ــ[1]ــ

 

 

رسالة الحقوق

 

عن الإمام السجّاد(عليه السلام)

 

 

برواية أبي حمزة الُثمالي(رضي الله عنه)

ــ[2]ــ

 

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ

 

توثيق الرسالة:

اتّفقت المصادر الحديثيّة ـ كافةً ـ على نسبة هذا الكتاب إلى الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:.

برواية أبي حمزة الُثمالي ثابت بن دينار الشهير بابن أبي صفيّة الأزدي الكوفي(رضي الله عنه)، صاحب الدعاء المشهور باسمه الذي يُتلى في أسحار شهر رمضان المبارك، وقد توفّي عام (150)، لقي من الأئمة السجّاد والباقر والصادق والكاظم:.

قال النجاشي: كان من خيار أصحابنا وثقاتهم ومعتمديهم في الرواية والحديث، وروى عنه العامّة(1).

وقد نسبه إليه النجاشي باسم «رسالة الحقوق» عن علي بن الحسين(عليه السلام)، ثم أسند روايتها إليه(2).

لكن المنقول عن الكليني أنـّه أوردها في ما جمعه باسم «رسائل الأئمة:» مما يدلّ على كون الكتاب «رسالةً» بعثها الإمام(عليه السلام) إلى بعض أصحابه(3)، وبهذا جاء

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي (ص115) رقم296.

لكنّهم انهالوا عليه قدحاً وجرحاً، وبما أنّا لم نجد في ما رُوي عنه، وبطريقه ما يقتضي ذمّه، فضلاً عن جرحه، نعرف أنـّه لا سبب لموقفهم منه إلاّ التعصّب المذهبي والطائفية البغيضة، وإلاّ فالرجل كما وصفه النجاشيّ وغيره من علماء الرجال الإماميّة، وقد حرم العامّة أنفسهم من معارف أهل البيت: بمثل هذه المواقف الظالمة.

(2) المصدر (ص116).

(3) نقله في مستدرك الوسائل (11 / 169) عن فلاح السائل ابن طاوس، وسيأتي.

ــ[3]ــ

التصريح في بعض أسانيد الرسالة(1).

ولعلّ المرسل إليه هو أبوحمزة نفسه وبذلك يوجّه اختصاص روايتها به، وانتهاء الأسانيد كلّها إليه.

مصادر الرسالة:

تعدّدت مصادر هذه الرسالة:

فأوردها من القدماء الشيخ الصدوق في العديد من كتبه: أعظمها كتاب من لا يحضره الفقيه، الذي هو من الاُصول الحديثية الأربعة، وأوردها في الخصال، والأمالي.

والشيخ الصدوق أسْنَدَ رواية الكتاب إلى أبي حمزة الثمالي في الخصال والأمالي، إلاّ أنـّه حذف الإسناد في الفقيه، على دأبه فيه حيث أنـّه يحذف الأسانيد ويُحيل على المشيخة التي أعدّها لذكرها، فلا يعدّ الحديث ـ في هذا الفرض ـ مرسلاً.

وقد أورد أسانيده إلى أبي حمزة الثمالي في المشيخة وقال: وطرقي إليه كثيرة ولكنني اقتصرت على طريق واحد منها(2).

وأما الكليني:

فالمنقول عن ابن طاوس في فلاح السائل من قوله: «رُوّينا بإسنادنا في كتاب (الرسائل) عن محمد بن يعقوب الكليني، بإسناده إلى مولانا زين العابدين(عليه السلام)»(3) يدلّ على كون الحديث مسنَداً عند الكليني.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الخصال (ص 564) رقم (1).

(2) شرح مشيخة الفقيه (ص 36) من المطبوع مع الفقيه، الجزء الرابع.

(3) لاحظ مستدرك الوسائل (11 / 169).

ــ[4]ــ

إلاّ أنّ كتاب (الرسائل) مفقود، وابن طاوس نقل عنه هكذا بِحذف الإسناد.

ومن المحتمل قويّاً أن يكون الكليني قد رواه عن شيخه علي بن إبراهيم، الذي يروي الرسالة كما في سند النجاشي، كما سيأتي.

وقد أورد ابن شعبة الحرّاني الحسن بن علي بن الحسين أبومحمد هذه (الرسالة) في كتابه العظيم (تحف العقول عن آل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)) وهي مرسلة شأن كلّ ما في الكتاب.

إلاّ أن من المطمأَنّ به كون رواياته في الأصل مسندة، لأمرين:

الأول: لقوله في مقدّمة الكتاب: وأسقطتُ الأسانيد، تخفيفاً وإيجازاً، وإن كان أكثره لي سماعاً، ولأنّ أكثره آداب وحكم تشهد لأنفسها(1).

فقد حذف الأسانيد تخفيفاً، وهذا أمر متداول عند المؤلّفين، بعد عصر التدوين، لثبوت الأسانيد في مواضعها من الأصول المنقول منها، وإن كانت المحافظة على الأسانيد وإثباتها أحوط، لما يتعرّض له التراث من الآفات.

وكذلك َحَذَفَ الأسانيد، لأنَّ الحاجة اليها إنّما هي ماسّة في باب الأحكام ومسائل الشريعة، وأمّا الآداب والحكم فلا تكون الأحاديث فيها إلاّ مرشدةً إلى ما يقتضيه العقل والحكمة والتدبير، والمضامين تشهد بصحة الأحاديث من دون تأثير الأسانيد في ذلك.

فأحاديث الكتاب وإن كانت على ظاهر الإرسال إلاّ أنّها مسندة واقعاً.

الثاني: إنّ أحاديث الكتاب مرويّة بأسانيدها في المصادر المتقدّمة، ولا يرتاب الناظر إلى كتاب (تحف العقول) في كون مؤلّفه على جانب كبير من العلم والمعرفة بالحديث وشؤونه، مما يربأ به من إثبات ما لاسند له في كتابه مع تصريحه بنسبة ما أثبته إلى الأئمة:، ومن المعلوم أنّ النسبة لا يمكن الجزم بها إلاّ مع ثبوت الأسانيد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تحف العقول (ص 3).

ــ[5]ــ

وفي خصوص رواية (رسالة الحقوق) فإنّ ما أثبته من النصّ موافق لما نقله ابن طاوس عن (رسائل) الكليني(1) وقد عرفت كون روايته مسندةً.

وقد سمّاها ابن شعبة بـ (رسالة الحقوق)(2) وهو الاسم الذي ذكره النجاشي لها، عندما أسند إليها، كما مرّ.

مجموعة الأسانيد:

1ـ سند الصدوق في الخصال:

قال الصدوق: حدّثنا علي بن أحمد بن موسى(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا محمد بن أبي عبدالله الكوفي، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري، قال: حدّثنا خيران بن داهر، قال: حدّثني أحمد بن علي بن سليمان الجبلي، عن أبيه، عن محمّد بن علي، عن محمد بن فضيل، عن أبي حمزة الُثمالي، قال: هذه رسالة علي بن الحسين(عليه السلام) إلى بعض أصحابه(3).

2ـ سند الصدوق في الأمالي:

قال الصدوق: حدّثنا علي بن أحمد بن موسى، قال حدّثنا محمد بن جعفر الكوفي الأسديّ، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدّثنا عبدالله بن أحمد، قال: حدّثنا إسماعيل بن الفضل، عن ثابت بن دينار الثمالي، عن سيّد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: قال:(4)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ مستدرك الوسائل (11 / 169).

(2) تحف العقول (ص 255).

(3) الخصال (ص 564) رقم (1).

(4) الأمالي للصدوق (ص 302) وهو تمام المجلس (59) في ربيع الآخر سنة (368).

ــ[6]ــ

3ـ سند النجاشي:

قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: حدّثنا الحسن بن حمزة، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين(عليهما السلام)(1)

أما سند الصدوق في (الفقيه):

فقد ذكر في موضع الحديث ما نصّه: روى إسماعيل بن الفضل، عن ثابت بن دينار، عن سيّد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: قال(2)

ممّا يدلّ على كون سنده إليه هو سند الأمالي المنتهي إلى إسماعيل بن الفضل، لكنه قال في المشيخة: «وما كان فيه: عن أبي حمزة الُثمالي، فقد رويته عن أبي(رضي الله عنه)، عن سعد بن عبدالله، عن إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، ثابت بن دينار الثمالي(3).

وهذا السند يختلف عن أسانيد الصدوق السابقة، فيظهر الاختلاف بين ما أثبته في الكتاب، وبين السند المثبت في المشيخة.

ولو كان إرجاع الصدوق في المشيخة على طريقه إلى (إسماعيل بن الفضل) وهو الهاشمي، فقد قال: رويته عن جعفر بن محمد بن مسرور(رضي الله عنه) عن الحسين بن محمد ابن عامر، عن عمّه عبدالله بن عامر، عن محمد بن أبي عمير، عن عبدالرحمان بن محمد، عن الفضل بن إسماعيل بن الفضل، عن أبيه إسماعيل بن الفضل الهاشمي(4).

وهذا السند لايجتمع مع أسانيده السابقة في شيء، فالأمر كما قلنا مرتبك، إلاّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رجال النجاشي (ص 116) رقم (296).

(2) من لا يحضره الفقيه (2 / 376).

(3) مشيخة الفقيه (ص 36) طبع مع الجزء الرابع من (من لا يحضره الفقيه).

(4) مشيخة الفقيه (ص 102).

ــ[7]ــ

أنْ يتدارك بما أفاده بقوله: «وطرقي إليه كثيرة ولكنني اقتصرت على طريق واحد منها»(1) وجعل ذلك دالاً على التزامه بنظرية «التعويض» بين الأسانيد.

وقد صرّح المجلسيّ الأوّل المولى محمدتقي في قول الصدوق في الفقيه «روى إسماعيل بن الفضل بإسناده» بقوله: «القويّ كالصحيح»(2).

والظاهر حكمه على سند الصدوق في الأمالي المنتهي إلى إسماعيل.

وقال النوري في سند النجاشي: إنـّه أعلى وأصحّ من طريق الصدوق في الخصال إلى محمد بن الفضيل(3).

ويظهر من المشجّرة التي رتّبناها أنّ سَنَد النجاشي ليس أعلى من سند الصدوق في الأمالي، لاستواء عدد الرواة من كلّ منهما إلى أبي حمزة.

مع أنّ سند النجاشي ليس سالماً من النقد، من جهة رواية (إبراهيم بن هاشم) مباشرةً عن (محمد بن الفضيل) فانّ المعروف مكرّراً روايته عن البزنطي، ورواية البزنطي عن (محمد بن الفضيل) كما ورد في سند الصدوق في المشيخة إلى أبي حمزة.

ومع ذلك فإنّ السيّد الإمام البروجرديّ قال في (طبقات رجال النجاشي) عند ذكر محمد بن الفضيل: «عن أبي حمزة، عنه إبراهيم بن هاشم، كانّه من السادسة» وعلّق: وروايته عن أبي حمزة محلّ ريب(4).

ومهما يكن، فإنّ تعدّد الأسانيد والطرق إلى أبي حمزة، لم يدع مجالاً للبحث السَنَدي في هذا الكتاب، خصوصاً على المنهج المختار من عدم اللجوء إلى المعالجات الرجاليّة إلاّ في مواقع استقرار التعارض بعدم المرجّحات، والمفروض هنا عدم وجود ما يُعارض مضامين هذه الرواية أصلاً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مشيخة الفقيه (ص 36).

(2) روضة المتقين (5 / 500).

(3) مستدرك الوسائل (11 / 169).

(4) الموسوعة الرجالية (6) رجال أسانيد فهرست الشيخ النجاشي (ص 613) السطر الأوّل.

ــ[8]ــ

مضافاً إلى ما عرفت من أنّ أمثال هذه المضامين، الدائرة حول الآداب والحِكَم ليست بحاجة إلى الأسانيد، لشهادة الوجدان بما فيها.

والأهمّ من كلّ ذلك تلقّي كبار المحدّثين لها بالقبول بإيرادها في كتبهم، المؤلّفة للعمل، خصوصاً كتاب الفقيه الذي وضعه المؤلّف على أنْ يكون حجّة بينه وبين الله تقدّس ذكره، وأنّ جميع ما فيه مستخرَج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع(1) وهذا كاف في تجويز النسبة المعتبرة في الكتب.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه (1 / 3).

ــ[9]ــ

محتوى المتن:

تحتوي الرسالة على (خمسين حقّاً).

وقد جاء التصريح بهذا العدد، في خاتمة المتن الذي أورده في تحف العقول، فقال: «فهذه خمسون حقّاً محيطاً بك»(1).

والصدوق لم يورد هذه الخاتمة في رواياته، إلاّ أنـّه التزم بكون عدد الحقوق «خمسين حقّاً» في كتابه الخصال حيث عنون للباب الذي أورد الرسالة فيه بأبواب الخمسين فما فوقه، وذكر الرسالة في أوّل حديث في الباب، وقال: الحقوق الخمسون التي كتب بها عليّ بن الحسين سيّد العابدين (عليه السلام) إلى بعض أصحابه(2).

وقد التزم أكثر المعاصرين الذين أوردوا متن الرسالة في مطبوعاتهم بترقيم الحقوق، فزاد بعضهم رقماً واحداً فكان العدد (51).

والسبب في ذلك أنّ الصدوق ذكر في رواياته «حقّ الحجّ» وهذا لم يرد في رواية تحف العقول، فلمّا جمع المؤلّفون بين الروايتين، اعتقاداً بوحدة الرسالة، زاد عندهم هذا العدد الواحد.

ووجود «حقّ الحجّ» ضروريّ:

1ـ لأنّه من فروع الدين الهامّة، ومما بُنِيَ عليه الإسلام من العبادات الخمس الواجبة، كما في روايات كثيرة(3) فلابدّ من ذكره، كما ذكرت حقوق بقيّة العبادات.

2ـ أنّ الشيخ الصدوق في كتاب مَنْ لايحضره الفقيه، أورد هذه الرسالة في ملحقات كتاب الحجّ، ولا ريبَ في لزوم وجود ارتباط بينها وبين الحجّ، ولو بهذا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تحف العقول (ص 272).

(2) الخصال (ص 564).

(3) راجع وسائل الشيعة (1 / 14 ـ 29) الباب الأول (وجوب العبادات الخمس) من أبواب مقدمة العبادات.

ــ[10]ــ

المقدار، فليلاحظ.

ثم إنّ المؤلّفين المعاصرين ارتبكوا كثيراً في ترقيم سائر الحقوق، فلم يرقّموا ما هو حقّ من جهة، ورقّموا ما ليس بحقّ من جهة اُخرى، وإليك بيان ذلك:

1ـ عدّ جميع المؤلّفين «حقّ نفسك» بالرقم [2] مع أنـّه ليس حقّاً مستقلاً، وإنّما المراد منه حقّ أعضاء نفس الإنسان، بقرينة قوله ـ في المقدّمة ـ في جوامع الحقوق: «[ب] ثم ما أوجبه الله عزّوجلّ لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك، فجعل لِلسانِك...»(1)

وهذا واضح في كون المراد بحقّ النفس، حقّ ما لنفس الإنسان، أي في جوارحه، في مقابل قوله بعد ذلك: «ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك»(2)

ثمّ إنّه ذكر عند تفصيل حقوق الأعضاء: ما نصّه: « وأما حقّ نفسك عليك أنْ تستعملها في طاعة الله: فتؤدّي إلى لسانك حقّه»(3)، فوجد الفاء في «فتؤدي» يقتضي كون ما بعدها تفريعاً وتفصيلاً لما قبلها.

ومن الواضح أنـّه لم يذكر للنفس حقّاً غير استعمال الجوارح، فيدل على أنّ المراد بالنفس «شخص الإنسان» لا النفس الناطقة، فليس المراد وضع حقّ خاص لها، دون الجوارح حتّى يضاف على حقوقها.

والغريب أن طابع «تحف العقول» عدّ هذا الحقّ برقم [2] بينما لم يذكر «حقّ الحجّ» فأخلّ بالحقّين كما سيتضح.

2ـ ذكر في مقدّمة الرسالة، في جوامع الحقوق: «[ج] ثم جعل عزّوجل لأفعالك عليك حقوقاً» ثم ذكر الواجبات وقال في آخرها: «ولأفعالك عليك حقّاً»(4) فتكون الحقوق المذكورة «ستّة» آخرها «حقّ الأفعال».

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لاحظ الرسالة (ص 271).

(2) لاحظ الرسالة، المقدمة (ص 271).

(3) لاحظ الرسالة (ص 273).

(4) لاحظ الرسالة (ص 271).

ــ[11]ــ

وقد ذكر في تحف العقول «حقّ الأفعال» بعد [13] «حقّ الهدي» بقوله: «واعلم أنّ الله يُراد باليَسير ولا يُراد بالعسير...» إلى آخره(1).

فلا بدّ أنْ يكون حقّ الأفعال، مستقلاً، غير حقّ الواجبات الخمسة المذكورة أوّلاً، ويؤيده أنّ محتواه لايرتبط بما سبقه بشكل مستقيم، بل هو أمر عام لها ولغيرها.

والظاهر أنّ المراد بحقّ الأفعال هو حدّ العمل الذي يجب على الإنسان القيام به في كلّ مجال، حتّى في غير الواجبات الخمسة المذكورة أولاً، وهذا أصل عظيم له دور كبير في حياة الإنسان.

لكن جميع المؤلّفين أهملوا هذا الحقّ في الترقيم، كما أن روايات الصدوق لم تورده إطلاقاً، وهو الحق [14] بترقيمنا.

3ـ اعتبر المؤلّفون «حقّ المملوك» برقم مستقل [21] بينما هو داخل في حقّ الرعية بالملك، وله موردان: (الزوجة والمملوك) وهذا هو ثالث حقوق الرعيّة: بالسلطان، وبالعلم، وبالملك، وقد صرّح في المقدّمة ـ في اُصول الحقوق ـ بعنوان [هـ ]بانّ حقوق الرعيّة ثلاثة.

بينما تصير حسب ترقيمهم، أربعة !

والظاهر أنّ الموجب لهذا الارتباك هو ملاحظتهم لكلمة «حقّ» وعدّهم لها ـ حيث وقعت ـ برقم مستقلّ، من دون تأمّل في المعاني.

وقد وفّقنا الله لتلافي كلّ هذا الارتباك فرتّبنا النصّ إلى اُصول الحقوق، وهي السبعة المُعْلَمة برموز من حروف (أ، ب، ج، د،هـ،و، ز).

وإلى فروع الحقوق، وهي الخمسون، مرقمة بالأعداد، ومطبوعة بالحروف البارزة.

وإلى بنود الحقوق، وهي موادّها المذكورة تحت عنوان كلّ حقّ، ذكرنا كلّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تحف العقول (ص 255) لاحظ الرسالة الحق رقم [14].

ــ[12]ــ

مادّة منها في سطر مستقلّ مبدوءاً بشريط في أول السطر: (ـ:).

وبما أنّ النصّ الذي أثبتناه هو جامع بين كلّ الروايات الواردة وملفّق منها، وهي رواية تحف العقول التي اتّخذناها أصلاً، وروايات الصدوق.

* فقد وضعنا المعقوفين ليحتويا ما ورد في روايات الصدوق زيادة على ما في تحف العقول.

* ووضعنا بين القوسين ما اختصّت به رواية تحف العقول، ولم يرد في روايات الصدوق.

* وما خرج عن المعقوفين والقوسين، فهو مشترك بين النصّين ووارد في جميع الروايات.

* وما أضفناه من العناوين وغيرها، فقد نبّهنا على وجه إضافته.

اختلاف النسخ:

ثمّ إنّ من الملاحظ وجود اختلاف بين ما أورده في تحف العقول وبين روايات الصدوق، من جهة، وبين رواية الصدوق في بعض كتبه وبين ما أورده في بعضها الآخر، في عبارات من متن الحديث زيادة وحذفاً تارة، وإجمالاً وتفصيلاً اُخرى.

ووقوع مثل هذا الاختلاف في الأحاديث الطوال أمر غير عزيز، يعود ذلك أساساً إلى اعتماد الرواة على النقل بالمعنى، لأنّ أمثال هذه الروايات تهدف إلى إبلاغ معانيها، وأداء مضامينها، ولايدخل في القصد منها ما يوجب المحافظة على ألفاظها بنصوصها، وليست كما هو المفروض في الكلمات القصار، والخطب البلاغية المبتنية على إعمال الصناعات اللفظية والمحسّنات البديعيّة المؤثّرة في نفوس السامعين إلى جانب المعاني والمؤدّيات.

ومن المحتمل أيضاً أن يلجأ بعض الرواة إلى الاختصار لأمثال هذه

ــ[13]ــ

الأحاديث الطوال، والاقتصار على الجمل المهمّة فقط.

وقد حمّل بعضُ المتأخّرين الشيخَ الصدوق مسؤولية القيام بالاختصار، قائلاً: «إنّه يختصر الخبر الطويل، ويُسقط منه ما أدّى نظره إلى إسقاطه»(1).

لكنّ هذا تحاملٌ على الشيخ الصدوق المعترَف له بكثرة النقل للأخبار والحفظ والمعرفة بالحديث والرجال والآثار(2).

ومع احتمال النقل بالمعنى كما ذكرناه، لم تصل النَوْبة إلى احتمال الاختصار أصلاً.

مع أنّ أصل الاختصار أمر جائزٌ لا مانع منه، إذ هو عبارة عن تقطيع الحديث، المعمول به، والمقبول من دون نزاع، لتعلّق غرض المحدّث ببعض الحديث فيقتصر عليه.

مضافاً إلى أنه لادليل على نسبة الاختصار ـ المفروض ـ إلى الشيخ الصدوق.

فمن المحتمل ـ قويّاً ـ أن يكون بعض الرواة السابقين على الصدوق، قد اختصر النصّ، ورووه له مختَصراً.

ويشهد لهذا الاحتمال: أن روايات الصدوق في كتبه المختلفة هي في نفسها متفاوتة.

مع أنّ الأصل هو رواية اللفظ.

إلاّ أن المقارنة بين النصّين تعطي اطمئناناً بأنّ الرواة مع اختصارهم للنصّ، عمدوا إلى نقل مقاطع بطريق رواية المعنى، فالنصّان لايختلفان في المعنى عند اختلافهما في اللفظ، وعند اتفاقهما في اللفظ فالاختصار ملحوظ.

وأما وحدة النصّ الصادر من الإمام (عليه السلام)، فالدليل عليه أمران:

الأول: الاستبعاد الواضح في أنْ تُوجّه رسالة بنصّين مختلفين إلى شخص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مستدرك الوسائل (11 / 170).

(2) لاحظ الخلاصة، رجال العلامة الحلي (ص 147) رقم (44).

ــ[14]ــ

معيّن، ويرويهما راو واحد، من دون ذكر التفاوت بينهما.

الثاني: تطابُق أكثر عبارات النصّين لفظاً من دون أدنى تفاوت مما يدّل على وجود أصل مشترك بينهما، وعلى أخذ المختصر من المفصّل.

النصّ المختار:

ومهما يكن، فإنّا تمكنّا بالمقارنة الدقيقة بين النصّين من انتخاب نصٍّ جامع، بالتلفيق بينهما، بحيث لايشذّ عنه شيء من عبارتيهما، ولا كلمة واحدة مؤثّرة في المعنى.

وبما أنّ نصّ (تحف العقول) هو أوفى، وأجمع، وأسبك، وأكثر تفصيلاً فقد جعلناه (الأصل) وأوعزنا إلى ما في روايات الصدوق من الفوائد والزوائد، بما لا يفوت معه شيء مما له دخل في جميع أبعاد النصّ.

وقد أشرنا إلى الرموز المستعملة في عملنا سابقاً.

ولم نُشِرْ إلى الأخطاء الواضحة، ولا الاختلافات المرجوحة، تخفيفاً للهوامش.

نسخ الرسالة:

لقد تداول الأعلام هذه الرسالة القيّمة بالرعاية والعناية، وتناقلوها على طولها في مؤلّفاتهم، فقد وردت في الكتب التالية مخطوطها ومطبوعها، كما نشرت مستقلةً أيضاً، وإليك ما وقفنا عليه من طبعاتها:

1ـ كتابُ مَنْ لايحضره الفقيه، للشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين (ت 381) وقد أوردها في نهاية كتاب الحج، بعنوان (باب الحقوق) فلاحظ (ج 2 ص 371 ـ 381) من طبعة النجف.

2ـ روضة المتّقين شرح الفقيه، للمحدث المولى محمدتقي المجلسي

ــ[15]ــ

الأول (ت 1070) في (ج 5 ص 500 ـ 527) مشروحةً.

3ـ الخصال، للشيخ الصدوق، في أبواب الخمسين فما فوقه (ص 564 ـ 570).

4ـ الأمالي، للشيخ الصدوق، في المجلس (59) (ص 301 ـ 306).

5ـ تحف العقول، لابن شعبة الحراني (ق 4) (ص 255 ـ 272).

6ـ مكارم الأخلاق، للطبرسي صاحب مجمع البيان (ق 6) (ص 455).

7ـ بحار الأنوار، للعلامة المجلسي محمد باقر بن محمد تقي (ت 1110) في الجزء (74).

8ـ عوالم العلوم والمعارف، للشيخ عبدالله البحراني (ق 12) في الجزء (18).

9ـ مستدرك الوسائل، للمحدّث النوري حسين بن محمد تقي (ت 1320) في (2 / 274) من الطبعة الأولى و (11 / 154) من الطبعة الحديثة.

10ـ أعيان الشيعة، للإمام السيد محسن الأمين العاملي (ج 4 ص 215 ـ 230).

11ـ بلاغة علي بن الحسين (عليه السلام)، للشيخ جعفر عباس الحائري (المعاصر) (ص 130 ـ 163).

12ـ الإمام زين العابدين (عليه السلام)، للسيد عبدالرزّاق المقَرَّم الموسوي (ت 1391 هـ) (ص 118 ـ 135).

13ـ حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام) للشيخ باقر شريف القرشي (المعاصر) (ص 477 ـ 511).

14ـ شرح رسالة الحقوق، للخطيب السيد حسن القبانچي الحسيني فقد شرح الرسالة في مجلدين، طبعا في النجف، واُعيدا في قم (1406) وبيروت.

15ـ وتنسب إلى الإمام زيد الشهيد باسم «الرسالة الناصحة والحقوق الواضحة» وتشبه أنْ تكون مختصرةً من رسالة الحقوق المروية عن والده الإمام

ــ[16]ــ

زين العابدين (عليه السلام)، كما جاء في مؤلّفات الزيدية (2 / 44) رقم (1608) لصديقنا العلامة السيّد أحمد الحسيني.

وذكر صديقنا الكاتب المعجمي الشيخ عبدالجبّار الرفاعيّ كتاب الحقوق للإمام زيد بن عليّ، في كتابه: معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت: (ج 8 ص 181) برقم (20453) وقال: مخطوط في الجامع الكبير في صنعاء برقم 2364.

كما ذكرها في هذا الجزء بعنوان «رسالة الحقوق» برقم (20491) وأورد طبعاتها، ومنها: بغداد 1369 هـ (179 ص) تحقيق عبدالهادي المختار، سلسلة حديث الشهر (6).

والأعمال المؤلّفة حول (رسالة الحقوق) ضمن ما أورده الشيخ الرفاعيّ مما كتب عن الإمام السجّاد (عليه السلام) في هذا المجلّد هي بالأرقام:

* 20372: رساله إمام زين العابدين (بالاردو).

* 20399: رساله حقوق إخوان (ترجمة فارسية).

* 20400: رساله حقوق (ترجمة فارسية).

* 20489: رساله الحقوق (ترجمة فارسية).

* 20490: رساله الحقوق (بالاردو).

* 20742: النَهْجَيْن في شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، للشيخ صالح بن مهدي الساعدي...

سندنا إلى رواية الرسالة:

لقد مَنَّ الله على الاُمّة الإسلاميّة ببذل الجهد والعناية في حفظ التراث الإسلاميّ، وخصوص الحديث الشريف، بالمراقبة التامّة عليه، وتحمّله بكلّ دقّة وأدائه بكلّ احتياط، وقد وفّقنا الله تعالى للسلوك في السلسلة الشريفة لِرواة

ــ[17]ــ

الحديث بطريقة الإجازة المتداولة بين الأعلام والمتعارف عليها بين علماء الإسلام، وبذلك تتّصل بطرق مشايخنا الكرام إلى رواية هذه الرسالة.

فأروي عن مشايخي الكرام وهم عدّة ممّن لقيتُهم من المشايخ، وأوّلهم وأعلاهم سَنَداً شيخ مشايخ الحديث في القرن الرابع عشر الإمام الشيخ آقا بزرك الطهراني (1293 ـ 1389) وآخرهم سيّد مشايخ العصر الحجّة النسّابة السيّد شهاب الدين الحسيني المرعشيّ (1315 ـ 1411) بطرقهما المتّصلة بالعنعنة المقدّسة، إلى ابن طاوس، وابن شعبة، والنجاشي، والصدوق، والكليني، أئمّة الحديث الذين أثبتوا هذه الرسالة في مؤلّفاتهم، بأسانيدهم التي أثبتناها سابقاً.

وقد فصّلنا ذكر الطرق والمشايخ إلى المؤلّفات والاُصول والكتب في ثبتنا الكبير «ثَبَت الأسانيد العوالي من مروّيات الجلالي» والحمد لله على توفيقه.

وبعد:

فإنّ ما نقدّمه اليومَ هو أوثقُ ما طُبِعَ حتّى الآن لهذه الرسالة من النصوص ـ سواءٌ ما جاء ضمن المؤلّفات أم ما طبع مستقلاًّ ؟ ـ بالنسبة إلى المقارنة الدقيقة بين جميع النسخ والمروّيات، وإلى انتخاب النصّ الموحَّد الجامع لكلّ ما جاء فيها، وإلى إخراجه وتنظيمه وترقيمه.

وأمَلُنا أنْ نكون بتقديمه، قد أدّيْنا بعض ما يجب علينا تجاه التراث الإسلاميّ العزيز، من واجبات التحمّل والصيانة، والضبط والتحقيق، والأداء والتبليغ.

والحمد لله على نعمه المتواترة، حمداً كما هو أهلُه وكما يحبُّ أنْ يُحْمَدَ، ونصلّي ونسلّم على سيّدنا رسول الله مُحمّد، وعلى الأئمة الأطهار من آله الأخيار أولي العدل والفضل والَمجْد.

حُرِّر في السابع عشر من ربيع المولود عام 1417 هـ.

وكتب

السيّد محمّد رضا الحسيني

الجلالي

ــ[18]ــ

وهذه مشجّرة الأسانيد، ويظهر منها مدى الارتباط بينها، وقُرب الإسناد وبُعده في كلّ منها، ومدى أخذ بعض المصادر من الآخر.

 

صورة المشجرة

ــ[19]ــ

 

رسالة الحقوق 

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ

 

[المقدّمة]

اعلم ـ رحمك الله ـ أنّ لله عليك حقوقاً محيطةً بك في كلّ حركة تحرّكْتَها أو سكنة سكنْتَها [أو حال حُلْتَها] أو منزلة نزلتَها أو جارحة قلَّبْتَها أو آلة تصرّفْتَ بها (بعضُها أكبرُ من بعض):

[ا] فأكبر حقوق الله عليك: ما أوجَبَهُ لنفسه تبارك وتعالى من [1] حقّه الذي هو أصل الحقوق (ومنه تُفَرَّعُ).

[ب] ثمّ ما أوجبه الله عزَّوجَل لنفسك، من قَرْنك إلى قدمك، على اختلاف جوارحك:

   فجعل [2] للسانك عليك حقّاً(1) و [3] لسمعك عليك حقّاً، و [4 ]لبصرك عليك حقّاً، و [5] وليدك عليك حقّاً، و [6] لرجلك عليك حقاً، و [7 ]لبطنك عليك حقاً، و [8] لفرْجِك عليك حقاً.

فهذه الجوارح السبعُ التي بها تكون الأفعال.

[ج] ثمّ جعل عزّوجل لأفْعالك عليك حقوقاً:

   فجعل [9] لصلاتك عليك حقاً، و [10] لحجّك عليك حقاً(2)، و[11 ]

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في التحف، أخَّرَ ذكر اللسان عن السمع والبصر، هنا، لكنّه قدمه عليهما في ذكر تفصيل الحقوق، فكان ما أثبتناه هنا أنسب.

(2) الحقّ رقم [10] لم يذكر في رواية التحف، لاهنا ولا في تفصيل الحقوق، وإنما ورد في روايات الصدوق، فقط، فلاحظ ما ذكرناه عند التفصيل عن الحقّ [10].

ــ[20]ــ

لصومك عليك حقاً، و [12] لصَدَقتك عليك حقّاً، و [13 ]لهَدْيك عليك حقاً، و [14 ]لأفعالك عليك حقاً.

ثمّ تخرج الحقوق منك إلى غيرك، من ذوي الحقوق الواجبة عليك، وأوجبها عليك: [د] حقوق أئمّتك،ثمّ [هـ] حقوق رعيّتك، ثمّ [و ]حقوق رحمك، فهذه حقوقٌ يتشعّبُ منها حقوق.

[د] فحقوق أئمّتك ثلاثة:

   أوجبُها عليك [15] حقُّ سائسك بالسلطان، ثمّ [16] حقّ سائسك بالعلم، ثمَّ [17] حقّ سائسك بالمِلْك.

وكلُّ سائس إمامٌ.

[هـ] وحقوق رعيّـتك ثلاثة:

أوجبها عليك [18] حقُّ رعيّـتك بالسُلطان، ثمَّ [19] حقُّ رعيتك بالعلم، فإنّ الجاهل رعيّة العالم، ثمَّ [20] حقّ رعيّـتك بالمِلْك: من الأزواج وما ملكت الأيمانُ.

[و] وحقوق رَحِمكَ كثيرة، متّصلةٌ بقَدَر اتّصال الرحم في القرابة.

فأوجبها عليك [21] حقُّ اُمِّك، ثمَّ [22] حقّ أبيك، ثمَّ [23] حقّ ولدك، ثمَّ [24 ]حقّ أخيك، ثمّ الأقرب فالأقرب، والأول فالأول(1).

[ز] ثمَّ [حقوق الآخرين](2):

[25] حقّ مولاك المُنْعم عليك، ثمَّ [26] حقّ مولاك الجارية نِعْمَتُك عليه، ثمَّ [27 ]حقّ ذي المعروف لديك، ثمَّ [28] حقّ مُؤذّنك لصلاتك، ثمَّ [29 ]حقّ إمامك في صلاتك، ثمَّ [30] حقّ جليسك، ثمَّ [31] حقّ جارك، ثمَّ [32 ]حقّ صاحبك، ثمَّ [33] حقّ شريكك، ثمَّ [34] حقّ مالِك، ثمَّ [35] حقّ غريمك الذي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في غير التحف: الأولى فالأولى.

(2) ما بين المعقوفين هنا زيادة منّا، لتحديد عناوين اُصول الحقوق السبعة، والمعبّر عنها بـ «الحقوق الجارية...» في آخر هذه المقدّمة، فلاحظ.

ــ[21]ــ

يُطالِبُك(1)، ثمَّ [36] حقّ خليطك، ثمَّ [37] حقّ خصمك المدّعي عليك، ثمَّ [38 ]حقّ خصمك الذي تدّعي عليه، ثمَّ [39] حقّ مُسْتشيرك، ثمَّ [40] حقّ المُشير عليك، ثمَّ [41 ]حقّ مُسْتنصِحك، ثمَّ [42 ]حقّ الناصِح لك، ثمَّ [43 ]حقّ مَنْ هو أكبر منك، ثمَّ [44 ]حقّ مَنْ هو أصغر منك، ثمَّ [45 ]حقّ سائلك، ثمَّ [46 ]حقّ مَنْ سألتَهُ، ثمَّ [47] حقّ مَنْ جرى لك على يَدَيْه مساءةٌ بقول أو فعل، عن تعمّد منه أو غير تعمّد، [ثمَّ[48 ]حقّ من جرى على يديه مسرّة من قول أو فعل](2) ثمَّ [49 ]حقّ أهل ملّتك عامّة، ثمَّ [50] حقّ أهل ذمّتك.

ثمَّ(3) الحقوق الجارية بقَدَر عِلَل الأحْوال وتصرُّف الأسْباب.

فطوبى لِمَنْ أعانه الله على قضاء ما أوجب عليه من حقوقه، ووفّقهُ لذلك وسدّده(4).

[ا ـ حقّ الله](5)

[1] فأمّا حقّ الله الأكبر عليك:

ـ فأنْ تعبدَهُ لاتُشرِكَ به شيئاً، فإذا فعلتَ ذلك بإخْلاص جَعَل لك على نفسه أنْ يكفيَكَ أمرَ الدنيا والآخرة (ويحفظَ لك ما تحبُّ منها).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أضاف في النسخ هنا: وهذا غير مذكور في تفاصيل الحقوق، لا في الصدوق ولا التحف، وبدونه تتم الحقوق: خمسين حقّاً، فالظاهر كونه زائداً.

(2) هذا الحقّ مذكور في المتن في النصّين، لكنه لم يذكر هنا في مقدمة الصدوق في الخصال.

(3) كذا جاءت كلمة (ثمّ) هنا في الروايات والنسخ كلّها وأظنها مصحفة عن (هي) إشارة إلى جميع الحقوق المذكورة في [ز] ويؤيد هذا، أن الرسالة ـ في كل نسخها ـ تنتهي عند ذكر (حقّ أهل الذمة) ولم يذكر فيها عن حقوق اُخرى أيّ شيء، فليلاحظ.

(4) هذه المقدمة لم يوردها الصدوق في الفقيه ولا الامالي، وإنّما اوردها في الخصال كما في التحف.

(5ـ5) مابين المعقوفين أضفنا لتوحيد النسق مع العناوين التالية المثبتة في أصل التحف.

ــ[22]ــ

[ب ـ حقوق الأعضاء] (5)

وأمّا حقّ نفسك(1) عليك: أنْ تستعملَها(2) في طاعة الله: (فتؤدّي إلى لِسانك حقّه، وإلى سمعك حقّه، وإلى بصرك حقّه، وإلى يدك حقّها، وإلى رجلك حقّها، وإلى بطنك حقّه، وإلى فرجك حقّه، وتستعينَ بالله على ذلك):

 

[2] وأمّا حقّ اللسان:

ـ فإكرامه عن الخَنى.

ـ وتعويده على الخير [والبرّ بالناس، وحسن القول فيهم].

(ـ وحمله على الأدَبِ

ـ وإجمامُه إلاّ لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا.

ـ وإعفاؤهُ عن الفضول الشنيعة، القليلة الفائدة التي لايؤمَنُ ضررُها مع قِلّة فائدتها.(3)

ـ ويُعَدّ شاهدَ العقل، والدليل عليه، وتزيُّن العاقل بعقله حسنُ سيرته في لسانه.

ولاقوّة إلاّ بالله العليّ العظيم)(4)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اعتبر كثير من الذين طبعوا رسالة الحقوق في عصرنا «حقّ النفس» حقّاً منفصلاً وأعطوه رقماً مستقّلاً، فأدّى بهم ذلك إلى زيادة عدد الحقوق إلى (51) بينما هي (خمسون) قطعاً كما عرفت في المقدّمة، مع أنّ هذا هو عنوان جامع لما تحته من (حقوق الأعضاء) كما سجّلنا فلاحظ، وقد عدّها في تحف العقول المطبوع مستقلاً بينما لم يورد (حقّ الحجّ) الآتي برقم [11 ]وسيأتي أنّ من الضروري إيراده.

(2) في نسخة: تستوفيها.

(3) في روايات الصدوق:

(4) روى الكليني بسنده عن إبراهيم بن مهزم الأسدي عن أبي حمزة [الثمالي] عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: إنّ لسان بني آدم يُشْرف على جميع جوارحه، فيقول: كيف أصبحتم ؟

فيقولون: بخير، إنْ تركتَنا.

ويقولون: اللهَ، اللهَ فينا.

ويُناشدونه ويقولون: إنّما نثاب [بك] ونعاقب بك.

الكافي (2 / 115) كتاب الإيمان والكفر، باب الصمت وحفظ اللسان، ورواه في الاختصاص المنسوب إلى المفيد (ص 230) وما بين المعقوفات منه.

ــ[23]ــ

[3] وأمّا حقّ السمع:

ـ فتنزيهُهُ عن أنْ تجعلَه طريقاً إلى قلبك إلاّ لفوهة كريمة تُحدِث في قلبك خيراً، أو تكسب خلقاً كريماً، فإنّه باب الكلام إلى القلب، يؤدّي إليه ضروبَ المعاني على ما فيها من خير أو شرٍّ.

ولا قوة إلاّ بالله(1)

 

[4] وأمّا حقّ بصرك:

ـ فغضّهُ عمّا لايحلّ لك.

(ـ وترك ابتذاله إلاّ لموضع عِبْرة تستقبلُ بها بَصَراً، أو تستفيد بها عِلماً، فإنّ البَصَر بابُ الاعتبار)(2)

 

[5] وأمّا حقّ يدك:

ـ فأنْ لاتبسطها إلى ما لايحلّ لك (فتنال بما تبسطها إليه من الله العقوبة في الآجل، ومن الناس بلسان اللائمة في العاجل.

ـ ولاتقبضها عمّا افترضَ اللهُ عليها.

ولكن توقّرها: بقَبْضها عن كثير ممّا يحلّ لها، وبسطها إلى كثير ممّا ليس عليها، فإذا هيَ قد عُقِلَتْ وشُرِّفَتْ في العاجل وَجَبَ لها حُسْنُ الثواب من الله في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) في الصدوق ـ بدل ما بين القوسين ـ:

ــ[24]ــ

الآجل)(1).

 

[6] وأمّا حقّ رِجْلِك(2):

ـ أنْ لاتمشيَ بها إلى ما لايحلّ لك. [فبها تقف على الصراط، فانظر أن لاتَزِلّ بك فتردى في النار]

(ـ ولاتجعلَها مطيّتَك في الطريق المستخفّة بأهلها فيها، فإنّها حاملتُك وسالكةٌ بك مسلك الدين، والسبق لك.

ولاقوّة إلاّ بالله).

 

[7] وأمّا حقّ بطنك:

ـ فأنْ لاتجعلَه وعاءاً (لقليل من) الحرام (ولا لكثير.

ـ وأنْ تقتصِدَ له في الحلال، ولا تُخرجه من حدّ التقوية إلى حدّ التهوين، وذهاب المروءة.

ـ وضبطه إذا هَمَّ، بالجوع والعطش(3).

ـ [ولاتزيد على الشَبَع] فإنّ الشَبَع المنتهي بصاحبه إلى التخم مَكْسَلةٌ ومَثبَطة ومَقْطَعة عن كلّ برّ وكرم، وإنّ الريّ المنتهي بصاحبه إلى السُكر مَسْخَفةٌ ومَجْهَلة ومَذْهَبة للمروءة).

 

[8] وأما حقّ فرجك:

ـ (فحفظه ممّا لايحلّ لك [أنْ تُحْصِنَه عن الزنا، وتحفظه من أنْ يُنْظَر إليه ]

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مابين القوسين ليس في روايات الصدوق.

(2) في أكثر النسخ «رجليك» مع تثنية الضمائر العائدة إليها في الفقرة الاُولى. وقد أفردنا الجميع لوروده في نسخ أخرى، كما أنّه الأنسب بسائر الفِقَر.

(3) في نسخة التحف: والظمأ.

ــ[25]ــ

والاستعانة عليه بغضّ البَصَر، فإنّه من أعون الأعوان، وكثرة ذكر الموت، والتهدّد لنفسك بالله والتخويف لها به.

وبالله العصمة والتأييد، ولاحول ولاقوّة إلاّ به).

 

[ج] ثمَّ حقوق الأفعال(1)

[9] فأمّا حقّ الصلاة:

ـ فأن تعلم أنّها وفادة إلى الله، وأنّك قائمٌ بها بَيْنَ يدي الله، فإذا علمتَ ذلك كنتَ خليقاً أنْ تقومَ فيها مقامَ العبد، الذليل [الحقير]، الراغب، الراهب، الخائف، الراجي، المسكين، المتضرّع، المُعَظِّم مَنْ قامَ بَيْنَ يديه بالسُكونِ والإطْراق(2)(وخشوع الأطراف، ولين الجناح، وحسن المناجاة له في نفسه.

والطلب إليه في فكاك رقبتك التي أحاطت بها خطيئتك، واستهلكتها ذنوبك).

ـ [وتُقْبل عليها بقلبك.

ـ وتقيمها بحدودها وحقوقها].

ولاقوّة إلاّ بالله.

 

10ـ [وحقّ الحجّ:

ـ أنْ تعلم أنَه وفادة إلى ربّك، وفِرارٌ إليه من ذنوبك، وفيه قبول توبتك، وقضاء الفرض الذي أوجبه الله عليك](3)

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا العنوان لم يرد في الصدوق.

(2) في الصدوق : والوقار ، بدل ( والإطراق ) .

(3) حقّ الحجّ هذا لم يرد في تحف العقول، ووجوده ضروري، كما شرحنا في المقدمة.

ــ[26]ــ

[11] وأمّا حقّ الصوم:

ـ فأنْ تعلم أنـّه حجابٌ ضربه الله على لسانك وسمعك وبصرك وفرجك وبطنك، ليسترك به من النار [فإن تركت الصوم خرقتَ سِتْرَ الله عليك].

(وهكذا جاء في الحديث: «الصوم جُنَّةٌ من النار» فإنْ سكنتْ أطرافك في حجبتها رجوتَ أن تكون محجوباً، وإن أنتَ تركتها تضطرب في حجابها، وترفع جنبات الحجاب فتطّلعَ إلى ما ليس لها، بالنظرة الداعية للشهوة، والقوّة الخارجة عن حدّ التُقْية لله، لم تأمن أنْ تخرق الحجابَ وتخرجَ منه.

ولاقوة إلاّ بالله)

 

[12] وأمّا حقّ الصدقة:

ـ فأنْ تعلم أنّها ذخرك عند ربك، ووديعتك التي لاتحتاج إلى الإشهاد [عليها ](فإذا علمتَ ذلك) كنتَ بما استودعتَه سِرّاً أوثق [منك] بما استودعته علانيةً (وكنتَ جديراً أنْ تكون أسررت إليه أمراً أعلنته، وكانَ الأمر بينك وبينه فيها سراً على كلّ حال، ولم تستظهر عليه في ما استودعته منها بإشهاد الأسماع والأبصار عليه بها كأنـّك أوثق في نفسك لاكأنّك لاتثقّ به في تأدية وديعتك إليك.

ـ [وتعلم أنّها تدفع البلايا والأسقام عنك في الدنيا، وتدفع عنك النار في الآخرة]

ـ ثمّ لم تمتَنَّ بها على أحد، لأنّها لك، فإذا امتننتَ بها لم تأمن أنْ تكون بها مثل تهجين حالك منها إلى مَنْ مننت بها عليه، لأنّ في ذلك دليلاً على أنك لم تُرِد نفسك بها، ولو أردتَ نفسك بها لم تمتَنَّ بها على أحد.

ولاقوّة إلاّ بالله)

ــ[27]ــ

[13] وأمّا حقّ الهَدْي:

ـ فأن تُخلِصَ بها الإرادة إلى ربّك، والتعرُّض لرحمته وقبوله، ولاتريد عيون الناظرين دونه، فإذا كنت كذلك لم تكن متكلّفاً ولا متصَنّعاً، وكنت إنّما تقصد إلى الله(1)

[14 وأما حقّ عامّة الأفعَال](2)

ـ واعلم أنَّ الله يُراد باليسير، ولا يُراد بالعسير، كما أراد بخلقه التَيْسير ولم يُرد بهم التَعْسير.

ـ وكذلك التذلّل أولى بك من التَدَهْقُن، لأَنّ الكُلفة والمؤونة في المتدهْقِنين، فأمّا التذلُّل والتمسْكن فلا كُلْفة فيهما، ولا مؤونة عليهما، لأنّهما الخِلقة، وهما موجودان في الطبيعة.

ولا قوّة إلاّ بالله.

 

[د] (ثمّ حقوق الأئمّة)(3)

[15] فأمّا حقّ سائسك بالسُلطان:

ـ فأنْ تعلم أنّك جُعِلتَ له فِتنةً، وأنـّه مُبتلىً فيك بما جعله الله له عليك من السُلطان.

(ـ وأنْ تُخلص له في النصيحة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) هذا العنوان من وضعنا، وقد أوضحنا أنّ عدّ هذا الحقّ ضروريّ، لقوله في مقدّمة الرسالة بعد حق الهدي: «ولأفعالك عليك حقّاً» وقد شرحنا ذلك في المقدّمة، وذكرنا أنّ المؤلّفين لم يرقّموا هذا الحقّ، وهو ساقط من روايات الصدوق بالكليّة.

(3) العنوان الأصلي لم يرد في الصدوق، وكذا جميع العناوين الاصلية التالية.

ــ[28]ــ

ـ وأنْ لاتماحكه، وقد بُسِطَتْ يدُه عليك، فتكونَ سبب هلاك نفسك وهلاكه.

ـ وتذلَل وتلطّف لإعطائه من الرضا ما يكفّه عنك ولايضرّ بدينك، وتستعين عليه في ذلك بالله.

ـ ولاتعازّه، ولاتعانده، فإنّك إنْ فعلتَ ذلك عقَقْتَه، وعقَقْتَ نفسك، فعرّضْتها لمكروهه، وعرّضْتَهُ للهلكة فيك، وكنت خليقاً أن تكون مُعينا له عليه نفسك)(1)وشريكاً له في ما أتى إليك [من سوء].

ولاقوّة إلاّ بالله.

 

[16] وأمّا حقّ سائسك بالعلم:

- فالتعظيم له.

ـ والتوقير لمجلسه.

ـ وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه.

(ـ والمعونة له على نفسك في ما لا غنى بك عنه من العلم، بأنْ تفرّغ له عقلك، وتحضره فهمك، وتزكي له قلبك، وتجلي له بصرك: بترك اللّذات، ونقص الشهوات.

ـ وأنْ تعلم أنّك ـ في ما ألقى إليك ـ رسولُه إلى من لَقِيَك من أهل الجهل، فلزِمَك حسنُ التأدية عنه إليهم، ولا تخُنْهُ في تأدية رسالته، والقيام بها عنه إذا تقلّدتها).

[ ـ وأن لاترفع عليه صوتك.

ـ وأن لاتجيبَ أحداً يسأله عن شيء حتّى يكونَ هو الذي يُجيب.

- ولاتحدّثَ في مجلسه أحداً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق بدل ما بين القوسين قوله : وأنّ عليك أنْ لاتتعرّض لسخطه ، فتُلقي بيدك إلى التهلكة ، وتكون شريكاً له في ما يأتي إليك من سُوء .

ــ[29]ــ

ـ ولاتغتابَ عنده أحداً.

ـ وأن تدفعَ عنه إذا ذكر عندك بسوء.

ـ وأنْ تستر عيوبه.

ـ وتُظهر مناقبه.

ـ ولاتُجالس له عدوّاً.

ـ ولا تُعادي له وليّاً.

فإذا فعلتَ ذلك شهدتْ ملائكةُ الله عزّوجلّ بأنّك قصدتَهُ وتعلّمتَ علمه لله جلّ وعزّ اسمه، لا للناس](1).

ولاحول ولاقوّة إلاّ بالله.

 

[17] وأمّا حقّ سائسك بالمِلْك:

ـ فنحوٌ من سائسك بالسلطان، إلاّ أنّ هذا يملك مالا يملكه ذاك، تلزمك طاعته في مادَقَّ وجلّ منك إلاّ أنْ تخرجَك من وجوب حقّ الله، فإنْ حقّ الله يحول بينك وبين حقّه وحقوق الخلق، فإذا قضيته رجعتَ إلى حقّه فتشاغلت به.

ولاقوّة إلاّ بالله(2)

 

[هـ] (ثم حقوق الرعيّة)

[18] فأمّا حقّ رعيّتك بالسُلطان:

(ـ فأنْ تعلمَ أنّك إنّما اسْترعيتَهم بفضل قوّتك عليهم، فإنّه إنّما أحلّهم محلّ الرعيّة لك ضعفهم، وذلّهم، فما أولى مَنْ كفاكَهُ ضعفُهُ وذلّه ـ حتّى صيّره لك رعيّةً،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مابين المعقوفين ورد في الصدوق، واكثر المذكورات من حقوق المعلّم مذكور في حديث مسند إلى أميرالمؤمنين (عليه السلام)، لاحظ آداب المتعلمين (ص 74 ـ 77) الفقرة [21].

(2) في الصدوق بدل هذا الحقّ:

ــ[30]ــ

وصيّر حكمك عليه نافذاً، لايمتنع عنك بعزّة ولاقوّة، ولايستنصر في ما تعاظمه منك إلاّ بالله ـ بالرحمة والحياطة والأناة !)(1)

[ ـ فيجب أنْ تعدِلَ فيهم، وتكونَ لهم كالوالد الرحيم.

ـ وتغفر لهم جهلهم.

ـ ولاتعاجلهم بالعقوبة]

(وما أولاك ـ إذا عرفت ما أعطاك الله من فضل هذه العزّة والقوّة التي قهرت بها ـ أنْ تكون لله شاكراً ! [وتشكر الله عزّوجل على ما آتاك من القوّة عليهم] ومَنْ شكر الله أعطاه في ما أنعم عليه.

ولاقوّة إلاّ بالله).

 

[19] وأمّا حقّ رعيّـتك بالعلم:

ـ فأن تعلم أنّ الله قد جعلك قيّماً لهم في ما آتاك من العلم، وولاّك(2) من خزانة الحكمة.

فإنْ أحسنْت في [تعليم الناس] (ما ولاّك الله من ذلك، [ولم تخرق بهم ولم تضجر عليهم] وقمتَ لهم مقام الخازن الشفيق الناصح لمولاه في عبيده، الصابر المحتسب الذي إذا رأى ذا حاجة أخرج له من الأموال التي في يديه [زادك الله من فضله] كنت راشداً، وكنتَ لذلك آملاً معتقداً.

وإلاّ(3) كنتَ له خائناً، ولخلقه ظالماً، ولسلبه وغِرِّه متعرّضاً)

[كان حقّاً على الله عزّوجلّ أنْ يسلبَك العلم، وبهاءَهُ، ويُسقطَ من القلوب محلّك].

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) في الصدوق: بدلّ (وولاك).

(3) في الصدوق:

ــ[31]ــ

 

[20 وأمّا حقّ رعيّـتك بالملك](1)

وأمّا حقّ رعيّـتك بملك النكاح(2)

ـ فأنْ تعلم أنّ الله جعلها لك سَكَناً (ومستراحاً) واُنْسَاً (وواقيةً.

ـ وكذلك كلّ واحد منكما يجب أنْ يحمد الله على صاحبه) ويعلم أنّ ذلك نعمة منه عليه (ووجب أنْ يُحسن صحبة نعمة الله).

ـ فتكرمها وترفق بها.

ـ وإن كان حقّك عليها أوجب(3) (وطاعتك لها ألزم في ما أحببتَ وكرهتَ، مالم تكن معصيةً) فإنّ لها[عليك] حقّ الرحمة والمؤانسة) [أنْ ترحمها، لأنّها أسيرك.

ـ وتطعمها، وتسقيها، وتكسوها.

ـ فإذا جهلتْ عفوت عنها]

(ـ وموضع السكون إليها قضاءُ اللذة التي لابدّ من قضائها، وذلك عظيم.

ولاقوّة إلاّ بالله).

 

وأما حقّ رعيّتك بِمْلك اليمين(4):

ـ فأن تعلم أنـّه خلقُ ربّك [وابن أبيك واُمّك] ولحمك ودمك، وأنك تملِكُهُ، لا أنْتَ صنعتَه دونَ الله، ولا خلقتَ له سمعاً ولا بصراً، ولا أجريتَ له رزقاً(5)،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا العنوان منّا لتوحيد النسق، ولكنّ المؤلّفين جعلوا ما تحته حقّين: حق الزوجة، وحقّ ملك اليمين، وهو سهو كما شرحنا في المقدّمة.

(2) في الصدوق:

(3) في تحف العقول: أغلظ، بدل: أوجب.

(4) في الصدوق:

(5) في بعض نسخ الصدوق:

ــ[32]ــ

ولكنّ الله كفاك ذلك، ثمّ سخّره لك، وائتمَنَك عليه، واستودَعَك إيّاه (لتحفظه فيه، وتسير فيه بسيرته، فتطعمه ممّا تأكل، وتلبسه ممّا تلبس، ولا تكلّفه ما لايُطيق)(1)

ـ فإنّ كرهته (خرجت إلى الله منه و) استبدلت به، ولم تعذّب خلق الله عزّوجلّ.

ولاقوّة إلاّ بالله.

 

[و] (وأمّا حقّ الرحم)

[21] فحقّ اُمّك:

ـ أنْ تعلم أنّها حملتْك حيث لايحمل أحدٌ أحداً، وأطعمتْك من ثمرة قلبها ما لايُطعم أحدٌ أحداً، وأنّها وَقَتْك بـ (سمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها) و) جميع جوارحها (مُستَبْشِرةً بذلك فَرِحةً، موابلةً محتَملةً لما فيه مكروهها وألَمِها وثقلها وغَمّها، حَتّى دفعتها عنك يدُ القدرة، وأخرجتك إلى الأرض.

ـ فرضيت أن تشبعَ وتجوع هي(2)، وتكسوك وتعرى، وتَرويك وتظمأ، وتُظِلّك وتضحى، وتُنْعِمك ببؤسها، وتلذّذك بالنوم بأرَقها، (وكانَ بطنُها لك وعاءاً، وحِجْرها لك حواءاً، وثديُها لك سقاءاً، ونفسُها لك وقاءاً) تباشِر حَرّ الدنيا وبردها لك ودونك

ـ (فتشكرها على قدر ذلك): [فإنّك لاتطيق شكرها] (ولاتقدر عليه) إلاّ بعون الله وتوفيقه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بدل ما بين القوسين في الصدوق:

(2) في الصدوق: وهكذا إلى آخر الفقرة، باختلاف يسير.

ــ[33]ــ

[22] وأمّا حقّ أبيك:

ـ فتعلم أنـّه أصْلُك، (وأنّك فرعُه) وأنّك لولاه لم تكن، فمهما رايتَ في نفسك مما يُعْجبك فاعلم أنّ أباك أصل النعمة عليك فيه.

ـ فأحمد الله واشكره على قدر ذلك.

ولاقوّة إلاّ بالله.

 

[23] وأمّا حقّ ولدك:

- فتعلم أنـّه منك، ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه.

ـ وأنّك مسؤول عمّا ولّيتَهُ من حُسْن الأدب، والدلالة على ربّه، والمعونة له على طاعته (فيك وفي نفسه، فمثابٌ على ذلك ومعاقب).

ـ فاعمل في أمره عمل [مَنْ يعلم أنـّه مثابٌ على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه] (المتزيّن بِحُسْن أثره عليه في عاجل الدنيا المعذِر إلى ربّه في ما بينك وبينه بحسن القيام عليه، والأخذ له منه.

ولا قوّة إلاّ بالله).

 

[24] وأما حقّ أخيك:

ـ فأنْ تعلم أنـّه يدك التي تبسطها، وظهرك الذي تلتجيء إليه، وعزّك الذي تعتمد عليه، وقوّتك التي تصول بها(1)

ـ فلا تتّخذه سلاحاً على معصية الله.

ـ ولاعُدَّة للظلم لخلق الله(2)

ـ ولاتدع نصرته على (نفسه، ومعونته على) عدوّه (والحؤول بينَهُ وبين

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) في تحف العقول:

ــ[34]ــ

شياطينه) و (تأدية) النصيحة إليه، (والإقبال عليه في الله).

ـ فإن انقاد لربّه وأحسن الإجابة له،(1) وإلاّ فليكن اللهُ (آثرَ عندك و) أكرم عليك منه.

ولاقوّة إلاّ بالله.

 

[ز ـ حقوق الآخرين]

[25] وأمّا حقّ المنْعِم عليك بالولاء:

فأن تعلم أنـّه أنفق فيك ماله، وأخرجك من ذُلّ الرِقّ ووحشته إلى عزّ الحرّيّة واُنسها، وأطلقك من أسْر الملكة، وفكّ عنك قيد(2) العبوديّة (وأوجدك رائحة العزّ) وأخرجك من سجن القَهْر(3) (ودفع عنك العُسر، وبسط لك لسانَ الإنصاف، وأباحك الدنيا كلّها) فملّكَكَ نفسَك، (وحلّ أسْركَ) وفرّغَكَ لعبادة ربّك (واحتملَ بذلك التقصير في ماله)

ـ فتعلم أنـّه أوْلى الخلق بك (بعد اُولي رحمك) في حياتك وموتك، وأحقّ الخلق بنصرك(4) (ومعونتك، ومكانفتك في ذات الله، فلا تُؤْثِر عليه نفسك) ما احتاج إليك.

 

[26] وأما حقّ مولاك الجارية عليه نعمتُك:

ـ فأنْ تعلم أنّ الله جعلك حاميةً عليه، وواقيةً، وناصراً، ومعقلاً، وجعله لك وسيلة وسبباً بينك وبينه، فبالحريّ أنْ يحجبك عن النار، فيكون ذلك ثوابك منه في الآجل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) في التحف: بدل قيد.

(3) في الصدوق:

(4) في الصدوق:

ــ[35]ــ

ـ ويحكم لك بِميراثه في العاجل ـ إذا لم يكن له رَحِمٌ ـ مكافأةً لما أنفقته من مالك عليه وقمت به من حقّه بعد إنْفاق مالك، فإن لم تقم بحقّه خيف عليك أن لا يطيب لك ميراثه.

ولاقوّة إلاّ بالله(1)

 

[27] وأما حقّ ذي المعروف عليك:

ـ فأنْ تشكره

ـ وتذكر معروفه.

ـ وتنشر له(2) المقالة الحسنة.

ـ وتُخلص له الدعاء في ما بينك وبين الله سبحانه. فإنك إذا فعلتَ ذلك كنتَ قد شكرتَه سرّاً وعلانيةً.

ـ ثمّ إن أمكنك مكافأته بالفعل(3) كافأته (وإلاّ كنتَ مُرْصِداً له موطِّناً نفسك عليها).

 

[28] وأمّا حقّ المؤذّن:

ـ فأنْ تعلم أنـّه مذكّرك بربّك، وداعيك إلى حظّك، وأفضل أعوانك على قضاء الفريضة التي افترضها الله عليك.

ـ فتشكره على ذلك شكرك للمحسن إليك.

ـ (وانْ كنتَ في بيتك مهتّماً لذلك، لم تكن لله في أمره متّهِماً، وعلمت أنـّه نعمة من الله عليك، لاشكَّ فيها، فأحسن صحبة نعمة الله بحمد الله عليها على كل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) في الصدوق: بدل وتنشر له.

(3) في الصدوق: بدل (بالفعل).

ــ[36]ــ

حال.

ولاقوّة إلاّ بالله).

 

[29] وأمّا حقّ إمامك في صلاتك:

ـ فأن تعلم أنـّه قد تقلّد السفارة في ما بينك وبين (الله، والوفادة إلى) ربك.

ـ وتكلّمَ عنك ولم تتكلّمْ عنه.

ـ ودعا لك ولم تدعُ له

ـ (وطُلِبَ فيك ولم تُطْلَب فيه)

ـ وكفاك همّ(1) المقام بين يدي الله (والمسألة له فيك، ولم تكفه ذلك) فإن كان في شيء من ذلك تقصير(2) كان به دونك [وإنْ كان تماماً كنت شريكه] (وإن كان آثماً لم تكن شريكه فيه).

ـ ولم يكن له عليك فضل، فوقى نفسَك بنفسه، و (وقى) صلاتك بصلاته.

ـ فتشكر له على [قدر] ذلك.

(ولا حول ولاقوّة إلاّ بالله).

 

[30] وأمّا حقّ الجليس:

ـ فأن تُلين له (كنفك، وتطيّب له) جانبك

ـ وتنصفه في مجاراة اللفظ.

(ـ ولا تُغرق في نزع اللحظ إذا لحظت.

ـ وتقصد في اللفظ إلى إفهامه إذا لفظت).

ـ وإن كنت الجليس إليه كنت في القيام عنه بالخيار، وإن كان الجالس إليك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق: .

(2) في الصدوق: .

ــ[37]ــ

كان بالخيار، ولا تقوم إلاّ بإذنه(1)

ـ [وتنسى زلاّته.

ـ وتحفظ خيراته.

ـ ولاتُسْمعه إلاّ خيراً]

(ولاقوّة إلاّ بالله)

 

[31] وأمّا حقّ الجار:

ـ فحفظه غائباً.

ـ وإكرامه شاهداً.

ـ ونصرته (ومعونته في الحالين جميعاً) [إذا كان مظلوماً].

ـ ولا تتّبع له عورةً (ولاتبحث له عن سوءة لتعرفها، فإن عرفتها منه ـ من غير إرادة منك ولاتكلُّف ـ كنت لما علمتَ حصناً حصيناً وستراً ستيراً، لو بحثت الأسنّة عنه ضميراً لم تتّصل إليه لانطوائه عليه)(2)

[وإن علمت انه يقبل نصيحتك نصحتَه في ما بينك وبينه].

(ـ لاتستمع عليه من حيث لايعلم).

ـ ولا تسلّمه عند شديدة.

(ـ ولاتحسده عند نعمة).

ـ وتُقيل عثرته، وتغفر زلّته(3) (ولاتدّخر حلمك عنه) إذا جهل عليك.

ـ ولاتخرج أن تكون سلماً له، تردّ عنه لسان الشتيمة، وتُبطل فيه كَيْد حامل النصيحة(4))

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق، اختلاف في الفاظ هذه الفقرة، والمعنى واحد.

(2) في الصدوق ـ بدل ما بين القوسين ـ: فإن علمت عليه سوءاً سترته عليه.

(3) في الصدوق: .

(4) كذا، ولعلها: «النميمة» لأنـّها أنسب بما قبلها وما بعدها سجعاً، ولأن حامل النصيحة لا كيد له ظاهراً، فلاحظ.

ــ[38]ــ

ـ وتعاشره معاشرةً كريمة.

(ولا حول) ولاقوّة إلاّ بالله.

 

[32] وأمّا حقّ الصاحب:

ـ فأن تصحبه بالفضل (ما وجدت إليه سبيلاً) و (إلاّ فلا أقلّ من) الإنصاف(1)

ـ وأن تكرمه كما يكرمك (ولايسبقك في ما بينك وبينه إلى مكرمة، فإن سبقك كافأتَهُ)(2)

ـ (وتحفظه كما يحفظك)

ـ [وتودّه كما يودّك] (ولاتقصّر به عمّا يستحقّ من المودّة

ـ تلزم نفسك نصيحته وحياطته.

ـ ومعاضدته على طاعة ربه)

ـ ومعونته على نفسه في ما لايهمّ(3) به من معصية (ربّه).

ـ ثمّ تكون(4) عليه رحمة، ولا تكون(5) عليه عذاباً.

ولاقوّة إلاّ بالله.

 

[33] وأمّا حقّ الشريك:

ـ فإنْ غاب كفيتَه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) هذه الجملة مؤخرة في التحف عن الجملة التالية.

(3) في الصدوق: .

(4) في الصدوق:

(5) في الصدوق:

ــ[39]ــ

ـ وإنْ حضر ساويتَه(1).

ـ ولاتعزم على حكمك دون حكمه.

ـ ولا تعمل برأيكَ دونَ مُنَاظرته.

ـ تحفظ عليه ماله.

ـ وتَنْفي عنه خيانته(2) في ما عزّ أوهانَ، فـ (إنّه بلَغَنَا) «أنّ يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا».

ولا قوّة إلاّ بالله.

 

[34] وأمّا حقّ المال:

ـ فأنْ لاتأخذَه إلاّ من حِلّه.

ـ ولا تُنفقه إلاّ في حلّه(3) (ولا تحرّفه عن مواضعه، ولاتصرفه عن حقائقه، ولاتجعله ـ إذا كان من الله ـ إلاّ اليه، وسبباً إلى الله).

ـ ولاتُؤثِر به على نفسك مَنْ لايحمدك (وبالحريّ أن لايُحسن خلافته(4) في تركَتِك، ولا يعمل فيه بطاعة ربّك، فتكون مُعيناً له على ذلك، أو بما أحدثَ في مالك أحسن نظراً، فيعمل بطاعة ربّه فيذهب بالغنيمة).

[ ـ فاعمل فيه بطاعة ربّك، ولا تبخل به] فتبوءَ بـ (الإثمِ و) بالحسرة والندامة مع التبعة.

ولاقوّة إلاّ بالله.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق: ، بدل (ساويتَه).

(2) في الصدوق:

(3) في الصدوق:

(4) في بعض نسخ التحف، خلافتك.

ــ[40]ــ

[35] وأمّا حقّ الغريم الطالب لك:

ـ فإنْ كنتَ مُوسِراً أوفيتَه(1) (وكفيتَه وأغنيتَه، ولم تردُدْه وتمطله، فإنْ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مطلُ الغنيّ ظلم»)

ـ وإنْ كنتَ مُعْسِراً أرضَيْتَه بحُسْن القول (وطلبت إليه طلباً جميلاً) وردَدْتَه عن نفسك ردّاً لطيفاً.

(ولم تجمع عليه ذهاب ماله، وسوء معاملته، فإنّ ذلك لؤمٌ.

ولاقوّة إلاّ بالله)(2)

 

[36] وأمّا حقّ الخليط:

ـ فأن لاتغُرَّه.

ـ ولاتغشّه.

(ـ ولاتكذّبه.

ـ ولاتغفله)

ـ ولا تخدعه.

(ـ ولاتعمل في انتقاضِهِ عمل العدوّ الذي لايُبقي على صاحبه.

ـ وإن اطمأنَّ إليك استقصيت له على نفسك، وعلمت: «أنّ غبن المسترسل ربا».

[ ـ وتتّقي اللهَ تبارك وتعالى في أمره]

ولاقوّة إلاّ بالله).

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) هنا موضع الذي ذكر في المقدمة مع فروع الحقوق، لكنّه لم يعنون هنا في أيّ من النصين لا في تحف العقول، ولافي كتب الصدوق.

ــ[41]ــ

[37] وأمّا حقّ الخصم المدّعي عليك:

ـ فإن كانَ ما يدّعيـ عليك حقّاً [كنتَ شاهدَه على نفسك] (لم تنفسخ في حُجَّته) [ولم تظلمه] (ولم تَعْمل في إبطال دعوته) [وأوفيته حقّه] (وكنْتَ خَصْم نفسك له، والحاكم عليها، والشاهد له بحقّه، دون شهادة الشهود، فإنّ ذلك حقّ الله عليك).

ـ وإن كان ما يدّعيه باطلاً رَفَقْتَ به) وردَعته(1) وناشدته بدينه)  [ولم تأتِ في أمره غير الرفق، ولم تُسْخط ربّك في أمره] (وكسرتَ حدّتَهُ بذكر الله، وألغيتَ حشو الكلام ولُغَطَهُ الذي لايردّ عنك عادية عدوّك، بل تبوء بإثمِه، وبه يشحذ عليك سَيْف عداوته، لأنّ لفظة السوء تبعث الشرّ، والخير مَقْمَعَةٌ للشرّ.

ولاقوّة إلاّ بالله).

 

[38] وأمّا حقّ الخصْم المدّعى عليه:

ـ فإنّ كانَ ما تدّعيه حقّاً(2) أجْملتَ في مقاولته (بمخرج الدعوى فإنّ الدعوى غلظةٌ في سمع المدّعى عليه) [ولم تجحَدْ حقه].

(ـ وقصدت قصد حجّتك بالرفق، وأمهل المهلة، وأبين البيان، وألطف اللطف.

ـولم تتشاغل عن حجّتك بمنازعته بالقيل والقال، فتذهب عنك حجّتُك، ولايكون لك في ذلك دَرْكٌ)

[وإنْ كنتَ مُبْطلاً في دعواك اتّقيْتَ الله عزّوجلّ، وتُبْتَ إليه، وتركتَ الدعوى]

(ولاقوّة إلاّ بالله)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كذا في بعض النسخ، والظاهر أنه الصواب وفي أكثرها ورَوّعْتَهُ والظاهر عدم صحّته، وفي بعض النسخ: ورّعته، فمعناه دعوته إلى الورع.

(2) في الصدوق:

ــ[42]ــ

 

[39] وأمّا حقّ المستشير:

ـ فإنْ حضرك له وجه رأي، جهدتَ له في النصيحة و(1) أشرت عليه (بما تعلم أنّك لو كنتَ مكانه عملتَ به.

ـ وذلك ليكنْ منك في رحمة، وليْن، فإنّ الليْن يؤنِسُ الوحشةَ، وانّ الغلظ يُوحش موضع الاُنس.

ـ وإن لم يحضرك له رأي، وعرفتَ له مَنْ تثقُ برأيه وترضى به لنفسك، دَلَلْتَه عليه وأرشدته إليه(2) فكنتَ لم تألُهْ خيراً، ولم تدّخره نصحاً.

ولاحول ولاقوّة إلاّ بالله)

 

[40] وأما حقّ المُشير عليك:

ـ أنْ لاتتّهمَه في مالا يُوافقك عليه من رأيه (إذا أشارَ عليك، فإنّما هي الأراء وتصرُّف الناس فيها واختلافهم، فكن عليه في رأيه بالخيار، إذا اتّهمْتَ رأيه، فأمّا تهمتُهُ فلا تجوزُ لك، إذا كانَ عندكَ ممّن يَستحقّ المشاورة.

ـ ولاتدعْ شُكْره على ما بدا لك من إشخاص رأيه، وحُسْن وجه مشورته)

ـ فإذا وافقك حمدتَ الله (وقبلتَ ذلك من أخيك بالشكر والإرصاد بالمكافأة في مثلها، إن فزع إليك.

ولاقوّة إلاّ بالله).

 

[41] وأمّا حقّ المستنصِح:

ـ فإنّ حقّه أنْ تؤدّيَ إليه النصيحةَ (على الحقّ الذي ترى له أنـّه يحمل،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) في الصدوق:

ــ[43]ــ

وتُخرج المخرجَ الذي يلين على مسامعه، وتكلّمه من الكلام بما يُطيقه عقله، فإنّ لكلّ عقل طبقةً من الكلام يعرفه ويَجْتنيه)(1)

ـ وليكن مذهبُك الرحمة [له والرفق به]

(ولاقوّة إلاّ بالله).

 

[42] وأمّا حقّ الناصِح:

ـ فأنْ تُلين له جناحك.

ـ (ثمّ تُشَرْئب(2) له قلبَك، وتفتح له سمعَك، حتّى تفهمَ عنه نصيحته(3).

ـ ثمّ تنظر فيها): فإنْ كانَ وُفِّقَ فيها للصواب(4) حمدتَ الله (على ذلك، وقبلتَ منه وعرفتَ له نصيحته).

ـ وإن لم يكن وُفِّقَ له فيها(5) رحمتَه، ولم تتّهمْهُ، وعلمتَ أنـّه (لم يألُك نصحاً، إلاّ أنـّه) أخطأَ، [ولم تُؤاخذه بذلك] إلاّ أنْ يكونَ (عندك) مستحِقّاً للتهمة، فلا تعبأ بشيء من أمره على (كلّ) حال.

ولاقوّة إلاّ بالله.

 

[43] وأما حقّ الكبير:

ـ فإنّ حقّه توقير سِنِّهِ.

ـ وإجلال إسلامه، إذا كان من أهل الفضل في الإسلام، بتقدُّمه فيه(6)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كذا في بعض النسخ وفي أكثرها: يجتنبه، فلاحظ.

(2) كذا في النسخ، ولعلّ الكلمة «تشرّف».

(3) في الصدوق: بدل هذه الفقرة.

(4) في الصدوق:

(5) في الصدوق: وفي بعض النسخ:

(6) في التحف لتقديمه، وفي الصدوق:

ــ[44]ــ

ـ وترك مقابلته عند الخِصام.

ـ ولاتسبقه إلى طريق.

ـ ولا تؤمّه في طريق(1)

ـ ولا تستجهله.

ـ وإن جهل عليك، تحمّلتَ، وأكرمته بحقّ إسلامه [وحرمته] (مع سِنّه، فإنّما حقّ السِن بقدر الإسلام.

ولاقوّة إلاّ بالله).

 

[44] وأمّا حقّ الصغير:

ـ فرحمته(2)

ـ (وتثقيفُه وتعليمه)

ـ والعفو عنه، والستر عليه.

ـ والرفق به.

ـ والمعونة له.

ـ (والستر على جرائر حداثته، فإنّه سببٌ للتوبة.

ـ والمداراة له، وترك مماحَكته، فإنّ ذلك أدنى لرشده)

 

[45] وأمّا حقّ السائل:

ـ فإعطاؤه [على قدر حاجته](3) إذا تيقّنتَ صدقَهُ وقَدَرْتَ على سَدّ حاجته.

ـ والدعاء له في ما نَزَلَ به.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق،

(2) أضاف الصدوق:

(3) إلى هنا ينتهي ما في الصدوق من حقوق السائل.

ــ[45]ــ

ـ والمعاونة له على طلبته.

ـ وإن شككتَ في صدقه، وسبقتْ إليه التهمةُ له، ولم تعزم على ذلك، لم تأمَنْ أنْ يكونَ من كيد الشيطان، أراد أنْ يصدَّك عن حظّك، ويحولَ بينك وبين التقرُّب إلى ربّك، فتركتَه بستْرهِ، وردَدْتَه ردّاً جميلاً.

ـ وإنْ غلبتْ نفسُك في أمره، وأعطيتَه على ما عَرَضَ في نفسك منه، فإنّ ذلك من عزم الاُمور.

 

[46] وأمّا حقّ المسؤول:

ـ إنْ أعطى قُبِلَ منه (ما أعطى) بالشُكر له، والمعرفة لفضله.

ـ وَطلب وجه العُذْر في منعه(1)

(ـ وأحْسِنْ به الظنّ.

ـ واعلم أنَّه إنْ مَنَعَ فمالَه مَنَعَ، وأنْ ليس التثريبُ في ماله، وإنْ كان ظالماً، فإنّ الإنسان لظلوم كفّار)

 

[47] وأمّا حقّ مَنْ سَرَّكَ (اللهُ به وعلى يديه)(2):

ـ فإن كانَ تعمّدها لك: حمدتَ الله أوّلاً، ثمّ شكرتَهُ(3) على ذلك بقدره، في موضع الجزاء.

ـ وكافأته على فضل الابتداء، وأرصدتَ له المكافأةَ.

ـ وإن لم يكن تعمّدها: حمدتَ الله وشكرته، وعلمت أنـّه منه، توحّدك بها.

ـ وأحببتَ هذا(4) إذْ كان سبباً من أسباب نِعَمِ الله عليك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق:

(2) في الصدوق: بدل ما بين القوسين:

(3) في الصدوق في هذا الحق: فقط، ولم يورد باقي ما هنا.

(4) هذا إشارة إلى الشخص الذي سرّك.

ــ[46]ــ

ـ وترجو له بعد ذلك خيراً، فإنّ أسبابَ النِعم بركةٌ حيثُما كانَتْ، وإنْ كان لم يتعمّد.

ولاقوّة إلاّ بالله.

 

[48] وأمّا حقّ مَنْ ساءَك (القضاء على يَدَيْه، بقول أو فعل):

ـ فإنْ كانَ تعمّدها كان العفوُ أولى بك(1) (لما فيه له من القَمْع، وحُسْن الأدب مع كثير أمثاله من الخلق.

ـ [وإن علمت أنّ العفوَ عنه يضرُّ، انتصرتَ] فإنّ الله يقول: (ولَمَن انتصر بعد ظُلْمِه فأولئك ما عليهم من سبيل) (إلى قوله (من عزم الأمور)(2)

وقال عزّوجلّ (وإنْ عاقَبْتُم فعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُم بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُم لهو خيْرٌ للصابِرين)(3) هذا في العَمْد.

ـ فإنْ لم يكن عَمْداً، لم تظلمه بتعمُّد الانتصار منه، فتكونَ قد كافأته في تعمّد على خطأ.

ـ ورفقتَ به، وردَدْتَه بألْطَفِ ما تقدِرُ عليه.

ولاقوّة إلاّ بالله)

 

[49] وأمّا حقّ أهل مِلّتك (عامَّةً):

ـ فإضمار السلامة.

ـ و (نشر جناح) الرحمة [بهم]

ـ والرفق بمسيئهم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق: [وإن علمت...الخ].

(2) سورة الشورى (42) الآية: 41 ـ 43.

(3) سورة النحل (16) الآية: 126.

ــ[47]ــ

ـ وتألّفهم.

ـ واستصلاحهم.

ـ وشكر محسنهم (إلى نفسه، وإليك، فإنّ إحسانه إلى نفسه إحسانٌ إليك، إذا كَفَّ عنك أَذاه، وكفاك مؤونته، وحبس عنك نفسه.

ـ فَعُمَّهم ـ جميعاً ـ بدعوتك.

ـ وانصرهم ـ جميعاً ـ بنصرتك).

[ـ وكُفَّ الأذى عنهم.

ـ وتُحبُّ لهم ما تُحبّ لنفسك، وتكرهُ لهم ما تكره لنفسك].

ـ وأنْزِلْهُم ـ جميعاً منك منازلهم: كبيرهم بمنزلة الوالد، وصغيرهم بمنزلة الولد، وأوسطهم بمنزلة الأخ(1) [وعجائزهم بمنزلة اُمّك].

(ـ فَمَنْ أتاك تعاهَدْتَه بلُطف ورحمة.

ـ وصِلْ أخاك بما يجبُ للأخ على أخيه).

 

[50] وأمّا حقّ أهْل الذمّة:

ـ (فالحكم فيهم) أنْ تقبل منهم ما قَبل الله.

ـ (وتفي بما جعل الله لهم من ذمّته وعهده.

ـ وتكِلَهم إليه في ما طلبوا من أنفسهم، واُجبروا عليه.

ـ وتحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك، في ما جرى بينك وبينهم من معاملة).

[ ـ ولاتظلمهم ما وَفَوا لله عزّوجل بعهده] (وليكن بينك وبين ظلمهم من رعاية ذمّة الله، والوفاء بعهده وعهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حائلٌ، فإنّه بلغنا أنـّه قال: «مَنْ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الصدوق بدل ما هنا:

ــ[48]ــ

ظَلَمَ معاهَداً كنتُ خصمه» فاتّق الله.

ولاحول) ولا قوّة إلاّ بالله.

[]

(فهذه خمسون حقاً محيطاً بك، لاتخرج منها في حال من الأحوال، يجب عليك رعايتها، والعمل في تأديتها، والاستعانة بالله جلّ ثناؤه على ذلك.

ولاحول) ولاقوة إلاّ بالله.

 

والحمد لله ربّ العالمين [وصلواته على خير خلقه محمّد وآله أجمعين وسلم تسليما](1).

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذه الخاتمة لم ترو في روايات الصدوق.