في قبلها جاء الولد أحول»، فأنزل اللَّه تعالى: «نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم» فيكون مثل هذا مرفوعاً. وما لا يشتمل على إضافة شيء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فمعدود في الموقوفات.
«وَقَوْلُهُ» أي قول الصحابيّ «: «كُنَّا نَفْعَلُ كَذا»» أو نقول كذا، ونحوه «إِنْ أَطْلَقَهُ» فلم يقيّده بزمان «أَوْ» قيّده، ولكن «لَمْ يُضِفْهُ إَلى زَمَنِهِصلى الله عليه وآله وسلم» فموقوف لأنّ ذلك لا يستلزم اطّلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أمره به، بل هو أعمّ، فلا يكون مرفوعاً، على الأصح. وفيه قول نادر أنّه مرفوع. وإلّا يكن كذلك، بل أضافه إلى زمنهصلى الله عليه وآله وسلم : فإن بيّن اطّلاعه، ولم ينكره، فهو مرفوع إجماعاً.
«وَ إِلّا؛ فَوَجْهانِ» للمحدّثين والاُصوليين: «( مِنْ حَيْثُ أَنَّ الظاهِرَ كَوْنُهُ قَدْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، و قَرَّرَهُ )(24)» فيكون مرفوعاً، بل ظاهره كون جميع الصحابة كانوا يفعلونه، لأنّ الصحابيّ إنّما ذكر هذا اللفظ في معرض الاحتجاج، وإنّما يصحّ الاحتجاج إذا كان فعل جميعهم، لأنّ فعل البعض لا يكون حجّةً، وهذا هو أصحّ القولين للاُصوليّين وغيرهم. قيل عليه: لو كان فعل جميع الصحابة لما ساغ الخلاف بالاجتهاد، لامتناع مخالفة الإجماع، لكنّه ساغ، فلا يكون فعل جميع الصحابة. واُجيب: بأنّ طريق ثبوت الإجماع ظنّي، لأنّه منقول بطريق الآحاد، فيجوز مخالفته.
وهذا مبنيّ على جواز الإجماع في زمنه صلى الله عليه وآله وفيه خلاف، وإن كان الحقّ جوازه.
«و كَيْفَ كانَ» الموقوف «فَلَيْسَ حُجَّةً - وإِنْ صَحَّ سَنَدُهُ - عَلَى الأَصَحِّ» لأنّ مرجعه إلى قول من وقف عليه، وقوله ليس بحجّة. وقيل: هو حجّة مطلقاً، وضعفه ظاهر.
«الثانِي: المَقْطُوْعُ، و هُوَ: ما جاءَ عَن التابِعِيْنَ، و مَنْ فِي حُكْمِهِمْ» وهو تابع مصاحب الإمام أيضاً، فإنّه في معنى التابعيّ لمصاحب النبيصلى الله عليه وآله وسلم عندنا «مِن أَقْوالِهِمْ» أي أقوال التابعين «وَ أَفْعالِهِمْ؛ مَوْقُوْفَاً عَلَيْهِمْ، و يُقالُ لَهُ: المُنْقَطِعُ - أَيْضَاً - ».
وهو مغاير للموقوف بالمعنى الأوّل، لأنّ ذلك يوقف على مصاحب المعصوم، وهذا على التابعيّ. وأخصّ من معنى الموقوف المقيّد، لأنّه - حينئذٍ - يشمل غير التابعي؛ والمقطوع يختصّ به.
«و قَدْ يُطْلَقُ» المقطوع «عَلَى المَوْقُوْفِ بِالمَعْنَى السابِقِ الأَعَمِّ» فيكون مرادفاً له، وكثيراً ما يُطلقه الفقهاء على ذلك.
«وَ كَيْفَ كانَ» معناه «فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ» إذ لا حجّة في قول مَن وُقِفَ عليه من حيث هو قوله، كما لا يخفى.
«الثالِثُ : المُرْسَلُ، و هُوَ: ما رَواهُ عَن المَعْصُوْمِ مَن لَمْ يُدْرِكْهُ». والمراد بالإدراك هنا التلاقي في ذلك الحديث المحدّث عنه، بأن رواه عنه بواسطة، وإن أدركه بمعنى اجتماعه به ونحوه. وبهذا المعنى يتحقّق إرسال الصحابي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يروي الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة صحابيّ آخر.
سواء كان الراوي تابعيّاً أم غيره، صغيراً أم كبيراً، وسواء كان الساقط واحداً، أم أكثر، وسواء رواه «بِغَيْرِ واسِطَةٍ» بأن قال التابعي: قال رسول اللَّه، مثلاً «أَوْ بِواسِطَةٍ نَسِيَها» بأن صرّح بذلك «أَوْ تَرَكَها» مع علمه بها «أَوْ أَبْهَمَها» كقوله: «عن رجل» أو «عن بعض أصحابنا» ونحو ذلك. وهذا هو المعنى العامّ للمرسل المتعارف عند أصحابنا.
«و قَدْ يُخَصُّ المُرْسَلُ بِإِسْنادِ التابِعِيِّ إِلى النَبِيِصلى الله عليه وآله مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الواسِطَةِ» كقول سعيد بن المسيّب: «قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم كذا»، وهذا هو المعنى الأشهر له عند الجمهور. وقيّده بعضهم بما إذا كان التابعيّ المرسل كبيراً، كابن المسيّب؛ وإلّا فهو منقطع. واختار جماعة منهم معناه العامّ الذي ذكرناه.
«و يُطْلَقُ عَلَيْهِ» أي على المرسل: « المُنْقَطِعُ، و المَقْطُوْعُ» أيضاً « بِإِسْقاطِ واحِدٍ» من إسناده «والمُعْضَلُ» بفتح الضاد المعجمة «بِإِسْقاطِ أَكْثَرَ» من واحد، قيل: إنّه مأخوذ من قوله «أمر معضَل» أي مستغلق شديد. ومثاله: ما يرويه تابعي التابعي أو من دونه قائلاً: «قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم». «وَ» المرسل «لَيْسَ بِحُجَّةٍ، مُطْلَقَاً»: سواء أرسله الصحابي أم غيره. وسواء أُسقط منه واحد أم أكثر. وسواء كان المرسل جليلاً أم لا «فِي الأَصَحِّ» من الأقوال للاُصوليّين والمحدّثين.
وذلك: للجهل بحال المحذوف؛ فيحتمل كونه ضعيفاً، ويزداد الاحتمال بزيادة الساقط، فيقوى احتمال الضعف، ومجرّد روايته عنه ليس تعديلاً بل أعمّ. «إِلّا أَنْ يُعْلَمَ تَحَرُّزُ مُرْسِلِهِ عَن الرِوايَةِ عَنْ غَيْرِ الثِقَةِ» كابن أبي عمير من أصحابنا، على ما ذكره كثير منهم، وسعيد بن المسيّب عند الشافعي، فيُقبلُ مرسله ويصير في قوّة المسند.
«و فِي تَحَقُّقِ هذَا المَعْنى» وهو: العلم بكون المرسل لا يروي إلّا عن الثقة «نَظَرٌ»: لأنّ مستند العلم إن كان هو الاستقراء لمراسيله بحيث يجدون المحذوف ثقةً، فهذا في معنى الإسناد، ولا بحث لنا فيه. وإن كان لحسن الظنّ به في أنّه لا يرسل إلّا عن ثقة، فهو غير كافٍ شرعاً في الاعتماد عليه، ومع ذلك غير مختصّ بما يخصّونه به. وإن كان استناده إلى إخباره بأنّه لا يرسل إلّا عن الثقة، فمرجعه إلى شهادته بعدالة الراوي المجهول، وسيأتي ما فيه. وعلى تقدير قبوله فالاعتماد على التعديل. وظاهر كلام الأصحاب - في قبول مراسيل ابن أبي عمير - هو المعنى الأوّل، ودون إثباته خَرْط القتاد؛ وقد نازعهم صاحب البشرى في ذلك، ومنع تلك الدعوى. وأمّا الشافعيّة فاعتذروا عن مراسيل ابن المسيّب، بأنّهم وجدوها مسانيد من وجوه اُخرى، وأجابوا عمّا أُورد عليهم - من أنّ الاعتماد حينئذ يقع على المسند دون المرسل فيقع لغواً - بأنّه بالمسند تبيّن صحّة الإسناد الذي فيه الإرسال حتّى يُحكم له مع إرساله بأنّه إسناد صحيح تقوم به الحجّة!. وتظهر الفائدة في صيرورتهما دليلين يترجّح بهما عند معارضة دليل واحد.
ونبّه بقوله: «فِي الأَصَحِّ» على خلاف جماعة من الجمهور، حيث قبلوا المرسل مطلقاً، إذا كان مرسله ثقةً؛ ونقله الرازي في المحصول عن الأكثرين محتجّين: بأنّ الفرغ لا يجوز له أن يخبر عن المعصوم عليه السلام إلّا مع صحّة الإخبار عنه وإنّما يكون كذلك إذا ظنّ العدالة. وبأنّ علّة التثبّت هو الفسق، وهي منتفية، فيجب القبول. وبأنّ المسند جاز أن يكون مرسلاً، فإنّه يحتمل أن يكون بين فلان وفلان رواة لم يذكروا، فلا يقبل إلّا أن يستفصل. واُجيب: بأنّه ليس حمل إخباره عنه صلى الله عليه وآله وسلم على أنّه قال، أولى من حمله على أنّه سمع أنّه قال، وإذا احتمل الأمران لم يظهر حمله على أحدهما. وانتفاء علّة التثبّت موقوف على ثبوت العدالة. وقول الراوي: «عن فلان» يقتضي بظاهره الرواية عنه بغير واسطة، وقد نوزع في ذلك وادّعي أنّ مثله غير متّصل، لكنّ الظاهر خلافه.
«وَ » طريق ما «يُعْلَمُ » به «الإِرْسالُ » في الحديث أمران: جليّ، وخفيّ:
فالأوّل «بِعَدَمِ التَلاقِي» من الراوي والمرويّ عنه، إمّا لكونه لم يدرك عصره، أو أدركه، لكن لم يجتمعا، وليست له منه إجازة ولا وجادة، «وَ مِنْ ثَمَّ احْتِيْجَ إِلى التارِيْخِ» لتضمنّه تحرير مواليد الرواة، ووفاتهم، وأوقات طلبهم، وارتحالهم، وقد افتضح قومٌ ادّعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم!.
«وَ» الثاني: أن يعبّر في الرواية عن المرويّ عنه «بِصَيْغَةٍ تَحْتَمِلُ اللُقِيَّ و عَدَمَهُ - مَعَ عَدَمِهِ -» أي عدم اللقاء «كَ«عَنْ»» فلان «و «قالَ»» فلان كذا، فإنّهما - وإن استُعملا في حالة يكون قد حدّثه - يحتملان كونه حدّث غيره، فإذا ظهر بالتنقيب كونه غير راوٍ عنه، تبيّن الإرسال.
«و هُوَ ضَرْبٌ مِن التَدْلِيْسِ» وسيأتي.
«الرابِعُ: المُعَلَّلُ» ومعرفته من أجلّ علوم الحديث وأدقّها «وَ هُوَ: ما فِيْهِ» من «أَسْبابٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ قادِحَةٌ» في نفس الأمر «وَ ظاهِرُهُ السَلامَةُ» منها بل الصحّة.
«وَ إِنَّما يَتَمَكَّنُ مِن » معرفة «ذلِكَ أَهْلُ الخِبْرَةِ» بطريق الحديث، ومتونه، ومراتب الرواة «الضابِطَةِ» لذلك «وَ» أهل «الفَهْمِ الثاقِبِ» في ذلك. «وَ يُسْتَعانُ عَلَى إِدْراكِها:» أي العلل المذكورة:
«بِتَفَرُّدِ الراوِي» بذلك الطريق، أو المتن الذي تظهر عليه قرائن العلّة. «وَ بِمُخالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ» في ذلك «مَعَ» انضمام «قَرائِنَ تُنَبِّهُ العارِفَ عَلَى» تلك العلّة من «إِرْسالٍ فِي المَوْصُولِ، أَوْوَقْفٍ فِي المَرْفُوعِ، أَوْ دُخُوْلِ حَدِيْثٍ فِي حَدِيْثٍ، أَوْ وَهْمِ واهِمٍ، أَوْ غَيْرِ ذلِكَ» من الأسباب المعلّة للحديث «بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَنِّ ذلِكَ» ولا يبلغ اليقين، وإلّا لحقه حكم ما تيقّن «فَيَحْكُمُ بِهِ» من إرسال وغيره.
«أَوْ يَتَرَدَّدُ» في ثبوت تلك العلّة من غير ترجيح يوجب الظنّ «فَيَتَوَقَّفُ».
وهذه العلّة عند الجمهور مانعة من صحّة الحديث على تقدير كون ظاهرها الصحّة لولا ذلك. ومن ثمّ شرطوا في تعريف الصحيح: سلامته من العلّة. وأمّا أصحابنا فلم يشترطوا السلامة منها، وحينئذ: فقد ينقسم الصحيح إلى معلّل وغيره، وإن ردّ المعلّل كما يردّ الصحيح الشاذّ. وبعضهم وافقنا على هذا أيضاً؛ والاختلاف في مجرّد الاصطلاح. واعلم أنّ هذه العلّة توجد في كتاب «التهذيب» متناً وإسناداً بكثرة، والتعرّض إلى مثلها يُخرج إلى التطويل المنافي لغرض الرسالة.
«الخامِسُ: المُدَلَّسُ» بفتح اللام، واشتقاقه من الدَلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، سمّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء، حيث أنّ الراوي لم يصرّح بمن حدّثه، وأوهم للحديث ممّن لم يحدّثه، كما يظهر من قوله
«و هُوَ: ما أُخِْفيَ عَيْبُهُ:
* إِما فِي الإِسْنادِ، و هُوَ: أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ، أَوْ عاصَرَهُ، ما لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، عَلَى وَجْهٍ يُوْهِمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ.
و مِنْ حَقِّهِ» أي حقّ المدلّس، وشأنه بحيث يصير مدلّساً لا كذباً «أَنْ لا يَقُوْلَ: «حَدَّثَنا» و لا «أَخْبَرَنا» و ما أَشْبَهَهُما» لأنّه كذب «بَلْ يَقُوْلُ: «قالَ فُلانٌ» أَوْ «عَنْ فُلانٍ» و نَحْوِهِ» كحدّث فلان أو أخبر؛ حتزى يوهم أنّه أخبره، والعبارة أعمّ من ذلك، فلا يكون كاذباً.
«* و رُبَّما لَمْ يُسْقِطْ المُدَلِّسُ شَيْخَهُ» الذي أخبره، ولا يوقع التدليس في ابتداء السند «لكِنْ يُسْقِطُ مِنْ بَعْدِهِ رَجُلاً ضَعِيْفاً، أَوْ صَغِيْرَ السِنِّ؛ لِيُحسِّنُ الحَدِيْثَ بِذلِكَ».
وهذان النوعان تدليس في الإسناد.
«* و إِمَّا» التدليس «فِي الشُيُوْخِ» لا في نفس الإسناد فذلك «بِأَنْ يَرْوِيَ» حديثاً «عَنْ شَيْخٍ حَدِيثَاً سَمِعَهُ» منه ولكن لا يحبّ معرفة ذلك الشيخ لغرض من الأغراض «فَيُسَمِّيْهِ، أَوْ يُكَنِّيْهِ» باسم أو كنية، غير معروف بهما «أَوْ يَنْسِبُهُ» إلى بلد، أو قبيلة، غير معروف بهما «أَوْ يَصِفُهُ؛ بِما لا يُعْرَفُ بِهِ؛ كَيْ لا يُعْرَفَ.
و أَمْرُهُ» أي أمر القسم الثاني من التدليس «أَخَفُّ» ضرراً من الأوّل؛ لأنّ ذلك الشيخ مع الإغراب به، إمّا أن يعرف؛ فيترتّب عليه ما يلزمه، من ثقةٍ أو ضعفٍ، أو لا يعرف؛ فيصير الحديث مجهول السند؛ فيردّ.
«لكِنْ فِيْهِ تَضْيِيْعٌ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، و تَوْعِيْرٌ لِطَرِيْقِ مَعْرِفَةِ حالِهِ» فلا ينبغي للمحدّث فعل ذلك. ونقل أنّ الحامل لبعضهم على ذلك كان منافرةً بينهما اقتضته، ولم يسع له ترك حديثه صوناً للدين؛ وهو عذرٌ غير واضح.
«وَ القِسْمُ الأَوَّلُ» من التدليس «مَذْمُوْمٌ جِدَّاً» لما فيه من إيهام اتّصال السند مع كونه مقطوعاً؛ فيترتّب عليه أحكام غير صحيحة، حتّى قال بعضهم: «التدليس أخو الكذب».
«و فِي جَرْحِ فاعِلِهِ بِذلِكَ قَوْلانِ:» بمعنى أنّه إذا عرف بالتدليس؛ ثمّ روى حديثاً غير ما دلّس به، ففي قبوله خلاف: فقيل: لا يقبل مطلقاً، لما ذكرناه من الضرر المترتّب على التدليس الذي وقع منه، حيث أوجب وصل المقطوع، واتّصال المرسل، ويترتّب عليه أحكام شرعيّة كانت منتفيّةً لولاه، وذلك جرح واضح. وقيل: لا يجرح بذلك، بل ما علم فيه التدليس يردّ، وما لا فلا؛ لأنّ المفروض كونه ثقةً بدونه، والتدليس ليس كذباً بل تمويه.
«وَ الأَجْوَدُ» التفصيل، وهو: «القَبُوْلُ» لحديثه «إِنْ صَرَّحَ بِما يَقْتَضِي الاتِّصالَ؛ كَ«حَدَّثَنا» وَ «أَخْبَرَنا» دُوْنَ المُحْتَمَلِ» للأمرين: كعن، وقال «بَلْ؛ حُكْمُهُ حُكْمُ المُرْسَلِ».
ومرجع هذا التفصيل إلى أنّ التدليس غير قادح في العدالة، ولكن تحصل الريبة في إسناده لأجل الوصف فلا يحكم باتّصال سنده إلّا مع إتيانه بلفظ لا يحتمل التدليس، بخلاف غيره فإنّه يحكم على سنده بالاتّصال عملاً بالظاهر حيث لا معارض له. واعلم أنّ عدم اللقاء - الموجب للتدليس - يعلم بإخباره عن نفسه بذلك، وبجزم عالم مطّلع عليه. ويمكن أن يصحّ في بعض الطرق زيادة راوٍ بينهما، لاحتمال أن يكون من المزيد؛ ولا يحكم في هذه الصورة بحكم كلّي، لتعارض الاتّصال والانقطاع.
«السادِسُ: المُضْطَرِبُ» من الحديث. «وَ هُوَ: ما اخْتَلَفَ راوِيهِ» المراد به الجنس؛ فيشمل الراوي الواحد والأزيد «فِيْهِ» أي في الحديث: متناً، أو إسناداً، فيروي مرّةً على وجه، واُخرى على وجهٍ آخر مخالف له.
«وَ إِنَّما يَتَحَقَّقُ الَوْصْفُ بِالاضْطِرابِ مَعَ تَساوِي الرِوايَتَيْنِ» المختلفتين في الصحّة وغيرها بحيث لم تترجّح إحداهما على الاُخرى ببعض المرجّحات «أَمَّا لَوْ رُجِّحَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرَى بِوَجْهٍ مِن وُجُوْهِهِ؛ كَأَنْ يَكُوْنَ راوِيْها أَحْفَظَ» أو أضبط «أَوْ أَكْثَرَ صُحْبَةً لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ» ونحو ذلك، من وجوه الترجيح «فَالحُكْمُ لِلراجِحِ» من الأمرين أو الاُمور «فَلا يَكُوْنُ مُضْطَرِبَاً».
«* وَ يَقَعُ» الاضطراب «فِي السَنَدِ» بأن يرويه الراوي تارةً: عن أبيه عن جدّه مثلاً، وتارةً: عن جدّه بلا واسطة، وثالثة: عن ثالث غيرهما. كما اتّفق ذلك في رواية أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخطّ للمُصلّي سُترةً، حيث لا يجد العصا(25).
«وَ» يقع الاضطراب في «المَتْنِ» دون السند، كخبر اعتبار الدم - عند اشتباهه بالقرحة - بخروجه من الجانب الأيمن، فيكون حيضاً أو بالعكس. فرواه في الكافي بالأوّل، وكذا في التهذيب في كثير من النسخ. وفي بعضها بالثاني(26).
واختلفت الفتوى بسبب ذلك، حتّى من الفقيه الواحد. مع أنّ الاضطراب يمنع من العمل بمضمون الحديث مطلقاً، وربّما قيل بترجيح الثاني، ودُفِعَ الاضطراب من حيث عمل الشيخ في النهاية بمضمونه، فيرجّح على الرواية الاُخرى بذلك، وبأنّ الشيخ أضبط من الكليني وأعرف بوجوه الحديث.
ص54 وفيهما - معاً - نظرٌ بيّن، يعرفه من يقف على أحوال الشيخ وطرق فتواه. وأمّا تسمية صاحب البشرى مثل ذلك «تدليساً» فهو سهو، أو اصطلاح غير ما يعرفه المحدّثون. ويكون الاضطراب «مِن راوٍ واحِدٍ» كهذه الرواية، فإنّها مرفوعة إلى أبان في الجهتين. «وَ» من «رُواةٍ» أزيد من الواحد، فيرويه كلّ واحدٍ بوجهٍ يخالف ما رواه الآخر.
«السابِعُ: المَقْلُوْبُ، و هُوَ: حَدِيْثٌ وَرَدَ بطَرِيْقٍ فَيُرْوَى بِغَيْرِهِ» إمّا بمجموع الطريق، أو ببعض رجاله، بأن يقلب بعض رجاله خاصّةً، بحيث يكون «أَجْوَدَ» منه «لِيُرْغَبَ فِيْهِ».
وقد يقع سهواً، كحديث يرويه محمّد بن أحمد بن عيس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وكثيراً ما يتّفق ذلك في إسناد التهذيب، ومثله محمّد بن أحمد بن يحيى عن أبيه أحمد بن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن يحيى، فيقلب الاسم.
«وَ نَحْوُهُ» من الأغراض الموجبة للقلب.
«وَ قَدْ يَقَعُ ذلِكَ» القلب «مِن العُلَماءِ» بعضهم لبعض «لِلامْتِحانِ(27)» أي امتحان حفظهم وضبطهم، كما اتّفق ذلك لبعض العلماء ببغداد(28).
وقد يقع القلب في المتن كحديث السبعة الذين يُظِلُّهم اللَّه في عرشه؛ ففيه: «ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتّى لا تعلم يمينه ما تُنفق شماله» فهذا ممّا انقلب على بعض الرواة وإنّما هو: «حتّى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه» كما ورد في الاُصول المعتبرة.
«الثامِنُ: المَوْضُوْعُ، و هُوَ:»المكذوب« المُخْتَلَقُ، المَصْنُوْعُ» بمعنى أنّ واضعه اختلَقه وصنعه، لا مطلق حديث الكَذُوب، فإنّ الكذوب قد يصدق.
«و هُوَ: شَرُّ أَقْسامِ الضَعِيْفِ.
و لا تَحِلُّ رِوايَتُهُ» للعالم «إِلّا مُبَيِّنَاً لِحالِهِ» من كونه موضوعاً؛ بخلاف غيره من الضعيف المحتمِل للصدق، حيث جوّزوا روايته في الترغيب والترهيب كما يأتي.
«ويُعْرَفُ» الموضوع «بِإِقْرارِ واضِعِهِ» فيحكَم عليه - حينئذ - بما يُحكَم على الموضوع في نفس الأمر، لا بمعنى القطع بكونه موضوعاً؛ لجواز كذبه في إقراره، وإنّما يقطع بحكمه، فإنّ الحكم يتبع الظنّ الغالب وهو هنا كذلك، ولولاه لما ساغ قتل المقرِّ بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنا؛ لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به. «وَ» قد يُعرف «بِرَكاكَةِ أَلْفاظِهِ» ونحوها.
ولأهل العلم بالحديث ملكة قويّة يميّزون بها ذلك، وإنّما يقوم به منهم من يكون اطّلاعه تامّاً، وذهنه ثاقباً، وفهمه قويّاً، ومعرفته بالقرائن الدالّة على ذلك ممكنةً.
«وَ بِالوُقُوْفِ عَلَى غَلَطِهِ» ووضعه من غير تعمّد، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» فقيل: كان شيخ يحدّث في جماعة فدخل رجل حسن الوجه؛ فقال الشيخ في أثناء حديثه: «من كثرت صلاته بالليل ...» إلى آخر الكلام، فوقع لثابت بن موسى أنّه من الحديث فرواه.
«وَ الوَاضِعُوْنَ أَصْنافٌ»: منهم: من قصد التقرّب به إلى الملوك وأبناء الدنيا، مثل «غياث بن إبراهيم» دخل على المهدي بن المنصور، وكان يُعجَبُ بالحمام الطيارة الواردة من الأماكن البعيدة، فروى حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا سبق إلّا في خُفّ، أو حافر، أو نَصْل، أو جناح». فأمر له بعشرة آلاف درهم. فلمّا خرج قال المهدي: «أشهد أنّ قفاهُ قفا كذّاب على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم، ما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: «جناح» ولكنّ هذا أراد أن يتقرّب إلينا» وأمر بذبحها وقال: «أنا حملته على ذلك».
ومنهم: قوم من السؤال يضعون على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الأحاديث ويرتزقون بها، كما اتّفق لأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مسجد الرصافة(29).
وَ «أَعْظَمُهُمْ ضَرَرَاً مَن انْتَسَبَ إِلَى الزُهْدِ» والصلاح بغير علم « فاحْتَسَبَ بِوَضْعِهِ» أي زعم أنّه وضعه حسبةً للَّه وتقرّباً إليه ليجذب بها قلوب الناس إلى اللَّه تعالى بالترغيب والترهيب، فقبل الناس موضوعاتهم، ثقةً منهم بهم، وركوناً إليهم، لظهور حالهم بالصلاح والزهد. ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في المواعظ والزهد وضمّنوها أخباراً عنهم، ونسبوا إليهم أفعالاً وأحوالاً، خارقةً للعادة وكرامات لم يتّفق مثلها لاُولي العزم؛ بحيث يقطع العقل بكونها موضوعةً، وإن كانت كرامات الأولياء ممكنةً في نفسها. ومن ذلك ما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي أنّه قيل له: من أين لك: عن عكرمة، عن ابن عبّاس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟. فقال: إنّي رأيتُ الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمّد بن إسحاق؛ فوضعتُ هذا الحديث حِسْبةً.
ص57 وكان يقال لأبي عصمة - هذا -: «الجامع» فقال أبو حاتم بن حِيّان: جمع كلّ شيء إلّا الصدق. وروى ابن حِبّان عن ابن مهدي قال: قلت لميسرة بن عبد ربّه: من أين جئت بهذه الأحاديث: «من قرأ كذا فله كذا»؟ فقال: «وضعتُها لاُرغّبَ الناسَ فيها» وهكذا قيل في حديث أُبي الطويل في فضائل سور القرآن، سورة سورة، فروي عن المؤمّل بن إسماعيل قال: حدّثني شيخٌ به، فقلت للشيخ: مَنْ حدّثك؟ قال: حدّثني رجلٌ بالمدائن، وهو حيٌّ. فصرتُ إليه فقلتُ: مَنْ حدّثك؟ فقال: حدّثني شيخٌ بواسطٍ، وهو حيٌّ. فصرتُ إليه فقال: حدّثني شيخٌ بالبصرة. فصرتُ إليه فقال: حدّثني شبخٌ بعبّادان. فصرتُ إليه فَأَخَذَ بِيدي، فأدخلني بَيْتاً، فإذا فيه قومٌ من المتصوّفة، ومعهم شيخٌ فقال: هذا الشيخ حدّثني. فقلتُ: ياشيخُ، مَنْ حدّثك؟ فقال: لم يحدّثني أحدٌ، ولكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبَهم إلى القرآن!.
وكلّ من أودع هذه الأحاديث تفسيره، كالواحديّ والثعلبيّ والزمخشريّ، فقد أخطأ في ذلك، ولعلّهم لم يطّلعوا على وضعه، مع أنّ حماعةً من العلماء قد نبّهوا عليه، وخَطْبُ مَنْ ذكره مسنداً - كالواحدي - أسهلُ.
«وَ وَضَعَت الزَنادِقَةُ» كعبدالكريم بن أبي العوجاء، الذي أمر بضرب عنقه محمّد بن سليمان بن علي العبّاسي، وبُنان، الذي قتله خالد القَسْريّ وأحرقه بالنار «وَ الغُلاةُ» من فِرَق الشيعة، كأبي الخطّاب، ويونس بن ظَبْيان، ويزيد الصائغ، وأضرابهم «جُمْلَةً» من الحديث ليفسدوا به الإسلام، وينصروا به مذهبهم. ر
وى العُقَيليّ عن حمّاد بن زيد قال: وضعت الزنادقة على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أربعة عشر ألف حديث.
وروى عن عبداللَّه بن زيد المقري: أنّ رجلاً من الخوارج رجع عن بدعته فجعل يقول: اُنظروا هذا الحديث عمّن تأخذونه، فإنّا كنّا إذا رأينا رأياً جعلنا له حديثاً.
«ثُمَّ نَهَضَ جَهابِذَةُ النُقّادِ» جمع جَهْبَذ وهو: الناقد البصير «بِكَشْفِ عَوارِها» بفتح العين وضمّها، والفتح أشهر، وهو العيب «وَ مَحْوِ عارِها» فللّه الحمد، حتّى قال بعض العلماء: ما ستر اللَّه أحداً يكذب في الحديث.
«وَ قَدْ ذَهَبَت الكَِرَّامِيَّةُ (30)» بكسر الكاف وتخفيف الراء، أو بفتح الكاف وتشديد الراء، وتخيف الراء، على اختلاف نقل الضابطين لذلك. وهم: الطائفة المنتسبون بمذهبهم إلى محمّد بن كرام «و بَعْضُ المُبْتَدِعَةِ» من المتصوّفة «إِلى جَوازِ وَضْعِ الحَدِيْثِ لِلتَرْغِيْبِ والتَرْهِيْبِ» ترغيباً للناس في الطاعة، وزجراً لهم عن المعصية، واستدلّوا بما روي في بعض طرق الحديث: «مَنْ كَذِبَ عليّ متعمّداً - «ليضلّ به الناس» - فليتبوّأ مقعده من النار» وهذه الزيادة قد أبطلها نقلة الحديث.
وحمل بعضهم حديث «مَنْ كَذِبَ...» على من قال إنّه ساحر أو مجنون، حتّى قال بعض المخذولين: إنّما قال: «مَنْ كَذِبَ عليّ» ونحن نكذِبُ له ونقوّي شرعه! نسأل اللَّه السلامة من الخذلان.
وحكى القرطبي في «المُفْهِم» عن بعض أهل الرأي: أنّ ما وافق القياس الجليّ جاز أن يُعزى إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمّ المرويّ: تارةً يخترعه الواضع. وتارةً يأخذ كلام غيره، كبعض السلف الصالح، أو قدماء الحكماء، أو الإسرائيليّات. أو يأخذ حديثاً ضعيف الإسناد، فيركّب له إسناداً صحيحاً ليَرُوْجَ. وقد صنّف جماعة من العلماء كتباً في بيان الموضوعات.
«وَ لِلصَغَّانِيِّ» الفاضل الحسن بن محمّد في ذلك «كِتابُ «الدُرّ المُلْتَقَط فِي تَبْيِيْنِ الغَلَطِ» جَيِّدٌ» في هذا الباب. «و لِغَيْرِهِ» كأبي الفرج ابن الجوزيّ «دُوْنَهُ» في الجودة، لأنّ كتاب ابن الجوزي ذكر فيه كثيراً من الأحاديث التي ادّعى وضعها، لا دليل على كونها موضوعةً؛ وإلحاقها بالضعيف أولى، وبعضها قد يلحق بالصحيح والحسن عند أهل النقد، بخلاف كتاب الصغّاني، فإنّه تامّ في هذا المعنى، مشتمل على إنصاف كثير(31).
« تَتِمَّةٌ»
لهذا القسم من الضعيف لا لفرد الموضوع، تشتمل على مباحث من أحكام الضعيف: «إِذا وَ جَدْتَ حَدِيْثَاً بِإِسْنادٍ ضَعِيْفٍ؛ فَلَكَ أَنْ تَقُوْلُ: «ضعيفٌ» بقولٍ مطلقٍ، وتعني به ضعف الإسناد أو تصرّح بأنّه ««ضَعِيْفٌالإسناد» لا» أن تعني بالإطلاق، أو تصرّح بأنّه ضعيف «المَتْنِ، فَقَدْ يُرْوَى بِصَحِيْحٍ» يثبت بمثله الحديث.
«و إِنَّما يُضَعَّفُ» أي يطلق عليه الضعيف، مطلقاً «بِحُكْمِ» إمامٍ من أئمّة الحديث «مُطَّلِعٍ عَلَى الأَخْبارِ» وطرقها «مُضْطَلِعٍ بِها: أَنَّهُ» أي ذلك الحديث الموجود بطريق ضعيف «لَمْ يُرْوَ بِإِسْنادٍ ثَبَتَ بِهِ» مصرّحاً بهذا المعنى،
فإن أطلق ذلك المطلع ضعفه، ولم يفسّره، ففي جوازه لغيره كذلك وجهان مرتّبان على: أنّ الجرح هل يثُبت مجملاً؟ أم يفتقر إلى التفسير؟ وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى.
وقد تقدّم أنّه لا تجوز رواية الموضوع بغير بيان حاله مطلقاً. وأمّا غيره من أفراد الضعيف فمنعوا روايته - أيضاً - في الأحكام والعقائد، لما يترتّب عليه من الضرر في الأحكام الدينيّة، فروعاً واُصولاً.
«و تَساهَلُوْا فِي رِوايَتِهِ؛ بِلا بَيانٍ، فِي غَيْرِ الصِفاتِ » الإلهية «والأَحْكامِ» الشرعيّة، من الترغيب والترهيب والقصص وفضائل الأعمال ونحوها، على المشهور بين العلماء. ويمكن أن يُستدلّ له بحديث: «من بغله شيء من أعمال الخير فعمل به أعطاه اللَّه تعالى ذلك، وإن لم يكن الأمر على ما بلغه» ونحوه من عباراته (32) ومنهم من منع العمل به مطلقاً.
«وَ مُرِيْدُ رِوايَةِ» حديثٍ « ضَعِيْفٍ، أَوْ مَشْكُوْكٍ فِي صِحَّتِهِ، بِغَيْرِ إِسْنادٍ، يَقُوْلُ: «رُوِيَ» أَوْ «بَلَغَنا» » أو «ورد» و «جاء» «وَنَحْوَهُ» من ضيغ التمريض، و «لا» يذكره بصيغة الجزم ك««قالَ»» رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم و «فعل» « و نَحْوَها؛ مِن الأَلْفاظِ الجازِمَةِ» إذ ليس ثَمَّ ما يوجب الجزم. ولو أتى بالإسناد مع المتن لم يجب عليه بيان الحال؛ لأنّه قد أتى به عند أهل الاعتبار، والجاهل بالحال غير معذور في تقليد ظاهره؛ والتقصير منه؛ ولو بيّن الحال - أيضاً - كان أولى «وَ اللَّهُ أَعْلَمُ».
« البابُ الثاني»
« فِي مَنْ تُقْبَلُ رِوايَتُهُ و مَنْ تُرَدُّ»
ومعرفة ذلك من أهمّ أنواع علم الحديث.
«وَ بِهِ» أي بما ذكرنا من العلم بحال الفريقين «يَحْصَلُ التَمْيِيْزُ بَيْنَ صَحِيْحِ الرِوايَةِ و ضَعِيْفِها.
وَ جُوِّزَ ذلِكَ» البحث «وإِن اشْتَمَلَ عَلَى القَدْحِ فِي المُسْلِمِ» المستور، واستلزم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا «صِيانَةً لِلشَرِيْعَةِ المُطَهَّرَةِ» من إدخال ما ليس منها فيها، ونفياً للخطأ، والكذب عنها. وقد روي أنّه قيل لبعض العلماء: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خُصماءك عند اللَّه يوم القيامة؟. فقال: لأن يكونوا خصمائي أحبّ إليّ من أن يكون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم خصمي؛ يقول لي: «لِمَ لم تذُبَّ الكذبَ عن حديثي». وروي أنّ بعضهم سمع من بعض العلماء شيئاً من ذلك، فقال له: ياشيخ لا يُغتاب العلماء. فقال: ويحك، هذه نصيحة ليس هذا غيبة». وهذا أمر واضح لا مِرْيةَ فيه، بل هو من فروض الكفاية، كأصل المعرفة بالحديث.
«نَعَمْ؛ يَجِبُ عَلَى المُتَكلَِّمِ فِي ذلِكَ التَثَبُّتُ» في نظره وجرحه «لِئَلّا يَقْدَحَ، فِي» بريءٍ « غَيْرِ مَجْرُوْحٍ، بَما يَظُنُّهُ جَرْحاً» فيجرح سليماً، ويَسِمُ بريئاً بسِمة سوءٍ تُبقى عليه الدهر عارها «فَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذلِكَ غَيْرُ واحِدٍ» فطعنوا في أكابر من الرواة استناداً إلى طعنٍ ورد فيهم، له محمل، أو لا يثبت عنهم بطريق صحيح. فمن أراد الوقوف على حقيقة الحال فليُطالع كتاب الكشيّ في الرجال. «و قَدْ كَفانا السَلَفُ» الصالح من العلماء بهذا الشأن «مَؤُونَةَ الجَرْحِ والتَعْدِيْلِ غالِبَاً» في كتبهم التي صنّفوها في الضعفاء، كابن الغضائريّ، أو فيهما معاً كالنجاشيّ، والشيخ أبي جعفر الطوسيّ، والسيّد جمال الدين أحمد بن طاوس، والعلّامة جمال الدين ابن المطهّر، والشيخ تقيّ الدين ابن داود، وغيرهم.
«و لكِنْ يَنْبَغِي لِلماهِرِ» في هذه الصناعة ومن وهبه اللَّه تعالى أحسن بضاعةٍ «تَدَبُّرُ ما ذَكَرُوْهُ» ومراعاة ما قرّروه «فَلَعَلَّهُ يَظْفَرَ بِكَثِيْرٍ مِمَّا أَهْمَلُوْهُ، و يَطَّلِعَ عَلَى تَوْجِيْهٍ» في المدح والقدح قد «أَغْفَلُوْهُ» كما اطّلعنا عليه كثيراً ونبّهنا عليه في مواضع كثيرة وضعناها على كتب القوم «خُصُوْصَاً مَعَ تَعارُضِ الأَخْبارِ فِي الجَرْحِ والعَدْلِ (33)» فإنّه وقع لكثيرٍ من أكابر الرواة. وقد أودعه الكشيّ في كتابه من غير ترجيح، وتكلّم من بعده في ذلك، واختلفوا في ترجيح أيّهما على الآخر اختلافاً كثيراً. فلا ينبغي لمن قَدَرَ على البحث تقليدهم في ذلك، بل يُنفِقُ ممّا آتاه اللَّه تعالى، فلكلّ مجتهد نصيب «فإِنَّ طَرِيْقَ الجَمْعِ بَيْنَهُما يَلْتَبِسُ (34) عَلَى كَثِيْرٍ، حَسَبَ اخْتِلافِ طُرُقِهِ و أُصُولِهِ» في العمل بالأخبار الصحيحة والحسنة والموثّقة، وطرحها، أو بعضها. فربما لم يكن في أحد الجانبين حديث صحيح؛ فلا يحتاج إلى البحث عن الجمع بينهما، بل يعمل بالصحيح خاصّةً، حيث يكون ذلك من اُصول الباحث. وربما يكون بعضها صحيحاً، ونقيضه حسناً أو موثّقاً، ويكون من أصله العمل بالجميع؛ فيجمع بينهما بما لا يوافق أصل الباحث الآخر. ونحو ذلك. وكثيراً ما يتّفق لهم التعديل بما لا يصلح تعديلاً كما يعرفه مَن يُطالع كتبهم سيّما «خلاصة الأقوال» التي هي الخلاصة في علم الرجال.
« و فِي هذا البابِ مَسائِلُ:
الأُوْلَى: اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الحَدِيْثِ و الأُصُوْلِ» الفقهيّة «عَلَى اشْتِراطِ: إسْلامِ الراوِي» حال روايته، وإن لم يكن مسلماً حال تحمّله، فلا تُقبل رواية الكافر، وإن عُلم من دينه التحرّز عن الكذب. لوجوب التثبّت عند خبر الفاسق؛ فيلزم عدم اعتبار خبر الكافر بطريق أولى، إذ يشمل الفاسق الكافر. وقبول شهادته في الوصيّة، مع أنّ الرواية أضعف من الشهادة، بنصّ خاصّ، فيبقى العامّ معتبراً في الباقي. ويمكن للقائسين هنا اعتبار القياس أو تعديته بالتنبيه بالأدنى على الأعلى. وقريب منه القول بقبول أبي حنيفة شهادة الكفّار - بعضهم على بعض - فيلزم مثله في الرواية كذلك، فإنّه لا يقبل روايتهم مطلقاً، وقَبِلَ شهادتهم للضرورة صيانةً للحقوق، إذ أكثر معاملاتهم لا يحضرها مسلمان.
«وَ بُلُوْغِهِ» عند أدائها، كذلك.
«وَ عَقْلِه» فلا تقبل رواية الصبيّ، والمجنون، مطلقاً، لارتفاع القلم عنهما، الموجب لعدم المؤاخذة، المقتضي لعدم التحفّظ من ارتكاب الكذب، على تقدير تمييزه، ومع عدمه لا عِبْرةَ بقوله.
«و جُمْهُوْرُهُمْ عَلَى اشْتِراطِ:
* عَدالَتِهِ» لما تقدّم من الأمر بالتثبّت عند خبر الفاسق، فصار عدم الفسق شرطاً لقبول الرواية، ومع الجهل بالشرط يتحقّق الجهل بالمشروط، فيجب الحكم بنفيه حتّى يُعلم انتفاء التثبّت. كذا استدلّوا عليه. وفيه نظر؛ لأنّ مقتضى الآية كون الفسق مانعاً من قبول الرواية، فإذا جُهِلَ حال الراوي، لا يصلح الحكم عليه بالفسق، فلا يجب التثبّت عند خبره، بمقتضى مفهوم الشرط. ولا نسلّم أنّ الشرط عدم الفسق، بل المانع ظهوره، فلا يجب العلم بانتفائه حيث يُجهل، والأصل عدم الفسق في المسلم، وصحّة قوله. وهذه بعض آراء شيخنا أبي جعفر الطوسي، فإنّه كثيراً ما يقبل خبر غير العدل، ولا يبيّن سبب ذلك. ومذهب أبي حنيفة قبول رواية مجهول الحال؛ محتجاً بنحو ذلك، وبقبول قوله في تذكية اللحم، وطهارة الماء، ورقّ الجارية. والفرق بين ما ذكر وبين الرواية، واضح. وليس المراد من العدالة كونه تاركاً لجميع المعاصي، بل «بِمَعْنَى كَوْنِهِ: سَلِيْمَاً مِنْ أَسْبابِ الفِسْقِ» التي هي فعل الكباير، أو الإصرار على الصغاير «و خَوارِمِ المُرُوَّة» وهي الاتّصاف بما يحسنُ التحلّي به عادةً، بحسب زمانه ومكانه وشأنه، فعلاً وتركاً. على وجه يصير ذلك له مكلةً، وإنّما لم يصرّح باعتبارها، لأنّ السلامة من الأسباب المذكورة لا تتحقّق إلّا بالملكة؛ فأغنى عن اعتبارها.
«* و ضَبْطِهِ ؛» لما يرويه «بِمَعْنَى كَوْنِهِ:
- حافِظَاً لَهُ مُتَيَقِّظَاً» غير مغفّل «إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ.
- ضابِطَاً لِكِتابِهِ » حافظاً له من الغلط والتصحيف والتحريف «إِنْ حَدَّثَ مِنْهُ.
- عارِفَاً بِما يَخْتَلُّ بِهِ المَعْنَى إِنْ رَوَى بِهِ» أي بالمعنى، حيث نجوّزه. وفي الحقيقة: اعتبار العدالة يُغني عن هذا؛ لأنّ العدل لا يجازف برواية ما ليس بمضبوط على الوجه المعتبر، وتخصيصه تأكيد، أو جري على العادة.
«* و لا تُشْتَرَطُ» في الراوي «الذُكُوْرَةُ» لأصالة عدم اشتراطها، وإطباق السلف والخلف على الرواية عن المرأة.
«و لا الحُرِّيَّةُ» فتُقبل رواية العبد، ولقبول شهادتهما في الجملة، فالرواية أولى.
«وَ لا العِلْمُ بِفِقْهٍ و عَرَبِيَّةٍ» لأنّ الغرض منه الرواية لا الدراية، وهي تتحقّق بدونهما. ولعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «نَضَرَ اللَّه امرءاً سَمِعَ مقالتي فوعاها وأدّاها كما سمعها، فرُبّ سامع فقه ليس بفقيه».
ولكن ينبغي - مؤكّداً - معرفته بالعربيّة، حذراً من اللحن والتصحيف. وقد روي عنهم عليهم السلام أنّهم قالوا: «أعربوا كلامنا فإنّا قوم فصحاء» وهو يشمل إعراب القلم واللسان. وقال بعض العلماء: «جائت هذه الأحاديث عن الأصل معربةً». وعن آخر: «أخوف ما أخاف على طالب الحديث إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّء مقعده من النار» لأنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يلحن، فمهما روى حديثاً عنهصلى الله عليه وآله وسلم ولحن فيه، فقد كَذِبَ عليه. والمعتبر - حينئذٍ - أن يعرف قدراً يسلم معه من اللحن والتحريف.
«وَ» كذا «لا» يعتبر فيه «البَصَرُ» فتصحّ رواية الأعمى، فقد وجد ذلك في السلف والخلف.
«وَ لا العَدَدُ» بناءً على اعتبار خبر الواحد، وعلى عدم اعتباره لا يُعتبر في المقبول منه عدد خاصّ، بل ما يحصل به العلم؛ فالعدد غير معتبر في الجملة، مطلقاً.
وهل يعتبر - مع ذلك - أمر آخر، ومذهب خاصّ؟ أم لا يعتبر؟ فتقبل رواية جميع فِرق المسلمين، وإن كانوا أهل بدعةٍ؟ أقوال:
أحدها: أنّه لا تقبل رواية المبتدع مطلقاً لفسقه، وإن كان يتأوّل، كما استوى في الكفر المتأوّل وغيره.
والثاني: إن لم يستحلّ الكفر لنصرة مذهبه قُبِلَ؛ وإن استحلّه - كالخطابيّة، من غُلاة الشيعة - لم يُقبل.
والثالث: إن كان داعيةً لمذهبه لم يُقبل؛ لأنّه مظنّة التهمة لترويج مذهبه وإلّا قُبِلَ. وعليه الأكثر.
«* وَ» الرابع، وهو «المَشْهُوْرُ بَيْنَ أَصْحابِنا: اشْتِراطُ إِيْمانِهِ مَعَ ذلِكَ» المذكور من الشروط؛ بمعنى كونه إماميّاً «وَ قَطَعُوْا بِهِ فِي كُتُبِ الأُصُوْلِ» الفقهيّة «وَ غَيْرِها» لأنّ من عداه - عندهم - فاسق، وإن تأوّل، كما تقدّم، فيتناوله الدليل، هذا «مَعَ عَمَلِهِمْ بِأَخْبارٍ ضَعِيْفَةٍ» بسبب فساد عقيدة الراوي «أَوْ مُوَثَّقَةٍ» مع فساد عقيدته، أيضاً «فِي » كثير من «أَبْوابِ الفِقْهِ؛ مُعْتَذِرِيْنَ عَنْ ذلِكَ» العمل المخالف لما أفتوا به في اُصولهم من عدم قبول رواية المخالف «بِانْجِبارِ الضَعْفِ» الحاصل للراوي بفساد عقيدته، ونحوه «بِالشُهْرَةِ» أي شهرة الخبر، والعمل بمضمونه بين الأصحاب، فيمكن إثبات المذهب به، وإن ضَعُفَ طريقه، كما يثبت مذهب أهل الخلاف بالطريق الضعيف من أصحابهم «وَ نَحْوِها» أي الشهرة «مِن الأَسْبابِ» الباعثة لهم على قبول رواية المخالف، في بعض الأبواب، كقبول ما دلّت القرائن على صحّته مع ذلك، على ما ذهب إليه المحقّق في المعتبر «وَ قَدْ تَقَدَّمَ» الكلام على هذا الدليل في أوّل الرسالة. وكيف كان، فإطلاق اشتراط الإيمان مع استثناء ذلك ليس بجيّد. «وَ حِيْنَئِذٍ؛ فَاللّازِمُ» على ما قرّرناه عنهم «اشْتِراطُ أَحَدِ الأَمْرَيْنِمِن: الإِيْمانِ و العَدالَةِ؛ أَو الانْجِبارِ بِمُرَجِّحٍ.
لا إِطْلاقُ اشْتِراطِهِما» أي الإيمان والعدالة، المقتضي لعدم قبول رواية غير المؤمن مطلقاً، ولا يقولون به. واقتصد قوم منّا، فاعتبروا سلاة السند من ذلك كلّه، واقتصروا على الصحيح، ولا ريب أنّه أعدل. ولا يقدح فيه قول المحقّق في ردّه؛ من أنّ الكاذب قد يُلْصِقُ (35) والفاسق قد يصدق، وأنّ في ذلك طعناً في علمائنا، وقدحاً في المذهب، إذ لا مصنِّف إلّا وقد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل. وظاهر أنّ هذا غير قادح. ومجرّد احتمال صدق الكاذب غير كافٍ في جواز العمل بقوله، مع النهي عنه. والقدح في المذهب غير ظاهر؛ فإنّ من لا يعمل بخبر الواحد من أصحابنا - كالسيّد المرتضى، وكثير من المتقدّمين - مصنّفاتهم خالية عن خبر الثقة على وجه التقليد - فضلاً عن المجروح - إلّا أن يبلغ حدّ التواتر. والمصنّفات المشتملة على أخبار المجروحين مبنيّة على مذهب المفتي بمضمونها. وإن كان لابدّ من تجاوز ذلك؛ فالعمل على خبر المخالف الثقة؛ ليسلم من ظاهر النهي عن قبول خبر الفاسق ظاهراً، ومنع إطلاقه على المخالف مطلقاً. وقد تقدّمت الإشارة إليه. أمّا المنصوص على ضعفه فلا عذر في قبول قوله، كما يتّفق ذلك للشيخ، في موارد كثيرة. واللَّه تعالى أعلم بحقائق أحكامه.
«الثانِيَةُ:
* تُعْرَفُ العَدالَةُ» المعتبرة في الراوي: «بِتَنْصِيْصِ عَدْلَيْنِ عَلَيْها وَ بالاسْتِفاضَةِ» بأن تشتهر عدالته بين أهل النقل وغيرهم من أهل العلم، كمشايخنا السالفين، من عهد الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني، وما بعده إلى زماننا هذا، لا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ إلى تنصيص على تزكية، ولا تنبيه على عدالة؛ لما اشتهر في كلّ عصر من ثقتهم وضبطهم وورعهم، زيادةً على العدالة. وإنّما يتوقّف على التزكية غير هؤلاء من الرواة الذين لم يشتهروا بذلك، ككثير ممّن سبق على هؤلاء، وهم طرق الأحاديث المدوّنة في الكتب غالباً.
«وَ فِي الاكْتِفاءِ بِتَزْكِيَةِ الواحِدِ» العدل «فِي الرِواية قَوْلٌ مَشْهُوْرٌ» لنا، ولمخالفينا «كَما يُكْتَفى بِهِ» أي بالواحد «فِي أَصْلِ الرِوايَةِ».
وهذه التزكية فرع الرواية، فكما لا يعتبر العدد في الأصل فكذا في الفرع. وذهب بعضهم إلى اعتبار اثنين كما في الجرح والتعديل في الشهادات. فهذا طريق معرفة عدالة الراوي السابق على زماننا. والمعاصر يثبت بذلك، وبالمعاشرة الباطنة المُطّلِعة على حاله واتّصافه بالملكة المذكورة.
«* وَ يُعْرَفُ ضَبْطُهُ؛ بِأَنْ تُعْتَبَرَ رِوايَتُهُ بِرِواياتِ الثِقاتِ، المَعْرُوْفِيْنَ بِالضَبْطِ و الإِتْقِانِ:
* فَإِنْ وافَقَهُمْ» في روايته «- غالِبَاً - » ولو من حيث المعنى، بحيث لا يخالفها، أو تكون المخالفة نادرةً «عُرِفَ» حينئذٍ «كَوْنُهُ ضابِطَاً، ثَبْتَاً.
* و إِنْ وُجِدَ»ناه بعد اعتبار رواياته برواياتهم «كَثِيْرَ المُخالَفَةِ لَهُمْ؛ عُرِفَ اخْتِلالُهُ» أي اختلال ضبطه، أو اختلال حاله في الضبط، ولم يحتجّ بحديثه. وهذا الشرط إنّما يفتقر إليه في من يروي الأحاديث من حفظه، أو يخرجها بغير الطرق المذكورة في المصنّفات. وأمّا رواية الاُصول المشهورة، فلا يعتبر فيه ذلك؛ وهو واضح.
«الثالِثَةُ: التَعْدِيْلُ مَقْبُوْلٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ، عَلَى» المذهب «المشهورِ (36) لِأنّ أَسْبابَهُ كَثِيْرَةٌ يَصْعُبُ ذِكْرُها» فإنّ ذلك يُحوِج المعدّل أن يقول: «لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا ...» وذلك شاقّ جدّاً.
«وَ أَمَّا الجَرْحُ؛ فَلا يُقْبَلُ إِلّا مُفَسَّرَاً مُبَيَّنَ السَبَبِ» الموجب له «لِاخْتِلافِ الناسِ فِي ما يُوْجِبُهُ» فإنّ بعضهم يجعل الكبيرة القادحة ما توعِّد عليها في القرآن بالنار. وبعضهم يُعِمُّ التوعّد. وآخرون يُعِمّون المتوعّد فيه بالكتاب والسنّة. وبعضهم يجعل الذنوب كباير، وصغير الذنب وكبيره عندهم إضافي. إلى غير ذلك من الاختلاف. فربّما أطلق بعضهم القدح بشيء بناءً على أمر اعتقده جرحاً، وليس بجرح في نفس الأمر! أو في اعتقاد الآخر. فلابدّ من بيان سببه ليُنظر فيه، أهو جرح أو لا؟. وقد اتّفق لكثير من العلماء جرح بعض، فلمّا استفسر ذكر ما لا يصلح جارحاً. قيل لبعضهم: لِمَ تركت حديث فلان»؟. قال: رأيته يركض على بِرْذَوْن. وسئل آخر: عن رجلٍ من الرواة؟. فقال: «ما أصنع بحديثه، ذُكِرَ يوماً عند حمّاد فامتخط حمّادٌ»!. ويُشْكَلُ، بأنّ ذلك آتٍ في باب التعديل؛ لأنّ الجرح كما تختلف أسبابه، كذلك التعديل يتبعه في ذلك؛ لأنّ العدالة تتوقّف على اجتناب الكباير - مثلاً - فربما لم يعدّ المعدِّل بعض الذنوب كباير، ولم يقدح عنده فعلها في العدالة، فيزكّي مرتكبها بالعدالة، وهو فاسق عند الآخر بناءً على كونه مرتكباً للكبيرة عنده. ومن ثَمَّ ذهب بعضهم إلى اعتبار التفصيل فيهما. ومن نظر إلى صعوبة التفصيل ونحوه اكتفى بالإطلاق فيهما. أمّا التفصيل باختلاف الجرح والتعديل في ذلك، فليس بذلك الوجه.
«نَعَمْ؛ لَوْ عُلِمَ اتِّفاقُ مَذْهَبِ الجارِحِ و المُعْتَبِرِ» بكسر الباء، وهو طالب الجرح والتعديل، ليعمل بالحديث أو يترك «فِي الأَسْبابِ» الموجبة للجرح، بأن يكون اجتهادهما - فيما به يحصل الجرح والتعديل - واحداً، أو أحدهما مقلّد للآخر، أو كلاهما مقلّد لمجتهدٍ واحد. «اتَّجَهَ الاكْتِفاءُ بِالإِطْلاقِ» في الجرح «كَالعَدالَةِ».
وهذا التفصيل هو الأقوى فيهما. واعلم أنّه يَرِدُ على مذهب المشهور - من اعتبار التفسير في الجرح - إشكال مشهور؛ من حيث أنّ اعتماد الناس اليوم في الجرح والتعديل على الكتب المصنّفة فيهما، وقلّما يتعرّضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على قولهم: «فلان ضعيف» ونحوه؛ فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك، وسدّ باب الجرح في الأغلب. «وَ» اُجيب بأنّ «ما أَطْلَقَهُ الجارِحُوْنَ فِي كُتُبِهِمْ، مِنْ غَيْرِ بَيانِ سَبَبِهِ - وإِنْ لَمْ يَقْتَضِ الجَرْحَ -» على مذهب من يعتبر التفسير «لكِنْ يُوْجِبُ الرِيْبَةَ القَوِيَّةَ » في المجروح كذلك «المُفْضِيَةَ إِلى تَرْكِ الحَدِيْثِ » الذي يرويه فيُتوقّف عن قبول حديثه «إِلى أَنْ تَثْبُتَ العَدالَةُ، أَوْ يَتَبَيَّنَ زَوالُ مُوْجِبِ الجَرْحِ» ومن انزاحت عنه تلك الريبة، بحثنا عن حاله بحثاً أوجب الثقة بعدالته فقبلنا روايته ولم نتوقّف، أو عدمها.
«الرابِعَةُ: يَثْبُتُ الجَرْحُ فِي الرُواةِ بِقَوْلِ واحدٍ، كَتَعْدِيْلِهِ» أي كما يثبت تعديله في باب الرواية بالواحد أيضاً، وقد تقدّم «عَلَى» المذهب «الأَشْهَرِ» وذلك: «لِأَنَّ العَدَدَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي قَبُوْلِ الخَبَرِ» كما سلف «فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي وَصْفِهِ» من جرح وتعديل، لأنّه فرعه، والفرع لا يزيد على أصله، بل قد ينقص. كما في تعديل شهود الزنا؛ فإنّه يُكتفى فيه باثنين دون أصل الزنا. وأمّا ما خرج عن ذلك، وأوجب زيادة الفرع - أعني الجرح والتعديل - على أصله؛ كالاكتفاء في الدعوى بالشاهد واليمين، دون التعديل، ومذهب بعضهم في الاكتفاء بشاهد واحد في رؤية هلال رمضان، وشهادة الواحدة في ربع الوصيّة، وربع ميراث المستهلّ. فبدليل خارجيّ، ونصٍّّ خاصّ.
«وَ لَو اجْتَمَعَ فِي واحِدٍ جَرْحٌ و تَعْدِيْلٌ؛ فَالجَرْحُ مُقَدَّمٌ» على التعديل «- وإِنْ تَعَدَّدَ المُعَدِّلُ -» وزاد على عدد الجارح « عَلَى» القول «الأَصَحِّ لِأَنَّ المُعَدِّلَ يُخْبِرُ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ حالِهِ، و الجارِحُ » يشتمل على زيادة الاطّلاع؛ لأنّه «يُخِْبرُ عَنْ باطِنٍ خَفِيِ عَن المُعَدِّلِ» فإنّه لا يعتبر فيه ملازمته في جميع الأحوال، فلعلّه ارتكب الموجب للجرح في بعض الأحوال التي فارقه فيها «هذَا، إِذا أَمْكَنَ الجَمْعُ» بين الجرح والتعديل، كما ذكروا «وَ إِلّا» يمكن الجمع؛ كما إذا شهد الجارح بقتل إنسان في وقت، فقال المعدِّل: رأيته بعده حيّاً. أو يقذفه فيه، فقال المعدِّل: إنّه كان ذلك الوقت نائماً أو ساكتاً؛ ونحو ذلك.
«تَعارَضا» ولم يمكن التقديم، ولم يتمّ التعليل الذي قُدّم به الجارح ثمّ «وَ طُلِبَ التَرْجِيْحُ» إن حصل المرجّح - بأن يكون أحدهما أضبط، أو أورع، أو أكثر عدداً، أو نحو ذلك - فيعمل بالراجح ويترك المرجوح. فإن لم يتّفق الترجيح وجب التوقّف، للتعارض، مع استحالة الترجيح من دون مرجّح.
«الخامِسَةُ: إِذا قالَ الثِقَةُ: «حَدَّثَنِي ثِقَةٌ» » ولم يبيّنه «لَمْ يَكْفِ ذلِكَ» الإطلاق والتوثيق «فِي العَمَلِ بِرِوايَتِهِ» وإن اكتفينا بتزكية الواحد «إِذْ لا بُدَّ» على تقدير الاكتفاء بتزكيته «مِنْ تَعْيِيْنِهِ و تَسْمِيَتِهِ
» ليُنظر في أمره، هل أطلق القوم عليه التعديل، أو تعارض كلامهم فيه، أو لم يذكروه؟ «لِجَوازِ كَوْنِهِ ثِقَةً عِنْدَهُ، و غَيْرُهُ قَد اطَّلَعَ عَلَى جَرْحِهِ بِما هُوَ جارِحٌ عَنْدَهُ» أي عند هذا الشاهد بثقته، وإنّما وثّقه بناءً على ظاهر حاله و «لَوْ عَلِمَ بِهِ» لما وثّقه. وإصالة عدم الجارح مع ظهور تزكيته، غير كافٍ في هذا المقام، إذ لابدّ من البحث عن حال الرواة على وجه يظهر به أحد الاُمور الثلاثة من: الجرح، أو التعديل، أو تعارضهما، حيث يمكن، بل إضرابه عن تسميته مريب في القلوب.
«نَعَمْ، يَكُوْنُ ذلِكَ» القول «مِنْهُ تَزْكِيَةً» للمرويّ عنه «حَيْثُ يَقْصُدُها» بقوله: «حدّثني الثقة» إذ قد يقصد به مجرّد الإخبار من غير تعديل، فإنّه قد يتجوّز في مثل هذه الألفاظ في غير مجلس الشهادة. وهل يُنزّل الإطلاق على التزكية، أو لابدّ من استعلامه؟. وجهان: أجودهما تنزيله على ظاهره من عدم مجازفة الثقة في مثل ذلك. وعلى تقدير تصريحه بقصد التزكية، أو حمل الإطلاق عليها ف«يَنْفَعُ» قوله «مَعَ ظُهَوْرِ عَدَمِ المُعارِضِ» وإنّما يتحقّق ظهوره مع تعيينه بعد ذلك والبحث عن حاله، وإلّا فالاحتمال قائم كما مرّ. وذهب بعضهم إلى الاكتفاء بذلك ما لم يظهر المعارض أو الخلاف. وقد ظهر ضعفه. ومثله لو قال: «كلّ من رويت عنه فهو ثقة وإن لم اُسَمّه» ثمّ روى عمّن لم يسمّه. فإنّه يكون مزكياً له، غير أنّا لا نعمل بتزكيته هذه لما قرّرناه. وقول العالم: «هذه الرواية صحيحة» في قوّة الشهادة بتعديل راويها. فأولى بعدم الاكتفاء بذلك.
«وَ لَوْ رَوَى العَدْلُ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ، لَمْ تُجْعَلْ رِوايَتُهُ عَنْهُ (37) تَعْدِيْلاً لَهُ عَلَى» القول «الأصحّ» بطريق أولى. لأنّه يجوز أن يروي عن غير عدل، وقد وقع من أكثر الأكابر من الرواة والمصنّفين ذلك. خلافاً لشذوذ من المحدّثين ذهبوا إلى اقتضاء ذلك التعديل.
«وَ كَذا عَمَلُ العالِمِ» المجتهد في الأحكام «وَ فُتْياهُ» لغيره بفتوىً
«عَلَى وِفْقِ حَدِيْثٍ، لَيْسَ حُكْمَاً مِنْهُ (38) بِصِحَّتِهِ، و لا مُخالَفَتَهُ لَهُ قَدْحَاً فِيْهِ» ولا في راويه «لِأَنَّهُ» أي كلّ واحد من العمل، والمخالفة «أَعَمُّ» من كونه مستنداً إليه، أو قدحاً فيه؛ فيجوز في العمل: الاستناد إلى دليل آخر من حديث صحيح أو غيره، وفي المخالفة: كونها لشذوذه أو معارضته لما هو أرجح منه أو غيرهما. والعامّ لا يدلّ على الخاصّ. وقد تقدّم الخلاف في اشتراط عدالة الراوي مطلقاً، فلعلّه قَبِلَ رواية غير العدل لأمرٍ عارض.
«السادِسَةُ:» في بيان الألفاظ المستعملة في الجرح والتعديل بين أهل الشأن. لمّا كان المعتبر - عندنا - في الراوي العدالة المستفادة من الملكة المذكورة، ولم يكتف بظاهر حال المسلم ولا الراوي؛ فلابدّ في التعديل من لفظ صريح يدلّ على هذا المعنى. وقد استعمل المحدّثون وعلماء الرجال ألفاظاً كثيرةً في التزكية بعضها دالّ على المطلق، وبعضها أعمّ منه. فنحن نذكرها مفصّلةً، ونبيّن ما يدلّ منها عندنا عليه، وما لا يدلّ. فنقول: «أَلْفاظُ التَعْدِيْلِ» الدالّة عليه صريحاً: قول المعدِّل: هو «عَدْلٌ»: أو: هو «ثِقَةٌ» وهذه اللفظة - وإن كانت مستعملةً في أبواب الفقه أعمّ من العدالة - لكنّها هنا لم تستعمل إلّا بمعنى العدل، بل الأغلب استعمالها خاصّةً. وقد يتّفق في بعض الرواة أن يكرّر في تزكيتهم لفظة «الثقة» وهو يدلّ على زيادة المدح. وكذلك قوله:
«حُجَّةٌ» أي ما يحتجّ بحديثه. وفي إطلاق اسم المصدر عليه مبالغة ظاهرة في الثناء عليه بالثقة. والاحتجاج بالحديث - وإن كان أعمّ من الصحيح، كما يتّفق بالحسن والموثّق بل بالضعيف على ما سبق تفصيله - لكنّ الاستعمال العرفيّ لأهل هذا الشأن لهذه اللفظة يدلّ على ما هو أخصّ من ذلك، وهو التعديل وزيادة. نعم، لو قيل: «يُحتجّ بحديثه» ونحوه، لم يدلّ على التعديل؛ لما ذكرناه. بخلاف إطلاق هذه اللفظة على نفس الراوي، بدلالة العرف الخاصّ. وكذا قوله: هو «صَحِيْحُ الحَدِيْثِ» فإنّه يقتضي كونه ثقةً ضابطاً، ففيه زيادة تزكية «وَ ما أَدَّى مَعْناهُ» من الألفاظ الدالّة على التعديل.
«أَمَّا» قوله: «مُتْقِنٌ، ثَبْتٌ، حافِظٌ، ضابِطٌ، يُحْتَجُّ بِحَدِيْثِهِ، صَدُوْقٌ» مبالغة في صادق
«مَحَلُّه (39) الصِدْقُ» بالخبرية، أو الإضافة على التوسّع. «يُكْتَبُ حَدِيْثُهُ، يُنْظَرُ فِيْهِ» أي في حديثه، بمعنى أنّه ينظر فيه ويُختبر حتّى يُعرف حاله، فلعلّه يُقبل «لابَأْسَ بِهِ» بمعنى أنّه ليس بظاهر الضعف. وقد اتّفق هذا الوصف لجماعة منهم «أحمد بن أبي عوف البخاري» وإبنه «محمّد» وذكرهما العلّامة رحمه الله في قسم من يعتمد على روايته «شَيْخٌ، جَلِيْلٌ، صالِحُ الحَدِيْثِ، مَشْكُوْرٌ، خَيِّرٌ، فاضِلٌ» اتّفق هذا الوصف لجماعة، كإبراهيم بن أبي الكرّام، وإلياس الصيرفي، وبرنان الجزريّ، وعلي بن قتيبة القتيبي، وعبدالرحمن بن عبد ربّه، وعَنْبسَة العابد، والقاسم بن هاشم، وقيس بن عمّار. ومنهم من جمع له بين اللفظين «خاصٌّ» كهاشم بين شعيب الطالقاني. «مَمْدُوْحٌ» كمحمّد بن قيس الأسدي «زاهِدٌ، عالِمٌ» كإبراهيم بن علي الكوفي. وأولى بالحكم ما لو انفرد أحدهما «صالِحٌ» كإبراهيم بن محمّد الخُتلي، وأحمد بن عايذ وشهاب بن عبد ربّه، وأخويه: عبدالخالق، ووهب. «قَرِيْبُ الأَمْرِ» كالربيع بن سليمان، ومُصبح بن الهِلقام، وهيثم بن أبي مسروق النهدي «مَسْكُوْنٌ إِلى رِوايَتِهِ» كمحمّد بن بَدران.
«فَالأَقْوَى» في جميع هذه الأوصاف «عَدَمُ الاكْتِفاءِ بِها» في التعديل وإن كان بعضها أقرب إليه من بعض «لِأَنَّها أَعَمُّ مِن المَطْلُوْبِ» فلا تدلّ عليه.
أمّا الأربعة الاُول؛ فظاهر؛ لأنّ كلّ واحد منها قد يُجامع الضعف، وإن كان من صفات الكمال.
وأمّا الاحتجاج بحديثه؛ فقد عرفت أنّه قد يتّفق بالضعيف، فضلاً عن الحسن وما قاربه.
وأمّا الوصف بالصدق - بلفظيه - فقد يجامع عدم العدالة أيضاً، إذ شرطها الصدق مع أمر آخر.
وأمّا كتب حديثه، والنظر فيه؛ فظاهر أنّه أعمّ من المطلوب، بل ظاهر في عدم التوثيق.
وأمّا نفي البأس عنه؛ فقريب من الخبر، لكن لا يدلّ على الثقة، بل من المشهور: أنّ نفي البأس يُوهم البأس.
وأمّا ما نقل عن بعض المحدّثين من أنّه إذا عبّر به فمراده الثقة؛ فذلك أمر مخصوص باصطلاحه لا يتعدّاه، عملاً بمدلول اللفظ.
وأمّا «شيخ» فإنّه - واثن اُريد به التقدّم في العلم ورئاسة الحديث - لكن لا يدلّ على التوثيق، فقد يتقدّم فيه من ليس بثقة. ومثله «جليل».
وأمّا «صالح الحديث» فإنّ الصلاح أمر إضافي، فالموثّق بالنسبة إلى الضعيف صالح، وإن لم يكن صالحاً بالنسبة إلى الحسن والصحيح؛ وكذا الحسن بالنسبة إلى ما فوقه، وما دونه. وأمّا «المشكور» فقد يكون الشُكْرانُ على صفات لا تبلغ حدّ العدالة، ولا تدخل فيها. وكذا «خيّر». مع احتمال دلالة هاتين على المطلوب.
أمّا «الفاضل» فظاهر عمومه، لأنّ مرجع الفضل إلى العلم، وهو يجامع الضعف بكثرةٍ.
أمّا «الخاصّ» فمرجع وصفه إلى الدخول مع إمام معيّن، أو في مذهب معيّن وشدة التزامه به، أعمّ من كونه ثقةً في نفسه، كما يدلّ عليه العرف. وظاهر كون الممدوح أعمّ، بل هو إلى وصف الحسن أقرب. وكذا الوصف بالزهد، والعلم، والصلاح. مع احتمال دلالة «الصلاح» على العدالة وزيادة، لكن فيه: أنّ الشرط - مع التعديل - الضبط الذي من جملته عدم غلبة النسيان، والصلاح يجامعه أكثريّاً. وأمّا «قريب الأمر» فليس بواصل إلى حدّ المطلوب، وإلّا لما كان قريباً منه، بل ربما كان قريباً إلى المذهب من غير دخول فيه رأساً. و «المسكون إلى روايته» قريب من «صالح الحديث».
فقد ظهر أنّ شيئاً من هذه الأوصاف ليس بصريح في التعديل، وإن كان بعضها قريباً منه.
«نَعَمْ» لو كان كلّ واحد منها «تُفِيْدُ المَدْحَ، فَيُلْحَقُ حَدِيْثُهُ» أي حديث المتّصف بها «بِالحَسَنِ» لما عرفت من أنّه: «رواية الممدوح من أصحابنا مدحاً لا يبلغ حدّ التعديل». هذا إذا علم كون الموصوف بذلك من أصحابنا، أمّا مع عدم العلم فيشكل بأنّه قد يجامع الاتّصاف ببعض المذاهب الخارجة عنّا، خصوصاً من يدخل في حديثنا، كالواقفي والفطحي. وأمّا الجمهور: فمن لا يعتبر منهم - في العدالة - تحقّقها ظاهراً، بل يكتفي في المسلم بها حيث لا يظهر خلافها، فيكتفي بكثير من هذه الألفاظ في التعديل، خصوصاً مثل: العالم، والمتقن، والضابط، والصالح، والفاضل، والصدوق، والثبت. هذا ما يتعلّق بألفاظ التعديل.
«و أَلْفاظُ الجَرْحِ» مثل: «ضَعِيْفٌ، كَذَّابٌ، وَضَّاعٌ» للحديث من قبل نفسه، أي يختلقه كذباً. «غالٍ، مُضْطَرِبُ الحَدِيْثِ، مُنْكَرُهُ، لَيِّنُهُ» أي يتساهل في روايته عن غير الثقة «مَتْرُوْكٌ» أي في نفسه، أو متروك الحديث «مُرْتَفِعُ القَوْلِ» أي لا يعتبر قوله، ولا يعتمد عليه «مُتَّهَمٌ» بالكذب أو بالغلوّ ونحوهما من الأوصاف القادحة.
«ساقِطٌ» في نفسه، أو حديثه «واهٍ» اسم فاعل من «وهى» أي ضعف في الغاية، تقول «وهي الحائط» إذا ضعف وهمّ بالسقوط. وهو كناية عن شدّة ضعفه، وسقوط اعتبار حديثه «لاشَيْءَ» مبالغةً في نفي اعتباره، أو لا شيء يعتدّ به «لَيْسَ بِذاكَ» الثقة، أو العدل، أو الوصف المعتبر في ذلك «وَنَحْوُ ذلِكَ».
«السابِعَةُ: مَنْ خَلَّطَ» بعد استقامةٍ «بِخُرْقٍ (40)» بضم الخاء وسكون الراء، وهو الحمق وضعف العقل «أوْ فِسْقٍ» كالواقفيّة بعد استقامتهم في زمن الكاظم عليه السلام والفطحيّة كذلك في زمن الصادق عليه السلام وكمحمّد بن عبداللَّه أبي المفضّل، ومحمّد بن علي الشلمغانيّ، وأشباههم «وغيرهما» من القوادح. «يُقْبَلُ ما رُوِيَ عَنْهُ قَبْلَ الاخْتِلاطِ» لاجتماع الشرائط، وارتفاع الموانع. «وَ يُرَدُّ ما» روي عنه «بَعْدَهُ، و ما شُكَّ فِيْهِ» هلوقع قبله أو بعده «لِلشَكِّ فِي الشَرْطِ» وهو العدالة، عند الشكّ في التقدّم والتأخّر. وإنّما يعلم ذلك بالتاريخ، أو بقول الراوي عنه: «حدّثني قبل اختلاطه» ونحو ذلك. ومع الإطلاق وعدم التاريخ يقع الشكّ، فيردّ الحديث.
«الثامِنَةُ: إِذا رَوَى ثِقَةٌ عَنْ ثِقَةٍ حَدِيْثَاً، و رُوْجِعَ المَرْوِيّ عَنْهُ
» في ذلك الحديث «فَنَفاهُ:» وأنكر روايته: «* فَإِنْ كانَ جازِمَاً بِنَفْيِهِ؛ بِأَنْ قالَ: «ما رَوَيْتُهُ» » على وجه القطع أو:
«كذب عليّ» «وَ نَحْوَهَ» تعارض الجزمان، والجاحد هو الأصل؛ فحينئذ «وَجَبَ رَدُّ الحَدِيْثِ».
ثمّ، لا يكون ذلك جرحاً للفرع «وَ لا يَقْدَحُ فِي باقِي رِواياتِهِ » ولا عن غيره، وإن كان مكذّباً لشيخه في ذلك، إذ ليس قبول جرح شيخه له بأولى من قبول جرح شيخه؛ فتساقطا.
«* و إِنْ» لم ينكر الرواية، ولكن «قالَ: «لا أَعْرِفُهُ» أَوْ: «لا أَذْكُرُهُ» و نَحْوَهُ؛ لَمْ يَقْدَحْ» في رواية الفرع «عَلَى الأَصَحِّ» إذ لا يدلّ ذلك عليه بوجه، لاحتمال السهو والنسيان من الأصل، والحال أنّ الفرع ثقة جازم؛ فلا يردّ بالاحتمال. «بَلْ» كما لا تبطل برواية الفرع ويجوز لغيره أن يروي عنه بعد ذلك «يَجُوْزُ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ» أوّلاً، الذي لا يذكر الحديث «رِوايَتُهُ عَمّنْ» ادّعى أنّه «سَمِعَهُ؛ فَيَقُوْلُ» هذا الأصل الذي قد صار فرعاً؛ إذا أراد التحديث بهذا الحديث: «: «حَدَّثَنِي فُلانٌ نِّي: أَنِّي حَدَّثْتُهُ» عن فلان «بِكَذا»» وكذا. « وَ قَدْ وَقَعَ مِنْ ذلِكَ جُمْلَةُ أَحادِيْثَ» لأكابر نسوها بعد ما حدّثوا بها، منها حديث ربيعة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنّه قضى بشاهد ويمين. قال عبدالعزيز بن محمّد: لقيت سهيلاً، فسألته عنه؟ فلم يعرفه! وكان يقول بعد ذلك: حدّثني ربيعة، عنّي، عن أبي ويسوق الحديث.
وقد « جَمَعَها» أي تلك الأحاديث التي نسيها راويها، ورواها عمّن رواها عنه «بَعْضُهُمْ» وهو الخطيب البغدادي «فِي كِتابٍ(41)» مفرد(42).
وبالجملة فالمانع مفقود، والمقتضي للقبول موجود، وصيرورة الأصل فرعاً غير قادح بوجه. واللَّه تعالى أعلم.
« البابُ الثالِثُ»
« فِي تَحَمُّلِ الحَدِيْثِ و طُرُقِ نَقْلِهِ»
و فِيْهِ فُصُوْلٌ:
[الفَصْلُ] الأَوَّلُ: فِي أَهْلِيَّةِ التَحَمُّلِ
و شَرْطُهُ التَمْيِيْزُ؛ إِنْ تَحَمَّلَ بِالسَماعِ، و ما فِي مَعْناهُ» ليتحقّق فيه معناه. والمراد بالتمييز هنا: أن يفرّق بين الحديث الذي هو بصدد روايته وغيره، إن سمعه في أصل مصحّح، وإلّا اعتبر - مع ذلك - ضبطه. وفسّره بعضهم بفرقه بين القرة والدابة والحمار وأشباه ذلك؛ بحيث يميّز أدنى تميّز. والأوّل أصحّ. واحترز بتحمّله بالسماع عمّا لو كان بنحو الإجازة، فلا يعتبر فيه ذلك، كما سيأتي. والمراد بما في معنى السماع القراءة على الشيخ ونحوها.
«لا الإِسْلامُ» فلو تحمّل كافراً وأدّاه مسلماً، قبل. وقد اتّفق ذلك للصحابة، كرواية جبير بن مطعم أنّه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرء في المغرب بالطور، وكان قد جاء في فداء اُسارى بدر. فتحمّله كافراً ثمّ رواه بعد إسلامه. وكذلك رؤيته له صلى الله عليه وآله وسلم واقفاً بعرفة قبل الهجرة.
ص83 ورواية أبي سفيان في حديثه مع هرقل. وغيرها.
«وَ» لا «البُلُوْغُ» فيصحّ تحمّله من دونه «عَلَى الأَصَحِّ.
و قَد اتَّفَقَ الناسُ عَلَى رِوايَةِ جَماعَةٍ مِن الصَحابَةِ عَنْ النَبِيِّ صلى الله عليه وآله قَبْلَ البُلُوْغِ، كَالحَسَنَيْنِعليهما السلام» وقد كان سنّ الحسن عليه السلام عند موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو الثمان سنين، والحسين عليه السلام نحو السبع «وَ» عبداللَّه « ابْنِ عَبَّاسٍ، وَ» عبداللَّه «ابْنِ الزُبَيْرِ وَ النُعْمانِ بْنِ بَشِيْرٍ » والسائب بن يزيد، والمسور بن مخرمة «وَ غَيْرِهِمْ» وقبلوا روايتهم، من غير فرق بين ما تحمّلوه قبل البلوغ وبعده «وَ لَمْ يَزَل الناسُ يُسْمِعُونَ الصِبْيانَ» ويحضرونهم مجالس التحديث، ويعتدّون بروايتهم لذلك بعد البلوغ. وخالف في ذلك شذوذ فشرطوا فيه البلوغ.
نَعَمْ؛ تَحْدِيْدُ قَوْمٍ سِنَّهُمْ» المسوّغ للاستماع « بِعَشْرِ سِنِيْنَ، أَوْ خَمْسٍ، أَوْ أَْربَعٍ» سنين أو سبع سنين ونحوه « خَطَأٌ؛ لِاخْتِلافِ الناسِ فِي مَراتِبِ الفَهْمِ و التَمَيُّزِ» فمن فهم الخطاب وميّز ما يسمعه صحّ سماعه، وإن كان دون خمس، ومن لم يكن كذلك لم يصحّ، وإن كان ابن خمسين!. وقد ذكر الشيخ الفاضل تقيّ الدين الحسن بن داود: أنّ صاحبه ورفيقه السيّد غياث الدين ابن طاوس استقلّ بالكتابة واستغنى عن المعلّم وعمره أربع سنين. وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: رأيت صبيّاً ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون، وقد قرأ القرآن، ونظر في الرأي؛ غير أنّه إذا جاع بكى. وقال أبو محمّد عبداللَّه بن محمّد الاصفهاني: حفظت القرآن، ولي خمس سنين، وحملت إلى ابن المقري لأسمع منه، ولي أربع سنين، فقال بعض الحاضرين: لا تسمعوا له فيما يقرء فإنّه صبي صغير؛ فقال لي ابن المقري: اقرأ
ص84 سورة «قل ياأيّها الكافرون» فقرأتها فقال: «اقرأ سورة التكوير» فقرأتها؛ فقال لي غيره: «اقرأ سورة والمرسلات» فقرأتها ولم أغلط فيها، فقال ابن المقري: «اسمعوا له، والعهدة عليّ».
.
«وَ لا يُشْتَرَطُ فِي المَرْوِيِّ عَنْهُ أَنْ يَكُوْنَ أَكْبَرَ مِن الراوِي سِنَّاً، و لا رُتْبَةً» وقدراً وعلماً، بل يجوز أن يروي الكبير عن الصغير بعد اتّصافه بصفات الراوي «وَ قَدْ اتَّفَقَ ذلِكَ» كثيراً «لِلصَحابَةِ» رضي اللَّه عنهم «فَمَنْ دُوْنَهُمْ» من التابعين والفقهاء.
والغرض من هذا النوع أن لا يظنّ بناءً على الغالب من كون المرويّ عنه أكبر بأحد الاُمور دائماً، فيجهل بذلك منزلتهما. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أُمرنا أن ننزّل الناس منازلهم».
« الفَصْلُ الثاني:
فِي طُرُقِ التَحَمُّلِ » للحديث «و هِيَ سَبْعَةٌ:
أَوَّلُها: السَماعُ مِنْ لَفْظِ الشَيْخِ، سَواءٌ كانَ» إملاءً «مِنْ حِفْظِهِ أَمْ» كان تحديثه «مِنْ كِتابِهِ.و هُوَ» أي السماع من الشيخ «أَرْفَعُ الطُرُقِ» الواقعة في التحمّل «عِنْدَ جُمْهُوْرِ المُحَدِّثِيْنَ» لأنّ الشيخ أعرف بوجوه الحديث وتأديته. ولأنّه خليفة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وسفيره إلى اُمّته، والآخذ منه كالآخذ منه. ولأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر الناس - أوّلاً - وأسمعهم ما جاء به، والتقرير على ما جرى بحضرته صلى الله عليه وآله وسلم أولى. ولأنّ السامع أربط جأشاً وأوعى قلباً، وشغل القلب وتوزّع الفكر إلى القاري أسرع. وفي صحيحة عبداللَّه بن سنان قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: يجيئني قوم فيسمعون منّي حديثي فأضجر ولا أقوى!. قال: فاقرء عليهم من أوّله حديثاً، ومن وسطه حديثاً، ومن آخره حديثاً». فعدوله إلى قراءة هذه الأحاديث مع العجز، يدلّ على أولويته على قراءة الراوي، وإلّا لآمر بها.
«فَيَقُوْلُ» الراوي بالسماع من الشيخ في حالة كونه « راوِيَاً» لغيره ذلك المسموع :
«* «سَمِعْتُ»» فلاناً .. إلى آخره. «وَ هُيَ» أي هذه العبارة «أَعْلاها» أي أعلى العبارات في تأدية المسموع، لدلالته نصّاً على السماع الذي هو أعلى الطرق.
«* ثُمَّ » بعدها في المرتبة أن يقول: ««حَدَّثَنِي» و«حَدَّثَنا»» لدلالتهما أيضاً على قراءة الشيخ عليه، لكنّهما يحتملان الإجازة، لما سيأتي من أنّ بعضهم أجاز هذه العبارة في الإجازة والمكاتبة، بخلاف «سمعت» فإنّه لا يكاد أحد يقول: «سمعت» في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه. وروي عن بعض المحدّثين أنّه كان يقول: «حدّثنا فلان» ويتأوّل أنّه حدّث أهل المدينة - وكان الراوي حينئذ بها، إلّا أنّه لم يسمع منه شيئاً - مدلّساً بذلك. وكون «سمعت» في هذه الطرق أعلى منهما، مذهب الأكثر لما ذكرنا، «وَ قِيْلَ: هُما أَعَلَى» منها، لأنّه ليس في «سمعت» دلالة على أنّ الشيخ روى الحديث وخاطبه به، وفي «حدّثنا وأخبرنا» دلالة على أنّه خاطبه ورواه له. وفيه؛ أنّ هذه، وإن كانت مزيةً، إلّا أنّ الخطب فيها أسهل من احتمال الإجازة والتدليس ونحوهما، فيكون تحصيل ما ينفي ذلك أولى من تخصيصه باللفظ، أو كونه من جملة المقصودين به، إذ لا يفرق الحال - في صحّة الرواية بهذه المرتبة - بين قصده وعدمه.
«* ثُمَّ » بعد «حدّثني وحدّثنا» في المرتبة قوله - في هذه الحالة -: ««أَخْبَرَنا»» لظهور الإخبار في القول، ولكنّه يستعمل في الإجازة والمكاتبة كثيراً، فلذلك كان أدون.
«* ثُمَّ «أَنْبَأَنا» و «نَبَّأَنا» » لأنّ هذه اللفظة غالبة في الإجازة «وَ هُوَ قَلِيْلٌ» الاستعمال «هُنا» قبل ظهور الإجازة فكيف بعدها؟.
«* وَ» أمّا قول الراوي: ««قالَ لنا» و«ذَكَرَ لَنا»» فهو «مِنْ قَبِيْلِ «حَدَّثَنا»» فيكون أولى من «أنبأنا ونبّأنا» لدلالته على القول - أيضاً - صريحاً «لكِنَّهُ» ينقص عن «حدّثنا» بأنّه «بِما سُمِعَ فِي المُذاكَرَةِ » في المجالس «وَ المُناظَرَةِ» بين الخصمين «أَشْبَهُ » وأليق «مِنْ «حَدَّثَنا»» لدلالتهما على أنّ المقام لم يكن مقام التحديث، وإنّما اقتضاه المقام.
«* وَ أَدْناها» أي أدنى العبارات الواقعة في هذا الطريق، قول الراوي بالسماع: ««قالَ فُلانٌ» و لَمْ يَقُلْ: «لِي» أَوْ: «لَنا» » لأنّه بحسب مفهوم اللفظ أعمّ من كونه سمعه منه، أو بواسطة، أو بوسائط «وَ هُوَ» مع ذلك «مَحْمُوْلٌ عَلَى السَماعِ» منه عرفاً «إِذا تَحَقَّقَ لِقاؤُهُ» للمروي عنه، لا سيّما من عرف أنّه لا يقول ذلك إلّا فيما سمعه. وشرط بعضهم في حمله على السماع، أن يقع ممّن عرف من عادته أنّه لا يقول ذلك، إلّا فيما سمعه منه، حذراً من التدليس وهو أولى. وإن كان عدم اشتراطه أشهر.
«وَ ثانِيْها: القِراءَةُ عَلَى الشَيْخِ - و تُسَمَّى» عند أكثر قدماء المحدّثين ««العَرْضَ»» لأنّ القاري يعرضه على الشيخ، سواء كانت القراءة «مِنْ حِفْظٍ» الراوي «أَوْ» من «كِتابٍ» وسواء كان المقروء «لِما يَحْفَظُهُ» الشيخ أو كان الراوي يقرء «وَ الأَصْلُ» الذي يعارض به «بِيَدِهِ» أي بيد الشيخ من غير أن يحفظه «أَوْ يَدِ ثِقَةٍ» غيره، أمّا غير الثقة فلا يعتدّ بإمساكه، لاحتمال الغلط والتصحيف في مقروء الراوي، وعدم ردّ غير الثقة. واحتمال سهو الثقة نادر فلا يقدح، كما لا يقدح السهو لو قرأ الشيخ أيضاً.
«وَ هِيَ» أي هذه الطريقة «رِوايَةٌ صَحِيْحَةٌ، اتِّفاقَاً. » من المحدّثين، وإن خالف فيه من لا يعتدّ به. ولكن اختلفوا في أنّ القراءة على الشيخ مثل السماع من لفظه، في المرتبة، أو فوقه، أو دونه؟. والأشهر ما تقدّم من أنّ السماع أعلى، وقد عرفت وجهه
«وَ قِيْلَ: هُوَ» أي العرض « كَتَحْدِيْثِهِ» أي تحديث الشيخ بلفظه سواء. وهو المنقول عن علماء الحجاز والكوفة. لتحقّق القراءة في الحالتين، مع سماع الآخر، وقيام سماع الشيخ مقام قراءته في مراعاة الضبط. وورد به حديث عن ابن عبّاس أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواء» «وَ قِيْلَ:» العرض «أَعَلَى» من السماع من لفظ الشيخ. وما وقفت لهؤلاء على دليل مقنع إلّا ملاحظة الأدب مع الشيخ في عدم تكليفه بالقراءة، التي هي بصورة أن يكون تلميذاً لا شيخاً.
«وَ العِبارِةُ عَنْ هذِهِ الطَرِيْقِ:» أن يقول الراوي - إن أراد رواية ذلك -: «* «قَرَأْتُ عَلَى فُلانٍ» أَوْ «قُرِئَ عَلَيْهِ - و أَنَا أَسْمَعُ - فَأَقَرَّ» الشيخ «بِهِ»» أي لم يكتف بالقراءة عليه، ولا بعدم إنكاره، ولا بإشارته، بل تلفّظ بما يتضمّن الإقرار بكونه مرويّه. وهذان أعلى عبارات هذا الطريق، لدلالتهما على الواقع صريحاً، وعدم احتمالهما غير المطلوب.
«* ثُمّ » بعدهما في المرتبة أن يقول: ««حَدَّثَنا» و «أَخْبَرَنا»:
* مُقَيَّدَيْنِ بِ» قوله: ««قِراءَةً عَلَيْهِ» و نَحْوِهِ» من الألفاظ الدالّة عليه. «* أَوْ مُطْلَقَيْنِ» عن قوله: «قراءةً عليه» «عَلَى قَوْلٍ» بعض المحدّثين، لأنّ إقراره به قائم مقام التحديث والإخبار. ومن ثمّ جازا مقترنين بالقراءة عليه.
وقيل: لا يسوغ هنا الإطلاق، لأنّ الشيخ لم يحدّث ولم يخبر، وإن أقرّ، وإنّما سمع الحديث، ولا يلزم من جوازهما مقيّدين جوازهما مطلقين، لأنّ الألفاظ المستعملة على وجه تقرن بغيرها من القرائن الدالّة عليهما، ولا تطلق - كذلك - مقيّدة لمعناها.
«* وَ فِي قَوْلٍ ثالِثٍ: يَجُوْزُ إِطْلاقُ الثانِي» وهو أخبرنا «دُوْنَ الأَوَّلِ» وهو حدّثنا لقوّة إشعاره بالنطق والمشافهة دون «أخبرنا»، فإنّه يتجوّز بها في غير النطق كثيراً. أو لأنّ الفرق قد شاع بين أهل الحديث وإن لم يكن بينهما فرق من جهة اللغة، ومن فرّق بينهما لغةً فقد تكلّف عناءً.
«وَ» القول بالفرق «هُوَ الأَظْهَرُ» في الأقوال، والأشهر في الاستعمال.
«* وَ إِذا قالَ» الراوي «لَهُ» أي للمروي عنه: «: «أَخْبَركَ فُلانٌ» » بكذا، وهو ساكت، مصغ إليه، فاهم لذلك «فَلَمْ يُنْكِرْ» ذلك «صَحَّ» الإخبار والتحديث عنه «وَ إِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ» بما يقتضي الإقرار به «عَلَى قَوْلٍ» الأكثر؛ لدلالة القرائن المتضافرة على أنّه مقرّ به، ولأنّ عدالته تمنع عن السكوت عن إنكار ما ينسب إليه بغير صحّة. وشرط بعضهم نطقه، ليتحقّق التحديث والإخبار، ولأنّ السكوت أعمّ من الإقرار، ولهذا يقال: لا ينسب إلى الساكت مذهب. فعلى الأوّل يجوز للراوي أن يقول - كالأوّل -: «حدّثنا أو أخبرنا» تنزيلاً لسكوته - مع قيام القرائن على إقراره - منزلة إخباره.
«* وَ قِيْلَ:» إنّما «يَقُوْلُ: «قُرِىءَ عَلَيْهِ» » وهو يسمع، ونحوه، و «لا» يجوز أن يقول: ««حَدَّثَنِي»» لأنّه كذب. وحينئذٍ، فله أن يعمل به، ويرويه كذلك.
«* وَ ما سَمِعَهُ الراوِي» الراوي من الشيخ «و حْدَهُ، أَوْ شَكَّ» هل سمعه وحده أو مع غيره؟ «قالَ» عند روايته لغيره «: «حَدَّثَنِي»» وأخبرني، بصيغة المتكلّم وحده، ليكون مطابقاً للواقع مع تحقّق الوحدة، ولأنّه المتيقّن مع الشكّ، ولأصالة عدم سماع غيره معه «وَ» ما سمعه «مَعَ غَيْرِهِ» يقول: «: «حَدَّثَنا»» أو أخبرنا، بصيغة الجمع، للمطابقة أيضاً. وقيل: إنّه يقول مع الشكّ: «حدّثنا» لا: «حدّثني» لأنّه أكمل مرتبةً من «حدّثنا» حيث أنّه يحتمل عدم قصده؛ بل التدليس بتحديث أهل بلده كما مرّ، فليقتصر - إذا شكّ - على الناقص وصفاً، لأنّ عدم الزائد هو الأصل. وهذا التفصيل بملاحظة أصل الإفراد والجمع، وهو الأولى.
«* وَ لَوْ عَكَسَ» الأمر «فِيْهِما» فقال في حالة الوحدة والشكّ: «حدّثنا» بقصد التعظيم، وفي حال الاجتماع: حدّثني، نظراً إلى دخوله في العموم، وعدم إدخال من معه في لفظه «جازَ» لصحّته لغةً وعرفاً.
«* وَ مُنِعَ» أي منع العلماء في الكلمات الواقعة «فِي المُصَنَّفاتِ» بلفظ: أخبرنا، أو: حدّثنا من «إِبْدالُ إِحْداهُما بالأُخْرَى» لاحتمال أن يكون من قال ذلك لا يرى التسوية بينهما، وقد عبّر بما يطابق مذهبه. وكذا ليس له إبدال «سمعت» بإحداهما، ولا عكسه. وعلى تقدير أن يكون المصنّف ممّن يرى التسوية بينهما؛ فيبنى على الخلاف المشهور في نقل الحديث بالمعنى؛ فإن جوّزناه جاز الإبدال، وإلّا فلا «وَ أَمَّا المَسْمُوْعُ» منهما، من غير أن يذكر في مصنّف «فَيُبْنَى» جواز تعبيره بالآخر «عَلَى الرِوايَةِ بِالمَعْنَى» وعدمه، فإن قلنا به جاز التعبير، وإلّا فلا. سواء قلنا بتساويهما في المعنى أم لا؟ لأنّه - حينئذٍ - يكون مختاراً لعبارة مؤدّية لمعنى الاُخرى، وإن كانت أعلى مرتبةً، أو أدنى.
«وَ لاتَصِحُّ» الرواية «وَ » الحال أنّ «السامِعُ - أَو المَسْمُوْعُ مِنْهُ - مَمْنُوْعٌ مِنْهُ» أي من السماع «بِنَسْخٍ و نَحْوِهِ» من الموانع، كالحديث، والقراءة المفرطة في الإسراع، والخفيّة؛ بحيث يخفى بعض الكلم، والبعد عن القاري، ونحو ذلك، والضابط كونه «بِحَيْثُ لايَفْهَمُ المَقْرُوْءَ» لعدم تحقّق معنى الإخبار والتحديث معه؛ فلو اتّفق، قال: «حضرت» لا: «حدّثنا وأخبرنا». وقيل: يجوز «وَ يُعْفَى عَن اليَسِيْرِ» من النسخ ونحوه، على وجه لا يمنع أصل السماع، وإن منع وقوعه على الوجه الأكمل. ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس في حسن الفهم وعدمه، واندفاعه بالشواغل فإنّ فيهم من لا يمنعه النسخ ونحوه مطلقاً، ومنهم من يمنعه أدنى عائق. وقد روي عن الحافظ أبي الحسن الدارقطني، أنّه حضر في حداثته مجلس الصفّار، فجلس ينسخ جزءً كان معه، والصفّار يملي، فقال بعض الحاضرين: لا يصحّ سماعك وأنت تنسخ؛ فقال: فهمي للإملاء خلاف فهمك. ثمّ قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث، إلى الآن؟. فقال: لا؛ فقال الدارقطني: أملى ثمانية عشر حديثاً. فعدّت الأحاديث فوجدت كما قال. ثمّ قال أبو الحسن: الحديث الأوّل منها عن فلان ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان ومتنه كذا. ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتّى أتى على آخرها، فتعجّب الناس منه.
«وَ لْيُجِزْ» الشيخ «لِلسامِعِيْنَ رِوايَتَهُ» أي رواية المسموع أجمع أو الكتاب، بعد الفراغ منه، وإن جرى على كلّه اسم السماع. وإنّما كان الجمع أولى لاحتمال غلط القاري وغلط الشيخ، أو غفلة السامع عن بعضه، فيجبر ذلك بالإجازة لما فاته. وإذا كتب لأحدهم خطّه - حينئذ - كتب: «سمعه منّي وأجزت له روايته عنّي» جمعاً بين الأمرين.
«وَ إِذا عَظُمَ مَجْلِسُ المُحَدِّثِ» وكثر فيه الخلق، ولم يمكن إسماعه للجميع «فَبَلَّغَ» عنه «مُسْتَمْلٍ؛ رَوَى» سامع المستملي «عَنْ المُمْلَي» عند بعض المحدّثين، لقيام القرائن الكثيرة بصدقه فيما بلّغه - في مجلس الشيخ - عنه، ولجريان السلف عليه، فقد كان كثير من الأكابر يعظم الجمع في مجالسهم جدّاً حتّى تبلغ اُلوفاً مؤلّفةً، ويبلّغ عنهم المستملون، فيكتبون عنهم بواسطة تبلّغهم. وأجاز غير واحد رواية ذلك عن المملي. وأكثر ما بلغنا - في ذلك عن أصحابنا - أنّ الصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عبّاد قدّس اللَّه سرّه، لمّا جلس للإملاء، حضر خلق كثير، وكان المستملي الواحد لا يقوم بالإملاء، حتّى انضاف إليه ستّة، كلّ يبلّغ صاحبه. وروى أبو سعيد السمعاني في «أدب الاستملاء» أنّ المعتصم وجّه من يحرز مجلس عاصم بن علي بن عاصم، في رحبة النخل، في جامع الرصافة، قال: وكان عاصم يجلس على سطح المسقاط، وينتشر الناس في الرحبة وما يليها، فيعظم الجمع جدّاً، حتّى سمع يوماً يستعاد اسم رجل في الإسناد أربع عشرة مرّةً، والناس لا يسمعون، فلمّا بلغ المعتصم كثرة الجمع أمر من يحرزهم، فحرزوا المجلس عشرين ومائة ألف. ثمّ خمدت نار العلم، وبار، وولّت عساكره الأدبار.
فكأنّه برق تألّق بالحمى
ثمّ انطوى فكأنّه لم يلمع
«وَ قِيْلَ: لا» يجوز لمن أخذ عن المستملي أن يرويه من المملي بغير واسطة المستملي «وَ هُوَ الأَظْهَرُ» لأنّه خلاف الواقع.
«وَ لايُشْتَرَطُ» في صحّة الرواية بالسماع والقراءة «التَرائِي» بأن يرى الراوي المروي عنه، بل يجوز، ولو من وراء حجاب «إِذا عَرَفَ الصَوْتَ» إنّ حدّث بلفظه، أو عرف حضوره إن قرئ عليه «أَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ» أنّه هو فلان المرويّ عنه. ومن ثمّ صحّت رواية الأعمى كابن اُمّ مكتوم، وقد كان السلف يسمعون من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهنّ من النساء، من وراء حجاب، ويروونه عنهنّ اعتماداً على الصوت. واستدلّوا عليه - أيضاً - بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ بلالاً يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا حتّى تسمعوا أذان ابن اُمّ مكتوم.
«وَ قِيْلَ: بَل يُشْتَرَطُ (43)» الرؤية، لإمكان المماثلة في الصوت، وقد كان بعض السلف يقول: إذا حدّثك المحدّث فلم تر وجهه فلا ترو عنه، فلعلّه شيطان قد تصوّر في صورته، يقول: حدّثنا وأخبرنا. والحقّ أنّ العلم بالصوت يدفع ذلك، واحتمال تصوّر الشيطان مشترك بين المشافهة ووراء الحجاب. «وَ» كذا «لا» يشترط «عِلْمُهُ» أي علم المحدّث «بِالسامِعِيْنَ» فلو استمع من لم يعلمه بوجه من الوجوه المانعة من العلم، جاز للسامع أن يرويه، لتحقّق معنى السماع المعتبر. «وَ لَوْ قالَ» المحدّث «: «أُخْبِرُكُمْ و لا أُخْبِرُ فُلانَاً» أَوْ خَصَّ قَوْمَاً بِالسَماعِ؛ فَسَمِعَ غَيْرُهُمْ، أَوْ قالَ بَعْدَ السَماعِ: «لايَرْوِ عَنِّي»» والحال أنّه «غَيْرَ ذاكِرٍ خَطَأً للراوِي (44) » أوجب الرجوع عن الرواية «رَوَى (45)» السامع عنه في الجميع، لتحقّق إخبار الجميع، وإن لم يقصد بعضهم. حتّى لو خلف لا يخبر فلاناً بكذا، فأخبر جماعةً هو فيهم واستثناه، حنث. بخلاف ما لو حلف لا يكلّمه واستثناه. وكذلك نهيه عن الرواية، لأنّه لا يزيلها بعد تحقّقها؛ لأنّه قد حدّثه فهو شيء لا يرجع فيه. وفي معناه ما لو قال: رجعت عن إخباري إيّاك به، أو: لا آذن لك في روايته، ونحو ذلك. نعم، لو كان رجوعه لتذكّره خطأً في الرواية تعيّن الرجوع، ويقبل قوله فيه.
«وَ ثالِثُها: الإِجازَةُ»: وهي - في الأصل - مصدر «أجاز» وأصلها «إجوازة» تحرّكت الواو فتوهّم انفتاح ما قبلها فانقلبت ألفاً، وبقيت الألف الزائدة التي بعدها فحذفت لالتقاء الساكنين، فصارت «إجازة»، وفي المحذوف من الألفين قولان مشهوران: الأوّل قول سيبويه، والثاني قول الأخفش.
«وَ هِيَ» مأخوذة «مِنْ» جواز الماء الذي يسقاء المال، من الماشية والحرث، ومنه «قَوْلِهِمْ: « اسْتَجَزْتُهُ فَأَجازَنِي » إِذا سَقاكَ» ماءً «
لِماشِيَتِكَ أَوْ أَرْضِكَ؛ فَالطالِبُ» للحديث «يَسْتَجِيْزُ العالِمَ عِلْمَهُ» أي يطلب إعطاءه له، على وجهٍ يحصل به الإصلاح لنفسه كما يحصل للأرض والماشية الإصلاح بالماء «فَيُجِيْزُهُ لَهُ».
وكثيراً ما يطلق على العلم اسم الماء، وعلى النفس اسم الأرض، وعليه بعض المفسّرين لقوله تعالى: «وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت».
«وَ حِيْنَئِذٍ» أي إذا كان أخذها من الإجازة التي هي الإسقاء «فَتَتَعَدَّى» إلى المفعول «بِغَيْرِ حَرْف» جرٍّ، ولا ذكر: رواية «فَتَقُوْلُ: «أَجَزْتُهُ مَسْمُوْعاتِي » - مَثَلاً -» كما تقول: أجزته مائي.
«وَ قِيْلَ: هِي» أي الإجازة «إِذْنٌ» وتسويغ، وهو المعروف، وعلى هذا «فَتَقُوْلُ: «أَجَزْتُ لَهُ رِوايَةَ كَذا» » كما تقول: أذنت له وسوّغت له «وَ قَدْ يُحْذَفُ المُضافُ» الذي هو متعلّق الإذن، فتقول: أجزت له مسموعاتي - مثلاً - من غير ذكر «الرواية» على وجه المجاز بالحذف. وإذا تقرّر ذلك؛ فاعلم أنّ المشهور بين العلماء المحدّثين والاُصوليين أنّه يجوز العمل بها، بل ادّعى جماعة الإجماع عليه، نظراً إلى شذوذ المخالف.
وقيل - وهو يعزى إلى الشافعي في أحد قوليه، وجماعة من أصحابه منهم الفاضل حسين، والماورديّ -: لا تجوز الرواية بها؛ استناداً إلى أنّ قول المحدّث: أجزت لك أن تروي عنّي، في معنى: أجزت لك ما لا يجوز في الشرع؛ لأنّه لا يبيح رواية ما لم يسمع، فكان في قوّة: أجزت لك أن تكذب عليّ. وأجيب؛ بأنّ الإجازة - عرفاً - في قوّة الإخبار بمرويّاته جملةً، فهو كما لو أخبره تفصيلاً، والإخبار غير متوقّف على التصريح نطقاً، كما في القراءة على الشيخ، والغرض حصول الإفهام وهو يتحقّق بالإجازة. وبأنّ الإجازة والرواية بالإجازة مشروطان بتصحيح الخبر من المخبر، بحيث يوجد في أصل صحيح، مع بقيّة ما يعتبر، لا الرواية عنه مطلقاً سواء عُرِفَ أم لا؟! فلا يتحقّق الكذب. ثمّ اختلف المجوّزون في ترجيح السماع عليها أو العكس على أقوال: ثالثها: الفرق بين عصر السلف، قبل جمع الكتب المعتبرة التي يعوّل عليها ويرجع إليها، وبين عصر المتأخّرين: ففي الأوّل السماع أرجح، لأنّ السلف كانوا يجمعون الحديث من صحف الناس وصدور الرجال، فدعت الحاجة إلى السماع خوفاً من التدليس والتلبيس. بخلاف ما بعد تدوينها، لأنّ فائدة الرواية - حينئذٍ - إنّما هي اتّصال سلسلة الإسناد بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، تبرّكاً وتيمّناً، وإلّا فالحجّة تقوم بما في الكتب، ويعرف القويّ منها والضعيف من كتب الجرح والتعديل، وهذا قويّ متين.
ثمّ الإجازة تتفرّع أنواعاً أربعة؛ لأنّها: إمّا أن تتعلّق بأمر معيّن لشخص معيّن، أو عكسه، أو بأمر معيّن لغيره، أو عكسه.
«* وَ أَعْلاها» الأوّل، وهو الإجازة « لِمُعَيَّنٍ بِهِ» أي بمعيّن، كأجزتك الكتاب الفلاني، أو: ما اشتمل عليه فهرستي هذا. وإنّما كانت أعلى لانضباطها بالتعيين، حتّى قال بعضهم: إنّه لا خلاف فيه؛ وإنّما الخلاف في غير هذا النوع.
«* أَوْ» الإجازة لمعيّن «بِغَيْرِهِ» أي غير معيّن، كقولك: أجزتك مسموعاتي، أو أمروياتي، وما أشبهه، وهذا - أيضاً - جائز على الأشهر «وَ» لكنّ «الخِلافُ فِيْهِ أَكْثَرُ» من حيث عدم انضباط المجاز، فيبعد عن الإذن الإجمالي المسوّغ له. ولو قيّدت بوصف خاصٍّ، كمسموعاتي من فلان أو في بلد كذا، إذا كانت متميّزة، فأولى بالجواز.
«* ثُمَّ » بعدهما في المرتبة: الإجازة «لِغَيْرِهِ» أي غير معيّن، كجميع المسلمين، أو كلّ من أدرك زماني، وما أشبه ذلك، سواء كان بمعيّن، كالكتاب الفلاني، أو بغير معيّن، كما يجوز لي روايته، ونحوه.
«وَ فِيْهِ» أيضاً «خِلافٌ» مرتّب في القوّة بحسب المرتبتين، فجوّزه على التقديرين جماعة من الفقهاء والمحدّثين. وممّن وقفت على اختياره لذلك من متأخّري أصحابنا شيخنا الشهيد، وقد طلب من شيخه السيّد تاج الدين ابن معيّة الإجازة له ولأولاده ولجميع المسلمين، ممّن أدرك جزءاً من حياته جميع مرويّاته، فأجازهم ذلك بخطّه.
«وَ يُقَرِّبُهُ إِلَى الجَوازِ تَقْيِيْدُهُ بِوَصْفٍ خاصٍّ» كأهل بلد معيّن. فإن جوّزنا العامّ جاز هنا بطريق أولى، وإلّا احتمل الجواز هنا للحصر.
«* وَ تَبْطُلُ» الإجازة «بِ» مرويّ «مَجْهُوْلٍ، أَوْ لَهُ» أي لشخص مجهول.
فالأول: «كَ«كِتابِ كَذا» و لَهُ» أي للمجيز «مَرْوِيَّاتٌ كَثِيْرَةٌ بِذلِكَ الاسْمِ».
«وَ » الثاني «كَ» قوله: أجزت ««لِمُحَمَّدِ بْنِ فُلانٍ» و لَهُ مُوافِقُوْنَ فِيْهِ» أي في ذلك الاسم والنسب، ولا يعيّن المجاز له منه.
«وَ» ليست من هذا القبيل «إِجازَتُهُ لِجَماعَةٍ» مسمّين معيّنين بأنسابهم، والمجيز «لايَعْرِفُ أَعْيانَهُمْ» فإنّه غير قادح «كَإِسْماعِهِمْ» أي كما لا يقدح عدم معرفته لهم إذا حضروا في السماع عنه، كما تقدّم؛ لحصول العلم في الجملة، وتميّزهم في أنفسهم هنا. «وَ» تعليق الإجازة على الشرط كقوله: ««أَجَزْتُ لِمَنْ شاءَ فُلانٌ» باطِلٌ» لا يعتدّ بها عند جماعة؛ للجهالة والتعليق، كقوله: أجزت لبعض الناس. «وَ قِيْلَ: لا» لارتفاع الجهالة عند وجود المشيئة، بخلاف الجهالة الواقعة في الإجازة لبعض الناس.
«وَ «لِمَنْ شاءَ الإِجازَةَ أَو الرِوايَةَ» أَوْ «لِفُلانٍ إِنْ شاءَ» أَوْ «لَكَ إِنْ شِئْتَ» يَصِحُّ» لأنّها - وإن كانت معلّقة - إلّا أنّها في قوّة المطلقة، لأنّ مقتضى كلّ إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة المجاز له، فكان هذا - مع كونه بصفة التعليق - في قوّة ما يقتضيه الإطلاق، وحكايةً للحال، لا تعليقاً حقيقةً، حتى أجاز بعض العلماء: بعتُك هذه الدار إن شئت، فقال: قبلت.
و «لا» تصحّ الإجازة «لِمَعْدُوْمٍ» كقوله: أجزت لمن يولد لفلان، كما لا يصحّ الوقف عليه ابتداءً. وقيل: «بَلْ» تصحّ الإجازة للمعدوم «اِنْ عُطِفَ» المعدوم «عَلَى مَوْجُوْدٍ» كأجزت لفلان ومن يولد له؛ كالوقف. ومنهم من أجازها للمعدوم مطلقاً، بناءً على أنّها إذن لا محادثة. وردّ بأنّها لا تخرج عن الإخبار بطريق الجملة، كما سلف، وهو لا يعقل للمعدوم ابتداءً، ولو سلّم كونها إذناً فهي لا تصحّ للمعدوم كذلك، كما لا تصحّ الوكالة للمعدوم.
«وَ تَصِحُّ لِغَيْرِ مُمَيِّزٍ» من المجانين والأطفال بعد انفصالهم، بغير خلاف ينقل في ذلك من الجانبين. وقد رأيت خطوط جماعة من فضلائنا بالإجازة لأبنائهم عند ولادتهم، مع تاريخ ولادتهم، منهم السيّد جمال الدين ابن طاوس لولده غياث الدين، وشيخنا الشهيد استجاز من أكثر مشايخه بالعراق لأولاده الذين ولدوا بالشام قريباً من ولادتهم، وعندي الآن خطوطهم لهم بالإجازة. وذكر الشيخ جمال الدين أحمد بن صالح السيبي قدس سره: أنّ السيّد فخار الدين الموسوي اجتاز بوالد مسافراً إلى الحجّ قال؛ فأوقفني والدي بين يدي السيّد، فحفظت منه أنّه قال لي: ياولدي؛ أجزت لك ما تجوز لي روايته، ثمّ قال: وستعلم - فيما بعد - حلاوة ما خصصتك به. وعلى هذا جرى السلف والخلف، كأنّهم رأوا الطفل أهلاً لتحمّل هذا النوع من أنواع الحديث النبوي ليؤدّي به بعد حصول أهليّته حرصاً على توسّع السبيل إلى بقاء الإسناد الذي اختصّت به هذه الاُمّة من رسول صلى الله عليه وآله وسلم بعلوّ الإسناد.
«وَ فِيْها» أي في الإجازة «للحَمْلِ» قبل وضعه «وَجْهانِ» بل قولان: بالصحّة، نظراً إلى وجوده. وعدمه، نظراً إلى عدم تميّزه. وقد تقدّم أنّه غير مانع، فيتجّه الجواز.
«وَ تَصِحُّ لِلْكافِرِ» كما يصحّ سماعه، للأصل «وَ» تظهر «الفائِدَةِ إِذا أَسْلَمَ» وقد وقع ذلك في قريب من عصرنا، وحصل به النفع «وَ لِلفاسِقِ و المُبْتَدِعِ، بِطَرِيْقٍ أَوْلَى» فرجاء زوال فسق المسلم أقرب، ورواية المبتدع تقبل على بعض الوجوه، وقد تقدّم.
و «لا(46) » تجوز الإجازة «بِما لَمْ يَتَحَمَّلْهُ» المجيز من الحديث «لِيَرْوِيَهُ عَنْهُ إِذا تَحَمَّلَهُ» المجيز بعد ذلك، لما عرفت من أنّها في حكم الإخبار بالمجاز جملةً، أو إذن، ولا يعقل أن يجيز بما لم يجز به، ولا أن يأذن فيما لا يملك، كما لو وكّل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه. وذهب بعضهم إلى جوازه بناءً على جواز الإذن كذلك حتّى في الوكالة. وحينئذ «فَيُعْتَبَرُ» من يريد الإجازة بجميع مسموعاته - مثلاً - «فِي الرِوايَةِ تَحْقِيْقُ ما تَحَمَّلَهُ» منها «قَبْلَها، لِيَرْوِيَهُ» لكن، لو قال: أجزت لك ما صحّ ويصحّ عندك من مسموعاتي - مثلاً - صحّ أن يروي بذلك عنه ما صحّ عنده بعد الإجازة أنّه سمعه قبل الإجازة. وأجاز بعضهم إجازة ما يتجدّد من روايته ممّا لم يتحمّله، ليرويه المجاز له إذا تحمّله المجيز بعد ذلك، وقد فعله جماعة من الأفاضل.
«* وَ تَصِحُّ» للمجاز له «إِجازَةُ المُجازِ» لغيره فيقول: أجزت لك مجازاتي، أو: رواية ما اُجيز لي روايته؛ لأنّ روايته إذا صحّت لنفسه جاز أن يرويها لغيره.
«وَ قِيْلَ: لا » يجوز إجازتها، وإنّما يجوز للمجاز العمل بها لنفسه خاصّةً. وهو متروك.
«وَ» ينبغي لمن روى بالإجازة أن «يَتَأَمَّلُها» أي إجازة شيخ شيخه التي أجازها له شيخه «لِيَرْوِيَ » المجاز الثاني «ما دَخَلَ تَحْتَها» ولا يتجاوزها. «فَإِنْ أُجِيْزَ شَيْخُهُ بِما صَحَّ سَماعُهُ عِنْدَهُ» من مسموعات شيخه «لَمْ يَرْوِ » هذا المجاز الثاني عن شيخه - وهو الأوسط - «إِلّا ما تَحَقَّقَ» عند الراوي الأخير «أَنَّهُ صَحَّ - عِنْدَ شَيْخِهِ » وهو الأوسط «أَنَّهُ سَماعُ شَيْخِهِ» ولا يكتفي بمجرّد صحّة ذلك عنده الآن، من غير أن يكون قد صحّ سماعه عند شيخه عملاً بمقتضى لفظه وتقييده، فينبغي التنبّه لذلك وأشباهه.
«وَ» إنّما «تُسْتَحْسَنُ:» الإجازة «مَعَ عِلْمَِ المُجِيْزِ بِما أَجازَ»ه «وَ كَوْنِ المُجازِ» له «عالِمَاً» أيضاً، لأنّها توسّع وترخيص يتأهّل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها «وَ قِيْلَ: يُشْتَرَطُ» العلم فيها، والأشهر عدمه.
«وَ إِذا كَتَبَ» المجيز «بِها» أي بالإجازة «وَ قَصَدَها، صَحَّتْ» الإجازة «بِغَيْرِ تَلَفُّظٍ» بها، كما صحّت الرواية بالقرائة على الشيخ، مع أنّه لم يتلفّظ بما قريء عليه «وَ بِهِ» أي باللفظ مع الكتابة «أَوْلَى(47)» منها بدون اللفظ، لتحقّق الإخبار، الذي متعلّقه اللفظ، أو الإذن. والمقتصر على الكتابة، ينظر إلى تحقّق الإذن والإخبار بالكتابة مع القصد، كما تتحقّق الوكالة بالكتابة مع قصدها عند بعضهم؛ حيث أنّ الغرض مجرّد الإباحة، وهي تتحقّق بغير اللفظ، كتقديم الطعام إلى الضيف، ودفع الثوب إلى العريان ليلبسه، ونحو ذلك، والأخبار يتوسّع بها في غير اللفظ عرفاً.
و رابِعُها: المُناوَلَةُ، و هِيَ نَوْعانِ:
أَحَدُهُما:»المناولة «المَقْرُوْنَةُ بِالإِجازَةِ، و هِيَ أَعْلَى أَنْواعِها» أي أنواع الإجازة على الإطلاق؛ حتّى أنكر بعضهم إفرادها عنها، لرجوعها إليها. وإنّما يفترقان في أنّ المناولة تفتقر إلى مشافهة المجيز للمجاز، وحضوره، دون الإجازة. وقيل: إنّها أخفض من الإجازة؛ لأنّها إجازة مخصوصة في كتاب بعينه، بخلاف الإجازة.
«ثُمَّ لَها مَراتِبُ: »
منها: «* أَنْ يُعْطِيَهُ تَمْلِْيكَاً ، أَوْ عارِيَةً ؛ لِيَنْسَخَ أَصْلَهُ » أي أصل سماع الشيخ ونحوه «وَ يَقُوْلُ » له: «: « هذا سَماعِي مِنْ فُلانٍ » أو: روايتي له «فَارْوِهِ عَنِّي » » أو: أجزت لك روايته عنّي، ثمّ يملّكه إيّاه، أو يقول: خذه وانسخه وقابل به ثمّ ردّه إليّ، ونحو هذا.
«وَ يُسَمَّى :» هذا «« عَرْضَ المُناوَلَةِ» إِذِ القِراءَةُ عَرْضٌ» ويقال لها: عرض القراءة «وَ هِيَ» أي المناولة المقترنة بالإجازة «دُوْنَ السَماعِ» في المرتبة، على الأصحّ، لاشتمال القراءة على ضبط الرواية وتفصيلها بما لا يتّفق بالمناولة. «وَ قَيْلَ:»: إنّ المناولة مع الإجازة «مِثْلُهُ» أي مثل السماع، من حيث تحقّق أصل الضبط من الشيخ، ولم يحصل منه - مع سماعه من الراوي - إخبار مفصّل بل إجماليّ، فتكون المناولة بمنزلته.
«* ثُمَّ» دون هذه في المنزلة «أَنْ يُناوِلَهُ سَماعَهُ، و يُجِيْزَهُ لَهُ، ويُمْسِكُهُ» الشيخ عنده، ولا يمكّنه منه «فَيَرْوِيْهِ» عند «إِذا وَجَدَهُ» وظفر به «أَوْ ما قُوْبِلَ بِهِ» على وجه يثق معه بموافقته لما تناولته الإجازة، على ما هو معتبر في الإجازات المجرّدة عن المناولة «وَ» هذه المرتبة تتقاعد عمّا سبق، لعدم احتواء الطالب على ما تحمّله، وغيبته عنه؛ فلهذا لا يكاد يظهر لها مزية على الإجازة الواقعة في معيّن - كذلك - من غير مناولة، إلّا أنّ المشهور أنّ «لَها مَزِيَّةٌ عَلَى الإِجازَةِ» المجرّدة في الجملة، باعتبار تحقّق أصل المناولة «وَ قِيْلَ: لا» مزية لها عليها أصلاً، وهو قريب «فإِنْ أَتاهُ» أي أتى الطالب الشيخ «بِكِتابٍ، فَقالَ» الطالب للشيخ «: «هذَا رِوايَتُكَ، فَناوِلْنِيْهِ» » وأجزني روايته «فَفَعَلَ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ» في الكتاب، وتحقيق لكونه رواه جميعه أم لا «فَباطِلٌ - إِنْ لَمْ يَثِقْ بِمَعْرِفَةِ الطالِبِ» بحيث يكون ثقةً متيقّظاً «وَ إِلّا صَحَّ» الاعتماد عليه، وكانت إجازةً جايزةً، كما جاز في القراءة على الشيخ الاعتماد على الطالب حتّى يكون هو القاري من الأصل، إذا كان موثّقاً به معرفةً وديناً.
«وَ كَذا» يجوز مطلقاً «إِنْ قالَ الشَيْخُ: «حَدِّثْ عَنِّي بِما فِيْهِ إِنْ كانَ حَدِيثِي»» مع براءتي من الغلط والوهم؛ لزوال المانع السابق، مع احتمال بقاء المنع للشكّ عند الإجازة، وتعليقها على الشرط.
«وَ ثانِيْهِما:» المناولة «المُجَرَّدَةُ عَنْ الإِجازَةِ؛ بَأَنْ يُناوِلَهُ كِتابَاً، و يَقُوْلَ: «هذا سَماعِي»» أو: روايتي «مُقْتَصِرَاً عَلَيْهِ» أي من غير أن يقول: اروه عنّي، أو: أجزت لك روايته عنّي، ونحو ذلك. وهذه مناولة مختلّة «فَالصَحِيْحُ أَنَّهُ لايَجُوْزُ لَهُ الرِوايَةُ بِها، و جَوَّزَها» أي الرواية بذلك «بَعْضُ المُحَدِّثِيْنَ» لحصول العلم بكونه مرويّاً له، مع إشعارها بالإذن له في الرواية. واستدلّ لها من الحديث بما ورد عن ابن عبّاس أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث بكتابه إلى كسرى مع عبداللَّه بن حُذافة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، ويدفعه عظيم البحرين إلى كسرى. وفي أخبارنا؛ روى في الكافي بإسناده إلى أحمد بن عمر الحلّال، قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول: إروه عنّي، يجوز لي أن أرويه عنه؟. فقال: إذا علمت أنّ الكتاب له فاروه عنه. وسيأتي أنّ منهم من أجاز الرواية بمجرّد إعلام الشيخ الطالب أنّ هذا الكتاب سماعه من فلان، وهذا يزيد على ذلك ويترجّح بما فيه من المناولة، فإنّها لا تخلو من إشعاره بالإذن.
«و إِذا رَوَى بِها» أي بالمناولة، بأيّ معنىً فرض « قالَ: «حَدَّثَنا » فلان «مُناوَلةً»» و: أخبرنا مناولةً، غير مقتصر على «حدّثنا وأخبرنا» لإيهامه السماع أو القراءة. «وَ قِيْلَ:» يجوز أن «يُطْلِقُ» خصوصاً في المناولة المقرونة بالإجازة، لما عرفت من أنّها في معنى السماع «وَ جَوَّزَهُ» أي إطلاق: حدّثنا وأخبرنا «بَعْضُهُمْ فِي الإِجازَةِ المُجَرَّدَةِ عَنْها» أي عن المناولة. والأشهر اعتبار ضميمة القيد بالمناولة، أو الإجازة، أو الإذن، ونحوها. وكان قد خصّص قوم الإجازة بعباراتٍ لم يسلموا فيها من التدليس، كقولهم في الإجازة: «أُخبرنا أو حدّثنا مشافهةً» إذا كان قد شافهه بالإجازة لفظاً، وكعبارة من يقول: «أخبرنا فلان كتابةً أو فيما كتب إليّ» إذا كان قد أجازه بخطّه. وهذا ونحوه لا يخلو عن التدليس لما فيه من الاشتراك والاشتباه بما هو أعلى منه، كما إذا كتب إليه ذلك الحديث نفسه. «وَ» لأجل السلامة من ذلك «خَصَّ بَعْضُهُمْ الإِجازَةَ شِفاهَاً بِ«أَنْبَأَنِي» و» ما كتب إليه المحدّث من بلد «كِتابَةً» ولم يشافهه في الإجازة «بِ«كَتَبَ إِلَيَّ»» فلان كذا.
«وَ بَعْضُهُم اسْتَعْمَلَ فِي الإِجازَةِ» الواقعة في رواية من «فَوْقَ الشَيْخِ»المستمع بكلمة ««عَنْ»» فيقول أحدهم إذا سمع على شيخ بإجازته عن شيخه: «قرأت على فلان عن فلان» ليتميّز عن السماع الصريح، وإن كان «عن» مشتركاً بين السماع والإجازة.
«وَ» اعلم أنّه «لايَزُوْلُ المَنْعُ مِنْ» إطلاق ««أَخْبَرَنا» و «حَدَّثَنا»» في الإجازة «بِإِباحَةِ المُجِيْزِ» لذلك، كما اعتاده قوم من المشايخ من قولهم في إجازاتهم لمن يجيزون لهم: «إن شاء قال حدّثنا، وإن شاء قال أخبرنا» لأنّ الإجازة إذا لم تدلّ على ذلك، لم يفده إذن المجيز.
«وَ خامِسُها: الكِتابَةُ ، و هِيَ : أَنْ يَكْتُبَ» الشيخ «مَرْوِيَّهُ لِغائِبٍ - أَوْ حاضِرٍ - بِخَطِّهِ، أَوْ يَأْذَنَ» لثقة يعرف خطّه «بِكَتْبِهِ لَهُ» أو مجهول، ويكتب الشيخ بعده ما يدلّ على أمره بكتابته.
«وَ هِيَ - أَيْضَاً - ضَرْبانِ:»
أحدهما: أن تقع «مَقْرُوْنَةً بِالإِجازَةِ» بأن يكتب إليه، ويقول: أجزت لك ما كتبته لك، أو: كتبت به إليك، ونحو ذلك من عبارات الإجازة
«وَ هِيَ» أي الكتابة بهذه الصفة «فِي الصِحَّةِ و القُوَّةِ - كَالمُناوَلَةِ المَقْرُوْنَةِ بِها» أي بالإجازة.
«وَ» الثاني أن تقع «مُجَرَّدَةً عَنْها» وقد اختلف المحدّثون والاُصوليّون في جواز الرواية بها، فمنعا قوم من حيث أنّ الكتابة لا تقتضي الإجازة لما تقدّم من أنّها إخبار وإذن، وكلاهما لفظي، ولأنّ الخطوط تشتبه فلا يجوز الاعتماد عليها.
«وَ الأَشْهَرُ» بينهم «جَوازُ الرِوايَةِ بِها؛ لِتَضَمُّنِها الإِجازَةَ مَعْنَىً» وإن لم تقترن بها لفظاً؛ لأنّ الكتابة للشخص المعيّن وإرساله إليه قرينة قويّة وإشارة واضحة تشعر بالإجازة للمكتوب، وقد تقدّم أنّ الإخبار لا ينحصر في اللفظ، «كَما يُكْتَفَى فِي الفَتْوَى » الشرعيّة «بِالكِتابَةِ» من المفتي، مع أنّ الأمر في الفتوى أخطر، والاحتياط فيها أقوى.
«نَعَمْ؛ يُعَْتبَرُ مَعْرِفَةُ الخَطِّ» أي خطّ الكاتب للحديث «بِحَيْثُ يَأْمَنُ» المكتوب إليه «التَزْوِيْرَ.
وَ شَرَطَ بَعْضُهُمْ «البَيِّنَةَ»» على الخطّ، ولم يكتف بالعلم بكونه خطّه، حذراً. من المشابهة؛ إذ العلم في مثل ذلك عاديّ لا عقليّ. والأوّل أصحّ وإن كان هذا أحوط. ثمّ على تقدير حجيّة المكاتبة، فهي أنزل من السماع، حتّى يرجّح ما روي بالسماع على ما روي بها، مع تساويهما في الصحة وغيرها من المرجّحات، وإلّا فقد ترجّح المكاتبة بوجوهٍ اُخر. وقد وقع في مثل ذلك مناظرة بين الشافعي، وإسحاق بن راهويه، في جلود الميتة إذا دبغت، هل تطهر أم لا؟ يناسب ذكرها هاهنا، لفوايد كثيرة. قال الشافعيّ: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟. فقال: حديث ابن عبّاس عن ميمونة: «هلّا انتفعتم بجلدها؟» أي الشاة الميتة، فقال إسحاق: حديث ابن حكيم: كتب إلينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم - قبل موته بشهر - فقال: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» أشبه أن يكون
ص104 ناسخاً لحديث ميمونة؛ لأنّه قبل موته بشهر، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع. فقال إسحق: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى كسرى وقيصر، وكان حجّة عليهم، فسكت الشافعي.
«وَ» حيث يروي المكتوب إليه ما رواه بكتابه «يَقُوْلُ فِيْها: «كَتَبَ إِلَيَّ فُلانٌ قالَ: حَدَّثَنا» أَوْ «أَخْبَرَنا مُكاتَبَةً» لا: «حَدَّثَنا»» ولا: أخبرنا، مجرّداً، ليتميّز عن السماع وما في معناه «وَ قِيْلَ: بَلَى (48).» يجوز إطلاق لفظهما حيث أنّهما إخبار في المعنى. وقد أطلق الإخبار لغةً على ما هو أعمّ من اللفظ، كما قيل:
وتُخْبِرُني العينانِ ماالقلبُ كاتِمُ
.................... (49) «وَ سادِسُها: الإِعْلامُ، و هُوَ: أَنْ يُعْلِمَ الشَيْخُ الطالِبَ أَنَّ هذا الكِتابَ» أو الحديث «رِوايَتُهُ، أَوْ سَماعُهُ» من فلان «مُقْتَصِرَاً عَلَيْهِ» من غير أن يقول: «اروه عنّي» أو «أذنت في روايته» ونحوه.
«وَ فِي جَوازِ الرِوايَةِ بِهِ قَوْلانِ»:
أحدهما: الجواز. تنزيلاً له منزلة القراءة على الشيخ، فإنّه إذا قرأ عليه شيئاً من حديثه وأقرّ بأنّه روايته عن فلان؛ جاز له أن يرويه عنه، وإن لم يسمعه من لفظه، ولم يقل: أروه عنّي، أو أذنت لك في روايته عنّي. وتنزيلاً لهذا الإعلام منزلة من سمع غيره يقرّ بشيء، فله أن يشهد عليه، وإن لم يستشهده، بل وإن نهاه. وكذا لو سمع شاهداً شهد بشيء، فإنّه يصير شاهد فرعٍ، وإن لم يستشهده. ولأنّه يشعر بإجازته له، كما مرّ في الكتابة، وإن كان أضعف.
والثاني: المنع. لأنّه لم يجزه، فكانت روايته عنه كاذبةً. وربما قيس - أيضاً - على الشاهد إذا ذكر في غير مجلس الحكم شهادته بشيء، فإنّه ليس لمن سمعه أن يشهد على شهادته. والأصل ممنوع.
«وَ فِي» قول «ثالِثٍ:» له أن «يَرْوِيْهِ» بالإعلام المذكور «وإِنْ نَهاهُ» كما لو سمع منه حديثاً، ثمّ قال: «لا تروه عنّي ولا اُجيز لك» فإنّه لا يضرّه ذلك. «وَ الأَقْوَى عَدَمُهُ، مُطْلَقَاً» لعدم وجود ما يحصل به الإذن، ومنع الإشعار به، بخلاف الكتابة إليه.
[ الوَصِيَّةُ ] (50).
«وَ فِي مَعْناهُ» أي معنى الإعلام «ما لَوْ أَوْصى لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ سَفَرِهِ، بِكِتابٍ يَرْوِيْهِ. وَ فِيْهِ القَوْلانِ، و» لكنّ «الصَحِيْحُ » هنا «المَنْعُ» لبعد هذا القسم جدّاً عن الإذن، حتّى قيل: إنّ القول بالجواز: إمّا زلّة عالم، أو متأوّل بإرادة الرواية على سبيل الوجادة التي تأتي. وهو غلط؛ فإنّ القائل بهذا النوع - دون الوجادة - متحقّق. ووجّهوه بأنّ في دفع الكتاب إليه نوعاً من الإذن. وشبهاً بالعرض والمناولة. وروى حمّاد بن يزيد عن أيوب السختياني، قال: قلت لمحمّد بن سيرين: إنّ فلاناً أوصى إليّ بكتبه، فاُحدّث عنه؟. قال: نعم. قال حمّاد: وكان أبو قلابة يقول: ادفعوا كتبي إلى أيّوب إن كان حيّاً، وإلّا فاحرقوها.
«وَ سابِعُها: الوِجادَةُ» بكسر الواو «وَ هِيَ: مَصْدَرُ «وَجَدَ، يَجِدُ» مُوَلَّدٌ» من غير العرب «غَيْرُ مَسْمُوْعٍ» من العرب الموثوق بعربيّتهم، وإنّما ولّده العلماء بلفظ الوجادة، لما اُخذ من العلم صحيفة، من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، حيث وجدوا العرب قد فرّقوا بين مصادر «وجد» للتمييز بين المعاني المختلفة: فإنّهم قالوا: وجد ضالّته وجداناً، بكسر الواو، وإجدانا، بالهمزة المكسورة. ووجد مطلوبه وجوداً. وفي الغضب: موجدةً، وجدةً. وفي الغنى: وجداً، مثلّث الواو، وقرىء بالمثلّثة في قوله تعالى: «أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم». وفي الحبّ: وجداً. فلمّا رأى المولّدون مصادر هذا الفعل مختلفةً بسبب اختلاف المعاني ولّدوا لهذا المعنى «الوجادة» للتمييز.
«وَ هُوَ» أي هذا النوع من أخذ الحديث ونقله «أَنْ يَجِدَ» إنسان كتاباً أو حديثاً «مَرْوِيَّ إِنْسانٍ بِخَطِّهِ» معاصر له، أو غير معاصر، ولم يسمعه منه - هذا الواجد - ولا له منه إجازة، ولا نحوها. « فَيَقُوْلُ: «وَجَدْتُ » أو: قرأت «بِخَطِّ فُلانٍ » - أو: في كتاب فلان بخطّه -: حدّثنا فلان» ويسوق باقي الإسناد والمتن. أو يقول: «وجدت بخطّ فلان عن فلان ...» إلى آخره.
هذا الذي استقرّ عليه العمل قديماً وحديثاً.
«وَ هُوَ مُنْقَطِعٌ» مرسل «وَ» لكن «فِيْهِ» شوب «اتِّصالٌ» بقوله: وجدت بخطّ فلان. وربما دلّس بعضهم، فذكر الذي وجد بخطّه وقال فيه: «عن فلان» أو: «قال فلان» وذلك تدليس قبيح، إن أوهم سماعه منه.
وجازف بعضهم، فأطلق في هذا «حدّثنا وأخبرنا» وهو غلط منكر. هذا كلّه إذا وثق بأنّه خطّ المذكور أو كتابه «فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّق» الواجد «الخَطَّ؛ قالَ: «بَلَغَنِي»» عن فلان. «أَوْ «وَجَدْتُ فِي كِتابٍ، أَخْبَرَنِي فُلانٌ أَنَّهُ خَطُّ فُلانٍ»» إن كان أخبره به أحد. أو «في كتاب ظننت أنّه بخطّ فلان». ونحو ذلك.
« وَ إِذا نَقَلَ مِنْ نُسْخَةٍ مَوْثُوْقٍ بِها» في الصحّة، بأن قابلها هو، أو ثقة، على وجه وثق بها «لِمُصَنِّفٍ» من العلماء «قالَ فِيْهِ:» أي في نقله من تلك النسخة: «« قالَ فُلانٌ »» يعني ذلك المصنّف «وَ إِلّا» يثق بالنسخة قال: ««بلَغَنِي»» عن فلان أنّه ذكر كذا وكذا، ووجدت في نسخة من الكتاب الفلاني، وما أشبه ذلك من العبارات. وقد تسامح أكثر الناس في هذا الزمان بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تحرّزٍ وتثبّت؛ فيطالع أحدهم كتاباً منسوباً إلى مصنّف معيّن، وينقل منه عنه من غير أن يثق بصحّة النسخة، قائلاً: قال فلان كذا، وذكر فلان. وليس بجيّد، بل الصواب ما فصّلنا «إِلّا أَنْ يَكُوْنَ الناقِلُ مِمَّنْ يَعْرِفُ الساقِطَ» من الكتاب «وَ المُغَيَّرَ مِنْهُ» والمصحّف، فإنّه إذا تأمّل، ووثق بالعبارة يرجى له جواز إطلاق اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك، والظاهر أنّه إلى هذا استروح كثير من المصنّفين فيما نقلوه من ذلك، واللَّه أعلم.
«وَ فِي جَوازِ العَمَلِ بِالوِجادَةِ» الموثوق بها «قَوْلانِ» للمحدّثين والاُصوليين: فنقل عن الشافعي وجماعة من نظّار أصحابه جواز العمل بها، ووجّهوه بأنّه لو توقّف العمل فيها على الرواية، لانسدّ باب العلم بالمنقول، لتعذّر شرط الرواية فيها. وحجّة المانع واضحة، حيث لم يحدّث به لفظاً ولا معنىً.
«وَ لا خِلافَ» بينهم «فِي مَنْعِ الرِوايَةِ» بها لما ذكرناه من عدم الإخبار.
«وَ لَو اقْتَرَنَتْ» الوجادة «بِالإِجازَةِ» بأن كان الموجود خطّه حيّاً وأجازه، أو أجازه غيره عنه ولو بوسائط «فَلا إِشْكالَ» في جواز الرواية والعمل، حيث يجوز العمل بالرواية.
«[الفَصْلُ] الثالِثُ:
فِي كَيْفِيَّةِ رِوايَةِ الحَدِيْثِ»
اعلم أنّ العلماء بهذا الشأن قد اختلفوا فيما تجوز به رواية الحديث، فأفرط قوم فيه وفرّط آخرون، وقد تقدّم - في باب الوجادة، والإعلام، والوصيّة - النقل عمّن فرّط واجتزى لروايته بمثل ذلك. وأمّا من أفرط وشدّد: فمنهم من قال: لا حجّة إلّا فيما رواه الراوي من حفظه وتذكّره، وهذا المذهب مروي عن مالك، وأبي حنيفة، وبعض الشافعيّة. ومنهم من أجاز الاعتماد على الكتاب، بشرط بقائه في يده، فلو أخرجه عنها ولو بإعارة ثقة لم تجز الرواية منه، لغيبته عنه المجوّزة للتغيير، وهو دليل من يمنع الاعتماد على الكتاب. والحقّ المذهب الوسط، وهو جواز الرواية بها.
«وَ» لكن « أَكْمَلُها ما اتَّفَقَ مِنْ حِفْظِهِ» لأمن التغيير والتبديل «وَ تَجُوزُ مِنْ كِتابِهِ؛ وإِنْ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ، مَعَ أَمْنِ التَغْيِيْرِ، عَلَى الأَصَحِّ» لأنّ الاعتماد في الرواية على غالب الظنّ، فإذا حصل أجزء. «و» قد عرفت أنّه قد
«وَ أَفْرَطَ قَوْمٌ؛ فَأَبْطَلُوْها» من الكتاب مطلقاً أو بالقيد. «وَ فَرَّطَ آخَرُوْنَ؛ فَرَوَوْا مِنْ كِتابٍ غَيْرِ مُقابَلٍ؛ فَجُرِحُوا بِذلِكَ» وكتبوا في طبقات المجروحين.
ومن طريق ما نقل عن بعض المتساهلين، وهو عبداللَّه بن لهيعة المصريّ: أنّ يحيى بن حسّان رأى قوماً معهم جزء سمعوه من ابن لهيعة، فنظر فيه، فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة، فجاء إليه فأخبره بذلك فقال: ما أصنع يجيئوني بكتاب، فيقولون: «هذا من حديثك» فاُحدّثهم به!. وهذا خطأ عظيم، وغفلة فاحشة.
«* وَ الضَرِيْرُ:
إِذا لَمْ يَحْفَظْ مَسْمُوْعَهُ» من فم محدّثه «يَسْتَعِيْنُ بِثِقَةٍ فِي ضَبْطِ كِتابِهِ» الذي سمعه وحفظه «وَ يَحْتاطُ إِذا قُرِىءَ عَلَيْهِ» على حسب حاله «حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ التَغْيِيْرِ» فتصحّ حينئذٍ روايته «وَ هُوَ أَوْلَى بِالمَنْعِ» من الرواية بالكتاب «مِنْ مِثْلِهِ» أي المنع الواقع «فِي البَصِيْرِ» عند بعضهم «وَ كَذا» القول في «في الأُمِّيِّ» الذي لا يقرأ الخطّ، ولم يحفظ ما رواه.
«* وَ» إذا سمع كتاباً ثمّ أراد روايته من غير حفظه، فعليه أن «يَرْوِي مِنْ نُسْخَةٍ فِيْها سَماعُهُ» وهذا الأولى. «أَوْ» من نسخة «قُوْبِلَتْ بِها» أي بنسخة سماعه، مقابلةً موثوقاً بها «أَوْ» من نسخة «سُمِعَتْ عَلَى شَيْخِهِ، أَوْ فِيْها سَماعُهُ، أَوْ كُتِبَتْ عَنْهُ» إذا وثق بكونها ليست مغايرةً لنسخة سماعه «وَ سَكَنَتْ (51) نَفْسُهُ إِلَيْها»أو كان له من شيخه إجازة عامّة لمرويّاته «وَ إِلّا؛ فلا» يجوز له الرواية من نسخةٍ ليس فيها سماعه مطلقاً، لإمكان مخالفتها لنسخة سماعه، وإن كانت مسموعة على شيخه ونحوه، أو كونها غير مصحّحة. وكذا القول فيما إذا كانت النسخة مسموعةً على شيخ شيخه أو مرويّة عنه، فالمجوّز لروايته منها أن تكون له إجازة شاملة من شيخه لها، على الوجه السابق، فتدبّره.
«* وَ إِذا خالَفَ كِتابُهُ حِفْظَهُ مِنْهُ» أي من حفظه المستند إلى ذلك الكتاب «رَجَعَ إِلَيْهِ» أي إلى الكتاب، لأنّه الأصل، وتبيّن أن الخطأ من قبل الحفظ «وَ» إذا كان حفظه « مِنْ شَيْخِهِ» لا من كتابه «اعْتَمَدَهُ» أي اعتمد حفظه دون ما في كتابه، إذا لم يشكّك.
«* وَ إِنْ قالَ» في روايته - حينئذٍ -: ««حِفْظِي كَذا، و فِي كِتابِي كَذا» » منبّهاً على الاختلاف بينهما «فَحَسَنٌ» لاحتمال الخطأ على كلّ منهما، فينبغي التخلّص بذلك.
«* وَ» كذا « إِنْ خُوْلِفَ» ما يحفظه من بعض الحفّاظ والمحدّثين من كتاب «قالَ» في روايته على الأفضل«:«حِفْظِي كَذا، و غَيْرِي - أَوْ: فُلانٌ - يَقُوْلُ كَذا»» وشبه هذا الكلام، ليتخلّص من تبعته. ولو أطلق وروى ما عنده جاز، لكنّ الأوّل هو الورع.
«* وَ إِذا وَجَدَ خَطَّهُ، أَوْ خَطَّ ثِقَةٍ، بِسَماعٍ لَهُ» ورواية بأحد وجوهها «وهُوَ لايَذْكُرُهُ؛ رَواهُ» على الأقوى، كما يعتمد على كتابه في ضبط ما سمعه، فإنّ ضبط أصل السماع كضبط المسموع، فإذا جاز اعتماده - وإن لم يذكره حديثاً حديثاً - فكذا هنا، إذا كان الكتاب مصوناً، بحيث يغلب على الظنّ سلامته من تطرّق التغيير والتزوير؛ بحيث تسكن إليه نفسه كما مرّ.
«وَ قِيْلَ: لا» تجوز له روايته مع عدم الذكور، وقد تقدّم قول أبي حنيفة وبعض الشافعيّة.
«* وَ مَنْ لا يَعْلَمُ مَقاصِدَ الأَلْفاظِ، و ما يُحِيْلُ مَعانِيَها» ومقادير التفاوت بينها «لَمْ» يجزْ له أنْ «يَرْوِ»يَ الحديث «بِالمَعْنَى» بل يقتصر على رواية ما سمعه بغير خلاف.
«ف» أما «إِنْ عَلِمَ» بذلك «جازَ» له الرواية بالمعنى، على أصحّ القولين، لأنّ ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأوّليين، وكثيراً ما ينقلون معنىً واحداً في أمر واحدٍ بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلّا لأنّ معوّلهم كان على المعنى دون اللفظ، ولأنّه يجوز التعبير بالعجميّة للعجمي فبالعربيّة أولى. وفي صحيحة محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: أسمع الحديث منك فاُزيد وأُنقص؟. قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس. وعن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: إنّي أسمع الكلام منك فاُريد روايته كما سمعته منك فلا يجيء؟. قال: تتعمّد ذلك؟. قلت: لا، فقال: فلا بأس. وفي خبر آخر عنه عليه السلام حيث سئل: أسمع الحديث منك فلعلّي لا أرويه كما سمعته؟. فقال: إذا حفظت الصلب منه فلا بأس، إنّما هو بمنزلة تعال وهلمّ، واقعد واجلس. «وَ قِيْلَ:» إنّما تجوز الرواية بالمعنى «فِي غَيْرِ الحَدِيْثِ النَبَوِيَّ» لأنّه صلى الله عليه وآله وسلم أفصح من نطق بالضاد، وفي تراكيبه أسرار ودقايق لا يوقف عليها إلّا بها كما هي، فإن لكلّ تركيب من التراكيب معنىً بحسب الفصل والوصل والتقديم والتأخير، لو لم يراع لذهبت مقاصدها، بل لكلّ كلمة مع صاحبتها خاصيّة مستقلّة، كالتخصيص والاهتمام وغيرهما، وكذا الألفاظ التي ترى مشتركة أو مترادفة إذا وضع كلّ موضع الآخر فات المعنى الذي قصد به، ومن ثمّ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «نضر اللَّه عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها كما سمعها فربّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه». ولا ريب أنّه أولى؛ وإن كان الأصحّ الأوّل، عملاً بتلك النصوص. وهذه المحذورات تندفع بما شرطناه، وإن بقي مزايا لا يفوت معها الغرض الذاتي من الحديث. وهذا كلّه في غير المصنّفات
«* وَ المُصَنَّفاتُ لاتُغَيَّرُ» أصلاً، وإن كان بمعناه، لأنّه يخرج بالتغيير عن وضعه ومقصود مصنّفه، ولأنّ الرواية بالمعنى رخّص فيها لما في الجمود على الألفاظ من الحرج، وذلك غير موجود في المصنّفات المدوّنة في الأوراق.
«* وَ» ينبغي أن «يَقُوْلُ عَقِيْبَ» الحديث «المَرْوِيِّ بِالمَعْنَى، و المَشْكُوْكِ فِيْهِ:» هل وقع باللفظ أو بالمعنى أو بهما؟ ««أَوْ كَما قالَ»» ونحوه من الألفاظ الدالّة على المقصود، لما فيه من التحرّز من الزلل، من حيث اشتمال الرواية بالمعنى على الخطر، وقد روي فعل ذلك من الصحابة عن ابن مسعود، وأبي الدرداء وأنس رضي اللَّه عنهم.
«* وَ لَمْ يُجَوِّزْ مانِعُو الرِوايَةِ» للحديث «بِالمَعْنَى، و بَعْضُ مُجَوِّزِيْها» أيضاً «تَقْطِيْعَ الحَدِيْثِ» بحيث يروي بعضه دون بعض «إِنْ لَمْ يَكُنْ» هذا المقطّع قد «رَواهُ هُوَ» في محلّ آخر «أَوْ» رواه «غَيْرُهُ - تَمامَاً(52)» ليرجع إلى تمامه في ذلك المحلّ. ومنهم من منعه مطلقاً، لتحقّق التغيير، وعدم أدائه كما سمعه.
«وَ جَوَّزَهُ آخَرُوْنَ، مُطْلَقَاً» سواء كان قد رواه غيره على التمام أم لا؟
«* وَ» هذا القول «هُوَ الأَصَحُّ» إن وقع ذلك «لِمَنْ عَرَفَ عَدَمَ تَعَلُّقِ المَتْرُوْكِ» منه «بِالمَرْوِيِّ» بحيث لا يختلّ البيان، ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه، فيجوز حينئذ، وإن لم تجز الرواية بالمعنى، لأنّ المرويّ والمتروك - حينئذ - خبرين منفصلين.
«* وَ» أمّا «تَقْطِيْعُ المُصَنِّفِ الحَدِيْثَ - فِيْهِ -» أي في مصنّفه المدلول عليه بالاسم، بحيث فرّقه على الأبواب اللايقة به للاحتجاج المناسب، مع مراعاة ما سبق من تماميّة معنى المقطوع فهو «أَقْرَبُ إِلَى الجَوازِ» لأجل الغرض المذكور، وقد فعله غير واحد من المحدّثين منّا ومن الجمهور.
«* وَ لايَرْوِي» الحديث «بِقِراءَةِ لَحَّانٍ، و لا مُصَحِّفٍ» بل لا يتولاه إلّا متقن للغة والعربيّة، ليكون مطابقاً لما وقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام ويتحقّق أداؤه كما سمعه، امتثالاً لأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي صحيحة جميل بن درّاج؛ قال: قال أبو عبداللَّه عليه السلام: «أعربوا حديثنا فإنّا قوم فصحاء».
«* وَ يَتَعَلَّمُ » من يريد قراءة الحديث قبل الشروع فيه من العربية واللغة «ما يَسْلَمُ بِهِ مِن اللَحْنِ.
* (وَ» لا «وَ يَسْلَمُ مِن التَصْحِيْفِ» بذلك، بل «بِالأَخْذِ مِنْ أَفْواهِ الرِجالِ) (53)» العارفين بأحوال الرواة، وضبط أسمائهم.
«وَ ما وَقَعَ - فِي رِوايَتِهِ - مِنْ لَحْنٍ و تَصْحِْيفٍ، و تَحَقَّقَهُ رِوايَةً» أي في الرواية:
«* رَواهُ» هو «صَوابَاً، و قالَ: «...و رِوايَتُنا كَذا» أَوْ يُقَدِّمُها» أي الرواية الملحونة أو المصحّفة «وَ يَقُوْلُ» بعد ذلك «: «و صَوابُهُ كَذا».
* وَ قِيْلَ» والقائل ابن سيرين وجماعة: يرويه «: كَما سَمِعَهُ» باللحن أو التصحيف «فَقَطْ» وهو غلو في اتّباع اللفظ، والمنع من الرواية بالمعنى، والأجود التنبيه عليه، كما سبق.
«* وَ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ إِصْلاحَهُ فِي الكِتابِ» وهو يناسب مجوّز الرواية بالمعنى.
«* وَ تَرْكُهُ» في الأصل على حاله «وَ تَصْوِيْبُهُ حاشِيَةً» أي بيان صوابه في الحاشية «أَوْلَى» من إبقائه بغير تنبيهٍ على حاله، وأجمع للمصلحة وأنفى للمفسدة. وقد روي أنّ بعض أصحاب الحديث رأى في المنام وكأنّه قد ذهب شيء من لسانه أو شفته، فسئل عن سببه؟، فقال: لفظة من حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم غيّرتها برأيي، ففعل بي هذا. وكثيراً ما نرى ما يتوهّمه كثير من أهل العلم خطأً، وهو صواب وذو وجه صحيح خفيٍّ. هذا إذا كان التحريف في الكتاب، وأمّا في السماع: فالأولى أن يقرأه على الصواب، ثمّ يقول: وفي روايتنا، أو: عند شيخنا، أو: في طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل ثمّ يذكر الصواب، كما مرّ.
«* وَ أَحْسَنُهُ» أي أحسن «الإِصْلاحُ» إصلاحه بما جاء صحيحاً «بِرِوايَةٍ أُخْرَى» إن اتّفق، ولو رآه في كتاب، وغلب على ظنّه أنّه من الكتاب لا من الشيخ اتّجه إصلاحه في كتابه، وروايته.
«* وَ يَسْتَثْبِتُ ما شَكَّ فِيْهِ» لاندراس ونحوه، في الإسناد والمتن ويصلحه «مِنْ كِتابِ غَيْرِهِ أَوْ» من «حِفْظِهِ» إذا وثق بهما، وعلى كلّ فالأولى سدّ باب الإصلاح ما أمكن، لئلّا يجسر على ذلك من لا يحسن وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، مع تبيّن الحال.
«* وَ ما رَواهُ» الراوي من الحديث «عَن اثْنَيْنِ فَصاعِدَاً، واتَّفَقا» في الرواية «مَعْنَىً لالَفْظَاً؛ جَمَعَهُما إِسْنادَاً، و ساقَ لَفْظَ أَحَدِهُما، مُبَيِّنَاً» فيقول: أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان، أو: هذا لفظ فلان قال ... إلى آخره، أو قال: أخبرنا فلان، وما أشبه ذلك من العبارات.
«فَإِنْ تَقارَبا» في اللفظ مع اتّفاق المعنى «فَقالَ» في روايته ««قالا»» كذا «جازَ» أيضاً «عَلَى» القول بجواز «الرِوايَة بِالمَعْنَى» وإلّا فلا «وَ» لكن «قَوْلُ: «تَقارَبا فِي الّلَفْظِ»» ونحوه ممّا يدلّ على الاختلاف اليسير «أَوْلى» من إطلاق نسبته إليهما.
«* وَ مُصَنَّفٌ سُمِعَ مِنْ جَماعَةٍ - إِذا رَواهُ عَنْهُمْ، مِنْ نُسْخَةٍ قُوْبِلَتْ بِأَصْلِ بَعْضِهِمْ» دون بعض، وأراد أن يذكر جميعهم في الإسناد «و ذَكَرَهُ» أي المقابل نسخته - وحده - بأن يقول: «واللفظ لفلان» كما سبق؛ فهذا «فِيْهِ وَجْهانِ: الجَوازُ» كالأوّل، لأنّ ما أورده قد سمعه ممّن ذكره أنّه بلفظه «و عَدَمُهُ» لأنّه لا علم عنده بكيفيّة رواية الآخرين حتّى يخبر عنها، بخلاف ما سبق فإنّه اطّلع على رواية غير من نسب اللفظ إليه وعلى موافقتها معنى، فاُخبر بذلك.
«وَ لايَزِيْدُ» الراوي «عَلَى ما سَمِعَ مِنْ نَسَبٍ» شيخ شيخه من رجال الإسناد على ما ذكره شيخه مدحاً عليه «أَوْ صِفَةٍ» له كذلك «إِلّا مُمَيَّزَاً بِ«هُوَ» أَوْ «يَعْنِي»» ونحو ذلك، مثاله: أن يروي الشيخ عن «أحمد بن محمّد» كما يتّفق للشيخ أبي جعفر الطوسي والكليني رحمهما اللَّه كثيراً، فليس للراوي أن يروي عنهما ويقول: قال: «أخبرني أحمد بن محمّد بن عيسى» بل يقول: «أحمد بن محمّد - هو ابن عيسى -» أو «- نعني ابن عيسى -» ونحوه ليتميّز كلامه وزيادته عن كلام الشيخ.
«* وَ إِذا ذَكَرَ شَيْخَهُ فِي أَوَّلِ حَدِيْثٍ؛ نَسَبَهُ» إلى آبائه بحيث يتميّز، ووصفه بما هو أهله «ثُمَّ اقْتَصَرَ - بَعْدُ» ذلك «عَلَى اسْمِهِ، أَوْ بَعْضِ نَسَبِهِ.
* وَ لَمْ يَكْتُبُوْا «قالَ» بَيْنَ رِجالِ الإِسْنادِ» في كثير من الأحاديث «فَيَقُوْلُها القارِيُ» لفظاً.
«* وَ» إذا وجد في الإسناد ما هذا لفظه: ««قُرِىءَ عَلَى فُلانٍ: أَخْبَرَكَ» » فلان «يَقُوْلُ:» القاري بلفظه: «« قِيْلَ لَهُ: أَخْبَرَكَ»» فلان.
«* وَ» إذا وجد ««قُرِىءَ عَلَى فُلانٍ: حَدَّثَنا»» فلان « يَقُوْلُ: «قالَ:حَدَّثَنا»» فلان.
«* وَ إِذا تَكَرَّرَتْ» كلمة ««قالَ»» كما في قوله: «عن زرارة قال قال الصادقعليه السلام » - مثلاً - فالعادة أنّهم «يَحْذِفُوْنَ إِحْداهُما» خطّاً «فَيَقُوْلُها القارِىءُ، و بِحَذْفِها يُخِلُّ» بالمعنى لأنّ ضمير الأوّل هو الراوي وهو الفاعل، وفاعل الفعل الثاني هو الإسم الظاهر بعده، فإذا اقتصر على واحد صار الموجود فعل الاسم الظاهر الثاني، فلا يرتبط الإسناد بالراوي السابق. «* وَ ما اشْتَمَلَ» من النسخ والأبواب ونحوها «عَلَى أَحادِيْثَ» متعدّدة «بِإِسْنادٍ واحِدٍ» فإن شاء أن «يَذْكُرَهُ» أي الإسناد «فِي كُلِّ حَدِيْثٍ» منها، وذلك أحوط، إلّا أنّ فيه طولاً «أَوْ يَذْكُرُهُ أَوَّلاً» أي عند أوّل حديث منها، أو في أوّل كلّ مجلس من مجالس سماعها «وَ يَقُوْلُ بَعْدُ» الحديث الأوّل: «: «و بِالإِسْناِد» أَوْ» يقول: «: «و بِهِ»» أي بالإسناد السابق، وذلك هو الأغلب الأكثر في الاستعمال.
وعلى هذا، فلو أراد من كان سماعه على هذا الوجه تفريق تلك الأحاديث، ورواية كلّ حديث منها بالإسناد المذكور في أوّلها، جاز لها ذلك، لأنّ الجميع معطوف على الأوّل، فالإسناد في حكم المذكور في كلّ حديث، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في الأبواب بإسناده المذكور في أوّله. ومنهم من منع ذلك إلّا مبيّناً للحال.
«* وَ إِذا ذَكَرَ الشَيْخُ حَدِيْثَاً بِإِسْنادٍ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ إِسْنادَاً آخَرَ ، و قالَ» عند انتهاء الإسناد: «: «مِثْلَهُ» لَمْ» يكن للراوي عنه أن «يَرْوِ»يَ «المَتْنَ» المذكور بعد الإسناد الأوّل «بِالإِسْنادِ الثانِي» لاحتمال أن يكون مماثلاً للأوّل في المعنى، ومغايراً له في اللفظ «و قِيْلَ: بَلَى» يجوز إذا عرف أنّ المحدّث ضابط، متحفّظ، يميّز الألفاظ المختلفة، وإلّا فلا. وكان غير واحد من أهل العلم إذا روى مثل هذا يورد الإسناد، ويقول: «من حديث قبله متنه كذا» ثمّ يسوق الحديث. وكذلك إذا كان المحدّث قد قال: «نحوه».
«* وَ إِذا ذَكَرَ» المحدّث «إِسْنادَاً و بَعْضَ مَتْنٍ، و قالَ» بعده: «: «...و ذَكَرَ الحَدِيْثَ»» أو قال: ذكر الحديث بطوله «فَفِي جَوازِ رِوايَةِ» الحديث السابق «كُلِّهِ بِالإِسْناد» الثاني «القَوْلانِ» السابقان في قوله «مثله ونحوه». من حيث أنّ الحديث الثاني قد يغاير الأوّل في بعض الألفاظ وإن اتّحد المعنى. ومن أنّ الظاهر أنّه هو بعينه. «وَ أَوْلى بِالمَنْعِ» هذا، لأنّه لم يصرّح بالمماثلة، ويمكن أن تكون اللام في «الحديث» للعهد الذهني، وهو الحديث الذي لم يكمله، وإنّما اقتصر عليه لكونه بمعنى الأوّل. والأولى أن يبيّن ذلك، بأن يقصّ ما ذكره الشيخ على وجهه، ثمّ يقول:«والحديث هو كذا وكذا» ويسوق الحديث.
«* وَ إِذا سَمِعَ بَعْضَ حَدِيْثٍ عَنْ شَيْخٍ (54) وَ بَعْضَهُ عَنْ» شيخ «آخَرَ، رَوَى جُمْلَتَهُ عَنْهُما» في حال كونه «مُبَيِّنَاً أَنَّ بَعْضَهُ عَنْ أَحَدِهُما، وَ بَعْضَهُ عَنْ الآخَرِ، ثُمَّ يَصِيْرُ» الحديث بذلك «مُشاعَاً بَيْنَهُمَا» حيث لم يتبيّن مقدار ما روي عنه عنه كلّ منهما. فإذا كانا ثقتين فالأمر سهل، لأنّه يعمل به على كلّ حال.
«فَإِنْ كانَ أَحَدُهُمَا مَجْرُوْحَاً لَمْ يُحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنْهُ» لاحتمال كون ذلك الشيء مرويّاً عن المجروح «إذا لَمْ يُمَيَّزْ» (55) مقدار ما رواه عن كلّ منهما ليحتجّ بالخبر الذي رواه عن الثقة إن أمكن ويطرح الآخر. واللَّه الموفّق.
«البابُ الرابِعُ»
« فِي أَسْماءِ الرِجالِ وَ طَبَقاتِهِمْ »
«و ما يَتَّصِلُ بِها»
وهو فنٌ مهمّ يعرف به المرسل والمتّصل ومزايا الإسناد، ويحصل به معرفة الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين إلى الآخر.
««الصَحابِيُّ» هو: مَنْ لَقِيَ النَبِيَّ صلى الله عليه وآله مُؤْمِنَاً بِهِ، و ماتَ عَلَى الإِسْلامِ، وإِنْ تَخَلَّلَتْ رِدَّتُهُ» بين كون مؤمناً وبين كونه مسلماً «عَلَى الأَظْهَرِ».
والمراد باللقاء ما هو أعمّ من المجالسة، والمماشاة، ووصل أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه ولم يره. والتعبير به أولى من قول بعضهم في تعريفه: إنّه من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنّه يخرج به الأعمى كابن اُمّ مكتوم، فإنّه صحابي بغير خلاف. واحترز بقوله: «مؤمناً» عمّن لقيه كافراً، وإن أسلم بعد موته، فإنّه لا يعدّ من الصحابة. وبقوله: «به» عمّن لقيه مؤمناً بغيره من الأنبياء، ومن هو مؤمن بأنّه سيبعث ولم يدرك بعثته، فإنّه لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم نبيّاً، وإن حصل شكّ في ذلك فليزد التعريف - بعد قوله: «لقي النبيّ»: «بعد بعثته». وبقوله: «ومات على الإسلام» عمّن ارتدّ ومات عليها، كعبيداللَّه بن جحش، وابن خطل. وشمل قوله: «وإن تخلّلت ردّته» ما إذا رجع إلى الإسلام في حياته وبعده، سواء لقيته تائباً أم لا؟. ونبّه بالأصحّ على خلاف في كثير من القيود: منها: تخلّل الردة؛ فإنّ بعضهم اعتبر فيه: رواية الحديث، وبعضهم: كثرة المجالسة وطول الصحبة، وآخرون: الإقامة سنةً، أو سنتين، وغزوةً معه وغزوتين، وغير ذلك. وتظهر فائدة قيد الردّة في مثل الأشعث بن قيس، فإنّه كان قد وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ ارتدّ، واُسر في خلافة الأوّل، فأسلم على يده، وزوّجه اُخته - وكانت عوراء - فولدت محمّداً الذي شهد قتل الحسين عليه السلام. فعلى ما عرّفناه به يكون صحابياً، وهو المعروف، بل قيل: إنّه متّفق عليه. ثمّ الصحابة على مراتب كثيرة، بحسب التقدّم في الإسلام، والهجرة، والملازمة، والقتال معه، والقتل تحت رايته، والرواية عنه، والمكالمة، ومشاهدته، ومماشاته، وإن اشترك الجميع في شرف الصحبة. ويعرف كونه صحابياً بالتواتر، والاستفاضة، والشهرة، وإخبار ثقة. وحكمهم - عندنا - في العدالة حكم غيرهم. وأفضلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثمّ ولده، وهو أوّلهم إسلاماً. وآخرهم موتاً - على الإطلاق - أبو الطفيل عامر بن واثلة، مات سنة مائة من الهجرة.
وبالإضافة إلى النواحي:
فآخرهم بالمدينة: جابر بن عبداللَّه الأنصاري، أو سهل بن سعد، أو السائب بن يزيد.
وبمكّة: عبداللَّه بن عمر، أو جابر.
وبالبصرة: أنس.
وبالكوفة: عبداللَّه ابن أبي أوفى.
وفي مصر: عبداللَّه بن الحارث بن جزء الزبيدي.
وبفلسطين: أبو اُبي بن اُمّ حرام.
وبدمشق: واثلة بن الأسقع. وبحمص: عبداللَّه بن بُسر.
وباليمامة: الهرماس بن زياد.
وبالجزيرة: العرس بن عميرة.
وبأفريقية: رويفع بن ثابت.
وبالبادية في الأعراب: سلمة بن الأكوع.
وقيل: قبض رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي. واللَّه أعلم.
«و «التابِعِيُّ»: مَنْ لَقِيَ الصَحابِيَّ كَذلِكَ» أي بالقيود المذكورة، واستثني منه قيد الإيمان به، فذلك خاصّ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلاف فيه كالسابق فإنّ منهم من اشترط فيه - أيضاً - طول الملازمة، أو صحّة السماع من الصحابي أو التمييز.
وبقي قسم ثالث بين الصحابي والتابعي اختلف في إلحاقه بأيّ القسمين وهو «المُخَضْرَمون» الذين أدركوا الجاهليّة والإسلام، ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سواء أسلموا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالنجاشي. أم لا؟ واحدهم مخضرم، بفتح الراء كأنّه خضرم أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة. وذكرهم بعضهم فبلغ بهم عشرين نفساً، منهم: سويد بن غفلة صاحب عليّ عليه السلام وربيعة بن زرارة، وأبو مسلم الخولاني، والأحنف ابن قيس. والأولى عدّهم في التابعين بإحسان.
«ثُمَّ الراوِي و المَرْوِيُّ عَنْهُ:
* اِن اسْتَوَيَا فِي السِنِّ أَوْ فِي اللُقِيِّ» وهو الأخذ عن المشايخ
«فَهُوَ النَوْعُ» من علم الحديث «الذِي يُقالُ لَهُ: «رِوايَةُ الأَقْرانِ»» لأنّه - حينئذٍ - يكون راوياً عن قرينه، كالشيخ أبي جعفر الطوسي والسيّد المرتضى؛ فإنّهما أقران في طلب العلم والقراءة على الشيخ المفيد، والشيخ أبو جعفر يروي عن السيّد المرتضى، بعد أن قرأ عليه مصنّفاته، ذكر ذلك في كتاب الرجال، وله أمثال كثيرة.
«* فَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُما» أي من القرينين «عَن الآخَرِ؛ فَهُوَ» النوع الذي يقال له: ««المُدَبَّجُ»» بضم الميم، وفتح الدال المهملة، وتشديد الباء الموحّدة، وآخره جيم، مأخوذة من ديباجتي الوجه، كأنّ كلّ واحدٍ من القرينين يبذل ديباجة وجهه للآخر، ويروي عنه.
«وَ هُوَ» أي المدبّج «أَخَصُّ مِن الأَوَّلِ» وهو رواية الأقران؛ فكلّ مدبّج أقران، ولا ينعكس، وذلك كرواية الصحابة بعضهم عن بعض من الطرفين. وقد وقع ذلك لهم كثيراً.
«* وَ إِنْ رَوَى عَمَّنْ دُوْنَهُ» في السنّ، أو في اللقى، أو في المقدار «فَهُوَ» النوع المسمّى ب««رِوايَةُ الأَكابِرِ عَن الأَصاغِرِ»» كرواية الصحابي عن التابعي، وقد وقع منه رواية العبادلة وغيرهم، عن كعب الأحبار. ورواية التابعي عن تابعي التابعي، كعمرو بن شعيب - لم يكن من التابعين - وروى عنه خلق كثير منهم، قيل: إنّهم سبعون. وممّن رأيت خطّه من العلماء بذلك السيّد تاج الدين بن معيّة الحسيني الديباجي، فإنّه أجاز شيخنا الشهيد رواية مرويّاته، وكان معدوداً من مشيخته، واستجاز في آخر إجازته منه، وهو يصلح مثالاً لهذا القسم من حيث الكبر والسنّ والنسب واللقى، ومن قسم المدبّج من حيث العلم وتعارض الروايتين.
«و مِنْهُ» - أي من هذا القسم وهو أخصّ من مُطلَقِهِ - رواية ««الآباءُ عَن الأبْناءِ»» ومنه من الصحابة رواية العبّاس بن عبدالمطّلب، عن ابنه الفضل: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الصلاتين في المزدلفة.
وروي عن معتمر بن سليمان التيمي، قال: «حدّثني أبي قال: حدّثْتَنِي أَنْتَ عنّي، عن أيّوب، عن الحسن، قال: «وَيْح كلمة رحمة» وهذا طريق يجمع أنواعاً. وغير ذلك.
«و الأَكْثَرُ العَكْسُ» وهو رواية الأبناء عن الآباء، لأنّه هو الجادّة المسلوكة الغالبة، وهو قسمان: رواية الابن عن أبيه دون جدّه، وهو كثير لا ينحصر. وروايته عن أزيد منه:
فروايته عن أبوين أعني: عن أبيه عن جدّه، وهو كثير - أيضاً، منه في رأس الإسناد: رواية زين العابدين عن أبيه الحسين عن أبيه عليّ عليهم السلام عن النبيصلى الله عليه وآله وسلم.
وفي طريق الفقهاء: رواية الشيخ فخر الدين محمّد بن الحسن بن يوسف ابن المطهّر عن أبيه الشيخ جمال الدين الحسن، عن جدّه سديد الدين يوسف. ومثله الشيخ المحقّق نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد، فإنّه يروي - أيضاً - عن أبيه عن جدّه يحيى، وهو يروي، عن عربي بن مسافر العبادي، عن إلياس بن هشام الحائري، عن أبي علي ابن الشيخ، عن والده الشيخ أبي جعفر الطوسي.
وروايته عن ثلاثة: كرواية محمزد بن الشيخ نجيب الدين يحيى بن أحمد ابن يحيى الأكبر بن سعيد، فإنّه يروي عن أبيه يحيى عن أبيه أحمد عن أبيه يحيى الأكبر.
وعن أربعة: وقد اتّفق رواية السيّد الزاهد رضي الدين محمّد بن محمّد بن محمّد بن زيد بن الداعي المعمّر الحسيني عن أبيه محمّد عن أبيه محمّد عن أبيه زيد عن أبيه الداعي، وهو يروي عن الشيخ أبي جعفر الطوسي والسيّد المرتضى وغيرهما. والسيّد رضي الدين نروي عنه بإسنادنا إلى الشيخ أبي عبداللَّه الشهيد، عن الشيخ رضي الدين المزيدي، عن الشيخ محمّد بن أحمد بن صالح السيبي عنه.
ومثله في الرواية عن أربعة آباء: رواية الشيخ جلال الدين الحسن بن أحمد بن نجيب الدين محمّد بن جعفر بن هبة اللَّه بن نُما عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه هبة اللَّه بن نُما، وهو يروي عن الحسين بن طحّال المقدادي، عن الشيخ أبي علي، عن أبيه الشيخ أبي جعفر الطوسي. وهذا الشيخ جلال الدين الحسن يروي عن شيخنا الشهيد بغير واسطة.
وعن خمسة آباء: وقد اتّفق لنا منه رواية الشيخ الجليل بابويه بن سعد بن محمّد بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه، عن أبيه سعد عن أبيه محمّد عن أبيه الحسن عن أبيه الحسن - وهو أخو الشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد - عن أبيه علي بن بابويه.
وعن ستّة آباء: وقد وقع لنا منه - أيضاً - رواية الشيخ منتجب الدين أبي الحسن علي بن عبيداللَّه بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن علي ابن الحسين بن بابويه؛ فإنّه يروي - أيضاً - عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن علي بن الحسين الصدوق ابن بابويه.
وهذا الشيخ منتجب الدين كثير الرواية واسع الطرق عن آبائه وأقاربه وأسلافه. ويروي عن ابن عمّه الشيخ بابويه المتقدّم بغير واسطة.
وأنا لي رواية عن الشيخ منتجب الدين بعدّة طرق مذكورة فيما وضعته من الطرق في الإجازات.
وأكثر ما نرويه بتسعة آباء عن الأئمّة عليهم السلام: رواية «الحبّ في اللَّه والبغض في اللَّه» فإنّا نرويه بإسنادنا إلى مولانا أبي محمّد الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لبعض أصحابه ذات يوم: «ياعبد اللَّه؛ أحبُبْ في اللَّه، وابغض في اللَّه، ووال في اللَّه، وعاد في اللَّه، فإنّه لا تنال ولاية اللَّه إلّا بذلك، ولا يجد أحد طعم الإيمان - وإن كثرت صلاته وصيامه - حتّى يكون كذلك.
ونروي عن تسعة آباء بغير طريقهم بإسنادنا إلى عبدالوهّاب بن عبدالعزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن اُكينة بن عبداللَّه التميمي - من لفظه - قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي ابن أبي طالب وقد سئل: عن الحنّان المنّان؟ فقال: «الحنّانُ هو الذي يُقبل على مَن أعرضَ عنه، والمنّانُ هو الذي يَبدأُ بالنوال قبل السؤال».
فبين عبدالوهّاب وبين عليّ عليه السلام تسعة آباء آخرهم أُكينة بن عبداللَّه الذي ذكر أنّه سمع عليّاً عليه السلام.
ونروي بهذا الطريق - أيضاً - حديثاً متسلسلاً باثني عشر أباً: عن رزق اللَّه بن عبدالوهّاب عن آبائه المذكورين، إلى أبي اُكينة، قال: سمعت أبي الهيثم يقول: سمعت أبي عبداللَّه يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما اجتمع قوم على ذكر إلّا حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة».
وأكثر ما وصل إلينا من الحديث المتسلسل بأربعة عشر أباً؛ وهو ما رواه الحافظ أبو سعد السمعاني في الذيل؛ قال: أخبرنا أبو شجاع عمر ابن أبي الحسن البسطامي الإمام بقرائتي قال: حدّثنا السيّد أبو محمّد الحسن ابن علي بن أبي طالب - من لفظه ببلخ - حدّثني سيّدي ووالدي أبو الحسن علي بن أبي طالب، سنة ستّ وستّين وأربعمائة، حدّثني أبي أبو طالب الحسن بن عبداللَّه سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، حدّثني والدي أبو علي عبيداللَّه بن محمّد، حدّثني أبي محمّد بن عبيداللَّه، حدّثني أبي عبيداللَّه بن علي، حدّثني أبي علي بن الحسن، حدّثني أبي الحسن بن الحسين، حدّثني أبي الحسين بن جعفر - وهو أوّل من دخل بلخ من هذه الطائفة - حدّثني أبي جعفر الملقّب بالحجّة، حدّثني أبي عبيداللَّه، حدّثني أبي الحسين الأصغر، حدّثني أبي عليّ بن الحسين بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه عليّعليه السلام قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة» (56).
فهذا أكثر ما اتّفق لنا روايته من الأحاديث المسلسلة بالآباء.
«* وَ إِن اشْتَرَكَ اثْنانَ عَنْ شَيْخٍ، و تَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِما» على الآخر «فَهُوَ» النوع المسمّى: ««السابِقُ و اللّاحِقُ»».
وأكثر ما وقفنا عليه في عصرنا من ذلك ستّ وثمانون سنة، فإنّ شيخنا المبرور نور الدين علي بن عبدالعالي الميسيّ، والشيخ الفاضل ناصر بن إبراهيم البويهي الأحسائي، كلاهما يروي عن الشيخ ظهير الدين محمّد بن الحسام، وبين وفاتيهما ما ذكرناه، لأنّ الشيخ ناصر البويهي توفّي سنة اثنين وخمسين وثمانمائة، وشيخنا توفّي سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة.
وأكثر ما بلغنا قبل ذلك من طرق الجمهور ما بين الراويين في الوفاة، مائة وخمسون سنة، فإنّ الحافظ السِلَفيّ سمع منه أبو علي البرداني - أحد مشايخه - حديثاً، ورواه عنه ومات على رأس الخمسمائة، ثمّ كان آخر أصحاب السِلَفيّ في السماع سبطُه أبو القاسم عبدالرحمن بن مكي، وكانت وفاته سنة خمسين وستمائة.
وغالب ما يقع من ذلك أنّ المسموع منه قد يتأخّر بعد أحد الراويين عنه زماناً حتّى يسمع منه بعض الأحداث، ويعيش بعد السماع منه دهراً طويلاً فيحصل من مجموع ذلك نحوُ هذه المُدَد.
«و الرُواةُ:
* إِن اتَّفَقَتْ أَسْماؤُهُمْ و أَسْماءُ آبائِهِمْ، فَصاعِدَاً، واخْتَلَفَتْ أَشْخاصُهُمْ» سواء اتّفق في ذلك اثنان منهم، أم أكثر؟ «فَهُوَ» النوع الذي يقال له: ««المُتَّفِقُ و المُفْتَرِقُ»» أي المتّفق في الاسم، المفترق في الشخص.
وفائدةُ معرفته خشية أن يظنّ الشخصان شخصاً واحداً.
وذلك كرواية الشيخ ومَن سبقه من المشايخ، عن «أحمد بن محمّد» ويطلق؛ فإنّ هذا الاسم مشتركٌ بين جماعة، منهم: أحمد بن محمّد بن عيسى، وأحمد بن محمّد بن خالد، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر، وأحمد بن محمّد بن الوليد، وجماعة اُخرى من أفاضل أصحابنا في تلك الأعصار، ويتميّز عند الإطلاق بقرائن الزمان، فإنّ المرويّ عنه:
إن كان من الشيخ في أوّل السند أو ما قاربه؛ فهو: أحمد بن محمّد بن الوليد.
وإن كان في آخره مقارناً للرضا عليه السلام فهو: أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي.
وإن كان في الوسط؛ فالأغلب أن يريد به: أحمد بن محمّد بن عيسى، وقد يراد غيره.
ويحتاج في ذلك إلى فضل قوّة وتميّز، واطّلاع على الرجال ومراتبهم، ولكنّه مع الجهل لا يضرّ لأنّ جميعهم ثقاتٌ، والأمر في الاحتجاج بالرواية سهلٌ. وكروايتهم عن «محمّد بن يحيى» مطلقاً، فإنّه - أيضاً - مشتركٌ بين جماعة: منهم محمّد بن يحيى العطّار القمّي، ومنهم محمّد بن يحيى الخزّاز - بالخاء المعجمة والزاي قبل الألف وبعدها -. ومحمّد بن يحيى بن سليمان الخثعمي الكوفيّ، والثلاثة ثقات، وتميّزهم بالطبقة:
فإنّ محمّد بن يحيى العطّار في طبقة مشايخ أبي جعفر الكلينيّ، فهو المراد عند إطلاقه في أوّل السند.
«ومحمّد بن يحيى» والآخران رويا عن الصادق فيعرفان بذلك.
وكإطلاقهم الرواية عن «محمّد بن قيس» فإنّه مشتركٌ بين أربعة:
اثنان ثقتان، وهما محمّد بن قيس الأسدي أبو نصر، ومحمّد بن قيس البجليّ أبو عبداللَّه، وكلاهما رويا عن الباقر والصادق عليهما السلام.
وواحدٌ ممدوح من غير توثيق، وهو محمّد بن قيس الأسدي مولى بني نصر، ولم يذكروا عمّن روى.
وواحدٌ ضعيفٌ؛ محمّد بن قيس أبو أحمد، روى عن الباقر عليه السلام خاصّةً.
وأمر الحجيّة بما يُطلق فيه هذا الاسم مشكلٌ، والمشهور بين أصحابنا ردّ روايته حيث يُطلق مطلقاً، نظراً إلى احتمال كونه الضعيف.
ولكنّ الشيخ أبو جعفر الطوسي كثيراً ما يعمل بالرواية من غير الْتفاتٍ إلى ذلك، وهو سهلٌ على ما عُلم من حاله؛ وقد يوافقه على بعض الروايات بعضُ الأصحاب بزعم الشهرة.
والتحقيق - في ذلك - أنّ الرواية - إن كانت عن الباقر عليه السلام - فهي مردودةٌ، لاشتراكه - حينئذٍ - بين الثلاثة الذي أحدهم الضعيفُ، واحتمال كونه الرابع حيث لم يذكروا طبقته.
وإن كانت الرواية عن الصادق عليه السلام فالضعيف منتفٍ عنهما، لأنّ الضعيف لم يرو عن الصادق، كما عرفت. ولكنّها محتملة لأن تكون من الصحيح إن كان هو أحد الثقتين، وهو الظاهر، لأنّهما وجهان من وجوه الرواة، ولكلّ منهما أصل في الحديث؛ بخلاف الممدوح خاصةً.
ويحتمل - على بعد - أن يكون هو الممدوح، فتكون الرواية من الحسن، فتبنى على قبول الحسن في ذلك المقام وعدمه.
فتنبّه لذلك، فإنّه ممّا غَفَلَ عنه الجميعُ، وردّوا - بسبب الغفلة عنه - روايات، وجعلوها ضعيفةً، والأمر فيها ليس كذلك.
وكروايتهم عن «محمّد بن سليمان» فإنّه - أيضاً - مشتركٌ بين:
محمّد بن سليمان بن الحسن بن الجهم، الثقة العين.
ومحمّد ابن سليمان الأصفهاني، وهو ثقة - أيضاً -.
ومحمّد بن سليمان الديلمي، وهو ضعيف جدّاً.
لكنّ الأوّل متأخّر عن عهد الأئمّة، والثاني روى عن الصادق عليه السلام فيتميّزان بذلك، والثالث لم أقف على تقرير طبقته فتردّ الرواية عند الإطلاق بذلك.
وبالجملة؛ فهذا باب واسع ونوع جليل كثير النفع في باب الرواية، ويحتاج إلى فضل تكلّف، ويفضي تتبّعه إلى إطناب يخرج عن غرض الوضع من الرسالة.
«* و إِن اتَّفَقَت الأسْماءُ خَطَّاً، و اخْتَلَفَت نُطْقَاً(57)» سواء كان مرجع الاختلاف إلى اللفظ أم الشكل؟ «فَهُوَ» النوع الذي يُقالُ له: ««المُؤْتَلِفُ و المُخْتَلِفُ»».
ومعرفتُه من مهمّات هذا الفنّ، حتى أنّ أشدّ التصحيف ما يقع في الأسماء، لأنّه شيءٌ لا يدخله القياس، ولا قبله شيءٌ يدلّ عليه، ولا بعده، بخلاف التصحيف الواقع في المتن.
وهذا النوع منتشرٌ جدّاً لا يُضبط تفصيلاً إلّا بالحفظ، مثاله؛
جَرِيْر، وحَرِيْز؛ الأوّل: بالجيم والراء، والثاني بالحاء والزاي:
فالأوّل جَرِيْر بن عبداللَّه البَجَليّ.
والثاني: حَرِيْز بن عبداللَّه السِجَسْتانيّ، يروي عن الصادقعليه السلام.
واسم أبيهما واحدٌ، واسمهما مؤتَلِفٌ، والمايِزُ بينَهما الطبقةُ، كما ذكرناه.
ومثل بُرَيْد، ويَزِيْد؛ الأوّل بالباء والراء، والثاني بالياء المثنّاة والزاي. وكلّ منهما يُطلق على جماعةٍ؛ والمايز قد يكون من جهة الآباء.
فإنّ بُرَيْد - بالباء الموحّدة - ابن معاوية العِجْليّ، وهو يروي عن الباقر والصادق عليهما السلام وأكثر الإطلاقات محمولةٌ عليه.
وبُرَيْد - بالباء - الأسلمي صحابيّ، فيتميّز عن الأوّل بالطبقة.
وأمّا يَزِيْد - بالمثناة من تحت - فمنه يزيد بن إسحاق؛ شَعَر.
وما رأيته مطلقاً فالأب واللقب مميِّزان.
ويزيد أبو خالد القمّاط متميّزٌ بالكنية؛ وإن شارك الأوّل في الرواية عن الصادقعليه السلام.
وهؤلاء كلّهم ثقات،
وليس لنا بُرَيْد - بالموحدة - في باب الضعفاء، ولنا فيه يزيد متعدّد، ولكن يتميّز بالطبقة والأب وغيرهما، مثل يزيد بن خليفة، ويزيد بن سليط، وكلاهما من أصحاب الكاظم عليه السلام.
ومثل بُنان، وبَيان؛ الأوّل بالنون بعد الباء والثاني بالياء المثنّاة بعدها:
فالأوّل غير منسوب، ولكنّه بضم الباء ضعيف لعنه الصادق عليه السلام.
والثاني بفتحها الجزري كان خيّراً فاضلاً.
فمع الاشتباه توقف الرواية.
ومثل حَنَان وحَيَّان، الأوّل بالنون، والثاني بالياء.
فالأوّل حَنَان بن سدير، من أصحاب الكاظم عليه السلام واقفيّ.
والثاني حيّان السرّاج كيسانيّ، غير منسوب إلى أبٍ، وحيّان العنزي (58) روى عن أبي عبداللَّه عليه السلام ثقة.
ومثل بَشَّار، ويَسَار، فالأوّل بالباء الموحّدة والشين المعجمة المشدّدة، والثاني بالياء المثنّاة من تحت والسين المهملة المخفّفة.
الأوّل بَشّار بن يَسار الضبيعي؛ أخو سعيد بن يسار.
والثاني أبوهما.
ومثل خُثَيْم وخَيْثَم، كلاهما بالخاء المعجمة، إلّا أنّ أحدهما بضمّها وتقديم الثاء ثمّ الياء المثناة من تحت، والآخَر بفتحها ثمّ المثناة:
فالأوّل أبو الرَبيع بن خُثَيْم أحد الزهّاد الثمانية.
والثاني خَيْثَم أبو سعيد بن خيثم الهلالي التابعي ضعيف.
ومثل أحمد بن مِيْثَم؛ بالياء المثنّاة، ثمّ الثاء المثلّثة أو التاء المثنّاة.
الأوّل ابن الفضل بن دكين.
والثاني مطلق، ذكره العلّامة في الإيضاح.
وأمثال ذلك كثيرٌ.
وقد يحصل الائتلاف والاختلاف في النسبة والصنعة وغيرهما؛ كالهَمْداني والهَمَذاني، الأوّل بسكون الميم والدال المهملة، نسبةً إلى قبيلة هَمْدان، والثاني بفتح الميم والذال المعجمة، اسم بَلْدةٍ.
فمن الأوّل محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، ومحمّد بن الأصبغ، وسندي بن عيسى، ومحفوظ بن نصر، وخلق كثير؛ بل هم أكثر المنسوبين من الرواة إلى هذا الاسم، لأنّها قبيلةٌ صالحةٌ مختصّةٌ بنا من عهد أمير المؤمنين عليه السلام ومنها الحارث الهَمْداني صاحبُه.
ومن الثاني محمّد بن عليّ الهَمَذاني، ومحمّد بن موسى، ومحمّد بن عليّ بن إبراهيم وكيل الناحية، وابنُه القاسم، وأبوه عليّ، وجدّه إبراهيم، وإبراهيم بن محمّد، وعليّ بن المسيّب، وعليّ بن الحسين الهَمَذاني، كلّهم بالذال المعجمة.
ومثل الخرّاز والخزّاز، الأوّل براءٍ مهملة وزاي، والثاني بزائين معجمتين. فالأوّل لجماعة، منهم: إبراهيم بن عيسى أبو أيّوب، وإبراهيم بن زياد - على ما ذكر ابن داود - .
ومن الثاني: محمّد بن يحيى، ومحمّد بن الوليد، وعليّ بن فضيل، وإبراهيم بن سليمان، وأحمد بن النضر، وعمرو بن عثمان، وعبدالكريم بن هلال الجعفيّ.
ومثل الحنّاط والخيّاط؛ الأوّل بالحاء المهملة، والثاني بالمعجمة والياء المثنّاة من تحت:
والأوّل يُطلق على جماعة، منهم: أبو ولّاد الثقة الجليل، ومحمّد بن مروان، والحسن بن عطيّة، وعمرو بن خالد.
ومن الثاني: عليّ بن أبي صالح بُزُرْج - بالباء الموحّدة المضمومة والزاء المضمومة والراء الساكنة والجيم، على ما ذكره بعضهم (59).
والأصحّ أنّه بالحاء والنون كالأوّل.
«* وَ إِن اتَّفَقَت الأسْماءُ» خطّاً ونطقاً «وَ اخْتَلَفَت الآباءُ» نطقاً، مع ايتلافهما خطّاً «أَوْ بِالعَكْسِ» كأن تختلف الأسماء نطقاً وتأتلف خطّاً، وتأتلف الآباء خطّاً ونطقاً «فَهُوَ» النوع الذي يقال له: ««المُتَشابِهُ»».
فالأوّل: كبكر بن زيّاد - بتشديد الياء - على ما ذكره العلّامة في الإيضاح وسهل بن زياد - بتخيف الياء - مع جماعة آخرين. وكمحمّد بن عقيل - بفتح العين - ومحمّد بن عقيل بضمّها: الأوّل: نيسابوري، والثاني فرياني. والثاني: كشريح بن النعمان، وسريج بن النعمان. الأوّل بالشين المعجمة والحاء المهملة، وهو تابعي يروي عن علي عليه السلام والثاني بالسين المهملة والجيم، وهو عامي من رواتهم.
«و مِن المُهِمِّ فِي هذَا البابِ:
* مَعْرِفَةُ «طَبَقَاتِ الرُواةِ»:
وفائدته الأمن من تداخل المشتبهين، وإمكان الاطّلاع على التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة. والطبقة - في الاصطلاح - عبارة عن جماعة اشتركوا في السنّ ولقاء المشايخ، فهم طبقة، ثمّ من بعدهم طبقة اُخرى، وهكذا.
«وَ» من المهمّ - أيضاً معرفة « مَوالِيدِهِمْ و وَفَياتِهَم» فَبِمَعْرِفَتِها يَحْصَلُ الأَمْنُ مِن دَعْوَى » المدّعي «اللِقاءِ » أي لقاء المروء عنه، والحال أنّه كاذب في دعواه «و أَمْرُهُ» في اللقاء « لَيْسَ كَذلِكَ ».
وكم فتح اللَّه علينا - بواسطة معرفة ذلك - العلم بكذب أخبار شائعة بين أهل العلم، فضلاً عن غيرهم، حتّى كادت تبلغ مرتبة الاستفاضة، ولو ذكرناها لطال الخطب.
«* و مَعْرِفَةُ «المَوالِي» مِنْهُمْ، مِنْ أعْلَى، ومِنْ أسْفَلَ؛
بِالرِقِّ» بأن يكون قد أعتق رجلاً فصار مولاه، أو أعتقه رجل فصار مولاه، فالمعتق - بالكسر - مولى من أعلى، والمعتق - بالفتح - مولى من أسفل.
«أَوْ بِالحِلْفِ» بكسر الحاء، وأصله المعاقَدة والمعاهَدة على التعاضُد والتساعُد والاتّفاق، ومنه الحديث: «حالف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار مرّتين» أي آخى بينهم.
فإذا حالف كلّ منهما الآخر، صار كلّ منهما مولى الآخر بالحلف.
«أَوْ بِالإِسْلامِ» فمن أسلم على يد الآخر كان مولاه يعني بالإسلام. وفائدته: معرفة الموالي المنسوبين إلى القبائل بوصف مطلق، فإنّ الظاهر في المنسوب إلى قبيلة - كما إذا قيل: فلان القرشي - أنّه منهم صليبةً، وقد تكون النسبة بسبب أنّه مولى بأحد المعاني. والأغلب مولى العتاق. وقد يطلق المولى على معنىً رابع: وهو الملازمة، كما قيل: مقسم مولى ابن عبّاس، للزومه إيّاه. وخامس: وهو من ليس بعربيّ، فيقال: فلان مولى، وفلان عربي صريح، وهذا النوع - أيضاً - كثير. ومرجع الجميع إلى نصّ أهل المعرفة عليه، وفي كتب الرجال تنبيه على بعضه. «* و مَعْرِفَةُ الإِخْوَةِ و الأَخَواتِ» من العلماء والرواة. وفائدته: زيادة التوسّع في الاطّلاع على الرواة وأنسابهم. وقد أفردوه بالتصنيف للاهتمام بشأنه لذلك.
فمثال الأخوين من الصحابة: عبداللَّه بن مسعود، وعتبة بن مسعود، أخوان. وزيد بن ثابت، ويزيد بن ثابت، أخوان. ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام: زيد وصعصعة ابنا صوحان، وربعي ومسعود ابنا حراش العبسيّان.
ومن التابعين: عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة، وأرقم بن شرحبيل، أخوان فاضلان من أصحاب ابن مسعود. وآخرين لا يحصى عددهم.
ومثال الثلاثة من الصحابة: سهل، وعبّاد، وعثمان بنو حنيف.
ومن أصحاب أمير المؤمنين: سفيان بن يزيد، وأخواه عبيد، وكرب، كلّهم أخذ رايته وقتل في موقف واحد(60).
وسالم وعبيدة وزياد بنو أبي الجعد الأشجعيّون.
ومن أصحاب الصادق: الحسن، ومحمّد، وعلي بنو عطية الدغشي المحاربي. ومحمّد، وعلي، والحسين بن أبي حمزة الثمالي. وعبداللَّه، وعبدالملك، وعريف بنو عطا بن أبي رياح، نجباء.
ومن أصحاب الرضا عليه السلام: حمّاد بن عثمان، والحسن، وجعفر أخواه.
وغيرهم وهم كثيرون أيضاً.
ومثال الأربعة: عبيداللَّه، ومحمّد، وعمران، وعبدالأعلى، بنو علي بن أبي شعبة الحلبي، ثقات فاضلون، وكذلك أبوهم وجدّهم.
وبسطام أبو الحسين الواسطي، وزكريا، وزياد، وحفص بنو سابور، وكلّهم ثقات أيضاً.
ومحمّد، وإسماعيل، وإسحق، ويعقوب بنو الفضل بن يعقوب بن سعيد (61) بن نوفل بن حارث بن عبدالمطلب وكلّ هؤلاء ثقات من أصحاب الصادق عليه السلام.
وداود بن فرقد وإخوته: يزيد، وعبدالرحمن، وعبدالحميد. ومحمّد، وأحمد، والحسين، وجعفر بنو عبداللَّه بن جعفر الحميري.
ومن غريب الإخوة الأربعة: بنو راشد أبي إسماعيل السلمي، ولدوا في بطن واحد، وكانوا علماء، وهم: محمّد وعمر، وإسماعيل ورابع لم يسمّوه.
ومثال الخمسة: سفيان، ومحمّد، وآدم، وعمر، وإبراهيم بنو عيينة، كلّهم حدّثوا.
ومثال الستة: من التابعين أولاد سيرين محمّد المشهور وأنس، ومعبد، وحفصة، وكريمة.
ومن رواة الصادق: محمّد، وعبداللَّه، وعبيد، وحسن، وحسين ورومي، بنو زرارة بن أعين.
ومثال السبعة من الصحابة: بنو مقرن المزني، وهم: النعمان، ومعقل، وعقيل وسويد، وسنان، وعبدالرحمن، وعبداللَّه.
وقيل: إنّ بني مقرن كانوا عشرةً.
ومثال الثمانية: زرارة وبكير، وحمران، وعبدالملك، وعبدالرحمن، ومالك، وقعنب، وعبداللَّه بنو أعين، من رواة الصادق عليه السلام.
وفي بعض الطرق: نجم بن أعين فيكون أمثلة التسعة. ولو أضيف إليهم اُختهم اُمّ الأسود صاروا عشرة(62).
وما زاد على هذا العدد نادر، فلذا وقف عليه الأكثر.
وذكر بعضهم عشرة، وهم أولاد العبّاس بن عبدالمطلب؛ وهم: الفضلُ، وعبدُاللَّه، وعُبَيْدُاللَّه، وعبدُالرحمن، وقُثَمُ، ومعبدُ، وعونُ، والحارثُ، وكثير، وتَمَام - بالتخفيف - وكان أصغرهم، وكان العبّاس يحمله ويقول:
تمّوا بتمامٍ فصاروا عَشَرَهْ
ياربّ فاجعلهم كراماً بَرَرَهْ
واجعلْ لهمْ خيراً ونَمِّ الثَمَرَهْ
وكان له ثلاث بنات: اُمّ كلثوم، واُمّ حبيب، واُميمة. واللَّه تعالى أعلم.
«وَ» من المهمّ - أيضاً - « مَعْرِفَةُ أَوْطانِهِمْ وبُلْدانِهِمْ» فإنّ ذلك ربما يميّز بين الاسمين المتّفقين في اللفظ، وأيضاً ربّما يستدلّ بذكر وطن الشيخ، أو ذكر مكان السماع، على الإرسال بين الراويين، إذا لم يعرف لهما اجتماع عند من لا يكتفي بالمعاصرة.
«وَ قَدْ كانَت العَرَبُ تَنْتَسِبُ(63) إِلَى القَبائِلِ » وإنّما حدث الانتساب إلى البلاد لمّا توطّنوا «فَسَكَنُوْا القُرَى» والمدائن «و ضاعَت الأَنْسابُ» فلم يبق لها غير الانتساب إلى البلدان والقرى «فَانْتَسَبُوا إِلَيْها؛ كَالعَجَمِ؛ فَاحْتاجُوْا إَلَى ذِكْرِها؛ فَالساكِنُ بِبَلَدٍ» وإن قلّ - «وَ قِيْلَ» يشترط سكناه «أَرْبَعَ سِنِيْنَ - بَعْدَ» أن كان قد سكن بلداً «آخَرَ؛ يُنْسَبُ إِلَى أَيِّهِما شاءَ، أَوْ» ينسب «إِلَيْهِما» معاً «مُقَدِّمَاً الأَوّلَ» من البلدين سكنى «وَ يَحْسُنُ» عند ذلك «تَرْتِيْبُ» البلد «الثانِي بِ«ثُمَّ»» فيقول - مثلاً -: البغدادي ثمّ الدمشقي.
«وَ» الساكن «بِقَرْيَةِ بَلَدِ ناحِيَةِ إِقْلِيْمٍِ؛ يُنْسَبُ إِلَى أَيِّها شاءَ» من القرية، والبلد، والناحية، والإقليم؛ فمن هو من أهل جُباع - مثلاً - له أن يقول في نسبته: الجُبعي، أو الصيداوي، أو الشامي، ولو أراد الجمع بينها فليبدأْ بالأعمّ فيقول: الشاميّ، الصيداويّ، الجبعيّ.
[ الخاتِمَةُ ]
«فَهذِهِ جُمْلَةٌ مُوْجَزَةٌ فِي الإِشارَةِ إِلَى مَقاصِدِ هذا العِلْمِ» أعني دراية الحديث وأنواعه «إِجْمالاً، و مَنْ أَرادَ الاسْتِقْصاءَ فِيْها مَعَ ذِكْرِ الأَمْثِلَةِ» الموضّحة لمطالبه «فَعَلَيْهِ بِكِتابِنا: «غُنْيَةُ (64) القاصِدِيْنَ فِي مَعْرِفَةِ اصْطِلاحاتِ المُحَدِّثِيْنَ»» فإنّه قد بلغ في ذلك الغاية، وفّق اللَّه تعالى لإكماله بمحمّد وآله. «وَاللَّهُ» تعالى «المُوَفِّقُ» للسداد «وَ الهادِي» إلى سبيل الرشاد، وهو حسبنا ونعم الوكيل. فرغ من تسويد هذا التعليق المنزّل منزلة الشرح للرسالة الموسومة: «البداية في علم الدراية» - مؤلّفها العبد الفقير زين الدين بن علي بن أحمد الشامي العاملي عامله اللَّه بلطفه، وعفى عنه بمنّه وفضله، هزيع ليلة الثلاثاء خامس عشر شهر ذي الحجّة الحرام، عام تسع وخمسين وتسعمائة.
[خاتمة هذه النسخة]:
وفي العشرين من جمادى الآخرة، يوم ميلاد فاطمة الزهراء الطاهرة سنة ألف وأربعمائة وأربع عشرة: فرغ مراجع هذه النسخة من مراجعتها وضبطها والتمييز الدقيق بين عبارات المتن والشرح، مع تقطيع الكتاب وتقويمه، راجياً العفو من ربّ العالمين، والدعاء من المؤمنين. ونحمد اللَّه على توفيقه ونسأله المزيد من فضله وإحسانه والعفو بجلاله وإكرامه إنّه ذو الجلال والإكرام وصلّى اللَّه على محمّد وآله. «وآخر دعواهم أن الحمد للَّه ربّ العالمين»
وكتب السيّد محمّد رضا الحسيني الجلاليّ
الفهارسُ العامّة
70 - 88
1 - فهرسُ الأحاديث. 71
2 - فهرسُ الأعلام. 72
3 - فهرسُ المصطلَحات. 73 - 82
4 - فهرسُ المحتوى . 83 - 88
الفهارس العامّة
1 - فهرسُ الأحاديث
« إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِيَّاتِ » 20و28و29
حديث عُمَر بْن حَنْظَلَةٍ فِي المُتَخاصِمَيْنِ. 33
« لا عَدْوَى... » 32
« لا يُوْرِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ » 32
« مَنْ كَذِبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدَاً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ » 21
2 - فهرسُ الأعلام
الحَسَنَانعليهما السلام 48
الحسينُ بنُ عبدالصمد الحارثيّ العامليّ 5 و 67
ابْن الزُبَيْر 48
زين الدين بن عليّ بن أحمد العامليّ (911 - 965 ه) الشهيد الثاني السعيد 1و2و8
ابْن عَبَّاس 48
عُمَر بْن حَنْظَلَة 33
السيّد البروجرويّ هامش 38
السيّد مُحَمَّد رضا الحسيني الجلاليّ 1و2 و7 و69
الصَغَّانِيّ صاحب الدُرّ المُلْتَقَط فِي تَبْيِيْنِ الغَلَط 39
محمد حسين بن كاظم الكاظمي 5 و 67 و 68
محمد علي القاضي الطباطبائي التبريزي الشهيد 6
النصيري 6
النُعْمان بْن بَشِيْرٍ 48
3 - فهرسُ المصطلَحات والأماكن والجماعات.
(ا)
أَئِمَّة الحَدِيْث:29،42
/إباحة المجيز إطلاق اللفظ:56
/الاتِّصال: 22،38
/اتِّفاقُ مَذْهَبِ الجارِحِ و المُعْتَبِرِ فِي أَسْبابه:43
/ اتِّفاقُ أسماء الرواة:31
/الاتِّكاء(مسلسل)31
/الأَثَر18،34
/ الإِجازَة(طريق) :52،54، 56
/إِجازَةُ المُجاز53
/ الإِجازَة المُجَرَّدَةعَنالمُناوَلَة:55
/ الإجازة بِما لَمْ يَتَحَمَّلْهُ:53
/الإِجازَة شِفاهَاً:55
/الإِجازَة فَوْقَ الشَيْخ:55
/ الإِجازَة كِتابَةً:55
/الإجازة لِغَيْرِ مُمَيِّز:53
/الإجازة للحَمْل:53
/الإجازة لِلفاسِقِ و المُبْتَدِعِ:53
/الإجازة لِلْكافِر:53
/ الاجازة لِمَعْدُوْم:53
/أَجَزْتُ لِفُلانٍ إِنْ شاءَ(صيغة):53
/ أَجَزْتُ لَكَ إِنْ شِئْتَ(صيغة):53
/أَجَزْتُلِمَنْشاءَالإِجازَةَأَو..(صيغة):53
/ أَجَزْتُ لِمَنْ شاءَ فُلانٌ(صيغة):53
/أَجَزْتُ لَهُ رِوايَةَ كَذا(صيغة):52
/ أَجَزْتُهُ مَسْمُوْعاتِي(صيغة):52
/اجْتَمَعَ جَرْحٌ و تَعْدِيْل:44
/ الإِجْماع :33
/ أَحْفَظ:30،38
/أَحْكامالحَلالِوالحَرام:25،40
/ الأَخْبار: 18 ،19،21،40،41
/ أَخْبَركَ فُلانٌ(صيغة):50
/ أُخْبِرُكُمْ ولاأُخْبِرُ فُلانَاً(صيغة):51
/ أَخْبَرَنا (صيغة) :30،36 ،38، 49،50 ،56
/ أَخْبَرَنا فُلان واللَّهِ(صيغة):30
/ أَخْبَرَنا مُكاتَبَةً(صيغة):56
/ الاخْتِلاطِ:47
/ اخْتِلالُ الراوي:43
/ الإِخْوَة و الأَخَوات:65
/ الاِرْسال:22،23،32
/ إرسال في الموصول:36
/ أَرْسَلُوْه:32
/ الاستفاضة للعدالة:43
/ الإِسْلام:48،64
/ إسْلامالراوِي:42
/ أَسْماء آباء الرواة:31،65
/ أَسْماء الرُواةِ:22،31،64،65
/الإِسْناد:18،22،29،30،31،36
/ أَسْنَدَه:32
/ السَنَد:18، 38
/ اشْتهار الحَدِيْث:29
/ الأَصْحاب:23
/ أصفهان:67،68
/ إِصْلاح اللحن فِي الكِتاب :61
/ إِصْلاحُ اللحن بِرِوايَةٍ أُخْرَى:61
/ الأَصْل: 49،69
/ أَصْله:54
/ الاضْطِراب:38
/ الإِعْلامُ(طريق):57،72
/ الأخذ من أَفْواه الرِجال: 61
/ إِقْلِيْم:66
/ إقرار الواضع:39
/ أَكْثَرالمحدّثين:27
/ أَكْثَر صُحْبَةً لِلْمَرْوِيِّ عَنْه:38
/ أَلْفاظُ التَعْدِيْل:46
/ الأَلْفاظ الجازِمَة: 40
/ أَلْفاظُ الجَرْحِ:46
/ الإِمام عليه السلام :2،4،5،18،19،38
/ إِمامِيّ:23
/ الإِمامِيِّ غَيْرِ المَمْدُوْح:23
/ الامْتِحان:38
/ الأُمَّة:19
/ أَمْن التَغْيِيْر: 58
/ الأُمِّيِّ:59
/ أَنْبَأَنا (صيغة):49
/ الانْجِباربِمُرَجِّحٍ:43
/ انْجِبار الضَعْفِ بِالشُهْرَةِ:43
/ أَنْسابُ الرواة:22،31،66
/ انْفِرَاد:21،29
/ الانْقِطاع:22
/ أَهْلالحَدِيْث:28
/ أَهْلُ الخِبْرَةِ الضابِطَة:36
/ أَهْلِيَّة التَحَمُّل:48
/ أَهْمَلُوْه(الجرح):41
/ أَوْطان الرواة:65
/ أَوْ كَما قالَ (صيغة):60
/ الأَوَّلِيَّة (مسلسل)31
/ إِيْمان الراوي:42،43
(ب)
/ البَصَر:29،42
/ البَصِيْر:59
/ بَلَد:27،66
/ بُلْدان الرواة:31
/ بَلَغَنا(صيغة):40
/ بَلَغَنِي(صيغة):57،58
/ بُلُوْغ الراوي:42
/ البُلُوْغُ: 48
/ البَيِّنَة:56
(ت)
التابِعِيِّ:18،35،64
/ التابِعِيْن:35
/ التارِيْخ:33،36
/ التَثَبُّت:41
/ تَحَمُّلالحَدِيْثِ وطُرُقنَقْلِهِ:48
/ التَدْلِيْس:27،36
/ التَرائِي:51
/ الترجيح :38
/ تَزْكِيَة الواحِدِ فِي الرِواية:43
/ التَزْوِيْر فيالخطّ:56
/ التسلسل:31
/ التَشْبِيْك بِاليَد (مسلسل) : 31
/ التَصْحِيْف: 29،61
/ التَعْدِيْلُ:22،32،41،44،45
/ المعدّل : 44
/ التَغْيِيْر: 58،59
/ تَفَرُّد الراوِي:27،28،29،36
/ تَفْسِيْرُ الصَحابِي :34
/ تَقارَبا فِي الّلَفْظِ (صيغة):62
/ تَقْطِيْع الحَدِيْثِ:60
/ تَقْطِيْع المُصَنِّفِ الحَدِيْث:60
/ التَلْقِيْم (مسلسل):31
/ التَمْيِيْزُ:41،48
/ التَواتُر:20،21،25
/ التَوْثِيْق:23
(ث)
ثَبْت:43،46
/ ثَبَتَ بِه: 40
/ ثِقَةٌ:27، 30،42، 43،46، 47، 49،51
/ الثِقَة:30،32،36،43
/ الثِقات:32،43
(ج)
الجارِحُ:43
/ الجَرْح:22،32،41،43
/ الجَرْحُ فِي الرُواةِ بِقَوْلِ واحدٍ:44
/ الجَرْحُ مُقَدَّمٌ:43
/ الجَرْح والتَعْدِيْل:41
/ جَلِيْلٌ:46
/ الجُمْهُوْر:30
/ جُمْهُوْرِ المُحَدِّثِيْنَ:42،49
(ح)
/ حاشِيَةالكتاب:61
/ حافِظٌ:46
/ حافِظَاً مُتَيَقِّظَاً:42
/ حُجَّةٌ:25، 35،46
/ حَدِّثْ عَنِّيبِما فِيْهِ إِنْ كانَ حَدِيثِي(صيغة):55
/ حَدَّثَنا (صيغة):36،38،49،50،56،62
/ حَدَّثَنا مُناوَلةً(صيغة):55
/ حَدَّثَنِي(صيغة):49،50
/ حَدَّثَنِيثِقَةٌ(صيغة):43
/ حَدَّثَنِي فُلانٌ عَنِّي: أَنِّي حَدَّثْتُهُ(صيغة):47
/ الحَدِيْث:5،17،18،22،23،27،28، 29،36،39،47/ / الحَدِيْثالنَبَوِي:60
/ الحُرِّيَّة:42
/ الحَسَن: 23 ،25،46
/ حِفْظ:42،49،58،59،60،61
/ حِفْظِي كَذاوفُلانٌ يَقُوْلُ كَذا(صيغة):59
/ حِفْظِيكَذا،و كِتابِيكَذا(صيغة):59
(خ)
خاصٌّ:20،46
/ الخَبَر:18،19،20،34،38،43
/ خَبَر الواحِد :23
/ خَرَف:47
/ خُرْق:47
/ خَطِّ:41،48،51،57،60،65
/ الخَطَّ:56،57
/ خَطَّهُ،أَوْ خَطَّ ثِقَةٍ،بِسَماعٍ لَهُ:60
/ خَلَّطَ:47
/ خَوارِمِالمُرُوَّةِ:42
/ خَيِّرٌ:11، 13، 15، 26، 46، 68
(د)
/ دُخُوْل حَدِيْثٍ فِي حَدِيْثٍ:36
/ دِرايَة الحَدِيْثِ:17
(ذ)
/ ذَكَرَ لَنا(صيغة):49
/ الذُكُوْرَة:42
(ر)
/ رَكاكَة أَلْفاظ الحديث :39
/ رَوَى العَدْلُ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاه (صيغة) : 43
/ رِوايَةُ الآباءُ عَن الأبْناء:64
/ رِوايَةُ الأَقْرانِ:64
/ رِوايَةُالأَكابِرِ عَن الأَصاغِرِ:64
/ الرِوايَة بِالمَعْنَى:51،60،61
/ الراوِي:29،30، 36 ،42،48،50،64
/ الرُواةُ:22،27،31،43،65
/ الرِيْبَة:43
(ز)
/ زاهِدٌ:46
/ الزُهْد:39
/ الزَنادِقَةُ:39
(س)
/ ساقِطٌ:21، 46
/ السابِقُ و اللّاحِقُ:64
/ السَلَف:41
/ سَمِعْتُ (صيغة):30،49
/ السَماع(طريق):26،31،49،54
/ السَماعُ مِنْ لَفْظِالشَيْخِ:49
/ السَنَد:18،38
/ الإِسْناد:18،22،29،30،31 ، 36
/ أَسْنَدَه(صيغة):32
(ش)
/ الشاذّ:23،29،30
/ شاذٌّ مَرْدُوْدٌ:30
/ شذوذٌ:32
/ شَرُّ أَقْسامِالضَعِيْفِ: 39
/ الشريعة المطهّرة:41
/ الشُهْرَة : 25 ، 43
/ الشُهْرَة رِوايَةًوفَتْوَىً:25
/ شَيْخٌ:36، 46
/ الشُيُوْخ:36
(ص)
صالِحٌ:46
/ صالِحُ الحَدِيْثِ:46
/ الصِبْيانَ،48
/ الصَحابِيّ لِلنَبِيِقدس سره:18،33،34،64
/ الصَحابَة،21،48
/ الصَحِيْح:23، 27 ، 31،38
/ صَحِيْحُ الحَدِيْثِ:46
/ صَدُوْقٌ: 46
/ صَغِيْرَ السِن:36
/ الصِفاتِ:40
/ صيغ التحمّل والأداء(عبارة،ألفاظ):36
(ض)
/ ضابِط:42،43،46
/ الضَبْط:31،69
/ الضَبْط والإِتْقِان:42، 43
/ أَضْبَط:30
/ ضَبطَ كِتابِه59
/ الضَرِيْرُ:59
/ الضَعْف:22،25،43
/ ضَعُف الطَرِيْق:25
/ الضَعِيْف:23،25، 39،40،46
/ ضَعِيْفُ الإِسْنادِ لاالمَتْنِ:40
(ط)
/ طَبَقَاتالرُواةِ ( مَوالِيدهِمْ و وَفَياتهَم):20،23،64،65
/ طُرُق التَحَمُّلِ، وهِيَ سَبْعَةٌ:49
/ الطَعْن:23
(ظ)
/ الظَنّ:25،36،59
(ع)
/ عارِفَاً بالمَعْنَى:42
/ عالِمٌ:46
/ العالِي سَنَدَاً:29
/ العِبارِةُ عَنْ الطَرِيْقِ(ألفاظ،صيغ):50
/ العَجَم:66
/ العَدالَة:22،23،42،،43
/ العدالة بتوثيق الواحد:43
/ عَدْلٌ:30،46
/ عَدْلَيْن:43
/ العَدْل الإِمامِيّ:23
/ أَعْدَل:30
/ العَدَدُ:21،30،42، 43
/ عَدَم المُعارِضِ :43
/ العَرَبُ:66
/ العَرْض:49
/ عَرْض المُناوَلَة :54
/ العَزِيْز:21
/ عَقْل الراوي:42
/ العِلْم:20،32،42
/ علم الحديث:32
/ عِلْم المُجِيْز بِما أَجازَ:54
/ علمالمجاز:54
/ العَمَلِ بِالمَضْمُوْن :33
/ عَمَلُ العالِمِ، و فُتْياهُ وِفْق حَدِيْثٍ:45
/ عَمَلهم بِأَخْبارٍ ضَعِيْفَةٍ ومُوَثَّقَة:42
/ «عَنْ» (صيغة) : 27،36،55
/ العَدّ بِاليَد(مسلسل) : 31
(غ)
/ غالٍ:46
/ غَرِيْب:21،28،29،33
/ غَرِيْب مَشْهُوْر: 29
/ غَلَط الحديث :39
/ الغُلاةُ:39
(ف)
/ فاضِلٌ:46
/ الفتْوى وِفْقَ حَدِيْثٍ:43
/ الفَتْوَى بِالكِتابَةِ:56
/ فَساد عَقِيْدَة الراوي:23
/ الفِسْق:37،42
/ فَضائِل الأَعْمال:25
/ فَنٌّ مُهِم:33
/ فُنُوْن الرِوايَة:31
/ فُنُوْن عِلْمِ الحَدِيْثِ:32
(ق)
/ «قالَ» إِذا تَكَرَّرَتْ يَحْذِفُوْنَ إِحْداهُما(صيغة):62
/ «قالَ» بَيْنَالإِسْنادِ(صيغة):62
/ قالَ فُلانٌ(صيغة):36،49،58
/ قالَ فُلانٌ لِي أَوْ لَنا(صيغة):49
/ القَبائِل:66
/ القَدْح:32
/ القَدْح فِي المُسْلِم:41
/ القِراءَةُ عَرْضٌ:54
/ القِراءَةُ عَلَى الشَيْخِ(طريق):49
/ قِراءَةً عَلَيْهِ(صيغة):50
/ قَرَأْتُ عَلَى فُلانٍ(صيغة):50
/ قُرْبُ الإِسْناد:29
/ قَرِيْبُ الأَمْرِ:46
/ قُرِئَ عَلَيْهِ وأَنَا أَسْمَعُ فَأَقَرَّبِهِ(صيغة):50
/ قُرِىءَ عَلَى فُلانٍأَخْبَرَكَ(صيغة):62
/ قُرِىءَ عَلَى فُلانٍ: حَدَّثَنا(صيغة):62
/ قُرِىءَ عَلَيْه (صيغة):50،59
/ قَرْيَة:66
/ القُرَى:66
/ قزوين(مدينة):68
/ قَطْع:23
/ القَصَص:25
/ قم(مدينة):1،2،6،69
/ القَوِيّ:23
/ القِيام:31،33
(ك)
/ كِتاب:7،39،47،49،52،55،58،59،61
/ كِتاب غَير مُقابَل: 58
/ كِتاب يَرْوِيْهِ:57
/ كَتَبَ إِلَيَّ(صيغة):55
/ كَتَبَ إِلَيَّ قالَ: حَدَّثَنا (صيغة):56
/ الكِتابَة(طريق):56
/ الكِتابَةُالمُجَرَّدَةٌ عَنْ الإجازة:56
/ الكِتابَةُ المَقْرُوْنَةٌ بِالإِجازَة:56
/ كَذَّابٌ:46
/ الكَِرَّامِيَّة:39
/ كُنَّا نَفْعَلُ كَذا(صيغة):34
/ كُنى الرواة:31
(ل)
/ لاأَذْكُرُهُ(صيغة):47
/ لاأَعْرِفُهُ(صيغة):47
/ لابَأْسَ بِه:46
/ لاشَيْءَ:46
/ لايَرْوِ عَنِّي:51
/ لَحَّان:61
/ اللَحْن: 61
/ اللُقِيّ :36، 64
/ لَمْ يَرْوِ بِالمَعْنَى:60
/ لَيْسَ بِذاكَ:46
/ لَيِّنُالحديث:46
(م)
/ مارَوَيْتُهُ(صيغة):47
/ المُبْتَدِعَة:39
/ مَتْرُوْكٌ:46
/ المُتَشابِهُ:65
/ المُتَّصِل:26،34
/ المُتَّفِقُوالمُفْتَرِقُ:65
/ مُتْقِنٌ:46
/ المَتْن:4،18،22،29،31،38،51،63
/ المُتَواتِر:19،20،21
/ مُتَّهَمٌ:46
/ مِثْله(صيغة):63
/ المُجاز:53
/ كون المُجاز عالماً:54
/ المُجِيْز:54،56
/ المَجْرُوْح:23،41
/ مَجْلِسُالمُحَدِّثِ،51
/ أكثر المحدّثين:27
/ بعض المُحدّثين :55
/ مَجْهُوْل:23
/ المحقّقون من أهل البصائر:32
/ مَحَلُّه الصِدْقُ:46
/ مُخالَفَة غَيْرِه:36
/ المُخْتَلِف:32،65
/ المُدَبَّجُ:64
/ المَدْح:46
/ المُدْرَج:27
/ المُدَلَّس:36
/ المُذاكَرَة والمُناظَرَة:49
/ المرجّح:32، 38
/ المَرْدُود :21
/ المُرْسَل:35،38
/ المَرْفُوْع:26،34،36
/ مُرْتَفِعُالقَوْل:46
/ المَرْوِيّ بِالمَعْنَى:60
/ المَرْوِيُّ عَنْهُ:47،48،64
/ مُسْتَفِيْض:21
/ المَزِيْد:31
/ مُسْتَمْلي:51
/ مَسْكُوْنٌإِلى رِوايَتِهِ:46
/ المُسَلْسَل:30
/ المُسَلْسَلات:31
/ مَشْكُوْرٌ:46
/ المُسْنَد:26
/ المُشْتَبِه:21
/ المَشْهُورُ:21،28،29
/ المَشْهُوْرُ بَيْنَ أَصْحابِنا:42
/ مُصاحِب المَعْصُوْم :34
/ المُصافَحَة (مسلسل) :31
/ المُصَحَّف :29، 61
/ المُصَنَّفات :51،60
/ المُضْطَرِب: 38
/ مُضْطَرِبُ الحَدِيْث: 46
/ مُعارَض :23
/ المُعَدِّل:44
/ مَعْرِفَةُالخَطِّ:56
/ مَعْرِفَةُالَطالب للرواية :55
/ المَعْصُوْم:18،23،26،29،34،35
/ المعارض:45
/ المعلّق:27
/ المُعَلَّل:36
/ المعنى:60
/ المُعَنْعَن:27
/ المُفْرَد:27،29
/ المَقْبُول:21،33
/ المَقْطُوْعُ:35
/ المَقْلُوْب:38
/ مَمْدُوْحٌ:23،46
/ المُمْلي:51
/ المُناوَلَةُ:54
/ المُناوَلَةُالمُجَرَّدَةُ عَنْ الإِجازَة:55
/ المُناوَلَةُالمَقْرُوْنَةُ بِالإِجازَةِ:54
/ مَن انْتَسَبَ إِلَى الزُهْد:39
/ المناولة مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ:55
/ المُنْقَطِع:35
/ مُنْقَطِعاً:26،34
/ مُنْقَطِعٌ وفِيْهِ اتِّصال:57
/ مُنْكَرٌ مَرْدُوْد:30
/ مُنْكَرُ الحديث:46
/ المَواعِظ:25
/ المَوالِي بِالرِقِّ أَوْبِالحِلْفِأَوْبِالإِسْلامِ :65
/ المُوَثَّق:23،25
/ المَوْصُوْل:26،36
/ المَوْضُوْعُ:2 ،4،39
/ المَوْقُوْف:26،34،35
/ المُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ:65
(ن)
/ ناحِيَةِ:66
/ نَبَّأَنا(صيغة):49
/ النبيّصلى الله عليه وآله:35و48و64
/ النسخ (الكتابة):51
/ الناسِخُ والمَنْسُوْخ:33
/ نُسْخَة سَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَيْها: 59
/ نُسْخَة سُمِعَتْ عَلَى شَيْخِهِأَوْ فِيْها سَماعُهُأَوْ كُتِبَتْ عَنْهُ:59
/ نُسْخَة فِيْها سَماعُهُ:59
/ نُسْخَة قُوْبِلَتْ بِأَصْلِ بَعْضِهِمْ:62
/ نُسْخَة قُوْبِلَتْ: 59
/ نُسْخَة مَوْثُوْق بِها لِمُصَنِّفٍ:58
/ النَصُّ:5،33
/ نصّ الأصحاب على توثيقه:23
/ النظر في المرويّبالمناولة:55
//النُقّاد:39
(و)
/ واهٍ:46
/ وبِالإِسْناِد(صيغة):63
/ وَ بِهِ(صيغة):62
/ الوِجادَةُ (طريق):57 ،58
/ الوِجادَة مع الإِجازَة:58
/ وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلانٍ (صيغة):57
/ وَجَدْتُ فِي كِتابٍ أَخْبَرَنِي فُلانٌ أَنَّهُ خَطُّ فُلانٍ(صيغة):57
/ وجوه الترجيح :57
/ وَ ذَكَرَ الحَدِيْثَ(صيغة):63
/ وَ رِوايَتُنا كَذا(صيغة):61
/ وَ صَوابُهُ كَذا (صيغة) :61
/ الوصيّة (طريق) :57
/ الَوْضْع:25،39
/ وَضَّاعٌ :46
/ وَاضِعون:39
/ وقف في المرفوع:36
/ وقَفَهُ فُلانٌ عَلَى فُلانٍ (صيغة):34
/ وَهْمِ واهِمٍ:36
(ه)
/ هذَا رِوايَتُكَ، فَناوِلْنِيْهِ(صيغة):55
/ هذا سَماعِي(صيغة):55
/ هذا سَماعِي مِنْ فُلانٍ فَارْوِهِ عَنِّي(صيغة):54
(ي)
/ يُحْتَجُّ بِحَدِيْثِهِ:46
/ يحكيالصدق:هامش46
/ يَظُنُّهُ جَرْحاً:41
/ يُقَدَّمُ الجَرْحُ عَلَىالتَعْدِيلِ:32
/ يُكْتَبُ حَدِيْثُه:46
/ يُكَنِّيْهِ:36
/ يَنْسِبُهُ :36
/ يُنْظَرُفِيه:46
4 - فهرس المحتوى
(83 - 88)
مقدّمة المحقّق 5
سطور عن المؤلّف والكتاب. 8
نماذح من صور النسخ المعتمدة. 9-15
مقدّمة الكتاب . 17
المُقَدَّمَةُ فِي بَيانِ أُصُولِهِ و اصْطِلاحِهِ. 18-22
الخَبَرُ و الحَدِيْثُ و الأَثَرُو المَتْنُ و السَنَدُو الإِسْنادُ. 18
و يَنْقَسِمُ الخَبَرُ مُطْلَقَاً إِلى: مُتَواتِرٍ. 20
و آحاد، وهو مُسْتَفِيْضٌ ومَشْهُورُ و غَرِيْبٌ و غَيْرُهُماالعَزِيْزُ و المَقْبُولُ و المَرْدُودُ و المُشْتَبِهُ. 21
(البابُ الأَوَّلُ)
(فِي أَقْسامِ الحَدِيْثِ)
(23 - 40)
و أُصُوْلُها أَرْبَعَةٌ.
*الأَوّلُ: الصَحِيْحُ. 23
*الثانِي: الحَسَنُ . 23
*الثالِثُ: المُوَثَّقُ، و يُقالُ لَهُ: القَوِيُّ. 23
*الرابِعُ: الضَعِيْفُ. 24
العمل بالأقسامالمذكورة . 24
بَقِيَ هُنا عِباراتٌ لِمَعانٍ شَتّى. 26
فَمِن المشترك أُمُوْرٌ. 26
*أَحَدُها: المُسْنَدُ. 26
*و ثانِيْها: المُتَّصِلُ و يُسَمَّى أَيْضاً المَوْصُوْلُ. 26
*و ثالِثُها : المَرْفُوْعُ. 26
*و رابِعُها: المُعَنْعَنُ. 27
*و خامِسُها: المُعَلّقُ. 27
*و سادِسُها: المُفْرَدُ. 27
*و سابِعُها: المُدْرَجُ. 27
*و ثامِنُها: المَشْهُوْرُ. 28
*و تاسَعُها: الغَرِيْبُ. 28
الغَرِيْب المَشْهُوْر. 29
و قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الغَرِيْبِ اسْمُ الشاذِّ. 29
*و عاشِرُها: المُصَحَّفُ. 29
*و حادِي عَشَرِها: العالِي سَنَدَاً. 29
*و ثانِي عَشَرِها: الشاذُّ. 30
شاذٌّ مَرْدُوْدٌ. 30
مُنْكَرٌ مَرْدُوْدٌ. 30
*و ثالِثُ عَشَرِها: المُسَلْسَل. 30
*و رابِعُ عَشَرِها: المَزِيْدُ. 31
*و خامِسُ عََشِرها: المُخْتَلِفُ. 32
*و سادِسُ عَشَرِها: الناسِخُ و المَنْسُوْخُ. 33
*و سابِعُ عَشَرِها: الغَرِيْبُ لَفْظَاً. 33
*و ثامِنُ عَشَرِها: المَقْبُوْل. 33
ومن المختصّ بالضعيف : أُمُوْرٌ. 34
*الأَوَّلُ: المَوْقُوفُ. 34
*الثانِي: المَقْطُوْعُ وهو المُنْقَطِعُ. 35
*الثالِثُ : المُرْسَلُ. 35
و يُطْلَقُ عَلَيْهِالمُنْقَطِعُ،والمَقْطُوْعُ والمُعْْضَلُ. 35
* ما يعلم به الإرسال. 36
*الرابِعُ: المُعَلَّلُ. 36
*الخامِسُ: المُدَلَّسُ. 37
*السادِسُ: المُضْطَرِبُ. 37
*السابعُ :المقلوب. 38
*الثامِنُ: المَوْضُوْعُ. 38
والوَاضِعُوْنَ أَصْنافٌ. 39
*(تَتِمَّةٌ). 40
( البابُ الثاني )
( فِي مَنْ تُقْبَلُ رِوايَتُهُ و مَنْ تُرَدُّ )
و بِهِ يَحْصَلُ التَمَيُّزُ بَيْنَ صَحِيْحِ الرِوايَةِ و ضَعِيْفِها
و فِي هذا البابِ مَسائِلُ:
(41-49)
*الاُوْلَى: اشْتِراطِ: إسْلامِ الراوِي، و بُلُوْغِهِ، و عَقْلِه. 42
الجُمْهُوْرُ عَلَى اشْتِراطِ عَدالَتِهِ و ضَبْطِهِ. 42
و لا تُشْتَرَطُ الذُكُوْرَةُ، و لا الحُرِّيَّةُ، و لا العِلْمُ بِفِقْهٍ و عَرَبِيَّةٍ، و لا البَصَرُ،و لا العَدَدُ. 42
والمَشْهُوْرُ بَيْنَ أَصْحابِنا: اشْتِراطُ إِيْمانِهِ. 42
*الثانِيَةُ: العَدالَةُ والضَبْطُ. 43
*الثالِثَةُ: التَعْدِيْلُ. 44
*الرابِعَةُ: يَثْبُتُ الجَرْحُ. 44
*الخامِسَةُ: إِذا قالَ الثِقَةُ: «حَدَّثَنِي ثِقَةٌ». 45
*السادِسَةُ: أَلْفاظُ التَعْدِيْلِ:عَدْلٌ، ثِقَةٌ، حُجَّةٌ، صَحِيْحُ الحَدِيْثِ، و ما أَدَّى مَعْناهُ. 46
أَمَّا: مُتْقِنٌ، ثَبْتٌ، حافِظٌ، ضابِطٌ، يُحْتَجُّ بِحَدِيْثِهِ، صَدُوْقٌ، مَحَلُّه (65) الصِدْقُ، يُكْتَبُ حَدِيْثُهُ، يُنْظَرُ فِيْهِ، لابَأْسَ بِهِ، شَيْخٌ، جَلِيْلٌ، صالِحُ الحَدِيْثِ، مَشْكُوْرٌ، خَيِّرٌ، فاضِلٌ، خاصّ، مَمْدُوْحٌ، زاهِدٌ، عالَمٌ، صالِحٌ، قَرِيْبُ الأَمْرِ، مَسْكُوْنٌ إِلى رِوايَتِهِ. 46
* و أَلْفاظُ الجَرْحِ:ضَعِيْفٌ، كَذَّابٌ، وَضَّاعٌ، غالٍ، مُضْطَرِبُ الحَدِيْثِ، مُنْكَرُهُ، لَيِّنُهُ، مَتْرُوْكٌ، مُرْتَفِعُ القَوْلِ، مُتَّهَمٌ، ساقِطٌ، واهٍ، لاشَيْءَ، لَيْسَ بِذاكَ، وَنَحْوُ ذلِكَ. 46
*السابِعَةُ: مَنْ خَلَّطَ؛ بِخُرْقٍ(بِخَرَفٍ) و فِسْقٍ، وغيرهما. 47
*الثامِنَةُ: إِذا رَوَى ثِقَةٌ عَنْ ثِقَةٍ حَدِيْثَاً، و رُوْجِعَ المَرْوِيّ
عَنْهُ؛ فَنَفاهُ. 47
( البابُ الثالِثُ )
( فِي تَحَمُّلِ الحَدِيْثِ و طُرُقِ نَقْلِهِ)
و فِيْهِ فُصُوْلٌ:
(48 -63)
الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي أَهْلِيَّةِ التَحَمُّلِ. 48
الفَصْلُ الثاني: فِي طُرُقِ التَحَمُّلِ، و هِيَ سَبْعَةٌ. 49
* أَوَّلُها: السَماعُ مِنْ لَفْظِ الشَيْخِ، سَواءٌ مِنْ حِفْظِهِ أَمْ مِنْ كِتابِهِ: 49
العبارة عن طريقة السماع. 50
* وثانِيْهِما: القِراءَةُعَلَىالشَيْخِوتُسَمَّى«العَرْضُ». 49
* و ثالِثُها: الإِجازَةُ. 52
* و رابِعُها: المُناوَلَةُ: و هِيَ نَوْعانِ. 54
* أَحَدُهُما: المَقْرُوْنَةُ بِالإِجازَةِ. 54
* و ثانِيْهِما:المُجَرَّدَةُ عَنْ الإِجازَةِ. 55
* و خامِسُها:الكِتابَةُ. 56
مَقْرُوْنَةٌ بِالإِجازَةِ، و مُجَرَّدَةٌ عَنْها. 56
* و سادِسُها: الإِعْلامُ. 57
* الوَصيّة و مَعْناها ما لَوْ أَوْصى لَهُ عند الموت أو السفر. 57
* و سابِعُها: الوِجادَةُ. 57
الفَصْلُ الثالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ رِوايَةِ الحَدِيْثِ. 58
(البابُ الرابِعُ)
( فِي أَسْماءِ الرِجالِ و طَبَقاتِهِمْ)
(64-66)
الصَحابِيُّ و التابِعِيُّ. 64
رِوايَةُ الأَقْرانِ وهوالمُدَبَّجُ. 64
رِوايَةُ الأَكابِرِ عَن الأَصاغِرِ. 64
وَ مِنْهُ الآباءُ عَن الأبْناءِ و الأَكْثَرُ العَكْسُ. 64
السابِقُ و اللّاحِقُ. 64
المُتَّفِقُ و المُفْتَرِقُ. 65
المُؤْتَلِفُ و المُخْتَلِفُو المُتَشابِهُ. 65
و مِن المُهِمِّ فِي هذَا البابِ:
* مَعْرِفَةُ طَبَقَاتِ الرُواةِ و مَوالِيدِهِمْ و وَفَياتَهَم. 65
* و مَعْرِفَةُ المَوالِيو مَعْرِفَةُ الإِخْوَةِ و الأَخَواتِ. 65
* و مَعْرِفَةُ أَوْطانهم و بُلدانهم. 65
الخاتمة. 66
إنهاءات النسخ. 67-69
والحمدُ للَّهِ أَوّلاً وَآخِراً
...................) Anotates (.................
1) في نسخة «ن» : « اصطلاحه ».
2) في «ن»: « نعلم صدقَه ».
3) في «ن»: « نعلم كذبَه ».
4) في «ن»: « التَوَاتُرِ ».
5) كذا في «ط» وفي غيرها: « عن ».
6) ما بين المعقوفين ساقط من «ن».
7) زاد في «ن»: « فِي عَدَدٍ» داخل المتن .
8) اقرأ بحثاً مفصّلاً عن هذه الاُصول الأربعمائة في دائرة المعارف الشيعيّة، تأليف السيّد حسن الأمين (ج5 ص32 - 45) بقلم العلّامة الحجّة المحقّق السيّد محمّد حسين الحسيني الجلالي.
9) في «ن»: « يشتَمِلُ ».
10) كتب في هامش «ن» : « بَلَغَ قِراءَةً أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى ».
11) في «ن» : « معصومٍ ».
12) في غير «ق» : « أو».
13) في «ن» : « لذلك ».
14) في «ط» : « يَسْمَعُ حَدِيْثاً واحِداً» وفي «ق» مضبوطاً: « حَدِيْثَ واحِدٍ ».
15) في «ن»:« انْفَرَدَ ».
16) في «ن» : « بِرِوايَتِهِ واحِدٌ ».
17) في «ن»: « يَعْرِفُ مَتْنَهُ جَماعَةٌ».
18) ما بين القوسين ليس في «ن» .
19) هذه الفقرة وردت في «ن» فقط.
20) في «ن»: « في »!.
21) في «ن»: « على مرجّحه »!.
22) كلمة « منه » لم ترد في «ن».
23) كتب فِي هامش «ن»: « ثُمَّ بَلَغَ قِراءَةً أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى».
24) ورد ما بين القوسين في «ن» فقط.
25) لاحظ الرواية في منتقى الجمان لابن المؤلّف (1/9) وبيان اضطراب سندها في (ص10) طبعة جامعة المدرّسين - قم.
26) اُنظر الكافي (3/94) الحديث الثالث، والتهذيب (1/385) الحديث (1185)، واُنظر التعليقة في الموضعين.
27) لاحظ تاريخ بغداد، للخطيب: (2/120).
و قَد اتّفق مثل ذلِكَ للسيّد الإمام البُرُوجِرْديّ (ت1380 ه) حينَ آلتْ إليه المرجعيّة العُظمى، حيثُ عَمَدَ بعضُ أهل الخِبْرةِ إلى عَشَرَةِ أحاديث، فَقَلَبَ أسانيدَها ورَكَّبَ المُتُونَ عَلَى غير الأسانيد، وعَرَضَها عَلَى المُتصدّين للمرجعيّة، فكانَ السيّدُ البُرُوجِرديُّ هُوَ الَوْحيد الذي رَدَّ كلَّ مَتْنٍ إلى سَنَدِهِ، ورَتَّبَ الأسانِيدَ ونَظَّمَها عَلَى نِظامِها الصحيح، فانْقادَتْ له الطائفة.
28) لاحظ تاريخ بغداد للخطيب (ج2 ص120). وقد اتّفق مثل ذلك للسيّد الامام البروجردي (ت1380) حين آلت إليه المرجعيّة العظمى، حيث عمد بعض أهل الخبرة إلى عشرة أحاديث من الكافي، فقلب أسانيدها وركّب المتون على غير الأسانيد، وعرضوها على المتصدّين للمرجعيّة، فكان السيّد البروجردي هو الوحيد الذي ردّ كل متن إلى سنده، ورتّب الأسانيد ونظّمها.
29) في قصّة نقلها مؤلّفوا المصطلح، لاحظ الباعث الحثيث لأحمد شاكر (ص86).
30) قال المؤلّفُ قدس سره في شرحه: بكسر الكاف وتخفيف الراء، أو بفتح الكاف وتشديد الراء، أو بفتح الكاف وتخفيف الراء، على اختلاف نقل الضابطين لذلك.
31) هذه الدعوى من الشيخ المصنّف رحمه الله غريبة؛ فإنّ كتاب الصغّاني ليس بذاك ولا هناك، لما فيه من تفريطٍ بالأحاديث الشريفة الثابتة بالطرق المقبولة عندنا، وقد استوفى حقّ الردّ على هذه الدعوى، سماحة المحدّث الجليل الحجّة الشريف السيّد الحسن آل المجدّد الشيرازيّ في جزءٍ وافٍ شافٍ بعنوان « التعقّبات على الصاغاني في كتابه «الدر الملتقط» في الموضوعات» نشر في العدد التاسع من مجلّة علوم الحديث ص 131 .
32) وهو المعروف بحديث «من بلغ ...» لاحظ وسائل الشيعة (ج1 ص80) الباب (18) من طبعة مؤسسة آل البيت عليهم السلام - قم.
33) كذا في «ن» و بدل «العدل» كان في «ط» و «ق»: «القدح» واستظهر في هامش «ط»: «المدح».
34) في «ن» ونسخة من «ط»: « مُلتبسٌ » .
35) يعني إنّ الكاذب قد يذكر ما هو حقّ وينسبه إلى قائله، قائله يسمّى إلصاقاً وليس صدقاً، لأنّ الغرض منه التستّر بذلك لإظهار الصدق على سائر كلامه، ولذلك قال اللَّه: «واللَّه يعلم إنّ المنافقين لكاذبون» مع أنّهم شهدوا بالرسالة الحقّة، فليلاحظ.
36) في«ن»: « الأَشْهَرِ ».
37) عَنْهُ» لم يرد في «ن».
38) مِنْهُ» لم يرد في «ن».
39) كذا فِي «ط» و«ق» ولعلّه الأنسب، لتداوله في كتب الفنّ، ولكن في «ن»: «يحكي» بدل : محلّه، فليلاحظ.
40) كذا في «ط»و«ق» ولكن في «ن»: « بِخَرَفٍ ».
41) كتب فِي هامش «ن»: « بَلَغَ قِراءَةً أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى ».
42) اسمه «مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ» في جزءٍ واحدٍ، ذكر في مؤلّفات الخطيب، ولم نجد له نسخة، وقد لخّصه السيوطي في جزء باسم: «تذكرة المؤتسي في من حدّث ونسي» يوجد في المكتبة الظاهرية بدمشق.
43) في«ن»: « و قِيْلَ: «بَلى ».
44) إلى هنا انقطع الكلام في «ن» وذكر في هامشها عبارة الشرح وهي: «... أوجب الرجوع عن الرواية « رَوَى » السامع عنه في الجميع لتحقّق إخبار الجميع، وإن لم يقصد بعضهم».
45) كلمة «رَوَى» عُدّتْ من المتن في «ط» فقط، وهي جواب «لَوْ» في أوّل الفقرة، وبدونها تكون «لَوْ» وصْليّةً؛ فلاحظ.
46) في«ن»: «ولا» وفي «ق»: « ولا تجوز».
47) كتب فِي هامش «ن»: « ثُمَّ بَلَغَ قِراءَةً أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى ».
48) في «ط»و «ق»: « بَلْ يَجُوْزُ » .
49) كذا في النسخ، وهو صدر بيت نسب في كتب الصحابة كأسد الغابة (2/ 378) والتاريخ والسيرة لاحظ شرح النهج لابن أبي الحديد (18/ 137) إلى سويد بن الصامت، وعجزه عندهم :
...* وما جَنَّ بالبغضاء والنظر الشزرِ
ونسبه في لسان العرب (نشر) إلى عمير بن حباب، والبيت فيه:
تُبينُ لك العينانِ ما هو كاتمٌ
من الغلّ والبغضاء بالنظر الشزرِ
50) هذا العنوان أضفناهُ إِبْرازاً لهذه الطريق مع سائر الطرق الثمانية المعروفة، والمؤلّفُ لم يذكرها مُستقّلاً؛ مع عدّه لها هُنا في ذيل السادس، فلاحظ.
51) في «ط» : «إذا سكنت ».
52) في «ط»: «تامّاً».
53) بدلَ ما بين القوسين جاءَ في «ط»: « ولا يسلمُ من التصحيف، بل، بأخذه من أفواه الرجال » وقريب منه في «ق».
54) في «ن»: «شيخه».
55) ما بين القوسين ليس في «ن» .
56) وهذا أوّل الأحاديث الأربعين المرويّة بهذا الإسناد، والمعروف ب«سلسلة الإبريز بالسند العزيز» والمطبوع بهذا الاسم بتقديم السيّد محمّد حسين الحسيني الجلالي وتخريج السيّد محمّد جواد الحسيني الجلالي، في قم، نشر مكتبة السيّد المرعشي سنة 1413.
57) في«ن»: «لفظاً».
58) هذا هو حَيّان بن علي العَنزي أخو مَنْدَل، وقد ذكره الرجاليّون منّا، ولكنّ العامّة ذكروه باسم «حِبّان» فليلاحظ.
59) وهو معرّب «بُزُرگ» بالگاف الفارسية، بمعنى: «كبير» وقد ارتبك بعض النسّاخ في ضبط هذه الكلمة، وخلط بين ضبطها بالكلمات، وضبط نسبة الحناط، فليدقّق.
60) أي في صفين، لاحظ وقعة صفين لنصر بن مزاحم (ص250) - طبعة هارون.
61) كذا في نسخة، وهكذا أثبته النجاشي في ترجمة (الحسن بن محمّد بن الفضل) لكنّه في ترجمة أخيه الحسين بن محمّد أثبته: سعد، كما في نسخة اُخرى من كتابنا، أما الشيخ الطوسي فقد ذكر بدله «الفضل» فلاحظ ذكر اسماعيل بن الفضل في أصحاب الباقر عليه السلام، والأصحّ ما أثبتناه.
62) بل قيل: إنّهم سبعة عشر، فلاحظ رسالة أبي غالب الزراريّ (ص139) وانظر 129 - 130، وكذلك تكملة الغضائري لها (ص189 - 190) والتكملة مطبوعة مع الرسالة، بتحقيق السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي - قم 1411ه .
63) في«ط»و «ق»: «وتُنْسَبُ».
64) في «ن» : « تحفة ...»
65) فِي «ن» :«يحكي الصدق » .