الرسالة الرحمانية

تأليف شيخ مشايخ الحديث الحجّة الإمام الشيخ آقا بزرك الطهراني (قدس سره)1293 ـ 1389هـ

تقديم وإعداد

السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي

نقدّم هذا الكتاب تكريماً لذكرى وفاة سماحة العلاّمة المحقّق المفهرس الفقيد السيّد عبدالعزيز الطباطبائي اليزدي رحمة الله عليه (1348 ـ 1416) صاحب «مستدرك الذريعة وتهذيبها»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى، والصلاة على رسوله المصطفى، والسلام على آله الكرام الأئمّة المعصومين الشرفا الحنفا.

وبعد: فهذه رسالة ظريفة في موضوع الخطّ، جواباً عن السؤال عن كتابة اسم «الرحمن» أو «الرحمان» وأنّ أيّ الرسمين هو الأصحّ اللازم اتّباعه؟ وكان بعض الفضلاء من علماء الهند اختار الثاني، فوجّه السؤال عن الأمر إلى شيخ مشايخ الحديث في القرن الرابع عشر، حجّة الفهرسة الشيعيّة، شيخنا الإمام الشيخ محمّد محسن، الشهير بآقا بزرك الطهراني قدّس الله روحه (1293 ـ 1389)، فأجاب عنها بهذه الرسالة. وقد ضمّها معلومات قيّمة ترتبط بعلم الخطّ والقراءة، وحجيتهما، وفوائد اُخرى ترتبط بمصادرهما ومراجعهما، ممّا جعل فيها نكهةً تراثيّة خاصّة، صنعها الإمام الطهراني بعلمه الغزير في الفنّ، وتفوّقه الجدير بالإكبار، في مثل هذا المضمار، الذي نَبَغَ بالتخصّص فيه، وخلّد فيه تراثه العظيم «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» فخلَد ذكره به.

(2)

تمّ تأليف هذه الرسالة التي سمّاها بـ«الرحمانيّة» لكونها تبحث عن هذا الاسم الكريم، في الثاني من شهر رمضان المبارك سنة (1367) في النجف الأشرف. ومع أنّ هذه الرسالة تدخل في ملاك كتابه «الذريعة» الذي حدّده بنهاية (1370). ومع أنّ الجزء المحتوي على حرف الراء وهو (العاشر) قد طبع سنة 1378. فإنّه لم يورد اسم هذه الرسالة في الذريعة: لا في هذا الجزء، في الراء بعدها الحاء ثمّ الألف والميم، وموضعها الصفحة (171) حيث أورد ما سُمّي من الكتب بـ«الرحمة». ولا في الجزء الحادي عشر المعنون للرسائل، فلم نجد اسم «الرسالة الرحمانيّة». فهذا ممّا يُستدرك على «الذريعة».

(3)

وحيث نعيش هذه الأيام ـ بالذات ـ فقد الأوساط التراثيّة والتحقيقيّة للعلاّمة المتخصّص في فنّ الفهرسة الشيعيّة،والمحقّق الواسع التتبّع حول تراث أهل البيت(عليهم السلام)، خليفة آقا بزرك الطهراني، فضيلة صديقنا الفقيد المرحوم السيّد عبدالعزيز الطباطبائي اليزديّ (1348 ـ 1416) الذي وافاه الأجل ليلة السابع من شهر رمضان هذا العام (1416) ففقد التراث فيه شخصاً متواضعاً، ظريفاً، مشجّعاً على العلم والتحقيق، مثابراً على العمل والمتابعة، ومتحرّقاً على تراث الإسلام والتشيّع، خبيراً واسع العلم بالكتب والمؤلّفين ومصادر الفهرسة والتراجم، مَعيناً مُعيناً للطلاب والباحثين في هذه المجالات. وقد زاملناه طيلة ربع قرن، منها عشر سنوات في الكتابة في مجلّة «تراثنا» الفصليّة الموقّرة، التي تصدّرها مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) (1406 ـ 1416) حتّى قضى أجله والعدد المكمّل للأربعين على أعتاب الصدور. وقد كان ينتعش، ويمتلئ سروراً وبهجةً بما يراه من مقالاتي وكتاباتي، ويصرّح بملئ فيه بالتمجيد والتكريم، ممّا كان يقوّي فيّ روح الجدّ والمثابرة. كما كنت اُتابع كتاباته عن «ما كتب عن أهل البيت (عليهم السلام) في المكتبة العربية» و «في رحاب نهج البلاغة» المقالات الواسعة التي كانت تصدر بشكل حلقات، طوال تلك السنوات. عدا ما كان يصدّره بالمناسبات من مقالات، حول الشريف الرضي، وحول الشيخ المفيد، التي نشرت في الأعداد الخاصّة. ولقد كان السيّد عماداً للمراجعين في أمر الكتاب الشيعيّ وفهرسته ومحلّ وجوده وحول تراجم مؤلّفيه، بما يقلّ مثيله، ولقد أحدث فقده فراغاً هائلا في هذا المجال، وثلمةً لا يسدّها شيء، إلاّ من ذخره الله لمثل ذلك.

ــ[2]ــ

(4)

وفي العاشر من شهر رمضان عام (1416)، حمل إليّ البريد رزمة، من شقيقي العلاّمة الحجّة، المثابر على تراث أهل البيت (عليهم السلام) السيّد محمّد حسين الحسيني الجلالي، تنطوي على مجموعة باسم «المستحسنات من المستنسخات» تحتوي على (39) رسالة استحسنها السيّد، فاستنسخها بخطّه، وجمعها في تلك المجموعة. ومنها هذه الرسالة الفريدة «الرحمانيّة». ففرّغُت نفسي للقيام باستنساخها وكتابتها، والتقديم لها بهذه الكلمات في يوم السبت الثالث عشر من شهر رمضان 1416 الموافق لليوم السابع من وفاة السيّد الطباطبائي (رحمه الله). فرأيتها أفضل هدية اُقدّمها إلى روح الطباطبائي الطاهرة، إذ هي من تأليف شيخنا الطهراني، الذي لازمه الطباطبائي طيلة ربع قرن ـ كما ذكر لي ذلك ـ وكان يروي ذكرياته معه، ويقدّس أعماله وسيرته، حتّى كان أكبر عمل له هو «المستدرك على الذريعة وتهذيبها» الذي انكبّ على إكماله ـ في الفترة الأخيرة ـ وكان يعدّ لإخراجه في القريب، وقد قضى وهو منهمك في العمل فيه. وهذه الرسالة بالذات تدخل في «مستدرك الذريعة» كما ذكرنا. ولا أدري هل وقف السيّد الطباطبائي (رحمه الله)عليها ليدرج اسمها في عمله، أو لا؟!

(5)

ثمّ إنّ اقتران تأليف هذه الرسالة في الثاني من شهر رمضان. ووفاة السيّد الطباطبائي في السابع منه. ووصول الرسالة من أخي في العاشر منه. وقيامي بالعمل فيها في الثالث عشر منه. يُعتبر هذا التزامن ـ في رأيي ـ أمراً مقدّراً للإسهام ـ من الشيخ الطهراني، ومن السيّد الجلالي، ومنّي ـ في تكريم هذا السيّد الجليل، الذي قدّم إلى تراث أهل البيت (عليهم السلام) خدمة باهرة جليلة فائقة، والذي خصّ شيخنا الطهراني بخدمة ذريعته الخالدة بالتهذيب والإستدراك، فكان محيياً لها من جديد، بعد السنين العِجاف التي تلت صدورها والانتهاء من طبعها. ولما قدّمه لنا طوال صحبته من عناية ورعاية ووفاء، ودعم وتعريف وصفاء، وللتراث من تخليد ونشر وعطاء. فشكر الله سعيه وأجزل مثوبته وغفر له، وتغمّده بواسع رحمته ببركة اسمه الكريم «الرحمن».

وأسأل الله أن يوفقنا لخدمة الحقّ وتراثه وأهله، ويحشرنا مع محمّد وآله الطاهرين، مع الشهداء والصدّيقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين. حرّر في 13/رمضان المبارك 1416

وكتب

السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي

ــ[3]ــ

الرسالة الرحمانيّة

للشيخ آقا بزرك الطهراني (1293 ـ 1389)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا رسول الله أبي القاسم محمّد بن عبدالله وعلى آله الطاهرين المعصومين آل الله. وبعدُ، فقد وصلني مكتوب الأخ البارع الصفيّ المدعوّ بميرزا محمّد شاه، العالم الهنديّ، وفّقه الله لما يحبّه ويرضاه. وفيه السؤال عن كيفيّة كتابة الاسم الشريف: «الرحمن» فهل يكتب بالألف بين الميم والنون، أو بإسقاط الألف؟

فأقول توطئةً: إنّ المسألة من مسائل علم الخطّ الذي كان القدماء يُدرجون بعض مسائله في كتبهم المعنونة بأدب الكاتب، أو أدب الكتّاب، كما صنعه ابن قتيبة الدينوري الباهلي النحوي، المتوفّى (276). أو يجعلونه باباً ملحقاً بعلم التصريف والإشتقاق، كما فعله ابن الحاجب الكردي النحوي الاُصولي المتوفّى (646) في مقدّمة التصريف، الموسومة بالشافية، وشرحها النظام الأعرج القمّي النيسابوري، تلميذ القطب الشيرازي الذي مات (710)، وقد ألّف بإشارة اُستاذه هذا «شرح تحرير المجسطي» في (704)، والشرح متداول مطبوع. ثمّ في الأواخر استقلّ علم الخطّ بالتأليف نظماً ونثراً: فنظّم الميرزا قوام الدين السيفي القزويني المتوفّى في عشر (الخمسين بعد المائة والألف) باب الخطّ من الشافية، مستقلا، وسمّاه «رُمْح الخطّ» وشرحه تلميذه المولى محسن بن محمّد طاهر النحوي القزويني المتوفّى (...)(1) وسمّى الشرح بـ«بتقويم الخطّ». والمبحوث عنه في علم الخطّ، هو: الوجود الكَتْبي للكلمات، ويعرف به كيفيّة تخطيط الكلمات وتصويرها في التركيب عن مسمّيات الحروف الهجائية. وعلم الخطّ: عديل علم القراءة والتجويد، الذي يبحث فيه عن الوجود اللفظي للكلمات، وتعرف منه كيفيّة التلفّظ بها.

وعلم الخطّ: علم شريف، بل قد يفضل على سائر العلوم اللفظيّة، بأنّ الخطّ ممّا يفهمه الشاهد والغائب، وينتفع منه سائر الأعقاب في الهامش

(1) كذا في الأصل بياض في موضع سنة الوفاة، وقد قال في الذريعة (4/396) رقم (1756): انّه فرغ من (تقويم الخطّ) سنة (1123) وقال: إنّه موجود عند السيّد المرعشيّ، بقم.

ص10 الأحقاب، واللفظ لا ينتفع منه إلاّ الحاضر الملتفت السامع له، فقط. فتحسين الخطّ المعرض للانتفاع الدائم، أهمّ من تجويد اللفظ المنتفع منه آناً مّا. وعلى أيّة حال، فهذان العِلمان مشتركان في أنّه ليس المستند في أحكام مسائلهما الاستحسانات العقليّة، والقياسات الفكريّة: فكما أنّ العقل ليس طريقاً إلى إثبات اللغة، لانحصار طريقه في السماع عن أهلها، أو الأخذ عن اللغويّين. كذلك المرجع في مسائل القراءة والتجويد إلى أهل الخبرة بها من القرّاء المتقدّمين، الذين تلقّوا كيفيّة القراءة، طبقةً عن طبقة إلى الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). والمرجع في مسائل الخطّ ـ أيضاً ـ إلى أهل الخبرة به من الكتّاب والورّاقين المتقدّمين. ثمّ ـ بعد التمهيد ـ نقول: أمّا قراءة هذا الاسم الشريف: فقد اتّفق القرّاء على أنّه لابدّ أن تلفظ الألف فيه، دائماً: سواءً كان مع الألف واللام، أو مجرداً عنه. وليس حاله كحال «مالك» الذي اختلف القرّاء فيه، فقرأه بعضهم بإسقاط الألف، بل كتب شيخنا شيخ الشريعة الأصبهاني طاب ثراه رسالة «إنارة الحالك في قراءة مِلِك ومالِك» ورجّح فيها الأوّل، بوجوه، كما ذكرناه في الذريعة (ج2 ص353).

وأمّا كتابة هذا الاسم الشريف: فالظاهر من ابن قتيبة المذكور في كتابه أدب الكاتب، المطبوع في مصر سنة 1300 في (ص83) وكذا من ابن الحاجب في باب الخطّ من الشافية ومن النظّام الأعرج في شرحها: تحقّق الاتّفاق من الكتّاب والورّاقين على إسقاط الألف منه في الكتابة، للاستثقال الحاصل فيه من كثرة الاستعمال. نعم، صرّح ابن قتيبة ـ منهم ـ بأنّه إذا كان مجرّداً عن الألف واللام كما في: «رحمان الدنيا والآخرة» و «تباركت رحماناً رحيماً» فيُكتب بإثبات الألف، لعدم الثقل الناشئ من قلّة استعماله كذلك. ويظهر من تعليلهم بالثقل أنّه لو تحمّل كاتب هذا الثقل، وكتبه بالألف دائماً ـ كما جرت عليه عادة الصاحب السائل دام توفيقه ـ فلا بأس به. وأمّا احتمال حصول الإهانة للاسم الشريف في إسقاط الألف منه، فلا وجه له، أبداً، فإنّ لفظ الجلالة، الذي هو الممحّص في الذات: «أل ل ا ه» لا

ــ[4]ــ

يكتب إلاّ بإسقاط الألف الأخيرة منه، بهذه الصورة: «الله» باتّفاق جميع الكتّاب، وقد صرّح به ابن قتيبة. مع أنّ رسم الخطّ الكوفي الذي كان معمولا في زمن نزول الوحي، وكان القرآن يكتب به، هو: إسقاط الألف من لفظ الجلالة والرحمن. وقد رأيت نسخاً كثيرة من القرآن الشريف بالخطّ الكوفي في الخزانة الرضويّة المقدّسة، ينسب بعضها إلى بعض الأئمّة (عليهم السلام). وكذا عدّه نسخ في الخزانة الغروية، ولا سيّما النسخة المكتوب في ظهر آخر صفحة منها ما صورته: «كتبه علي بن أبو طالب سنة الأربعين من الهجرة». وتلك النسخ كلّها متّفقات في إسقاط الألفات من لفظ الجلالة

ص12 والرحمن. مع أنّ البسملة مكتوبة في أوّل جميع السور في جميع تلك النسخ. ومع ما علمنا ذلك من رسم خطّ المصاحف، فالأولى للكاتب أن لا يتخطّى رسمها. ولا سيّما إن قلنا: إنّ ملاك قولهم (عليهم السلام): «اقرأوا كما يقرء الناس» موجود في الكتابة أيضاً. والله الموفّق والمعين، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة على نبيّنا محمّد وآله الطاهرين. حرّره الجاني محمّد محسن، المدعوّ بآقا بزرك الطهراني، يوم الاثنين ثاني شهر رمضان المبارك، سنة (1367) في النجف الأشرف. وفرغ من استنساخه السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي: ليلة السبت 13 من شهر رمضان المبارك سنة (1416) في قمّ المقدّسة. والحمد لله أوّلا وآخراً وظاهراً وباطناً.