ــ[1]ــ
الحُقُوْقُ
لمولانا الشهيد
الإمام المجاهد زَيْد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)
إعداد : السيّد محمد رضا الحسيني الجلالي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين وآله الطيّبين الطاهرين
مؤلّف هذا الكتاب ، هو الإمام الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) أبوالحسين الهاشمي العلوي الحسيني :
ولد رضوان الله عليه وسلامهُ سنة 75 للهجرة(1) وقيل سنة 80 .
واستشهد(عليه السلام) في زمن هشام الاُمويّ ، ليلة الجمعة لخمس بقين من المحرم سنة اثنتين وعشرين ومائة (122هـ ) وله من العمر ست وأربعون (46) سنة ، وقيل (42) سنة وهو الأشهر(2) .
والده الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)واُمّه أمة سندية اسمها «حوراء» أهداها المختار(رحمه الله) لأبيه .
وأولاده : يحيى الشهيد ولد عام (97هـ ) وقتل (125هـ ) بالجوزجان ، واُمه بنت عبدالله بن محمد الحنفية .
وأعقب زيد من أولاده : عيسى ومحمد ، والحسين ذي الدمعة .
ويكنى بابنه الحسين ، ويلقّب الشهيد ، وكان يقال له : «حليف القرآن» .
أخذ عن والده زين العابدين ، وأخيه باقر علم الأنبياء وأخذ عنه أبو حنيفة صاحب المذهب وشعبة وغيرهما .
وكان من علماء آل محمد الفضلاء ، المجاهدين في سبيل الله ، خلّد كتباً منها : تفسير القرآن ، وغريب معاني القرآن ، والردّ على المرجئة ، والتوحيد ، والصفوة ، والاحتجاج بالقلّة على الكثرة ، وفضائل علي امير المؤمنين ، وإثبات الوصاية له ، والمناظرات ، والمجموعان الحديثي ، والفقهي وهذا أشهرهما ، وهو صحيح الزيدية المعتمد عندهم في الفتوى والأحكام ، ولهم عليه شروح ضخام .
قال المفيد : كان عين إخوته بعد أبي جعفر(عليه السلام) وأفضلهم ، وكان عابداً ، ورعاً ، فقيهاً ، سخيّاً ، شجاعاً ، وظهر بالسيف ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويطلب بثارات الحسين(عليه السلام)(3) ، خرج على طاغية زمانه هشام المرواني ، في الكوفة بعد أن بايعه أكثر أهلها، فقاتل عاملها يوسف بن عمر الثقفي ، وخذله الكوفيون ، وثبت معه نفر يسير ، فأبلى بنفسه بلاءً حسناً وجاهد جهاداً عظيماً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كما في التحف شرح الزلف (ص64) .
(2) اختار الأخير مؤلف ثورة زيد (ص25) وهو الأشهر .
(3) الإرشاد للشيخ المفيد ج1 .
حتى أتاهُ سهم غَرْبٌ ـ لا يعرف راميه ـ فمات من نزعه ، فدفنه أصحابه في ترعة وأخرجه اعداؤه فاحتزوا رأسه ونقل إلى المدينة ثم إلى مصر ، فدفن في القاهرة ، وعليه ضريح ومشهد مشيد .
وصلب جسده بكناسة الكوفة ، سنين ، حتّى ولي الوليد بن يزيد ، فكتب إلى واليها يوسف بن عمر أن يحرق الجسد ، ثم يذري رفاته في الفرات .
وهكذا خاف الأعداء جسده أن يقبر ، كما خافوا وجوده أنْ يظهر ، وجهلوا أنّ التاريخ احتضنه ، فأصبح مدفنه الأول مشهداً مقدّساً ، ومحل صلبه مسجداً عامراً ، وإن له في قلب كلّ مؤمن مجاهد قبراً كريماً وذكراً مجيداً وأثراً خالداً حميداً .
بينما الأرذال من الحكّام الظلمة ، ذهبوا في مزبلة التاريخ فلا ذكر يمجّد ولا أثر يحمد ، سوى اللعنات يَعقبها العذاب الأليم وفي الجحيم هم الخالدون .
ورثى زيداً الشعراء والفصحاء ، وبكاه العظماء ، ونعاه آل محمد(عليهم السلام) :
فقال الإمام الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين(عليهم السلام) ، ينعاه : إنا لله وإنا إليه راجعون ، عند الله أحتسب عمّي ، إنّه كان نعم العمّ ، إنّ عمّي كان رجلا لدنيانا وآخرتنا ، مضى ـ والله ـ عمّي شهيداً ، مضى والله عمّي شهيداً ، كشهداء استشهدوا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ والحسن والحسين صلوات الله عليهم(1) .
وبعد : فإنّ زيداً الشهيد عَلَمٌ شامخ من أعلام آل محمد ، وإمام جهاد وعمل ، وعلم ومعرفة ، ونموذج عال لما عليه أهل البيت النبويّ الطاهر من الالتحام بالإسلام ، والتضحية من أجله ، وللوقوف في وجه عناصر الجهل والظلم والفقر ، ثالوث العداء للإنسانية وأدوات التعدّي والظلم وتجاوز الحقوق .
ولد «زيدٌ» في حجر الإسلام والدين ، ورضع من ثدي الإيمان واليقين ، وتربّى بالتقوى والإخلاص لربّ العالمين ، فامتلأ بالعلم وتعلّم الجهاد ، وتخلّق بخلق الأبطال والأوتاد ، وعاصر أشدّ السلطات فتكاً وضراوة ، وعداءً للحق والعدل ، وهم آل اُمية ومروان الأوغاد .
فصلب حديد «زيد» بالآلام التي عاشها ، وقارعها ، وهي مرتسمة في وجنات أبيه ، ومدويّة في صرخات مناجاته وخطبه ، ومحفورة على مواضع القيود والأغلال من يديه ورجليه وعنقه ، وعلى قلبه من جراحات كربلاء ، ولا يزال يَرنّ في أجواء الآفاق صراخ الأطفال وعويل النساء هناك وفي الأسر . فشبّ «زيدٌ» على روح الجهاد ، لاسترجاع الحقّ المغصوب والكرامة المهدورة ، والثأر الضائع ، وكلّ ذلك الذي تلخّص في شعاره الذي رفعه في معركته «يالثارات الحسين» . حمل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عيون أخبار الرضا(عليه السلام) للصدوق القمي (1/252) ح6 .
بإحدى يديه منار العلم والهدى ، وبالاُخرى سيف العدل والجهاد ، ليبلّغ إلى الأجيال كلّ ما ارتواه وتعلّمه وتملأَ به وغرس في وجوده من تعاليم أبيه الإمام زين العابدين ، وأخيه باقر علم الأنبياء ، ووارث الأوصياء ، وإلى جانبه ابن أخيه الإمام الصادق الذي اعترف بعلمه وفضله عامّة العلماء وكافتهم ، فتشاطرا المهمّة الكبرى الملقاة على أهل البيت(عليهم السلام) عامّة ، وإذا لم يدخلا معاً معركة واحدة ، فلأَنّ معركة اُخرى كان على الآخر أن يدخل غمارها ، فلحكمة عظيمة أعلنها زيد نفسه ، وهي أنْ لا تخلو الأرض من حجة لله ، من أهل البيت قرناء الكتاب ، في خلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) التي صرّح بها في حديث الثقلين لمنع الاُمة من الضلالة والغواية .
أليس قد وعد في ذلك الحديث العظيم باستمرار الكتاب والعترة ، معاً لا يفترقان ، حتى يردا في القيامة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ إذن فمن الواجب أنْ يبقى من العترة من يؤدّي هذه المهمة ، تنفيذاً للوعد ، وتحقيقاً لهدف الخلافة ، وإحياء لمعالم الكتاب وتطبيقه ، وإذا اختار زيدٌ التضحية ليبقى الصادق لقيادة المعركة الاُخرى ، فهذا تصديق منه لكلّ تلك الأنباء ، وتحقيق لكلّ الأهداف ، وتأكيد على ما لأهل البيت(عليهم السلام) من أمانة العلم والجهاد ، وولاية الأمر والحكم ، حتّى لو لم يكن لأيّ من ذلك مظهر أو ظهور ، وهذا ما أكده نفس الرسول ، لـمّا أعلن عن إمامة الحسن والحسين(عليهما السلام) ، فقال : «إمامان قاما أو قعدا»(1) .
ولم يكن الجهاد الذي قام به من قام من أهل البيت(عليهم السلام) أئمةً وعلماء ومجاهدين ، إلاّ شطراً من الجهود العظيمة التي قام بها آل محمد ، وعاشوا لها ، في سبيل الحفاظ على الحق المتمثل في الإسلام وتعاليمه القيّمة ، بل كان الجهود على استمرار الخط جهاداً ، وإن لم يكن بالسيف ، بل لم يكن في وقت من الأوقات ، كما هو ليس في قاعدة عقلية أو عرفيّة : أنْ يكون الجهاد والقتال هدفاً في نفسه ، ومطمحاً يطلب لذاته ، بلا هدف أسمى ومبّرر أعلى ، ألا وهو الحق وتحكيمه والعدل ونشره والمعرفة وتعليمها ، والإيمان وتوطيده ، والمعروف وبثّه ، والمنكر وقطع شأفته .
ومن المعلوم أيضاً : أنّ الحقّ والعدل والايمان والمعروف ، اُمور لم تتميز إلاّ بالعلم والثقافة ، فليس شأن هذا الجهد بأقلّ من الجهاد والمقاومة ، إن لم يكن أقوى وأهمّ ، فإن الإخفاقات التي مُني بها المجاهدون في سوح القتال ، لم تحصل إلاّ على جهل المقاتلين واغترارهم وفرارهم لعدم رسوخ العلم عندهم .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حديث متفق عليه رواه علماء الاُمّة بكافة فرقهم ، انظر مصادره في تعليقنا على كتاب «النكت في الأصول» للشيخ المفيد ، وهو مطبوع .
ثم إذا كانت المعارك غير متكافئة ، لتفشّي الجهل ، فإنّ واجب الجهاد الذي لم يسقط في وقت لوجود روح التّضحية عند آل محمد الذين رخّصوا أرواحهم لحماية الحق والإيمان ، فسقطوا صرعى على بقاع الأراضي الإسلامية ليسجّلوا إسلاميتها ، وليؤمّنوا حق الإسلام فيها ، فلابدّ من يقوم بالمهمة الأساسية التي جاء من أجلها الإسلام ، واستمرار تعاليمه ومعارفه ، التي هي الأصل .
إذن ، فإن قياس القعود بالقيام ، أو العلم بالجهاد ، ومحاولة حساب أحدهما على الآخر ، والاعتراف على المجاهد لحساب العالم ، ومعاتبة القاعد لحساب القائم ، ليس كلّ ذلك إلاّ تجاسراً على مقامي المجاهد والعالم ، معاً ، وهو غفلةٌ عن الأهداف الكبرى ، والتي أعلنها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو صاحب الرسالة والصادع بها ، لمّا ساوى بين القيام والقعود ، وهو يعلنها لمن ثبتت له وقام بأعبائها وهما الحسن والحسين(عليهما السلام) ، فدلّ على أن القيام والقعود أمران مبنيّان على حقّ الإمامة ، لا مثبتان له .
ومع كلّ ذلك ، فإنّ صاحب الحق في الإمامة ، ليس من المعقول ، أو المتصوّر أنْ يقصّر في أقلّ واجب من واجباته ، فضلا عن واجب الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر ، فكيف بواجب الجهاد الذي هو من أركان الإسلام وفروعه العظيمة؟!
ثم هو لا يختصّ بنوع أو شكل ، بينما هو يتحقق بالفم ، والقلم ، وباليد والقدم ، وحتى الإنكار بالقلب والنفس ، أيضاً .
إن ظلمة البشرية ، والمعتدين على حقوق الإنسان ، يحاولون دائماً ـ ولا يزالون ـ إركاس الاُمم في ظلمات الجهل والاُمية ، والتشويه لسمعة العلماء والعارفين ، لإبعاد الناس عنهم وعن توجيهاتهم وتوعياتهم ، فكلّ مَنْ يؤدي حقّاً يدعمه بالنشر والتبليغ والبث والتوجيه ، فهو متّهم عند الاُمراء والسلاطين والحكام ، وأتباعهم من الأميرين ووعّاظ السلاطين ألا يرى المنصف سيل الأكاذيب والاتهامات الموجّهة إلى المؤمن المجاهد المناضل البطل المختار الثقفي(رحمه الله) ، حتى يكاد يشك في إيمانه وعقله؟(1) .
وكذلك لم تخلُ حركة زيد الجهادية من دعايات تشوة الخواطر حولها ، وعلى لسان محبّي آل محمد وشيعتهم من أصحاب الإمام الصادق ، لاختلاق الخلاف ، وايجاد الفرقة والشقاق بين شيعة آل محمد ، وتفريق جماعتهم وتشتيت كتلتهم .
والغريب أنّ يغترّ بعض من يدّعي الفكر والثقافة في عصرنا ، فيقع في فخاخ هؤلاء ، ويُحاول اجترار الدعايات وتكرارها والتركيز عليها ، غافلا عن أنّ هذا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اقرأ حديثاً لنا عن المختار(رحمه الله) في كتابنا «جهاد الإمام السجاد(عليه السلام)» (ص236 ، 239) .
يخدم أعداء آل محمد ، الأعداء الذين يزيّفون الحقّ ويضيعون الحقوق ، بتكثيف الاتهامات وتنويعها ، حتى لا يبقى مجال للمتأمل أنْ يتأمل ، ولا للمحقق أنْ يفتح عينه ويحقق ، فينقضى الوقت لصالح أهل التضليل والتهويل ، فيختلق أحدهم كذبةً! وينقلها الآخر ، ويصفّق لهما الثالث ، ويشهد لهم الرابع ، فيصبح عند الخامس إجماعاً ، ومَنْ بعده يرسله إرسال المسلمات!!!
ولكنْ ، إذا ضاق الزمان على الآخرين ، عن أن يتأمّلوا ويحققوا ، وفوّتت السلطات الغاشمة فُرص البحث والتأمل! فإنّ التأريخ أوسع وأشمل ، والحقّ لا يضيع بوعد الله ، فلابدّ أنّ يعلو ولا يُعلى عليه والحقائق المقطّعة الأوصال ، لابدّ أن تتواصل أشلاؤها وتلتئم وتبرز صورتها الناصعة ، ووجهها الأبْلج ، في يوم جديد .
وهذا يحتاج إلى جهود يبذلها أصحاب الحقّ وهواته ورعاته ومريدوه ، وطالبوه ، والله من ورائهم حفيظ ومعين .
كما أنّ علماء آل محمد ، لم ييأسوا ، ولم يهملوا ، ولم ينقطعوا ، رغم الصعاب ورغم الرقابات والشدائد التي أوْدَتْ بالتالي بحياتهم عن بثّ العلم ونشره ، فهذا الإمام العظيم يقوم بنشاط الحفاظ على هذا النصّ العظيم من تراث آبائه الكرام ، ألا وهو «رسالة الحقوق» التي تداولتها الشيعة الزيدية ، عبر القرون ، في محاضرهم وحواضرهم ، حتى سلمت نسخه رغم الزوابع والأمواج والأعاصير .
وكذلك الشيعة الإمامية يتداولون «رسالة الحقوق» المروية عن الإمام زين العابدين ، ولهم إليها أسانيد ، ومنها نسخ محكمة سديدة .
فإنّ وجود هذين النصّين ، عن الوالد والولد ، في موضع واحد ، وبنصّ متقارب بل متّحد ـ كما أثبتنا في هذه المقدّمة ـ أدلّ دليل وشاهد على الرابطة العلميّة بينهما تلك الحقيقة التي تبدو في أكثر من مورد ، كالصحيفة السجّادية الكريمة ، التي أملاها الإمام السجّاد(عليه السلام) على ولده زيد(عليه السلام) ، وعلى ولده الإمام الباقر(عليه السلام) بمحضر ومشهد من ابنه الصادق جعفر بن محمد بن علي(عليهم السلام) .
ولو توغّل الباحث في تراثهم الخالد ، لوجد ألف شاهد وشاهد على هذه الحقيقة .
فعلماء آل محمد هم رعاةُ الاُمّة وهداتها ، وهم ولاتُها الذين خلّفهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)مع القرآن ، في الاُمة ، حجّة عليهم ، يستهدون بهم ، ويأتمرون بأوامرهم ، ولا يتخلّفون عنهم ، فيضلّوا!
وهذا الكتاب ـ إلى جانب كونه من عيون تراث أهل البيت ـ دليلٌ على حقّ أهل البيت في تلك الخلافة ، وعدم تقصيرهم في أداء حقّها ، رغم الجفاء الذي
واجههوهُ ، والظلم الذي لقوه .
نسبة الكتاب :
نُسِبَ هذا الكتابُ إِلى الإمام زيد الشهيد(رحمه الله) ، في الفهارس والمؤلّفات .
وذكره عبدالسلام الوجيه باسم «حقوق الله على الخلق» وقال : طبع ضمن مجموع كتب ورسائل الإمام زيد بتحقيق محمد يحيى سالم عزّان(1) .
ثم ذكر «الرسالة الناصحة والحقوق الواضحة» وقال : لعلّه «حقوق الله . . .» السالف الذكر ، مخطوط ضمن مجموع بمكتبة محمد بن عبدالعظيم الهادي(2) .
وذكر الاستاذ المفهرس السيّد أَحمد الحسيني الرسالة بالاسم الثاني ، وقال : أنشأها الإمام زيد بن علي بن الحسين(عليه السلام) ، وتشبه أَنْ تكونَ مختصرةً من «رسالة الحقوق» المنسوبة إلى أبيه الإمام زين العابدين علي بن الحسين(عليهما السلام) ثم أورد سطراً من بدايته(3) .
كما ذكر الحسيني كتاباً باسم «الحقوق» لزيد الشهيد ، وأنّ نسخةً منه في مكتبة الجامع الكبير بصنعا ، بالأرقام (364 ، و19م و28م)(4) .
والبداية التي نقلها تتطابق مع بداية كتابنا هذا ، كما أن محور المتن يدور حول «حقوق الله» وبهذا نعلم باتحاد العناوين كلّها ، وأنّ النسخ جميعاً لكتاب واحد ، هو ما نقدّم له هنا .
وقد آثرنا تسميته بـ «الحقوق» لوروده في نسخ عديدة منها النسخة التي سمّيناها بـ «الأصل» والتي تقدّم صورة لصفحتها الاُولى ، ففي صدرها عنوان عريض هو : «كتاب الحقوق» .
مع أنّ تسمية المؤلّفات بالعناوين الطويلة المسجّعة لم يكن أمراً متداولا في القرون الاُولى قطعاً ، كما يظهر بمراجعة التراث الإسلامي المتَبقّى من تلك الفترة .
المقارنة بين رسالتي «الحقوق» السجّادية والزيديّة :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أعلام المؤلّفين الزيدية (1/281) في ترجمة زيد الشهيد .
(2) المصدر السابق .
(3) مؤلّفات الزيدية (2/44) رقم 1608 .
(4) المصدر السابق (1/229) رقم 1261 .
وأمّا النسبة بين هذه الرسالة ، و«رسالة الحقوق» المرويّة عن الإمام السجّاد(عليه السلام) :
فقد عرفت أنّ السيد الحسيني قال : يشبه أنْ تكون مختصرة من رسالة الحقوق(1) .
وهذا ما يتراءى لمن يقرأ الكتابين ، فآثار الرسالة السجّادية منطبعة بوضوح في الرسالة الزيدية ، بل قد نجد معلومات بعينها ، بل عبارات وجملا كاملةً ، منقولة من تلك في هذه إلاّ أنّ من الملموس وجود إضافات في الزيديّة ، لا وجود لها في السجادية وخاصة روايات مرفوعة إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين(عليه السلام) ، ممّا يجعل من الرسالة الزيدية جُهداً مستقلاّ ، ما يُرى من تطابق العبارة ، وأو حتّى التصدّي لفكرة الحقوق ـ التي لابُدّ أن يكون مُبْدِعها الإمام السجاد(عليه السلام) ، وكذا ما يُرى من التقارب في المنهج والتقسيم ، وغير ذلك ، فلا غرو في كلّ ذلك ، لأنّ زيداً الشهيد هو غصن من شجرة الإمام السجاد(عليه السلام) وبضعة منه ، وهو وليد مدرسته الفيّاضة ، وقد زقّه بالإيمان والروح والجهاد ، فهل يبخل عليه بعلمه ومعرفته؟!
وأوّلُ مفارقة بين الرسالتين ، هي : سعةُ الرسالة السجّادية لتحتوي على (50) حقّاً متفرّعاً من (7) اُصول ، كما شرحنا في مقدّمتنا الواسعة ، لما حقّقناه من نصّها(2) .
وأما الزيديّة : فتحتوي على (23) حقّاً ، متشعبة من أصلين هما : حقّ الله ، وحقوق النفوس ، بل جعل الإمام زيد الحقوق كلّها لله ، فعبّر عن كلّ واحد منها بـ «حقّ الله» وهذه مفارقة اُخرى ، قد تعتبر في المنهج .
والاختصار واضح هنا ، من حيث العدد ، ومن حيث موادّ الحقوق المعروضة كذلك ، كما يُعرف بمقارنة كلَّ حقّ في إحدى الرسالتين بما يوازيه من الاُخرى .
ونحن نقدّم مقارنة سريعة ، توقفنا على مدى الاتحاد والافتراق في الحقوق المذكورة في الرسالة الزيدية ، مع ما في السجّادية ، معتمدين على ترقيمنا في العملين .
1 ـ فأوّل الحقوق في الكتابين هو «حقّ الله الأكبر» وتحته مادتان : العبادة ، ونفي الشريك له تعالى ، ثمّ ذكر الإخلاص ، الموجب لضمان الله لعبده كفاية أمره .
ثم يتّحدان في عرض حقوق النفس باستعمال أعضائه وجوارحه في طاعة الله .
2 ـ والحق الثاني في الكتابين ـ معاً ـ هو «حقّ اللسان» ويشتركان في ذكر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مؤلّفات الزيدية (2/44) .
(2) نشرتْ «رسالة الحقوق» محقّقة في الملحق الأوّل بكتابنا «جهاد الإمام السجاد(عليه السلام)» (ص255 ـ 296) .
إكرامه وتنزيهه عن الخَنى ، وحمله على الأدب الإلهيّ ، وادّخاره لموضع الحاجة للدين والدنيا .
ويمتاز كلّ منهما بذكر موادّ خاصة ، وتنفرد الرسالة الزيدية بذكر ثلاث روايات عن أمير المؤمنين(عليه السلام) حول «اللسان» .
3 ـ والحقّ الثالث فيهما هو «حقّ السمع» ويشتركان في مادة تنزيهه عن سماع المحرّمات ، وفي أنّه «باب الكلام إلى القلب» كما في السجّادية ، و«أنّ السمع طريق القلب» كما في الزيدية .
فوحدة روح المعنى هنا بارزة ، وإن اختلفت العبارتان .
4 ـ والحقّ الرابع فيهما هو «حقّ البصر» ويشتركان في غضّه عن المحظورات التي لا تحلّ ، وترك ابتذاله ، أو انتقاله فيما لا عِبْرة فيه ، ويشتركان في التعليل «بأن النَظَر ـ كما في الزيدية ـ أو البَصَر ـ كما في السجادية ـ بابُ الاعتبار» .
فانظر إلى مدى الاتّحاد بين الكتابين ، في الهدف والتعبير .
5 ـ والحقّ الخامس فيهما هو «حقّ اليدين» ويشتركان في مادة قبضهما عن المحرّمات ، وبسطهما للواجبات المفروضة ، لكن العبارات متفاوتة جدّاً .
6 ـ والحقّ السادس فيهما هو «حقّ الرجلين» وفيهما النهي عن السعي ـ أو المشي ـ بهما في مكروه لله ، لا يحلّ ، ولكن التفاصيل متفاوتة .
7 ـ والحقّ السابع فيهما «حقّ البطن» وأوّل مادّة فيهما هو «أن لا تجعله وعاءً للحرام» .
ثم ذكر في الزيدية روايات عن أمير المؤمنين(عليه السلام) ثم يشتركان في مادة «الاقتصاد في أكل الحلال وشربه» .
وهنا تنفرد الرسالة الزيديّة بذكر الحقّ الثامن وهو «حقّ الله في الطعام» ومما ذكر فيه «أَنّ الشبع المليّا هو مكسلة . . .» وهذا مذكور في السجادية ضمن موادّ الحق السابق وهو السابع ـ حقّ البطن ـ بعبارة : «إنّ الشبع المنتهي بصاحبه الى التخم مكسلة ومثبطة ومقطعة عن كل بِرّ وكرم . . .» .
8 ـ و«حقّ الفرج» هو الثامن في السجّادية ، وقد صار التاسع في الزيديّة ، ويشتركان في مادة : «حفظه مما لا يحلّ وتحصينه عن الزنا ، والتأكيد على «أنّ النظر هو بابه المفتوح إليه» ـ كما في الزيدية ـ أو «من أعون الأعوان عليه» كما في السجّادية .
ثم اللجوء إلى تخويف النفس بوعيد الله والتهديد لها به وبذكر الموت .
9 ـ والحقّ التالي فيهما «حقّ الصلاة» ويشتركان في اعتبارها وفادة العبد إلى الله ، والقيام بها مقام العبد الخائف المسكين ، القائم بخشوع الأطراف بالسكون
والوقار . ثم يختلفان بعض الشيء .
10 ـ و«حقّ الصوم» هو الحادي عشر فيهما ، ويشتركان في لزوم كف اللسان والبصر ، وترك الطعام والشراب ، وفي ذكر الحديث «الصوم جُنّة من النار» ويختلفان في ما سوى ذلك .
11 ـ والحقّ الثاني عشر فيهما واحد ، سُمّي في السجادية بحقّ الصدقة ، وفي الزيدية بحق الأموال .
والنصّان يختلفان هنا جملة وتفصيلا .
ويظهر هنا سقوط «حقّ الحج» المذكور في السجادية برقم [10] وعدم ذكره في الزيدية ، مع وجود «حقّ النسك» في مقدّمتها أمرٌ غريب ، ولاحظ .
12 ـ والحقّ [13] في الزيدية وهو «حقّ أئمّة الهُدَى» وهو لم يرد في السجّادية بل فيها برقم [15] «حق السلطان» .
ولعلّ وجهة الأهداف السجّادية والزيدية هي التي صاغت عبارة الاُولى إلى نصّ يَعُمُّ الأَزمان سواء تولّى «الأئمة» أَم الجماعات والحضارات ، التي يتولّى اُمورها «السلاطين» فكان الخطاب لها متناسباً مع عموم أهداف الرسالة وخلودها .
لكنّ زيداً العالم بزمانه الخاصّ ، خصّص تطبيق ذلك على ما يُحيط به عصره من التركيز على ولاة الحقّ وإظهار مقامهم السامي ، وهذا يدخل في شمول عموم السجادية لخصوص الزيدية .
13 ـ وفي الحق [14] حقّ العالم ، وهو الحق [16] من السجّادية ، فالاختلاف بينهما في الكمّ والكيف .
14 ـ وكذلك في الحق [15] الموازي للحق [19] في السجادية ، وهو حقّ الرعية بالعلم .
15 ـ وفي «حقّ ملك اليمين» المذكور في الزيدية برقم [16] وفي السجادية ضمن الرقم [20] بعض الاشتراك .
16 ـ وجمع في الزيدية [17] «حقّ الله في برّ الوالدين» بينما فرّق في السجاديّة بين «حقّ الاُم» برقم [21 ]و«حقّ الأب» [22] وأما المضامين ، فمتفاوتة كاملة .
17 ـ و«حقّ الأخ» هو [18] في الزيدية ، و[24] في السجادية ، مع اختلاف .
18 ـ ويجتمعان في «حقّ المولى المنعِم على العبد بالعتق» وهو [25] في السجادية ، و[19] في الزيدية ، ويشتركان في «أن يَعلم أنه أنفق فيه ماله ، وأخرجه من ذلّ الرقّ والعبودية» ويختلفان في التفاصيل .
19 ـ و«حقّ المؤذّن» هو [20] في الزيدية ، و[28] في السجادية ، باختلاف .
20 ـ و«حقّ إمام الصلاة» هو [21] في الزيدية ، و[29] في السجّادية ، مع ذكر وفادته للمأموم وسفارته إلى الله تعالى ، والتفاصيل متفاوتة .
21 ـ و«حقّ الجليس» هو [22] في الزيدية ، و[30] في السجّادية ، ويشتركان في بداية المواد «أنْ تُلينَ له كنفك» .
22 ـ والحقّ الأخير في الزيدية برقم [23] هو «حقّ الجار» بينما هو الحق [31 ]في السجاديّة ، فيشتركان في الموادّ الخمسة الاُولى فيه مطابقة كليّة ، ثم تختصّ السجادية بسائر الموادّ .
وبهذه المقارنة الدقيقة نعرف صحّة الرأي القائل بأنّ الرسالة الزيدية ، مختصرة من الرسالة السجّادية إلاّ أنّ ذلك لا يُنافي استقلالها ، لما اُضيف إليها من موادّ هامة ، وروايات نفيسة .
وإن كانت «رسالة الحقوق» السجاديّة ، هي الأقوى منهجاً وتوزيعاً للحقوق ، والأغزر مادّة واستيعاباً لها ، والأشمل مساحةً للحياة ، كما يعرف ذلك من المرور على عناوين الحقوق المتبقاة التي لم ترد في الرسالة الزيدية ، وهي : (28) حقّاً ، نورد عناوينها :
[13] حقّ الهَدْي .
[14] حقّ عامّة الأفعال .
[17] حقّ سائسك بالملك .
[18] حقّ رعيّتك بالسلطان .
[20] حقّ رعيّتك بملك النكاح .
[23] حقّ ولدك .
[26] حقّ مولاك الجارية عليه نعمتك .
[27] حقّ ذي المعروف عليك .
[30] حقّ الجليس .
[32] حقّ الصاحب .
[33] حقّ الشريك .
[34] حقّ المال .
[35] حقّ الغريم الطالب لك .
[36] حقّ الخليط .
[37] حقّ الخصم المدّعي عليك .
[38] حقّ الخصم المدَّعى عليه .
[39] حقّ المستشير .
[40] حقّ المُشير عليك .
[41] حقّ المستنصح .
[42] حقّ الناصح .
[43] حقّ الكبير .
[44] حقّ الصغير .
[45] حقّ السائل .
[46] حقّ المسؤول .
[47] حقّ من سرّك الله به وعلى يديه .
[48] حقّ من ساءك القضاء على يديه .
[49] حقّ أهل ملّتك .
[50] حقّ أهل الذمّة .
ومهما يكن ، فإنّ رسالة الحقوق ، لزيد الشهيد ، ليست إلاّ نبعة زاهية من الشجرة السجّاديّة المباركة ، وغصن أزهر من شجرة طوبى المتدلية الأغصان على الاُمّة الإسلاميّة والخالدة خلود الحقّ المتمثّل في الإسلام بقرآنه وسنّته وبالأئمة من أهل البيت(عليهم السلام) .
نسخ الكتاب
من بين النسخ الكثيرة المذكورة لهذا الكتاب ، حصلنا مصورتين من نسختين ، هما :
الأولى : تقع في (7) أوراق و(14) صفحة ، بقطع الربع ، يَحتوي كلّ صفحة على (13) سطراً ، بمعدّل (6) كلمات في السطر .
والملاحظ كتابة المتن بخط النسخ الجميل تتوسّط السطور عناوين بخطّ الثلث المفرّغ ، مع الإِعراب الكامل .
والنصّ مؤطّرٌ بجداول عديدة ، وفي الصفحة الأُولى طرّةٌ تتصدّر الصفحة ، بزخرفة جميلة .
وهذا النمط من الكتابة هو المتداول استعماله في الكتب المقدّسة كنُسخ القرآن الكريم ، وكتب الأَدعية واستعماله في كتابة هذه الرسالة يدلّ على القُدسية التي كان يكنّها كتّابها لها ، باعتبار صدورها من الإِمام زيد الشهيد ، واحتوائها على ما يُناسب من الحقوق العظيمة .
وقد اعتبرنا هذه النسخة «الأَصل» في عملنا .
والثانية : تقع في (4) أوراق و(7) صفحات من القطع الوزيري ، و(20) سطراً في الصفحة بمعدّل (10) كلمات في السطر .
وهذه أيضاً مجدولة ، ومعتنى بها كالأولى ، وقد لاحظنا أن النسخة الأُولى هي الأصل للثانية ، فقد وجدنا هذه تتبع الأولى في كلّ الخصوصيات وبشكل كامل ، ممّا أوْجَبَ قناعتنا بأَنّ الثانية مأخوذة من الاُولى .
وبما أَن الاُولى تمتاز باحتوائها على عبارة بلاغ في آخرها ، فقد اعتبرناها «أصلا» للعمل .
ويُلاحظ في كلا النسختين خلوّهما من تاريخ النسخ ، وما كان في الاُولى مما يقرب كونه تاريخاً ، قد عمد البعض إلى تعميته بالحبر ، فلا يقرأ شيء منه .
كما وردت بعض التعاليق على الهوامش فأثبتناها ، وتتفاوت النسختان في إثبات كلمات التجليل والتحية مع الأسماء الكريمة ، فكتب بعضها بين السطور في إحدى النسختين أو كليهما ، فأثبتنا مثل ذلك بين القوسين .
كما رقّمنا الحقوق بأرقام بين [المعقوفين] .
والموادّ الواردة تحت كلّ حقّ ، وضعنا كلاّ منها في سطر مستقلّ ، إبرازاً لها ، وإفراداً لكلّ منها على حدَة .
ونشكر الأخ الفاضل المحقّق اليماني محمد يحيى سالم عزّان ، الذي أتحفنا بهاتين المصوّرتين ، في زيارته إلى قم عام 1418هـ .
موضوع الكتاب :
اسم «الحقّ» و«الحُقُوق» له صدىً في النفوس تطرب له ، وأثر في الضمائر تهشّ من أجله! ولذلك نجد الأكثرين يتطلّبونه ، والآخرون يدّعونه ، وحتى الظلمة والمعتدين يتظاهرون به أو بدعواه!
ولكنّه : ما هو؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف يحصل؟ إنّها الأسئلة الصعبة ، فالشهوات والأهواء والرغبات والآراء ، لابُدّ أنّ تتدخل في عقل من يُحاول الإجابة ، فيحدّد ما تدعوه إليه ، إلاّ أن مصادر الوحي الإلهي ، خاليةٌ عن الشهوات والرغبات ، فلا تنظر إلى الأشياء إلاّ بواقعها ، كما أنّ الله لا يريد ظلماً بالعباد ، وهو الرؤوف الرحيم بعباده! فلابدّ أن يكون ما يقرّره للإجابة هو الذي لا مردّ له .
والطريق إلى الوحي الذي نزل على محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) الصادع به ، هو الرسول ، وآله الذين نزل الوحي في بيتهم ، فأهل البيت أدرى بما في البيت ، وقد خلّفهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عنه ، ليكونوا مع القرآن تراجمة لوحْيه ، والمبلغين لرسالته ، وبإيقاف الرسول لهم هذا الموقف ولاقترانهم بالقرآن كلام الله المعصوم المحفوظ ، فهم لابدّ أن يكونوا معصومين كما طهّرهم الله في محكم كتابه .
إذن ، فالواصل منهم هو الذي لا ريب فيه ، ولا شبهة تعتريه ، وهو الأقوم والأعدل ، والأنسب بمصلحة البشر .
وإذا لاحظنا أنّ هذه الحقوق قد نُظّمت قبل أربعة عشر قرناً ، من هذا العصر ، وقبلَ أنْ تجري على مخيّلة الإنسان «حقوق الإنسان» وفي أرض العرب ، وفي عصور الخلافة الاُمويّة الشرّيرة ، فإنَّ عظمة هذه المبادرة ، وعظمة المبادرين ، تتجلّى بوضوح وتعدُّ من مفاخر الإسلام والمسلمين ، إلى جانب ما لهم في القرآن والشريعة من مفاخر!
ولئن جهل المجتمع الدولي في عصرنا الحاضر مثل هذه المعارف ، لبعده عن الإسلام روحياً ومعنوياً وجغرافياً ، وعُذروا من أجل كلّ ذلك ، فأيّ عُذر للمسلمين في عدم اطلاعهم عليها؟
ونحن الشيعة الإماميّة ، فلا عُذر لنا في عدم الكشف عن هذه الذخائر ، وعدم عرضها على العالم المتحضّر ، ليقف على ما للإسلام ولقادته من أفكار وأطروحات سبقت أفضل ما يمكن للإنسان أن تصل يَدُهُ إليه .
ولئن تمكّن أعداء التشيع لأهل البيت ـ قديماً ـ من التصدّي لتراث أهل البيت وفكرهم ، وحَاول المتسلّلون منهم إلى المؤمنين الشيعة حديثاً باسم
«التوحيد»!! تجاوز «رسالة الحُقُوق» وإهمال اسم منسّقها ومنشئها الإمام السجّاد(عليه السلام) وولده زيد الشهيد ، ولا بكلمة واحدة! وهم يلهجون بكل غث وهراء ، في ملفّين مطوّلين حول «حقوق الإنسان» في الإسلام! إيهاماً بنفي هذا الفكر وهذا التراث .
فإنّ تصرّفاتهم هذه إنّما تكشف عن ميولهم الأموية وانتماءاتهم العلمانية ، وإن كانت بأقنعة الدعوة الإسلامية ، وأدوات شيعيّة .
فهم أبعد مما يدّعون ويتظاهرون ، وأقرب إلى التنفير والتبعيد ، ولا تتمخّضُ جهودهم إلاّ عن زَبَد يذهبُ جُفاءً ، وعن عار يغشى وجوههم ، والحقّ وأهله لهم بالمرصاد .
وأمّا ، ونحن على أعتاب القرن الميلادي الجديد ، والعالم يسير بسرعة هائلة في سبيل تعميم الثقافة ، وتبادل المعلومات ، فليس بإمكان أحد المنع من نشر فكر أهل البيت وتراثهم على أوسع نطاق وبأفضل شكل .
فها نحن بتقديمنا لكتاب الإمام السجّاد(عليه السلام) «رسالة الحقوق» في عمل موثّق سابق .
ويتقديمنا لهذا النصّ القيّم ، لولده زيد الشهيد(عليه السلام) .
نمهّد للعلماء والباحثين ، أدوات التحقيق في بنود هذه الحقوق والسعي في الإعلان عنها ، لتكون خطوة في سبيل ما دعانا إليه الأئمة الكرام(عليهم السلام) بقولهم : «رحم اللهُ عبداً أحيا أمرنا» .
فقيل : فكيف يُحيا أمركم؟
قالوا : يتعلّم علومنا ، ويعلّمها الناس ، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا ، لاتّبعونا»(1) .
وبعد:
فهذا ما وفّقنا الله لتقديمه لهذا العمل العظيم المبارك ، الذي هو من ذخائر تراث آل محمّد صلوات الله عليهم ، نرفعه إلى أوليائهم ومحبّيهم ، جعلنا الله من المهتدين بهديهم ، والمتّبعين لهم ، والمحيين لأمرهم .
والله الموفّق والمعين .
حرّر في غرة ربيع الآخر عام 1420هـ . الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة .
وكتب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) معاني الأخبار للصدوق (ص180) وعيون أخبار الرضا(عليه السلام) .
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
كتاب الحقوق
لمولانا زيد بن علي(عليه السلام)
بسم الله الرحمن الرحيم
عن أبي خالد الواسطي(رحمه الله) ، قال :
كتب أبو الحسين ، زيد بن عليّ(عليه السلام) هذه الرسالة(1) .
وقال(عليه السلام) لنا : تدارسوها وتعلّموها وعلّموها مَنْ سألكم ، فإنَّ العالمَ له أَجرُ مَنْ تعلّمَ منه وعملَ ، والعالمُ له نورٌ يضيء له يومَ القيامة بما علَّمَ من الخير ، فتعلّمُوها وعلّموها; فإنّهُ مَنْ عِلمَ وعَمِلَ كانَ ربّانيّاً في ملكوت السماوات .
قال أبو خالد رحمه الله تعالى : فكتبناها من زيد بن عليّ(عليه السلام) وقرأها عليه أبو هاشم الرُمَّاني رحمه الله تعالى(2) وكان يُدارسها ويقول : لو رعاها مؤمنٌ كانت كافيةً له .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إلى هنا من الأصل ، ولم يصوّر في الفرع .
(2) في هامش النسختين : اسمه (يحيى بن دينار) ذكره صاحب المحيط ، عن الناصر(عليه السلام) .
قال زيدُ بنُ عليّ(عليهما السلام) :
جَعَلكُم اللهُ من المُهْتدينَ إِليه ، والدالّينَ عليه ، وعَصَمَكُم من فِتْنة الدُنْيا ، وأَعاذكم من شَرّ المُنْقَلَب .
والحمدُ للهِ على ما هَدانا وأَوْلانا ، وصَلّى اللهُ على جميع رُسُله وأَوليائِهِ ، وخَصَّ محمّداً صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّم تسليماً .
أما بعد ، فإِنّكما سأَلْتماني(1) عن حُقوقِ اللهِ عَزَّ وَجلَّ ، وكيفَ يُسْلَمُ بتأديتها وكمالها؟
واعلموا أَنّ حقوق الله (عزّوجلّ) مُحِيْطةٌ بِعبادهِ في كلِّ حرَكَة ، وسَبِيْل ، وحال ، ومَنْزِل ، وجارِحَة ، وآلة .
وحُقُوْقُ اللهِ (تعالى) بعضُها أَكْبرُ من بَعْض .
فأَكبر حُقُوْق اللهِ ما أَوْجَبَ على عباده من حَقّهِ ، وجَعَلَهُ أَصْلا لِحُقُوقه ، ومنْهُ تَفَرَّعَت الحُقُوْقُ .
ثُمَّ ما أَوْجَبَهُ من قَرْنِ العَبْدِ إِلى قَدَمهِ ، على اختلافِ الجوارِحِ ، فَجَعَلَ لِلسانِ حَقّاً ، وللبَصَر حقّاً ، ولليَدَيْنِ حَقّاً ، وللقَدَمين حَقّاً ، وللبطن حَقّاً ، وللفَرْجِ حَقّاً ، وللزكاة حقّاً ، وللنُسُكِ حَقّاً ، وللجِهاد حَقّاً ، وجَعَلَ لِذِي الرَحِم حَقّاً .
فَحُقُوقُ اللهِ تَشَعَبَّتْ منها الحُقُوْقُ ، فاحْفَظُوا حُقُوْقَهُ(2) .
[1] فأمّا حَقُّهُ الأَكْبَرُ :
فأَنْ يَعْبُدَهُ العارِفُ الُمحْتَجُّ عليه .
وأنْ لا يُشْرِكَ بهِ شَيْئاً .
فإذا فعلَ ذلِك بِالإخْلاص واليقين ، فَقَدْ تَضَمَّنَ لَهُ أنْ يكْفِيَهُ ، وأنْ يُجِيْرَهُ .
وللهِ عَزَّ وجَلَّ حُقُوْقٌ في النُفُوْسِ : أنْ تُسْتَعمَلَ في طاعَتهِ بِالجوارِحِ :
فمن ذلِكَ اللسانُ ، والسَمْعُ ، والبَصَرُ ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في كتابهِ : }إِنَّ السَمعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئك كانَ عَنْهُ مَسْؤولا{ [الآية 36 من سورة الإسراء 17] .
[2] فالِلسانُ :
يُنَزَّهُ عن الزُوْرِ ، والكذب ، والخَنى .
وأَنْ تُقيْمَهُ بالحقّ ، لا تخاف في الله لومةَ لائم .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هكذا بالمثنى ، مع أنه خاطب أولا بالجمع ، فليلاحظ .
(2) كذا في الفرع وهامش الأصل ، وفي متنه «حقّهُ» .
وأَنْ تُحَمِّلَهُ آدابَ اللهِ لِمَوْضع الحاجة إِليه(1) .
وذلك أَنَّ اللسانَ إذا أَلِفَ الزُوْرَ اعْوَجَّ عن الحقّ ، فذهبت المنفَعَةُ به ، وبقيَ ضَرَرُه .
وقد قال أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أَبي طالب صلوات الله (وسلامه) عليه : «يُعرف ذو الُلّبِّ بِلسانه» .
وقال (عليه الصلاة والسلام) : «المرءُ مخبوٌّ تحت لسانه» .
وقال صلوات الله عليه (وسلامه) : «لسانُ ابن آدَم قَلَمُ المَلَك ، ورِيْقُهْ مِدادُهُ ، يا ابنَ آدَم ، فَقَدِّمْ خَيْراً تَغْنَمْ ، أو اصْمُتْ عن السُوْءِ تَسْلَمْ» .
[3] وحقُّ الله على المؤْمِنِ في سَمْعِهِ :
أنْ يَحْفَظَهُ من اللّغْوِ ، والاسْتِماع إِلى جميع ما يكْرَهُهُ اللهُ (تعالى) .
فإنَ السَمْعَ طريقُ القَلْبِ ، يجبُ أَنْ تَحْذَرَ ما يَسْلُكُ إِلى قلبِكَ .
[4] وحَقُ اللهِ في البَصَرِ :
غَضُّهُ عن الَمحْظُوراتِ ، ما صَغُرَ وما كَبُرَ .
ولا تَمُدَّهُ إِلى ما مَتَّعَ اللهُ بهِ المُتْرَفيْنَ .
وتركُ انتقالِ البَصَرِ في ما لا خَيْرَ فيه .
ولكنْ لِيَجْعَلْ المُؤْمِنُ بَصَرَهُ عِبَراً ، فإنَّ النَظَرَ بابُ الاعْتِبار .
[5] وحَقُّ اللهِ في اليَدَيْنِ :
قَبْضُهما عن الُمحَرَّماتِ في التَناوُلِ ، واللَمْس ، والبَطْش ، والأَثَرَة .
ولكنْ تَبْسُطُهُما في الخَيْراتِ ، والذَبِّ عن الدِيْن ، والجهادِ في سَبِيْلِ اللهِ .
[6] والرجلان :
لا يُسْعى بهما إِلى مَكْرُوه .
وكُلُّ رِجْل سَعَتْ إِلى ما يكْرهُ اللهُ (سبحانه) فَهيَ من أرْجُلِ إِبْليس .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) علّق في النسختين : المراد أَنْ يُشغل الإنسان لسانُه بذكر الله تعالى حياته ، وقوله(عليه السلام) : «لموضع الحاجة إليه» يريد عند الوفاة ونحو ذلك .
[7] وحقُّ اللهِ في البَطْنِ :
أَنْ لا تجعله وِعاءً للحرام ، فإنَّه مَسْؤُول عنه .
وقد كانَ أَمِيْرُ المؤْمنينَ صَلواتُ اللهِ (وسلامه) عليه ، يقول : «نِعْمَ الغَرِيْمُ الجَوْفُ : أَيُّ شيء تقدّمُهُ(1) إليه قبله منك» .
وقال صَلواتُ الله عليه : «ثُلُثٌ طَعامٌ ، وثُلُثٌ شَرابٌ ، وثُلُثٌ نَفَسٌ» .
وقالَ صلواتُ اللهِ عليه : «إذا طعمتم [ . . . . .](2) فأخفُّ الطعام وأَطيَبَهُ وأَمْرَأَهُ [ . . . . .](3) بالحلال» .
ويجب أَنْ يقتصدَ في أَكْله وشُرْبهِ ، فإنَّ كثرة الأَكْل والشُرْب مَقساةٌ للقَلْبِ .
[8] وحقُ اللهِ في الطعام :
أنْ يسمِّيَ (الرَجُلُ)(4) إِذا ابتدأَ .
وأَنْ يحمدَ إذا انتهى .
والشَبَعُ المليّا هو مَكْسَلةٌ ، ولا خَيْرَ في العَبْدِ حِيْنَئِذ .
[9] وحقُ اللهِ على عَبْده في فَرْجهِ :
حِفْظُهُ وتَحْصِيْنَهُ .
وبابُهُ المفتوح إِليه هُوَ البَصَرُ ، فلا تمُدُّوا أَبْصارَكُمْ ، ولا تُتْبِعُوْا نَظْرةَ الفُجْأَةِ نَظْرةَ العَمْدِ ، فتهلكوا ، وكفى بذلكَ مَعْصِيَةً وخطِيْئَةً .
فأخيْفُوا نُفُوْسَكم بالوعِيْدِ ، فَمَنْ قَرَعَ نَفْسَهُ فَقَدْ أَبْلَغَ ـ في موعظتِها وتَحْصِيْنها وتَأْديتها ـ إِلى اللهِ عَزَّ وَجلَّ .
[10] ثُمَّ حُقُوْقُ اللهِ في الصلاةِ :
أَنْ يَعْلَمَ المُصَلّي أَنَّها وافِدتُهُ إِلى اللهِ عَزَّ وَجلَّ .
ثمَّ فَلْيُصَلِّ صَلاةَ مُوَدّع يَعْلَمُ أَنَّهُ إذا أَفْسَدَ صلاتَهُ لم يَجِدْ خَلَفاً منْها ، ومَنْ أَفْسَدَ صلاته فهو لسائر الفرائضِ أَفْسَدُ .
فإذا قامَ العبدُ إلى الصلاةِ فَلْيَقُمْ مقامَ الخائفِ المِسْكينِ المتواضِعِ ، خاشِعاً بالسُكُونِ والوقَارِ ، وإحضارِ المشاهدة بيقين بالله (تعالى) فإذا كَمُلَتْ فَقَدْ فازَ بِها ، وهيَ تَنْهى عن الفَحْشاءِ والمُنْكَر .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الفرع «تقذفه» بدل «تقدّمه» .
(2) و(3) محلّ الفراغ ، بياض في النسختين .
(4) هذه الكلمة من الفرع فقط .
[11] وحقُّ اللهِ في الصِيامِ :
اجتنابُ فُضُوْلِ الكلام .
وحِفْظُ البَصَرِ .
وتحريمُ الطَعامِ والشراب .
والصَوْمُ جُنّةٌ من النّار .
ومَنْ تَعَطَّشَ للهِ جَلَّ تَناؤُهُ أَرْواهُ من الرَحِيْقِ المخْتُومِ في دار السَلامِ .
[12] وحقُّ اللهِ في الأَمْوالِ على قَدَرِها :
فما كانَ من زكاة : فإِخْراجُها إِلى أَهْلها .
فإنْ أَخرجتموها إِلى غير أَهْلها فهي مضمونَةٌ لأَهْلها في جميع المال .
وهيَ إذا لم تُخْرَجْ إِلى أهْلها مَخْبَثَةٌ لجميع(1) المال .
فيجبُ إِخراجها بِيقين وإِخْلاص ، فتِلْكَ من أَفْضل الذخائر ، وهيَ المقبُولة .
فإِذا تَوَجَّهَ العَبْدُ إِلى اللهِ (سبحانه) بِقصْد ونِيَّة أَقبلَ اللهُ عليه بالخير ، وإِذا اهْتدى زادَهُ هِدايةً في هِدايتهِ ، وبَصَّرَهُ ، وعَرَّفَهُ طريقَ نَجاتهِ ، فَإِنّما يُريدُ اللهُ بِنا التُيْسِيْرَ ، وهو الهادي ، وهو المُسْعِفُ بالقُوَّةِ على صُعُوْبة الحَقّ وثِقَلهِ على النَفْس . ومن علاماتِ القاصِدِ إِلى اللهِ :
إقْبالُ قَلْبِهِ وجوارحِهِ .
وإِرشادُ النَفْسِ بِالتَذَلُّلِ والخُشُوْعِ والخَشْيَةِ لَهُ ، السالِمَةِ من الرِياءِ .
والتخلُّصُ من التَبِعَة بِالصَلاح .
[13] وحَقُّ اللهِ على عَبْدِهِ في أَئِمّةِ الُهدى :
أَن يَنْصَحَ لهم في السِرِّ والعَلانيةِ .
وأَنْ يُجاهِدَ مَعَهُمْ .
وأَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ دُوْنَهمُ ، إِنْ كانَ قادِراً على ذلك ، من أَهل السلامة .
[14] وحَقُّ اللهِ على عَبْدِهِ في مَعْرفة حُقُوْق العُلَماء الدالِّيْنَ عليهِ في الأَمْر والنَهْي :
أَن يَسأَلَهم إذا جهل .
وأَنْ يَعْرِفَ لهم حَقَّهم في تعليم الخَيْر .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في النسختين فوق هذه الكلمة : لسائر .
[15] وحَقُّ اللهِ على العالم في عِلْمِهِ :
أَنْ لا يَمْنعَهُ من الطالِبِيْنَ .
وأَنْ يُغِيْثَ بهِ المَلْهُوفيْنَ .
[16] وحَقُّ اللهِ على المالِكِ في مِلْك يَدِهِ :
أَنْ لا يُكَلّفَهُ من العَمَل فَوْق طاقَتِهِ .
وأَنْ يُليْنَ لَهُ جَنابه(1) .
فإِنّما هُوَ أَخُوْهُ ، ملَّكَهُ الله إِيّاهُ .
وله حقّه ، وكسوته ، ومطعمه ، ومشربه ، وما لا غِنايةَ له عنه .
[17] وحَقُّ الله في بِرِّ الوالِدَيْنِ :
فَلَوْ عَلِمَ اللهُ شَيْئاً هُوَ أَقَلُّ من «أُفّ» لَحَرَّمَهُ منهما } . . . فلا تَقُلْ لَهُما أُفّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيْماً * واخْفِضْ لَهُما جَناح الذُلِّ منَ الرَحْمة وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّياني صَغِيْراً{ [الآيتان 23 و24 من سورة الإسراء 17] .
[18] وحَقُّ اللهِ في الأَخِ :
أَنْ تَنْصَحَهُ .
وأَنْ تَبْذُلَ له مَعْرُوْفَك ، إذا كان مُحْتاجاً وكُنْتَ ذا مال .
فقد عَظَّمَ اللهُ شأْن الأَخ في اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فأَخُوْكَ في الله هُوَ شَقِيْقُكَ في دِينكَ ومُعِيْنُكَ في طاعةِ اللهِ .
[19] وحَقُّ اللهِ في مَوْلاهُ المنعِم عليه :
فأنْ يعلمَ أَنّهُ أَنْفَقَ فيه مالَهُ ، وأَخْرجَهُ من ذُلِّ العُبوديّة ، فهذا يجبُ حقّهُ في النَصِيْحة له ، والتَعْظيم لمعرفة ما أَتى من الخير .
[20] وحَقُ اللهِ في تعظيم المُؤَذِّنِيْنَ :
وهو أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ ما قامُوا به وما دَعَوْا إِليه ، فيدعُو لَهُم بِلسانِهِ ، ويَوَدُّهُم بِباطنه ، ويُوَقِّرُهُمْ في نظره .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا فيهما ولعلّه : جانبه .
[21] وحَقُّ اللهِ في أَئِمّةِ المُؤْمِنينَ في صلاتِهم :
أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ بِما تقلَّدُوْهُ ، وبِما قامُوا بهِ .
وأَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بالإِرشاد والهداية .
وقد قال رسُوْلُ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) : «تخيَّرُوْا الأَئِمّةَ فإِنّهم الوافِدُوْنَ بكُمْ إِلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ» .
[22] وحَقُّ اللهِ في الجليس :
فأَنْ تُلِيْنَ لهُ كَنَفَكَ .
وأَنْ تُقْبِلَ عليهِ في مَجْلِسِك .
وأَنْ لا تُحْرِمَهُ مُجاوَرَتَكَ .
وأَنْ تُحَدِّثَهُ من مَنْطقك .
وأَنْ تَخُصَّهُ بالنُصْحِ .
[23] وحَقُّ اللهِ في الجارِ :
حِفْظُهُ غائِباً .
وإِكْرامُهُ شاهِداً .
ونُصْرتُهُ ومَعُونَتُهُ .
وأَنْ لا تَتَّبِعَ له عَوْرةً .
وأَنْ لا تَبْحَثَ لَهُ عن سُوْء .
فإنْ علمتَ لهُ أَمْراً يَخافُهُ ، فكُنْ له حِصْناً حَصِيْناً وسِتْراً سَتِيْراً ، فإنَّهُ أَمانَةٌ .
وحقوقُ اللهِ كثيرةٌ .
وقد حَرَّمَ اللهُ الفواحِشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ ، فجانِبُوا كلَّ أَمْر فيهِ رِيْبَةٌ ، ودَعُوا ما يُرِيْبُ إِلى ما لا يُرِيْبُ(1) .
والسلامُ(2) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في هامش الفرع هُنا :
ومثل هذه الوصيّة ما روي أنّ مسترشداً سأَل مولانا أبا الحسين زيد بن علي بن الحسين صلى الله عليهم ، فقال له : علّمني علماً ينفعني الله تعالى به . فقال عليه الصلاة والسلام : عليك بما أجمع عليه المختلفون . انتهى من رسالة القاضي جعفر بن أحمد ، التي ذكر فيها إجماع الزيدية في علم الكلام . وعلق عليه : أراد عليه الصلاة والسلام «ما اجتمع عليه المخالفون» ممّا لم يظهر دليله بل كان موضع ريبة ، وأما ما وضح دليله فقد صرّح(عليه السلام) في مواضع عديدة : أَنَّ اتّباعه الواجبُ . انتهى باختصار .(2) كتب في الأصل «بلغ ، بحمد الله وفضله» .