دفاعٌ
عن القرآن الكريم
الجامع لكلمة المسلمين على كلمة التوحيد
بقلم
السّيد محمّد رضا الحسيني الجلالي
الطبعة الأولى - رمضان المبارك 1419 هـ
المقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله محمّد خاتم النبيّين، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وصحبه المتّقين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعدُ، فإنّي أبدأ حديثي بما ذكره الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، داعياً أهل الكتاب، فقال: (قُلْ يَـأَهْلَ الْكِتَـبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَة سَوَآء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْـًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )
( الآية (64) من سورة (3) آل عمران ).
وهذه دعوةٌ صريحةٌ وواضحة إلى اليهود والنصارى، بما أنّهم أهل رسالة سماويّة، ويعتمدون كتباً لرسلهم، فالمسلمون ـ بفرقهم وطوائفهم كافّةً ـ مدعُوّون أيضاً، لأنّهم يتّبعون رسالةً سماوية هي الإسلام، ويعتمدون كتاباً إلاهيّاً هو القرآن، بل المسلمون أولى بهذه الدعوة لأنّها وردت في كتابهم، وصدرت بواسطة نبيّهم، فهم أولى باتّخاذها والإيمان بها، والتسليم لها، كما اُمِروا في نهاية الآية بأن يقولوا: (اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ).
ثمّ قال الله تبارك وتعالى: (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَـمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَ لِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا )
( الآية (94) من سورة (4) النساء ).
فقد أكّد هنا على حقيقة مهمّة وهي لزوم فتح الصدر لقبول مَن أظهر
الإسلام، ولو بمجرّد القول، وعدم محاولة التشكيك في عقائد الناس، ولا التفتيش عنها، إذا قَبِلوا الدعوة المذكورة في الآية الاُولى، ونطقوا بكلمة التوحيد«لا إله إلاّ الله».
ونهى الله جلّ وعزّ في الآية الثانية عن محاولة طرد مَنْ قال: «إنّي مسلمٌ» ورَفْضِ إسلامه لمجرّد الرغبة في عناوين دنيويّة مثل الاستيلاء على المناصب الدينيّة، والنجاح في الوظيفة، وترويج الحزب والمذهب، وقمع المعارضة، حتّى لو باسم الدين والكتاب والسنّة والسلف، بل الآية تؤكّد على أنّ الغنيمة التي لابدّ أنْ يهتمّ بها المسلمون المجاهدون في سبيله الضاربون في الأرض، هي إعلاء كلمة الله التي دعا إليها، ونشر مبادئ الإسلام، والذي يُجاهد بهذه النيّة فإنّه يغتنمُ إعلان الناس اتّخاذهم الإسلام ديناً، ولو بمجرّد اللفظ منهم، تكون فرصةً غاليةً يدخل الناسُ بها في غمار المسلمين وإطارهم، حتّى «يسمعوا كلام الله» ويتعرّفوا على حقائق الدين، فلا محالة سيلتزمون به، لِما يجدون في أحكامه ومعارفه من موافقة للذوق البشريّ، والعقل الإنسانيّ، والوجدان والضمير، وتأمين كلّ حاجات الحياة الحرّة الكريمة.
وهكذا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أكّد بشكل صريح وواضح، على هذه الحقيقة، فكان يقول: اُريد منهم كلمةً واحدةً يقولونها ... كلمةً، قولوا «لا إله إلاّ الله».
(رواه أحمد والترمذي والنسائي).
وفي حديث اُسامة أنّ قائل كلمة الشهادة بالتوحيد يحقنُ دمه، حتّى لو قالها تعوّذاً، أي فراراً من القتل، في ما رواه (البخاري ومسلم) قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لاُسامة الذي قتل مَنْ قال: «لا إله إلاّ الله» معاتباً له وموبّخاً: أقتلته! بعد أنْ قال: لا إله إلاّ الله؟؟
وفي بعض ألفاظ الحديث: فكيف نصنع بلا إله إلاّ الله، يوم القيامة؟؟
قال اُسامة: يارسول الله، إنّما قالها تعوّذاً! قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هلاّ شققتَ عن قلبه!
وجعل يكرّر عليه: مَن لك بلا إله إلاّ الله يوم القيامة؟؟!.
وفي البخاري ومسلم: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: سبابُ المسلم فسوقٌ وقتاله كفرٌ.
وفي كنز العمّال: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: كُفُّوا عن أهل «لا إله إلاّ الله» لا تكفّروهم بذنب، فمن كفّر أهل «لا إله إلاّ الله» فهو إلى الكفر أقرب
(رواه الطبراني).
وبعد هذه النصوص الواضحة الصريحة: فإنّي أدعو مَنْ يُحاول البحث عن عقائد الناس من أهل «لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله» من طوائف الاُمّة الإسلاميّة، ليكشف عن مخالفة في قول أو فعل، ويعتبر ذلك جهاداً ودعوةً إلى الله ورسوله.
أدعوه إلى التأمّل في النصوص التي قرأناها من الكتاب والسنّة، ليعرفَ أنّ ما يقومُ به مخالفٌ للكتاب والسنّة، ومخالفٌ للمنهج الصائب الذي كان عليه سلفُ الاُمّة الإسلاميّة، طوال القرون الماضية. وأنّ مَنْ قام بخلاف هذا، فهو شاذٌّ عن جماعة المسلمين ومخالفٌ للكتاب والسنّة، كما تبيّن.
فلا يغترّ من يسمّي نفسه «سلفيّاً» بأقوال الشاذّين من أمثال ابن تيميّة وابن القيّم ، وابن عبدالوهاب، وأَجْرائهم، فإنّ أفضل ما يُقال فيهم أنّهم شُذّاذٌ، مع نُدرتهم وقلّتهم، لمعارضتهم لجمهور العلماء، وللنصوص الواضحة.
هذا، مع أنّ الشُبَه التي يعتمدونها لتكفير الناس في فتاواهم وبحوثهم إنّما هي نقولاتٌ غير معتبرة، لانفراد فرقة ضئيلة بها على أساس نصوص زعموها صحيحةً، فكانت آراء تعتمد أدلّة مهزوزةً، فحينئذ تكوّنت لديهم تلك الشُبهة، والشبهة تدرء التكفير، بل يحتاج صاحبها إلى التوجيه والتذكير كي ينتبه إلى موارد البطلان فيها، ولا يحقّ لأحد تكفيره لأجلها.
وكثيراً ما يعتمد السلفيّةُ في بحوثهم على كلمات منقولة عن الكتب المحرّفة، أو النصوص المبتورة، أويُسيئون فهم معانيها، أو لجهلهم بالمصطلحات المستعملة، وبالتالي يحمّلون المنقولات ما لا تتحمّل من المعاني، ويحكمون على أصحابها بالكفر.
ثمّ إنّ فعل جماعة معيّنة، لا يُحملُ على جميع الآخرين الذين يتّفقون مع أهل الشبهة في آراء اُخرى، خصوصاً بعد رفض الأكثريّة لعمل الشاذّين، لوضوح فساد ما يلتزمون باعتبار ضعف أدلّتهم، من المنقولات والأخبار ضعيفة الأسانيد، ومخالفتها للعقل، ولإجماع الاُمّة.
فلا يصحّ إطلاقاً سحب حكم القلّة على الجميع، لمجرّد وجودهم معهم، أو اشتهارهم ، أو تداول كتبهم التي لا إشكال فيها، فلو التزم شخصٌ برأي باطل ـ معتمداً على أدلّة، قد اشتبه أمرُها عليه ـ لا يجوز تكفيره، وإخراجه عن الملّة، ورفض حسناته، وترك معاشرته ومباشرته، فليستْ هذه طريقة الكتاب والسنّة والسلف الصالح، أنّ من اشتبه عليه أمر: يُنبذ ويرفض.فضلا عن أن يكفّر، ويُقتل! ويُحكم على أهله وعشيرته وقبيلته، وطائفته، ومذهبه، كلّهم من أجله؟!
ثمّ إنّ موضوعاً خطيراً للغاية، يمسُّ كرامة القرآن الكريم، ولو بشكل الاحتمال والإشارة، لا يحلّ للمسلم المؤمن أن يستخدمه وسيلة لأهدافه، ويغتنم من ورائه مغانم دنيويّة، مذهبيّة أو حزبيّة.
فإنّ التعرّض للقرآن، هو تعرّض لأقدس موروث إسلاميّ خلّده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلّفه بين المسلمين استمراراً لوجوده، فليس من الإسلام ولا الضمير والوجدان، أن يستخدمه أحدٌ، ولو بدعوى الدفاع عنه، وبدعوى السّلفية، فيثير حوله (شبهة التحريف) بدعوى أنّ الطائفة الفلانيّة تقول فيه ذلك؟!
وكلّما نَادتْ تلك الطائفةُ بأنّها بريئةٌ عن هذا الرأي ولا تقول هذا القول السخيف، ونفتْ ذلك، وكذّبتْه، وحقّقت نفيه! قام السلفيّ بتكرار النسبة إليها، وتأكيدها، والإصرار على إثباتها، بل حاول البحث والتنقيب في بطون كتب مَنْ ينتمي إلى فرقة من فرقها ـ ولو البائدة ـ لينقل كلاماً قد يُشيرُ إلى التهمة! فيطبعها وينشرها، ويعتبرُ ذلك فتحاً مبيناً، وجهاداً علمياً عظيماً، حيث أنّه من خلال البحث العلمي، في جامعة علميّة، ولمدّة سنوات وبمعونة أساتذة جامعيّين،
وبمنحة حكوميّة كبيرة، وقف على آراء وأقوال تعبّرُ عن نسبة التحريف إلى القرآن الكريم!!!
أهذا، يكشف عن حُبٍّ للقرآن، أم عن عداء وتصدٍّ وتشهير بهذا الكتاب الإلهي المقدّس؟
بالله عليك، لو بلغتْه تهمةٌ في عِرْض أُمّه، أكان يبحثُ عنها هكذا، ويكشفها على الملأ، وينشرها في الكتب والمجلاّت، لإثبات الجريمة على المتّهم؟ الذي يُنادي ببراءته؟ أمْ كان يُكذّبها، ويُغطّيها، ويدفنها، ويرفضها، ويُحاول أنْ ينساها، حفاظاً على سمعته وشرفه، وصيانةً لكرامة اُمّه.؟؟!!
فليكن القرآن الكريم، أعزّ عليه من اُمّه وشرفه، فلابدّ أن يُكذَّب كلّ مَنْ يُحاول إثارة التهمة إلى هذا الكتاب المقدّس، ويَضرب التهمة في وجه زاعمها ومثيرها، ويُصدّق مَنْ يزعم من الطائفة المعارضة بأنّها بريئة عن تهمة التحريف، ويقف معها يداً واحدة في الدفاع عن القرآن الكريم.
ثمّ لمّا تعلن طائفةٌ إسلامها، والتزامها بالقرآن، فالواجب الإسلاميّ يفرض القبول منهم، لما ذكرنا في صدر البحث من الدعوة الإلهيّة، ولا يجوز التنقيب عن القلوب والآراء لإثبات خلاف ذلك، كما نصّت عليه الأحاديث.
كيف لو كانت التّهم الموجّهة إلى تلك الطائفة باطلةً ومبتنيةً على سوء النقل وتحريف المنقولات، وسوء الفهم للجهل بالمصطلحات، وماسّة بأعظم المقدّسات وهي القرآن؟
والأمر الذي لابدّ أن ينتبه إليه كلّ مسلم يؤمنُ بالله ورسوله وكتابه القرآن، أنّ توجيه التّهمة المذكورة إلى طائفة من المسلمين قد توجب ردّة فعل عندها، فترفضُ التّهمة وتدافع عن نفسها، وتتّهم الجانب الآخر بنفس التّهمة، فتتبادل الاتّهامات بين الطائفتين.
وفي هذه الحالة يكون العدوّ المشترك المترصّد للإسلام وأهله هو
المستفيد، بتركيز الاتّهام، فيكون المُثيرون لهذه البحوث هم السبب المباشر في الإساءة لهذا الكتاب الإلهيّ، (وهم يَحْسَبون أنّهم يُحْسِنون صُنعاً) وإذا نظروا إلى ردود الفعل الصادرة والموجّهة لنفس الاتّهام إليهم، والبحث عن النصوص التي نقلوها والتي هي أصرح دلالة على ما يزعمون! حاولوا تأويلها، وتفسيرها وتخريجها.
فهلاّ، فعلوا مع النصوص التي شاهدوها عند الآخرين كذلك، فحاولوا تأويلها، وتفسيرها وتخريجها؟!مع أنّ الآخرين لم يلتزموا بصحّة الوارد من الأخبار، خصوصاً مع معارضتها للثابت المجمع عليه من النصّ القرآنيّ.
إنّ هذه المحاولات والأفعال، وردود الأفعال، والبحوث كلّها تحتوي على «إساءة» غير مباشرة للقرآن العظيم، وتعريضه للريب مع أنّه (ذلكَ الكتابُ لا رَيْبَ فيه) وإنّ أيّ عمل من هذا القبيل هو خيانةٌ لله ولرسوله وللقرآن، وللإسلام، وللمسلمين.
ولقد وفّقني الله للبحث عن كلّ ما كُتِبَ في الموضوع من مؤلّفات ولجميع الأطراف، فتوصّلتُ إلى حقيقة اُثبتُها في هذا الكتاب هي أنّ جميع ما ورد من خبر منقول أو كلام مسطور، فإنّما هو زخرفٌ من القول، إنّما أورده أصحاب الأهواء، واغترّ به من يحبّ التكاثر في جمع ما هبّ ودبّ باعتباره «حديثاً».
فأهلُ الحديث، من الطوائف المختلفة، الذين لا يميّزون بين الغثّ والسمين هم أصلُ المشكلة، ومعدنُها، ولو أحسنّا الظنّ بهم باعتبار أنّهم هدفوا إلى لمّ شتات المأثور، لئلاّ يضيع!.
لكنّ المتأخّرين، الذين لم يهتدوا بنور العلم، ولم يتدرّجوا في مدارج المعرفة، ولم يعرفوا المناهج للعلوم، ولا للمؤلّفات فيها، ولم يقفوا على أغراض المؤلّفين في تأليفها، خبطوا خبط عشواء، وحسبوا كلّ مكتوب في كتاب «حجّةً بالغةً» ومن هنا بدأت المشكلة.
ولمّا توغّلتُ، وجدتُ تشابه الصنيع وتشاكله عند كلٍّ من الطائفتين الكبيرتين من المسلمين: العامّة المنتمين إلى السنّة، والشيعة المنتمين إلى أهل البيت.
وهذا التشابُه في أصل المشكلة، وطرق عرضها، أوصلني إلى أنّ وراء القضيّة يداً أُخرى غير أمينة، تُحاول ضرب الاُمّة بعضها ببعض، وبواسطة أهمّ عنصر جامع بينهم، ومتّفق عليه، وهو «القرآن الكريم» فتكون بحجر واحد، قد ضربت أقدس كتاب للمسلمين، وأثارتْ بينهم حرب التكفير.
قد تركّز بحثي حول ما يُسمّى بالتحريف، محصوراً في دعوى الزيادة والنقيصة ولو بحرف واحد، دون ما يرتبط باختلاف القراءة من التصحيفات، وكذا اختلاف الإعراب واللهجة وسهو الكتّاب والقرّاء، فإنّ هذه كلّها خارجة عن ما وقع فيه البحث والجدل والأخذ والردّ بعنوان التحريف .
وبعدُ; فقد حاولتُ إبرازَ أسباب المشكلة ودواعيها، وكشفَ بعض الأساليب الماكرة للمثيرين لها، وبالتالي الدفاعَ عن القرآن وكرامته، بإثبات حقيقة صيانته من كلّ رَيْب، ليبقى العماد الذي تعتمد عليه كلمة المسلمين الموحّدة والجامع لهم حول «كلمة التوحيد» والله وليّ التوفيق والتسديد.
وكتب
السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ
6 رمضان المبارك 1419هـ
الفصل الأوّل
بين القرآن والسنّة
لا ريبَ أنّ الموروث الإسلاميّ من المعارف يتكوّن من القرآن العظيم والسنّة الشريفة، معاً، لأنّ القرآن هو كلام الله، وكتابه الذي أوحاه إلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أرسله هدىً للناس، والسنّة هي إرشادات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) طوال فترة النبوّة المقدّسة، فهما يكوّنان العمود الفقريّ للإسلام، وبمعرفتهما يتمّ الدين الإسلاميّ، وهما متعاضدان:
فالكتاب يدعمُ الرسالة ويجعل من الرسول حجّةً، واجبَ الطاعة، ومن كلامه وحياً حقّاً، فقال: (وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيٌ يُوحى).
و سنّةُ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تؤكّد باستمرار على الالتزام بالقرآن واتّباعه والعمل به، ورعايته ودرايته حفظاً وتعلّماً ودراسةً ونشراً وتكريماً، حتّى جعله ثاني خليفتيه من بعده، فقال: «... أنا تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا كتاب الله، واستمسكوا به» فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: «وأهل بيتي اُذكّركم الله في أهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل بيتي»
(رواه مسلم7/ 122، وانظر تدوين السنّة الشريفة).
والتزم المسلمون بالقرآن والسنّة، للعلم والعمل، ولم يفرّق أحدٌ من المسلمين بين هذين المصدرين، ممّن يؤمن بالإسلام ديناً جامعاً عامّاً.
ولكنّ الغلاةَ حاولوا الالتزام بواحد منهما على حساب الآخر، فكانتْ فرقتان من العامّة، هما:
أهل القرآن، وأهل السنّة:
أمّا أهل القرآن: فهم الذين نادوا بالقرآن وحده، والتزموا بتقديسه على
حساب السنّة، فرفضوها، ولم يُعيروا لها اهتماماً، وتسمّوا «القرآنيّين» وكان شعارهم:«حسبُنا كتاب الله».
وقد بلغت بهؤلاء كراهةُ السنّة وأصحاب الحديث، أنْ قال شعبةُ ـ وهو من الكبار ـ لأصحاب الحديث: قُوموا عنّي، مجالسةُ اليهود والنصارى أحبُّ إليَّ من مجالستكم، إنّكم لتصدّون عن ذكر الله، وعن الصلاة»
(الجامع لأخلاق الراوي للخطيب 1/331 ح409).
وكان الفُضيلُ بن عياض: إذا رأى أصحابَ الحديث قد أقبلوا نحوه، وضعَ يده في صدره وحرّكَ يديه، وقال: «أعوذ بالله منكم»
(الجامع للخطيب 1/332 ح411).
وقال بشرُ بن الحارث: سمعتُ أبا خالد الأحمر، يقول: يأتي على الناس زمان تعطّل فيه المصاحف لا يُقرأ فيها، يطلبون الحديث والرأي، ثمّ قال: إيّاكم وذلك، فإنّه يصفق الوجه، ويكثر الكلام ويشغل القلب.
(جامع بيان العلم للقرطبي 2/125).
وقال الضحّاكُ بن مزاحم: يأتي على الناس زمانٌ يعلّق فيه المصحف حتّى يعشعش عليه العنكبوتُ لا يُنتفعُ بما فيه، ويكون أعمالُ الناس بالروايات والأحاديث.
(جامع القرطبي 2/129).
وفي هذا الإطار يدخل كلّ أقوالهم ومحاولاتهم للمنع عن تدوين السنّة وتثبيتها وحفظها في الكتب بحجّة الاشتغال بذلك عن القرآن تحت شعار «حسبنا كتاب الله» وانطلاقاً منه، كما فصّلنا في كتابنا
(تدوين السنّة الشريفة).
وبلغ الأمرُ بالقرآنيّين أن يقول أحدُهم: إنّ تقديس كتب السُنّة جزءٌ من مؤامرة أعجميّة، استهدفت النيل من الإسلام وأهله، فما أصحابُ الصحاح الستّة ! إلاّ جزءٌ من تلك المؤامرة، لذا نجدهم إيرانيّين ! جميعاً، لا وجودَ لساكن الجزيرة بينهم، والشيء المحيّر للعقول: أنّ العربَ لم يُسهموا في هذا العمل البنّاء، بل أسندوا جمع الأحاديث وتدوينها إلى العجم.
(القرآنيّون ص238).
ومن المعلوم خطورة ما تنتهي إليه مثل هذه المحاولة الجريئة من مخالفة للإسلام، بل وإثارة الأحقاد بين شعوبه وطوائفه، بينما النبيُّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يُعلن: «من آمنَ فهو العربيّ ومن لم يؤمنْ فهو العِلْجُ» ويقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «ليست العربيّةُ لأحدكم بأب ولا بأُمٍّ، من تكلّمَ العربيةَ فهو عربيٌّ».
مَنْ هم القُرآنيّون؟
فالذي نقرؤه في المصادر: أنّهم هم الذين رفعوا شعار «حسبنا كتاب الله» في وجه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في مرض الموت، فمنعوه بذلك من أنْ يكتبَ ما أراد واهتمّ به، فهم البذرة الاُولى لفرقة القرآنيّين.
وهم الذين نجدهم وراء عمليّة منع الحديث كتابةً وتدويناً، بل، ونقلا وتحديثاً، إلى نهاية القرن الأوّل الهجريّ، وفيهم من الخلفاء والصحابة، والتابعين، رجال ونساء، فهؤلاء هم طلائع القرآنيّين.
والغريب أنّ الباحثين في عصرنا أغفلوا ذكر هؤلاء في الحديث عن القرآنيّين، بل ذكروا تاريخ القرآنيّين، منذ القرن الثاني للهجرة، يقول السلفيُّ خادم حسين إلهي بخش (الاُستاذ المساعد بكليّة التربية، جامعة اُمّ القرى ـ الطائف، في (رسالته) التي نال بها درجة الماجستير؟! بدرجة ممتاز): إنّ إنكارَ السنّة من مصدريّة التشريع في الإسلام يعود تاريخه إلى القرن الثاني الهجريّ، غير أنّ مصادر التاريخ لا تحدّثنا عن أفراد أو جماعات تنسب إلى الإسلام ودعتْ إلى نبذ السنّة بعد ذلك القرن.
(القرآنيون ص8).
ولماذا أغفلتَ يااُستاذ! الجماعات التي التزمتْ فكرة القرآنيّين، وتزعّمتها قبل ذلك، وفي القرن الأوّل، وعند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالذات؟ فإنّا نجد الحكّام من الخلفاء والولاة، وحتّى بعض الصحابة، وكذلك أجهزة الدولة، وراء منع الحديث تدويناً ونقلا، وتطبيقاً لمقولة «حسبنا كتاب الله» وسيراً وراء مَن أطلقها وأعلنها أوّل مرّة في محضر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي وجهه؟؟!!.
ثمّ من هُم القرآنيّون بعد ذلك؟
يقول خادم إلهي بعد كلامه السابق: الذين ذكرهم الإمام الشافعيّ قد عفاهم التاريخ وضمّهم في طيّاته، اللهمّ ما عدا بعض الأفراد (كالشيعة!!!).
(القرآنيّون ص8).
ومع إغفال خادم إلهي لذكر القرآنيّين في القرن الأوّل، وعدم ذكره لمقولة «حسبُنا كتاب الله» الشهيرة الخطيرة. ومع أنّ الشافعي لم يصعبْ عليه أنْ يذكر أسماء من عناهم، في ما لو كانوا من الشيعة، لكنّه لم يذكر أحداً لأنّه لم يجد ولا شخصاً واحداً.
فلا التاريخ ولا المصادر لم تُسعفنا بذكر اسم أي أحد من الشيعة التزمَ بهذه الفكرة الباطلة، إطلاقاً.
بل، على العكس، فإنّ الأسماء التي نقلنا مقولاتهم حول أهل الحديث، كلّهم من كبار العامّة، مثل شعبة الذي عدّوه إماماً في الحديث، والفضيل بن عيّاض الزاهد المعروف، وبشر بن الحارث كذلك، وأبي خالد الأحمر، والضحّاك بن مزاحم، فلا أحدَ من هؤلاء يُنسب إلى التشيّع!
وقبل هذا وذاك، فإنّ الشيعةَ بمخالفتهم للاُمراء والأوامر الأميريّة بمنع تدوين السنّة، قد أثبتوا انتفاء تلك التّهمة عنهم، بتاتاً.
بينما نجد المنسوبين إلى القرآنيّين، هم:الخوارج ـ وهم أبعد الفرق من الشيعة ـ فقد ذكر ابن تيميّة وهو يتحدّث عن الخوارج : وأصلُ مذهبهم تعظيمُ القرآن وطلب اتّباعه، حتّى خرجوا عن السنّة والجماعة، فهم لا يرون اتّباع السنّة التي يظنّون أنّها تخالف القرآن.
(القرآنيون، عن مجموعة الرسائل 1/156).
وقال عبدالقاهر البغدادي: زعمتْ أنّه لا حجّةَ في شيء من أحكام الشريعة إلاّ من القرآن.
(القرآنيون ص16).
وأمّا القرآنيّون في العصر الحاضر:
ونجد في العصر الحاضر أنّ فكرة «القُرآنيّين» رفعت شعارها فئةٌ من علماء
مصر وكتّابها، يؤلّفون لها ويستدلّون، ويصرّحون بها وينشرونها، مثل محمّد رشيد رضا المصريّ السلفيّ المشهور صاحب: (المطبعة السلفيّة ومطبعتها في مصر) فقد نشر في مجلته «المنار» مقالة الدكتور محمّد توفيق صدقي: «الإسلامُ هو القرآنُ وحده».
يقول خادم إلهي: إنّ «المنار» هي أوّل صحيفة مصريّة تبرّعتْ لنشر الشبهات حول السنّة ـ عن حُسْن نيّة ! ـ وذلك في عدديها التاسع والثاني عشر من السنة التاسعة عام 1324هـ .
(القرآنيون ص153).
وما معنى «حسن النيّة» مع أنّها تقارن هذ الفكرة، والذي لم يقلعْ صاحبُه عن التزامها وظلّ يكرّرها ويؤيّدها في المنار (59/50).؟؟!!
ثمّ تابعه الآخرون:
فقد ظهر للدكتور إسماعيل أدهم، كتاب (مصادر التاريخ الإسلامي) وسحبته الأزهر (!) من الأسواق، وصادرته من الأيدي التي تملّكته.
(القرآنيون ص180).
وذكر خادم إلهي عن الرئيس الليبي معمّر القذافي: أنّه حذف كلمة «قُلْ» من سورة التوحيد، وأنّه أنكر مصدريّة السنّة للتشريع، وأنّه يعتبر القرآن هو المصدر الوحيد.
(القرآنيّون ص197).
واعترف كتّاب العصر: بأنّ فِتنة «القرآنيّين» إنّما عادتْ فنشأتْ في القرن الثالث عشر في مصر، ثمّ ترعرعتْ في الهند على يد سير أحمد خان، ومولوي چراغ علي، ومولوي عبدالله بكرلوي، ثمّ أحمد النبيّ أمرتسري، ومولانا أسلم، وأخيراً تولّى رئاستها غلام أحمد پيروز.
(القرآنيون ص99).
والأخير هو الذي أسّس جمعيّة باسم «أهل القرآن» كما أصدر مجلّة شهريّة، وهو يقلّد توفيق صدقي تقليداً تاماً، مع دعوى الاجتهاد والانفراد، لأنّه ينكرُ أن تكون للأحاديث أيّة قيمة تشريعيّة.
(دراسات في الحديث النبوي، للأعظمي ص28).
ولابدّ أن يعترف الجميع بأنّ حركة «القرآنيّين» المعارضة للسنّة الشريفة، لم
تجد لها موضع قدم بين الشيعة، بل على العكس: فكما وقف الشيعة موقفاً معارضاً من حركة منع الحديث تدويناً ونقلا، فزاولوا عمليّة كتابة الحديث ونشره، وتداوله بقوّة تبعاً للأئمّة من أهل البيت النبوي، بريادة أمير المؤمنين (عليه السلام)
(كما شرحناه في تدوين السنّة الشريفة: القسم الأوّل) فكذلك وقف الشيعة للتصدّي للتيّار الجديد، وهم جماعة القرآنيّين، بمؤلّفات عديدة في عاصمة الحركة في الهند، مثل كتاب: 1ـ امتحان أهل القرآن. 2ـ قول فيصل. 3ـ الكوثريّة. وهي باللغة الأوردويّة
(لاحظ الذريعة إلى مصنّفات الشيعة 2/345).
وأمّا أهل السنّة:
فهم الذين نادوا بالحديث وعظّموه على حساب القرآن، وذلك لأنّ القرآن ـ كما هو معلوم لدى كلّ مسلم ـ قطعيّ يقينيّ، لا ريب فيه، ولا يدخله الشكّ والظنّ.
ومن المعلوم للمسلم ـ أيضاً ـ حجيّة السنّة الشريفة وضرورتها وكونها ثاني أعمدة الدين، كما أسلفنا.
وكون السنّة مساويةً للقرآن في الحجيّة والاعتماد، يقتضي بوضوح أنْ تكون السنّة مثلَ القرآن معلومةً قطعيّةً ثابتةً يقينيّةً، حتّى يمكن اعتبارها مساويّةً للقرآن، وحتّى يمكن تفسيره بها، واعتمادها مخصّصةً لعمومه، ومبيّنةً لمجمله.
فمن القطعيّ عند العلماء: أنّ السنّةَ المعلومةَ الثابتةَ حجّةٌ كالقرآن، وضروريّةٌ ولازمةٌ لتكميل الدين.
لكنّ الغلوّ دخلَ في عقليّة بعض المسلمين فراحوا يضخّمون الحديث، حتّى لو كان ظنيّاً، وحتّى لو كان واحداً، فقابلوه بالقطعيّ وساووه بالقرآن اليقينيّ.
فبدأت مشكلة جعل القرآن، في مواجهة أحاديثَ مشكوكة ظنّيّة، غير ثابتة ولا علميّة.
وبينما التزم العلماء بشروط في قبول رواية الرواةَ من : العدالة والضبط والاتّصال وغيرها، توغّلَ المغالون في الحديث في تجاوز الحدود العادلة المقرّرة،
وقلبوا الموازين المحدّدة، فحكموا بعدالة مَن شاءوا، وجرحوا من خالف هواهم، وأسقطوا المضبوط، وقبلوا المضطرب، كلّ ذلك موافقة لأهوائهم وحبّاً للتكثّر من الأحاديث، وطمعاً في زيادة الكمّ على حساب الكيف؟
بينما المتّقون، المحافظون على الدين، ونصوصه لم يُقيموا وزناً إلاّ للخبر الجامع للشرائط المعتبرة في الراوي، ممّا اتّفق عليه العقلاء، وعلماء المسلمين الأتقياء، وجعلوا ذلك بالغاً بالمرويّ مبلغ العلم، بعد الاتّفاق عليه والالتزام به، فهو قطعيٌّ علميٌّ كالحديث المتواتر، وبذلك يمكن موازاته للقرآن القطعيّ في الحجيّة والالتزام، وإفادته للعلم، وإيجابه للعمل.
وهذا معنى الموافقة المشترطة في أحاديث عرض الخبر على القرآن، وأمّا الخبر المخالف له بحيث يكون مشكوكاً أو ظنيّاً أو محتملا، فلا يبلغ شأوَ القرآن، ولا يوافقه في درجة العلم، بل يُخالفه ويتصادم معه، فهو ردٌّ، وساقطٌ، ومرفوضٌ.
فكان من تسمّى بأهل الحديث، يلتزمون بكلّ منقول ومرويٍّ، فيعارضون به أحكام القرآن القطعيّة، ويقدّمون المظنونَ على المعلوم، لأنّهم التزموا بحجيّة الخبر مهما كان راويه واحداً أو أكثر، حتّى لو لم يُفد العلم، وحتّى لو كان راويه متّهماً من قِبَل الآخرين، ما دام موافقاً لما قرّروه والتزموه من قواعد وضوابط! وإن لم يتفق عليه الآخرون.
وكانت نتيجة هذا الغلوّ في الحديث عند المتسمّين بأهل الحديث أن اجتمعتْ عندهم كميّةٌ هائلةٌ من المنقولات التي تحتوي على نصوص تشكّك في تماميّة هذا القرآن، فأصبح (أهلُ الحديث) هؤلاء يؤكّدون على الالتزام بتلك المنقولات ـ التي يسمّونها الأحاديث ـ على حساب تماميّة القرآن.
ولم يختلف في هذا: أهل الحديث من العامّة الذين يُسمَّوْن «أهل السنّة» وبين أهل الحديث من الشيعة الذي يُسمَّوْن «المقلّدة». وكلاهما على خطأ فضيع في مواجهة قطعيّة القرآن، وعلميّة نصّه، بأخبار الآحاد التي لا تُفيد علماً بإجماع
المسلمين، إلاّ أنّ أهل الحديث من االشيعة يتفرّدون بعدم قبول أخبار الزيادة في القرآن العظيم، كما سيأتي تفصيله، بينما أهل الحديث من أهل السنّة يروون مثل هذه الخرافة الباطلة بإجماع الاُمّة الإسلاميّة قاطبة.
ما هو القرآن؟
النصّ المتداول بين المسلمين الحاوي لـ(114) سورة أوّلها (سورة الحمد) وآخرها (سورة الناس) هو القرآن المعجزة الإلهيّة الخالدة، الذي اُنزل على رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).
وطريق ثبوته هو شيءٌ واحدٌ، وهو التواتر القطعيّ، ولا يثبت بغيره إطلاقاً.
وقد التزم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بإبلاغه ـ منذ أوّل نزوله ـ إلى المسلمين الذين يفوق عددهم التواتر، وسجّله كتّابُه الذين بلغ عددهم في بعض المصادر ما يناهزُ الأربعين كاتباً.
فكان المسلمون يترصدّون نبأ نزول آياته، ويبثّونها فوراً بحيث يجزم الكلّ بكلّ سورة، بل آية، بل كلمة، بل كلّ حرف منه، فور نزوله، ويُشرِف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بنفسه على تحديد موقع الآية من السورة، وموقع السورة من القرآن ، ومواقع السور بعضها من الاُخرى.
(نصّ على ذلك أعلام المسلمين كافّة).
وقد تتابعتْ جهودُ المسلمين في نقل القرآن ورعايته بالحفظ والكتابة والتلاوة والقراءة، والتداول، وكثُرَ ذلك بكثرة أهل كلّ جيل وزيادتهم على مَنْ سبقهم، حتّى عصر الطباعة الحاضرة، حيث ملايين المصاحف تتّفق على نصٍّ واحد، مجمع عليه.
فلا يثبتُ نصٌّ أنّه «قرآن» بخبر واحد، مهما كان راويه ثقةً جامعاً لشرائط الصحّة. ولا يثبتُ بشهادة البيّنة، حتّى لو كانت عادلةً. ولا بتناقل جماعة منفردة عن سائر المسلمين، مهما كبرتْ وكثرتْ.
فإنّ القرآنَ أكبرُ من أنْ ينحصرَ بفرد، أو جماعة، أو طائفة ،أو فريق، أو ينزوي
في بيت أو كتاب أو صندوق!
إنّه النصّ الموجود منذ عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):
كان يُعْرَضُ على النبيّ، ويُتلى عليه، وإنّ جماعةً من الصحابة ختموا القرآنَ عليه عدّةَ ختمات.
(مجمع البيان للطبرسي 1/14).
وكان يعرضه على جبرئيل في شهر رمضان في كلّ عام مرّةً، وعرضه عليه عامَ وفاته مرّتين.
(رواه البخاري).
وبعد هذا، فلا يمكنُ أنْ يؤثّر في الالتزام بهذا النصّ وسلامته، شيءٌ من قبيل الخبر الواحد، أو البيّنة، أو كلام طائفة معيّنة، تختصُّ بشيء، مهما بلغَ الشخصُ الناقلُ من العظمة والاحترام، ومهما بلغت الطائفةُ من الكبر والقدرة.
والقرآن الموجود:
فهو المتّصل بالتواتر إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كاتب الوحي، وربيب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبطل الإسلام، وإمام المسلمين، أعلم الاُمّة بالقرآن، حتّى اعترفَ له الجميع بذلك فعدّوه «صدر المفسّرين والمقدّم فيهم» وكان ابن عبّاس ترجمان القرآن تلميذه قد أخذَ القرآن منه، وقال: فإذا علمي بالقرآن ـ في علم عليّ ـ كالقرارة في المثعنجر، أي كالغدير الصغير في أعمق موضع من البحر،وقال ابن مسعود: لو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله منّي تبلغني الإبل إليه لأتيتُه، فقيل له: أينَ أنتَ من عليٍّ؟ قال: به بدأتُ.
(رواه المحدّثون والمفسّرون).
والقرآن الموجود في أيدي المسلمين، والذي يتلوه ملايينُ المسلمين في أقطار الدنيا، وعلى طول القرون، إنّما هو بقراءة حَفْص عن عاصِم بن أبي النُجود، عن أبي عبدالرحمن السُلميّ، عن عليٍّ أمير المؤمنين (عليه السلام) من دون اختلاف
كما صرّح به العلماء، فانظر مشكل الآثار للطحاوي 1/114 و سير أعلام النبلاء 2/426).
على هذا ماتَ السلفُ وعاشَ الخلفُ، بكلّ فخر وتقدير، ومن دون أدنى
ريب ونكير(1).
أهل البيت وشيعتهم يكرّمون القرآن:
إنّ ما ورد عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ليدلّ على وجود هذا القرآن، بنصّه المتداول المتواتر، منذ عهد الرسالة وعلى طول الخطّ، حتّى اليوم.
فحديثُ الثقلين المتواتر بين المسلمين، والمتّفق عليه بين الفرق الإسلاميّة، دليلٌ واضحٌ على وجود القرآن مجموعاً في (كتاب) خلّفه النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأشار إليه فمّما قال: «إذا التبست عليكم الفتن، كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ... وهو كتاب فيه تفصيل، وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق ...».
(رواه في الكافي 2/238).
وقال: «النظرُ في المصحف من غير قراءة عبادةٌ».
(رواه في كتاب الفقيه 1/73).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله أرسله بالدين المشهور والعِلْم المأثور، والكتاب المسطور».
وقال: «كتابُ الله بين أظهركم: ناطقٌ لا يعيى لسانُه، وبيتٌ لا تهدمُ أركانُه، وعزّ لاتهزم أعوانه ...».
وقال: «ذلك القرآنُ، فاستنطقوه، ولن ينطق ولكن اُخبركم عنه: ألاّ إنّ فيه علمُ ما يأتي، والحديثُ عن الماضي، ودواءُ دائكم، ونظمُ أمركم ...».
وقال: «واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصحُ الذي لا يَغُشُّ، والهادي الذي لا يَضِلُّ، والمحدّثُ الذي لا يَكذبُ، وما جالسَ القرآنَ أحدٌ إلاّ قامَ عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدىً، أو نقصان في عمى».
(منقولات من نهج البلاغة، ومصادره).
وقال الإمامُ زين العابدين عليُّ بن الحسين (عليهما السلام): «لو ماتَ ما بين المشرق
ــــــــــــــــــــــ
(1) وهذه القراءة هي المشهورة بين المسلمين، وقد ألّف حولها العلماء مؤلّفات، منها ما كتبه أبو المواهب الحنبلي محمّد بن عبدالباقي البعلي (1044 ـ 1126) فله كتابان: 1ـ رسالة في قراءة حفص عن عاصم، نسخته في مكتبة الأسد. 2ـ فيض الودود بقراءة حفص عن عاصم بن أبي النجود بخط المؤلّف في مكتبة الأسد ـ دمشق.
والمغرب لما استوحشتُ بعد أن يكون القرآنُ معي».
(الكافي 2/446).
وقيل له: أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: «الحالُّ المرتحِل،... فتحُ القرآن وختُمه، كلّما حلَّ بأوّله ارتحلَ في آخره».
(الكافي 2/442).
وقال الإمام الباقر محمّد بن عليّ (عليهما السلام): «إنّ شيعةَ عليٍّ كثيرةٌ صلاتهم، كثيرةٌ تلاوتهم للقرآن».
وقال الإمام الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): «عليكم بتلاوة القرآن، فإنّ درجات الجنّة على عدد آيات القرآن ...، فإذا كان يوم القيامة قيل لقارئ القرآن: اقْرأ وارقهْ، فكلّما قرأ آيةً، يرقى درجةً».
وقال: «ومن قرأ القرآنَ في المصحف مُتّعَ ببصره وخفّفَ عن والديه، وإن كانا كافرين».
وكذلك كلّ حديث يحتوي على عدد الآيات، كمائة آية، أو على نسبة معيّنة كثُلُث القرآن، أوجاء فيه كلمة «ختم» أو كلمة «المصحف» وما يشبه ذلك; فهو دليلٌ واضحٌ على وجود القرآن الكامل، في زمان ذلك الحديث:
فلاريبَ أنّ المشارَ إليه والمرجوع إليه، والمرغّب فيه، ليس إلاّ القرآن المتداول بين الناس، والذي يعرفه الناس، وإلاّ فلا تصحّ تلك الخطابات والأحكام عن نصٍّ لا يوجد عند المخاطبين، أو يندرُ وجودُه.
وكذلك نجد أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يستندونَ في أحاديثهم المودعة في الكتب الحديثيّة المعتبرة، إلى نصوص آيات القرآن، كما هي موجودة اليوم في المصحف الشريف. وهذا دليلٌ على استمرار وجود نصّه ـ كما هو اليوم ـ منذُ عهودهم، بلا اختلاف.
علماء مذهب أهل البيت يصرّحون:
قال الشيخ المحدّث الفقيه، أبو جعفر محمّد بن عليّ القمّي الشهير بالشيخ الصدوق (المتوفّى 381هـ): اعتقادُنا أنّ القرآن، الذي أنزله الله تعالى على نبيّه
محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، وعدد سوره على المعروف (114) سورة، ليس بأكثر من ذلك.
(ذكره في كتاب اعتقادات الإمامية).
وقال السّيد الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي البغدادي (المتوفّى 436هـ): إنّ العلم بصحّة نقل القرآن: كالعلم بالبلدان ...، فإنّ العنايةَ اشتدّتْ والدواعي توفّرتْ على نقله وحراسته، لأنّ القرآن معجزةُ النبوّة ومأخذُ العلوم الشرعيّة والأحكام الدينيّة، وعلماءُ المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتّى عرفوا كلّ شيء فيه؟
فكيفَ يجوزُ أنْ يكون مغيّراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة؟ والضبط الشديد؟؟
وقال العلاّمة الحلّي الحسن بن المطهّر المتوفى 726 هـ : الحقُّ أنّه لا تبديلَ ولا تأخيرَ ولا تقديمَ فيه وأنه لم يزِدْ ولم ينْقُصْ ، ونعوذُ بالله تعالى من أنْ يعتقدَ مثلُ ذلك ، فإنّه يوجبُ التطرُّق إلى معجزة الرسول (عليهما السلام)المنقولة بالتواتُر (أجوبة المسائل المهنائية ص 121)
وقال المحدّث الشيخ الحرّ العامليّ محمّد بن الحسن المشغري (المتوفّى 1104هـ): إنّ مَن تتبّع أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وتصفّح التاريخ والآثار، عَلِمَ علماً يقينيّاً: أنّ القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتُر، قد حفظه الاُلوف من الصحابة، ونقلته الاُلوف، وكان منذ عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعاً مؤلّفاً.
وقد اعترف بعض العامّة لمذهب أهل البيت، ببراءته وبراءة أتباعه، من القول بغير ما عرفناه من تصريحاتهم:
فقال أبو الحسن الأشعري، عليّ بن إسماعيل في كتابه
(مقالات الإسلاميّين 1/115) حيث نقل عن القائلين بالاعتزال والإمامة يزعمون : أنّ القرآن ما نُقِصَ منه، ولا زِيْدَ فيه، وأنّه على ما أنزل الله تعالى على نبيّه عليه الصلاة والسلام، لم يُغيّر، ولم يُبدّل، ولا زال عمّا كان عليه.
وغرضه بالاعتزال: القول بأصل (العدل) وهو الأصل الثاني من اُصول مذهب الشيعة الإماميّة، ومن لم يقل به فليس بشيعيٍّ إماميّ، حسب الاصطلاح.
ومن هنا فإنّ الفرقة التي ذكرها قبل هذه، تخالف الإماميّة في أصل المذهب، ولا يجوز حملُ مقالتها على الإماميّة، وإنْ كانت توافقهم في بعض الآراء.
فلينظر المنصفُ بدقّة لائقة بالمسلم المخلص لدينه، حتّى لا يقعَ في محذور اتّهام طائفة من المسلمين بما لا يقولون، وخاصّةً في مثل موضوع القرآن الكريم.
والذي يُصرُّ على أنْ يتّهمَ طائفةً من المسلمين بالقول المخالف في القرآن، مع إنكار هذه الطائفة للتّهمة ومع تأكيدها لنفيها، إنّما يدلّل على إرادته الإساءة بالقرآن، مهما كان الثمن! وهو إنّما يمهّد لهجوم أعداء الدين من النصارى واليهود.
وقد تنبّهَ المجاهد الهندي رحمة الله صاحب كتاب
(إظهار الحقّ في الردّ على النصارى) فنفى فيه التهمةَ عن الشيعة، وأكّد إجماع المسلمين على صيانة القرآن، ونقل كلام أعلام الشيعة الصريحة في القول المتفّق عليه والمتواتر بين المسلمين، يصدّ بذلك طعن النصارى في كتاب الله!
فالذي يعاكس هذا، ويُحاول أنْ يُظهر خلافاً من فرقة بائدة، أو أفراد بائدين، ويقلّب الكتب المطبوعة، ويبحث في المكتبات عن نسخة عتيقة حتّى يقف على رواية أو قول، ربّما يُوهم الخلاف، أو تظهر منه رائحة الانشقاق والافتراق عن الرأي السائد العامّ للمسلمين ـ كافّة ـ إنّ مثلَ هذا الشخص ، هل يُريد خيراً بالقرآن وللإسلام؟ أم إنّه يسعى في تثبيت أهداف النصارى؟ لكن بصورة المدافع، وبقناع المحقّق، وباسم الدارس الجامعيّ، وبقبّعة الدكتور والاُستاذ؟؟
لا أظنّ أنّ خبث هذا العمل، وسوء نيّة فاعله تخفى على محبٍّ لله ورسوله ودينه وقرآنه.
موقف أهل الحديث؟
ومن هنا نعرفُ مدى ما تورّط فيه أهل الحديث من البُعْد عن العلم، وعن الحقّ: لمّا أكّدوا على أنّ السنّة الشريفة، والحديث الشريف من مصادر التشريع، ولذا كان من الضروري الحفاظ على نصوصها، وبذل قصارى الجهود في سبيل تثبيتها وتسجيلها ونقلها، وأنّها قد بلغت الأجيال المتعاقبة سالمةً مصونةً محفوظةً، لكنّهم يواجهون النصّ القرآني المقدّس، بأخبار آحاد، يُوحُون أنّها مقدّمةٌ عليه، ولابدّ من العمل بها في مقابله! زاعمين: أنّ الأحاديث تلك حجّة قد حافظ عليها العلماء أشدّ المحافظة لأنها من مصادر الدين !
ونقول لهؤلاء: إذا كانتْ همّةُ المسلمين بحيث يُحافظون على مجموعة الحديث الشريف، على كبرها وسعتها وانتشارها، فهذه الهمّة مبذولة لحفظ القرآن وصيانته بشكل آكد وأكبر وأحوط وأشمل وأجمع، لأنّه الأصل الأوّل للدين، فهو أولى بالرعاية والمحافظة، وكذلك عمل المسلمون، حتّى حفظوه، والحمد لله ربّ العالمين .
مع ما سبق من لزوم تواتر النصّ القرآني، وعدم ثبوته بغيره.
فكيف يُعارَضُ العلمُ الذي هو الحقُّ، بالظنِّ الذي لا يُغني عن الحقِّ شيئاً ؟!
وكيف يُحكم على القرآن القطعيّ، بما لا يُوافقه من الخبر الظنّيّ ؟!
والأغربُ من ذلك موقفُ أهل الحديث من نقلة القراءة المتواترة بين المسلمين وهم القرّاء الكبار: حفص، وعاصم.
فقد طبّقوا عليهم ما لفّقهُ أهل الجرح والتعديل من اُصول التزموا بها، وقواعد قرّروها، فحكموا على هؤلاء بأحكام جائرة، يكفي في الردّ عليها أنّ هؤلاء معتمَدون عند أئمّة المسلمين وعامّة أهل الإيمان، لمّا اتّفقوا على الأخذ بقراءتهم ونقلهم للنصّ القرآنيّ المقدّس، بينما أهلُ الحديث تكلّموا فيهم فقالوا:
حفصُ بن سليمان، الأسديّ أبو عمر البزّاز الكوفي، القارئ، الغاضِريّ،
يُقال له: حُفَيْص (!) صاحب عاصم في القراءة وابن امرأته، وكان معه في دار واحدة، روى عن جمع، وروى عنه جمعٌ أكثر، قال العوفي: لو رأيتَه لقرّتْ عيناك فهماً وعلماً.
لكنّ أئمّة الجرح والتعديل من أهل الحديث، قالوا فيه:
قال الرازي: لا يُكتب حديثُه، هو ضعيفُ الحديث، لا يصدق، متروكُ الحديث.
وقال ابن معين: كان من أعلم الناس بقراءة عاصم! وكان أقرأ من (زميله) أبي بكر القارئ، وكان كذّاباً! ليس بثقة.
وقال ابن المديني: ضعيف الحديث وتركتُهُ على عمد!.
وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، متروك.
وقال البخاري: ومسلم: تركوه، متروكٌ.
وقال ابن خراش: كذّاب، متروكٌ، يضع الحديث.
مات سنة 180هـ وله تسعون سنة،
(تهذيب الكمال 7/10).
فانظر أيّها المسلمُ المحبُّ للقرآن وأهله: كيف يُواجهُ هؤلاء المتسمّون بأهل السنّة والحديث: يواجهون حملةَ القرآن ورواته والمتخصّصين بعلمه وقراءته بالسبّ والقذف والاتّهام! فباللهِ عليك هل ترضى أنْ يكون معلّمُ القرآن والعالمُ به هكذا: رجلا، متّهماً بالكذب والوضع، وتأخذ منه أقدس نصّ وأعظمه!
هذا، والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كرّم حملةَ القرآن فقال:«أشرفُ اُمّتي حملةُ القرآن» وقال: «حملةُ القرآن هم المخصوصون برحمة الله الملبوسون نور الله، المعلّمون كلام الله، من عاداهم فقد عادى الله، ومن والاهم فقد والى الله» وقال: «حملةُ القرآن عُرفاءُ أهل الجنّة» وقال في وصيّته لأبي ذرّ (رحمه الله): «من إجْلال الله إكرام حملة القرآن العاملين به».
ويكفي في الردّ على إساءة أهل الحديث بقرّاء القرآن: أنّ الاُمّة اتّفقت على
قبول قراءتهم وتداولها.
وقد تنبّه شيخُ الإسلام الشافعيّ الإمام تقيّ الدين السُبكيّ
(ت756هـ) إلى هذه النكتة، فقال في الردّ على من قال في (حفص القارئ): إنّه كذّاب، متروك، يضع الحديث: عندي أنّ هذا القول سَرَفٌ، فإنّ هذا الرجل إمامُ قراءة، وكيفَ يعتقدُ أنّه يُقدم على وضع الحديث والكذب؟ ويتّفقُ الناس على الأخذ بقراءته؟
(شفاء السقام في زيارة خير الأنام للسبكي ص95).
لكنّ المغالين من أهل الحديث، في حُبّ ما لفّقوه من قواعد الجرح والتعديل، لا يُبالون بما سينجرّ إليه التزامهم، حتّى لو انجرّ إلى الإساءة بأعظم نصٍّ وأقدسه وهو القرآن؟
ولو كانوا يحبّون القرآن، لأعرضوا عن تلك القواعد التي صنعوها، ولحافظوا على كرامة القرآن من أنْ يمسّها أحدٌ بسوء ولو بالإشارة، أو ببنت شَفَة.
ولم يكن نصيبُ عاصم الأسديّ بأحسن بكثير من صاحبه، فقد وجّهوا إليه تهمة سوء الحفظ! وقالوا: له أوهامٌ!!
وحاول الذهبيّ في
(سير أعلام النبلاء 5/260) الاعتذار عن ذلك، في ترجمة عاصم، فقال: ما زال في كلّ وقت يكون العالم إماماً في كلّ فنّ مقصّراً في فنون، وكذلك كان حفصٌ ثبتاً في القراءة واهياً في الحديث.
نقول: التقصيرُ في الفنّ وحتّى الوهنُ فيه أمرٌ محتملٌ لو كانوا اتّهموه بهما، واكتفوا!لكنّ حفصاً اتّهموه «بالكذب والوضع» ومن المعلوم أنّ الكذّاب والوضّاع، تُسْلَبُ الثقةُ منه؟ ولا يطمئنّ السامعُ بما يقوله وينقله بل ولا بما يفعله؟ لأنّه يحتمل في كلّ كلمة منه: الخيانة والكذب والنقل المخالف، فكيف يُوثق بمن يكذب أن ينقل كلام شيخه صحيحاً؟ وبمن يضع الحديث: أن لا يضع قراءة أو كلمة أو حرفاً، وينسبه إلى قراءة شيخه؟!
ومن كان سيّئ الحفظ، له أوهام; فما هو المؤمّنُ من أن يَهِمَ أو يخطىء في ما
ينقله من قرائته للقرآن ؟.
فإذا كانت الوثاقة والصدق والأمانة والحفظ، مطلوبةً في نقل الحديث، فهي في نقل القرآن وحكايته، أكثرُ مطلوبيّةً وأشدّ ضرورةً.
ولكنّ تلك المحاولات المسيئة تذهبُ أدراج الرياح لمّا نجدُ الاُمّة ـ جمعاء ـ قد اتّفقتْ على القرآن بهذه القراءة المنقولة عن هؤلاء القرّاء، فيكشف اتّفاقهم على قبول هؤلاء القُرّاء، عن ثقتهم وأمانتهم وضبطهم. وكرامتهم عند الله ورسوله والمؤمنين، لمّا تحمّلوا القرآن وتخصّصوا لنقله وحفظه وإبلاغه.
الشيعة يعتمدون هذا القرآن:
وإذا عرفت أنّ هؤلاء الرواة للقرآن والقرّاء الكبار هم من الشيعة، تيقّنتَ أنّ النصّ القرآنيّ المقدّس هذا المتداول في أيدي الناس، وهو الذي اتّفقت عليه الاُمّة، هو (ذلك الكتابُ لا ريبَ فيه هدىً للمتّقين).
وهذه مفخرةٌ عظيمةٌ لهم، أنّ المعجزةَ الإلهيّة الخالدة بقيتْ منقولةً مصونةً عندهم، وعلى أيديهم، وبجهودهم.
وكذلك الجهود الجبّارة التي بذلها علماءُ الشيعة في سبيل القرآن بهذا النصّ المتداول، منذ صدر الإسلام وحتّى اليوم، تدلّ بوضوح على اهتمام لا حدّ له بالحفاظ على نصّه:
فأوّل من وضع نقط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو البصري مؤسّس النحو، أو تلميذه يحيى بن يعمر العدواني البصري القارئ، وكلاهما من الشيعة.
وأوّل من صنّف في القراءات وغريب القرآن ومعاني القرآن: أبان بن تغلب. الشيعيّ.
وصنّف في مجاز القرآن: يحيى بن زياد الفرّاء (المتوفّى 207هـ) والشريف الرضيّ (المتوفّى 406هـ) من أعلام الشيعة.
وصنّف في أحكام القرآن: محمّد بن السائب الكلبيّ المفسّر (المتوفّى 146هـ).
وأمّا القرّاء والمؤلّفون في علوم القرآن من الشيعة، فكثيرون
(راجع عنهم تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام للسّيد حسن الصدر، والجزء الأوّل من أعيان الشيعة للسّيد الأمين العاملي)
فنجد أعمال هؤلاء كلّهم إنّما هي تدور على النصّ الموجود من القرآن الكريم، ممّا يدلّ على إجماع عمليٍّ على أنّه هو المقطوع به، لا غيره.
وكذلك لو راجعتَ كتب الفقه عند الشيعة، لتجدنّهم إنّما يستدلّون بالآيات القرآنيّة كما هي مثبتةٌ في القرآن الكريم المتداول، ولم يستدلّوا بما ليس فيه أبداً ولا يحتجّون بغير ما فيه بعنوان القرآنيّة، إطلاقاً، وهذا واضحٌ بالعيان.
وكذلك بقيّةُ علمائهم، في اللغة، والكلام، والنحو.
وأمّا المفسّرون منهم، فهاهي كتبُ التفسير عند الشيعة كسائر المسلمين إنّما تُعَنْوِنُ الآيات الموجودة في القرآن المتداول، لا غيرها، ثمّ تُفسّرها حتّى تلك التي ألّفها أهل الحديث الجامعون لكلّ ما روي ونُقِلَ ممّا فيه ذكرٌ لكلمات تُوهمُ تغييراً في النصّ القرآنيّ، فإنّما أوردوها في ذيل الآية كما هو في القرآن، بعنوان التفسير أو التأويل، ووضعوا النصّ المُفَسَّرَ هو النصّ الموجود في المصحف، لا غير.
وكذلك نُسَخُ القرآن الكريم التي كتبها خطّاطون من الشيعة، تجدُها كلّها موافقةً للمصحف الموجود، بلا أدنى تفاوت، وهذه النُسَخُ يصلُ تاريخُها إلى القرن الأوّل والثاني، وفيها نسخٌ منسوبةٌ إلى الأئمّة أنفسهم (عليهم السلام).
وإذا علمنا أنّ هذه الجهود مستمرّةٌ متواصلةٌ من القرن الأوّل وحتّى القرن الحاضر، ووجدنا اتّفاقها على نصٍّ موحّد هو المصحف الموجود، علمنا بيقين عدمَ صحّة احتمال خلاف ذلك، وعلمنا ببطلان نسبة نصٍّ آخر إلى أيّ أحد، وضلّت مساعي دعاة السوء والتفرقة، وعلم المسلمُ أنّ مَنْ يُثيرُ التهمة وينسبها إلى
الشيعة أو أهل السنّة: إنّما هو معاد للقرآن مسيئٌ إليه، قبل أنْ نعدّه كاذباً على طائفة كبيرة من المسلمين، أثبتوا أنّهم أنصارُ القرآن والمجاهدون في سبيله علماً وعملا.
الفصل الثاني
الصحابة والقرآن
لم يقتصر تجاوز أهل الحديث على جانب واحد، ممّا يرتبط بالقرآن، وقد عرفنا كيف أنّ التزاماتهم المتشدّدة بالحديث، كانت على حساب القرآن، وفي هذا الفصل سنقف على أنّ تصرّفاتهم أدّتْ إلى الإساءة إلى كرامة الصحابة حملة القرآن أيضاً، بالإضافة إلى ما يمسّ القرآن ذاته!حيث نسبوا إليهم ما يفهم منه أنّ الصحابة اتلفوا في نصّ القرآن، ولهذا تعدّدت مصاحفهم، ولنفس السبب أحرق عثمان سائر المصاحف عير المتّفق عليه؟.
ولكنّ هذا كله باطلٌ لما نبيّنه في هذا الفصل.
الصحابة حملةُ القرآن:
لا شكّ أنّ المؤمنين الذين كانوا مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي خدمته، لهم شرفٌ عظيمٌ بتلك الصحبة المباركة، حيث كانوا يرتبطون بمعين القدس والوحي ويعيشون في أجوائه الطاهرة الشريفة، وكانوا يتسابقون إلى خدمته، وامتثال أوامره وتنفيذ مراداته، وكانوا يتفانون في حبّه، ويكرمون شخصه ومقامه ومقاله، فهم أسعدُ الناس في الوجود بلقائه والتزوّد من نور وجهه، ومن كلامه، ولقد كانوا يعظّمونه ويقدّسونه بشكل أعجب الناس، وكانوا حريصين كلّ الحرص على الائتمام به واتّباع أوامره ونواهيه، ومن أهمّ ما كان هو (صلى الله عليه وآله وسلم) يحثّهم عليه ويؤكّده عليهم، هو حفظُ القرآن وضبطُ آياته، عندما كانت تنزلُ وحياً من الله تعالى، فقد عيّنَ بينهم كُتّاباً للوحي عديدين بلغوا «أربعين كاتباً» فكانوا رضي الله عنهم أوعية الوحي الاُمناء، وحفظته الأقوياء، ورعاته الأوفياء، ودعاته الأصفياء، لا يكلّون عن العمل به، ولا يتهاونون في حفظه، وعلى أيديهم كان بناءُ القرآن،
وعلى عواتقهم صار حمله وضبطه، وبجهودهم ثبتَ نصُّه في المصحف، وانتشرَ وتواتَرَ، حتّى وصلَ إلينا والحمدُ لله على نعمه، فجزاهم الله عن القرآن، والرسول، والمسلمين، خير الجزاء.
لكنّ أصحابَ الحديث، المدّعون لحبّ الصحابة، والدفاع عنهم، ورّطوا الصحابةَ في مأزق الاتّهام بالتلاعُب بالقرآن، وذلك بما رووهُ عنهم من خُزَعْبلات وتوافِه تُشَمُّ منها رائحةُ التغيير في نصّه.
ونحنُ إذْ نستنكرُ مثل هذا العمل، ونُنزّه الصحابة الكرام من مثل هذا الاتّهام، ولا نصدّق بأيّ خبر يُروى فيه مثلُ ذلك، حتّى لو صحّحوا له ألف إسناد! بل كلّما زادتْ أسانيدُ هذه الخرافات صحّةً، ازدادتْ ضعفاً وخوراً، لأنّها مهما بلغتْ لم تبلغْ مرتبة العلم الذي هو ضروريّ لإثبات القرآنيّة، كما أسلفنا، وهذه وأمثالها لا تخرجُ عن الظنّ، مع أنّ أسانيدها ساقطةٌ بالمرّة، كما سيتّضح.
مصاحف الصحابة:
أنْ يملكَ كلُّ صحابيٍّ مصحفاً، هذا أمرٌ طبيعيٌّ، بل الصحابيُّ أولى من غيره أنْ يملك المصحف الذي شاهدَ نزول آياته وعايش أحداثها، وعرف أسبابها، فلا نستبعدُ لو سمعنا بمصاحف لجمع من الصحابة، لكنّ الذي يوجبُ العجب والأسَفَ أنّ أهل الحديث نسبوا إلى بعض الصحابة مصاحفَ تخالفُ النصّ الموجود، يزعمون صحّتها، ويُصرّون على أنّ ما فيها من الكلام المنقول هو «قرآنٌ»!
وهذا أمرٌ مخالفٌ للضرورة، ولإجماع الاُمّة على الالتزام بتماميّة هذا نصّ القرآن المتداول ، ورفض ما سواه، مهما كان منقولا عن صحابيٍّ أو غيره؟
وقد ذكر السجستاني في كتاب (المصاحف
ص60 ـ 98) في باب اختلاف مصاحف الصحابة اسم (10) مصاحف للصحابة ، وفي ما يليه
(ص98 ـ 101) اسم (10) مصاحف للتابعين.
لكنّ المهمّ أنْ نتأمّل في بعض هذه المرويّات، لنجدَ ما هو واضحٌ من كونها مخالفةً للحقّ الذي يجب أنْ يتّبع.
مصحف اُبيّ بن كعب:
وهو من كبار القرّاء من الصحابة، حتّى رووا أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن! فقرأ (لم يكن الذين كفروا ...) فقرأ فيها: «ولو أنّ ابنَ آدم سألَ وادياً ...».
(رواه السيوطي في الدرّ المنثور 6/378).
والزيادة مرويّةٌ عن آخرين من الصحابة، إلاّ أنّ المهمّ أمْرُ الربّ رسولَه بالقراءة على اُبَيّ؟!
(صحيح البخاري 6/90 وصحيح مسلم 2/195 ).
فإلى مثل هذا نسبوا الخلاف مع المصحف، ورووا أنّه كانَ في مصحفه زيادة
«وهو أبٌ لهم» في آية: (النبيُّ أولى بالمؤمنينَ من أنفسِهِم) وأنّ غُلاماً كان يقرؤها فمرّ به عمرُ فقال له: «حُكّها» فقال الغلامُ: لا أحُكّها، وهي في مصحف اُبيّ، فانطلق إليه، فقال له اُبيّ: «إنّي شَغَلَني القرآنُ وشَغَلَكَ الصفقُ بالأسواق».
(رواه عبدالرزّاق في المصنّف 10/181، والسيوطي في الدرّ المنثور 5/183 عنه وعن سعيد بن منصور وابن راهويه وابن المنذر والبيهقي وغيرهم).
فلم يكتف الراوي بزيادة الكلمة وكونها في المصحف موحياً أنّها قرآنٌ، ولم يفصّل أنّها كتبتْ في صُلْب المصحف أو في الهامش، وكتبتْ بخطّ المصحف أو بخطّ آخر، فإنّه يتصوّرُ أنْ يكون تفسيراً أو توضيحاً، بل ذكر قصّة فيها تجاوُزُ الغلام على عمر، وتعدّي اُبَيّ على عمر، لماذا كلّ هذا؟ ولماذا يتدخّلُ الخليفة في مثل هذا، وعشراتٌ من أمثاله مطروحٌ ومفروضٌ، ومسكوتٌ عنه؟
وإنْ كانت عقيدةُ التحريف بالزيادة في القرآن ولو بحرف واحد أو كلمة واحدة، موجبةً للكفر والخروج عن الإسلام؟ فما هو الحكم على أُبيّ بن كعب ؟ الذي أضاف جملة «وهو أبٌ لهم» ذات الكلمات الكثيرة؟
ثمّ لماذا بقيتْ هذه الروايةُ وأمثالُها تُتداول وتُسجّل وتُنقلُ وتدخلُ في
المؤلّفات التي جمعها المحدّثون والحفّاظ والفقهاء إلى يومنا هذا؟
إنّ الإجابة على هذه الأسئلة، واُخرى مثلها تتّضحُ بكلمة واحدة، هي أساسُ المشكلة كلّها، وهي حبّ أهل الحديث التكثّر من منقولاتهم ومسموعاتهم ومرويّاتهم، واعتزازهم بها، حتّى في مواجهة أكثر الاُمور وضوحاً وضرورةً، بل وأعظمها قدسيّة وخطورةً وهو القرآنُ الكريم، وتماميّته.
إنّ القرآن العظيم، الذي بنيتْ عمارتُه على أساس محكم بوضع كلّ حرف في موضعه المناسب، وكلّ نقطة على حرفها اللائق، وكلّ كلمة في مكانها المتناسق، المؤدّي إلى وحدة النغم والنسق والجَرَس، وهي المعجزة الخارقة في الفصاحة والبلاغة والبيان، إنّ هذا القرآنَ البالغَ إلى هذه القمّة، لا يمكنُ أنْ يتزحزحَ عن موقعه برواية أو عشرة، تحتوي على ما يغيّر ذلك.
إنّ طبيعة النَفَس القرآنيّ، تستبعد كلّ هذه الأخبار، وترفضها.
أضفْ إلى ذلك الإجماع العظيم والتواتُر العميق في القرون، والتحدّي الصارخ لكلّ آية آية، وسورة سورة، بل وكلّ كلمة وحرف في موقعها الثابت في هذا المصحف المتداول، فهو الدليلُ القاطعُ على بطلان أمثال هذه الروايات الآحاد، المليئة بالمناقضات والمهزوزة أمام التساؤلات.
مصحف عبد الله بن مسعود :
وما نُسِبَ إلى مصحف ابن مسعود أدهى وأمَرّ، فإنّ الرجل، بالرغم من دخوله مع الحكّام ووقوفه إلى صفّ عمر في طول خلافته، وسيره وراءه، وفي ظلّه، وإفتائه برأيه وحكمه، إلاّ أنّه لم يَجد عند عثمان ذلك المقامَ المقرّب، فنفرَ منه، ولم تكنْ له قدرةٌ عليه إلاّ أنّه اتّخذَ من مسألة جمع عثمان للقرآن ذريعةً لإنفاذ ضغائنه، فكثرتْ مخالفاتُه المرويّة للمصحف المتّفق عليه، وكان يطعنُ في زيد الذي عيّنته السلطةُ لاستنساخ المصحف!
ولو كانَ يتّقي الله لكفّ عن كلامه في القرآن، كرامةً للقرآن.
فامتلأتْ الصحفُ والكتبُ والمؤلّفاتُ بنقولات عن ابن مسعود تخالفُ القراءة المعمول بها.
حتّى نُسِبَ إليه ما نُسِبَ إلى الخوارج من زعمه وجود الزيادة في القرآن، وحذفه «المعوّذتين» من مصحفه، وادّعائه أنّهما «حِرْزان» عوّذ بها الرسول سبطيه، وليسا قرآناً!
وسيأتي حديثنا عن هذا.
وهكذا حمّل المغرضون ابنَ مسعود أغراضهم المسيئة إلى كتاب الله، ونسبوا إليه أحاديث فظيعةً، نشيرُ إلى بعضها:
ففي عنوان (مصحف عبدالله بن مسعود) أورد السجستاني ما أسند إليه أنّه قرأ: إنَّ الله لا يَظلم مثقالَ نَمْلة !
، وقد وردتْ في القرآن كلمة مثقال (8) مرّات اُضيفتْ إلى كلمة (حبّة) في موردين، وإلى كلمة (ذَرّة) في ستّة موارد، ولا أظنّ أنّ المطّلع على آيات القرآن يشكُّ في جهل راوي هذا الخبر، فإنّ الموارد كلّها تدلّ على أنّ كلمة (مثقال) وهو وزنٌ معيّنٌ لابدّ أن يضاف إلى جنس موزون، وما شأن النملةُ أنْ توزنَ في وقت من الأوقات؟
ولو بلغتْ سخافةُ الرواية وراويها إلى هذا الحدّ، مع مساسها بكرامة القرآن وعظمته وبلاغته، فإنّ المسلم يَرْبَؤُ بنفسه أنْ يصدّقَ بها ، ولكنّهم أهلُ الحديث والسنّة المعتزّون بكلّ ما سمعوه من حضرات المشايخ، وبالأسانيد العالية، التي لا يمكن رفضها! وإلاّ أصبحتم: روافض!.
وأهل الحديث هؤلاء لا يتجاوزون الروايات، ولا يخالفونها حتّى لو كانتْ هي مخالفةً للكتاب الكريم!!.
ولقد كان عبدالله بن مسعود يحتلُّ موقعاً مهمّاً في القراءة حتّى أنّ قراءته بقيتْ متداولةً إلى زمن أبي حنيفة، وكان فقهاءُ الحنفيّة يستدلّون بما في مصحفه،
باعتبار أنّه «قرآنٌ» بحجّة «نسخ التلاوة» الذي سنأتي عليه.
(فلاحظ اُصول السرخسي 2/80).
وقد استدلّوا في فقههم بمصحفه ومصحف اُبَىّ كثيراً، فاستدلّوا بأنّ القنوتَ بمعنى القراءة، لأنّه مكتوبٌ في مصحف اُبَيّ وابن مسعود في سورتين.
(المبسوط للسرخسي 1/165).
وقالوا: في مسألة تتابع قضاء شهر رمضان: ونحن أثبتنا التتابع بقراءة ابن مسعود فإنّها كانت مشهورةً إلى زمن أبي حنيفة، حتّى كان سليمان الأعمش يقرأ ختماً على حرف ابن مسعود وختماً من مصحف عثمان
(المبسوط 3/75 و 7/4 و 8/144).
واستدلّوا بقراءته في النفقة على الزوجة في العدّة
(المبسوط 5/202) وانظر
(المبسوط 5/223 و
6/14).
وقال في
(7/20): وقراءته لا تتخلّف عن سماعة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولاحظ
(9/166) وقيّد بقراءته، ما في المصحف المشهور في
(9/167).
وقد بقي مصحف ابن مسعود قروناً بعيدة، فقد كان موجوداً في بغداد عام (398) كما في
(المنتظم لابن الجوزي/الجزء السابع) ولأخبار مصحف ابن مسعود أبعادٌ اُخرى سنذكرها في الفصل القادم.
مصحف عائشة:
ولقد عنون السجستاني لهذا المصحف، وروى عن مولىً لها أنّها أمرتْهُ أنْ يكتبَ لها مصحفاً، وأنّها أمرتْه إذا بلغَ آية: (حافظوا على الصلوات ..) أن يُؤْذِنَها، فلمّا بلغَ آذنَها، فأملتْ عليه: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر».
ثمّ روى أنّهم وجدوا ذلك في مصحفها، ونسبوا مثل ذلك إلى اُمّ سلمة
(المصاحف للسجستاني ص98).
ورووا عن مصحف عائشة أيضاً: أنّ فيه إضافةً على آية الصلاة على النبيّ، قولها:
«وعلى الذين يصلّون الصفوف الاُولى».
(الإتقان للسيوطي 3/73).
ومع انفراد عائشة بهذه الزيادات ، وعدم وضوح دور لها في كتابة القرآن في عصر النبوّة ولا بعده، وإنّما أوكلتْ الأمر َإلى ناسخه وهو غلامها، فإنّ مخالفة ما جاءتْ به للنصّ المتواتر تكفي لردّهاوردّ ما جاءت به !.
ولكنّ الشأن في نسبة مصحف إليها لمجرّد هذه الزيادة؟ هل هو من أجل إثبات اسمها في مثل هذا المعترك المهمّ، كما تدخّلت بنفسها في معارك الحروب الداخليّة بين المسلمين؟ أم للتسوية بينها وبين ضرّتها حفصة التي كان لها مصحفٌ، ولا يبعد هذا، لأنّ القصّة المثبتة في مصحفها تتفّق مع قصّة مصحف حفصة تماماً في أنّها أمرتْ إنساناً أنْ يكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغتَ تلك الآية فآذني، فقالتْ: اكتبوا: «وصلاة العصر»
. (المصاحف للسجستاني ص95 ـ 97).
والعجب أن تكون مصاحف أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّها متوافقةً في شكل الرواية وقصّتها، وموضع الزيادة ولفظها!
أفلا يرتابُ الناظرُ في هذا؟ لكنْ مثلُ هذا لا يهمُّ أصحاب الحديث وأهل السنّة، لأنّ القصص قد بلغتهم هكذا بالأسانيد الكثيرة!فيجبُ قبولها!!.
ولايبعدأنْ تكون هذه المصاحفُ كلّها افتُعِلَتْ ليقابل بها (مصحف فاطمة(عليها السلام))؟
فكيف يكون لابنة الرسول مصحفٌ، ولا يكون لأزواج النبيّ مصاحف ؟ ظنّاً من اُولئك الواضعين لمصاحفهنّ أنّ لفاطمة (عليها السلام)مصحفاً يعني قرآناً خاصّاً! فافتعلوا لهنّ ما يُرضيهنّ، ويُساوي بينهنّ.
بينما مصحف فاطمة (عليها السلام) لم يحتو على شيء من القرآن، وإنّما محتواهُ اُمورٌ أُخرى.
(الكافي للكليني 1/187) وتسميته بالمصحف تسميةٌ لغويةٌ بحتةٌ، فكلّ مجموعة وَرَقيّة تقعُ بين دفّتين تُسمّى «مصحفاً».
(لاحظ الإتقان 1/58).
ولعائشة أحاديث اُخرى في ما يرتبط بالقرآن.
منها: قولها: نزلتْ آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلمّا مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتشاغلنا بموته، دخل داجنٌ فأكلها.
(رواه ابن ماجه في سننه).
فمع أنّ حديث «آية الرجم» يوحي ما كانت عليه عائشة من مسايرة عمر في التزاماته، وسيأتي أنّ آية الرجم من أهمّ ما نسب إلى مصحفه، فإنّ انفرادها بحديث الصحيفة المأكولة، وغموض تاريخ هذه الصحيفة وكاتبها، كافيان للريب فيها، ولو كانت قرآناً معترفاً به لكانت ممّا لا ريبَ فيه، ولم تنحصر نسختها بهذه التي أكلت !
مصحف عمر بن الخطّاب:
لقد عنون السجستاني لهذا المصحف، ولكنّه أورد تحته روايات مضمونها أنّ عُمَرَ قرأ آيات على خلاف المصحف المعروف، وليس في واحد منها أنّ ما ذكر واردٌ في ما يُسمّى «مصحفاً» لعمر!
ومع كثرة ما روي عن عمر في دعاويه حول الآيات المفتعلة، فلم ينسبْ فيها لنفسه مصحفاً، وهي:
رواية الرجم.
(رواها البخاري ومسلم وأحمد). ووافقته عائشة في هذا الحديث كما سبق .
ورواية «لا ترغبوا».
(رواها البخاري ومسلم).
ورواية الجهاد.
(رواها السيوطي في الاتقان 3/84 والدرّ المنثور 1/106).
ورواية الفراش.
(رواها السيوطي في الدرّ المنثور 1/106). وقد زعم عمر فيها أنّها كانت في المصحف تتلى، لكنّه لم يجدها!
وبينما يعترفُ في حديث الرجم، أنّ إضافته لها على المصحف يسمّى زيادة عند الناس، ويؤكّد: «والذي نفسي بيده لولا أنْ يقول الناسُ: زاد عمر بن الخطاب
في كتاب الله لكتبتُها».
(فتح الباري شرح البخاري 13/127).
ولو كان عنده مصحفٌ خاصٌ، وكان جازماً بقرآنيّة ما ذكر، لأضافها عليه من دون تحرّج، ولا تخوّف من قول الناس! كما نُسِبَ إلى غيره من الصحابة في مصاحفهم، لكنّه لم يفعلْ، لأنّه لم يكن عنده مصحفٌ خاصٌّ.
وأمّا ما كان عند حفصة، فقد صرّحوا بأنّه الصحف التي أمر أبو بكر بكتابتها، فكانتْ عند أبي بكر حياته حتّى مات، ثمّ عند عمر حتّى مات، ثمّ عند حفصة فأرسل إليها عثمانُ فأبتْ أنْ تدفعها إليه، حتّى عاهدها ليردّنها إليها، فبعثتْ بها إليه، فنسخها عثمانُ في هذه المصاحف، ثمّ ردّها إليها، فلم تزلْ عندها حتّى أرسل مروان فأخذها، فأحرقها.
(المصاحف للسجستاني ص15 ـ 16).
نعم، ذكروا أنّ عمر أوّل من جمع القرآن في المصحف.
(المصاحف للسجستاني ص16 ـ 18) لكن ليس لهذا المصحف ذكرٌ ولا أثرٌ بعد ما زُعِمَ من جمعه، وإنْ سجّلوا له هذه الفضيلة!
وحتّى لو لم يكن عمر صاحب مصحف، فإنّ الغلاةَ من أهل السنّة، لم ينقصوا من كيل فضائله شيئاً حتّى على حساب القرآن الكريم، فقد رتّبوا له ما هو أهم من مصحف يُجمع على يديه، ألا وهو:
موافقات عمر:
إنّ من غلوّ أهل الحديث في الالتزام بكلّ واردة منه وانصياعهم لما يوافق هواهم في الأشخاص، ولو على حساب العقيدة ومصادرها، هو هذه القضيّة، فلو تأمّل المسلمُ ـ حقّ التأمّل ـ في ما يترتّب عليها لاستنكرها، وابتعد عن راويها، وعرف أنّ أهل الحديث يتجرّدون عن كلّ فهم، ودرك، ولا يُقيمون للقرآن ولا للرسول، ما يستحقّان من الكرامة، بمنهجهم الخاطىء في الالتزام بكلّ ما هبّ ودبّ ووردَ من الأحاديث المخالفة حتّى للكتاب والسنّة.
فقصّة موافقات عمر: أصلها أنّ القومَ بلغتْهم الروايات تقولُ أنّ عمر كانَ
يسبق القرآنَ في مواقع، فيقولُ شيئاً أو يحكم حكماً، فينزلُ الوحيُ القرآنيُ «موافقاً» لكلامه ورأيه.
فرووا عنه ـ نفسه ـ قوله: وافقتُ ربّي في ثلاث: مقام إبراهيم، والحجاب، واُسارى بدر.
(رواه مسلم).
لكنّ ابن حجر يقول: والمعنى وافقني ربّي، فأنزل القرآن على وِفْق ما رأيتُ، ولكن لرعاية الأدب أسندَ الموافقة إلى نفسه.
(فتح الباري/ج7).
وإذا كان عمر يتأدّب للربّ والقرآن، فلماذا يتجاوز شيخ الإسلام ابن حجر هذا الأدب؟ إنّه الغلوّ في حبّ عمر!
ومن الموافقات تلك: حكُم ترك الصلاة على المنافقين، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى على منافق، وعمر نهاه عن ذلك (!) فنزلَ قولُه تعالى: (ولا تصلّ على أحد منهم ماتَ أبداً)(1) موافقاًلعمر، ومخالفاً لعمل الرسول!!
بينما الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ليعلم ما يُوحى إليه قبل نزول الوحي عليه، وقال الله تعالى مخاطباً إيّاهُ: (ما كنتَ تدري ما الكتاب) و(ولا تعجلْ بالقرآن من قبل أنْ يُقضى إليك وحيه).
ولكنّهم رووا في عمر: عن علي (عليه السلام)، قال: ما كُنّا نُبعدُ أنْ تكون السكينةُ تنطقُ بلسان عمر!
(الترمذي).
قال ابن العربي: الحقُّ دائرٌ على لسان الصحابة، وخصوصاً العشرة، بيدَ أنّ
ــــــــــــــــــــــ
(1) ولقد اهتمّ العامّة بهذه الموافقات حتّى تعدّدت فيها المؤلّفات، منها:
1 ـ الدرّ المستطاب في موافقات سيّدنا عمر بن الخطّاب، للعمادي. ذكر في (الفهرس الشامل «علوم القرآن» 2/762).
2 ـ نظم الدرر في موافقات سيدنا عمر، لمحمّد رضيّ الدين الغزّي الدمشقي صاحب تفسير «الجامع المقتضب النافع» المنظوم في (120) ألف بيت.
3 ـ منظومة للسيوطي في موافقات عمر للقرآن.
4 ـ شرح منظومة السيوطي، لمحمّد علاّن المكّي الصديقي اُنظر (مشيخة أبي المواهب الحنبلي ص84 وخلاصة الأثر للمحبّي 4//184).
عمر خُصَّ به لما كان فيه من جزالة القول، وإصابة الرأي، وترك المراعاة في ذلك.
(عارضة الأحوذي 13/143).وحتّى رووا فيه مرفوعاً: إنّ اللهَ جعلَ الحقَّ على لسان عمر وقلبه.
(ابن سعد في الطبقات وأبو داود وابن ماجة) وأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: إيه، يابن الخطّاب، ما لقيكَ الشيطانُ سالكاً فجّاً ـ قطُّ ـ إلاّ سلكَ فجّاً غير فجّك.
(البخاري ومسلم وأحمد) و: إنّ الشيطانَ ليخافُ منك ياعمر.
(الترمذي)!!!
بينما يروون أنّ قوله تعالى: (ألقى الشيطانُ في اُمنيته) نزلت في الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
إنّ مثل هذه الروايات التي تنافي كرامة القرآن، والشريعة، وكرامة الرسول والرسالة، وفيها الغلوّ الواضح ; لابدّ أنْ تطرح ويُضرب بها عرض الجدار، لأنّها تخالف الوجدان والعلم والواقع.
لكنّ أهل الحديث يؤمنون بها لأنّهم تلقّوها من المشايخ، وإنْ أطبقت على خلافه عقول أهل الإيمان .
فكيف يتصوّر مؤمنٌ أن يكون لعمر من المنزلة، ما ليس للرسول ا!
ولكن لو شككتَ في هذا، أو تساءلتَ عنه: فأنت رافضيٌّ خبيث.!!
ولو أنّ الشيعة، نقلوا مثل هذا لأهل البيت، لكانوا غلاةً كفرة!!.
وهذا واحدٌ من تجاوزات أهل الحديث على كرامة القرآن، لحساب الحديث الوارد عندهم.
هذه قصّة بعض المصاحف المنسوبة إلى الصحابة، وقد شاهدنا ارتباك أحاديثها واضطراب متونها ومحتواها، ولم ندخل في بحث الأسانيد لأنّ الحديث عنها ذو شجون، عندما نجد الاختلافات الواسعة في الجرح والتعديل عند أهلهما، ومع أنّ تركيب إسناد يتألّف من رواة جيّدين، وتلفيق أسمائهم أمرٌ هيّنٌ على مَنْ يتّبع هواه، ويريدُ أنْ يفرض مشتهاه على أهل الحديث الذين تستهويهم هذه الصنعةُ وهذه البضاعةُ.
مصحف علي (عليه السلام):
لكنْ، لماذا نسبَ هؤلاء اسم «المصحف» إلى الصحابة ؟ من المحتمل أنْ يكون ليواجهوا به «مصحف عليٍّ (عليه السلام)» فما هو حديثه؟
كان علي (عليه السلام) من كتّاب الوحي منذ أوّل نزوله وقال (عليه السلام): ما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلاّ أقرأنيها وأملاها عليّ فكتبتُها بخطّي، وعلّمني تأويلها... فما نسيتُ آيةً من كتاب الله عزّوجلّ، ولا علماً أملاه عليّ فكتبتُه.
(إكمال الدين للصدوق 1/207).
قال المعتزلي: اتّفق الكلُّ على أنّه كان يحفظ القرآنَ على عهد رسول الله ولم يكن غيره يحفظه، ثمّ هو أوّل من جمعه.
(شرح نهج البلاغة 1/27).
واتفقت المصادر على جمعه للقرآن، وأنّه بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أقسم أنْ لا يضع على ظهره رداءه (كناية عن عدم خروجه من منزله) حتّى يجمع القرآن.
(الفهرست للنديم ص30) وقد تضافرت المصادر على أنّه أوّل مصحف جمع في الإسلام
(فانظر مصنّف ابن أبي شيبة (1/545) وطبقات ابن سعد (2/338) وابن كثير (1/28).).
فظهر أنْ جمعه (عليه السلام) للقرآن بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بمعنى حفظ القرآن، كما أوّله السجستاني في
(المصاحف ص16) لأنّ المفروض أنّ عليّاً(عليه السلام) كان حافظاً للقرآن منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما المراد هو جمعه في دفّتي كتاب، كما صرّح (عليه السلام)بذلك في قوله: ولقد جئتُهم بالكتاب مشتملا على التنزيل والتأويل
(نهج البلاغة) وأشار العلماء إلى عظمة هذا الكتاب: فعن ابن جزّي قوله: لو وجد مصحفُ عليٍّ(عليه السلام) لكان فيه علمٌ كثيرٌ.
(التسهيل لعلوم التنزيل 1/4) وعن ابن سيرين: لو اُصيبَ ذلك الكتابُ لكان فيه العلمُ.
(تاريخ الخلفاء للسيوطي ص185)
ومما ينبغي الإعلان عنه أنّه :لمّا عنون السجستاني في
(المصاحف ص63) لاختلاف المصاخف وذكر مصحف عليّ (عليه السلام) لم يذكر فيه إلاّ رواية واحدة فيها «وآمنَ المؤمنون» بدلَ (والمؤمنون) آخر سورة البقرة، ولم يذكر أيّ اختلاف آخر
إطلاقاً، فلا تجد أحداً يقول : «كذا في قراءة عليّ» ، «كذا في مصحف عليّ» مشيراً إلى اختلاف !!؟
ولم يجرؤ أهل الحديث على نسبة شيء من الإضافات والبواطيل إلى مصحف عليٍّ (عليه السلام) لما هو معلومٌ من تصدّي أهل البيت(عليهم السلام)لذلك .
قيل للحسين بن عليّ(عليه السلام) إنّ فلاناً زادَ في القرآن ونقصَ منه! فقال (عليه السلام): أؤمنُ بما نقصَ وأكفرُ بما زادَ.
ومن الواضح أنّ المطروح إنّما هو على وجه الاستنكار لما زُعم من التصرّف في القرآن المتداول والمذكور بلام العهد، فجواب الإمام (عليه السلام) ناظرٌ إلى الموجود، بأنّ نصّه لا يمسّه أحدٌ، فلو نقص أحدٌ منه فالمحذوف محفوظٌ نؤمنُ به حتّى لو لم يكتبه الكاتبُ في نسخته، ولو زاد فزيادُته مرفوضةٌ مردودةٌ حتّى لو كتبها الكاتب في نسخته !.
وروى سالم بن سلمة قال : قرأ رجلٌ على أبي عبد الله (عليه السلام) - وأنا أسمع - حروفاً من القرآن، ليس على ما يقرؤها الناسُ! فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كُفَّ عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأُ الناسُ. (الكافي للكليني 2/462 ح 23) وقال (عليه السلام) اقرؤوا كما عُلّمتم (الكافي للكليني 2/461 ح 15).
وقراءة الحسن والحسين (عليهما السلام)لاتعدو مصحف أبيهما(عليه السلام) وهو المتداول برواية حفص عن عاصم (لاحظ مشكل الآثار للطحاوي 1/14 كما سبق) وكذا سائر أهل البيت (عليهم السلام) ويتبعهم سائر المسلمين و شيعتهم المؤمنون في طليعتهم، والحمد لله ربّ العالمين.
ومن هنا فإنّا نطمئنّ بأنّ ما جمعه الإمام (عليه السلام) بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي كان على ترتيب نزول الآيات ومحتوياً على التنزيل والتأويل ، إنّما كان كتاباً آحر غير المصحف الذي هو خصوص الآيات الموجودة على هذا الترتيب المتواتر المتداول بين المسلمين منذُ عصر الرسول الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم)وحتّى اليوم، والذي هو
بقراءة حفص عن عاصم عن أبي عبدالرحمن السلميّ عن عليّ (عليه السلام)، بلا اختلاف أبداً، والحمد لله ربّ العالمين .
ومن هُنا نعلم أنّ ما في المنقولات عن مصحف عليٍّ (عليه السلام) عند الشيعة، إنّما هو منقولٌ عن كتاب عليّ(عليه السلام)الحاوي للتفسير والتأويل مع الآيات، وأمّا النصّ القرآنيّ والتنزيل، فهو ما نجده في هذا المصحف الموجود المتواتر عنه (عليه السلام) والمتلوّ للمسلمين كافّة.
وأمّا المصاحف المنسوبة إلى الصحابة واختلافاتها:
فقد عرفتَ بطلان ما احتوته الروايات الآحاد من نسبة ما فيها وتسميتها بالآيات، وإن اعتبر أهلُ الحديث أصحاب التكثّر ذلك باسم العلم والسنّة.
ولابدّ من التذكير بأنّا لم نجد في المصادر ذكر مصحف خاصّ لعثمان، فلم يذكره السجستاني ولا غيره، مع أنّهم ذكروا بتفصيل قضيّة جمعه للمصاحف وتوحيدها، وحرقه ما سوى الذي اختاره! وهو الذي كتبه الكتّاب له .
لكن علمتَ أنّ القرآن الموجود عند المسلمين إنّما هو قرآن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) برواية أبي عبدالرحمن السلمي الذي لم يسمع من عثمان شيئاً كما صرّح الأعلامُ في ترجمته.
وأمّا نسبة المصاحف المطبوعة إلى عثمان، وتسميتها بالمصاحف العُثمانيّة، أو بالرسم العثماني:
فإنّما هي نسبةٌ إلى الخطّاط التركيّ حافظ عُثمان، الذي تخصّص لكتابة المصاحف، واتّفق رجال الدولة العُثمانيةّ التركيّة على قبول رسمه.
كما اشتهرتْ في السنوات الأخيرة النسخة التي كتبها الخطّاط السوريّ طه عثمان.
الفصل الثالث
ميّزات النصّ القرآنيّ
بلاغة القرآن:
لا شكّ أنّ النصّ القرآني يمتاز بميّزات عن الكلام الملفوظ والمسموع والمقروء، وأنّ له بلاغةً، خضعَ لها أفصحُ الناس وأبلغهم، وقد تحدّاهم، فلم يمكنهم معارضتُه والإتيان بمثله، وصعبَ عليهم ذلك، حتّى التجأوا إلى اقتحام غمار الحروب والمواجهات المسلّحة، وسفك دماءهم، ولو أمكنهم دفعه بمجرّد الإتيان بمثله لم يركبوا الأهوال، ولم يقدّموا للصدّ عنه الضحايا والأموال.
ولا ريبَ أنّ إعجاز القرآن، غير متصوّر بمثل تلك الجمل والمقاطع والكلام الذي جاءتْ به الأحاديثُ التي يتناقلها أهل الحديث، ويزعمونها آيات! بلْ على العكس، فإنّ تلك المرويّات ليستْ إلاّ عبارات هزيلةً ركيكةً، فاقدة لأيّة جماليّة، وعلى مستوىً أقلّ من الكلام المتعارف المستعمل لدى العوام، فضلا عن كلام الخواصّ.
فاقرأ أيّة قطعة من «الآيات المكذوبة» التي يتناقلها أهل الحديث، ويُصرّون على قرآنيّتها، لتجدَ بنفسك هذا الأمر.
مثلا: سورة البيّنة (98) ذات الآيات الثمان ، جاءت منقولةً عن مصحف اُبَيّ بن كعب بزيادة آيتين، متميّزتين عن الثمان بما ذكرنا، فهي حسب الرواية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَـبِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ .1.ƒ.
رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفًا مُّطَهَّرَةً .2.ƒ.
فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ .3.ƒ.
وَ مَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ .4.ƒ.
[* إنّ الدين عند الله الحنيفية، غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره *]
وَ مَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَ يُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَ يُؤْتُواْ الزَّكَوةَ وَ ذَ لِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ .5.ƒ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَـبِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَــلِدِينَ فِيهَآ أُوْلَــِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ .6.ƒ.
[* لو أنّ لابن آدم واديين من مال لسأل وادياً ثالثاً، ولا يملؤ جوف ابن آدم إلاّ التراب *]
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّــلِحَـتِ أُوْلَــِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .7.ƒ.
جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـتُ عَدْن تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَـرُ خَــلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُواْ عَنْهُ ذَ لِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ .8.ƒ.
فليقارن قارئُ العربيّة بين الآيات الثمان ، وبين الجمل المنقولة بعد الآية الرابعة وبعد السادسة، فإنّه يعرف بذوقه الفرق الشاسع بينهما، ويعلم بيقين أنّ الزيادة لا تَمُتُّ إلى الكلام الإلهيّ بصلة لا في لفظ ولا معنىً.
واقرأ آيتين في أخبار أهل الحديث، زعموا أنّهما لم يكتبا في المصحف:
(*) إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم [ألا ابشروا أنتم المفلحون ]
(**) [والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم اُولئك] لا تعلمُ نفسٌ ما اُخْفِيَ لهم من قُرّةِ أعْيُن جزاءً بما كانوا يعملون.
(رواه في الإتقان 3/74).
وبوجود مقاطع من نصّ القرآن الكريم في بداية ونهاية الجملتين المزعومتين تتبيّنُ بوضوح ركاكةُ الجمل والكلمات المضافة، وتفكُّكها، وحتّى
عدم ارتباطها بالنصّ القرآنيّ المتميّز بروعته وبهائه.
وهكذا، فإنّ بلاغة القرآن الكريم، أكبرُ شاهد على بطلان قرآنيّة كلّ ما ادّعي في النقول وأخبار الآحاد، وأحاديث أهل السنّة والمقلّدة، من الزيادات المدعّاة أنّها «آيات» .
وبنفس هذا الدليل نردّ على دعوى أنّ هذه الآيات، قد نسخ تلاوتها، فلم تكن ممّا يُتلى في المصحف، ولا ممّا يكتب فيه، وأمّا قرآنيّتها فلا تنتفي، ولذا تبقى أدلّةً على ما فيها من الأحكام.
كذا يقول أهل الحديث يتوهّمون ذلك حلاّ لمشكلتهم، وقد عرفنا أنّ بعض فقهاء أهل السنّة استدلّوا بها، لا بعنوان أنّها أحاديث، بل بعنوان أنّها في مصحف فلان، فهي قرآن بقراءة فلان، ويشهد لذلك قول بعضهم في وجه الاستناد: إنّه ليس دونَ روايته في الاعتبار، ومعنى ذلك أنّ روايته لو كانت مقبولةً فهذا أكثر قبولا، لأنّه أهمّ من الرواية، وليس وجه ذلك إلاّ اعتباره «قرآناً» لوجوده في مصحفه، وهم يقولون : إنّه منسوخ التلاوة !!.
فنقول: إنّ مقولة «نسخ التلاوة» إنّما ترفعُ سؤال عدم ورودها في المصحف، وعدم تلاوتها، وهي في نفس الوقت تثبت قرآنيّتها سابقاً ونزولها وحياً قرآناً، ولذا صحّ الاستدلال بها.
مع أنّ القرآنيّة تستلزمُ أحكامها وشؤونها، وأهمّها هي البلاغة القرآنيّة والروعة الإلهيّة التي يتميّز بها النصّ القرآنيّ، في كلّ آياته، حتّى آيات الأحكام.
ومن الواضح ـ كما أسلفنا ـ عدم وجود ذلك في ما يدّعى فيه نسخ التلاوة، من العبارات الواردة في الأحاديث المذكورة، بل، على العكس: فإنّ ركاكتها وهزالها، وضعف تأليفها، بمستوى يأباه ذوق العارف باللغة العربيّة وآدابها، ولذلك رفض فقهاء الشيعة الاستدلال بمثل ذلك على أنّه قرآنٌ منزلٌ.
وسيأتي كلام مفصل عن نسخ التلاوة في الفصل الرابع.
أحكام القرآن:
وللقرآن الكريم، أحكامٌ في الإسلام، تتفق عليها المذاهب الإسلاميّة، وفقهاء الاُمّة كافةً; كمسألة المسّ من غير طهارة شرعيّة، واستحباب التلاوة، واستحباب النظر إلى النصّ، وحرمة بيعه للكفّار، وغير ذلك من الأحكام الثابتة والمعروفة في الاُمّة.
أفهل يلتزم أصحاب الحديث، بإجراء تلك الأحكام على هذه الآيات المزعومة، والكلمات والجمل المرويّة والمنقولة؟
لا أظنّ أحداً منهم يجرؤ على مثل هذه الدعوى، كما لم أعثر على شيء فى المصادرالمتيسرة لي.
ولو تردّدنا في ذلك، فأصالة نفي الأحكام عنها جار في المقام، حتّى يثبت خلافه بدليل شرعيّ، ولا يكفي مجرّد الاحتمال فإنّه معارض باحتمال العدم.
فهذه الآيات المزعومة، تنفى عنها القرآنيّة ولا دليل على خلاف الأصل المذكور.
قطعيّة القرآن:
ومن ميّزات النصّ القرآنيّ هو كونه قطعيّاً يقينيّاً لا يتطرّقُ إليه الظنُّ والشكُّ والريبُ، كما قال تعالى: (ذلك الكتابُ لا ريبَ فيه).
وهذا جار في جميع ما بين الدفّتين من النصِّ المتداوَل جميعه ككلٍّ، وأجزائه وسوره، وآياته وكلماته وحروفه.
وقد أجمع المسلمون علماؤهم وعوامهم على هذه الميزة، وذكر علماءُ القرآن والاُصول والفقه والعربيّة بكلّ فنونها: أنّ طريق ثبوت القرآن إنّما هو التواتُرُ، وهو الموجبُ للعلم.
وقد اتّفقَ العلماء ـ كذلك ـ على أنّ الخبر الواحد لا يُفيد العلم، لتطرّق الاحتمال إليه، والمخالف في هذه الاُمور نادر، وعلى ندرته فهو شاذٌّ مرفوضٌ.
فكيفَ - والحال هذه - يمكنُ إثبات قرآنيّة ما جاءتْ به تلك الأحاديثُ المنفردة الأسانيد، أو الموهونة حَسَبَ المصطلح، أو الضعيفة رجاليّاً، فضلا عن كون أكثرها موقوفاً على رواتها من الصحابة والتابعين، ولم تُرفع ـ أكثريّاً ـ إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة(عليهم السلام).
ودعوى أنّ الموقوف في مثل هذا بحكم المرفوع، مردودةٌ بأنّ ذلك في ما لو لم يُعارض بحجّة أقوى، ولم يكن في الالتزام به محذورٌ اجتنابُه أولى.
وموضوع بحثنا توجد فيه المعارضة والمحذور:
حيثُ أنّ الالتزام بقرآنيّة تلك المنقولات يعارضهُ إجماعُ الاُمّة من صدرها إلى اليوم على تماميّة هذا المصحف المتداوَل، من دون نقيصة، فدعوى قرآنيّة شيء آخر، مردودٌ بهذا الإجماع القطعيّ، المنقول والمحصّل.
مع أنّ في ذلك الالتزام محذورُ الإساءة بالمعجزة الإلهيّة وتطرّق التحريف السخيف إليه، وهو من أخطر المحاذير، مع محاذير اُخر من قبيل سلب الثقة بالنصّ وعدم إمكان الاحتجاج به، وغير ذلك.
ووجوب دفع هذه المحاذير، صيانةً للمعجزة الخالدة، واضحٌ لكلّ ذي عينين، فيجب دفعها، برفض تلك الأحاديث الآحاد، حتّى لو كانت صحيحة الإسناد، موصولةً، مرفوعةً، كيف؟ والأمر فيها ما عرفتَ من الفساد .
بين الرواية والدراية:
إنّ أهل الحديث ـ من الشيعة والسنّة ـ دفعهم الغلوّ في الحديث على الاهتمام البليغ به، ومحاولة جمعه والحفاظ عليه، بأساليب وطرق، بعضها يُثير الإعجاب، لاقتحام بعض المحدّثين الأهوال، وتحمّل أنواع الصعوبات في الرحلات، من أجل تحصيل الحديث وتجميعه وتأليفه، وقد واجه المتأخّرون ـ من المؤلّفين ـ أكداساً كبيرةً من النصوص الحديثيّة المنقولة، المسموعة، والمسجّلة في الأجزاء والكتب الصغيرة، فغاروا عليها من أنْ تضيعَ وتتلفَ،
وتذهبَ تلك الجهود الجبّارة هدراً، مع أنّ في هذه الأكداس، كثيرٌ ممّا يكوّنُ الأصل الثاني من مصادر التشريع ومنها السنّة الشريفة، فاللازم، ولو من باب المقدّمة، جمع كلّ المرويّات وحفظها، كي يُستفاد من المفيد منها.
وكان العلماءُ الأتقياءُ يختارون من هذه الأكداس ما يرونه صحيحاً من حيث المتن، ومن حيث الدلالة على المطلوب، ويضعونها في الكتب المشار إليها بالمرجعيّة والاعتبار.
فبقيت الأكداس في المجاميع الكبيرة، وجاء جيلُ التساهل والتكاسل والسطحيّة، وجيلُ التقليد والظاهريّة والقشريّة، جيلُ الغلوّ في كلّ ما يُسمّى «الحديث» من دون تفكير في ما يؤدّي إليه من المعنى الخطير، وإنّما نظروا إلى «الرجال» الراوين للحديث، فلو كانوا ممّن يرتضونه، حكموا على الحديث بالصحّة والقبول ووجوب العمل والانصياع، حتّى لو لم يوافق عليه الآخرون، أو كان محتواه مخالفا للإجماع ؟! أو يتصادم مع أصل قطعيٍّ، أو حكم ثابت!! اعتزازاً منهم بالحديث واتّباعاً للرجال الذين نقلوه، باعتبار أنّهم حملةُ الدين! فهم من الذين يعرفون الحقّ بالرجال، مع أنّ المفروض أنْ يعرفوا الرجال ويستوثقوا منهم بواسطة الحقّ. فلو اتّبعوا الوصيّة الشهيرة: «اعرف الحقّ تعرفْ أهله» لما تورّطوا في هذه المشكلة.
وهم يزعمون: أنّ الرجال الذين رووا هذه الأحاديث إنّما أثبتوا هذه الأحاديث في كتبهم، معتقدين بها، وبما تؤدّيه، ولابدّ من الاعتماد عليهم بشكل مطلق، لأنّهم حملةُ الدين ونقلتُه واُمناؤُه ولولاهم، ولولا كتبهم وأحاديثهم، لما بقي عندنا شيءٌ اسمه الدين.
وعلى هذا الأساس يُهاجمون كلّ مَنْ تعرّضَ لهؤلاء الرواة، أو تعرّضَ للأحاديث. ويعتبرون معارضة الحديث وأهله: كفراً بأصل الدين، ورفضاً.
بينما هؤلاء الغلاة، مخطئون في كلّ هذه المقدّمات:
أوّلا: لم تنحصر طرق معرفة الدين بهذه الأحاديث فقط: حتّى يكون تركها موجباً لترك الدين كلّه.
فاُصول الدين، وأهمّ عناصر فروعه، محفوظةٌ واصلةٌ بطرق معلومةٌ، متّفقٌ عليها بين المسلمين، لا يُحتاج فيها إلى مثل هذه الأحاديث، فلا يكون رفضها موجباً لما ذكر من الاتّهام.
وثانياً: الفرقُ الواضح بين الرواية والدراية; فليسَ كلّ مَنْ روى، درى المروِّيات وفهمها وعرفها، فضلا عن أن يعتقدها.
فكيفَ يصحُّ الحكمُ على اعتقاده من خلال مجرّد روايته المحتملة المظنونة، غير اليقينيّة، خصوصاً إذا كانت يُعارضها دليلٌ أقوى منها؟ سيما أنّ أكثر الأحاديث المنقولة، إنّما هي آحاد منفردةٌ، مُعَلّلة الأسانيد، فكيف يلتزم بإفادتها للعلم واعتقاد الراوي بها؟ حتّى لو كان ممّن يقول بحجيّة الخبر الواحد، فإنّه لا شكّ يقول بحجيّة الصحيح منه دون غيره.
وثالثاً: دلالة الأحاديث وفهمها;فإنّ فقه الحديث، وتشخيص مدلوله، أمرٌ يختلف عن روايته وجمعه، بوضوح، فليس كلّ راو لحديث هو ممّن يفهم دلالته، والأفهامُ تختلفُ في الناس، فربّما نفهم من الحديث، ما لم يفهمه الراوي للحديث والناقل له.
نعم، لو أحرزنا أنّه فهم معنىً ما، وكان من أهل المعرفة نعتمد عليه لأنّه معبّرٌ عن عرف زمانه الذي لا يُشكّ في تقدّمه و رجحانه .
أمّا لو فهم شيئاً، وظهرَ لنا بطلانُه لوقوفنا على ما يُعارضه وينافيه، أو لمنافاته للمسلّمات أو للقطعيّ، أو زعزته لأصل من الاُصول الثابتة، فإنّ مثل هذا غير مقبول، حتّى لو جاءتْ به أحاديثُ عديدة، لا حديثٌ واحدٌ فقطْ!
إعجاز القرآن:
إنّ ممّا لا خلاف فيه كون القرآن معجزةً إلهيّةً خالدةً، وقد تعدّدتْ وجهاتُ
النظر في منطلق الإعجاز، لكن الذي يُطمأنُّ به أنّ الإعجاز اللفظي هو أشملُ المنطلقات باعتبار ورود آيات التحدّي في نصّ القرآن، فقد تحدّى الباري تعالى معارضي القرآن «بمثله» و «بعشر سور» و «بسورة» و «بآية» وهذا دليلٌ صارخٌ على أنّ النصّ الموجود هو المعجز المتحدّى به، وأنّ فيه الإعجاز القرآنيّ، وأنّ القول بتغيّر القرآن يؤدّي إلى زعزعة هذا الإعجاز، وعدم استقراره، والتشكيك فيه.
ولذلك كان التركيزُ على إثبات التغيير أحدَ طموحات أعداء هذا الدين، فهم يُحاولون بَثّه وتوسيع فكرته، وإثبات قائلين به حتّى من بين البائدين.
والأحاديث التي يعتمدها أهل الحديث هي أفضل وسيلة يتذرّع بها اُولئك لإظهار ذلك القول.
أمّا تأثير هذه الأحاديث على الإعجاز:
فلأنّها تحتوي على أمرين خطيرين، هما: 1ً- زيادة الموجود على القرآن المنزل، بأنّ فيه ما ليس بقرآن منزل.
2 ـ نقيصة الموجود عن المنزل، فكلّ الموجود قرآنٌ، لكن بعض ما هو قرآنٌ لم حُذِفَ منه ولم يثبّت فيه!؟.
أمّا تأثيرُ الزيادة:
فلأنّ ثبوت الزيادة في هذا الموجود يسلب الثقة به فيما لو لم يُعْرَفْ موضع الزيادة، ومع معرفته: فإنّ تلك الزيادة المعيّنة قد أصبحتْ فعلا جزءً من القرآن الذي يُتحدّى به؟ فهذا إبطال للتحدّي على فرض عدم نزول هذه الريادة; لأنّ المفروض ـ على الزيادة ـكونه مثل القرآن آية أو سورة أو سوراً كما هوالمدّعى!. ولذلك فإنّ إجماع المسلمين متحققٌ على إنكار الزيادة في النصّ الموجود، ولم يقلْ بالزيادة أحدٌ:
لا من الشيعة: فقد صرّحوا بذلك، بل حكموا بكفر مدّعي الزيادة في الموجود.
قال الشيخ الطوسي: الكلام في زيادته ونقصانه ممّا لا يليقُ به: لأنّ الزيادة فيه مجمعٌ على بطلانها، والنقصان منه، فالظاهر ـ أيضاً ـ من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر من الروايات.
(التبيان في تفسير القرآن 1/3).
وقال المحقّق السيّد محسن الكاظمي الأعرجىّ (المتوفى 1227هـ): اتفق الكلّ - لا تمانعَ بينهم - على عدم الزيادة، ونطقت به الأخبار، وقد حكى الإجماعَ على ذلك جماعةٌ من أئمّة التفسير والحديث كشيخ الطائفة فى التبيان وشيخنا أبي علي في مجمع البيان وقد اعترفَ أهلُ السنّة للشيعة بهذه الحقيقة :
قال الأشعري في عنوان (اختلفت الروافض في القرآن) وذكر فرقتين:
الاُولى: ـ وهم أهلُ الحديث ـ يزعمون أنّ الزيادة غيرُ جائز أنْ يكون قد كان، وكذلك لا يجوز أنْ يكون قد غيّر منه شيءٌ عمّا كان عليه .
الفرقة الثانية: يزعمون أنّ القرآنَ ما نقص منه، ولا زيد فيه، وأنّه على ما أنزلَ الله تعالى على نبيّه عليه الصلاة والسلام، لم يُغيّر ولم يبدّل ولا زال عمّا كان عليه.
(مقالات الإسلاميين 1/114 ـ 115).
ولا من جمهور العامّة من المسلمين: فقد نَفَوْا وقوع الزيادة في هذا النصّ العظيم.
إلاّ أنّ عقيرةَ أهل الحديث ارتفعتْ هنا، وبكلّ صلافة، فقد جاء في رواياتهم، ما يلي:
1 ـ زيادة الواو والألف:
قال واثلة ـ عندما طُلِبَ منه أن يؤدّي الحديث باللفظ بلا زيادة ولا نقيصة ـ: هل قرأ أحدٌ منكم من القرآنَ الليلة شيئاً؟ فقلنا: نعم ، وما نحن بالحافظين له ، حتّى إنّا لنزيد الواوَ والألفَ!! فقال : هذا القرآنُ مذ كذا بين أظهركم، لا تألون حفظه، وإنّكم تزعمون (!) أنّكم تزيدون وتنقصون.
(جامع بيان العلم للقرطبي 1/79).
وانظر إلى كلمة «تزعمون»! فإنّها نُشير إلى استنكاره وتكذيبه لما يزعمون .
2 ـ زيادة (وما خلق):
قال أبو الدرداء لعلقمة النخعيّ : تحفظُ كيف كان عبدُالله [بن مسعود] يقرأ؟ قال: قلت: نعم، قال:(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)، (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى)، (...والذَّكَرَ وَالاُْنْثَى).
قال علقمةُ : فقلتُ : (والذكر والاُنثى) قال أبو الدرداء: والله الذي لا إله إلاّ هو، لهكذا أقْرأني رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من فيهِ إلى فيَّ، فما زالَ هؤلاء حتّى كادوا أنْ يردّوني عنها.
(أمالي المحاملي ص112 ح72).
وفي
(البخاري 8/77): هؤلاء يريدونني على أنْ أقرأَ: (وما خلق الذكر والاُنثى)والله، لا اُتابعهم.
(أخرجه مسلم وأحمد) قال ابن حجر في
(فتح الباري: 8/707) هؤلاء: يعني أهل الشام.
3 ـ ريادة (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ):
روى السجستاني في
(المصاحف ص65) عن ميمون بن مهران، وتلا هذه السورة: (وَالْعَصْرِ)، (إِنَّ الاِْنسَانَ لَفِي خُسْر)، (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..... وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
ذكر أنّها هكذا في قراءة ابن مسعود، أي بحذف (...وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ...).
4 ـ المعوّذتان:
ومن أشهر ما نُسِبَ إلى ابن مسعود، وقد استفاضتْ به الأحاديث، قوله بأنّ «المعوّذتيْن» ليستا من القرآن وأنّه: كان يحكّهما من مصحفه، ويقول: إنّهما ليستا من كتاب الله، إنّما أمرَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنْ يتعوّذ بهما.
(فتح الباري 8/742).
وقبل أنْ نذكر تعليقنا على مجموعة روايات الزيادة نذكّرُ بأنّ هذه الرواية بالذات تحتوي على كلمة «يحكّهما من مصحفه» وهذا يعني ثبوتَهما أوّلا في مصحفه، ثمّ إنّه كان يحكّهما، فلو لم يكونا من المصحف حسبما ادّعيَ، فلماذا
كُتبتا في المصحف؟حتّى يحتاج إلى الحكّ؟بلْ في نقل آخر كان عبدُالله يحكّ المعوّذتين من مصاحفه، ويقول: إنّهما ليستا من كتاب الله تعالى !
(مسند أحمد 5/129).
وقد اعترضَ على ابن مسعود في جحده هذا بما نصّه: جحده من كتاب الله تعالى سورتين، فَهَبْهُ لم يشهدْ قراءة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بهما، فهلاّ استدلّ بعجيب تآليفهما، وأنّهما على نظم سائر القرآن المعجِز للبلغاء أنْ ينظموا نظمه، وأنْ ينسجوا مثل تأليفه؟
(تأويل مختلف الحديث للقتيبي ص21).
وقد أجاب عنه ابنُ قتيبة : بأنّ لابن مسعود في ذلك سبباً، والناس قد يظنّون ويزلّون، وإذا كان هذا جائزاً على النبيّين والمرسلين، فهو على غيرهم أجوز.
وسببُه في تركه إثباتهما في مصحفه أنّه كان يرى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يعوّذُ بهما الحسن والحسين، كما كان يعوّذهما بـ«أعوذ بكلمات الله التامّة» فظنّ أنّهما ليستا من القرآن، فلم يثبتْهما في مصحفه.
(تأويل مختلف الحديث ص 25 ـ 26).
أقول: قوله : «والناس قد يزلّون».
إنْ كان يقصدُ أنّ ابن مسعود غيرَ معصوم ويصدرُ منه الخطأ، وقد أخطأ في ظنّه أنّهما ليستا من القرآن; فليُجرِ السببَ ذاته على ما زُعِمَ أنّه قرآنٌ وهو غير مثبت في المصحف، فلماذا تلتزمون بقرآنيّة ما ورد في تلك الأحاديث وتحتجّون بها وتقولون بنسخ التلاوة، إلى غير ذلك من الأعذار الفاسدة.
مع أنّ كلام ابن قتيبة فيه تدليسٌ، حيث أنّ الوارد في (البخاري، كما سبق): أنّه كان يحكّهما من مصحفه، لكنّ ابن قتيبة قال: «تركه إثباتهما في مصحفه، فلم يثبتهما في مصحفه»؟
ووجه التدليس: أنّ الحكّ من المصحف يدلّ على تعمُّد وتجاسُر على الثابت في المصحف، بخلاف عدم الإثبات.
وقد ردّ ابنُ الأنباريّ على ابن قتيبة بقوله: هذا مردودٌ على ابن قتيبة، لأنّ
المعوّذتين من كلام ربّ العالمين،المعجز لجميع المخلوقين، و«اُعيذكما» من قول البَشَر بَيّنٌ،و كلام الخالق الذي هو آيةٌ لمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)خاتم النبيّين،وحجّةٌ له باقيةٌ على جميع الكافرين لايلتبسُ بكلام الآدميّين على مثل ابن مسعودالفصيح اللسان العالم باللغة،العارف بأجناس الكلام وأفانين القول.
(تفسير القرطبي 20/251).
ونقول: فإذنْ لابدّ من بطلان هذه الحكاية وطرح هذه الرواية، وأمثالها من الروايات المحتوية على جُمل وكلمات منقولة بعنوان أنّها «آياتٌ» عن ابن مسعود وغيره، لوضوح ركاكتها وتفاهتها، فلا يمكن لمثل ابن مسعود وسائر الصحابة، وذوقهم وفصاحتهم وبلاغتهم، واُنسهم بأساليب القرآن وبيانه المعجز حتّى كان ذلك سسبباًلإسلام بعضهم، أنْ يتوهّموا كونها آيات منزلة.
ولازمُ هذا، سقوطُ هذه الأحاديث والحكم عليها بالبطلان والوضع من قبل الأعداء الذين يُريدون الاعتداءَ على معجزة الإسلام الخالدة إلاّ أنّ ابن مسعود هو المتهمّ في تصرّفه، ولذا قال القرطبيّ: زعم ابن مسعود أنّهما دعاءٌ وليستا من القرآن خالفَ به الإجماعَ وأهلَ البيت.
5 ـ وتركه لكتابة سورة الفاتحة:
قال القرطبيّ: أجمعت الاُمّة على أنّ الفاتحة من القرآن.
فإنْ قيل: لو كانتْ قرآناً لأثبتها عبدُالله بن مسعود في مصحفه، فلمّا لم يُثبتْها دلّ على أنّها ليست من القرآن، كالمعوّذتين عنده.
فالجوابُ: ما ذكره أبو بكر الأنباريّ: قيل لعبدالله بن مسعود: لِمَ لمْ تكتبْ فاتحة الكتاب في مصحفك؟ قال: لو كتبتُها لكتبتُها مع كلّ سورة.
قال أبو بكر: يعني اختصرتُ بإسقاطها ووثقتُ بحفظ المسلمين لها.
(تفسير القرطبي 1/114).
فبالله عليك، أيّها الأخ المسلمُ، هل ترضى أنْ يتحدّث أحدٌ حول نصّ القرآن بهذا الشكل، وهل مثل هذا العذر مقبولٌ في ترك كتابة سورة كاملة من القرآن؟
فضلاً عن أنْ يتصرّف بالحكّ والحذف لسورة أو آية، أو كلمة من كلماته؟؟
مع روايتهم لقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): مَنْ جحدَ آيةً من القرآن فقد حلَّ ضربُ عنقه.
(الكامل في الضعفاء لابن عدي 2/793).
ونقل القاضي عياضُ: جميعُ مَنْ ينتحلُ التوحيد متّفقون على أنّ الجحدَ لحرف من التنزيل كفرٌ.
(الشفاء بحقوق المصطفى ص1102 ـ 1103).
فكيف مَنْ جحدَ حرفين، بل حروفاً، بل كلمةً، بل كلمات، بل آيةً، بل آيات، بل سورةً، بل سورتين، بل سوراً: كعبدالله بن مسعود؟
وهل يمكنُ المسلم أنْ يحكم بكفر ابن مسعود من أجل حديث مرويّ حتّى لو كان منقولا في مثل (البخاريّ ومسلم)؟
فليسمعْ أهلَ الحديث: أنّ ما في هذين الكتابين مهما كان صحيحاً، فإنّما هو بعد كتاب الله؟ فلا يكونُ ما فيهما حاكماً على ما في كتاب الله بالبطلان!
6 ـ وروى السجستانيّ عن ابن مسعود أنّه أسقطَ (ولا يلتَفِتْ منكمْ أحَدٌ)
من الآية (81) من سورة (25) هود. (المصاحف ص73).
7 ـ وقولهم بعدم جزئيّة البسملة (بِسْمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) من السور:
قال الرازيّ: لو لم تكنْ التسميةُ من القرآن، لمّا كانَ القرآن مصوناً من التغيير، ولمّا كان محفوظاً من الزيادة، ولو جازَ أنْ نظنّ بالصحابة أنّهم زادوا لجازَ أيضاً أنْ نظنّ بهم النقصان، وذلك يوجبُ خروج القرآن من كونه حجّةً.
(التفسير الكبير للرازي 19/160).
ولا ريبَ أنّ وجود البسملة في كلّ السور ـ عدا براءة ـ مُثْبَتٌ في كلّ المصاحِف، مع ذهاب الأكثر إلى عدم قرآنيّتها؟!.
ولا يتوهّم أنّ قرآنيّتها في وسط سورة النمل كاف في ذلك، لأنّ القرآنيّة
داخلٌ النمل لا يستوجبُ تكراركتابتها في بداية سائر السور؟، ولذا احتجّ بعضٌ على منكري قرآنيّتها، فتحدّاهم بحذفها من أوائل السور من المصحف!.
والغريبُ أنّ مالكاً قالَ عن سورة براءة، وعدم البسملة فيها: إنّ أوّلها لمّا سَقَطَ ; سَقَطَ معه البسملةُ، فقد ثبتَ أنّها كانتْ تعدلُ البقرة، لطولها!
(الإتقان للسيوطي 1/184).
مع أنّه لا يلتزمُ بجزئيّتها حتّى مع الفاتحة، ويكرهُ قراءتها في الصلاة!
ومن هُنا نُعلنُ أنّ موقفَ الشيعة في مسألة الزيادة، بإنكارها مطلقاً، وعدم ورود حديث - ولا واحد- من طرقها، ونفيُهم لها بكلّ فرقهم، حتّى المقلّدة أصحاب الحديث منهم، دليلٌ على رعايتهم لحقّ القرآن، والتزامهم بصيانته، ويؤكّد ذلك نفيُهم للنقيصة بنفس السبب والملاك، ولا يجوزُ أنْ يُنسبَ إليهم - وهُمْ على هذا القدر من الرُشْد - قول بما يخالفُ الحقّ الذي يُثبتونه ويُسجّلونه ويُعلنونه وهو سلامةُ القرآن وصيانتُه .
فلا يؤاخذون - هُمْ ولا سائر المسلمين - بكلام بعض المقلّدة منهم أو بعض أهل الحديث من غيرهم، ممّنْ لا يُفصحُ عن مراده بوضوح، بل تبقى كلماته محتملةً، وسيأتي نقدها في الفصل الرابع .
وأمّا أثرُ النقصان في إعجاز القرآن :
فلا يخفى أنّ القرآنَ بما أنّه كتاب الله المنزل، وهو عماد الشريعة الإسلاميّة، ودليلُ فكرها، وفلسفتُها وميثاقُها وقانونُها، فلابُدَّ أنْ يكونَ مصوناً من أيّ تغيير بزيادة أو نقصان، لأنّ احتمالَ ذلك ـ فضلاً عن تحقّقه، يؤدّي إلى سلب الثقة منه.
وبذلك وردت آيةٌ محكمةٌ وهي قوله تعالى: (إنّا نَحْنُ نزّلنا الذكرَ وإنّا لهُ لحافظونَ) فأكّدَ البارىءُ تعالى على حفظه ممّا يسيءُ إليه، ويعيقُ الاستفادة منه، ويوجب تخلّفه عن أداء دوره في الهداية والدلالة والإضاءة لمن يستهديه ويستدلّ به ويستضيىءُ بنوره. وقد عرفنا أنّ احتمال الزيادة مرفوضٌ، لثبوت
بلاغته الرائعة، وإعجازه المسلّم وأحكامه القطعيّة في كلّ النصّ الموجود.
وكذلك النقصان، يكون احتمالُه باطلا، لأنّه ريبٌ، وهو منفيٌّ عنه بمحكم قوله تعالى: (ذلكَ الكِتابُ لا رَسْبَ فيهِ).
ولأنّ القرآن حجّةٌ، ومع تطرّق احتمال النقصان، يؤثّرُ ذلك على عدم إمكان الاستناد إلى آياته، لطروّ احتمال سقوط شيء منه له دخلٌ في معناه ومطلوبه، فلا يكونُ العاملُ به واثقاً بوفاء الموجود بالمقصود، وهذا خللٌ مشهودٌ أثره عدم الحجّيّة، وهو باطلٌ بالضرورة.
لكنّ أصحاب الحديث سواءٌ من مقلّدة الشيعة أم من أهل الحديث العامّة أهل السنّة، هِمّتُهم الرواية والجمع والتكثُّر من الروايات والأحاديث، وكما قال ابنُ قتيبة فيهم: لا نُخلي أكثرهم من العذل، في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا، والتفقّه بما جمعوا، وتهافتُهم على طلب الحديث! من عشرة أوجه وعشرين وجهاً، وقد كانَ في الوجه الواحد الصحيح، والوجهين، مَقْنعٌ لمن أرادَ الله عزّوجلّ بِعِلْمِهِ، حتّى تنقضيَ أعمارُهم، ولم يحلّوا من ذلك إلاّ بأسفار أتعبت الطالبَ، ولم تنفع الوارثَ، فمن كانَ من هذه الطبقة فهو عندنا مضيّعٌ لحظّهِ مقبلٌ على ما كان غيرُه أنفعَ له منه.
(تأويل مختلف الحديث ص80).
فهؤلاء هم الذين كدّسوا في كتبهم أحاديثَ يظهرُ منها ذلك الهُراء، في بادئ الرأي وأوّل النظر، وأكثرُها قابلٌ لأنْ يكونَ تفسيراً ، أو سببَ نزول، أو تأويلا، أو تطبيقاً، وبعضُها ناشيءٌ من سهو النَقَلَة والرُواة، أو وجود خلل في سمعهم عند الإخذ والتلقّي، أو علّة وآفة في لسانهم عند الأداء، أو قلّة في فهمهم حيث ينقلون النصوص بالمعنى، أو تصرّف فرديّ غير لائق، كما نقلوا عن عمر أنّه أجازَ قراءة القرآن بالمعنى، يعني تبديل لفظ بلفظ مرادف له وبمعناه. في ما نقله ابنُ الخطيب
(الفرقان 115) عن عمر بن الخطاب: أنّه كان يُلقّنُ أعرابيّاً قولَه تعالى: (إنّ شجرةَ الزقُّومِ طعامُ الأثيم) فكان الأعرابيّ يقول: (طعام اليتيم) فلمّا رأى عمرُ منه عدمَ
استطاعة النطق بلفظ (الأثيم) قال له: (طعام الفاجر)(1) فقرأها الأعرابيّ (إنّ شجرةَ الزقّوُم طعامُ الفاجر) على معنى أنّ الفاجر هو الأثيم، والأثيم هو الفاجر.
(الفرقان لابن الخطيب ص115 دار الكتب العلمية بيروت)وقد نسبوه إلى ابن عباس في
(البرهان في علوم القرآن للزركشي 1/215).
فهل يحقّ لمثل عمر وغير عمر أنْ يعملَ هذا التصرّفَ في القرآن؟
وهل يجوزُ لمسلم أنْ يروي هذا؟ ويعتقدَ بصحته؟ أويصدّقَ بمثل هذا العمل ويقرّه على راويه؟ بأنّه صادرٌ من عمر؟
أليس من المحتمل أنْ يكون عمرُ قد فسّر الكلمةَ للأعرابيّ، وهذا لا يعني تلقين النصَّ القرآنيّ بلفظ «طعام الفاجر»!
فانظرْ ياأخي المسلم: كيفَ أنّ أهلَ الحديث، ولجهلهم بما تؤدّي إليه تصرّفاتُهم بنقل الحديث المحتوى على هذه الاُمور، ثمّ تفسيرها حسب ما يفهمون من ظواهرها، وهم مخطئون في فهم تلك المعاني، لكنّهم يجزمون بها، ثمّ يُعلنُون عن أنّ هذه المنقولات «آيات» زاعمينَ أنّهم أهلُ الحديث ويتبعونَ السنّةَ، كما جاءتْ!
وبعد هذه الجريمة يُحاولون الدفاعَ عمّا أجرموا بأشكال مختلفة، سنستعرضها في الفصل الرابع.
ومن هُنا نُعلنُ عن اعتقادنا بأنّ هذه الروايات كلّها أخبارُ آحاد لا حجيّةَ لها لإثبات قرآنيّة ما وردَ فيها، وإلاّ فعلى تقدير التنارل عن رفضها فهي إمّا لا يُرادُ بهاإثباتُ القرآنيّة، بل التفسير، والتأويل، والقراءة وما أشبه، أو هي ساقطةٌ مردودةٌ، لا حاجة للمسلمين إليها ولا إلى نقلها ولا إلى مصادرها.
ــــــــــــــــــــــ
(1) يلاحظ أنّ ابنَ الخطيب وضعَ هُنا أقواساً مشجّرةً - وهي توضعُ عادةً للآية القرآنيّة - موحياً أنّ قصدَ عمر هو أنْ تكونَ قرآناً، وهذا تصرّفٌ مشينٌ منه.
مصطلحات وألفاظ:
وكذلك نعلن عن سوء تصرّف أصحاب الحديث هؤلاء، لمّا استعملوا مصطلحات خاصةً بالقرآن وآياته، أو جرى العرفُ الإسلاميّ منذ صدر الرسالة وإلى اليوم على استعمالها في مجال القرآن وآياته مثل كلمات : «مصحف» «نزول» «آية» «سورة» «قراءة» «تلاوة» فاستعملوها في «الآيات المزعومة» ليُوحوا للسامع أنّها من النصّ القرآنيّ المقدّس! .
فهذا تدليسٌ منهم، وتزويرٌ، واستعمالٌ للألفاظ في غير معانيها المعروفة لدى المسلمين.
وكذلك نستنكرُ استعمالهم لكلمات ظاهرها الاءساءة بالنصّ القرآنيّ تدلّ على النقص ، مثل :«نسخ»(1) «ذهب»
(المحلّى لابن حزم 11/136 والدرّ المنثور
للسيوطي1/126 و3/72 و84 و5/176 والمصنّف للصنعاني 7/330) «بطل»
(المحلّى لابن حزم 10/16) «سقط»
(الدرّ المنثور 1/106) «رفع»
(الدرّ المنثور 5/179) «نسيت»
(مسلم 3/100) وأمثال ذلك من العبارات الظاهرة، بل الصريحة، في حذف شيء وتركه، كلّها إساءاتٌ بالنصّ القرآنيّ، لا تليقُ بالمسلم أنْ يتلّفظ بها، حتّى لو جاءتْ بها «الأحاديث الصحاح» كما يزعمُ أهلُ الحديث.
ــــــــــــــــــــــ
(1) ذكرنا الألفاظ بصيغة مصادرها، وقد استعملت بمختلف مشتقاتها.
الفصلُ الرابعُ
دفاعٌ عن القرآن
وبعد ما علمنا بصيانة القرآن الكريم عن أيّة شائبة، وأنّ النصّ القرآنيّ الموجود هو المتواتر منذُ عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبإشرافه وعلى أيدي أصحابه المؤمنين الكرام واعترافهم ، وأنّ القراءة المتداولة بأيدى المسلمين اليوم هي قراءة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) المتواترة بلا ريب، وعلى هذا النصّ يدورُ كلّ ما للقرآن من ميّرات وآثار وأحكام .
فظهر أنّ كلّ ما ورد في كتب أهل الحديث السلفيّة من ما يتنافى مع هذه الحقيقة فهو حديثُ خُرافة، بل هو :
شُبهةٌ في مقابل البديهة:
فقد تحيّرأهل الحديث في توجيه ملتزَماتهم لمّا رأوا أنّها تعارضُ الحقيقة الناصعة والبديهة الواضحة لكلّ ذي لُبّ يعقلُ، وذي عين ترى ، وذي اُذن واعية.
فالقرآنُ الكريمُ معجزةُ الإسلام بنصّه الموجود وسوره المعدودة، وآياته المحدّدة، وحروفه المعروفة، من دون نقصان أو زيادة.
وقد ثَبَتَ إعجازُه البيانيّ، وأصبحَ من أبده البديهيّات، وهو الذي تحدّى به عَرَبَ الجاهليّة، فخضعُوا له مع فرْط عنادهم ولجاجهم، ومن البديهيّ ـ أيضاً ـ أنْ لو كان في نصّه خللٌ من نقص أو زيادة لم يحصلْ له مثلُ هذا الإعجاز، لا سابقاً ولا لاحقاً ، فكلُّ ما ينقلُ في هذا المجال من أحاديث ، ومهما بُولغَ في صحّتها تتضمّنُ «نصّاً» يتحيّلُ أنّه «قرآنٌ» أو «كان قرآناً» فهو مرفوضٌ وباطلٌ، لأنّه يصطدمُ مع هذه البديهة.
مع أنّ وجه الفساد في تلك الدعاوى والمدّعيات واضحٌ، كماسبق التذكير
بجانب منه في الفصول الماضية.
تصرّفاتٌ مشبوهةٌ:
ونقفُ هنا مع «دعاة السوء» الذين يقفون وراءَ الدعايات المغرضة، والإشاعات المسيئة للقرآن :
سواءٌ من الأعداء المعروفين، من اليهود والنصارى والعلمانيّين الملحدين، الذين يكَشِّرون عن أنيابهم لهذا الكتاب وللدين الإسلاميّ الحنيف، وللمسلمين من دون خَجَل أو حياء، فهم يتناسون ما قدّمته الحضارةُ الإسلاميّةُ للبشرية من خدمات في كلّ المجالات الإنسانيّة والعمرانيّة والثقافيّة وما يحتويه هذا القرآنُ من قوانين وتعاليم وإرشادات مهمّة لتمدين البشر، وضبط الحياة لتكون حرّةً كريمةً.
أم الذين يدّعون الانتماء إلى هذا الدين ، ويقدّسون هذا القرآن، لكنّهم يسيرون في ما يحدّده لهم الأعداء من وراء الكواليس ، ومن حيث لا يفطنون ، فهم يحاولون الدفاعَ عن هذا الكتاب بطرق لا توصلهم إلاّ إلى عكس ما يهدفون ويريدون.
فمنهم مَنْ يدفعه حُبّ الدين والقرآن!إلى محاولة كشف مَنْ يظنّ أو يتخيّل أنّه يخالف في قول أو عمل، ويُعْلن عمّا يُخفيه ممّن يتصوّرهم هو أعداءاً ويتخيّل عملهم إساءةً لهذا القرآن، مثل ما يقومُ به المدّعون للسلفيّة اليوم، فإنّهم يحسبون أنّهم الوحيدون الذين يفهمون الإسلام، وأنّ على أيديهم ـ دون غيرهم من المسلمين ـ تُقام دعائمه! ويُظهرون حُبّاً للقرآن والحديث، وأنّهم أهل السنّة، دون غيرهم، وأنّهم هم أهلُ الحديث وأتباع السلف، حتّى في مظاهر الخِلْقة والشكل والمظاهر، ويحتكرون كلّ خير وحقٍّ لأنفسهم!.
لكنّ الدعوةَ إلى الإسلام لم تكنْ قطُّ بالمظاهر والشكليّات، بل هي بالخُلُق العظيم الذي مدح الله به رسوله الكريم، فقال: (وإنّك لعلى خُلُق عظيم) كما حذّر
عن الشدّة والغلظة بقوله تعالى: (ولو كنتَ فظّاً غليظ القلب لانفَضّوا من حولك)مؤكّداً على أنّ اجتماع المسلمين وائتلافهم إنّما يكونُ بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالتعالي والفوقيّة التي تدّعيها الدعاةُ والسلفيّةُ لأنفسهم.
فلو لم يكنْ للرسل حقُّ محاسبة البشر على النوايا، ولا مؤاخذتهم على ما يبطنون من الآراء والعقائد; فهو ليس حقّاً لأحد من بعدهم.
وليسَ الإسلامُ ـ اليوم ـ حكراًعلى أحد ولامِلْكاً لأحد، حتّى يكونَ مراقباً على فكر الناس وفهمهم، ويفرض رأيه بالإكراه والتهويل والتهديد والتحميل، والله يقول: (لا إكراهَ في الدين).
بل المفروض على من يدّعي الدعوة إلى الله والحقّ أن يدعوَ بالحكمة والتأنّي والتدبير والموعظة الحسنة وستعيناً بالعطف والحبّ وتقديم الخدمات للناس، حتّى يكون مرغّباً لا منفّراً،معتمداً على الحجّة المنطقيّة والإقناع بالبرهان، وبثّ الأخوّة والألفة والوفاق .
ومن هُنا، فإنّ السلفيّين المعاصرين إنّما يُحاولون إظهار الدفاع عن القرآن، والدعوة الإسلاميّة، والجهاد في سبيل الله بأساليب غير مرضيّة لله ولالرسوله، فبدلا من أنْ يعملوا بقوله تعالى: (ولا تقولوا لمن ألْقى إليكم السلامَ لستَ مؤمناً) التي قدّمناها في صدر البحث; فإنّهم ـ وبزعم الدفاع عن القرآن والتوحيد - يتّهمون المسلمين من غير مذهبهم بالشرك والتحريف، ويدعون إلى الفرقة بين الأمّة الإسلاميّة الواحدة بزرع الكراهيّة والشقاق بين المذاهب مهرضين عن أهمّ الأمور التي تجمع المسلمين وفي مقدّمتها القرآن الكريم، ويحاولون ـ بزعمهم ـ إثباتَ الخلاف فيه بالبحث والتنقيب في بطون الكتب المطبوعة والمخطوطة، ليقفوا على زلّة أو قول أو كلمة أو جملة تفيدُ خلافاً أو تقصيراً أو رأياًسيّئاً، فيُعلِنُوا عنها، ويفضحُوا أصحابها، وكلّما نادى أصحاب تلك النقولات أنّهم لا يقصدون ما تفهمه السلفيّةُ، وأنّ السلفيّة لم يقفوا على مصطلحاتهم الخاصّة، لم تقتنع السلفيّةُ،
بل تصرُّ وتؤكّدُ على مواقفها في الاتّهام والتفسيق، بل التكفير.
وإذا أعلنَ المعارضون بأنّ القولَ والكلامَ ليس صادراً من ذوي الرأي والكلمة، وليس المدّعى ممّا يبتني عليه فكرُ الجماعة، ودينهم; لم تقتنع السلفيّة، لأنّها لو صدّقتْ ذلك، فقدتْ عنصراً من عناصر وجودها واستمرارها، وهو زرع بذور الفتنة والخلاف، والأدهى من كلّ ذلك أنهم يتخذون القرآن وسيلة لأغراضهم الدنيويّة: فإنّ من أخطر ما استخدمته الوهّابيّة من أجل تحقيق أهدافها هو موضوع القرآن الكريم ونسبة التحريف إليه.
فانّ دعاتها، وفي عشرات الكتب، يهيّجون قرّاءهم بدعوى أنّ في المسلمين مَن يقول بتحريفه، وهم الشيعة!!! وبالرغم من مناداة الشيعة، بأعلى أصواتها، وبملىء فمها، وعلى لسان أعلامها القدماء والمعاصرين عن براءة مذهبهم من هذه الفِرْية، والتزامهم المطلق بصيانة القرآن، ونفي التحريف; تَلِجُّ الوهابيّةُ ـ المدّعية للسلفيّة في عصرنا ـ بالإصرار على دعاويها، وانتدبَ بعض مَنْ يدّعي في العلم معرفةً منهم للبحث والتنقيب في كتب الشيعة ومؤلّفاتهم، ليعثروا على أحاديث فيها ما يمكن أنْ يتّخذَ ذريعةً للسلفيّة.
مع أنّ المذكورة أسماؤُهم ـ من المؤلّفين ـ لا يمثّلون الطائفة ككلٍّ كمّاً، ولا يمثّلُ فكرُهم الفكر الشيعيّ، فلايجوز أنْ يحاسَبَ التاريخُ كلّه من أجل ما يصدر من فئة ضئيلة.
والأهمّ من كلّ ذلك أنّ المذكورين إنّما اعتمدوا في دعاويهم على «أحاديث» زعموا دلالتها على مقالتهم، بينما المتأمّل البصير يجدُ تلك الأحاديث غير دالّة على ما يريدون ويفهمون، لاعتمادهم عليما تصوّروه حجّةً في هذا الباب، مع القصور عن الاستفادة الصائبة منها، لعدم التخصّص فى العلوم الدخيلة في تحديد الإعجاز البيانيّ والبلاغيّ للقرآن الكريم.
ولو بطلت أسُسُ دعاويهم لم يبق لهم مستندٌ ، ولو بُيّنَ لهم خطؤُهم في فهم
النصوص لم يبقوا على زعمهم والتزامهم، فالأساسُ في قولهم هو الأحاديثُ التي زعموها حجّةً، حتّى على نصّ القرآن.
وخطورة التعرّض لمثل هذا الأمر هو أنّ يوجد من بين المتعارضين من يتصدّى للإجابة على تلك الاتّهامات، وتعودُ تُثارُ الشُبهةُ على القرآن، ويُحاولُ ردّ الصاعَ صاعَيْن، فيُحاولُ البحثَ في كتب الحديث لأهل السنّة، ليستخرج منها ما يدلّ على التحريف، فيعرضه وينشره ، ليقول للسلفيّة: إنّ هؤلاء هم أهلُ التحريف فتتبادلُ الاتّهامات ، وتُثارُ من كلِّ طرف الشبهاتُ حولَ القرآن!
فيكون القرآنُ ونصّه مِحْوراً يدور عليه نزاعُ القومُ وتناوُشهم، وتقاذُفهم، مع أنّه النصّ الإلهيّ البريء من كلّ تلك السفاسف، هو في غَِنىً عن كلّ حديث عنه، لأنّه المنزّهُ عن كلّ سوء وريب وشين، والمُثْبِت لوجود نفسه وسلامته وكماله وتمامه، بنوره وهُداه وحَقّه.
فالنزاعُ المذكور - أصلا وردّاً - هو إساءة للقرآن ، واعتداءٌ صارخ من الطرفين على هذا النصّ الإلهيّ المكرّم المقدّس.
والشيءُ الملفتُ أنّ كلاًّ من سلفيّة أهل السُنّة وسلفيّة الشيعة، الذين يتبادلون الاتّهامات ويتقاذفُون بنسبةِ القول بالتحريف، بأساليب سنستعرضها، يحاولُ كلّ منهما تبرئة نفسه عن هذه التُّهم، وذلك بتوجيه الأحاديث المحتوية للنصوص الموهمة والمفتعَلة، وقبولُها بحيث تندفعُ عنها التهمة.
فالنصوصُ الموجودة في أحاديث أهل السنّة والتي وقفنا على بعضها خلال الفصول الماضية يحاولُ أهلُ الحديث، الحريصون على التزام تلك النصوص، والذين يعتزّون بها لأنّها وردتْ في كتبهم الصحاح ! وبالأسانيد الصحيحة، يحاولون الخروجَ عن تهمة التحريف في النصّ القرآنيّ - سواءً بالزيادة أوبالنقيصة والإسقاط - يحاولون أنْ يخرجوا من هذه التُّهمة بأنّ تلك «الآيات» قد نسختْ تلاوتُها!يعني أنّها رفعتْ من النصّ القرآنيّ، وبقي حكمُها نافذاً، وسيأتي
كلام عن نسخ التلاوة وحجّيته، ويبتهجون بأنّ لهم جواباً عن تهمة التحريف!.
وكذلك النصوص الموجودة في أحاديث السلفيّة المقلّدة المنسوبين إلى الشيعة، الذين يُنسب إليهم التحريف على أساسها.
فإنّ أهل الحديث من الشيعة يُحاولون دفع شُبهة التحريف عنها بالالتزام بأنّها تدلّ على تأويل النصّ، وليستْ هي عبارات قرآنيّة، يعني أنّ النصَّ القرآنيّ هو الموجود بين الدفّتين، وأمّا الموجود في الأحاديث فهو إظهار لباطن المراد منه، والذي يسمّى التأويل، وسيأتي بيانه أيضاً.
وهؤلاء يبتهجون بأنّهم بهذا وأشباهه يدفعون عن أحاديثهم تهمة التحريف.
فكلّ فريق بما لديهم فرحون.
ولو كانوا - كلّهم جميعاً - يريدون الحقيقةَ، ويحبّون القرآنَ، أنْ لا تتوجَه إلى نصّه تهمةٌ ولا إساءةٌ، لقبلَ كلٌّ رأيَ الآخر وتوجيهه، ولم ينصبُوا «القرآن» غرضاً لسهام حقدهم البعض على الآخر.
ولو تأمّلوا بروح متحرّرة عن أغلال عقائدهم وأفكارهم والتزاماتهم المصطنعة بما عندهم من الأحاديث; لعرفوا ـ كما شرحنا سابقاً ـ أنّ كلّ تلك الأحاديث الآحاد ـ عند الفريقين ـ لا تكون حجّةً في مقابل قطعيّة القرآن المعجز، ولأعرضوا عن جميع تلك الأحاديث ورموا بها، قبل أن يُحاولوا توجيهها، وقد عرفنا سخافتها وهزالها أمامَ عظمة النصّ القرآنيّ وقوّته.
ولكنّ الغرور، والتقليدَ الأعمى للآباء، والتعصّب للرأي، والاستبداد والعنجهية، والغطرسة، هي صفاتُ السلفيّة المدّعين لاتّباع الكتاب والسنّة، وهي لا تدعهم يتحرّرون، ويفكّرون في الجريمة التي يرتكبونها في حقّ القرآن لمّا يتّهم بعضهم البعض بتهمة التحريف السخيف.
تشابهٌ غريبٌ في الاتّهامات:
ولقد تتبّعنا جميع ما يتقاذفه الفريقان، فوجدناه مشتركاً بين الطرفين، وبنفس
الشكل والحجم تقريباً، وبهذا يمكننا الجزمُ والاطمئنانُ، بأنّ يداً آثمة اُخرى هي التي دسّتْ تلك الدسائس عند هؤلاء، وعند اُولئك، ودفعتْهم إلى الوقيعة في ما بينهم، ليكون الهدف الأساسيّ اتّهام النصّ الإلهيّ.
والدسائس هي كالتالي:
علمٌ أو عملٌ؟
أهمّ ما يواجه القارىء أنّ هذه الأحاديث ـ من أهل السنّة والشيعة ـ موجودة في الكتب فعلا ، ومهما كانت دلالتها ، فالسؤالُ المطروح: لماذا رووها وجمعوها وتناقلوها، حتّى تصبحَ لدينا مشكلةٌ، اليوم؟ وما هو توجيهُ تصرّفهم هذا؟
فنقول: إنّ علماء المسلمين ـ كافّةً ـ يعتمدون على نقل العلم وتداوله وتسجيله من جيل إلى جيل، والإسلام يعتمدُ في كثير من قضاياهُ على التعبّد بما جاءت به النصوص من القرآن الكريم والحديث الشريف، والنقل المثبِت للسنّة الشريفة، وقد جهدَ علماءُ المسلمين بكلّ ما في وسعهم في جمع كلّ جزئيات ما يرتبطُ بالنصوص حتّى لا يفلتُ أيُّ شيء صغير أو كبير.
وتصدّى كبارُ الحفّاظ من علماء الحديث لرواية ما سمعوهُ وما وجدوهُ في الكتب السابقة، حتّى تكوّنتْ مجاميعُ عظيمةٌ، من الأحاديث في كلّ مجالات العقيدة والدين وحتّى التاريخ والسيرة وسائر المعارف.
وليس معنى تجميع النصوص هو الحكمُ عليها بالصحّة المطلقة ولزوم العمل، لوضوح أنّ بينها المتعارض أو المشوّه المضطرب، بل فيها ما حكم ببطلانه لمعارضته للأدلّة الخارجة عن الحديث كالقرآن المحكم، أو العقل المعلوم، أو غير ذلك .
وكذلك قرّروا قواعدَ تمكنّهم من تصفية هذا الكنز المليء بأنواع الأحاديث على اختلاف درجات ضعفها وقوّته، وتصدّي كثير من فطاحل العلماء لاختيار ما يراهُ ليكون هو الأمثل ـ عنده طبعاً ـ من تلك المجاميع، ومع ذلك لم يكنْ ما
يختاره كلّ واحد هو النصّ النهائي، والحقيقة الثابتة.
وشيءٌ مهمٌ آخر هو قيام كلِّ واحد من المؤلّفين بعمليّة الانتخاب حسب ما فهمه وتصوّره.
لكنّ المتأخّرين من أهل الحديث ; لمّا وقفوا على الأحاديث، واعتزازاً منهم بالمأثور، وبكلّ ما روي، من دون تمييز، أو تقليداً أعمى لمن اتّخذوهم أرباباً، من المؤلّفين، وما ابتدعوه من الغلوّ في المؤلّفات التي جمعوها، إلى حدّ جعلها معصومةً، وأنّها أصحّ الكتب بعد كتاب الله جلّ وعلا، وقفوا على المآزق الخطيرة، مثل روايات التجسيم والتشبيه، وروايات القدر والجبر، وروايات تحريف القرآن فلم يمكن لهم ردّها، لأنّ ذلك يُعارضُ ما بنوا عليه من الالتزام بها والحكم بصحّتها بقول مطلق، وبنوا عليه دينَهم وعقيدتَهم! فلو تركوا بعضها لانهار عليهم البناء كلّه!! ولذا لجأوا إلى التوجيهات التي سيأتي ذكرها.
ولو تعقّلوا أنّ الرواية هي أعمُّ من العمل والدراية، وأنّ مثلَ التزامهم يؤدّي إلى إلغاء أدلّة الدين الاُخرى، فالقرآن الكريم وهو أهمّ مصدر وأقواه وأولاه بالعمل والالتزام، سوف يتعرّض بمثل تلك الروايات للريب والشبهة، وأنّ الأخبار والأحاديث مهما حكمنا بصحّتها، فإنّها لا تبلغُ حدّ العلم واليقين، بمثل ما يلزم للقرآن - بل كما هو عليه - من القطعيّة والعلميّة؟
وليس من منهج العقلاء دفع العلم بالظنّ، ولا يُريد الإسلامُ من المؤمن أنْ يبني عمله على غير اليقين والتدبّر، إذا أمكنهُ الوصول إلى الحقّ واليقين.
فلو تأمّلوا بعض هذا، لأعرضوا عن التزمُّت والإصرار على الباطل، والعناد في قبول الحقّ،
ولرفضوا كلّ الأحاديث التي ظاهرها مسيىءٌ ومناف لظاهر القرآن ونصّه؟
ولما احتاجَ كلُّ فريق إلى الالتزام بالتوجيه، الذي يردّه عليه الفريقُ الآخر، فيتكاذبان.
أو لتوافقوا على الحلّين، معاً، كي لا يتبادلا التُّهم بشأن القرآن، لو كانوا يحبّون القرآن؟ أفراد أو مذاهب؟
لا شكّ أنّ جمهور المسلمين يعتقدون بهذا القرآن المتداول، وإذا صدر من أحد ما يخالف ذلك، فإنّه يردّ عليه ، وهو - مهما كانَ - فردٌ لا يمثّل فريقاً ولا طائفة، ولا مذهباً.
فلم يعهدْ ـ على طول التاريخ ـ أنْ كانت في زمن واحد وفي عصر واحد، فرقةٌ تلتزم بذلك، حتّى في الفِرق البائدة، والتي تعدّ من المسلمين!
لكن تعوّد كتّابُ السلفيّة تضخيم ذلك، حتّى يصوّروه «قولا» لطائفة، وينسبون ما هو في كلام الفرد ـ حتّى لو كان غير واضح المراد ـ معبّراً عن جماعة ومذهب!
إنّ مثل هذا التصرّف مريبٌ، ومرفوضٌ، لمخالفته للواقع، ويُعدّ كذباً وجريمة، إذا كانت القضيّة حسّاسة وخطيرة تمسّ القرآن.
فلو أنّ فرداً، أساء الفهم، أو أساء التصرّف فليس من الإنصاف، أنْ يحمل على طائفته كلّها، وهي تصرّح بعدم قبولها لرأيه ، أو لتصرّفه، وبراءتها من صنيعه، فإذا كان أحد أهل السنّة ، يعتقد بزيادة (قلْ) في القرآن، كما نسبه خادم حسين إلهي في
(القرآنيون )إلى الرئيس الليبيّ ـ لو صحّت النسبةُ! ـ فهل يصحّ أنْ نحكم على أهل بلده كلّهم بذلك؟ أو على شعب المغرب العربيّ؟ بذلك، أو على العرب بذلك؟ أو على أهل السنّة بذلك؟
كلاّ، وكذلك لو وجدنا أنّ ابن مسعود يلتزم زيادة في القرآن، وبالتحديد سورتي (المعوّذتين)؟
فهل يحقّ لأحد أنْ يحكم على الصحابة كلّهم؟ خاصّةً أنّ ابن مسعود كان من العارفين بالقرآن، وممّن كان له مصحف يخصّه؟ وكان مصحفه معتمداً حتّى ما يقرب القرن الخامس الهجري؟ فهل نحكم على المسلمين المعتمدين لمصحفه،
بذلك؟
كلاّ، وألف كلاّ؟ فكيف، لو كان الصادر من شخص مؤلّف، مهما كان له من الفضل والشهرة، لكن ليس له سلطة وملك ولا قدرة؟ وليس شخصاً مقدّساً مثل الصحابة؟ فلا يجوز أنْ يكون كلامه ـ وكلام عشرات من أمثاله ـ حجّةً على أهل مذهبه إطلاقاً، وهم يُنادون بأنّه مخطىءٌ.
لكنّ السلفيّة يتعمّدون في مثل هذه الاُمور، لو وجدوا شخصاً منحرفاً عن رأي الجمهور، لكبّروه حتّى يجعلوا من ذلك ذريعة للهجوم على الأطراف الاُخرى، ولو كان ذلك على حساب القرآن، وتوجيه التهمة إليه.
هذا مع أنّ كلمات المنحرفين، إمّا لا دلالة فيها على ما يريده السلفيّة، أو يكون متخلخلا غير مستقيم الاستدلال، أو محتوياً على ما هو مرفوض تاريخيّاً وعلميّاً.
مثلا من الذين يركّز السلفيّة على اسمه، من المحرّفين هو الجزائري، فينقلون عنه كلاماً طويلا حول دعواه، فنجد فيه:
إنّ عثمان قد كان من كُتّاب الوحي لمصلحة رآها(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي أن لا يكذّبوه في أمر القرآن بأنْ يقولوا:إنّه مفترى أو أنّه لم ينزلْ به الروح الأمين، وعثمان وأضرابه ما كانوايحضرون إلاّ في المسجد مع جماعة الناس، فما يكتبون إلاّ ما نزل به جبرئيل(عليه السلام) أمّا الذي كان يأتي به داخل بيته(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يكنْ يكتبه إلاّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لأنّ له المحرميّة دخولا وخروجاً، فكانَ ينفرد بكتابة مثل هذا.
وهذا القرآنُ الموجود الآنَ في أيدي الناس هو بخطّ عثمان، ومن ثمّ ترى قواعد خطّه تخالف قواعد العربيّة».
ففي هذا الكلام على قصره مواقع واضحة، للردّ العنيف، فلا يمكن أنْ يستند إليه ككلام صالح للاستدلال، فكيف يُنسب إلى طائفة كبيرة من المسلمين ووجوه الردّ هي:
1 ـ لو كان قيام عثمان بكتابة القرآن لمصلحة رآها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي عدم التكذيب للقرآن، فلابدّ أنْ تبقى هذه المصلحة تطبّق دائماً، وما ذكره بعد من عدم حضور عثمان لكتابة بعض الوحي يُنافي هذه المصلحة، إذْ عدم كتابة عثمان يكون إلزاماً منه وأضرابه على عدم كون ما لم يكتبه وحياً.
فالمصلحةُ تقتضي ضرورة كتابة عثمان لكلّ ما هو قرآن حتّى تتحقّق المصلحة المذكورة، وإلاّ لم تكن مصلحةً، وكان ذلك لغواً، ونربؤ بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)من فعل ذلك، فكان هذا الكلام على خلاف مقصود القائل.
مع أنّه لا دليل للجزائريّ على تشخيص هذه المصلحة، وتحديدها، وهو بحاجة إلى الإثبات والاستدلال عليها.
2 ـ إنّ تخصيص كتابة الوحي النازل في البيت بعلي (عليه السلام) لا فائدة فيه.
أوّلا: لعدم الدليل على كلّ ما ذكره بهذا الصدد.
ثانياً: لأنّ تخصيص علي(عليه السلام) بالدخول لأجل المحرميّة، باطلٌ، إذْ لا نعرف محرميّة لعليٍّ من أزواج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنْ يكون مراده محرميّة النبيّ لفاطمة (عليها السلام)، ولكن أينَ هذا من نزول الوحي على الرسول في بيته (صلى الله عليه وآله وسلم) كما جاء في عبارة الجزائريّ.
ثمّ، إنّ الهدف من الوحي أينما نزل ـ إنّما هو تبليغه وإفضاؤه إلى الناس، فهو(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبلّغ كتّاب الوحي عثمان وأضرابه فيكتبونه بالتالي؟فما الذي حصل من تخصيصه عليّاً(عليه السلام) بكتابة ما نزل في البيت، وليس عندنا قرآنٌ نزلَ خاصّاً لم يبلغه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولو كانت هذه الروايات آيات لبلّغها، ولبلغتْ عثمانَ وغير غثمان، فسجّلها أيضاً! فليكن عدم وجودها دليلاً غلى عدم قرآنيّتها!؟ لا العكس ؟
ثالثاً: وأمّا أنّ القرآنَ الموجود الآن في أيدي الناس هو خطّ عثمان.
فمع أنّ العبارة عاميّة، فالقرآنُ الموجود ليس بخطّ عثمان، وإنْ كان مراده أنّه مكتوبٌ من نسخة خطّ عثمان فهو غلطٌ أيضاً: لما عرفتَ أنّ عثمان ليس له
مصحفٌ خاصٌّ، حتّى يكون هذا القرآن قد كُتِبَ من خطّه، نعم كُتِبَ له مصحفٌ، وأينَ هذا ممّا جاء في العبارة؟
وقد ثبتَ للجميع أنّ القرآن الموجود هو المرويّ عن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)وأما عثمان المنسوب إليه خطّ هذا القرآن وكتابتُه، فهو الحافظ عثمان الخطّاط التركي،كما سبق، لاعثمان بن عفّان !؟
رابعاً: وأمّاأنّ خطّ القرآن الموجود مخالفٌ لقواعد العربيّة.
فهو أسخفُ ما في هذا الكلام:
أوّلا: لم نعرفْ وجه الإشارة في قوله: «ومن ثَمَّ» هل لأنّه بخطّ عثمان، أو ماذا؟
وثانياً:إنّ مخالفته للعربيّة، مع كونه أوّل الكلام، حيث إنّ العربيّة وقواعدها كيف تقرّر؟ حتّى تعرف مخالفة الموجود لها وعدمه؟ مع أنّ القرآن هو الحَكَم في تحديد القواعد الصحيحة، كما هو دأبُ أهل النحو في الاستشهاد بالمصحف الشريف وقراءاته على مايُقعِّدون من قواعد النحو وسائر علوم العربيّة !؟
وثالثاً: إنّ هذا الكلام يمسّ بلاغةَ القرآن والإعجاز اللفظي بشكل مباشر، ولا يخفى ما فيه من الخطورة؟!
هذا كلامُ فرد من المحرّفين ـ على قلّتهم وشذوذ آرائهم ـ وقد وجدناه على قصره مختلاًّ فاسداً باطلا، لا معنى له.
فهل يصحّ نسبةُ ما فيه، إلى طائفة كبيرة من المسلمين ومحاسبتهم من أجله ؟ أم إنّ هذا الكلام يدلّ على جهل قائله؟ ولذا فإنّ اجتمال أن يكون هذا الكلام وأمثاله مقجماً في مؤلّفات العلماء أمرٌ واردٌ.
ومهما كانَ، فهو رأيٌ تافهٌ فرديٌّ، لا يجوزُ أنْ يحمل على الكلّ، إلاّ ممّن يُريد التهريج والتهويل، ومن لا يهتمّ بكرامة القرآن أنْ تُهدر! ولا يقوم بهذا مسلمٌ يحبّ القرآن؟ ويسعى للدفاع عنه؟ ويدّعي اتّباعه؟ واتّباع السنّة؟
وليس هذا تصرّفاً يرضى به الله ورسوله والسلفُ الصالح؟
ثمّ إنّ فرداً لو نقل الأحاديث، أو صرّح بأنّ هناك أحاديث منقولة، تحتوي على التحريف، فهذا لا يدلّ على اعتقاده والتزامه ولا تصديقه بهذا الظاهر من الأخبار. فلعلّه لا يقول بصحّتها؟ أو يحملها على أنّ المراد بالتحريف الوارد فيها هو التحريف في المعنى، أي عدم عمل الحكّام بالآيات، كما لو قلنا: إنّ حكّام المسلمين اليوم في عصرنا لا يعملون بأحكام القرآن، فهذا يسمّى تحريفاً لغةً، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (يحرّفون الكلم).
أو يقول بأنّ محتوى الأحاديث هو تأويلٌ لما في النصّ القرآنيّ؟.
أو يقول بنسخ التلاوة؟
هذا، إذا كان من أهل الحديث الذين يقبلون الأحاديث مطلقاً، ويوجبون الأخذ بها على كلّ حال.
مع أنّ السلفيّة ـ في كلٍّ من الطائفتين، هم قلّةٌ، مخالفةٌ للجمهور، شاذّةٌ عنهم في الآراء، وهم بعيدون عن فهم الناس وعرفهم وسيرتهم كلَّ البُعد، فلا يمكنُ حمل كلام العلماء على مذهبهم، بل حسن الظنّ بالمسلم، ولزوم حمل فعله وقوله على أحسنه، وتكريم القرآن من الإساءة إليه، قواعد تقتضي إبعاد كلام العلماء عن رأي السلفيّة الحشوية والمقلّدة الظاهريّة البُلداء.
حروف ونِسَبٌ:
يقول سلفيّة أهل السنّة ـ نقلا عن عمر ـ:إنّ حروف القرآن «ألف ألف حرف و.»
(رواه السيوطي في الإتقان 1/242 عن الطبراني فلاحظ مجمع الزوائد 7/163 وكنز العمّال 1/517) هكذا رووه عن عمر.
وهذا يعني أنّ القرآن كان أكبرَ من الموجود بثلاثة أضعاف، فإنّ الموجود حروفه (323671) كما هو رأي ابن عبّاس أيضاً
(الإتقان 1/231).فهل نصدّق برواية عمر؟ أم نقول كما قال الذهبي: تفرّدَ [الراوي] بهذا الخبر الباطل.
لكن اسمع السيوطيّ يقول بعد نقل هذا الخبر: رجالُه ثقاتٌ إلاّ شيخ الطبرانيّ محمّد بن عبيد بن آدم ابن أبي إياس، تكلّم فيه الذهبيّ لهذا الحديث، وقد حمل ذلك على ما نُسخ رسمه من القرآن أيضاً، إذ الموجود الآن لا يبلغ هذا العدد.
أقول: فانظر ياأخي المسلم، كيف يُحاول السيوطيّ توجيه خبر، يصرّح الذهبي ببطلانه، إلاّ أنّ هذا التصريح لا يُعجب السيوطيّ، فكأنّه معترضٌ على الذهبي!
ثمّ إنّ السيوطي، ومع اعترافه بمخالفة الرقم (ألف ألف و..) للنصّ الموجود الآن في المصاحف الشريفة، فمع هذا يقول: حُمل ذلك على ما نُسخ رسمه عن القرآن، فيكون المفقود ثُلُثا القرآن المنزل! يعني أنّ القرآن كان ثلاثة أضعاف الموجود!!!
والمهمّ أنّ السلفيّ السنّيّ يَغُضُّ طرفاً عن هذا، فلا يذكره أصلا ولا يُشير إليه، لكنّه يتمسّك برواية الآيات التي عند أخيه السلفيّ الشيعيّ، الذي روى في
(الكافي 2/597 كتاب فضل القرآن): إنّ القرآن الذي جاء به جبرائيل (عليه السلام) إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) سبعة عشر ألف آية.
فقال السلفيّ: قارنْ عدد الآيات في الرواية، مع عدد آيات القرآن الكريم وهو ستّة آلاف، تجدْ أنّ القرآن الذي تدّعيه الشيعة (!) أكثر من القرآن الحالي بثلاث مرّات تقريباً،أي المقصود مصحف فاطمة رضي الله عنهاكما جاء في الرواية.
أقول: رواية مصحف فاطمة(عليها السلام) هو: قول الصادق (عليه السلام) إنّ عندنالمصحف فاطمة (عليها السلام) وفيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات، والله، ما فيه من قرآنكم حرفٌ واحدٌ
(الكافي 1/295).
وآقول للسلفي: حكمتَ نفسك، فإذا كان المقصود برواية الآيات هو مصحف فاطمة(عليها السلام) فقد حَلَفَ الصادق (عليه السلام)في رواية مصحف فاطمة(عليها السلام) بأنّه ليس
فيه من القرآن حرفٌ واحدٌ، فهو إذنْ كتابٌ آخر ليس «قرآناً» فالحديثان كلاهما - حديث الآيات وحديث مصحف فاطمة - كلاهما لا يتحدّثان عن القرآن الحكيم، وإنّما استعمل اسم «قرآن» لأنّ ما فيهما نَزَلَ به جبرئيل (عليه السلام) والمراد أنّه وحيٌ غير معجز كالحديث القدسيّ والجديث النبويّ .
وإذا أصرّ السلفيُّ على تفسيره الخاطى، فلماذا لا يُقارن بين عدد الحروف التي صرّح بها عمر (ألف ألف حرف و...) للقرآن، وبين عدد حروف القرآن الحالي (323671) حتّى يجدْ أنّ عمر -أيضاً- يعتقد بأنّ القرآن الذي تدّعيه السنّة أكثر من القرآن الحالي بثلاث مرّات تقريباً.
وإذا صحّ توجيه حديث الشيعة بمصحف فاطمة (عليها السلام) ؟ فما هو وجه تصحيح حديث عمر عند السنّة؟ هل يُحمل على مصحف عائشة أو حفصة؟؟.
ثمّ الاختلاف كبير جدّاً في عدد الآيات بين العلماء، قال السيوطىّ تعديد الآي من معضلات القرآن ...ونقل عن الموصلي: اختلفَ في عدّ الآي أهلُ المدينة ومكّة والشام والبصرة والكوفة، ولأهل المدينة عددان
(الإتقان 1/1 ـ 232).
ولا يقال: إنّ الاختلاف ليس فاحشاً بمقدار الثلث والثلثين، بل هو بين ستّة آلاف، وبين (6236)؟
قلنا: الاختلاف في القرآن، ولو بآية واحدة، مضرٌّ ومؤدٍّ إلى المحذورالذي يتصوّر من الزيادة أوالنقصية، وأنّ القرآنَ الحالي غير مايزعمون،إلى غير ذلك.
ولكن بدلا من كلّ ذلك الهُراء والهُجوم، ألم يكنْ من الخير: أنْ يتأمّلَ السلفيّةُ الكلام الوارد في الأحاديث، فقضيّة الاختلاف في عدد الآيات إنّما هو اختلاف في مواقع الوقوف، حيث تنتهي الجمل المفيدة، كما هو بعض التفاسير لكلمة (آية).
أو المراد بالآية العلامة والحكمة والمعجزة الإلهيّة الواردة في القرآن، باعتبارات شتّى.
وحتّى إذا تنافى المنقولُ مع المحسوس والموجود، ولم يكنْ له توجيهٌ معقولٌ، فليترك مسكوتاً عنه، أو ليُرفض مهملاً، حيثُ أنّه لا يوجب العلم، بل هو أمرٌ ظنّيٌّ فنذره في بقعة الاحتمال والإمكان، وليس علينا أنْ نفهم كلَّ شيىء نقله أيّ أحد، مع احتمال عروض الخطأ في الأحاديث كثيراً من الرواة أو المؤلّفين أو النَقلة الآخرين، وهل الكاتبُ نفسه يدّعي العصمة؟! وهذه البسملة الشريفة أمامكم، ترونها مكتوبة في المصاحف، لا تعدّونها آيات، وبذلك ينقص العدد (113) من آيات القرآن؟ فهل يتهمكم أحدٌ بشيء ؟؟ فلماذا نرى السلفيّ تُثيرهُ روايةٌ عدد الآيات الشيعيّة، ولا تُثيرهُ رواية الحروف العمريّة السنّية؟ إنّ هذا هو التعصّب الذي ننهى عنه كلّ مَنْ يحبّ القرآن.
ثمّ إنّ الأفراد الذين ـ نُسبتْ إليهم التهمةُ - من السنّة أو الشيعة - لا يتجاوزون (20) شخصاً، مع أنّ فيهم من روى الحديث فقط ولم يذكر حكمه ، وفيهم مَنْ نقل قولا ولم يؤيّده، ومن يبقى كلامه مجملا، لكنّ هؤلاء مهما عظمتْ مقاماتُهم عند طائفتهم، فهل يمثّلون كلّ الطائفة؟.
مع أنّ فيهم من السنّة عددٌ كبيرٌ، فلاحظ الفصل في الملل والنحل لابن حزم
(4/204 و 226) وعبدالوهاب الشعراني في الكبريت الأحمر
(ص143) والزرقاني في مناهل العرفان
(1/244) وتفسير القرطبي
(1/84) ولا حاجة إلى تعديد الأسماء، وهؤلاء الصحابة ينسب إليهم ذلك علناً!
فلو قسّمناهم على أربعة عشر قرناً، فنصيبُ كلّ قرن شخصٌ واحدٌ و... فهل يمثّل الواحدُ كلّ الطائفة في قرن كامل (100) سنة؟ بينما علماء المسلمين في كلّ قرن يعدّون بالآلاف ، فهل من الإنصاف أنْ نتعامل هكذا، ولماذا؟ مع أنّ المصرّحين بخلاف هؤلاء ممّن تعرّض للموضوع يفوقونهم بكثير.
ولو صحّ عمل السلفيّ، لكان قرنُ الصحابة، أيضاً كذلك، لوجود عشرات الروايات التي تحتوي على نصوص تُوهم التحريف الباطل عند الصحابة! فهل
هذا هو المطلوب للسلفيّة أنْ يعرّضوا القرآن لخطر التُّهمة؟ لمجرّد الرغبة في اغتنام الغلبة من طائفة على أخرى بهذه الرواية أو بتلك، أو بهذا القول أو بذاك، أو بالنقل عن هذا العالم أو ذاك؟ ليحرّكوا كتّاب الطائفة وغيرهم ـ فيميلوا عليهم، فيجمعوا كلمات علمائهم الدالّة علي التحريف السخيف، وتكون معركةٌ مصطنعةٌ ضدّالقرآن!
ألم يعتبروا بحكمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الردّ الحَسَنِ على من تصدّى لمثل هذا الأمر، في ما ذكره ابن حجر في الإصابة
(1/34) في وفد بني أسد بن خزيمة، وكتب لهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً، فتعلّم حضرمي بن عامر سورة (عَبَسَ وتولّى) فقرأها وزاد فيها، فقال النبيّ: لا تزد فيها.
وذكر الكلبي في
(جمهرة النسب ص182) الزيادة بعد قوله تعالى: (تهدى) زاد:
«والذي امتنّ على الحُبلى، فأخرج منها نسمةً تسعى، بيد شغاف وحسنا».
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تزيدوا فيها، فإنّها كافيةٌ شافيةٌ.
هكذا ردّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على الذي زاد في الكتاب المنزل، في محضره الشريف، ولم يُقم القيامة، بل بكلمتين «شافيةٌ كافيةٌ» يعني: إنّ الآيات القرآنيّة لوحدها تفي بكلّ المقصود، وهي تشفي غليل المؤمنين بالوحي الموجود.
ولم يكفّره النبيّ ولم ينهره، لأنّ الشخص كان معذوراً لعدم وقوفه على الحقيقة القرآنيّة، ولاريب أنّ ذلك شبهة في حقّه، وهذا حكم يجري على كلّ الذين يشتبهون بما رووا من الأخبار الآحاد، يعتمدون على ما يفهمون من ظواهرها، ويلتزمون بما يدّعون من دلالاتها، وهم لا يُصيبون في ذلك !.
ولو استدلّ السلفيُّ بما قدّمنا على إثبات انحصار القرآن المنزّل بما بين الدفّتين، وعلى عدم قرآنيّة كلّ ما ادّعاه السلفيّة سواء المقلّدة المنسوبين إلى الشيعة، أم أهل الحديث والسنّة من العامّة؟ لوضوح الإعجاز في ذلك، والركاكة والتفاهة في هذه الآيات الخبريّة المجعولة، لتمّ الأمر ومن دون إثارة تُحوجُ إلى
الردّ والبدل المؤدّيان إلى الابتعاد عن الحقّ وتجاوز الأدب اللازم اتّخاذه مع القرآن الكريم المجيد، أو الوقوع في مهاوي الطعن والقدح في أصل السنّة والحديث وحامليه بلا التفات إلى ما يستتبعه من محاذير!
وهكذا نرفض الروايات التي نقلتْ في كتب أهل الحديث، وهي تحتوي على (نِسَب) معيّنة كالربع والثلث والثلثين، وما أشبه، ممّا يدّعون حذفّه من القرآن: ففي ما رواه الحاكم بسند صحّحه: عن حذيفة بن اليمان ـ العالم بأسماء المنافقين ـ أنّه قال عن سورة براءة: ما تقرأون ربعها، وإنّكم تسمّونها سورة التوبة، وهو سورة العذاب
(المستدرك على الصحيحين 2/331).
وفي نقل آخر: التي تسمّونها سورة التوبة هي سورة العذاب، والله ما تركتْ أحداً إلاّ نالتْ منه، ولا تقرأون إلاّ ربعها»
(الدرّ المنثور 3/209).
وسورة براءة في القرآن الكريم (129) آية، فمقتضى الحديث أنّها (516) يعني تقرب من ضعفي سورة البقرة أكبر سور القرآن! وهذه من روايات سلفيّة أهل السنّة.
سور طويلة محذوفة:
وفي حديث أبي موسى الأشعري أنّه قال للقرّاء في البصرة: إنّا ـ يعني الصحابة ـ كنّا نقرأ سورة كنّا نشبّهها في الطول، والشدّة، ببراءة، فنسيتُها، غير أنّي حفظت منها: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوفه إلاّ التراب».
وكنّا نقرأ سورةً نشبّهها بإحدى المسبّحات أوّلُها «سبّح لله ما في السماوات» فاُنسيتُها غير أنّي حفظتُ منها: «ياأيّها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فنكتبُ شهادةً في أعناقكم فتُسألون عنها يوم القيامة»
(مسلم 2/726 ح1050 والمستدرك على الصحيحين 2/224).
وهذه سورة بقدر براءة، ذكر منها آية فالمفقود (128).
وروي عن اُبيّ بن كعب قال: كم تقرأون سورة الأحزاب؟ قال زرّ: ثلاثاً وسبعين آية، قال اُبيّ: قطْ، لقد رأيتها وإنّها لتعادل سورة البقرة، وفيها آية الرجم!
قال زرّ: وما آية الرجم؟ قال: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ـ ألبتّةَ ـ نكالا من الله، والله عزيز حكيم»
(مسند أحمد 5/132).
وقال ابن حزم الأندلسي بعد هذا الخبر: هذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه، ..، لكنّها ممّا نسخ لفظها، وبقي حكمها!
(المحلّى 11/235).
والبقرة (285) آية، فإذا خرج منها عدد الموجود(73) وقد ذكر آية الرجم ،فبقي (211) آية؟
ومجموع ما في هذه الأخبار (516 + 128 + 211) = يُساوي (855) وهو ما يقارب (سُبع) القرآن! وهو المحذوف! حسب هذه الروايات.
وعلى قضيّة الحروف التي ذكرها السيوطي من رواية سلفيّة العامّة أهل الحديث من أهل السنّة فالمحذوف (ثُلُثا) القرآن!!وهذا نصف ما في رواية المقلّدة من سلفيّة الشيعة القائلة أنّ المحذوف (ثُلُثٌ واحدٌ)!
(الاحتجاج 1/377).
فهل يصدّق بشيء من هذا؟
وهل يعقل أنْ يهمل المسلمون هذه المجموعة الكبيرة من القرآن؟
وهل يتصوّر أنْ يتغافل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تبليغ هذه المجموعة الكبيرة؟!، فإنّه لو بلّغه إلى الاُمّة لَبَلَغَهم كلّهم، ولم يؤدّ إلى الانحصار فى واحد أو اثنين أو ثلاثة، فينسى، لأنّه لو بلّغه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لوصل إلى عدد أكبر يتجاوز التواتُر عادةً، لمزيد اهتمام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، ومزيد اهتمام الصحابة كذلك.لو كان قرآناً كما يُدّعى!!
وأمّا احتمال أن يكون الصحابة قد نسوه جميعاً، فهذا من أسخف ما يحتمل في حقّهم، وهم حماة هذا الدين ورعاته.
بينما أهل الحديث يتبجّحون بقوّة الحافظة عند الصحابة، بحيث علّل
بعضهم «منع الخلفاء لتدوين الحديث الشريف وكتابته » بالاعتماد على حفظهم على الخواطر، وبقاء السنّة الشريفة بذلك من دون حاجة إلى كتابته
(راجع تدوين السنّة الشريفة) هذا كلّه مع سعة مساحة الحديث وكثرة عدده.
ولكنّهم ينسون اليوم ما ذكروه أمس، فيصبح الصحابة عاجزين عن حفظ القرآن الكريم على معدوديّة آياته ومحدوديّة نصّه بما بين الدفّتين!
وأمّا الإنساء بأنّ الله هو الذي أنساهم!! فسيأتي أنّه لا دليل عليه.
وأمّا نسخ التلاوة فسيأتي البحث عنه، فلا يبقى أمامنا ـ بعد بطلان الخيارات كلّها ـ إلاّ الإعلان عن رفض جميع هذه الأحاديث الظنيّة، والإعراض عنها، سواء رواها السلفيّة أهل السنّة، أو السلفيّة من المقلّدة الشيعة.
سورتان، وسورةٌ؟
ثلاث سور، ليست في القرآن الكريم المتداول، وهي «الخلع» و «الحفد» وأيضاً «الولاية».
والأوّلان ممّا روته سلفيّة العامّة أهل السنّة، في كثير من مصادرهم.
أمّا الثالثة: فهي المنقولة عن مصدر مشبوه، من تأليف بعض الهندوس في الهند، نسبها إلى كتاب شيعي لم يعثر عليه حتّى الآن.
فما قصّة هذه السور:
أمّا الخلع والحفد: فقد نقلهما السيوطي في
(الإتقان 1/227) قال: في مصحف ابن عبّاس: قراءة اُبيّ وأبي موسى:
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك.
وفيه [بسم الله الرحمن الرحيم](1)
ــــــــــــــــــــــ
(1) في (الاتقان 1/227): قال ابن جُريج: حكمة البسملة أنّهما سورتان في مصحف بعض الصحابة لكن المصدر حذف هذه البسملة بينهما؟!
اللهمّ: إيّاك نعبد ولك نصلّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك ونرجو رحمتك إنّ عذابك بالكفّار ملحق.
السورتان في تراث السلفيّة وأهل الحديث من أهل السنّة :أخرج الطبراني بسند صحيح ! عن أبي إسحاق، قال: أمّنا اُميّة بن عبدالله بن خالد بن أسيد، بخراسان، فقرأ بهاتين السورتين (!): إنّا نستعينك ونستغفرك.
(الإتقان 1/227).
وأخرج البيهقي وأبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران أنّ جبريل نزل بذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو في الصلاة مع قوله: (ليس لك من الأمر شيء)
(125 آل عمران). (الإتقان 1/227).
وتابع السيوطي ـ في عدد السور القرآنيّة وهي في قرآننا (114) ـ قال: وفي مصحف اُبي [ مائة] وستّ عشرة، لأنّه كتب في آخره سورتي الحَفَد، والخلع. أخرج أبو عبيد عن ابن سيرين، قال: كتب اُبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب، والمعوّذتين، و«اللهمّ إنّا نستعينك [الخلع]» و« اللهمّ إيّاك نعبد» [الحفد].
(الإتقان 1/226).
ولم يكتفوا، ففي رواية مصطنعة نسبُوا ذلك إلى الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فيها: عن عبدالله بن زُريْر الغافقي، قال: قال لي عبدالملك بن مروان: لقد علمتُ ما حملك على حبّ أبي تراب إلاّ أنّك أعرابيّ جاف; فقلتُ: والله لقد جمعتُ القرآن من قبل أنْ يجتمع أبواك ، ولقد علّمني عليّ بن أبي طالب سورتين، علّمهما إيّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ما علمتَهما أنتَ ولا أبوك ...فذكرهما.
(الإتقان 1/226).
ثمّ أخرج عن البيهقي عن عبيد بن عمير: أنّ عمر بن الخطّاب قنتَ بعد الركوع، فقرأهما وفي بداية كلّ واحدة «البسملة»
(الإتقان 1/6 ـ 227) وللسيوطي تأليف مستقل في هاتين السورتين باسم (إتحاف الوفد بنبأ سورتي الخلع والحفد) نسخة منه في برلين غ 438
(دليل مخطوطات السيوطيص 67 رقم 201).
وأمّا سورة الولاية المفتعلة فنصّها:
بسم الله الرحمن الرحيم
ياأيّها الذين آمنوا بالنورين، أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذّرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم إنّ الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنّات نعيم، واصطفى من الملائكة والرسل وجعل من المؤمنين اُولئك في خلقه يفعل الله ما يشاء قد خَسِرَ الذين كانوا عن آياتي وحكمي معرضون وإنّ عليّاً إمام المتّقين، وإنّا لنوفيه حقّه يوم الدين ما نحن عن ظلمه بغافلين ياأيّها الرسول قد أنزلناإليك آيات بيّنات فيها من يتوفّاه مؤمناً ومن يتوليه من بعدك يظهرون، ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبر جميل ولقد آتينا بك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين، وجعلنا لك منهم وصيّاً لعلّهم يرجعون إنّ علياً قانتاً بالليل، ساجداً يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربّه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون.
والمصدر الوحيد لهذا الكلام هو (دبستان مذاهب)
ولم يوجد في أيّ كتاب ـ مطبوع أو مخطوط ـ آخر غيره.
وتداوله من بعده صاحب (فصل الخطاب) الذي نشره في كتابه هذا، وقال: لم أجد أثراً لها في كتب الشيعة سوى ما يحكى عن كتاب المثالب المنسوب إلى ابن شهر آشوب: أنّهم أسقطوا تمام سورة الولاية، فلعلّها!! هذه السورة
(فصل الخطاب ص179 ـ 180 ح68 من الفصل الثامن)
والغريب أنّ الذين نفلوا هذه السورة المفتعلة على قصرها اختلفوا في نصّها بشكل فاحش ممّا يؤكّد كونها مختلقةً! لاأصل ثابت لها حتّى عند مفتعليها!
هذه نصوص السور الثلاث، ومصادرها.
ومن الواضح لدى كلّ عربيّ ـ يقرأ الفصحى ـ أنّ إنشاء هذه السور ضعيف
جدّاً، وأنّ منشئها قاصر عن إدراك الارتباط بين الجُمَل، وحتّى قواعد اللغة والإعراب، فضلا عن الفصاحة والبلاغة.
ويكفي إلقاء نظرة إلى هذه المصنوعات لتُرفَضَ، وتُستنكرَ بشدّة نسبتُها إلى الوحي، أو مداناتها للقرآن، فضلا عن مقارنتها أو معارضتها.
وهذه النقطة، أهمّ ما يواجه كلّ الهراء التي ينعق به أيُّ ناعق، بعنوان «الآيات، والسور» مموّهاً ومشوّهاً، وخادعاً للسامعين، ولكن اللغة العربية ـ التي اختارها الله للوحي والمعجزة الإلهية ـ أسمى وأغلا، وأفصح، وأبلغ وأعلا، من أنْ تشوب صفاءها أمثال تلك المحاولات السخيفة.
ولكن الذي يؤسف:
أنّ يدّعي الإسلام مدّع من أدعياء العُروبة، من سكّان القفار والبوادي، ومن الأعراب الذين ذكرهم القرآنُ بأنّهم أشدّ كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يؤمنوا بالقرآن وبما أنزل الله فيه، يوجدُ من هؤلاء مَنْ يشهّر بالثالثة «الولاية» ويعلن أنّها من صُنْع الشيعة! مع أنّ أمامَ عينه السورتان الاُخريان «الخلع والحفد» من رواية إخوانه السلفيّة السنّة! ومع أنّ مصادر السورتين وفيرة، ومصدر تلك «الولاية» ليستْ إلاّ صحيفة حقيرة، مجهولة المؤلّف ومتأخّرة، وعلى أقرب الظنّ: هي من صنع الإنكليز في الهند، ليؤجّجوا نار الفتنة بين المسلمين، ويشغلوهم ـ أيّام الاحتلال البريطانيّ ـ بالنزاع الداخليّ، عن الاهتمام بمحاربة المحتلّين ومعارضتهم، كما أنّ صنيع السلفيّة - اليوم - ينبعُ من ذلك المنبع ويجري في مجراه الدي يحدّده لهم الاستعمار الصليبيّ واليهوديّ؟!!
لكنّ هؤلاء السلفيّة لا يرون «الجذع» في أعينهم، ويبصرون «القَذى» في عيون الآخرين، ويصرّون على إفكهم وزورهم بنسبة خرافة سورة «الولاية» إلى الشيعة، مستندين إلى سببين باطلين :
السببُ الأوّل : ذكر النوريّ لها في «فصل الخطاب».
مع أنّ النوريّ ذكر «الخلع والحفد» أيضاً، فلماذا لا يتعرّض السلفيّ لهما، أفهل يعتقد أنّهما سورتان من القرآن؟
ولو كان ينكر قرآنيّة «السورتين» لأنكر «الثالثة» بلا ضوضاء ولا تهريج.
ومع أنّه قد ذكر المصدر الذي نقل عنه; فتبرّأ من عُهدته .
والمنصف يعرفُ أنّ مجرّد النقل لا يعني القبول ولا الموافقة على المنقول ولا إثباتاً له ; خصوصاً من مثل هذا المصدر الحقير وبهذا النصّ السخيف .
وأما نسبةُ هذه السور إلى العلاّمة المحدّث المفسّر الأديب المعمّر الشهير ابن شهر آشوب السرويّ (المتوفى سنة 588 عن مائة عام) فهي نسبةٌ باطلةٌ ظالمةٌ يكفي للردّ عليها أنْ نقرأ ما كتبه هذا الشيخ الجليل في كتابه العظيم
(متشابه القرآن ومختلفه 2/77)ونصّه : قوله سبحانه :(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَ قُرْءَانَهُ )( 17/ 75 ) دالٌّ على أنّ الله تعالى جامعٌ للقرآن ، وقال تعالى :(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَـفِظُونَ )( )وأوّل محافظته أنْ يكون مجموعاً منه تعالى . وقال : (حم والكتابِ المُبينِ إنّا أنْزَلْناهُ) ولفظ الكتاب والقرآن يدلاّن على كونه مجموعاً منه تعالى، يقال: كتبت الكتيبة وكتبت البغلة وكتبت الكتاب، وقريت الماء في الحوض وقرى النمل وأمّ القرى والقرية .
وقد ثبت أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ القرآن وحصره وأمر بكتابته على هذا الوجه، وكان يقرأ كلّ سنة على جبرئيل مرّة إلا السنة التي قبض فيها فإنّه قرأ عليه مرّتين، وإنّ جماعة من الصحابة ختموا عليه القرآن منهم أبيّ بن كعب، وقد ختم عليه ابن مسعود عشر ختمات، وإنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر فضل كلّ سورة وذكر فضل قارئها، ولو لم يكن مجموعاً لم يصحّ هذا كلّه .
وقيل للحسين بن عليّ(عليه السلام) إنّ فلاناً زادَ في القرآن ونقصَ منه !فقال (عليه السلام):أؤمنُ بما نقصَ وأكفرُ بما زادَ.
والصحيح أنّ كلّ ما يُروى في المصحف من الزيادة إنّما هو تأوبلٌ، والتنزيلُ
بحاله ما نقص منه وما زاد. انتهى كلام ابن شهر آشوب .
ألمثل هذا الرجل العظيم تنسب تلك الخرافة الهزيلة !؟
لكنّ المغرض يُتابع أهداف الإنكليز الذين صنعوا «السورة»! ولهذا يقوم بالتأكيد على وجود سورة الولاية ! وهو لا يجد لها ذكراً إلاّ نقلا عن «دبستان المذاهب» المؤلّف أخيراً في الهند ـ كما شرحنا ـ .
ولقد سرتْ هذه الدعاية اللئيمة ضدّ الشيعة بين السلفيّة في البلاد التي يعمل فيها الوهابيّون بشكل مُقْرف! حتّى أنّي التقيت بأحد علماء سوريا، وفي قلب العاصمة دمشق، وفي وقت متأخّر من الليل، وفي مسجد كريم من مساجدها، ففوجئتُ أنّ الرجل قال لي: هل معك القرآن المحتوي على سورة إضافية؟
فذهلتُ، ولم أطق إجابته بالكلام، إلاّ أن امتدتْ يدي إلى جيبي، وأخرجتُ «القرآن الكريم» الذي أحمله دائماً، وأدرس فيه تلاوتي اليوميّة، فقبّلته، وسلّمته إليه، فبدأ باهتمام يقلّب صفحاته من البدء إلى الختام، ومن الختام إلى البدء، وبعد الانتهاء قال: إنّ هذا قرآنُنا!فقلت له: عجباً! إنّه قرآنُنا، لقد أخرجتُه أمامك من جيبي، وبدأ مرّة ثانية يفحص من البداية وحتّى انتهى، قال: ياأخي إنّ هذا قرآننا ،فقلت له: والله إنّه قرآننا، ولقد أخرجتُه كما قلتُ من جيبي، وهذا اسمي عليه مكتوباً، فإنْ كان عندك قرآنٌ غيره، فهاتِ.
وبدأ ثالثةً: يفحصُ ويفحصُ، فلمّا آيس من أنْ يجد سورةً إضافيّة، قال: إنّ هذا قرآننا : فقلتُ له: ياأخي، إنّ هذا هو القرآن الذي أدرسُ فيه، وهذه علامة الدرس عند سورة الرحمن، وهذا الأخ ـ وكان معنا صديقٌ ـ يشهدُ أنّي أخرجتُه من جيبي، وناولته إيّاك، فهل تنكر ذلك؟!فإنْ كنتَ تملك قرآناً في مسجدكم هذا، فأتِ به، وابحث عمّا تشاء فيه ، فعندها وعى الشيخ ، وانتبه !وبدأ يعتذر! فقلتُ له: عيبٌ والله، على عالم فاضل مثلك، أنْ يغترّ، ويُضْحَكَ عليه، وأنتَ في مدينة مثل «دمشق» مليئة بالشيعة، ويتردّد عليها آلاف الشيعة للزيارة، وهذه مدينة الستّ
زينب (عليها السلام) إلى جوارك، يمتلىء مسجدها ومقامها بالنسخ الكثيرة من القرآن الكريم، الذي يتداوله الشيعة وغيرهم، فهلاّ سعيتَ لرؤية الحقيقة بنفسك، وهلاّ سألتَ أحداً من الشيعة كما سألتني لتعرف الحقيقة؟
ألا تفكّر أنّك باعتقادك هذا تُهينُ القرآن، وتنسبُ إليه التحريف، وتُهينُ طائفةً كبيرةً من المسلمين بريئةً من هذا الكلام السخيف!؟.
فحلفَ لي الشيخ أنّ اثنين من السلفيّة ـ الوهابيّة الاُمويّة ـ دخلا عليه المسجد أمس، وحلفا بالله أنّهما شاهدا وقرءا سورة إضافيّة للشيعة!
وقد حصَّنَ الله الشيعة بالتقوى والصدق وحبّ القرآن، فهم يتحمّلون كلّ هذا الحيف والاعتداء، ولا يُحاولون أن ينشروا (سورتي الخلع والحفد) ليقابلوا السلفيّة بالمثل، لأنّ الشيعة يعتقدون بخرافة (السورتين الخلع والحفد) كما يعتقدون بخرافة (سورة الولاية) ولا ينزلون إلى المستوى السخيف التي تهبط إليه دعاة السلفيّة والوهابيّة، فى التشهير بالقرآن ونشر الدعايات المشوّهة والمضلّلة ضدّه، بل يبقى الشيعةُ محافظين على كرامة القرآن وقدسه، كما كانوا مدى التاريخ والحمد لله.
2 ـ والسبب الثاني هو محتوى ما سمّاه «سورة الولاية» حيث جاء فيهما «إنّ عليّاً إمام المتّقين» و «جعلنا لك وصيّاً» و «إنّ عليّا قانتاً بالليل، ساجداً يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربّه».
ومن الواضح لدى كلّ مسلم أنّ وصف الإمام علي (عليه السلام) بمثل هذه الأوصاف ليس عزيزاً في الحديث الشريف، ولئن كان الغرض السيّىء لواضع السورة، بعثه على أن استغلّ اسم الإمام وذكر بعض أوصافه لتركيز الاتّهام، من أجل تعميق الشقاق بين المسلمين، إلاّ أنّ من الغباء استغلال السلفيّة لذلك، للتأكيد على أهداف ذلك الجاهل، واعتبار هذا العمل دليلا على أنّ السورة المذكورة فعلٌ شيعيّ، وكذلك استغلال كلّ ما ورد من تفاسير أو تأويلات لبعض الآيات القرآنيّة
حسب الأحاديث الواردة في مصادر حديثيّة، مثل ما ورد في قوله تعالى:(وكفى الله المؤمنين القتال) من أنّ المراد: كفاهم بعلي(عليه السلام) واتّخاذ وجود ذلك في روايات الشيعة وتفاسيرهم ذريعة للهجوم وتركيز الاتّهام ضدّهم، إلاّ أنّ ممّا يخيّب ظنّ السلفيّة هو أنّ مصادر أهل السنّة تحتوي على مثل تلك الأحاديث، فقد روى السيوطي في تفسير تلك الآية من
(الدرّ المنثور 5/192) عن ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر، بالأسانيد عن ابن مسعود أنّه كان يقرأ الآية:(كفى الله المؤمنين القتال) بعلي بن أبي طالب.
وفي آية التبليغ: (يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَـفِرِينَ) الذي أكّدت أحاديث الشيعة وتفاسيرهم على أنّ سبب نزولها هو ولاية عليّ(عليه السلام)، وأنّ مكان نزولها هو غدير خمّ، فإنّ السلفيّة اعتبرت ذلك اعتداءاً، وتحريفاً، وتطويقاً للرسالة، وتخصيصاً لها بأمر ولاية عليّ (عليه السلام)، وذلك لرواية الشيعة ما يدلّ على ذلك.
بينما الروايات السنّية ومصادرها تورد عين ما روته الشيعة: روى السيوطي في
(الدرّ المنثور 2/298) عن ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) (يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) أنّ عليّاً مولى المؤمنين (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).
وكذلك بالنسبة إلى أسماء المنافقين، وأنّ روايات الشيعة فسّرت بعض الآيات بهم، وأنّ الآية تعني فلاناً وفلاناً، فقد اعتبره بعض السلفيّة قولا بسقوط الأسماء، بينما المراد هو تفسير الآيات وتطبيقها على المذكورين، مع أنّ أحاديث السلفيّة تحتوي على مثل قول حذيفة: التي تسمّون سورة التوبة هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلاّ نالت منه، ولا تقرأون إلاّ ربعها
(الدرّ المنثور 3/209).
فالذنب ليس هو ذنب التشيّع والولاء لعلي وآل علي(عليهم السلام)، ولا الرفض والبغض للمنافقين، وإنّما هو جعلهم ما ورد تفسيراً للآية، جزءاً منها!
وهذا أمرٌ لا يحتمله إلاّ مَنْ لا علم له بالقرآن، ولا يؤمنُ به نصّاً تامّاً لا ريبَ فيه، وقد عرفت اعتقاد الشيعة بأنّ هذا النصّ المتداول، كان منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد وَصَلَنا بسند متواتر عن حفص عن عاصم عن السلمي عن أميرالمؤمنين (عليه السلام).
مضافاً إلى قراءة الأئمّة (عليهم السلام) للآية، وكذلك المحدّثون والفقهاء والاُصوليون وغيرهم من العلماء، إنّما يتلون الآية كما هي في المصحف بلا زيادة ولا نقيصة، إذا قصدوا قراءة القرآن مجرّداً عن التفسير والتطسيق، وهذا في نفسه أكبرُ دليل على سلامة القرآن من أدنى ما يُريبُ، لا كما يوحيه السلفيّة ويشيعونه .
تأويل أو نسخ تلاوة؟
لقد كثرت الروايات التي جمعت بين النصّ القرآنيّ، كما هو في المصحف الشريف، و بين الكلمات الواردة للتفسير أو بيان التأويل، وفيها ما هو مُوهمٌ لكون المجموع كلاماً واحداً، وباقترانه بألفاظ مثل: «نزل» أو «قرأ» أو «في مصحف» أو «تلا» أو «آية» أو «سورة» وغيرها ممّا تعارف استعماله عند إرادة «القرآنيّة» و ذلك كلّه موهمٌ كون المجموع «قرآناً» منزلا!!.
وقد كثرتْ هذه الأحاديث في التراث الإسلاميّ، سواء مصادر الحديث السنّيّ، أو مصادر الحديث الشيعيّ.
ولقد حاول السلفيّة الجامدون على الألفاظ، والظواهر، من دون تأمّل في القرائن، ولا الاعتماد على ضوابط وقواعد ثابتة، الالتزام بما يوهمه ظاهرها من كون كلّ ما ورد من ذلك، جزءً داخلاً في نصّ القرآن، ممّا يؤدّي إلى النتيجة السخيفة، المحكوم عليها بالبطلان بإجماع عقلاء الاُمّة، وذوي الرأي والكلمة منهم.
وقد ردّ فطاحل العلماء من الشيعة والعامّة، على ذلك الهراء، لكنّ ثلّةً ضئيلةً - لايتجاوز عددها أصابع الإنسان - من مقلّدة أهل الحديث منهم، الترموا بظاهر الأحاديث تلك، وخالفهم حتّى من أهل الحديث أنفسهم الأكثرون والكبار، فضلاً
عن المحقّقين من الفقهاء والمفسّرين والمتكلّمين وعلماء العربيّة بفنونها، مصرّحين بالحقّ ومعلنين عن خطأ تلك الثلّة الشاذّة .
وتذرّع الحاقدون على الإسلام والتشيّع بكلمات تلك الثلّة الضئيلة، التي لا تمثّل في كلّ قرن سوى الواحد من الألف ـ كما أشرنا ـ وليس في القدماء منهم أحدٌ، بل هو رأيٌ متأخّرٌ، ولعلّه متأثّرٌ بسلفيّة العامّة، ومعتمدٌ على ما ورد عنهم، كما هو رأيٌ في نشوء الفكرة السلفيّة في الوسط الشيعيّ.
ولقد أوغل الأميريّون من السلفيّة المعاصرة في إثارة شُبهة التحريف مُعْلنين عن أسماء هؤلاء الثلّة الضئيلة مكرّرين للأسماء حُبّاً للتكثير والتضحيم والتهويل والتشهير، متّهمين بذلك جميع المذهب الشيعيّ، بعنوان (الشيعة الإماميّة الاثنى عشريّة) زعماً أنّ أصحاب تلك الآراء علماء كبار مترجمين عند الشيعة، ويدّعي السلفيّة أنّ مجرّد ذكر هؤلاء يدلُّ على قبول آرائهم تلك، وأنّ ذكرهم وذكر آثارهم وأعمالهم العلميّة المتنوّعة يعني الالتزام بمقالتهم الشاذّة !
لكنّ هذا التذرّع فاسدٌ وباطلٌ وقبيحٌ من أهل العلم والدين، إذْ من المعلوم لكلّ عاقل مؤمن يخشى الله أنّ شذوذَ واحد من العلماء في رأي ومسألة، اعتماداً على أحاديث أساء فهمها،أو شبهة حصلتْ له، ومع العلم بأنّه لم يتعمّد ولم يتعدّ لأنّه إنّما يعتمد الأحاديث التي يطنّها حجّةً عنده، فهو يرى نفسه متعبّداً ومتشرّعاً، بل سلفيّاً ناجياً، فرأيُه الشاذّ الباطل مرفوضٌ ومردودٌ لكن لايمكن أنْ يُنفى وترفض جميع أعماله حتّى ما كان منها حقّاً.
فآراء مثل هؤلاء ترفض لمخالفتها لجماهير الأمّة الإسلاميّة، وأمّا رواياتهم وأعمالهم الصائبة والحسنة الواردة في سائر مؤلّفاتهم الخالية من الشذوذ، لا معنى لرفضها والإعراض عنها.
ولو كان وجود الرأي الفاسد الواحد - خصوصاً على أثر الشبهة - موجباً لرفض جميع ما عنده من الحقّ، لأدّى ذلك إلى رفض جميع ما عند المسلمين من
التراث العلميّ والذي لا يوجد الحق ُّ إلا في مجموعته، إذْ قلّما يخلو عالمٌ من أعلام المسلمين من مخالفة على أثر السهو أو الخطأ أو الشذوذ في الفهم أو الانفراد بالرأي، لعدم العصمة من ذلك، فتركُ تراثهم يؤدّى إلى انهيار الدين واضمحلال المعارف الإسلاميّة، ولا شكّ في أنّ هذا هو ما يهدف إليه الوهابيّون المثيرون لهذه الشبهة والدعاة إلى التفريق بين المسلمين والمعارضين لجهود التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، محاولين بذلك القصل بين الأمّة وبين علماء الدين وتراثهم العلمي الزاخر بالمعارف الحقّة.
لكنّ العقلاء من أبناء الإسلام يعرفون خُبْثَ هذه الدعوة اللئيمة، وهم يتّبعون الحقّ الذي أرشدهم إليه الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) خيثُ أمرونا في مثل هذه الموارد بقولهم : « خُذُوا ما رَوَوْا و ذَرُوْا ما رَأوْا» فنرفض آراء كلّ من شذّ، لكونها مخالفةً لما اتفقتْ عليه جماهيرُ المسلمين، ولا نترك ما ثبتَ في التراث الإسلامىّ العزيز من الحقّ، من أجل ما توهمه السلفيّة اليوم من الشبهات والأباطيل .
وها هم جمهور الشيعة قد نفوا تلك ظواهر الأخبار، و أسقطوها اعتماداً على ما أسلفنا من الأدلّة على قطعيّة القرآن، وعدم الريب فيه، والتزموا يكون ما خالف ذلك تأويلا أو تفسيراً من الراوي أوالكاتب، وإلاّ فإسقاطه وطرحه والضرب به عرض الجدار.
لكنّ الأمر بالنسبة إلى العامّة والمتسمّين بأهل السنّة بالعكس، فثلّة قليلة من المحقّقين منهم نفوا ظاهر تلك الأخبار في القرآنيّة واستنكروا كلام السلفيّة الجامدة على ظواهر تلك الأحاديث، ونفوا عن القرآن ذلك الحشو المدّعى.
وأمّا جمهور السلفيّة من أهل الحديث السنّة فقد التزموا بما دلّتْ عليه الروايات التي اعتبروها صحيحة الإسناد، وواضحة الدلالة على المراد، وهو كون الكلمات المضافة تنزيلا ووحياً، إلاّ أنّهم قالوا: إنّ جميع ذلك منسوخ التلاوة، أي لا يعدّ من القرآن المتلوّ، وأنّه كان قرآناً ونُسِخَ، فليس الآن قرآناً، فلا يمسّ النصّ
القرآنيّ وسلامته.
فجمهور المسلمين ـ شيعة وسنّة ـ متّفقون في الاعتقاد بأنّ النصّ القرآنيّ المتداول هو الوحي الإلهي الكامل، المصون، المحفوظ، من دون زيادة أو نقيصة، ولكن اختلفوا في الأخبار الواردة في كتب الحديث، والتي تناقلها الرواة، وثبتت في الكتب، وقد صحّ بعضها، حسب القناعات المصطلحة بين أهل الحديث، أو حسب القواعد المقرّرة بينهم.
فرأيُ الشيعة أنّها تحمل على التفسير للنصّ القرآنيّ، وبيان أسباب النزول، أو التأويل، وكون المضافات المذكورة فيها تطبيقات للنصّ ولا مساس لها باللفظ ولا ترتبط بمسألة التحريف أبداً.
وعلى هذا; فهذه الكلمات المضافة لاترتبط بالوحي، وليست منزلة من الله تعالى، وإنّما هي كلماتٌ بشريّة، سواء كانتْ موصولةً بالنبيّ والأئمّة (عليهم السلام)أو من الصحابة والتابعين أو المفسّرين و العلماء المتأخّرين.
وهذا رأيُ جمهور الشيعة وهو صيانةُ القرآن من أيّ تأثّر بتلك الأخبار، وما فيها من كلمات وعبارات.
ورأيُ أهل السنّة أنّ الأخبار يُلتزم بظاهرها من كون الكلمات المضافة التي جاءتْ بها هي من الوحي المنزل وكلام البارئ جلّ وعلا، إلاّ أنّ الكلمات المضافة ليستْ قرآناً، لأنّ تلاوتها وقرآنيّتها قد نُسِخ ورفع، فلا تؤثّر في النصّ الموجود الذي هو قرآنٌ متلوٌّ بلاريب، وهذا هو رأيُ جمهور العامّة المنسوبين إلى السنّة.
أمّا التأويل :
فإنَّ له أصلاً إسلاميّاً عريقاً، فقد ورد في نصوص ثابتة وجاء القرآنُ به مكرّراً في الآية
(7) من سورة آل عمران، والآية
(53) من سورة الأعراف، وغيرهما، كما ورد مصطلح التأويل في الحديث الشريف بكثرة، مثل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليٌّ يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله».
وقول الإمام عليّ (عليه السلام) ـ عن ما جمعه في كتابه - : «ولقد جئتُهم بالكتاب مشتملا على التنزيل والتأويل» .
وكما يُلاحظ فإنّ التأويل يذكر مع التنزيل، والمراد بالتنزيل هو نصّه المنزل على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ما بين الدفّتين كتاب الله وكلامه المعجزة الخالدة.
فالمراد بالتأويل ما هو خارج منه لكن يرتبط به، ليؤدّي مراده، ويعرّف مرامه، ويحدّد فرائضه وأحكامه، وهو غير التفسير الذي يعني توضيح معناه وشرح كلماته وجمله، فالأحاديث الشيعيّة الواردة في المقام، تشير إلى ما هو تأويل الآيات المذكورة معها، وتخرّج مراداتها حسب ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام)، ولذا نجد أنّهم (عليهم السلام) يعنونون للآية بنصّها كما هو مثبتٌ في المصحف الشريف، ثمّ يعقّبون ذلك بالأحاديث الدالّة على التأويل، كما هو شأن المفسّرين، حيث يذكرون الآية في العنوان ثمّ يذكرون من كلامهم ما هو تفسير لها، وهذا المنهج منطبقٌ على جميع ما ورد في التفاسير القديمة، وكتب الأخبار كتفسير القمّي والكافي للكليني وغيرهما.
لكن الظاهريّة من عامّة السلفيّة، الذين لا يتأمّلون شيئاً من أساليب التأليف ولا مناهج المؤلّفين، وبالأخصّ الوهابيّين اُولئك الذين يعملون بسوء ظنٍّ بالشيعة، وبالحقد الدفين لأهل البيت ، وبطريقة عدائيّة لكلّ ما لايعلمون، يُحاولون قطع أوصال الكلام الواحد ، وعدم ملاحظة سياقه المتّحد، وينقلون رواية منفصلة عن موضعها المناسب في ذيل الآية الكريمة ، ومن دون ملاحظة لمعنى التأويل وأهدافه ، ويتهجّمون على ذلك الراوي والمؤلّف ، بل على الطائفة كلّها ، بينما لو أنصفوا ، وتأمّلوا ، لوجدوا الأمر كما شرحنا: رواياتٌ منقولةٌ حول النصّ القرآنيّ بغرض تفسيره ، ثمّ رواياتٌ تؤوّلها، كما هو المنقول عن أهل البيت (عليهم السلام).
فالسلفيّة الجامدون، هم الذين تصوّروا أنّ تلك الأحاديث تدلُّ على أنّ الآية الفلانيّة «سقط» منها لفظٌ، أو «ذهبت» منها جملة، أو «ضاع» أو «حذف» أو غير
ذلك من العبارات الدالّة على النقص أو الزيادة!.
وقديماً انطلتْ هذه الشبهةُ على بعض الصحابة والتابعين، فنقلوا ما فهموا، نقلا للحديث بالمعنى، فاختلط الحابل بالنابل.
والناظر من بُعْد يجدُ ـ بكلّ تأكيد ـ أنّ هؤلاء متوهّمون في ما فهموا، ومخطئون فيما حكموا، ومقصّرون في ما كتبوا حول الآيات، فهم الذين يتّهمون القرآن، ويُطلقون عليه لفظ «التحريف» السخيف .
ومن هنا نفهم ما قيل في شأنهم : «أنّهم حرّفوا» أي إنّهم نسبُوا إليه هذه الكلمة النابية، واتّهموه بها زُوراً وبُهتاناً، وليس المرادُ قيامهم بعمليّة التحريف ، فإنّهم أحقرُ من ذلك وأعجزُ ، بعدَ وعد الله تعالى بحفظه، وهذا التعبير كما يقال : إنّ شخصاً فسّقَ فلاناً، بمعنى أنّه نسبَ إليه الفسق، لابمعنى جعله فاسقاً.
ولو دقّقنا النظر لوجدنا وراء مؤامرة اتّهام القرآن الكريم وإلصاق هذه الكلمة به إنّما هم بنو أميّة حكّام الشام، أولئك الذين كانوا يضغطون على الصحابة لتطويعهم وتطبيع مواقفهم معهم إلى حدّ التدجين والتهجين! كما صرّح بذلك أبوالدرداء (فتح الباري 8/707).
ولذلك نجد أصابع الاتّهام في منقولات السلفيّة تُشيرُ إلى أسماء من قبيل عُبيدالله بن زياد - قاتل الحسين السبط (عليه السلام) - والحجّاج الثقفي السفّاك - قاتل حملة القرآن وحفّاظه - أنّهم تدخّلوا في القرآن بالتغيير والتبديل (لاحظ المصاحف للسجستاني) ولا نشكُّ في هذه الدعايات أنّها أمويّة تهدف إلى الحطّ من كرامة القرآن بتوجيه هذا الاتّهام إليه، وزعزعة الثقة بنصّه المقدّس، وترهيب الناس بأسماء هؤلاء القتلة السفّاحين، وإلاّ فمن أينَ لهذه الحُثالات أنْ يتدخّلوا في أمر كتاب الله ويتصرّفوا فيه ؟؟! وتستمرّ الجريمة بتداول هذه الأخبار وتناقلها في الصحاح والمسانيد بالروايات المسندة، ويتبجّح أهل الحديث بروايتها والاستكثار منها!من دون خجل !!
وقد أبان الإمام الحسن السبط الأكبر (عليه السلام) عن هذه الحقيقة في كلام له: ثمّ قالوا «قد ضاع منه قرآنٌ كثيرٌ» بل كذبوا والله، بل هو مجموعٌ محفوظٌ عند أهله(الاحتجاج 2/7)
بينما الشيعة هم نقلة هذا القرآن وحفظته، والمراقبون الأمناء على قراءته وضبطه وإعرابه، كما ذكرنا سابقاً.
هذا هو رأي الشيعة في القرآن وموقفهم من أحاديث الآحاد التي توهمُ خلافاً، وتفنيدهم لمزاعم السلفيّة المعتدين عليه بالتشويش والتهويل .
وقد وافقَ الشيعةَ في أصل فكرة التأويل بعضُ أهل السنّة، فقال: لا يجوز أنْ يُضاف إلى عبدالله بن مسعود أو إلى اُبيّ بن كعب أو زيد أو عثمان، جحدُ آية أو حرف من كتاب الله، أو تغييره أو قراءته على خلاف الوجه المرسوم، والقنوت المروي عن أُبي [سورتا الحفد والخلع] الذي أثبته في مصحفه لم تقم حجّةٌ بأنّه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، وقد روي أنّه أثبته في مصحفه، وهو قد أثبتَ في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء أوتأويل
(البرهان في علوم القرآن للزركشي 2/136).
و حمل الفيض الكاشاني من المفسّرين، والمحدّثين الشيعة، ما ورد بعنوان أنّ القرآن قد غُيّر وبُدّل على: أنّ المراد بالتحريف والتغيير والحذف إنّما هو من حيث المعنى دون اللفظ أي حرّفوا مراده، وغيّروا تفسيره وتأويله، أي حملوه على خلاف ما هو في نفس الأمر، وكذا معنى قولهم:«اُنزلت» أي أنّ المراد الذي نزل به جبرئيل هو كذا، لا ما يُفهم من ظاهره، فليس المراد أنّ المنزل كان بلفظ آخر غير ما هو الموجود في المصحف أو أنّه قد حذف
(علم اليقين 1/780).
ولو تعقّل أهلُ السنّة هذا الحلّ، ووافقواالمسلمين على الالتزام به لم تبقَ مشكلة، ولم نقفْ على بحث اسمه التحريف،ولكنّهم ـ سوى البعض ـ وقفوا بشدّة ضدّ هذاالحلّ، واعتبروه حلاًّ شيعيّاً، ولم يستسيغوه ورفضوه، وقد يعبّر عن الملتزمين به بالباطنيّة، لاعتبارهم المعنى التأويليّ باطناً، ويعدّون ذلك نَبْزاً،وهذا
كلّه تجاوُزٌ على الحقّ،فإنّ التأويل له أصلٌ قرآنيٌّ ونبويٌّ،وقد أكّد عليه أهلُ البيت(عليهم السلام) وأجمعَ عليه الشيعةُ، ووافقَ عليه فضلاءُ العامّة، وذكر الباطن للقرآن في أحاديث كثيرة، وليس عدّهم ذلك نَبْزاً وهجومهم عليه، موجباً لقبحه فضلا عن بطلانه.
وقد تحدّثنا بتفصيل عمّا يرتبط بـالتأويل القرآنيّ في بحث مستقلّ.
ولمّا أنكرَ أهلُ السنّة فكرةَ التأويل، مع رفضهم لظواهر الأخبار من جانب والتزامهم بصحّتها من جانب آخر;اضطروا إلى الالتزام بحلٍّ آخر، هو الحمل على نسخ التلاوة: بمعنى أنّ ما جاء في الأحاديث من كلمات أو جمل أو آيات أو سور، إنّما كانتْ قرآناً، ولكن نُسِختْ تلاوتُها، أي رُفِعتْ قرآنيّتُها، فليستْ قرآناً يُتلى أو يكتب في المصحف، فليس عدم وجودها في القرآن، نقصاً فيه، لعدم كونها فعلاً قرآناً، كما أنّ وجودها في بعض المصاحف ليس زيادةً فيها، لأنّها كانتْ قرآناً مُنزَلا، لكن ارتفعت تلاوتُها، فلا تُقرءُ كقرآن، ولا تُكتب في المصحف، وإنْ بقي حكمُها سارياً ولم ينسخ ؟؟؟
هذا هو رأي أهل الحديث السلفيّة، وقد عدّوا ذلك نوعاً من النسخ الذي جاء في القرآن الذي جاء في قوله تعالى : (ما ننسخ من آية أو نُنسها نأتِ بخير منهما أو مثلها) فجعلوا النسخ ـ للتلاوة ـ والإنساء لها، مرتبطانِ بالآية القرآنيّة المنزَلة، وطبّقوا ذلك على الآيات الواردة في الأحاديث، والتي عبّر عنها الصحابةُ بما يدلّ على القرآنيّة، حسب ظاهر الأحاديث، لكنّها في الواقع: منسوخة التلاوة، فلا تكون فيها مصادمة لسلامة القرآن وصيانته، كما ذكرنا.
وقد أكّد الكتّابُ المعاصرون من السلفيّة على هذا الحلّ واعتبروه مخلّصاً لهم من محذور القول بالتحريف، وابتهجوا بمن قال بذلك من الشيعة، أو ظهر منه ذلك، كالسّيد المرتضى الذي عنون في كتاب اُصوله (الذريعة) لباب نسخ التلاوة، أو الفيض الكاشاني المفسّر المحدّث، الذي احتمل ذلك في الآيات
الخبريّة الظنيّة.
ولو كان السلفيّةُ ـ المعاصرون ـ ملتزمين بهذا الحلّ في كلّ ما ورد من الروايات والأحاديث، سواء ما ورد من طرق الشيعة أو السنّة، فهم يحملونها كلّها على نسخ التلاوة الذي يعتبرونه ! لأنتهتْ المشكلة كذلك، ولم يبق اعتراض اسمه التحريف، ولا احتماله ، لكنّهم التزموا بهذا الحلّ في تصحيح أحاديثهم وحلّ المشكلة فيها، وبقوا يعترضون على أحاديث الشيعة ويعتبرونها كفراً وإساءة وتحريفاً! وبقوا يعترضون على قدماء أو متأخّرين من الشيعة ممّن نقلوا تلك الأحاديث، أوعبّروا عن دلالاتها الظاهرة، أو سكتوا عنها، فهاجموهم وهاجموا الطائفة الشيعيّة كلّها عن بكرة أبيهم بتهمة التحريف!.
فلماذا لم يحملوا الأحاديث على نسخ التلاوة أو يحكموا بخطأ اُولئك في فهمهم، وهم ثلّة قليلة، لم يوافقهم على فهمهم جمهورُ المسلمين.
إنّ السلفيّة المعاصرين ـ أصحاب نسخ التلاوة ـ احتكروا هذا الحلّ لأنفسهم ونزّهوا به أحاديثهم ورواتها وجامعيها في الكتب، فأبعدروا الجميع عن شبهة التحريف، ولكنهم عكسوا الأمر مع نفس تلك الأخبار لمّا وردتْ في روايات الشيعة وكتبهم، بل اعتبروهم قائلين بالتحريف، وتهجّموا عليهم إلى حدّ التكفير!
والغريب أنّ السلفيّة غفلوا عن أصحابهم القدماء الحشويّة الظاهريّة، الذين التزموا بشدّة بما تدلّ عليه ظواهرُ الأحاديث، ورفضوا تأويلها، ولم يعترفوا بنسخ التلاوة، بل ناقشوا- هم وكثيرٌ من المتأخّرين والمعاصرين من أهل السنّة - في صحّة نسخ التلاوة، واعتبروه لغواً، فالتزموا بالتالي بصحّة ما ورد من الأحاديث .
ولازمه اعترافهم بظاهر ما فيها، كما هو منهجهم في جعل مجرّد النقل التزاما وقبولاً بل عقيدة!
إلاّ أنّ المنصفين منهم، رفضوا صحّة الأحاديث كلّها، شيعيّها وسنيّها، كما هو الرأي الصائب، بعد عدم إمكان تأويلها!
وقد اعترضوا على نسخ التلاوة بوجوه نلخّصها:
الوجه الأوّل: أنّ نسخ التلاوة، مصطلح جديد، لم يعهد في التراث الإسلاميّ، ولم يجر على لسان أحد من الصحابة أو التابعين، فضلاً عن رفعه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
ولا دليلَ على ذلك من القرآن ولا السنّة، لأنّ كلمة «آية» في قوله تعالى:«ما ننسخ من آية أو ننسها» لا تعني الآية القرآنيّة التي هي كلام الله، بل المراد المعاجز المودعة عند الأنبياء، والتي كانت معهم للدلالة على رسالاتهم.
وكذلك ألفاظ من قبيل «ذهب» أو «سقط» أو «رفع» ممّا استعمل في أحاديث الآيات، ليست دالّة إلاّ على معانيها اللغويّة، وهي تقتضي ثبوت هذه الإضافات الخبريّة، بعنوان النزول والآية والسورة، يعني أنّها قرآنٌ سقط أو رفع أو ذهب،، فيثبتُ قرآنيّها على عكس ما يريد أصحاب نسخ التلاوة، لأنّ هذا يعني إثبات قرآنيّتها قبل النسخ، وإذا لم تثبتْ شرعيّة النسخ فلا بدّ من الحكم ببقاء الآية على قرآنيّتها حتّى يُعلم بارتفاعها، ومع الشكّ تبقى على حالها.
الوجه الثاني: أنّ القرآن كما أنّ أصله يحتاج إلى التواتر في إثباته، كذلك نسخه يحتاج إلى تواتُر برفعه، فهذه الأحاديث كما أنّها لا تدلّ على إثبات القرآنيّة، فليستْ كافيةً في نسخ التلاوة أيضاً، فوجود النسخ في بعض المصاحف لا أثرله، كما أنّ ما دلّ على زيادة بعض ما في المصحف الكريم من السور، كالحمد والمعوّذتين، وكذلك الكلمات والجمل، كما سبق ذكره، لا يمكن الاستناد إليه لنفيها، لأنّها ثبتتْ بالتواتر القطعي، فلا ترتفع بالحديث الظنّيّ.
الوجه الثالث: أنّ أهمّ اعتراض على القول بالتحريف هو سقوط مجموعة كبيرة من الآيات القرآنيّة، وفُقدانها، وهذا يعني ذهاب أحكام ومعارف إلهيّة بقدر تلك الآيات، من دون أن يكون هناك ما يعوّض عنها، لعدم التصريح في شيء من النصوص بالتعويض المذكور.
وهذا الاعتراض لا يندفع بالقول بنسخ التلاوة، حيثُ إنّ الأحاديث تدلّ كما أسلفنا على «سقوط» مجموعة كبيرة من «الآيات» وعدم وجود بديل عنها. وحتّى لو كانت منسوخة التلاوة، ولم تكن فعلاً من القرآن، إلاّ أنّ المفروض نزولها وكونها سابقاً قرآناً ولا وجود لها ولالبديلها، لكن أينَ أحكامها ومعارفها؟
فنظريّة (نسخ التلاوة) تتضمّن الاعتراف بأنّ المحذوفات، كانت قرآناً، وإذا نسخ تلاوتها لم تنسخ أحكامها؟ فأينَ أحكام تلك المجموعة المفقودة ؟
فبهذا تتساوى النتيجة الخطيرة المترتّبة على القول بالتحريف الباطل، والمترتّبة على القول بنسخ التلاوة، من حيث فقدان مجموعة من الأحكام الي كانت في القرآن، فلابدّ أن يكون النسخ المذكور أيضاً باطلا.
الوجه الرابع: أنّ الآية المنسوخ تلاوتها، إذا فرض نزولها أوّلا، وفرض بقاء حكمها أخيراً، كما يزعمُون في آية الرجم
(المحلّى لابن حزم 11/235) وآية الرضاع
(المحلّى 10/14 و 16) وآية صيام ثلاثة أيّام
(اُصول السرخسي 2/80) فما هي الحكمة في رفع تلاوتها؟ مع أنّ الهدف من نزول الآية هو الحكم، والمفروض أنّ النزول قد تحقّق، والحكم باق، فليس هناك أيُّ معنىً في (رفع التلاوة) المزعوم.
وقد عبّر بعضهم عن هذا الاعتراض بأنّ القرآن يُقصد منه إفادة الحكم، فما هي المصلحة في رفع آية منه مع بقاء حكمها، إنّ ذلك غير مفهوم، وأرى أنّه ليس ما يدعو إلى القول به.
ونقل الشيخ علي حسن العريض مفتّش الوعظ بالأزهر الشريف بالقاهرة في كتابه
(فتح المنّان في نسخ القرآن ص223 ـ 230): إنّ الحقّ أنّ هذاالنوع من النسخ (نسخ التلاوة) غير جائز، لأنّ الآثار التي اعتمدوا عليها لا تنهض دليلا لهم، ولأنّه يفتح ثغرةً للطاعنين في كتاب الله تعالى من أعداء الإسلام الذين يتربّصون به الدوائر، وينتهزون الفرصة لهدمه، وتشكيك الناس فيه.
الوجه الخامس: أنّ النصوص المذكورة بما أنّها كانت قرآناً، قد عبّروا عنها
بقولهم: «كتبتْ في المصحف» و«كنّا نقرأ» و«نزلت» و«كان في المصحف» فهذه تقتضي وجودها - سابقاً- في القرآن، وكونها قرآناً منزلا، وكذلك تعبيرهم عنها بأنّها «رفعت»و«اُسقطت»و«ونسيتْ» و«اُخفي من المصحف» أو «ذهبَ منه» وما أشبهَ يدلّ على الرفع بعد الوجود في المصحف.
وبقطع النظر عن مجهوليّة الشخص الرافع والمسقط، حيث لم نجد في مورد واحد نسبة الرفع إلى الله تعالى أو النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى يُعتبر الحديث بذلك مرفوعاً متّصلا بالشارع فيكون حجّةً، فليس شيءٌ من الأمرين ثبوت القرآنيّة ورفعها مبتنياً على دليل شرعيّ.
ومع كلّ هذا فلو فرضنا أنّ الحديث يكفي لإثبات القرآنيّة على مباني السلفيّة فوجود «الآية» في القرآن يقتضي اُموراً ثلاثة:
1-القرآنيّة وكونها كلام الله المنزل للإعجاز.
2-والتلاوة ودخولها في المصحف.
3-والحكم الشرعي المدلول بها.
و «نسخ التلاوة» يقتضي رفع الثاني فقطْ، مع بقاء الثالث وهو الحكم، وأمّا القرآنيّة فتبقى غير مبحوثة؟ فهل يعتقد القائلون بنسخ التلاوة بقرآنيّتها، كما هو ظاهرالأحاديث ؟ الدالّ -بالفرض- على كونها آيات بنصوصها المنقولة؟
مع بعدها عن روح القرآن ونَفَس كلام الله، ولا تقرب من روعته ولا بيانه ولا بلاغته ولا إعجازه؟ فكيف يعتقد أنّها كانت قرآناً؟!
ثمّ هي أخبار آحاد لا يثبتُ بها قرآنٌ، حتّى لو كان منسوخَ التلاوة، لأنّ نسخ التلاوة فرعُ كونه قرآناً سابقاً، ولا يثبتُ بهذه الأخبار، كما سبق.
الوجه الأخير: قال ابن الخطيب المصري في
(الفرقان ص157) أمّا ما يدّعونه من نسخ تلاوة بعض الآيات مع بقاء حكمها فأمرٌ لا يقبله إنسان يحترم نفسه، ويقدّر ما وهبه الله تعالى من نعمة العقل; إذ ما هي الحكمة في نسخ تلاوة آية مع
بقاء حكمها؟ وما الحكمة في صدور قانون واجب التنفيذ، ورفع ألفاظ هذا القانون مع بقاء العمل بأحكامه؟ ثمّ أورد زعمهم أنّ آية (الشيخ والشيخة) من القرآن المنسوخ التلاوة، ويقول: لو كانتْ من القرآن لما أغفلها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولرواها السلفُ الصالح في مصاحفهم، ولو أراد عمر كتابتها ما استطاع منعه إنسان.
وهكذا نجد أنّ الالتجاء في حلّ مشكلة الأحاديث المحتوية على الآيات المزعومة إلى «نسخ التلاوة» لا يجدي شيئاً، لبطلانه وتفاهته، وعدم مقبوليّته، عند علماء أهل السنّة والشيعة
( لاحظ كتاب الهدى إلى دين المصطفى للبلاغي 1/336)
لكنّ المتعصّبين للحديث من السلفيّة، يصرّون على قبوله، بل وينسبونه إلى الشيعة نفاة التحريف فيقول أحدهم: إنّ السّيد الشريف المرتضى ـ لمّا كان ينكر التحريف رأيناه يقرّ بنسخ التلاوة، ففي كتابه
(الذريعة 1/428) قال: فصلٌ في جواز نسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دونه، ثمّ تكلّم عن ذلك. انتهى نقل السلفي.
لكنّه، بَتَرَ كلام السّيد المرتضى في ذلك الفصل ولم ينقله يتمامه ، ولو نقله لوجد القارىء ضدّ ما يدّعي من الإقرار بنسخ التلاوة، فإنّ السّيد المرتضى قال: ومثال نسخ التلاوة دون الحكم غير مقطوع به، لأنّه من جهة خبر الآحاد، وهو ما روي أنّ من جملة القرآن: (والشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة) فنسخت تلاوة ذلك
(الذريعة 1/429).
هذا كلام المرتضى عن نسخ التلاوة، ومن المعلوم أنّه لم يلتزم ولم يقرّ به، بل صرّح بعدم القطع به لكونه مرويّاً بطرق الآحاد، التي لا توجب علماً ولا عملا، عنده وعند كلّ الشيعة، فلا يقطع بقرآنيّة: (الشيخ والشيخة ...) والحكم بالنسخ فرع القطع بالقرآنيّة.
وهذا بخلاف السلفيّة وأهل الحديث من العامّة، الذين يقطعون بالقرآنيّة، ثمّ
يحكمون بنسخ التلاوة عن ما كان قرآناً!!.
ولو فرضنا ـ تنازلا ـ بصحّة نسخ التلاوة، كما ينسبه السلفيّة إلى المرتضى، وإلى الفيض الكاشاني أو غيرهما، فهلاّ حملوا جميع ما ورد عند المسلمين من الأحاديث المحتملة لهذا، على نسخ التلاوة، ولم يُهاجموا الطوائف الاُخرى بالتحريف! حتّى يسلم القرآن من هذه التهمة، لو كنتم أيّها السلفيّةُ تحبّون الله ورسوله والقرآنَ والإسلام ووحدة المسلمين؟
لكنّ السلفيّة من العامّة يرونَ أنّ نسخ التلاوة حلّ خاصٌ بأحاديثهم المرويّة في كتبهم، دون الأحاديث المرويّة في كتب المسلمين من الطوائف الاُخرى، فهم يحتكرون هذا الحلّ لأنفسهم!، بقطع النظر عن بطلانه بالوجوه السابقة!
ثمّ هم لا يقبلون حلّ التأويل، الذي يتّفق عليه سائر المسلمين، مع أنّ حلّ التأويل له أصلٌ إسلاميٌّ تحدّث عنه القرآنُ والحديث النبويِّ وقَبِلَهُ الأئمّةُ والعلماء والمحقّقون، كما سبق .
فانظرْ أيّها الأخُ المسلم إلى هذا التعنُّت السلفيّ، وإلى هذا الاحتكار، وإلى هذا الاستبداد؟
ولو أنصفوا، لقبلوا من كلّ طائفة عذرهم وتوجيههم، وقبلوا من كلّ أحد تصريحه بالنفي للتحريف عن هذا النصّ المتداول والموجود بين الدفّتين، ولم يفسحوا المجال للدعاوى الباطلة والاتّهامات الزائفة التي يوجّهونها للآخرين، ولا مجالا للأجانب عن هذا الدين، بالاعتراض والاعتداء على كرامة القرآن، ودعوى التحريف فيه، أو الاحتجاج على المسلمين بزعم الاختلاف في نصّه ونسخه وصحّته.
والمسلمُ الذي يؤمن بالله ورسوله وبالقرآن، يعلم أنّ هذا الموجود بين الدفّتين في أيدي المسلمين والمعروف من رواية حفص عن عاصم عن السلمي عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو كلام الله الكريم، ويعلم ببطلان كلّ ما يخالفه من
الأحاديث المنقولة، والتي توهمُ نقصان شيء أو زيادته، بحرف أو كلمة أو جملة، أو آية أو سورة، أو أكثر، فإنّه كلّه باطل وهراء!!.
فصل الخطاب أو الفرقان
هذه قصّة الأحاديث مجملا ومفصّلا، لكنّ المحنة لم تقف عند هذا الحدّ ما دام الشيطان الخنّاس، يوسوس في الصدور من الجنّة والناس، فيحرّك مجموعة المتحجّرين من أهل الحديث، وبدعوى الدفاع عن القرآن، ليجمع شتات ما تفرّق من الأحاديث المشبوهة، والمتشابهة، والتي فيها الإشارات والإثارات، حول القرآن وآياته، وقد تكون بنوايا طيّبة بزعمهم، لكنّهم غافلون عن سوء ما يصنعون، ويحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، بينما هم يعرّضون أقدس نصٍّ للتهمة، ويجعلونه عُرضة للجدل الباطل.
فمن الشيعة ينبري النوري لتأليف (فصل الخطاب لجمع الروايات المتضمنّة لشبهة تحريف كتاب ربّ الأرباب) يعني تلك التي يتراءى منها التحريف.
وقد كدّس فيه كلّ ما نقل وروي من تلك الأحاديث، من أين ما ورد، وممّن ورد، فجمعَ فيه كلّ منقول مع سند وبلا سند، من طرق الشيعة أو أهل السنّة، وحتّى من كتب الوجادة، وحتّى لمعاصرين مثل (دبستان مذاهب) المؤلّف أخيراً، الذي أثبتَ فيه مزعومة الولاية، ومن دون نسبة إلى أحد، ومع مجهوليّة مؤلّفه وعدم ثبوت كونه مسلماً!
وهذا شأنُ مَنْ يتصدّى لمجرّد الجمع والتأليف من دون الفحص والتحقيق والتثبّت، بزعم الرغبة في المحافظة على النصوص، وبغرض تهيئة المادّة للباحثين.
وهذا الغرضُ لو كان حسناً في موضوعات اُخرى، فإنّه في موضوع حسّاس كمسألة القرآن، يعدُّ عملا خطيراً مثيراً للحسّاسيّة، خاصّة أنّ الأعداء الحاقدين يترصّدون مثل ذلك ليركّزوا الهجمة على المذهب الذي يعدّ المؤلّف منهم، وهو
معروفٌ بالزهد والصلاح والتقوى بينهم، ومع ذلك فإنّ العلماء المعاصرين له قد انتقدوا فعله، وهاجموه بشدّة، حتّى اضطرّ إلى سحب الكتاب من الأسواق، وإلى إصدار كرّاس صغير يصرّح فيه بأنّ غرضه تبيينُ أنّ الأحاديث المجموعة في كتاب (فصل الخطاب) وإن دلّت بظاهرها على ما عنونتْ له إلاّ أنّها ليستْ مثبتةً له، لعدم حجّيتها، وأنّها آحادٌ، وأنّها ضعيفةُ الإسناد، أو ضرورة تأويلها بما يصان به نصّ القرآن من الشبه .
لكنّ السلفيّة المغرضين ـ وخاصةً في عصرنا الأخير ـ لم يأبهوا بكلّ ذلك، وراحوا يهرّجون على الشيعة من أجل تأليف ذلك الكتاب، حتّى طبعوه من جديد! ونشروا نسخته المندثرة ! لغرض ضرب الشيعة وإبعاد المسلمين عن حركتهم الإسلاميّة القائمة بقيادة الإمام الخامنئي في الجمهوريّة الإيرانيّة، والمعارضة للاستعمار، والداعية إلى التقارب بين المذاهب الإسلاميّة لتوحيد الصفّ الإسلاميّ.
وقد عقّبوا ذلك بنشر الكتب العديدة المؤكّدة على أنّ قرآن الشيعة محرّف، كذباً وزوراً وبهتاناً، وهم يدعون إلى نبذ التقريب ورفض رسالته التي لايشكّ المسلمون في ضرورتها اليوم حيث يتكالبُ عليه - من خارج البلاد -الغربُ الكافرُ ومرتزقته النصارى واليهود، و- في داخل البلاد- عملاؤهم الأذلاّء من الحكّام الظلمة والأمراء الفجّار والعلمانيّين الملحدين ، مجتمعين متّحدين لضرب المسلمين .
وينبري من أهل السنّة شخصٌ باسم محمّد محمّد عبداللطيف ابن الخطيب من علماء مصر، لجمع أحاديث التحريف تلك المروية في كتب أهل الحديث من الصحاح والمسانيد والتفاسير وكتب الفقه والتاريخ وغيرها، وأصدرها في كتاب باسم (الفرقان) مكدّساً فيه كلّ ما روتْه العامّة أهل السنّة ممّا تضمّن نسبة النقيصة والتغيير والحذف والتبديل في نصّ الكتاب العزيز، وقد طبع كتاب الفرقان
بمطبعة دار الكتب المصرية ـ القاهرة عام 1367هـ ، وأعادته دار الكتب العلمية بيروت (بدون تاريخ) وقد أثارَ غضب علماء الأزهر الشريف، فأوعزتْ إلى الحكومة بمصادرة الكتاب.
ومع أنّ كتاب (الفرقان) أحدثُ إصداراً من كتاب (فصل الخطابُ) لأنّه طُبع بعد (47) عاماً من وفاة النوريّ، فانّ سلفيّة العامّة أهل السنّة، الذين يُهاجمون النوري لا يتكلّمون عن ابن الخطيب، وكأنّه لا وجودَ له في الدنيا، ولا يتعرّضون لكتابه حتّى بنفي ما فيه من الزيف والباطل، وهم في هذا مثل من يغمض عينيه، يزعم أنّ الآخرين لا يرونه!
فلو كان كتابُ النوريّ دليلا على التحريف عند الشيعة، لكان كتاب (الفرقان) دليلا على التحريف عند أهل السنّة، أفهل مثلُ هذا الاستنتاج هو صحيح؟ ويُعدّ منطقيّاً؟! ويقول به العقلاء؟
وقد تنبّه فضيلة العلاّمة الشيخ محمّد محمّد المدنيّ - عميد كليّة الشريعة في الجامعة الأزهريّة - إلى هذه الحقيقة فقال: أما أنّ الإماميّة يعتقدون نقص القرآن، فمعاذ الله، وإنّما هي رواياتٌ رويتْ في كتبهم ، كما روي مثلها في كتبنا ، وأهل التحقيق من الفريقين قد زيّفوها وبيّنوا بطلانها ، وليس في الشيعة الإماميّة أو الزيديّة من يعتقده، كما أنّه ليس في السنّة من يعتقده، ويستطيع من شاء أن يرجع إلى مثل كتاب (الإتقان )للسيوطي السنّيّ ليرى فيه أمثال هذه الروايات التي نضرب عنها صفحاً.
وقد ألّف أحد المصريّين في سنة 1948 كتاباً اسمه «الفرقان» حشاه بكثير من أمثال هذه الروايات السقيمة المدخولة المرفوضة، ناقلاً لها عن الكتب المصادر عند أهل السنّة .
أفيُقالُ: إنّ أهل السنّة ينكرون قداسة القرآن !أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان ، أو لكتاب ألّفه فلان ؟!(مجلّة رسالة الإسلام الصادرة من دار التقريب
في القاهرة: عدد44 ص382-383 مقال «رجّة البعث في كليّة الشريعة» المجلد11 الصادر عام 1378).
لكنّ المؤسف أنّ السلفيّة لا يلتزمون بالمنطق ولا الإنصاف في أحكامهم وهجومهم على الشيعة، لكنّهم جاهلون بأنّ هذا الهجوم هو في الحقيقة هجومٌ على القرآن، وتعريضٌ له بتهمة التحريف، فيُقدمون على نشر كتاب (فصل الخطاب) الذي قضى عليه مؤلّفه وعلماءُ عصره، واندثرَ وماتَ! لكنّهم أحْيَوهُ بغرض ضرب الشيعة واتّهامهم!
والسلفيّة يهدفون بعملهم هذا مضافاً إلى الإساءة إلى القرآن، إثارة الشيعة لكي يُعارضوهم، فينبري أحدُهم لطبع (الفرقان) لابن الخطيب المصري السنّي! فتكون إساءةٌ اُخرى.
ولو عقلوا، وآمنوا بالقرآن، واعترفوا بقدسيّته، لامتنعوا من كلّ هذه الأعمال، ولم يُقدموا على أيّة إثارة ضدّه، أو إشارة تسيئُ به، ولحكموا بالبطلان على كلّ تلك الأحاديث والكتب الجامعة لها ، أواتّفقوا على الحلّ المناسب الصحيح، لكي يسلمَ القرآنُ الكريم من أيّة إساءة، ولم يحاولوا الصدّ عن التقريب بين المذاهب الإسلانيّة، ولم يجاهدوا للتفريق بينهم.
هذه قصّة الكتابين (فصل الخطاب) للنوريّ، و(الفرقان) لابن الخط يب، وموقف أهل التقريب منهما، وكذلك موقف أهل التفريق منهما.
فلنهتدِ بهدي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):
وما دام المسلمون يؤمنون بالله والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيجب عليهم أن يهتدوا بهديه، ويستنّوا بسنّته،
وقد حلّف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعده الثقلين :كتاب الله وأهل البيت، ليكونا سبباً للهداية والنجاة من الضلالة والردى ، في الحديث المتواتر بين المسلمين والذي اتفقت عليه الطوائف كلّها ، ومن نصوصه :
عن حُذيفة بن أسيد قال: سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول على منبره : «معاشر الناس إنّي فرطكم، وأنتم واردون عليّ الحوض... وإنّي سائلكم حين تردون عليّ ـ عن الثقلين؟ فانظروا كيف تخلُفوني فيهما، الثقَلُ الأكبر كتاب الله، سَبَبٌ طرفه بيد الله، وطرفه بيدكم، فاستمسكوا به لن تضلّوا، ولا تبدّلوا في عترتي أهل بيتي، فإنّه قد نبّأني اللطيفُ الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض...» ثم قال: «اُوصيكم في عترتي خيراً وأهل بيتي».
فقام إليه سلمانُ فقال: يا رسول الله، مَن الأئمّة من بعدك، أما هم من عترتك؟
فقال: هم الأئمّة من بعدي، من عترتي، عدد نُقباء بني إسرائيل، تسعةٌ من صُلب الحسين، أعطاهم الله علمي وفهمي، فلا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، واتّبعوهم فإنّهم مع الحقّ والحقّ معهم»(1)
وروى ابن بابويه، بسنده إلى الحسن (عليه السلام) قال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً، فقال ـ بعد ما حمد الله وأثنى عليه ـ : «معاشِرَ الناس، كأنّي اُدعى فأجيب، وإنّي تاركٌ فيكم الثَقَلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، أما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا، فتعلّموا منهم ولا تعلّموهم، فإنّهم أعلم منكم...» الحديث(2).
والنص الذي رواه مسلم في(الصحيح 7/122 طبعة صبيح) عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوماً فينا خطيباً، بماء يُدعى خمّاً، بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثم قال: «أمّا بعد، ألا أيّها الناسُ، فإنّما أنا بشرٌ يوشكُ أنْ يأتي رسول ربّي فاُجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثَقَلين:
أوّلهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به.
فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل
ــــــــــــــــــــــ
(1) رواه السيد البحراني في: غاية المرام (ص217 ـ 218) الحديث الأوّل من الباب (29).
(2) المصدر السابق (ص216) الحديث السابع من الباب (29) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (ج3) رقم 2683 و3052، وابن عساكر في ترجمة الإمام علي (عليه السلام)
(1/45)، والخطيب في تاريخ بغداد (8/442).
بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي».
فجمعَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) للخلافة من بعده هذين المصدرين العظيمين : القرآن الكريم، والعترة الطاهرة أهل البيت الشريف ، وربط بينهما بحيث لا يفترقان ، وجعل الهداية والنجاة من الضلالة هدفاً لهذه الخلافة، ومن المعلوم أنّ هذا هو الهدف المطلوب لكلّ مسلم في كلّ صلاة يقول : (إهدنا الصراط المستقيم ) بل في كلّ وقت، والواجب على كلّ مسلم أنْ يسعى للوصول إليه بكلّ وسيلة ، وها هو الرسولُ الحبيبُ يبيّنها للأمّة في حديث الثقلين ، والحمد لله.
و إعلان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لهما بهذا الشكل ولهذا الهدف وإلى يوم القيامة دليلٌ على وجودهما بين الأمّة ويُسر الوصول إليهما للأمّة بكلّ سهولة ، وأنّهما يبقيان على أتمّ حالة تؤدّى بهما الحجّةُ ، وبلا أدنى ريب وشبهة ، فالقرآنُ موجودٌ دائماً تامّاً صحيحاً يقينيّاً مع القطع بنصّه الكامل ، وكذلك العترة أهل البيت ومعارفهم الوافية بكلّ ما تحتاجه الأمّة الإسلاميّة في العقيدة والشريعة والعلم بالقرآن تنزيلاً وتأويلاً وتفسيراً، وبقاءُ الثقلين من معجزات النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)إتماماً للحجّة على الأمّة إلى يوم القيامة .
ثمّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إمعاناً في حرصه على هداية الأمّة وإرشادها بيّن مصداق العترة التي تكون مع القرآن ، بكلّ وضوح في حياته :
ففي ما روته أمّ سلمة قالت : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي قبض فيه ، وفد امتلأت الحجرةُ من أصحابه:
أيّها الناس ، يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً وقد قدّمتُ إليكم القولَ معذرةً إليكم ،ألا إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلين : كتاب الله عزّ وحلّ وعترتي أهل بيتي ،ثمّ أخذ بيد عليٍّ فقال : هذا عليٌّ مع القرآنِ والقرآنُ مع عليٍّ ، لايفترقان حتّى يردا عليَّ الحوضَ فأسألهما : ما أخلفتمْ فيهما ؟؟؟
(الصواعق المحرقة للهيتمي ص 75 و جملة «عليٌّ مع القرآن ...»
رواها عن أمّ سلمة الحاكم في المستدرك على الصحيحين 2/124
وصححه ، وكذلك الذهبي في تلحيصه، والطبراني في المعجم الصغير 1/255 والسيوطى في الجامع الصغير 2/96 وفرائد السمطين 1/177).
فهنا عيّنَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً للمرجعيّة مع القرآن ، وقد أقرّ علماءُ المسلمين بأنّ عليّاً (عليه السلام)أعلمُ الناس بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن (انظر تفسير الحبريّ ص157 - 158) .
وبما أنّ القرآن الموجود بين الدفّتين وهو المجمع عليه بين المسلمين والمثبت على خواطرهم على مرّ القرون والسنين ، هو هذا القرآن المعلوم النقل والمقطوع الثابت عن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) فهو-إذنْ-الذي خلّفه النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بين المسلمين والواجب عليهم الالتزامُ به واتّباعُه ، ونفيُ الريب عنه ، ورفض غيره ، تصديقاً للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وطلباً للنجاة من الضلالة ،وتطبيقاً لحديث الثقلين.
وقد مَنَّ اللهُ على الاُمّة، بوجود الحلّ الأفضل في هذه المشكلة بيد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث وقع الاختلاف في القراءة، في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكر للمسلمين الحلّ، فلنقرأمعاً ما روي عن ابن مسعود: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أقرأه من القرآن سورة الأحقاف، فخرج إلى المسجد، فوجد رجلا يقرؤها على غير قراءة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وزعم الرجل أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرأه، وكذلك رجل آخر: قرأها بشكل ثالث، ونسب القراءة إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فانطلق إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يارسول الله، إنّ هذين يخالفاني في القراءة ! قال: فغضب، وتمعّر وجهه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّما أهلكَ من كان قبلكم الاختلافُ!!
ثمّ أسرَّ النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عليّ -وهو إلى جنبه- فقال عليٌّ (عليه السلام): ليقرأ كلّ إنسان كما عُلِّمَ وكما اُقرِىءَ(1).
ــــــــــــــــــــــ
(1) رواه أحمد في المسند (1/19 و 421) وتفسير الطبري (1/24) بتعليق شاكر، وفتح الباري (10/48) ونسبه في المرشد الوجيز (ص85) إلى زيد بن أرقم و (ص6 ـ 87) نقلا عن الحاكم في المستدرك () وصرّح باسم علي (عليه السلام)
، وكذا في الأسماء المبهمة للخطيب (ص203 رقم 102) وقد رووا حديثاً يشبهه ذكروا دوراً لعمر بن الخطّاب، في الأسماء المبهمة للخطيب (ص3 ـ 324) رقم (162) عن البخاري (6/239) و (9/277) ومسلم بشرح النووي (6/98) وسنن أبي داود (1/339).
فالناطق عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الإرشاد النبويّ هو عليٌّ (عليه السلام) وقد أمرنا أنْ نقرأ بما تعلّمنا، وحيث إنّ القرآن الذي يتعلّمه المسلمون الموجود بين الدفّتين، هو قرآن علي (عليه السلام) فالواجب علينا أن نلتزم به، ولا نتجاوزه، وأن نرفض كلّ ما سواه من الروايات والأحاديث، حتّى لو جاءت به أصحّ الكتب وأصحّ الأسانيد.
والحمد لله الذي جعل القرآن وأهل البيت هدىً ورحمةً للاُمّة، وجعلهما أداةً تجتمع عندها كلمة المسلمين وتتوحّد بها جامعتهم.
نسأل الله أن يوفّقنا لخدمة القرآن، وللسير على هديه لجمع شمل المسلمين وتوحيد صفّهم المرصوص على كلمة التوحيد، والشهادة بالرسالة المحمّديّة، إنّه حميد مجيد.وسلام الله عليكم وعلى عباد الله الصالحين ورحمته وبركاته
وكتب
السّيد محمّد رضا الحسيني الجلالي
الحوزة العلميّة في قم المقدّسة،
الجمعة السادس من شهر رمضان المبارك 1419هـ