بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين إلهنا بك نستعين
==============صفحة5
دليل الكتاب
الإهداء :
تمهيد :
المقدّمة :
القسم الأوّل : جواز التدوين منذ عهد الرسالة , وتفصيل أدلّة المبيحين .
التمهيد : الأصل في حكم التدوين ?
الفصل الأول :عُرْ ? العقلاء والتدوين , وموقف الشرع من هذا العرف
الفصل الثاني : السُنّة النبوي ? والتدوين.
الفصل الثالث : إجماع أهل البيت عليهم السلام على التدوين.
الفصل الرابع : سيرة المسلمين والتدوين.
خاتمة القسم الأول : خلاصة واستنتاج.
القسم الثاني : منع التدوين , وتبريرات المانعين.
التمهيد : متى بدأ المنع من التدوين؟!
الفصل الأول : النهي الشرعي عن كتابة الحديث.
الفصل الثاني : الخوف من اختلاط القرآن بالحديث.
الفصل الثالث : التخوّف من ترك القرآن والاشتغال بغيره.
الفصل الرابع : الاستغناء بالحفظ عن التدوين.
الفصل الخامس : عدم معرفة المحدثين للكتابة.
الفصل السادس : القول الفصل في سبب المنع.
الملحق الأ وّ ? : المنع من رواية الحديث , ونقله.
الملحق الثاني : آثار المنع من التدوين إلى نهاية القرن الأوّل.
خاتمة القسم الثاني : خلاصة واستنتاج.
حصيلة الكتاب.
الفهارس العامة.
====================صفحة 6 بيضاء
====================صفحة7
الإهداء
إلى سليلة بيت الو حي والرسالة , وعقيلة بيت الإمامة والعدالة
وإلى غصن الدوحة الهاشميّة , وفرع الشجرة العلويّة سيّدتنا فاطمة المعصومة بنت الإمام الكاظم , ? أخت الإمام الرضا , وعمّة الإمام الجواد عليهم الصلاة وا لسلام, التي أنعم الله علينا بجوارها , فأغدقت علينا من برّها وإحسانها , وآوتنا مكرّمين في حِماها . والتجأنا إليها مستشفعين بها إلى الله , لكشف الكربات وقضاء الحاجات , فاستجاب الله لنا بكرامتها ووجاهتها .
فسلام الله عليها تحيّةً وافرةً , وصلاتُه عليها متواترةً , وحشرنا اللهُ معها دنياً وآخرة .
فإلى ساحتها المقدّسة :
أهدي هذا الكتابَ الذي هو واحدٌ من فيض بركاتها فهو خدمةٌ متواضعةٌ لسنّة جدّها المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم .أرجو منها القبول , ورفد المأمول . المؤ لّف
===============صفحة 8 بيضاء
===============صفحة9
تمهيد :
إنّ الحديثَ الشريفَ يُعتبر - عند المسلمين كافّةً - تاليَ القرآن الكريم , عماداً للإسلام , ومصدراً للأحكام .
وصيانة الحديث الشريف , واجبةٌ كفايةً , على المسلمين , كما هو الحكم بالنسبة إلى القُرآن الكريم , حِفاظاً على أصول الشريعة من التحريف والتصحيف.
وقد بذل علماء الأ مّة قُصارى جُهدهم في أداء ذلك الواجب , حتّى تألّفَ الحديثُ الشريف في المجاميع الكثيرة , من الأجزاء الصغيرة إلى المصنّفات الكبيرة , وما بينهما من الأ صول والصحاح والمعاجم ? المسانيد والجوامع .
وكذلك , أحاطوه بما في وُسْعهم من وسائل الحفظ , وأدوات الحِيْطة والحَذَر , فسنُوا لذلك القواعدَ المتينة والأصول الرصينة , في علم مصطلح الحديث أو الد راية.
=====================صفحة10
وضبطُوا نصوصَه على أُسُسٍ قويمة , بأساليب مستقيمة , في علم الحديث والرواية , حتّى سلّموه إلى الخلف مصُوناً عمّأ يّشين , ? محاطاً بما يَزين , والحمد لله ربّ العالمين .
وجرت على الحديث الشريف - منذ نشأته الأ ولى , وما تلاها من الأدوار - تطو رّاتٌ كثيرة , وبذلت حوله جهود جبّارة , وكلّ ذلك يكوّن للحديث الشريف . تاريخاً حافلاً.
ومن أهم المباحث المطروحة في مجال تاريخ الحديث , هو تاريخ تدوين الحديث أو - بعبارة أخرى - : تحديد البداية الأُولى لتدوينه , والأسباب التي أدّت إلى منع تدوينه ! في بعض فترات التاريخ من صدر الإسلام .والنتائج المُتوخّاة من هذا البحث , هي:
1- الفائدة العلمية:
فقد وقع - بين علماء الحديث - بحثٌ واسعٌ في ذلك , بحيث استقطبَ من جهودهم قسطاً وافراً في المادّ ? والمدّ ? , ويمكن من خلال هذا البحث التوصّل إلى الرأي الصائب , بالحجج الصائبة.
2- الفائدة العملية:
فإن أعداء الإسلام حاولوا التشكيك في حجيّة الحديث الشريف , استناداً إلى المنع الصادر من بعض الصحابة , الذين حكموا بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , ومنعوا تدوين الحديث الشريف , فجعلوا ذلك ذريعة لمآربهم الفاسدة , مثل:
====================صفحة11
1- إثارة الفكرة القديمة البائدة , التي تدعو إلى رفض السُنّة والحديث , والاكتفاء بالقرآن الكريم مصدراً وحيداً للتعاليم الإسلاميّة.
2- التشكيك في النصوص التي تحويها كتبُ الحديث الشريف , باعتبار تأخُّر تدوينه , إلى ما بعد مائة عامٍ , فلا بُدّ -كما يدّ عون ! - أنْ تكونَ مجموعة كبيرة منها قد ضاعتْ ? أتلفتْ , أو حُرِّ فَتْ , أو نُسِيَتْ ,أو نُقِلَتْ بالمعنى , وغير ذلك من الشبهات..
3- اتّهام الإسلام بالتخلُف عن ? كب الحضارة الهادر , حيثُ منع كبارُ رجاله من تدوين الحديث النبويّ في وقتٍ مبكّر..
وبالتالي : فإنّ الأعداء يهدِفون - اعتماداً على المنع المذكور - إلى القضاء على الإسلام , الذي يبتني في أكثر تعاليمه , على الحديث الشريف , باعتباره أكبر مصادرها سعةً , وأهمُّها - بعد القُرآن - حُجّيةً واعتبارا.
فكان من الضروريّ التصدّي لهذا البحث , العلميّ العمليّ , لتبرزَ الحقائقُ ناصعةً مُسْفرةً..
ورأينا - إسهاماً في خدمة الحديث الشريف - أنْ نُفْرِد لهذا البحث المهمّ , هذه الدراسةَ , محاولين - قدرَ الوُ سْع والجهد - استيعابَها لما قيل , أو يمكن أنْ يقال , في هذا المجال.
ونرجو من الله التوفيق ? لى الصواب , هو نعم المولى وإليه المآب.
وكتب
السيّد محمّد رضا الحُسينيّ الجلاليّ
غُرّة شهر رمضان المبارك 1412 هجرية
====================صفحة 12
=====================صفحة13
المقدّ مة
موجز من تاريخ الخلاف .
وتحديد أقسام البحث .
========================صفحة 14
=========================صفحة15
التزمَ الكثيرون من العامّة بأنّ الحديث تأخَّرَ تدوينُهُ إلى نهاية القرن الأوّل من الهجرة , وهم بينَ:
1- مَنْ يقول بأنّ بداية التدوين كانتْ في أوّل القرن الثاني.
2- ومَنْ يقول بتأخُّرها عن ذلك , أيضاً .
قالوا : إنّ عمر بن عبد العزيز - الخليفة الأمويّ - قامَ بإصْدار أوّل أمْرٍ رسميٍّ بتدوين الحديث:
قال الحافظ السيوطيّ ( ? 911 هـ) : ابتداءُ تدوين الحديث , وقعَ على رأس المائة , في خلافة عمر بن عبد العزيز , بأمره(1) .
وقد نُقلَ أمرُهُ بذلك , بنصوصٍ متغايرةٍ , وإلى أشخاص متعدّ دين , في جهات مختلفة:
فكتبَ إلى الآفاق , يقول : انظروا حديث رسول الله صلّىالله عليه وآله وسلّم ,
الهامش:
(1) تدريب الراوي ( 1/40).
==================صفحة16
فاجْمَعُوه (1).
وكتبَ إلى أهل المدينة , يقول : انظروا ما كان من حديث رسول الله صلّى الله عليه , فاكتبوه , فإنّي خفتُ دُرُوسَ العلم وذهابَ العُلماء (2).
وكتبَ رسالةً إلى أبي بكر بن حَزمٍ , يقول فيها : انظر ما كان من حديث رسول الله صلّى الله عليه … فاكتبه , فإنّي قد خشيتُ دُرُوسَ العلم , وذهابَ العُلماء (3)..
وروى البخاريُّ هذه الرسالةَ بزيادة قوله : ولا تقبلْ إلاّ حديثَ النبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم , ولْتُفْشُوا العلمَ , ولتجلسوا حتّى يَعْلَمَ مَنْ لا يَعْلمُ , فإنّ العلم لا يهلكُ حتّى يكونَ سِرّ اً (4)..
وفي بعض المصادر : أنّ عمر كتبَ إليه يقول : أمّا بعد , فأْمُرْ أهْلَ العلم في أنْ يذكُروا العلمَ في مساجدهم , فإنّ السُنّة كانتْ قد أميتَتْ (5).
وقام ابن حزم بالمُهمّة , فجمعَ الأحاديث في كتاب (6).
الهامش:
(1) تدريب الراوي (1/41) والتنبئة للسيوطي (?51) والرسالة المستطرفة للكتاني ( ? 4).
(2) تقييد العلم ( ? 106 ) ومحاسن الاصطلاح للبلقيني ( ? 103)..
(3) تقييد العلم ( ? 5- 106) وانظر تدريب الراوي (1/40).
(4) صحيح البخاري (1/36 ) باب كيفَ يقبض العلم, من كتاب العلم , وانظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/480) وتاريخ التراث العربي , لسزكين ( ?1 مج1/228) الهامش, والتنبئة, للسيوطيّ (?15) نقلاً عن ذمّ الكلام للهرويّ .(5) أدب الإملاء ? الاستملاء (?44) وانظر : الطبقات , لابن سعد ( 2/134) ? ? رشاد الساري (1/6) والجامع لأخلاق الراوي (2/2-73).
(6) حاشية الزرقاني على موطأ مالك (1/10).
=========================صفحة 17
وكتب عمر - أيضاً - إلى مُرّة بن كثير يأمُرُه بتدوين الحديث (1).
كما أصدر إلى ابن شهاب الزُهْريّ أمْراً بتدوين الحديث , فقامَ هذا بالأمر .
وكان عمر يبعث إلى كلّ أرضٍ دفتراَ من دفاتر الزُهْريّ (2).
وكان الزُهْريّ يذكرُ تدوينَه للحديث , معتدّاً به , فيقولُ : لم يُدوِّ نْ هذا العلمَ أحدٌ قبل تدويني (3).
بالرغم من أنّ الزُهْريّ كانَ ممّنْ يكرهُ الكتابةَ , وكانَ يُعْلِنُ عن كراهته فقد قال : كُنّا نكرهُ كتابةَ العلم , حتّى أكْرَهَنا عليه السلطانُ , فكرِ هْنا أنْ نمْنعهُ أحداً (4).
وقال أيضاً : كُنّا نكرهُ كتابَ العلم , حتّى أكْرَهنا عليه هؤلاءِ الأمَراءُ , فرأينا أن لا نمنعه أحداً من المسلمين (5).
وقال : لولا أحاديثُ سالَتْ علينا من المشرِق , نُنكرِها , لا نعرفُها , ما كتبتُ حديثاً , ولا أذنتُ في كتابه (6).
الهامش:
(1) الطبقات , لابن سعد (7 /447).
(2) جامع بيان العلم , للقرطبي (1/76) .
(3) تهذيب التهذيب (9/449) والرسالة المستطرفة (?4).
(4) سنن الدارمي (1/92) ?410.
(5) طبقات ابن سعد ( الجزء المتمّم ) ( ? 169) وأخرجه المعلّق عن طبقات ابن سعد (2/389 ) وحلية الأولياء لأبي نعيم (3/363).
(6) طبقات ابن سعد ( الجزء المتمّم ) ( ? 166).
=======================صفحة 18
ويُستفادُ منه - كما يقول ابنُ حجر - : ابتداءُ تدوين الحديث النبويّ , وأنّ أوّ ? مَنْ دوَّ نَهُ بأمر عمر , هو ابنُ شهاب الزُهْريّ (1).
وقد طارتْ شُهْرةُ الزُهْريّ باعتباره أوّل مَنْ دوَّنَ الحديثَ (2).
أقول : وبما أنّ عمر بن عبد العزيز قد تُوُفيَ سنة (101) فإنَّ هذا التاريخ يكون- عند هؤلاء - هو بداية تدوين الحديث , على أبعد الفروض.
على أنَّ بعض المصادر تشيرُ إلى أنَّ عمر بن عبد العزيز - وإنْ أصدرَ أمراً بالتدوين - إلاّ أنَّ أمرهُ لم يُنَفَّذْ في حياته (3).
وقد يكون مع هذا الرأي كلُّ مَنْ أخَّرَ تاريخ ابتداء التدوين إلى سنواتٍ أبعدَ من بداية القرن الثاني.
قال ابن حجر : جمعُ الحديث إلى مثله في بابٍ واحدٍ , سبق إليه الشعبيُّ (? 104)(4).
و هذا النوع من التأليف , وإنْ كان يُعَدُّ تصنيفاً لنوعٍ معيَّنٍ من الأحاديث , إلاّ أنَّه تدوينٌ له على كلِّ حالٍ , إنْ لم نَقُلْ بأنَّه أفضلُ أشكال التدوين المجرَّد , فهو أخصُّ أشكاله قطعاً.
وقال الذهبيُّ : إنَّ خالد بن معدان الحمْصيّ (? 104) لقي سبعين صحابيَّا
الهامش:
(1)تدريب الراوي (1/41) ? الرسالة المستطرفة (? 4) والحديث ? المحدثون (?221).
(2) تاريخ التراث العربي (1/مج1/228) وانظر مصادره العديدة.
(3) انظر تاريخ التراث العربي (مج1/?1/228).
(3) تدريب الراوي (1/40).
======================صفحة 19
وكان يكتب الحديث , وله مصنَّفاتٌ , وكان علمه في مُصْحَفٍ له أزرارٌ وعُرى (1).
وقال أبو طالب المكِّيّ (?381 هـ ): كرِهَ كَتْبَ الحديث الطبقةُ الأولى من التابعين … وأجازَ ذلك مَنْ بعدهم , وما حَدَثَ التصنيفُ إلاّ بعد موت الحسن (البصريّ ? 110هـ) ? ابن المُسيَّب ( ? 94 أو 105هـ ) (2).
وقال الغزَّاليّ ( ? 505 هـ ): الكُتُبُ والتصانيفُ محدثةٌ ولم يكن شيء منها زمن الصحابة وصدر التابعين , وإنَّما حَدَثَ بعد سنة (120هـ) وبعد وفاة جميع الصحابة وجلَّة التابعين , وبعد وفاة سعيد بن المُسيَّب (? 105هـ) والحسن(البصري ?110 هـ) وخيار التابعين , بل كان الأوَّلون يكرهون كتب الحديث , وتصنيف الكتب (2).
وأمر هشامُ بن عبد الملك ( ?125هـ) ابنَ شهاب الزُهْريَّ (?124هـ) أنْ يُمْلِيَ على أولاده الحديث , فأمْلى عليهم أربعمائة حديث (4).
ويعتقدُ البعضُ : أنَّ أوَّل مُصنَّفٍ وُضِعَ في علم الحديث - عامَّةً ! - هو كتاب ألّفه همَّامُ بن مُنَبِّه ( ?131 هـ) فقد جَمَعَ رواياتٍ عن أبي هُريْرة , في كتاب باسم ?( الصحيفة الصحيحة ) (5).
الهامش:
(1) تذكرة الحفاظ (1/93) وانظر الحديث والمحدثون (?221).
(2) قوت القلوب (1/159) وانظر الرسالة المستطرفة (? 8 - 9) ودلائل
التوثيق المبكر(?235).
(3) إحياء علوم الدين (1/79) ? بولاق.
(4) الإلماع , للقاضي عياض (?243) وتهذيب التهذيب (9/449).
(5) مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن , للحبشي (?38).
======================صفحة 20
ويرى الذهبيُّ : أنَّ أوَّل زمن التصنيف , وتدوين السُنَن , وتأليف الفروع , بعد انقراض دولة بني أميَّة , وتحوُّل الدولة إلى بني العبَّاس (سنة 132هـ) (1).
وقال الذهبيُّ – أيضاً – في حوادث سنة (143هـ) : وفي هذا العصر , شَرَعَ علماءُ الإسلام في تدوين الحديث , والفقه , والتفسير , … , وكَثُرَ تبويبُ العلم وتدوينُه, … , وقبل هذا العصر كان سائرُ العلماء يتكلَّمون من حفظهم , ويروون العلم عن صُحُفٍ غير مرتَّبةٍ (2).
ويظهرُ من الذهبيّ أنَّ آخر زمان التابعين هو عصرُ التدوين.
وآخر التابعين موتاً هو خلفُ بن خليفة , مات سنة (180هـ) قال الذهبيُّ : شرعَ الكبار في تدوين السُنَن وتأليف الفروع وتصنيف العربيّة , ثمّ كَثُرَ ذلك في أيّام الرشيد وأخذ حفظُ العلماء ينقصُ , ودوِّنت الكتبُ واتَّكلوا عليها , وإنّما كان قبلَ ذلك علمُ الصحابة والتابعين في الصدور فهي كانت خزائنَ العلم لهم (*).
ويعتقد الكثيرون : أنَّ أوَّل مَنْ صنَّفَ هو ابنُ جُرَيْجٍ ( ?150 هـ) (3).
قال ابن الأثير : انتهى الأمرُ إلى زمن جماعةٍ من الأئمَّة مثل : عبد الملك بن جُرَيْج , ومالك بن أنَسٍ , وغيرهما ممَّنْ كان في عصرهما , فدوَّنوا الحديث , حتَّى قيل: إنَّ أوَّل كتابٍ صُنِّفَ في الإسلام :كتابُ ابن جُرَ يْج (4).
وقال ابن حجر : لمّا انتشرَ العُلماءُ في الأمصار , وكثُرَ الابْتداع دُوِّنَت [ الآثار ] ممزوجةً بأقوال الصحابة , وفتاوى التابعين وغيرهم , فأوَّلُ مَنْ جمعَ ذلك ابنُ جُرَيْج (?150هـ) بمكَّة , وابن إسحاق (?151هـ)
الهامش:
(1) تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ( ? 279).
(2) النجوم الزاهرة , للتغري بردي (1/351) ودراسات في الحديث والمحدّثين , للحسني (?24).
(*) تذكرة الحفّاظ (1/159- 160).
(3) الجرح والتعديل , للرازيّ (1/184)تاريخ بغداد (10/400) دائرة معارف وجدي ( مادة : حدث)..
(4) جامع الأصول,لابن الأثير (1/41).
=======================صفحة 21
أو مالك ( ? 179هـ) بالمدينة , والربيع بن صَبيح ( ? 160هـ ) أو سعيد بن أبي عَروبة ( ? 156هـ) أو حَّماد بن سلمة (? 167هـ) بالبصرة , وسُفْيان الثوريّ ( ? 161هـ) بالكوفة , ? الأوزاعيّ (? 157هـ ) بالشام , وهشيم (? 183هـ) بواسط , ومُعَمَّر (? 153هـ) باليمن , وجرير بن عبد الحميد (? 188هـ ) بالريّ , وابن المبارك (? 181هـ) بخراسان (1).
قال العراقيّ , وابن حجر: وكان هؤلاء في عصرٍ واحدٍ , فلا ندري أيُّهم أسبق ?(2).
وأضافَ الذهبيّ على هؤلاء مَنْ ذكرهم بقوله : وصنّفَ أبو حنيفة (? 150هـ) الفقه والرأي , بالكوفة , وابن إسحاق ( ? 151هـ ) المغازي , وصنّف الليث بن سعد (? 157هـ ) وعبد الله بن لهيعة (? 174هـ ) والقاضي أبو يوسف (? 182هـ ) وابن وهب (? 197هـ )..
وقال ابن حجر: ثمّ تلا المذكورينَ كثيرٍ من أهل عصرهم , إلى أنْ رأى بعض الأئمّة أنَّ تفرَّدَ أحاديثَ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم خاصّة, وذلك على رأس المأئتين , … , ثمّ اقتفى الأئمّة آثارهم , فقلّ إمامٌ من الحفّاظ إلاّ وصنّف حديثه على المسانيد , … , ومنهم من صنّف على الأبواب وعلى المسانيد معاً (3).
وهكذا نجد أنَّ هؤلاء , الملتزمين بتأخُّر تدوين الحديث عن القرن الأوّل يختلفون في ما بينهم في تحديد زمان البداية الأولى للتدوين:
الهامش:
(1) هد ? الساري , مقدمة فتح الباري (1/17) وانظر الجامع لأخلاق الراوي (2/ 425- 427 ) ? مفتاح السنة للخولي (?21).
(2) تدريب الراوي (1/40) والمصادر السابقة..
(3) هدى الساري (1/18) وانظر تدريب الراوي (1/40).
========================صفحة22
فمن قائل بأنّه سنة (101هـ) وهو أقدم تاريخ ذكروه لذلك , ثمّ سنة (104هـ ) ثمّ سنة (105-110هـ )ثمّ سنة (125هـ )ثمّ سنة (131هـ ) ثمّ سنة (132هـ ) ثمّ سنة (134هـ ) ثمّ بين السنوات (150- 197هـ)..
وقد يتصوَّ ? أنَّ هذه الأقوال غير متنافيةٍ , لأنَّ بعضها –وخاصةً الأخير – ينظر إلى التصنيف , لا إلى مجرَّ ? التدوين ! وهذا التصوُّ ? يعتمد فكرة التفريق بين التصنيف والتدوين ,كما يحاول البعض التأكيد عليه (1).
لكنّا لم نجدْ فرقاً بين الأمرين , ويدلُّ على عدم التفرقة أنَّ عبارة التدوين أطْلقتْ في ما نقلناه من كلماتهم حتَّى على المصنَّفات المتأخِّرة.
ومهما يكن , فإنَّ رأيهم استقرَّ على التأليف بعد القرن الثاني , وصدرت المؤلَّفاتُ الجامعة للحديث الشريف على اختلاف المناهج , كالمسانيد, والمصنَّفات , والصِحاح , وغير ذلك.
ولكنَّ الذي يجمعُ بين تلك الأقوال - كلِّها , على اختلافها - هو : الاتِّفاقُ على عدم تقدُّم زمان التدوين على نهاية القرن الأوَّل ! .
وعلى هذا : فما قاله الإمامُ السيّد شرفُ الدين الموسويّ العامليّ رحمه الله , من ? أنَّ الإجماعَ قائمٌ على أنَّه ليس لعُلماء العامَّة , في العصر الأوّل , تأليفٌ , خاصّةً في علم الحديث (2).
مستندٌ إلى هذا الاتِّفاق , الملتزَم به من قِبَل العامّة - أنفسهم - في أمر التدوين.
الهامش:
(1) لاحظ تاريخ التراث العربي , لسز كين (1/مج 1/ 7 – 228).
(2) مؤلِّفو الشيعة في صدر الإسلام ( ? 13) والمراجعات لشرف الدين المراجعة رقم(110).
========================صفحة 23
ولقد أثارَ هذا الالتزامُ عدَّةَ تساؤلاتٍ صعبةً :
1- فلماذا أغفلَ أهلُ الإسلام - دينِ الحضارة ? التمدُّ ? - هذا العملَ الحضاريَّ , الذي يُعْتَبَرُ ْمكرمةً إلهيّة للإنسان , فامتنعوا من تدوين الحديث , أهمّ مصادر الشريعة , وأعظمها بعد القُرآن الكريم؟
2 - أليسَ تركُ التدوين طيلةَ مائةَ سنةٍ – وهو تمامُ القرن الأوَل – تعريضاً للحديث إلى الضياع , والتلف , والنسيان , والإبادة ؟؟ .
3 - وماذا كان الضر رُ , لو دُوِّنَت السُنّةُ , في عهدٍ مبكِّرٍ , وحُفظتْ , كما كتبَ القرآنُ الكريمُ وحُفظَ ? ومَنْ كان المتضرّرُ من ذلك , لو تَّم التدوينُ؟؟؟؟
4 - لماذا ناقضَ المسلمون أنفسَهم , وخالفوا كُبراءهم من الصحابة وبعض التابعين , الذين منعوا التدوينَ , فجاء مَنْ بعدَهم , فعمدوا بعد قرنٍ من الزمان , إلى كتابة الحديث وتدوينه ؟؟؟؟؟
كما فتحَ هذا الالتزامُ , لأعداء الإسلام , أبوابَ النقد والاعتراض , واستهداف الشريعة الإسلاميّة , بالطعن على ثاني مصادر التشريع , بأنَّه منفصلٌ عن مصادره الأصيلة طيلةَ قرنٍ من الأعوام , على أقلِّ تقديرٍ , فلا تبقى ثِقَةٌ بنصوصها المنقولة !!
كما وجَّهَ المغرضُون , من المستشرِقين والمستغرِبين (1) سِهامَ نقدهم الملطَّخة بِسُموم حقدهم , إلى ساحة الدين الإسلاميّ , فوصموه بالأميّة والصَدِّ عن التثقيف!!!
الهامش:
(1) نعني بالمستغرِبين : تلك الشرذمة من أولاد المسلمين الذين استعبدتْهم الثقافةُ الغربيّة , فهووها , ودعوا إليها , إلى حدّ العمالة العَمْياء للغَرْب , ولكلِّ ما هو غربيّ , ولو على حِساب دينهم ووطنهم وثقافتهم وحضارتهم.
وأمّا المستشرقون : فللتعرُّف على مواقفهم من السنّة راجع : المستشرقون ومصادر التشريع الإسلامي (? 79- 123).
=======================صفحة 24
وقد حاو ? أنصار ذلك الرأي الدفاعَ , وقدَّموا لذلك تبريراتٍ عديدةً , مختلفةً , جمعناها في القسم الثاني من هذه الدراسة.
وطلباً منَّا للحقيقة , لم نكتفِ بمجرَّ ? النقل , بل ناقَشْنا كلَّ ما ذكروه بهذا الصدد , مناقشةَ موضوعيَّة جذريَّة.
وتوصَّلنا - بتوفيقٍ من الله - إلى القول الفصل في وجه الالتزام بذلك الرأي , والعلّة الأساسيَّة لمنع تدوين الحديث من قِبَل المانعين , وغرضهم الذي راموه من ? راء عمليَّة منع التدوين.
وأمّا القسمُ الأوّل من هذه الدراسة : فقد أوردنا فيه الرأي الإسلاميّ , المعارض للرأي السابق , والذي لا يبقى معه مجال لأيِّ اعتراضٍ على الحديث الشريف , وتندفعُ به كلُّ التُهَم المغرضة التي وجَّهها أعداءُ الإسلام إليه , وهذا الرأي يقول : إنَّ الكتابةَ عمليّةٌ حضاريّةٌ , أقرَّها الإسلامُ بكلِّ تصميمٍ وقوَّةٍ , واستعملَها في تدوين الشريعة ومصادرها بأوْسَع ما يُمكن , فكان القرآنُ الكريمُ يُكْتَبُ فورَ نُزوله , بيد كتَّاب الوَ حْيْ , الذين بلغ عددهم الأربعين شخصاً , وبإشرافٍ تامٍّ من الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم.
============================صفحة 25
كما حثَّ الإسلامُ على تعلُّم الكتابة ومُزاولتها , بأساليبَ عديدةٍ , وفي نصوصٍ متضافرةٍ , في القُرآن , والسُنّة , ومن خلال سيرة عُلماء الإسلام وتصرُّفاتهم. ولم يكن الحديثُ الشريف مستثنىً من ذلك , بلْ بَذَلَ الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم جُهْداً بليغاً في الحثّ على كتابته وتدوينه , بعد أنْ صدعَ بأمر تبليغه وبثِّه , فقد أمَرَ بتدوينه , ودفع كثيراً من الصحابة إلى مُزاولته , كما أملى هو صلّى الله عليه وآله كثيراً من السُنَن ليكتبها أصحابُه.
وقد تمَّتْ في عصره صلّى الله عليه وآله وسلّم - وبمرأىً منه ومسمعٍ -كتابةُ الكثير من الحديث الشريف , في المجاميع , والصُحُف , والكُتُب , بما يدلُّ بوضوح على تقريره صلّى الله عليه وآله لجواز التدوين , وإمضائه والرضا به
ويعتبرُُ أصحابُ هذا الرأي , الرسولَ الكريمَ نفسَه صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم , رائدَ الآمِرينَ بكتابة الحديث , وقائدَ القائمينَ بتدوينه , وضبطه , ويأتي كِبارُ الصحابة الأبرار في مقدَّمة الملتزمين بهذا الرأي , وكثيرٌ منهمْ قام بالتدوين , وقد خلَّفوا آثاراً حميدةً , تدلُّ على عدم انصياعهم لأوامر المانعين , بل معارضتهم لمنع التدوين.
وأمّا أهْلُ البيت عليهم السلام , فقد أجْمعوا - كافّةً - على التدوين ومعارضة المنع , قولاً , وعملاّ.
وقد جمعنا كلَّ ذلك في القسم الأوَّل من هذه الدراسة.
=======================صفحة 26
ولخصنا البحثَ كلَّه في خاتمةٍ لكُلٍّ من القسمين بُغْيَة تنظيم فكرة واضحة عنه , وسردنا فيها مجمل ما في القسمين , وخلاصة مقتضبة عمّا توصّلنا إليه من نتائج.
وقد التزمنا بالأمانة التامَّة في نقل النصوص , والإشارة المضبوطة إلى مصادرها ,كما أرجعنا إلى المزيد من مراجع البحث , تكميلاً للفائدة.
ووضعنا ما أضفناه على النصوص – أحياناً - بين [ معقوفتين ] تمييزاً له, كما أنا ميَّزْنا ما حذفناه بوضع نقاطٍ ثلاث (…) في موضعه من النصوص.
وأضفنا إلى جملة الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ذكر( آله )حيثما لم يردْ في المصادر , حذراً من أنَ تبقى الصلاةُ عليه بتراءَ , وقد نهى صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم عنها , في ما رواه المسلمون كافَّةً (1).
وعيَّنا المصادر التي راجعناها , بطبعاتها الخاصَّة , في فهرس المصادر,كما أعْددنا للدراسة فهارس مناسبة لموضوع البحث.
والله وليُّ التوفيق.
الهامش:
انظر : الصواعق المحرقة لابن حجر (?87) ورشفة الصادي (?33) ووسائل الشيعة للعامليّ , كتاب الصلاة , أبواب الذكر ? (24) ?2رقم 9112 (? 7/202 ) طبع قم , الحديث 5? 6?17, والاعتصام بحبل الله المتين للقاسم بن محمد من أئمَّة الزيديّة (2/ 134).
=========================صفحة 27
القسم الأوّل :
جواز التدوين منذُ عهد الرسالة وأدلّة المُبيحين .
ويحتوي على:
التمهيد : ما هو الأصلُ في حكم التدوين؟
الفصل الأوّل : عُرْفُ العقلاء والتدوين , وموقف الشرع من هذا العُرف.
الفصل الثاني : السُنَّة النبويّة والتدوين.
الفصل الثالث : إجماعُ أهل البيت عليهم السلام على التدوين.
الفصل الرابع : سيرةُ المسلمين على التدوين.
الخاتمة : خلاصةٌ واستناجٌ.
=======================صفحة 28
========================صفحة 29
التمهيد :
ما هو الأصلُ في حكم التدوين؟
من المتَّفَق عليه أنَّ تدوين الحديث قد تحقَّقَ في عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , كما أنَّ كثيراً ممّا تحقَّقتْ كتابتُه في عصره كانَ بإذنه وبإشْرافٍ منه.
قال الدكتور الشيخ عبد الحليم محمود - شيخ الأزهر سابقاً -: لقد وَقَرَ في أذهان الناس بصورةٍ راسخةٍ : أنَّ السُنّةَ لم تُدَوَّ نْ إلاّ في القرن الثاني , ومن أجل اقتلاع هذه الفكرة الخاطئة أطلنا في نقل بعض النصوص التي تُثبتُ الحقيقةَ , وهي أنَّ السُنّة دُوِنَتْ في القرن الأوَّل , في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وفي عهد الصحابة الأجِلاّء (1).
وقال الدكتور عِتِر : وردتْ أحاديث كثيرةٌ عن عَدَدٍ من الصحابة تَبْلُغُ بمجموعها رُتبةَ التواتر , في إثبات وقوع الكتابة للحديث النبوي , في عهده صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّم (2).
الهامش:
(1) السنة في مكانتها وفي تاريخها ( ?48).
(2) منهج النقد في علوم الحديث , للدكتور نور الدين عتر(? 40).
==================صفحة 30
وقال الدكتور رفعت : نقربُ من الحقيقة عندما نقول: إنَّ الماد ةَ التي كتبتْ في عهد رسول الله صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم ليستْ بالشيء القليل (1).
وقال آخر : لا مجالَ للشكِّ في تحقيق تقييد الحديث في عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نفسه , وليس على رأس المائة الثانية للهجرة,…, لأنَّ الكتب والأخبار والوثائق التاريخيّة لا تَدَعُ مجالاً له (2).
ويعترف عِتِر : بتوافُر الدلائل العلميّة , التي تبلغُ درجة المسلّمات - في نطاق العلم - على إثْبات الكتابة لقسمٍ كبيرٍ من الحديث في عصر النُبوّ ? (3) .
ولا ريبَ أنّ الأشياءَ -كلَّها - على أصْل الإباحة في الشرع الإسلاميّ , حتّى يقومَ الدليلُ الخاصُّ على حكمها ,كما ثَبَتَ ذلك في علم أصول الفقه.
والتدوينُ كواحدٍ من الأعمال , لو لم يدُلّ على حكمه دليلٌ خاصٌّ , فهو على أصْل الإباحة , كذلك.
وإذا دلَّت الأخبارُ الكثيرةُ , والدلائلُ العلميّةُ المسلَّمةُ , والوثائق التاريخيّة , على ? قوع التدوين - للحديث الشريف - في عهد الرسول صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم , تأكَّدَ ذلك الأصْلُ , بتقرير الشارع الحكيم لجوازه , وهو بمعنى الموافقة عليه وعدم المنع منه.
الهامش:
(1) صحيفة علي بن أبي طالب عليه السلام (?44).
(2) علوم الحديث , لصبحي الصالح (?33).
(3) منهج النقد (?50).
=======================صفحة 31
مضافا إلى أنَّ الكثير من تلك الأدلّة يدلُّ على الجواز صريحاً , وبوضوحٍ , بحيثً لا يقبلُ التأويلَ , ولا التقييدَ , كما سيأ تي بيانُه.
ويُمكنُ الاقتناعُ بهذا الإجمال , لدفع المنع عن التدوين , وحمل ما ادُّعِيَ للمنع - من حُجَجٍ - على صُوَرٍ خاصّة , أو تحديدها بحالاتٍ معيَّنةٍ , أو طرحها رأساً , لأنَّ شيئاً منها لا يُقاومُ عمومَ أدلَّة الجواز , ولا إطلاقَ أدلّة الإباحة.
وبما أنَّه لا يُمكنُ الاقتصار في البحث العلميّ على هذا الإجمال , فإنَّ من المُمكن وقوع مُناقشاتٍ خاصّة حولَ كلّ واحدٍ من تلك الأدلّة والأخبار والوثائق , فنحن نعرضُ كلَّ ذلك للبحث , فنقول:
يمكن أن يُستَدَلَّ لجواز تدوين الحديث وإباحته بالأدلّة التالية:
1 - عُرْ ? العقلاء , المقرَّ ? عند الشرع.
2 - السُنّة النبو يّة الشريفة.
3 - إجماع أهْل البيت عليهم السلام.
4 - سيرة الصحابة , وكبار التابعين , وسائر علماء المسلمين .
ولنذكر كلَّ واحدٍ في فصل:
========================صفحة 32
الفصلُ الأوَّل
عُرْ ? ? العقلاء والتدوين , وموقفُ الشرع من هذا العرف
الكتابةُ أمرٌ حضاريّ: :
قال المتكلّمُ العظيمُ هِشامُ بن الحَكَم : بِبَريق الحِبْر تهتدي العقولُ إلى خبايا الحِكَم (*)
وجعلَ الشيخُ الطوسيٌّ الكتابةَ من وسائل بيان الأحكام , فقال : فأمّا ما يتبيَّنُ به الشيءُ , فأشياءٌ : منها ( الكتابة ) وذلك نحو ما كتبَ النبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم إلى عُمّاله بالأحكام التي بيَّنها لهم , ولمن بعدهم , من كتب الصدقات والديات وغيرها من الأحكام.
وأمّا بيانُ الله تعالى فقد يكون بالكتابة والقول , لأنّه تعالىكتبَ في اللوح المحفوظ , وبيَّنَ ذلك للملائكة (1)..
وقال الشهيد الأوَّل : مُحْدَثاتُ الأمور بعد عهد النبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم : أوَّلُها الواجبُ كتدوين القرآن والسُنّة , إذا خِيْفَ عليهما التَفَلُّتُ من الصدور , فإنّ التبليغَ للقرون الآتية واجبٌ إجماعاً , وللآية , ولا يتمُّ إلاّ بالحفظ (2).
الهامش:
(*) الجامع لأخلاق الراوي والسامع (1/ 397).
(1) العدّ ? , للطوسي ( طبع الهند ) ? ( 2 –3).
القواعد والفوائد , للشهيد , القاعدة (205) (2/ 145).
==================صفحة 33
وقال الشافعي : لو لا المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر (1).
وقال ابن مَعين : إظهار المحبرة عزٌّ (2).
وقال الشهيد الثاني : الكتابةُ من أجَلّ المطالب الدينيّة , وأكْبَر أسباب الملّة الحنيفيّة من الكتاب والسُنّة , وما يتبعهما من العلوم الشرعيّة , وما يتوقّفان عليه من المعارف العقليّة , وهي مُنقسمةٌ في الأحكام حَسَبَ العلم المكتوب : فإنْ كان واجباً على الأعيان , فهي كذلك , حيثُ يتوقَّفُ حفظُه عليها , وإنْ كان واجباً على الكفاية , فهي كذلك , وإنْ كان مستحبّاً , فكتابتُه مستحبّةٌ (3).
وقال السيّد صدّ يق حسن خان : احتاجَ العلماءُ إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة , ولَعَمْري ! إنَها الأصلُ فإنَّ الخاطرَ يغفلُ , والقلمُ يحفظُ (4).
وقال الدكتور عِتِر عن الكتابة : إنّها من أهمّ وسائل حفظ المعلومات ونقلها للأجيال , وقد كانت أحَدَ العوامل في حفظ الحديث , على الرغم ممّا وقعَ فيها من اختلاف الروايات , وتباين الوجهات (5).
وقال الشيخُ أبو زهو : الخطُّ مظهرٌ من مظاهر التَحَضُر , وأثرٌ من آثار الاجتماع ? التَمَدُّن , لذا سبقَ إليه الأممُ المتمدنة.
الهامش :
(1) سير أعلام النبلاء (10/ 70).
(2) الكامل لابن عدي( 1/ 133) والجامع لأخلاق الراوي والسامع (1/ 387).
(3) منية المريد في آداب المفيد والمستفيد للشيخ الشهيد الثاني(?339).
(4) /الحِطّة (? 106) وانظر مفتاح السنة للخولي (?21). .
(5) منهج النقد ( ? 39 – 40).
=====================صفحة 34
وقال: الكتابة من أدوات التبليغ (1)
وقال الدكتور رفعت : ممّا لا شكَّ فيه أنَّ الكتابة من أهمّ عوامل التوثيق , إنْ لم تكن أهمَّها جميعها ! (2).
وقال الدكتور شعبان : الكتابةُ من الأمور التي تثبتُ بها الحُجّيّة (3).
أقولُ : إنَّ الكتابةَ هي من أبْرز معالم الحضارة البشريّة , وأكثرها فائدةً , لأنّ بها يتمُّ نقلُ أفكار الأمم إلى الأجيال , بمنتهى الأمانة والبساطة , وقد أجمعَ عقلاءُ البشر على أهميّة الكتابة وفضلها , والكتاب وفضله , بما لا مجالَ لنقل كلماتهم , في هذه الدراسة (4)..
ولقد دَعَمَ الإسلامُ موقف العقلاء من الكتابة , بنصوص من القرآن الكريم , ومن الحديث الشريف , باعتبارها واحدةً من أفضل النِعَم الإلهيّة التي ألهمها للبشر , ومن أحسن الخصائص البشريّة التي يمتاز بها الإنسان.
الهامش :
(1) الحديث والمحدّثون ( ?119?225).
(2) توثيق السنّة في القرن الثاني (?43).
(3) دراسات حول القرآن والسنّة (?190).
(4) لاحظ : تقييد العلم , للخطيب , باب فضل الكتب وبيان منافعها (?113-117) وسيأتي في الفصل الرابع من القسم الثاني ذكر المقارنات بين الكتابة والحفظ وكلمات العلماء في ذلك , فراجع الصفحة (265وما بعدها ).
=======================35
الكتابة في القرآن :
ولئن كانت (اللغاتُ ) وكان (النطقُ ) من المواهب الإلهيّة , التي امْتَنَّ بها الخالقُ على خلقه , فذكر ذلك صريحاً بقوله تعالى : (… واختلافُ ألْسِنِتكُم ) [سورة الروم (30) الآية :22 ] وتعريضاً , بقوله تعالى : (… إنّه لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكُم تَنْطِقُونَ ) [ سورة الذاريات ( 15) الآية : 23]
فإنّ الكتابةَ بالقلم - بلا ريب - من تلك المواهب , التي أنْعَمَ بها على البَشَر .
ولقد عظَّمَ اللهُ سُبْحانَه أمرَ الكتابة والقلم , إلى حدِّ أنَّهُ تعالى أقْسَمَ بهما في قوله تعالى : ( ? , والقَلَمِ ? ما يَسْطُرُوْنَ ) [ سورة القلم (68) الآية : ( 1 ) ](1).
والقَسَمُ لا يكونُ إلّا بأمرٍ مهمّ , ومقدَّسٍ..
وقد عَرَّفَ جلَّ ذكرُه نَفْسَه بأنَّه ( الذي علَّمَ بالقَلَم ) في سورة العَلَق (96) الآية ( 4 ) (2).
واحتجَّ ابنُ فارس بهذه الآية على إباحة التدوين للحديث , وقال: أعلى ما يُحتجُّ به في ذلك , قولُه تعالى : ( ? , والقَلَمِ ? ما يَسْطُرُونَ ) قال الحسن البصريّ : ( ? ) الدواةُ , ?( القلمُ ) القلمُ (3).
الهامش :
(1) لاحظ : نور الحقيقة ( ? 108 ) وأدب الدنيا والدين ( ?68)..
(2) لاحظ : نور الحقيقة ( ? 108 ) وأدب الدنيا والدين ( ? 68).
(3) محاسن الاصطلاح , للبلقيني ( ? 299).
==================== ?36
قال الخطيب البغدادي: وقد أدّب الله سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين، فقال عزّ وجلّ: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله، ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألاّ ترتابوا) [سورة البقرة (2) الآية:282] (1).
وقال البلقيني: وقد ندب الله إلى الكتابة في قوله تعالى (… فاكتبوه …)(2).
أقول: وقد وردت في القرآن الكريم ألفاظٌ من مادّة (كتب) المراد منها الكتابة بالقَلَم , في (سبعة وخمسين) موضعاً (3).
وورد لفظ ( كتاب ) في (مائتين واثنين وستّين) موضعاً من القرآن الكريم(4). وجاء ذكر (الأقلام ) في بعض الآَيات (5).
إنّ احتواء القرآن على هذه الألفاظ، وبهذه الكثرة، يُوحي إلى الإنسان ? بلا ريب ? ما للكتابة من مكانة مرموقة عند الله جلّ ذكره.
قال الخطيب ? بعد ما ذكر آية الدين السابقة (6) ? : لمّا أمر الله تعالى بكتابة الدين، حفظاً له، واحتياطاً عليه، وإشفاقاً من دخول الريب فيه،
الهامش:
( 1) تقييد العلم (?71 ) .
(2) محاسن الاصطلاح ( 299 ) .
(3) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (?1- 595) مادة ( كتب ) .
(4) المصدر السابق (?592-595) ماد ? (كتب) .
(5) في سورة لقمان (31) الآية : 27 , وسورة آل عمران (3) الآية :44 .
(6) عند الهامش رقم (1) .
================?37
كان العلم ? الذي حفظه أصعب من حفظ الدين ? أحرى أن تُباح كتابته، خوفا من دخول الريب والشكّ فيه (1).
ومن ظريف الآثار ما روي عن أبي المليح، عن أيّوب (?131هـ) أنّه قال: يعيبون علينا الكتاب، وقد قال الله تعالى: (… علمها عند ربّي في كتاب …) [سورة طه (20) الآية: (52)] (2).
وروى الدارمي هذا الأثر، عن أيّوب، عن أبي المليح (3).
ومن ذلك: قالوا لقتادة: نكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أنْ تكتب ? وقد أخبرك اللطيف الخبير أنّه يكتب ? قال: (علمها عند ربّي في كتاب لا يضلّ ربّي ولا ينسى)(4).
ويقول بعض المعاصرين: لقد كان القرآن الكريم فتحاً جديداً رائعاً ? لا في تاريخ العقيدة ? فحسب ? وإنّما في تاريخ المعرفة الإنسانيّة كلّها، فهو قد كرّم العلم والعلماء ? وأقسم في محكم آياته بالكتاب المسطور، وبالقلم وما يسطرون وكان القرآن الكريم أوّل نصّ عربي كامل اتّخذ شكل كتاب (5).
الهامش:
(1) تقييد العلم ( ? 71 ) .
(2) تقييد العلم ( ? 110 ) .
(3) سنن الدارمي ( ? 1/104) ? 495 .
(4) المحدث الفاصل (?372 ) رقم ( 340 ) ? تقييد العلم ( ? 103 ) .
(5) مصادر التراث العربي , عمر الدقاق (?9) عن عبد الستار الحلوجي , مجلة الكتاب العربي , أكتوبر 1970 .
==============?38
الكتابة في السنّة والأثر:
قد قام الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم بالدعوة إلى كلّ ما يرفع من قيمة الإنسان، ويسمو به إلى المكارم، ويزيده مدنيّةً ? وكمالاً ? وحضارةً .
ومن أهمّ وسائل التمدّن والكمال والتحضّر، هي (الكتابة ) ومحو الاُمّية ? بلا ريب .
وقد اهتمّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بهذا الأمر اهتماماً بليغاً حتّى أنّه أدخل ذلك في قضيّة سياسيّة عسكريّة، وهي فداء أسرى بدر من المشركين في مقابل تعليم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة والقراءة ? وأمر بعض الصحابة بتعليم الصبيان في المدينة.
وقد تظافرت الأحاديث عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم في ما يتعلّق بشؤون الكتابة ? فأملى على كتّابه ? وقرّر كتابتهم ? وأمرهم بالكتابة.
فتحقّقت السنّة ? بكلّ أنواعها : الفعليّة ? والتقريريّة ? والقوليّة ? في الحثّ على الكتابة عامّةً ? وكتابة الحديث خاصّةً .
والسنّة القوليّة ? وردتْ بألفاظ مختلفة ? ومنها : ما ورد فيه أسماء أدوات الكتابة ? من: كتاب ? ? ورق ? ? مداد ? ? حبر ? ? قلم ? ? قرطاس . وسيأتي ذكر جميع ما يرتبط بسنّة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في الفصل الثاني من هذا القسم(1).
ولا ريب في دلالة ذلك على تقرير الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.
الهامش:
(1) لاحظ ? (45)
=============?39
لمّا تعارف عليه عقلاء البشر من الاعتماد على التدوين والكتابة، كأمرٍ حضاريّ مهمّ . أضف إلى ذلك أنّ أئمّة أهل البيت الأطهار ? الذين جعلهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم نجوماً لاُمّته ? بأنوارهم يهتدون ? وأمر بالتمسّك بحبلهم ? والاقتداء بهم ? قد أجمعوا على أنّ الكتابة أمرٌ ضروريٌّ ? ورغّبوا فيها ? وحثّوا الاُمّة على مزاولتها . وسيأتي تفصيل ما اُثر عنهم في هذا المجال من أفعال وأقوال ? في الفصل الثالث من هذا القسم (1).
وكذلك أقوال الصحابة الأبرار ? الذين اتّبعوا آثار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أفعاله وأقواله ? فسيأتي في الفصل الرابع أنّ كبارهم وعلماءهم قاموا بكتابة الحديث والسنّة ? ولم يألوا جهداً في الحثّ على الكتابة.
والدليل على إقرار الشريعة الإسلامية لعرف العقلاء في استخدام الكتابة: أنّ المسلمين ? على طول التاريخ ? استخدموها في حياتهم العلميّة بشكل واسع، بل تفنّنوا في إجادتها ? بحيث تعدّ نماذج الخطّ الإسلاميّ بأنواعه وأشكاله وزخرفته ? من أميز الفنون الجميلة العالميّة ? روعةً وبهاءً ? وتعبّر عن ذوقٍ ومهارةٍ فائقين .
وقد استخدم المسلمون الكتابة في تدوين أقدس ما لديهم من نصٍّ ? وهو القرآن الكريم.
فمن المهين للعرب ما ذكره الشيخ أبو زهو بقوله :
الهامش:
(1) ?
====================?40
أمّا بادية العرب فلم تكن تخطّ بل كانت ترى الخطّ وصمة عارٍ ? وسمة
عيب ? كما هو شأنها في سائر الصناعات المدنيّة (1).
فهذا جزافٌ من القول ? يتنافى والذوق البشريّ ? وحبّ الخلود عند الإنسان ? والحقيقة التي عرفناها عن العرب قبل الإسلام ? وإنّ عدم الكتابة الذي شاع بينهم فهو على أثر التخلّف ?لا حبّا في الاُميّة وتباهياً بها ! إلاّ جهلاً وعصبيةً وغرورا ! وأين هذا من الإسلام ? وإشادته بالعلم والكتابة ? وتأكيده على محو الاُميّة ?!
ومن المهين للمسلمين ? والعرب منهم ? أنْ تُنسب إليهم كراهة الكتابة ? بهدف فصلهم عن عرف العقلاء ذلك الذي بيّناه ? وإبعادهم عن أهمّ عناصر الحضارة ? بينما نجد خلاف ذلك عند العرب أنفسهم ? فإنّهم كانوا يسمّون باسم ( الكامل ) من كان يعرف الكتابة ? ويُحسن الرمي ? ويجيد السباحة (2).
ولئن نقل عن واحد من شعرائهم ? وهو ذو الرمّة ? قوله ? عن الكتابة ? : إنّها عيبٌ
عندنا ! ويطلب كتمانها عليه .
مع أنّ كلامه ليس حجةً على اُمّة بكاملها ? فالوجه فيه أنّ ذلك يتنافى
الهامش:
(1) الحديث والمحدثون لأبي زهو (?119) .
(2) انظر : طبقات ابن سعد (?3 ?613) ? فتوح البلدان للبلاذري (?459) ? عيون الأخبار لابن قتيبة (?2?168) ? سير أعلام النبلاء 1/8 -279) .
(3) الأغاني (18/30) ولاحظ اسم (ذو الرمّة) في فهرس الأعلام لكتابنا هذا.
=================?41
وقوّة نظم الشعر عند الشاعر، تلك المعتمدة على قريحته الذاتيّة ?لأنّ كتابته للشعر تدلّ على ضعف الشاعريّة عنده باستمداده من شعر غيره ? أو عدم نبوعها من أعماق روحه ? ? إلاّ لم يحتجْ إلى نقشها على صفحات الأوراق ? بعد صفحات
القلوب .
فهذا القرآن الكريم ? هو أعظم نصّ مقدّس عند المسلمين ?لأنّه الوحي الإلهيّ المبين ? وكلام ربّ العالمين ? نزل به الروحُ الأمينُ على قلب سيّد المرسلين , ومع أنّه نصٌّ محدودٌ بما بين الدفّتين، وآياتُه مشهورةٌ محفوظةٌ في صدور المسلمين ? وهم مكلّفون بتلاوتها وتكرارها كلّ حين ? في الصلوات وجوباً ? وفي غيرها ندباً , ومع أنّ سبحانه قد تكفّل حفظه وصيانته ? بقوله تعالى : (إنّا نحن نزّلنا الذكر ? إنّا له لحافظون ) (سورة الحجر (15) الآية : 9) .
فمع ذلك كلّه ? نجد أنّ الإسلام لم يمنع من كتابته وتدوينه ? وخطّه بالقلم على الأوراق , بل ? إنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم اهتمّ بأمر كتابته من أوّل وهلة لنزوله ? فعيّن له كتّاباً عديدين ? بلغ بهم بعض المصادر إلى أربعين كاتباً (1).
وقد كان لكتابته أثر مهمّ في حفظه عن التحريف ? وصيانته عن التصحيف، فلم يتمكّن أعداء الإسلام من الإجهاز عليه ? والتشكيك فيه ?
الهامش:
(1) التنبيه والإشراف للمسعودي (? 246-7) وانظر السنّة قبل التدوين (? 298) .
================?42
بالرغم من تعريضه للإحراق والتمزيق في فترات عصيبةٍ من التاريخ(1).
لكنّه ? برعاية الله ? وبفضل كتابته وانتشار نسخه ?كان أشهر من أنْ يمسّه غير
الطاهرين بسوء , فبقي نصّه المقدّس مشعلاً ينير درب الهدى للمؤمنين، وأقدس
محور يتّحد عنده جمع المسلمين ? والحمد لله ربّ العالمين.
وقد اُثيرت ? حول ارتباط القرآن بالكتابة ? ووجه الفرق والتمييز بين القرآن والسنّة في أمر كتابتهما ? ? حكم تدوينهما ? بحوثٌ طويلةُ الذيل عرضناها مفصّلة في ما يلي من مواضع هذه الدراسة ? وخاصّة في الفصل الثالث من القسم الثاني، فراجع(2).
أمّا السنّة والكتابة:
فإذا كانت الكتابة بهذه المنزلة من الحضارة والمدنيّة والكمال ? يلتزم بها عقلاء البشر من دون تلكّؤ ? والقرآن يحثّ عليها في آياته العديدة ? بشتّى الأساليب ? والرسول يدعو إليها ويرغّب فيها بكلّ الأشكال ? وكذا أهل بيته الأئمّة الأطهار ? وصحابته الأخيار ! وقد كتب ما هو أفضل النصوص ? وأشرفها على الإطلاق ? وهو القرآن الكريم , فما بالُ السنّة الشريفة ? تبقى غير مكتوبة ? بل , يمنع عن كتابتها ? تدوينها طوال قرن من الزمن ؟؟؟!
الهامش:
(1) لاحظ الإتقان للسيوطي (?1?209)? مدخل إلى القرآن الكريم , لدراز (? 50 ) ? تاريخ القرآن , للزنجانيّ (?75) .
(2) ?
=================?43
مع أنّها لا تقلّ أهميّة من القرآن في تشريع الأحكام وبيان قواعد الإسلام ?كما سيأتي بيانه في هذه الدراسة (1).
وسنرى أنّ السنّة والقرآن متعاضدان ? وليس ترك السنّة إلاّ تركاً للقرآن، ومؤدّيا للقضاء عليه كلّياً ? حيث إنّ السنّة هي بيان القرآن وهو يبقى بدونها مستعجماً . هذا ? مع أنّ السنّة بعيدة الأطراف ? واسعة الأكناف ? فهي ? على المدى البعيد ? أكثر تعرّضاً لأشكال التحريف ? وهذا ما دفع علماءَ الإسلام إلى وضع ضوابط علم الدراية والمصطلح للمحافظة عليها ? والتوثّق من سلامتها .
وممّا اعتمدوه أداةً لحفظ الحديث وضبطه هو كتابته وتدوينه ? وقد أصبح ذلك من أهمّ وسائل الحفاظ عليه وصيانته .
ويظهر من الإمام أحمد ? إمام الحنابلة ? أنّه جعل الكتابة أفضل من الصلاة تطوّعاً : فعن إبراهيم بن هاني : قلت لأحمد بن حنبل : أيّ شيءٍ أحبّ إليك ? أجلسُ بالليل ? أنسخ ?أو اُصلّي تطوّعاً ? فقال : إذا كنت تنسخ ? فأنت تعلم به أمر دينك ? فهو أحبّ إليّ (2).
الهامش:
(1) لاحظ السنة قبل التدوين (?23-27) .
(2) الفقيه والمتفقّه للخطيب (1/17) .
===============?44
فلماذا يجب أنْ نلتزم بتأخّر هذه الوسيلة المهمّة للضبط والصيانة للسنّة
والحديث ? إلى نهاية القرن الأوّل ? مع أنّ السنّة بتلك المنزلة من الأهميّة ?
والخطورة ? وقابلية التعرّض لأشكال من السوء؟؟
ولو كانت المحافظة على الكتاب والسنّة وعلومهما ? واجبةً على المسلمين ? وجوباً كفائيّاً ? فإنّ وجوب كتابتهما - التي هي من أهمّ وسائل حفظهما - أمرٌ واضح.
قال المحقّق الشيخ الدربندي : لا ريب في كون كتابة الأحاديث من المندوبات العينيّة ? الواجبات الكفائيّة ? بل قد تجب على جماعة فرضاً عينيّا (1).
ومن القواعد المعلومة ? كما يقول الشيخ الشهيد الثاني ? :أنّ فرض الكفاية إذا لم يقم به من فيه كفاية ? يخاطب به كلّ مكلّف ? ويأثم بالتقصير فيه كلّ مكلّف به ? فيكون في ذلك كالواجب العينيّ ? إلى أنْ يوجد من فيه كفاية (2).
أليس في الالتزام بالمنع من تدوين الحديث مخالفةٌ بيّنةٌ لعرف العقلاء الذي أقرّه الإسلام في قرآنه ? وحديث رسوله ? وكلام أئمته ? وسيرة أصحابه؟
أليس في الامتناع عن كتابة السنّة طوال قرن واحد ? إخلالٌ بواجب المحافظة عليها ?
الهامش:
(1) القواميس - مخطوط - (ورقة17) من قسم الدراية .
(2) منية المريد (?39-340) .
===============?45
أمّا نحن، فلا نتصوّر أنّ الإسلام العظيم ? دين المدنيّة، يهمل الكتابة ? وهي
من أهمّ اُسس الحضارة البشريّة. وكذلك لا نتّهم أحداً من الصحابة الكرام بالتقصير في أداء هذا الواجب الديني المقدّس.
بل، نعتقد بأنّ الإسلام وقوانينه الرصينة أجلّ من أن يمنع مثل هذا الأمر الدالّ على الكمال والرقيّ ? فكيف يمنع كتابة الحديث الشريف، الذي هو ثاني مصادر هذا الدين، باتّفاق المسلمين ? على اختلاف الفرق والمذاهب ?!
كما نعتقد أنّ أصحاب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم المخلصين لهذا الدين ? والمدافعين بكلّ وجودهم عن شريعة سيّد المرسلين ? قد بذلوا جهداً واسعاً مشكوراً من أجل صيانة الحديث الشريف ? وضبطه وحفظه في الكتب المدوّنة. ولقد قاوموا عملية المنع ? وتهديدات المانعين ? فتحملّوا المشاقّ من أجل ذلك , فلم ينقطعوا عن أداء هذا الواجب المقدّس ? طرفة عين، وسنأتي على ذكر طرف من أحاديثهم ? وما بُلوا به في هذا المجال(1).
كما أنّ المانعين من تدوين الحديث ? ومن التزم برأيهم ? واتّبع آثارهم قد رجعوا إلى الحقّ ? فعادوا إلى الرشد ? ولحقوا بسائر المسلمين، وتبعوهم في كتابة الحديث الشريف ? كتابةً عامّةً ? ولو بعد قرن من الزمان، دون تحرّج أو منع أو تحريم!
الهامش:
(1) في الفصل (4) من القسم الأوّل , وفي تمهيد القسم الثاني ? خاتمته .
==================?47
الفصل الثاني
السنّة النبويّة والتدوين
إنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو الصادع بالدين ? من خلال الوحي ? لم يأل جهداً في أداء التبليغ والبيان (هدىً للناس وبيّنات من الهدى والفُرقان)[ الآية ( ) من سورة ].
فكان صلّى الله عليه وآله وسلّم يجسّد الإسلام عملاً ? وقولاً ? حتّى أصبح بوجوده >الكامل تمثالاً للشريعة ? وأصبحت سيرته وسنّته : أفعاله وأقواله ? اُسوةً حسنةً ? وحجّة مقنّنة ? للمسلمين.
ونصّ القرآن الكريم على حسن الاقتداء به ? واتّباع أوامره ? نواهيه ? فقال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله اُسوةٌ حسنةٌ ) (سورة الأحزاب (33) الآية : 21) .
وقال جلّ وعلا : (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (سورة الحشر (59) الآية : 7).
وجعل في آيات عديدة ? طاعة الرسول من طاعة الله ? وقرنهما في محلّ واحد، وأمر المؤمنين بهما، فقال تعالى: (... من يُطع الرسول فقد أطاع الله ...) (سورة النساء (4) الآية :80) .
=================?48
ثمّ جعل ما ينطق به الرسول وحياً ? وان لم يكن قرآناً ? في قوله تبارك اسمه :
(... ما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى علّمه شديد القوى) (سورة النجم (53) الآية :3).
وقد قام الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم بأداء المهمّة الرسالية خير قيام:
فدعا ? كما سبق أن ذكرنا ? إلى كلّ ما يرفع من قيمة الإنسان ? ويسمو به إلى المكارم ? ومن أهمّ ذلك الدعوة إلى نبذ الاُميّة ? وإلى تعليم الناس الكتابة والقراءة , وتمثّلت جهوده في هذا الصدد، بأشكال ? نذكر منها:
1 ? السنّة التقريرية :
كان في عصره صلّى الله عليه وآله وسلّم بعض الكتّاب ? يمارسون الكتابة ? في المدينة ? منهم (1): سعد بن الربيع الخزرجي (2) وبشير بن سعد بن ثعلبة (3).
وكان هو صلّى الله عليه وآله وسلّم بحاجة فعليّة وماسّة إلى الكتابة ? حيث كان يوجّه رسائل الدعوة إلى الأطراف ? ويراسل الملوك والرؤساء ? ويكتب العقود والمعاهدات ? فكان من الضروري وجود كتّاب مجيدين لدى حضرته المنيفة صلّى الله عليه وآله وسلّم .
الهامش:
(1) للبحث عن معرفة العرب الكتابة قبل الإسلام مجال واسع ومصادر وافرة , فلذا لم نكن بحاجة إلى التوسع فيه , واقتصرنا على فترة ظهور الإسلام ولاحظ دلائل التوثيق المبكر (?153-179) .
(2) طبقات ابن سعد (3/522) .
(3) طبقات ابن سعد ( 3/531) وتهذيب التهذيب (1/464) .
===================?49
بالإضافة إلى أنّ كتابة القرآن الكريم بشكل دائم ودقيق ? كانت تستدعي وجود كتّابٍ محسنين .
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يزاول ? بنفسه ? الكتابة والقراءة، بشكلٍ ظهر معه إعجاز القرآن جليّاً وواضحاً ? حتّى اُطلق عليه ( الاُمّي ) في القرآن (1), وإن كان معنى ( الاُميّة ) والمقصود منها في القرآن أمراً مختلفاً فيه إلى حدٍّ بعيدٍ ? (2).
علمنا أنّ وجود من يمارس الكتابة عنده صلّى الله عليه وآله وسلّم من أمسّ الحاجات .
وبالنسبة إلى الحديث الشريف:
فقد عرفنا في التمهيد (3) أنّ الصحابة قد كتبوا الشيء الكثير من ذلك في عصره. وسيأتي في الفصل الرابع من هذا القسم الأوّل (4) ذكر المؤلّفين من الصحابة ? وذكر ما ألّفوا ? بتفصيل وافٍ .
فعن عبد الله بن عمر ? قال: كان عند رسول الله اُناسٌ من أصحابه ? وأنا معهم ? وأنا أصغر القوم ? فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار.
الهامش:
(1) القرآن الكريم , سورة الأعراف (7) الآيتان (157? 158) .
(2) لاحظ تفسير القرطبي (13/1-353) وكتاب ( محمّدٌ وعليٌّ وبنوه الأوصياء) للشيخ العسكري , ففيه بحث مشبع عن ذلك .
(3) لاحظ (? 29 ) من هذه الدراسة .
(4) ?
======================?50
فلمّا خرج القوم ? قلت لهم : كيف تحدّثون عن رسول الله ? وقد سمعتم ما قال ? وأنتم تنهمكون في الحديث عن رسول الله ?
قال: فضحكوا، فقالوا: يابن أخينا ? إنّ كلّ ما سمعنا منه فهو عندنا في كتاب.
فكانوا يكتبون الحديث من دون تحرّج ? ولولا معرفتهم إباحته لم يكونوا يفعلون ذلك ? مع أنّ ممّا لا ريب فيه أنّ جميع تلك المحاولات ? كانت بمرأى من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ومسمع ? بل كان بعضها بأمر مباشر منه وتوجيه،
فسكوته عليها، وعدم منعه عنها ? يدلّ على رضاه بعملهم , وهذا ما يسمّيه علماء الاُصول بالسنّة التقريريّة .
2 ? السنّة الفعليّة: لقد واجه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم موضوع الكتابة ? بشكل إيجابي منذ بداية الإسلام ? فقام بأعمال تدلّ بوضوح على رغبته الأكيدة في تعميمها ? وقد تناقل أهل العلم موقف عديدة له نذكر منها:
1 ? أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أدخل الكتابة في قضيّة سياسيّة عسكريّة، حيث جعل فداء الأسرى من المشركين ? من كان يعرف منهم الكتابة والقراءة ?أن يعلّم كلّ منهم عشرة من أولاد المسلمين،
الهامش:
(1) الكامل لابن عدي (1/36) ? رواه في تقييد العلم (?98) عن (عبد الله بن عمرو) .
================= ?51
فيكون فداؤه ذلك (1).
روى الماوردي عن عكرمة أنّه قال: بلغ فداء أهل بدر أربعة آلاف ? حتّى إنّ الرجل ليفادى على أنّه يعلّم الخطّ.
قال الماوردي : لمّا هو مستقرّ في نفوسهم من عظم خطره، وجلالة قدره، وظهور نفعه وأثره (2).
2? وأمر صلّى الله عليه وآله وسلّم بعض صحابته بتعليم الخطّ في المدينة، ومنهم: عبد الله بن سعيد بن العاص ? وكان كاتباً محسناً.
قال الكلبي – في أولاد سعيد بن العاص أبي أُحيحة ذي التاج - : عبيدة , وهو الحَكَمُ , سمّاه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عبدَ الله , وجعله يعلّم الحكمةَ بالمدينة (4).
3? وأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بعض الصحابة بكتابة الأحاديث الشريفة
المسموعة منه ? أو سائر أخبار المسلمين وحوادث عصر النبوّة ? وخاصةً الأحكام
الشرعيّة ? الأقضية الصادرة منه صلّى الله عليه وآله وسلّم .
4 ? وكذلك أملى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم على بعض أصحابه ما كتبوه ? من أحاديثه ? أقواله .
ويمكن أن يعتبر هذا النواة الأُولى لكتابة الحديث .
ودلالة هذه السنّة على جواز التدوين ? وإباحته منذ البداية ? أقوى من غيرها:
الهامش:
(1) طبقات ابن سعد (2/22) وفي طبعة ليدن (2?1?14) ? انظر مسند أحمد (1/ 247) والمستدرك للحاكم (2/ 140) والأموال لأبي عبيد (?116) ? سنذكره في ما يلي من هذه الدراسة (?391).
(2) أدب الدنيا والدين (?68) .
(3) الاستيعاب , بهامش الإصابة (2/374) .
(4) جمهرة النسب للكلبي (?44).
================?52 1
1? لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم هو القائم بها، وقد تمّت على يده وتحت إشرافه المباشر.
وهذا أوضح دلالةً ممّا تمّ كتابته في عصره، وسكوته عليه، وتقريره له.
2 ? أنّ السنّة الفعليّة ? أقوى دلالةً من القوليّة ? لعدم قبولها للتأويل أو التفسير المختلف فيه.
وقد تحقّقت في الأعمال التاليّة:
1? صحيفة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم التي كانت عند علي عليه السلام ? والمعروفة عند العامّة بـصحيفة عليّ عليه السلام .
تناقل العامّة ذكر صحيفة بنصّ محدود ? نسبوها إلى الإمام عليّ عليه السلام (1). قالوا عنها :
خبر صحيفة عليّ عليه السلام مشهور(2) وهي صحيفة صغيرة تشتمل على العقل ? مقادير الديات ? وعلى أحكام فكاك الأسير (3).
وقد وقفنا على روايات عديدة ذكرت نبأ هذه الصحيفة، في مصادر العامّة:
1? فقد أخرج البخاري ? وغيره ? عن أبي جحيفة ? قال:
الهامش:
(1) أقرأ عن الصحيفة في دلائل التوثيق المبكّر (?420-423) .
(2) السنّة قبل التدوين , لمحمّد عجّاج الخطيب (?317?345) .
(3) منهج النقد , للدكتور عتر (?46) .
============?53
قلت لعلي عليه السلام : هل عندكم كتاب ? قال : لا ?إلاّ كتاب الله،أو فهمٌ أُعطيه رجلٌ ? أو ما في هذه .
قال: قلت: فما في هذه الصحيفة ? قال: العقل ? وفكاك الأسر ? وأن لا يقتل مسلم بكافر(1).
2? وروى أبو حسّان الأعرج: أنّ علياً كان يأمر بالأمر ? فيقال: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول : صدق الله ورسوله .
فقيل له: أشيءٌ عهده إليك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟
قال: فقال: ما عهد إليّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً خاصّةً دون الناس ?إلاّ شيئاً سمعته منه في صحيفة في قراب سيفي .
قال: فلمّا نزلْ بِهِ حتّى أخرج الصحيفة ? فإذا فيها : من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين ?لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ. وإذا فيها: إنّ إبراهيم حرّم مكّة ? وإنّي أحرّم مكّة ? وإنّي اُحرّم المدينة ما بين حرّتيها وحماها ? لا يُختلى خلاها ? ولا ينفّر صيدها ? ولا تُلتقط لقطتها ? إلاّ لمن أشاد بها ? يعني منشداً ? ولا يقطع شجرها ? إلاّ أنْ يعلف رجلٌ بعيراً، ولا يحمل فيها سلاح لقتال .
وإذا فيها : المؤمنون يكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم،
الهامش:
(1) صحيح البخاري باب كتابة العلم, من كتاب العلم (1/38) كتاب الديات , باب الدية على العاقلة (9/13) وأسنده المحاملي في أماليه (?182 رقم 155) وسنن ابن ماجة (2/887 ? 2658) وجامع بيان العلم (1/71) .
=================?54
وهم يدٌ على من سواهم ?ألا ? لا يقتل مؤمنٌ بكافر ? ولا ذو عهدٍ في عهده (1) .
3- وعن الأعمش ? عن إبراهيم ? عن أبيه، قال: خطبنا علي عليه السلام ? فقال: من زعم أنّ عندنا شيئاً نقرؤه ? ليس في كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة ? قال: صحيفة معلّقة في سيفه ? فيها : أسنان الإبل، وشيءٌ من الجراحات ? فقد كذب.
وفيها: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : المدينة حرمٌ ? ما بين عير إلى ثور ? فمن أحدث فيها حدثاً ? أو آوى محدثاً ? فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ? لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ? وذمّة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ?لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً (2).
4? روى الخطيب بسنده ? عن عبيد بن عديّ بن الخيار ? أحد بني نوفل بن مناف ?
الهامش:
(1) دلائل النبوّ ? للبيهقي (7/228) وأخرجه أبو داود , في المناسك من سننه (2/ 216? 4-2035).
وانظر : مناقب الشافعي , للبيهقي ( 1/4 - 195) وأخرجه عن السنن الكبرى للبيهقي (8/30) وسنن الدار قطني (?343) ونصب الراية للزيلعي (4/330).
(2) دلائل النبوّ ? للبيهقي (7/ 227- 228) وقال : رواه البخاريّ ومسلم , ? خرّجه المعلق عن البخاري في 58 باب ذمة المسلمين (4/122) ? بولاق , وباب إثم من عاهد ثم غد ? (4/124) ? أحمد في المسند (1/81) وأبو داود في المناسك (2/216) وانظر تقييد العلم (?8 - 89) وخرّجه المعلق بقوله : ما يوافقه في جامع بيان العلم (1/71) وإرشاد الساري (1/166) وعمدة القاري (1/ 561) وفتح الباري (1/182) ?(7/83) ? صحيح مسلم ,كتاب الحج , باب فضل المدينة (2/ 995) ومسند أحمد ( ? شاكر ) (2/45) رقم 615 .
=========================?55
قال: بلغني حديث عن عليّ عليه السلام ? خفت إنْ مات ألاّ أجده
عند غيره، فرحلت ? حتّى قدمت العراق ? فسألته عن الحديث ? فحدّثني وأخذ عليّ عهداً ألاّ اُخبر به ? ولوددتُ لو لم يفعل ? فأحدّثكموه .
فلمّا كان ذات يومٍ ? جاء حتّى صعد المنبر ? في إزار ورداء ? متوشّحاً قرناً، فجاء الأشعث بن قيس حتّى أخذ بإحدى عضادتي المنبر . ثمّ قال عليّ عليه السلام : ما بال أقوام يكذبون علينا ? يزعمون أنّ عندنا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما ليس عند غيرنا ?! ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان عامّاً، ولم يكن خاصّاً ? وما عندي عنه ما ليس عند المسلمين إلاّ شيءٌ في قرني هذا. فأخرج منه صحيفةً ? فإذا فيها : من أحدث حدثاً ? أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ? لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ.
فقال له الأشعث بن قيس : دعها ? يا رجل ? فإنّها عليك ?لا لك !
فقال عليه السلام : قبّحك الله، ما يدريك ما عليّ، لا لي؟؟
أضحتْ هُزالةُ راعي الضأن تهزأُ بي * ماذا يريبك منّي راعيَ الضأن.
5 ? وعن طارق، قال رأيت عليّاً عليه السلام على المنبر، وهو
الهامش:
(1) الرحلة إلى طلب الحديث (?1-132) رقم (45) وأخرج مختصره أحمد في مسنده (1/122) وفي طبعة شاكر (2/198) برقم (959) ولاحظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (4/75) وصدر البيت عنده :
أصبحتُ هُزْءاً لراعي الضأن أتبعه *… .
والبيت لأميّة بن الأسكر الكناني , أثبته البيهقي في المحاسن والمساوئ (?55) وروايته : أصبحتُ لهواً لراعي الضأن أعجبه * ..
========================?56
يقول: ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم، إلاّ كتاب الله عزّ وجلّ، وهذه الصحيفة. وصحيفةٌ معلّقةٌ في سيفٍ عليه حلقةُ حديد، وبكراته حديدٌ، فيها فرائضُ الصدقة،
قد أخذها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).
وورد نبأُ هذه الصحيفة في مؤلّفات اُخرى للعامّة (2).
وبالرغم من نسبتهم الصحيفة إلى الإمام عليّ عليه السلام ? إلاّ أنّ الرواية الأخيرة تصرّح بأنّ الإمام أخذ الصحيفة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وهذا المعنى هو ظاهر الرواية الرابعة أيضاً .
وكلمة (عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنْ كانت تحتمل الرواية عنه، لا أخذ الصحيفة عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم ? كما هو ظاهر الروايتين الأوليين, إلاّ أنّ النصوص المتضمنّة لذكر الصحيفة هذه، والمنقولة بطريق أئمّة أهل البيت عليهم السلام تصرّح بأنّ تلك الصحيفة كانت عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وفي ذؤابة سيفه ? وإليك تلك النصوص:
بالسند إلى الإمام الحسين الشهيد عليه السلام : وجدت في قائم سيف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صحيفة مربوطة : أشدّ الناس عذاباً القاتل غير قاتله ..(4)
الهامش:
(1) تقييد العلم (?89) وقال المعلق : قريب منه في (ذم الكلام) للهروي .
(2) انظر إضافة إلى المصادر السابقة : مسند أحمد (1/100?102) والأدب المفرد للبخاري (?129) وفتح الباري (1/183)? أمالي المحاملي (?155 رقم124) .
(3) اقرأ عن الصحيفة مرآة الكتب (1/ 8) ? معرفة النسخ (?206- 208) ? قد عدّد فيه رواته.
(4) أخرجه الدولابيّ في مسند الحسين عليه السلام من الذريّة الطاهرة (?126 رقم 146).
============================?57
2- عن أبي جعفر، محمّد بن علي، الباقر عليه السلام ? قال: وجد في قائم سيف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صحيفة فيها مكتوب : ملعونٌ من سرق
تخوم الأرض ? ملعونٌ من تولّى غير مواليه ? أو قال: ملعونٌ من جحد نعمة من أنعم عليه (1).
2 ? وعن أبي عبد الله ? جعفر بن محمّد ? الصادق عليه السلام ? قال: وجد في ذؤابة (2) سيف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صحيفة ? فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم ? إنّ أعتى الناس على الله عزّ وجلّ، يوم القيامة من قتل غير قاتله ? والضارب غير ضاربه ? ومن تولّى غير مواليه (3) فهو كافر بما أنزل الله على محمّد ? ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً لم يقبل اللهُ عزّ وجلّ منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً (4).
3 ? وعن أيّوب بن عطيّة الحذّاء قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : إنّ عليّاً عليه السلام وجد كتاباً في قراب سيف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? مثل الإصبع ? فيه: إنّ أعتى الناس … .
وأورد مثل ما مضى ? إلاّ أنّه زاد فيه : ولا يحلّ لمسلمٍ أنْ يشفع في حدّ (5).
الهامش:
(1) جامع بيان العلم , للقرطبي (1/71) .
(2) في الحديث (1) من الكافي : في قائم سيف… بدل : ? ؤابة .
(3) في الحديث (1) من الكافي ? ومن ادّعى لغير أبيه… بدل هذه الجملة .
(4) الكافي للكليني , كتاب الديات , باب آخر (7/274) الحديث(1)?(4) , وانظر صحيفة الإمام الرضا عليه السلام, هامش الحديث (139) .
(5) المحاسن , للبرقي ,كتاب القرائن (1/18? 49) باب وصايا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم .
=========================?58
4 ? وروى الدولابي بسنده عن الإمام الباقر عن أبيه عن جدّه قال: وجدتُ في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم صحيفة مربوطة: أشدّ الناس عذاباً القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن جحد نعمة مواليه فقد برئ ممّا أنزل الله عزّ وجلّ (1).
وهذه النصوص تدلّ على أنّ الصحيفة المحتوية على المطالب المذكورة إنّما كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ? وفي سيفه. ويدلّ النصّ التالي على أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم ورّث هذه الصحيفة لعليّ عليه السلام: 4 ? في مسند الإمام أبي الحسن، عليّ بن موسى الرضا عليه السلام بسنده عن آبائه، عن عليّ عليه السلام ? قال: ورثت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كتابين : كتاب الله عزّ وجلّ ? وكتاباً في قراب سيفي .
فقيل: ياأمير المؤمنين، وما الكتاب الذي في قراب سيفك ?
قال: من قتل غير قاتله ?أو ضرب غير ضاربه ? فعليه لعنة الله (2).
5 ? عن أبي عبد الله ? الصادق عليه السلام : أنّه كان في ذؤابة سيف عليّ عليه السلام صحيفةٌ ? وأنّ فيها الأحرف التي يفتح كلّ حرف ألف حرف … فما خرج منها إلى الناس حرفان إلى الساعة (3).
الهامش:
(1) الذرية الطاهرة (?126 ? 146) في مسند الحسين عليه السلام .
(2) صحيفة الإمام الرضا عليه السلام , الحديث (139) وانظر عيون أخبار الرضا عليه السلام , للصدوق (2/40) ? 122 .
(3) الاختصاص , للشيخ المفيد (?284) وبحار الأنوار ,للشيخ المجلسيّ (7/ 288) ? الحجر .
===============================?59
ويصرّح الدكتور أبو شهبة بأنّ الصحيفة كانت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ?فأعطاها لعليّ عليه السلام خاصةً (1).
ولعلّ من هذه الصحيفة ما جاء ذكره عند ابن حزم في الأحكام من أنّ عثمان حمل إليه محمّد بن علي بن أبي طالب من عند أبيه عليه السلام كتاب حكم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم في الزكاة ! فقال عثمان : أغنها عنّا ! فرجع إلى أبيه فقال عليه السلام : ضع الصحيفة حيث وجدتها (2).
ونقل آخرون :أنّ هذه الصحيفة كانت موجودة عند أبي بكر، أيضاً (3).
وقال ابن حجر بصدد هذه الصحيفة : والجمع بين هذه الأحاديث أنّ الصحيفة كانت واحدةً ? وكان جميع ذلك مكتوباً فيها ? ونقل كلّ واحدٍ من الرواة عنه ما حفظه (4).
الهامش:
(1) صحيفة عليّ بن أبي طالب عليه السلام (?41) .
(2) الأحكام (1/240 ?253) ونقله في توجيه النظر (?16) ? في دلائل التوثيق (?423)عن صحيح البخاري (2/277) كتاب فرض الخمس .
(3) انظر : فتح الباري (3/318) وصحيح البخاري , كتاب الزكاة , باب زكاة الغنم (2/146) وانظر السنن الكبرى , للبيهقي (4/88) وسنن أبي داود (2/97) وسنن النسائي (5/ 18-23) والفقيه والمتفقه , للخطيب (1/120?135) وانظر : السنة قبل التدوين (?345) .
(4) فتح الباري (1/183) وفي طبعة( ?166) وانظرإرشاد الساري(1/ 358).
=================?60
وقد جمع أنباء هذه الصحيفة ? من مصادرها عند العامّة ? فقط! ? ونسّق فصولها، وجمع شتات متفرقاتها الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب ? وطبع باسم صحيفة علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
والمهم ذكره أنّ وجود هذه الصحيفة وأخبارها دليلٌ حاسمٌ على جواز كتابة العلم وخاصّةً الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وأنّ ذلك قد تمّ في عهده ? وبعلم وبإشراف تامّ منه صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل , كان هو صلّى الله عليه وآله وسلّم يحافظ على هذه الكتابة في ذؤابة سيفه.
قال الدكتور رفعت: قد روى البخاري حديثاً من أحاديث الصحيفة في كتاب العلم، وترجم له بـباب كتابة العلم , دلالةً على جواز كتابة الحديث , ردّا على من كرهوا ذلك ? وفيه دلالةٌ ? كذلك ? على أنّ الحديث قد كُتِبَ ? فعلاً ? بمرأىً ومسمعٍ من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).
ولابدّ أن تكون هذه الصحيفة ? غير كتاب عليّ عليه السلام , الذي سنذكره بعد هذا ? فإنّ هذه الصحيفة مختصرة ? ومقتصرة على الجمل المذكورة ? بينما ذلك الكتاب واسع ومفصّل جدّاً ? إلاّ أنْ يكون هذا جزءاً من ذاك!
واعترف بعض العامّة بأنّ هناك خبر صحيفة أُخرى عند عليّ عليه السلام غير تلك الصحيفة.
الهامش:
(1) صحيفة عليّ بن أبي طالب عليه السلام (?41) .
(2) انظر : ردّ الدارمي على بشر المريسي (?130) ? أصول الحديث للخطيب محمد عجّاج (?190) ولاحظ توجيه النظر للجزائري (?16) عن الأحكام لابن حزم .
==================================?61
وقد تبيّن من مجموع حديثنا عن هذه الصحيفة بطلان ما ذكره بعضهم من:
أنّنا لا نطمئن إلى ما جاء فيها من روايات مهما كان رواتها ...قال: ومردّ شكّنا إلى أنّ عليّاً عليه السلام إذا كان قد أراد أنْ يكتب عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما يراه نافعاً للدين والمسلمين، فلا تكفيه مثل هذه الصحيفة التي كان يضعها ? كما يقولون ? في قراب سيفه ? وإنّما يكتب آلاف الأحاديث، في جميع ما يهمّ المسلمين ? وهو صادقٌ في كلّ ما يكتب (1).
فإنّ الصحيفة قد ورد نبؤها من طرق الشيعة والسنّة ? ? في اُمّهات كتبهم , بما لا يمكن إنكاره .
مع أنّه لم يرد في شيء من النصوص أنّ الإمام عليه السلام قد كتب تلك الصحيفة بنفسه ? وإنّما بعض القرائن تدلّ على أنّها كانت لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ورثها الإمام.
ثمّ إنّ الإمام قد كتب كتاباً واسعاً سيأتي ذكره بعنوان (كتاب عليّ) في ما يلي.
الهامش:
(1) أضواء على السنّة المحمديّة ,لأبي ريّة (?96) .
(2) وفي دلائل التوثيق المبكّر(?422) : ومن المحتمل -كما يشير الدكتور حميد الله -أنّ هذه الوثائق تنتمي أساسا إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نفسه , وبعد وفاته أصبحت ملكاً للإمام عليّ عليه السلام . نقلاً عن صحيفة همام بن منبّه (30-31) .
ونقل عن المقريزي في إمتاع الأسماع (1/ 107) أنّ الإمام عليه السلام أكثر الأشخاص احتمالاً أنْ تكون لديه الوثائق التي [ كانت ] في منزل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , ومن ثمّ احتمل أنْ تكون هذه الصحيفة هي ( دستور المدينة ) الذي سيأتي الحديث عنه في هامش الصفحات التالية .
===================?62
2 ? كتاب عليّ عليه السلام :
انتشر نبأ هذا الكتاب انتشاراً واسعاً ? وأصبح مشهوراً بين المسلمين وأجمع أهل الحديث ? خاصّةً ? على وجوده ? فتناقل خبره علماء الشيعة ? وغيرهم.
لكنّ الأئمة الأطهار من أهل البيت عليهم السلام - وهم أدرى بما في
البيت - أفصحوا عن سعة هذا الكتاب، وكبر حجمه ? واحتوائه على علمٍ كثيرٍ .
فقالوا : إنّها صحيفةٌ طولها سبعون ذراعاً ? وأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أملاها على الإمام عليّ عليه السلام ? فكتبها الإمامُ بخطّه وأنّه أوّل كتابٍ جمع فيه العلم , على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وأنّ الأئمّة الإثني عشر من ذريّته عليهم السلام يتوارثون ذلك الكتاب (1) وقد وصفوه بكونه : كتاباً مدروجاً عظيماً (2).
واعترف العامّة بأهميّته وسعته:
فقال بعضهم ? محتملاً أن تكون هي الصحيفة التي أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في السنة الأُولى للهجرة ? بكتابتها ? : فكانت أشبه شيءٍ بدستور الدولة الناشئة ? آنذاك ? في المدينة،
الهامش:
(1) انظر عن هذا الكتاب : الذريعة إلى تصانيف الشيعة , للطهراني (2/306) بعنوان ? أمالي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . وأعيان الشيعة , للعامليّ ( ? 1 ? 1 ?330-338) ?(?350-352) .
(2) رجال النجاشي (?360) رقم الترجمة (966) وانظر : الفوائد الطوسية للحر العاملي (?243) .
=========================?63
وعنوانها : هذا كتاب محمّد النبيّ ? رسول الله ? بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم :أنّهم أُمّةٌ واحدةٌ ? من دون الناس ....
وقد بلغ من أمرها أنّها أصبحت تُقرن ? وحدها ? بكتاب الله ? لتواترها وكثرة ما فيها من أحكام الإسلام ? وكليّاته الكبرى (1).
وقال آخر: إنّه جمع فيها عدّة أحكام (2).
وقال آخر: إنّ هذه الصحيفة فيها اُمورٌ كثيرة، وموضوعات متعدّدة (3).
والأئمّة الأطهار عليهم السلام الذين ورثوا هذا الكتاب عن آبائهم، وكان موجوداً عندهم , يرجعون إليه ? أفصحوا عنه بشكلٍ أدقّ، في ما روي عنهم من نصوص حول ذلك، وإليك رواياتهم (4):
الهامش:
(1) علوم الحديث لصبحي الصالح (?30) والسنة قبل التدوين (?344) وانظر أصول الحديث للعجّاج (?188-189) ودلائل التوثيق المبكّر (?383-384) بعنوان (دستور المدينة ) عن صحيفة همام (?15) وسيرة ابن هشام (341 ) والأموال لأبي عبيد (202) وجمهرة رسائل العرب (1/25) وإشارات عنه في طبقات ابن سعد (1/2/72) ?(2/1/19?23) وتقييد العلم (?72) ومسند أحمد (1/79?119?122?271) وغيرها , وصحيح البخاري (2/ 274) ?(4/428) وصحيح مسلم (2/702) وسنن أبي داود (4/252) رقم (453) والترمذي (1/180) والنسائي (8/23) وابن ماجة (2/145) ? انظر معرفة النسخ (?207) .
(2) الأنوار الكاشفة , للمعلمي (?37) .
(3) صحيفة عليّ بن أبي طالب عليه السلام (?41) .
(4) ومن مصادرها:الإرشاد , للمفيد (?274) والأمالي , للطوسيّ (2/20) .
=================================?64
1 ? قال الإمام الحسن السبط عليه السلام : إنّ العلم فينا ? ونحن أهله، وهو عندنا
مجموع كلّه بحذافيره ? وإنّه لا يحدُثُ شيءٌ إلى يوم القيامة حتّى أرش الخدش إلاّ وهو عندنا مكتوبٌ ?بإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم, وخطّ عليّ عليه السلام بيده (1).
2 ? وروى عن الإمام الحسن السبط عليه السلام ? أيضاً ? أنّه سُئل عن رأي أبيه في الخيار ? من مباحث البيوع والمعاملات ? ? فأمر عليه السلام بإحضار ربعة ? وأخرج منها صحيفةً صفراء تضمّ آراء عليّ في ذلك (2).
وكان الكتاب عند الإمام السجّاد عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام.
3 ? عن عبد الرحمن بن الحجّاج ? ? حفص بن البختري ? ? سلمة بيّاع السابري ? جميعاً ? عن أبي عبد الله عليه السلام ? قال: كان عليّ بن الحسين عليه السلام إذا أخذ كتاب عليّ عليه السلام فنظر فيه قال: من يطيق هذا ?(3).
والظاهر أنّ المراد بالصحف التي كانت عند السجّاد عليه السلام , والتي كان فيها ذكر عبادة عليّ عليه السلام
الهامش:
(1) الاحتجاج , للطبرسي (?155) وانظر بحار الأنوار (?44/?100) .
(2) العلل , لأحمد بن حنبل (1/104) وانظر تاريخ التراث العربي لسز كين (?1 مج1/235) وقد فسّر كلمة الخيار بأولى الفضل , وهو خطأ.
(3) الكافي , الروضة (8/163) رقم172.
=============================?65
هو نفس كتاب عليّ عليه السلام ,الذي كان ينظر فيه (1).
وكانت الصحيفة عند الإمام أبي جعفر، محمّد الباقر عليه السلام :
4 ? قال عذافر الصيرفي : كنت ? مع الحكم بن عُتيبة ? عند أبي جعفر عليه السلام فجعل يسأله ? وكان أبو جعفر عليه السلام له مكرماً ? فاختلفا في شيءٍ ! فقال أبو جعفر عليه السلام : يابنيّ قم فأخرج كتاب عليّ .
فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً ? وفتحه ? وجعل ينظر ? حتّى أخرج المسألة فقال أبو جعفر عليه السلام : هذا خطّ عليٍّ عليه السلام ? وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم .
وأقبل على الحكم، وقال: ياأبا محمّد ? اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم ? يميناً وشمالاً ? فوالله ?لا تجدون العلم ? أوثق منه عند قومٍ كان ينزل عليهم جبرئيل عليه السلام (2).
5 ? وسأل الحكم بن عُتيبة الإمام الباقر عليه السلام ? عن تقسيم ديّة الأسنان؟ فأجابه الإمام ? وقال: هكذا وجدناه في كتاب عليّ عليه السلام (3).
الهامش:
الإرشاد , للمفيد (?256) وشرح الأخبار للقاضي (13/128) من الأصل المخطوط. ومناقب شهر آشوب (4/ 149 ) .
(2) رجال النجاشي (?360) رقم (966) .
(3) الكافي , للكليني (7/329) كتاب الديات , باب الخلقة… (?1) .
=================?66
6 ? وعن زُرارة بن أعْيَن، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجدّ ? وذكر الحديث _ إلى أن قال_: فأقبل عليه السلام على ابنه جعفر عليه السلام وقال له: أقرئ زرارة صحيفة الفرائض … فأخرج إليّ صحيفة مثل فخذ البعير … فلمّا ألقى إليّ طرف الصحيفة إذا كتاب غليظ ? يعرف أنّه من كتب الأوّلين ? فنظرتُ فيها … فلمّا أصبحتُ ? لقيتُ أبا جعفر عليه السلام ? فقال لي: أقرأتَ صحيفة الفرائض ؟… فإنّ الذي رأيتَ ? والله يا زرارة ? هو الحقُّ، الذي رأيتَ إملاءُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وخطُّ عليّ عليه السلام بيده ... وقد حدّثني أبي، عن جدّي ? أنّ أمير المؤمنين عليه السلام حدّثه بذلك (1).
7 ? وعن محمّد بن مسلم ? أنّ أبا جعفر عليه السلام أقرأه صحيفة الفرائض التي أملاها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وخطّ عليّ عليه السلام بيده (2).
وكان الكتاب عند الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام :
8 ? عن محمّد بن مسلم، أنّ الصادق عليه السلام قال: إنّ في كتاب عليّ عليه السلام : أنّ المدحة قبل المسألة (3).
9 ? وعن حُمران بن أعين ? أنّه عليه السلام قال: في كتاب عليّ عليه السلام …
الهامش
الكافي، أيضاً (7/94) كتاب المواريث، باب ميراث الولد مع الأبوين (?3).
الكافي، أيضاً (7/ 98) كتاب المواريث، باب ميراث الأبوين مع الزوج (?3).
(3) الكافي ? أيضاً ? (2/ 351) كتاب الدعاء باب الثناء قبل الدعاء، ?(2) وفلاح السائل ? 29.
================?67
_وذكر حكماً عن صلاة الجمعة ? (1).
10? وعن زرارة بن أعين ? عن أبي عبد الله عليه السلام ? قال: في كتاب عليّ عليه السلام أنّ الهرّ سبعٌ , ولا بأس بسؤره (2).
11? وعن سليمان بن خالد ? عن أبي عبد الله عليه السلام ? قال: في كتاب عليّ عليه السلام : أنّ نبيّاً من الأنبياء شكا إلى ربّه القضاء (3).
21? وعن الحلبي ? عن أبي عبد الله عليه السلام ? قال: إنّ في كتاب عليّ عليه السلام : أنّه كان يضرب بالسوط ? وبنصف السوط ? وببعضه ? في الحدود (4).
31? وعن أبي أيّوب الخزّاز ? عن أبي عبد الله عليه السلام ? قال: إنّ في كتاب عليّ عليه السلام : أنّ كلّ ذي رحمٍ بمنزلة الرحم الذي يجرّ به ...(5).
41? حدّث أبو دعامة ? قال: أتيت علي بن محمّد بن علي بن موسى [ الإمام الهادي عليه السلام ] عائداً في علّته التي كانت وفاته منها في هذه السنة، فلمّا هممتُ بالانصراف قال لي: يا أبا دعامة ? قد وجب حقّك ? أفلا اُحدّثك بحديث تسرّ به ?
الهامش:
تهذيب الأحكام للطوسي (3/ 28) ?69.
(2) الكافي، للكليني (3/9) كتاب الطهارة، باب الوضوء من سؤر الدواب والسباع الحديث (4).
الكافي، للكليني (7/ 414) كتاب القضاء، باب أنّ القضاء بالبيّنات (?3 ?4).
الكافي ? أيضاً ? (7/ 176) كتاب الحدود، باب التحديد (?31).
(5) الكافي ? أيضاً ? ( 7 /77) كتاب المواريث، باب أنّ الميراث لمن سَبَقَ .. (?1).
===================?68
فقلت له: ما أحوجني إلى ذلك يابن رسول الله !
قال: حدّثني محمّد بن عليّ ? قال حدّثني أبي , عليّ بن موسى ?
قال: حدّثني أبي , موسى بن جعفر ? قال: حدّثني أبي , جعفر بن محمّد ? قال: حدثني أبي , محمّد بن عليّ ? قال: حدّثني أبي , عليّ بن الحسين ? قال: حدّثني أبي , الحسين بن عليّ ? قال: حدّثني أبي , عليّ بن أبي طالب :? قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : اُكتبْ يا عليُّ .
فقلت: ما أكتب ?.
قال: اُكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ? الإيمان ما وقرته القلوب ? وصدّقته الأعمال، ? الإسلام ما جرى به اللسان ? وحلّت به المناكح . قال أبو دعامة : فقلت: يابن رسول الله ? ما أدري ? والله ? أيّهما أحسن؟ الحديثُ أم الإسنادُ ?
فقال: إنّها لصحيفة بخطّ عليّ بن أبي طالب ? بإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? نتوارثها صاغراً عن كابر (1).
وقد نقل عنه بعنوان ( كتاب عليّ عليه السلام) أحاديث مختلفة في الأبواب التالية:
باب حرمة الطيب على المحرم الميّت، كالمحرم الحيّ (2).
الهامش:
مروج الذهب، للمسعودي (5/2- 83) رقم (3079).
(2) انظر الكافي (4/ 368) كتاب الحجّ، باب المحرم يموت، ?3 ,وتهذيب الأحكام (1/ 329? 330)?(963?966) ? (5/ 383) ?(1337).
=================?69
وباب أنّ الوتر واجب (1).
وباب أنّ الله لا يعذّب على كثرة العبادة ? لكن يزيده خيراً (2). وباب القبلة (3).
ومواضيع اُخرى من أبواب الفقه (4).
وروى الصدوق في كتاب الفقيه باباً كبيراً بعنوان ( ذكر جمل من مناهي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أورد فيه روايةً واحدةً بسنده عن شعيب بن واقد ? عن الحسين بن زيد ? عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ? معنعناً عن آبائه ? عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : نهى عن كذا وكذا.
وقال في آخر الحديث: قال شعيب بن واقد : سألتُ الحسين بن زيد عن طول هذا الحديث ? فقال: حدّثني جعفر بن محمّد بن عليّ
بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام :
الهامش
(1) تهذيب الأحكام (2/ 243) ? (962).
بصائر الدرجات (?185) ? (11) انظر الوسائل للحرّ العاملي ? كتاب الصلاة، باب عدد الفرائض، (32 ?4).
تهذيب الأحكام (2/ 23) ? (46) ? (2/ 251) ?(995) والاستبصار للطوسي (1/ 251) ?(900).
(4) انظر ما روي بعنوان (كتاب عليّ عليه السلام ) حول كثرة الصلاة والصيام في بصائر الدرجات (?185?11) ولاحظ الوسائل تسلسل
(4630) وعن القامة والذراع في باب أوقات الصلوات: تهذيب الأحكام (2 /23)? (64) ?(2 /251 )?(995) ولاحظ الوسائل تسلسل (4754) وعن الصلاة في ما لا يؤكل لحمه في الكافي (3 /397) والوسائل تسلسل (5344).
=====================?70
أنّه جمع هذا الحديث من الكتاب الذي هو إملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وخطّ عليّ عليه السلام بيده (1).
كما أورده الصدوق في أماليه بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام ? المجلس السادس والستّين (2).
وأورد الصفّار منقولاتٍ عن هذا الكتاب بطرق أهل البيت عليهم السلام (3).
وموارد ذكر هذا الكتاب كثيرة جدّاً، نكتفي بهذا المقدار للإقناع.
و هكذا تؤكّد هذه الرواياتُ على سعة أطراف هذا الكتاب، باحتوائه على مختلف المواضيع الفقهيّة من الصلاة ? والدعاء ? والبيوع ? والحدود والديات ? والقضاء ? والشهادات، والفرائض والإرث. وكذلك احتواؤه على المواضيع الأخلاقيّة , والعقائدية , وغيرها.
كما تدلّ على ضخامة حجمه ? حيث عبّر عنه بكونه مدروجاً عظيماً، ومثل فخذ البعير، وكتابٌ غليظٌ (4) أو طوله سبعون ذراعاً (5).
وقد عبّر عنها الشهيد زيد بن عليّ عليه السلام بـكتب عليّ صلوات الله عليه,
الهامش:
(1) من لا يحضره الفقيه (4/ 2- 11) الباب (1).
(2) أمالي الصدوق (?344) وانظر الذريعة، للطهراني (2/ 307).
(3) بصائر الدرجات، للصفّار (? 145 ?145? 153? 165).
ويمكن أن يراد من لفظ (الكتاب) هنا (الخطّ)فلاحظ.
(5) أعيان الشيعة (1 ?1 /330 فما بعدها).
=================?71
وأنّها كانت عند الصادق عليه السلام (1).
وهذا التعبير يدلّ على ضخامة ما كان الإمام عليّ عليه السلام قد كتبه.
وكلّ ذلك يقتضي ? بوضوح ? بطلان القول بأنّها صحيفة صغيرة أو مجرّد ورقة واحدة !
فالتعبير عنها بالصحيفة لا يعني الورقة مطلقاً ? لأنّ الصحيفة ? في اللغة ? هي: الكتاب (2).
ووجدنا إطلاق الرواة والمؤلّفين أسماء عديدة على هذا الكتاب، هي: الصحيفة ? كتاب عليّ عليه السلام ? الجفر ? الجامعة (3).
الهامش
(1)رجال الكشّي ترجمة سورة بن كليب رقم (706) ? (376).
لسان العرب (كتب) وانظر معرفة النسخ (?22).
لاحظ الارشاد، للمفيد (?274) والذريعة (5/ 118) وأعيان الشيعة (1 ?1 /330) واقرأ عنه في مرآة الكتب للشهيد التبريزي (1/ 3- 6) .
وقد جاء ذكر ( الجفر ? الجامعة ) عند العامة كثيراً:
قال الشريف الجرجاني: الجفر ? الجامعة : جلدٌ كتبَ فيه عليٌّ عليه السلام ما أملاه عليه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وقيل : هما كتابان.
وذكره ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (?70- 71) وابن خلدون , قالا :إنّ هارون بن سعد العجلي _ رأس الزيديّة _نسبه إلى الإمام الصادق ?انظر الذريعة (5/ 118- 119).
وقد عنونوا لما أسموه بـعلم الجفر ,وقالوا: هو عبارة عن العلم الإجمالي بلوح القضاء والقدر المحتوي على ما كان وما يكون كليّاً وجزئياً وقالوا: إنّه علمٌ توارثه أهلُ البيت عليهم السلام ومن ينتمي إليهم ويأخذ عنهم من المشايخ الكاملين.
ونقل عن كمال الدين ابن طلحة الشافعي (?652) قوله: الجفر والجامعة كتابان جليلان : أحدهما ذكره الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو يخطب بالكوفة على المنبر. والآخر: أسرّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إليه، وأمره بتدوينه.
وقال: لا يقف على حقيقة هذا الكتاب إلاّ المهديّ المنتظرُ خروجه في آخر الزمان. لاحظ كتاب : الجفر(?18).
ونقل طاش كبري زاده وجوده عند الإمام الرضا عليه السلام . لاحظ: مفتاح السعادة (2/ 550) وكشف الظنون (عمود1 ?592).
أقول : في المطبوع باسم الجفر (?19) ما نصّه : قال جعفر الصادق : منّا الجفر الأحمر ومنّا الجفر الجامع.
وكانت الأئمةُ الراسخون من أولاده يعرفون أسرار هذا الشأن العظيم , ولّما كتب بعض الخلفاء إلى عليّ بن موسى الرضا على أنْ يبايعه , فقال : إنّك قد عرفت من حقوقنا ما لم يكن يعرفه آباؤك , فبايعتك , إلاّ أنّ الجفر الجامع لا يدلّ على مبايعتك .
وقد ألّف جمعٌ كتباً حول هذا العلم ? إليك أسماؤها:
1? الجفر الجامع والنور اللامع ? للشيخ محمّد بن طلحة ? أبي سالم كمال الدين الشافعي ? النصيبي (?652هـ) ذكر فيه ما نقلناه سابقاً، وقال: إنّ الأئمة من أولاد جعفر الصادق عليه السلام يعرفون الجفر. كشف الظنون (عمود 592).
2 ? الكواكب الدريّة في الأُصول الجفريّة ? للأديب عثمان بن عليّ العمريّ الموصليّ ? قال البغداديّ : قد حصل عندي بخطّ المؤلّف. إيضاح المكنون (2/ 390- 391).
3 ? الدرّة الناصعة في الجفر ? الجامعة ? للشيخ محيي الدين ابن عربي. كشف الظنون (6/ 738).
4? الدرّة الناصعة في كشف علوم الجفر ? الجامعة ? لعبد الرحمن البسطامي . كشف الظنون (2/ 360).
5? الكشف الساطع في حلّ الجفر الجامع ? لمحسن بن عليّ الحفناويّ الدمشقيّ . إيضاح المكنون (2/ 360).
6 ? الجواهر الوفيّة في الدقائق الجفريّة من قول الإمام الرضا عليه السلام , الذريعة (5/ 285) عن مخطوطات الموصل.
==============?72
وليس بعيداً أنْ تكون كلّها أسماءً لكتاب واحد .
ولعلّ إطلاق هذا الاسم الأخير باعتبار أنّه يجمع كلّ شيء، كما تدلّ عليه بعض النصوص المتقدّمة.
======================= ?73
ويسمّى كتاب علي عليه السلام _أيضاً _ بـأمالي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم, كما سبق (1).
ولعلّ هذا الكتاب ? أو قسماً منه ? هو ما جاء في أخبار إملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على أمير المؤمنين عليه السلام، في ما رواه الخاصّة والعامّة ? في الأحاديث التالية:
1? عن اُمّ سلمة زوج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : قالت: دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بأديم ? وعليّ بن أبي طالب عليه السلام عنده ? فلم يزلْ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يملي ? وعليٌّ يكتب ? حتّى ملأ بطن الأديم وظهره وأكارعه (2).
2? روى الشيخ أبو الحسن ? عليّ بن الحسين بن موسى ? ابن بابويه القمّي (?329هـ ) بسنده ? عن اُمّ سلمة ? قالت: أقعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّاً عليه السلام في بيته ثمّ دعا بجلد شاة، فكتب فيه حتّى أكارعه … في حديث طويل (3).
3? وعن عائشة، قالت: دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّاً بأديم ? دواة ? فأملى عليه ? وكتب ? حتّى ملأ الأديم (4).
4? وروى أبو الحسن ابن بابويه ? بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام عن آبائه ? قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين عليه السلام : اكتب ما أملي عليك.
الهامش:
الذريعة (2/ 306).
أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني (?12- 13) والمحدّث الفاضل (?601) رقم (868).
الإمامة والتبصرة من الحيرة (?174) الحديث (28) وانظر بصائر الدرجات للصفّار (?163? 168).
(4) محاسن الاصطلاح، للبلقيني (?300).
=======================?74
فقال: يانبي الله، وتخاف عليّ النسيان ?!
فقال: لست أخاف عليك النسيان ? وقد دعوتُ الله لك أنْ يحفظك ولا ينسيك ? ولكن ? اُكتبْ لشركائك.
قال: قلت: ومن شركائي، يانبي الله ?
قال: الأئمّة من ولدك … إلى آخر الحديث (1).
وفي حديث أورده الطبري في أصحاب القائم عليه السلام ? سأل فيه أبو بصير الإمامَ الصادقَ عليه السلام : هلْ كان أمير المؤمنين يعلم أصحاب القائم ,كما كان يعلم عدّتهم ?
قال أبو عبد الله: حدّثني أبي ? قال: والله، لقد كان يعرفهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم رجلاً فرجلاً … .
إلى أنْ قال أبو بصير: قلت: مكتوب ? قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام : مكتوبٌ في كتابٍ ? محفوظٌ في القلب ? مثبتٌ في الذكر ? لا ينسى.
قال قلت: جعلت فداك ? أخبرني بعددهم ? وبلدانهم ? ومواضعهم فذاك يقتضي (2) من أسمائهم.
الهامش:
(1) الإمامة والتبصرة من الحيرة (?183) الحديث (38) وبصائر الدرجات للصفّار (?167) وقد أخرجه الصدوق في أماليه
(?327) وإكمال الدين (?206) وانظر (? 284- 289) وانظر: الغيبة للنعماني (?75- 81).
(2) كذا في المصدر، ولعلّه مصحّف عن ( يغننيي ) فلاحظ.
==================? 75
قال: فقال: إذا كان يوم الجمعة ? بعد الصلاة ? فأتني.
قال: فلمّا كان يوم الجمعة ? أتيته ? فقال: يا أبا بصير، أتيتنا لما سألتنا عنه ? قلت : نعم ? جعلت فداك .
قال: إنّك لا تحفظ ? فأين صاحبك الذي يكتب لك ?
فقلت: أظنّ شغله شاغل وكرهتُ أنْ أتأخّر عن وقت حاجتي.
فقال لرجل في مجلسه : اُكتب له : هذا إملاء رسول الله على أمير المؤمنين ? أودعه إيّاه من ( تسمية أصحاب المهديّ ? وعدّة من يوافيه من المفقودين عن فرشهم (1) وقبائلهم ? والسائرين في ليلهم ونهارهم إلى مكّة ? وذلك عند استماع الصوت ? في السنة التي يظهر فيها أمر الله عزّ وجلّ ? وهم النجباء والقضاة والحكّام على الناس ...<.
ثمّ بدأ الإمام بذكر البلدان وعدد مَنْ فيها من أصحاب الحجّة القائم المنتظر عليه السلام ? في حديث طويل (2).
ولعلّ هذه ( التسميّة ) جزءٌ من كتاب عليٍّ عليه السلام الكبير (3).
الهامش:
ورد في عدّة أحاديث ذكر ( الفقداء ) وأنّهم : قوم يفقدون من فرشهم ويُصبحون بمكّة ,في الغيبة، للنعماني (?313) وتفسير العياشي (1/ 67) ? ( المفقودين عن فرشهم ) في إكمال الدين (?654) ?( المفتقدين ) ? أنّهم ليفتقدون عن فرشهم ليلاً فيصبحون بمكّة ? إكمال الدين (?672).
دلائل الإمامة (?307- 308) ونقله السيد البحراني في ( الحجّة في ما نزل في القائم الحجّة ) (?722- 723) من المطبوع مع غاية المرام.
(3) لاحظ ما ذكرناه في مقدّمة ( تسمية من شهِد مع عليٍّ عليه السلام حروبه ) وقد نشر هذا البحث منه بعنوان ( التسميات طليعة المؤلّفات ...) في مجلة تراثنا الفصلية ? العدد (15) السنة (4).
======================?76
ولنعد إلى ذكر كتاب عليّ عليه السلام :
ومن مجموع ما ذكرنا عن هذا الكتاب، يتبيّن أنّه غير الصحيفة التي تحدّثنا عنها سابقاً بعنوان ( صحيفة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ) التي كانت عند عليّ عليه السلام , فقد عرفنا أنّ تلك صحيفةٌ صغيرةٌ كانت في ذؤابة السيف ? وعرفنا أنّ هذا الكتاب كبيرٌ جدّاً.
وعبّر بعض العامّة عن تلك بصحيفة عليّ عليه السلام ? ولم يذكر عن هذا الكتاب شيئاً إلاّ أنّ آخرين منهم اعترفوا بأنّ هناك خبر صحيفة اُخرى عن عليّ عليه السلام غير تلك الصحيفة ? كما ذكرنا (1).
3 ? كتاب فاطمة عليها السلام:
وقد كان عند الزهراء فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كتاب عن أبيها ? ورد ذكره عند العامّة والخاصّة.
ذكره من العامّة: الخرائطي , عن مجاهد قال: دخل اُبيُّ بن كعب على فاطمة رضي الله عنها ابنة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخرجت إليه كربةً فيها كتاب : من كان يؤمن بالله واليوم الآَخر فليحسن إلى جاره (2).
ووذكره العشُّ في تصديره لتقييد العلم الخطيب (3).
الهامش :
لاحظ عند الهامش (2) في ما مضى (?60).
مكارم الأخلاق، للخرائطي (?43) رقم (217).
(3) تقييد العلم (?99) وانظر دلائل التوثيق المبكّر(?501).
=====================?77
وذكره من الخاصّة أبو الحسن ابن بابويه القمّي (?329هـ ) بسنده عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام ? أنّه قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة عليها السلام فليس ملك يملك ? إلاّ وهو مكتوبٌ باسمه واسم أبيه (1).
وجاء ذكره في باب حساب زكاة النقدين ? من الكافي، وأنّ الإمام الصادق عليه السلام أخذ الجواب من كتاب فاطمة عليها السلام (2).
ويُعرف هذا الكتاب باسم ( مصحف فاطمة عليها السلام )(3).
وذكر أنّه كان من إملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وخطّ عليّ عليه السلام .
وقد فصّل السيد الأمينُ العامليُّ الحديثَ عنه في مقدّمة أعيان الشيعة (4).
الهامش:
الإمامة والتبصرة من الحيرة (?180) ?(43).
الكافي الكليني ,كتاب الزكاة (3/ 507) ?2.
انظر الذريعة، للطهراني (21/ 126 ).
وقد استغلّ بعض المغرضين إطلاق اسم ( المصحف ) على هذا الكتاب للتشهير بالمؤمنين الشيعة ? بالنظر إلى شيوع إطلاق هذا الاسم على القرآن الكريم في عرف المسلمين . لكن ذلك التشهير وهذا الاستغلال ظلمٌ على الشيعة ? وإغراء بالجهل لسائر المسلمين، وتلاعبٌ بالعقول الساذجة ? حيثُ أنّ اسم المصحف يطلق على كلّ كتاب ?كما تطلق عليه الصحيفة .
وقد أطلق على الكتاب الذي جمع فيه خالد الكلاعي (? 104هـ ) علمه أنه ( مصحفٌ ) له أزرار وعرى , تذكرة الحفاظ (1/87) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (7/ 395) ولاحظ تقييد العلم للخطيب , التصدير (?21) ومعرفة النسخ (?31).
(4) أعيان الشيعة (?1 ?1 /353 ? 359) من الطبعة الثانية ? وقد حذف من الطبعة الحديثة، واقرأ عنه في مرآة الكتب (1/6).
====================?78
4 ? ما كتبه النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عمّاله وغيرهم، في ما يتعلّق بالاُمور الدينية.
استدلّ بعضهم على جواز كتابة الحديث بما ورد عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من كتبه تلك:
قال الدكتور عتر: هي كتب كثيرة، تشتمل على مهمّات أحكام الإسلام، وعقائده، وخطوطه العريضة، وبيان الأنصبة والمقادير الشرعيّة للزكاة، والديات، والحدود، والمحرّمات، وغير ذلك (1).
من ذلك كتابه إلى عمرو بن حزم الأنصاري ? عامله على اليمن (2).
وكتابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وقومه في حضرموت (3).
وكتاب في الزكاة، والديات، كان عند أبي بكر (4).
ونقول: الاستدلال بهذه الكتب ? باعتبار أنّه كان للرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم إشرافٌ تامٌّ على كتابتها ? وإنْ لم يكن هو المباشر للكتابة ? لكنّ امتناعه عن المباشرة ? لسببٍ ? لا ينافي أنْ ينسب ذلك إلى فعله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? باعتبار تعلّق إرادته بالفعل ? وإشرافه عليه، ووقوعه لديه، وتعلّق غرضه به.
قال ابن قدامة : كتاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كلفظه , ولولا ذلك لم يكتب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أحد وقد كتب إلى ملوك الأطراف وإلى غيرهم فلزمتهم الحجّة به وحصل له البلاغ , ولو لم يكن حجّةً لم تلزمهم الإجابة ولا حصل به بلاغ , ولكان لهم عذر في ترك الإجابة (5).
الهامش:
منهج النقد في علوم الحديث (?47).
أخرجه عتر: عن البيهقي في دلائل النبوّة مطوّلاً، وذكره الخطيب في الفقيه والمتفقه (1/ 120? 135) وتنوير الحوالك، للسيوطي (1/ 7- 159) والأموال، لأبي عبيد (?357) واقرأ عنه تفصيلا في مرآة الكتب (1/ 7- 8).
طبقات ابن سعد (1/ 278? 349? 351).
مرّت مصادره(?59).
المغني لابن قدامة الحنبلي (1/ 56).
=====================?79
وهذا، كما يكتب كتّاب الأمراء الرسائل والخطابات لمن يأمرهم بذلك، فإنّها تنسب إلى الآمرين ? دون الكاتبين، ? إنْ كان هؤلاء هم المباشرين.
مع وضوح اختلاف هذه السنّة عن التقرير لما فعله الغير، وكذلك عن الأمر بمطلق التدوين والكتابة، كما سيأتي(1) فلا يكون إلاّ من السنّة العمليّة الفعليّة، فلاحظ.
5 ? وأخيراً:
وفي نهاية المطاف، والرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم مسجّىً على فراش المرض ? ينتظر الموت الحقّ ? إذْ طلب ممّن حضر عنده قرطاساً ودواةً : ليكتب لهم كتاباً لا يضلّوا بعده ? أبداً.
وكان طلبه جدّياً ? ومهمّاً ? إذْ علّق عليه أمراً مهمّاً وهو هداية الأُمّة، وعدم ضلالتهم إلى الأبد .
جاء ذلك في ما رواه البخاري وغيره ? واللفظ له ? عن ابن عبّاس ? قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وجعُه ? قال: ائتوني بكتاب ? أكتبْ لكم كتاباً لا تضلّوا بعده.
قال عمر : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم غلبه الوجع ! وعندنا كتاب الله حسبنا.
====================?80
فاختلفوا، وكثر اللغط.
قال [ أي النبي صلّى الله عليه وآله ? سلّم ] : قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع.
فخرج ابن عبّاس ? يقول: إنّ الرزيئة ? كلّ الرزيئة ? ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وبين كتابه (1).
ويظهر من إيراد البخاري لهذا الحديث في كتاب العلم، في الباب الذي ترجمه بـباب كتابة العلم : أنّ الحديث ? في نظر البخاري ? يدلّ على جواز كتابة الحديث ? وإنْ لم تتحقّق الكتابة من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.
قال الدكتور عتر : البخاري قصد بعنوان الباب أن يثبت تشريع كتابة العلم , وخرّج الأحاديث للاستدلال على ذلك (2).
وكذلك البيهقي أورده في باب (ما جاء في همّه بأن يكتب لأصحابه كتاباً ...)
الهامش :
أورده البخاري في صحيحه من رواية عبد الله بن العبّاس، في مواضع، وهي:
1? كتاب العلم ? باب كتابة العلم (1/ 39).
2? كتاب الجهاد ?باب هل يستشفع إلى أهل الذمّة (4/ 85) وباب إخراج اليهود من جزيرة العرب (4/120- 121).
3? كتاب المغازي، باب مرض النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم(6/ 11). 4_كتاب المرضى، باب قول المريض : قوموا عنّي (7/ 156).
5 ? كتاب الاعتصام، باب كراهية الخلاف.
انظر: فهارس البخاري، لرضوان (?12) الحديث (54). وانظر: شروح البخاري : إرشاد الساري (1/ 169) وفتح الباري (1/ 185) وعمدة القاري (1/575) وانظر: شرح النووي لصحيح مسلم (2/43) والملل والنحل للشهرستاني (1/21) والمصنّف لعبد الرزاق (5/ 438? 439) ومسند أحمد (1/336) وبمعناه (3/ 346).
(2) الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين (?107).
=====================?81
وفي نصّ ما رواه:… فقال عمر : رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد غلبه الوجع ? وعندكم القرآن ? حسبنا كتاب الله.
وقال البيهقي : رواه البخاري في الصحيح ? ورواه مسلم (1).
فإنّ إرادة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الجدّية قد تعلّقت بالكتابة، كما يعلم ذلك من تعليله طلب الكتاب بأنّ الأُمّة لا تضلّ بعده ? وهو تعليلٌ بأمرٍ مهمٍّ ضروريٍّ، لا يُتسامح فيه ولا يجوز لأحدٍ التخلّف عنه، فضلاً عن هادي الأُمّة ومنجيها من الضلالة، المبعوث رحمةً للعالمين.
قال الشيخ عبد الغني عبد الخالق ? وهو يتحدّث عن تعريف السنّة بأنّها : ما صدر عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من فعل،أو قول،أو تقرير ? ما نصّه : ثمّ إنّ الفعل يشمل ... الهمّ ? فإنّه من أفعال القلب ? وهو صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يهمّ إلاّ بمشروع ? لأنّه لا يهمّ إلاّ بحقّ (2).
وقد أضاف ابن حجر ( ما همّ بفعله ) إلى تعريف السنّة ? فقال: هي ما جاء عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من أقواله، وأفعاله، وتقريره، وما همّ بفعله (3).
وقال ابن حجر ? في حديث ابن عبّاس هذا الذي نبحث عنه ? ما نصّه :
الهامش:
دلائل النبوّة، للبيهقي (7/ 181? 183).
حجيّة السنة (?75).
(3) فتح الباري (13/ 191).
=======================?82
حديث ابن عبّاس الدالّ على أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم همّ أنْ يكتب لأمّته كتاباً يحصل معه الأمن من الاختلاف ? وهو لا يهمّ إلاّ بحقّ (1).
وقال الشيخ أبو زهو : فقد همّ النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يكتب لأصحابه كتاباً حتّى لا يختلفوا من بعده ? والنبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يهمّ إلاّ بحقّ , فهذا منه صلّى الله عليه وآله وسلّم نسخٌ للنهي السابق في حديث أبي سعيد (2).
قال الدكتور رفعت : وهذا في حدّ ذاته دليلٌ على إجازة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كتابة أحاديثه (3).
وقال الدكتور عتر _ في حديث ابن عباس الذي رواه البخاري _ : وجه دلالته أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نفسُهُ أمر بإحضار أدوات الكتابة , لكتابة كتابٍ لا يضلّوا بعده , وذلك دليل جواز الكتابة , وإلاّ لم يقدم عليها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , لأنه لا يهمُّ إلاّ بحقٍّ (4).
وأمّا عدم تحقّق الكتابة من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ? فلم يكن من أجل مرضه ? ولا لحرمة الكتابة ? وإنّما كان من أجل قول عمر، ومنعه للرسول عنها .
قال الدكتور رفعت : لم يكتب هذا الكتاب ? لقول عمر (5).
فتكون هذه أوّلُ وأخطرُ عمليّة منعٍ لكتابة الحديث ? والممنوعُ فيها هو الرسولُ الأكرمُ صلّى الله عليه وآله وسلّم ? بالذات ?أمّا المانع فهو الذي تزعّم عمليّة المنع للحديث بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم .
وهذا أمرٌ عجيب ?!!!
الهامش :
فتح الباري (1/187) وفي طبعة اُخرى (?150).
الحديث والمحدّثون (?124).
صحيفة عليّ بن أبي طالب عليه السلام (?42).
(4) الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين (?108).
(5) صحيفة علي بن أبي طالب عليه السلام (?42) ولاحظ النصّ
والاجتهاد، لشرف الدين (?146) المورد (14) والمراجعات، له (?258- 264) المراجعتان : (86 ?87).
========================?83
وهو الذي أوجب فزع ابن عبّاس ? فكان يئنّ منه، وينعاه بقوله:إنّ الرزيئة ? كلّ الرزيئة ? ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وبين كتابه ?!
لا يقال: إنّ إقدام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا لم يكن إلاّ لأمر ضروري ولازم ? بل كان واجباً عليه ? كما تقدّم بيانه ? لأنّه كان بصدد هداية الأُمّة ومنعها من الضلالة ? ولا يُعقل أنْ يكون أمر كهذا إلاّ واجباً . فلو تمّ ذلك ? لم يكن له صلّى الله عليه وآله وسلّم أنْ يعرض عن أدائه لمجرّد قول عمر ? وغير عمر ? بل كان يؤدّيه مهما كلّف الثمن , فإعراضه عن كتابة ما أراد يدلّ على عدم ضرورته ? فلا يتمّ ما نحن بصدده (1).
لأنّا نقول:
أوّلاً :إنّ الاستدلال بالحديث على جواز تدوين الحديث ? غير مبتنٍ على ما ذكر ? لما عرفت من أن مجرّد همّه للكتابة هو كافٍ للدلالة على ذلك ? لأنّ همّه من السنّة.
وثانياّ : إنّ أمر ذلك الكتاب ? كان على ما ذكر من الوجوب واللزوم ? كما دلّ عليه قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :ائتوني, الظاهر في الوجوب ? وكما بيّنا من أنّه كان مرتبطاً بأمر هداية الأُمّة، ? هو لا يكون إلاّ واجباً , لأنّه من أهمّ أهداف رسالته صلّى الله عليه وآله وسلّم .
الهامش:
اُنظر فهرس الفهارس ? الأثبات للكتاني (?470- 471).
===================?84
إلاّ أنّ قول المانع : إنّ الرجل ليهجر , أو ما هو بمعناه من غلبة الوجع , قد سدّ على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم طريق إتمام ذلك الواجب ? وصدّه عن كتابة الكتاب ? وحال بينه صلّى الله عليه وآله وسلّم وبين كتابة مراده . فلو كان ينفّذ طلبه ويكتب الكتاب ? لم يكن لعمله بعد تلك المزعومة أثرٌ يذكر ? لأنّ ما ينجّزه المريض المتّهم ? ! ? لا وقعَ له عند الناس , فلزمه صلّى الله عليه وآله وسلّم التراجع عن الكتابة ? وعن أداء ذلك الواجب ? حفاظاً على واجب أهمّ ? وهو اتهام نبيّ الإسلام بالهجر , فيصاب بما أراده المخالفون لهذا الدين من أوّل ظهور الإسلام , وعلى أيدي المخالفين لهذا الكتاب هذا اليوم (1).
وقال بعضهم: إنّ طلب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم هذا واضح في أنّه أراد أنْ يكتب شيئاً غير القرآن ? وما كان سيكتبه هو من السنّة , وإنّ عدم كتابته ? لمرضه (2) لا ينسخ أنّه قد همّ بها ? وكان في آخر أيّام حياته عليه الصلاة والسلام، فيُفهم من هذا إباحته عليه الصلاة والسلام الكتابة في أوقات مختلفة، ولمواضع كثيرة، في مناسبات عدّة، خاصة وعامّة (3).
وبالرغم من استدلال البخاري بهذا الحديث على جواز كتابة العلم، وإيراده له في خمسة مواضع من كتابه الصحيح الجامع، بما لا يبقى شكّ لدى محدّثي العامّة في صحّته، نرى أنّ: أكثر المؤلّفين ? حول
تدوين الحديث ? يُهملون ذكره والاستدلال به!
الهامش:
(1) وقد أربك تصرّف عمر بمنع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من كتابة هذا الكتاب المهمّ علماءَ العامّة حتّى حاولوا التأليف فيه , فللقاسمي الشاميّ كتاب (إزالة الأوهام بما يستشكل في ترك سيدنا عمر لكتابة !! الكتاب الذي همّ به [ الرسول ] عليه الصلاة والسلام ) ذكره في : تاريخ علماء دمشق (1/ 304).
(2) كلاّ، بل عدم الكتابة كان لقولهم ذلك الكلام الفظيع: إنّ الرجل ليهجر !!!
(3) السنّة قبل التدوين (?306).
=====================?85
قال الدكتور يوسف العشّ ? في تعليقه على كتاب (تقييد العلم) للخطيب البغدادي ? : ومن العجب !أنْ يكون سها عن بال الخطيب الاستشهاد بالكتاب الذي أراد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أنْ يكتبه حين وفاته، وخبره في صحيح البخاري ...(1).
أقول: والأعجب من الدارسين الجُدُد، الباحثين في موضوع تدوين الحديث، أنّهم أغفلوا أمر هذا الحديث، مع أنّ دراساتهم تبتني على التحقيق والاستيعاب، ومع أنّ تعليقة العشّ على (تقييد العلم) للخطيب كانت ? وبلا شكّ ? أمام أعينهم، وفي متناول أيديهم، فلم يذكروه سوى بعضهم في إشارات عابرة، أو في الهوامش (2).
3 ? السنّة القوليّة:
والمراد بها الأحاديث القوليّة ?المرفوعة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ? والتي تدلّ على إباحته لكتابة الحديث خاصّة، أو ترغيبه وحثّه على مطلق الكتابة، وكذلك ما ورد عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم في ذكر الخطّ ? والقلم ? والدواة ? والكتاب ? من أدوات الكتابة ? ممّا يدلّ على رغبته التامّة في ذلك، وهي كثيرة جدّاً، وتكفي للدلالة على جواز كتابة الحديث بطريق أولى.
الهامش:
تقييد العلم (?86) الهامش رقم (183).
(2) علوم الحديث، لصبحي الصالح (?23) الهامش (2) وانظر: السنّة قبل التدوين (?305) والحديث النبوي وروايته (?113) والسنّة النبوية لمحمّد أحمد (?28).
=========================?86
فإذا كان صلّى الله عليه وآله وسلّم مبيحاً للكتابة، ومرغّباً فيها، فالحديثُ أولى بأنْ يكتب ويقيّد.
والأحاديث المرفوعة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذا المجال موصوفةٌ بالكثرة من حيث الكميّة :
قال القاضي عياض: قد روي كتابة العلم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحاديث كثيرة (1).
وأمّا من حيث المحتوى ? فقد قسّمناها إلى أنواع ? كما يأتي:
1? ما تضمّن الأمر منه صلّى الله عليه وآله وسلّم بالكتابة أو التقييد بلفظ: اكتبوا ,? قيّدوا ,ومشتقاتهما، وما دلّ على الأمر بهما ولو بالملازمة.
2? ما ورد فيه الإذن بالكتابة أو التقييد، بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : نعم , في جواب طلبهما.
3? ما ورد عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم ممّا تضمّن لفظ : الكتابة , وتصاريفها ? من غير صيغة الأمر، مثل: كتب ? ويكتب ? وغيرهما.
4? ما تضمّن ذكر أدوات الكتابة من: الكتاب ? والورق ? والقَلَم ? والحبر ? والمداد ? والخطّ .
وإليك هذه الأنواع تفصيلا:
الهامش:
(1) الإلماع في اُصول السماع (?147).
=======================?87
1 ? ما ورد بلفظ الأمر بالكتابة أو التقييد:
1_عن عليّ عليه السلام ? عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? قال: اكتبوا هذا العلم , فإنّكم تنتفعون به إمّا في دنياكم ? إمّا في آخرتكم , وإنّ العلم لا يضيع صاحبه (1).
2 ? عن رافع بن خديج، قال: مرّ علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوماً، ونحن نتحدّث، فقال: ما تحدّثون ? فقلنا: ما سمعنا منك يا رسول الله. قال : تحدّثوا , ? ليتبوّأ مقعده ? من كذب عليَّ ? من جهنّم .
ومضى لحاجته، وسكت القوم، فقال: ما شأنهم لا يتحدّثون ?.
قالوا: الذي سمعناه منك، يا رسول الله ! قال: إنّي لم أرد ذلك، إنّما أردتُ من تعمّد ذلك .
فتحدّثنا , قال: قلت: يا رسول الله، إنّا نسمع منك أشياءً، أفنكتبها ?! قال : اكتبوا ولا حرج (2).
3 ? وحديث كتاب أبي شاهٍ الذي أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنْ يكتب له ? في ما رواه أبو هريرة ? قال: لمّا فتح الله تعالى على رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم مكّة ? قام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّ الله تبارك وتعالى حبس عن مكّة الفيل
الهامش:
كنز العمال (10/ 262) رقم (29389).
(2) تقييد العلم (?2 ?73) والكامل لابن عدي (1/ 36) ومحاسن الاصطلاح (?300) عن الرامهرمزي في المحدّث الفاصل (?369) رقم (331).
======================?88
وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنّها لم تحلّ لأحدٍ كان قبلي ? وإنّما اُحلّت لي ساعة من النهار ? وإنّها لنْ تحلّ لأحدٍ بعدي ? فلا ينفّر صيدها ? ولا يختلى شوكها ? ولا تحلّ ساقطتها إلاّ لمنشّد ? ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين : إمّا أنْ يفدي، وإمّا أن يقتل.
فقام أبو شاهٍ ? رجلٌ من أهل اليمن ? فقال: اكتبوا لي، يا رسول الله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : اكتبوا لأبي شاهٍ (1).
وقد اتفقوا على صحّة هذا الحديث ? كما أذعنوا لدلالته على الجواز:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : ليس يُروى في كتابة الحديث شيءٌ أصحّ من هذا الحديث ? لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: اكتبوا لأبي شاهٍ (2).
وقال ابن الصلاح : ومن صحيح حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الدالّ على جواز ذلك : حديث أبي شاهٍ اليمني (3).
الهامش:
تقييد العلم (?86) ومن مصادره: البخاري (1/ 40- 41) الكتاب ( ) الباب (63) وشروحه: إرشاد الساري (1/ 168) وعمدة القاري (1/ 567) وفتح الباري (1/ 184) وعن صحيح الترمذي (5/ 39) رقم (2667) ومعالم السنن للخطابي (4/ 184) الفقيه والمتفقه للخطيب (1/ 91) وتيسير الوصول (3/ 176) وجامع بيا العلم (1/70)والمحدّث الفاصل (363) رقم (314) والاستيعاب (4/ 106) واُسد الغابة (5/ 224) وانظر (2/ 384) وانظر منهج النقد (?48).
(2) مسند أحمد ? ? شاكر ? (12/ 235) وانظر (?232).
(3) مقدمة ابن الصلاح (?300).
======================?89
4 ? عن عبد الله بن عمرو ? قال: قلنا: يا رسول الله، إنّا نسمع منك
أشياء لا نحفظها، أفنكتبها ?.
قال: بلى، فاكتبوها (1).
5 ? وعن عبد الله بن عمرو ? أيضاً ? قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? ? اُريد حفظه ? فنهتني (2) قريش ? وقالوا : تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ! ? رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بشرٌ يتكلّم في الرضا والغضب !?.
قال: فأمسكت , فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . فقال: اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ , وأشار بيده إلى فيه (3).
6? وعن عبد الله بن عمرو ? أيضاً ? عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ? قال: قيّدوا العلم بالكتاب (4).
الهامش:
تقييد العلم (?74).
هل يمكن أن يعدَّ هذا النهيُ البداية المبكّرة لمنع تدوين الحديث ؟؟
هذا ما لم يذكره أحد من الباحثين لحد الآن ?
المستدرك على الصحيحين (1/ 5- 106) وتقييد العلم (?80- 81) وانظر مسند أحمد (2/ 162 ) رقم (7020) وجامع بيان العلم (1/ 71) والمحدث الفاصل (الفقرة 316) وسنن الدارمي (1/ 120) والجامع لأخلاق الراوي (2/ 28). وبهذا اللفظ في مسند شمس الأخبار (1/ 4- 75).
(4) تقييد العلم (?69) والمحدّث الفاصل (?365) رقم (318) ومحاسن الاصطلاح (?298- 299) وتحف العقول (?36) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (18/ 246) وفيه: عبدالله بن عمر.
=======================?90
7 ? وعن عبد الله بن عمرو ? أيضا ? قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : قيّدوا العلم.
قلت: يارسول الله، وما تقييده ?! قال: الكتاب (1).
ورواه الحاكم والشهيد ? بلفظ: قال: كتابته (2).
وفي نصّ آخر: يعني كتابه (3).
أقول: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص سيأتي بألفاظ اُخرى في النوع الثاني.
8 ? عن أنس بن مالك، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ? قال: قيّدوا العلم بالكتاب (4).
وروي هذا الحديث موقوفاً على أنس.
9? وروي عن ابن عبّاس : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: قيّدوا العلم بالكتاب (5).
الهامش:
تقييد العلم (?69) وجامع بيان العلم (1/ 73) وقد يرد منسوباً إلى عبد الله بن عمر ? وهو سهو ? لاحظ: حلية الأولياء (1/ 321).
مستدرك الحاكم (1/ 106) وبحار الأنوار (2/ 151) ? (35).
تقييد العلم (?57).
تقييد العلم (?70) والجامع لأخلاق الراوي (1/ 351)وقال البُلقيني : أسنده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل (?386) رقم (327) محاسن الاصطلاح (?299) وأدب الدنيا والدين (?66) وكنز العمال (10/ 249) رقم (29332).
(5) الكامل لابن عدي (2/ 792).
=======================?91
10? وعن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ? قال: قيّدوا العلم بالكتابة (1).
ومن هذا الباب ما دلّ على الأمر بالكتابة بألفاظ أُخرى:
11_ روى الترمذي، في صحيحه,كتاب العلم، باب (12) الرخصة في كتابة العلم ? بسنده ? عن أبي هريرة ? قال: كان رجلٌ من الأنصار يجلس إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيسمع من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الحديث ? فيعجبه ? ولا يحفظه ? فشكا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? فقال :يا رسول الله، إنّي لأسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه ?!.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : استعنْ بيمينك _ وأشار بيده إلى الخطّ _ (2).
وفي بعض النصوص: استعنْ على حفظك بيمينك , وفسّره بقوله: يعني الكتاب (3).
وفي آخر: يعني: اكتُب (4).
وفي آخر: عليك , يعني الكتاب (5).
الهامش:
تاريخ أصبهان (2/ 228) وكشف الظنون (1/ 26) ونقل عن الطبراني.
سنن الترمذي (5/ 39) رقم (2666) والكامل لابن عدي (1/ 36) وتقييد العلم (?66 ? 68) ومحاسن الاصطلاح (?301) والفتح الكبير للسيوطي (1/ 179) وفيض القدير للمناوي (1/ 491) والعقد الفريد (2/ 419).
الكامل لابن عدي (3/ 928) ? (939).
تقييد العلم (?65).
(5) تقييد العلم (?66).
========================?92
وفي آخر: استعنْ بيمينك _ وأومأ بيده _ أي خطّ (1).
12? وروى الماوردي: أنّ رجلاً شكا إلى سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم النسيان ? فقال: استعمل يدك. أي اكتب، حتى ترجع ? إذا نسيت ? إلى ما كتبت (2).
13- وعن عبد الله بن عمرو ? قال: يا رسول الله، إنّا نسمع منك أشياء نخشى أنْ ننساها ?أفتأذن لنا أن نكتبها ?
قال: نعم، شبِّكوها بالكتب (3) .
2 ? ما فيه الإذن في الكتابة والتقييد بقوله: >نعم< عند طلبهما.
14- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت: يا رسول الله، اُقيّد العلم ? قال: نعم (4).
وأضاف ? في بعض نقوله ? : قلت: وما تقييده ? قال: الكتاب (5).
ورواه البلقيني ? قال: رواه ابن فارس في كتاب ( مآخذ العلم ) ثمّ قال: لم يروه عن ابن جريج إلاّ عبدالله بن المؤمّل (6).
الهامش:
بحار الأنوار (2/ 152) الحديث (36) وصحيح الترمذي (5/ 39) رقم (2666) وانظر الكامل لابن عدي (1/ 36) والجامع لأخلاق الراوي (1/ 382).
أدب الدنيا والدين (?66) ومحاسن الاصطلاح (?300).
تقييد العلم (?82).
تقييد العلم (?68).
تقييد العلم (?68? 69).
(6) محاسن الاصطلاح (?298).
======================?93
15 ? وعنه ? أيضاً ? قال: قلت: يا رسول الله، أكتب ما أسمع منك ?
قال: نعم , قلت: في الرضا والغضب ? قال: نعم , قال: فإنّي لا أقول إلاّ حقّاً (1).
16? وعنه ? أيضاً ? قال: قلتُ: يا رسول الله، أسمع منك أحاديث أخاف أن أنساها ? فتأذن لي أنْ أكتبها ? قال: نعم (2).
أقول: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في كتابة الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ورد بألفاظ عديدة، ذكرنا منها سابقاً بالأرقام 4 ? 5 ? 6 ? 7 ? 21) (3).
وقد اتفقوا على صحّته ? والتزموا بدلالته على جواز كتابة الحديث : قال أحمد بن حنبل : قد روى غير واحد ? عن عبد الله بن عمرو ? مثل ما قدّمنا روايته ... واشتهر ذلك (4).
وقال البلقيني: وحديث عبد الله بن عمرو صحيح ?
الهامش:
تقييد العلم (?74) وبعدها بأسانيد، والكنى، للدولابي (1/ 144) وانظر عوالي اللآَلي (1/ 68) رقم (120).
تقييد العلم (?76) وبعدها بطرق.
وإليك مصادر الحديث : بحار الأنوار (2/ 147) ?(18? 19) وسنن الدارمي (1/ 103) ?(390) وسنن أبي داود (3/ 318) ومسند أحمد ? شاكر (10/ 20) والإلماع للقاضي عياض (?146) وجامع بيان العلم لابن عبد البر (1/ 71) وفتح الباري (1/ 185).
(4) تقييد العلم (?79).
======================?94
ولذلك خرّجه الحاكم في (مستدركه)(1) وله شواهد(2).
وقال المُعافى بن زكريّا : وفي هذا الخبر دلالةٌ واضحة على أنّ من الصواب ضبط العلم وتقييد الحكمة بالكتاب، ليرجع إليه الناسي فيذكر ما نسيه ? ويستدرك ما عزُب عنه ? وعلى فساد قول من ذهب إلى كراهية ذلك (3).
وقد خرّجه من علماء الشيعة ابن أبي جمهور الأحسائي ? والمجلسي (4) .
وقال المحدّث الجزائري : يدلّ على الأمر بالكتابة لجميع أحاديث العلوم : أنّه عليه السلام قاله وجميع سننه ممّا لا يخالف القرآن ? فإنّ ما خالف القرآن فليس منه صلّى الله عليه وآله وسلّم (5).
3 ? ما ورد فيه لفظ ( الكتابة ) وتصاريفها غير الأمر بها عموماً، وكذا التقييد.
17? قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : من حقّ الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة ? وأن يحسن اسمه ? وأن يزوّجه إذا بلغ.
رواه البزّار وابن النجّار (6).
الهامش:
انظر تخريج الحديث (5 ? 7).
محاسن الاصطلاح(?298).
تقييد العلم (?80).
عوالي اللآَلي (1/ 68) هامش الحديث (119) وبحار الأنوار (2/ 147) ?(18).
ومن كتب الزيدية: مسند شمس الأخبار (1/ 4- 75).
عوالي اللآلي (1/ 68) ?116.
(6) تاريخ الخطّ للكردي (?9) بواسطة نشأة وتطوّر الكتابة(83).
===========================?95
18? عن أبي بكر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : من كتب عنّي علماً، وكتب معه صلاةً عليّ ? لم يزلْ في أجر ما قُرىء ذلك الكتاب.
وروي بلفظ: من كتب عليّ علماً ...(1).
19? روى الخوارزمي ? مسنداً، عن الصادق جعفر بن محمّد ? مسنداً عن آبائه , قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّ الله تعالى جعل لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا يُحصي عددها غيره . فمن ذكر فضيلة من فضائله ? مقرّاً بها ? غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر, ومن كتب فضيلة من فضائل عليّ بن أبي طالب لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسمٌ , ومن نظر إلى كتابة في فضائله غَفَر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر (2).
الهامش:
شرف أصحاب الحديث (? 35) ? (64) والجامع لأخلاق الراوي (1/ 420) والكامل لابن عدي (3/ 1100) ومحاسن الاصطلاح (?307) عن (أنوار الآثار في فصل الصلاة على النبيّ المختار) للتجيبي، والنصّ والاجتهاد (?146) المورد (14) وتاريخ الخلفاء للسيوطي (?73) من روايات أبي بكر، الحديث التاسع والثمانون.
(2) مناقب علي بن أبي طالب، للخوارزمي (?2) ? أمالي الصدوق (?119) ? (9) المجلس (28).
================?96
20_ قال صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم : ? ذا كتبتَ فضعْ قلمَكَ على أُذُنك الأيْسر فإنّه أذْكَرُ لك .
رواه ابن عساكر(1).
21_ قال جابر بن عبد الله الأنصاري : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كتب أحدكم كتاباً فليترّبه , فإ نه أنجح للحاجة, والبركة في التراب (2).
22- أسند الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ? إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده , فإن يكُ حقّاً كنتم شُرَكاء في الأجْر, وإ ? يك باطلاَ كان وِزْرُهُ عليه (3).
23-وعن عطاء بن يسار, قال : كتب رجل عند النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , فقال له :كتبتَ ? قال:نعم. قال: عر ضتَ ? قال: لا.
قال : لم تكتب , حتّى تعرض فيصح (4).
24-الديلمي في الفرودس , عن عليّ عليه السلام :
الهامش:
(1) تاريخ الخط للكردي ( ? 9 ) بواسطة نشأة وتطور الكتابة ( ? 83 ) .
(2) أدب الإملاء للسمعاني ( ? 174 ) وفي الكامل (2/ 505 ) بلفظ : إذا كتبت… فتربه… والتراب مبارك, السراج المنير للعزيزي (1/165) .
(3) أدب الإملاء والاستملاء(? 4 - 5 ) وانظر ميزان الاعتدال للذهبي (4/ 98) ولسان الميزان(6/22) ومحاسن الاصطلاح (?301) .
(4) محاسن الاصطلاح (?310) وقال : ذكره السمعاني في كتاب الإملاء .
================?97
ضالّة المؤ من العلم , كلّما قيّد حديثا طلب ? ليه آخر(1) .
25-روى ابن عدي بسنده عن أنس ,قال : قيل : يا رسول الله ,عمّن يكتب العلم بعدك ? قال : عن علي وسلمان(2).
4- ما ورد فيه ذكر أدوات الكتابة من :
الكتاب ,? الو ? ? , ? القلم , ? المداد , ? الحبر , والخطّ , غير ما مرّ (3).
26- عن أبي هريرة ,عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,قال؛ مَنْ صلّى عليَّ في كتابٍ , لم تز ? الملائكة تستغفر له مادام اسمي في ذلك الكتاب (4).
27- عن جابر ,عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم,قال :ترِّ بُوا الكتاب ,فإنّ التراب مبارك (5) .
28- وعن أبي هريرة ,قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
الهامش:
(1) الجامع الصغير (2/52) الطبعة الأولى ومسند شمس الأخبار (1/223) وخرجه السيد الجلال في ( كشف الأستار ) بذيله : عن أبي نعيم ? الديلمي عن عليّ عليه السلام بلفظه .
(2) الكامل , لابن عدي (1/198) وتاريخ بغداد (4/158) .
(3) انظر الحديث (6?7?8?10?12?17?19?20) .
(4) شرف أصحاب الحديث (?36) رقم (63) ومحاسن الاصطلاح (?307) عن (أنوار الآثار ) .
(5) أدب الإملاء (?174) انظر السراج المنير للعزيزي (1/ 165) وفي الجامع لأخلاق الراوي (1/433)– ضمن حديث – بلفظ : ( فأتربوا ).
=================?98
إذا كتب أحدكم كتاباً فليترّبه ,فإنّه أنجح للحاجة(1).
29- عن ابن عباس ,قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ من اختان كتاب علم ,فهو غلول يأتي بما غلّ يوم القيامة (2).
30- عن أنس ,قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ المؤ من ? ذا مات وتر ? ورقة واحدة عليها علم ,تكون تلك الورقة يوم القيامة ستراً في ما بينه وبين النار ,وأعطاه الله تبارك وتعالى بكلّ حر فٍ مكتوبٍ عليها مدينة أو سع من الدنيا سبع مرّاتٍ (3) .
ونقله المجلسيّ ,فقال : نقل عن خطّ الشهيد الثاني ,نقلاً عن خطّ قطب الدين الكيدريّ ,عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مثله ,وزاد في آخره : وما من مؤمن يقعد ساعةً عند العالم ? لا ناداه ربّه ? جلست ? لى حبيبي ,وعزّ تي ? جلالي ,لأسكنتك الجنّة معه ,ولا ? بالي.
وقال المجلسي : ورواه في كتاب ( الد رّ ? الباهرة من الأصداف الطاهرة ) (4).
31- عن زيد بن ثابت ,قال : دخل صلّى الله عليه وآله وسلّم عليَّ
الهامش:
(1) الكامل , لابن عدي(1/294) وانظر تحفة الأحوذي (7/494).
(2) جزء في عارية الكتب (?130?133) .
(3) إلى هنا نقله الحرُّ في وسائل الشيعة (18/68) كتاب القضاء , باب (8) من أبواب صفات القاضي الحديث (63) عن الأمالي للصدوق (?40) ? (3) المجلس (10) .
(4) الدرة الباهرة (?25) وبحار الأنوار (2/144) باب (19) ?1?2 .
==================?99
فقال ? ضعْ القلم على أذنك , فإ نّه أذكر للمملي به (1) .
32- عن ابن عباس ,قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,يقول : يؤتى بصاحب القلم – يوم القيامة – في تابوت من نارٍ مقفل عليه بأقفال من نارٍ ,فينظر قلمه في ما أجراه : فإ ? كان ? جرأؤ ? في طاعة الله ورضوانه ,فُكَّ عنه التابوت ,? ? ? كان ? جراؤ ? في معصية الله , هوى به التابوت سبعين خريفاً , حتّى باري القلم ,? لائق الدواة .
رواه السيّد المر شد بالله ,وقال : هذا في العامل والكاتب ,وليس المتعلّم بدونهما ,لأن قلمه يجري بأمر الدين ,وقلم سواه بأمر الدنيا (2).
33- عن ابن عباس ,قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لو أنّ الغياض أقلام ,? البحر مداد ,? الجنّ حسّاب ,? الإ نس كتّاب , ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب (3) .
34- السمعاني بسنده عن أبي هريرة ,قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,يقول ? أوّل ما خلق الله القلم ,ثمّ خلق النون _ ? هي الدواة _قال : وذلك قول الله عزّ وجل : ? والقلم وما يسطرون [ سورة القلم 86 الآية : 1 ?2 ]
الهامش:
(1) عيون الأخبار لابن قتيبة (1/42) والجامع الصغير للسيوطي (2/52) وقال:الترمذي عن زيد بن ثابت . وانظر الكامل لابن عدي(4/1604) ?(5/ 1901) .
(2) الأمالي الخميسية (1/55) .
(3) مناقب عليّ بن أبي طالب عليه السلام ,للخوارزمي (?2) وعن الطبراني في (?235) وبحار الأنوار (40/73- 75 ) وذكره ابن طاوس عن المطرزي في (شرح المناقب) وانظر فرائد السمطين للحموي , المقدمة (1/16) .
================?100
ثمّ قال : اكتب , قال : وما أكتب ? قال : اكتبْ مقادير كلّ شيءٍ من عمل ,أو أجلٍ ,أو أثر , أو ? ? ? .
قال : فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة .
قال : ثمّ ختم على فيِّ القلم , فلم ينطق , ولا ينطق ? لى يوم القيامة (1).
35- وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم لهلال بن يسار - حين قرّر له العلم والحكمة ? هل معك محبرةٌ ? (2) .
36- وعن أبي هريرة : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,قال؛ يوزن مداد العلماء يوم القيامة بدم الشهداء ,فيرجح مدادهم على دمائهم أضعافاً مضاعفة (3) .
37- وعن أنس ,قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يحشر الله أصحاب الحديث وأهل العلم ,وحبرهم خلوق يفوح , فيقوم ون بين يدي الله , فيقول لهم : طالما كنتم تصلّون على النبيّ, انطلقوا ? لى الجنّة (4) .
38- وعن أنس ,قال : ? نّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,
الهامش:
(1) الكامل لابن عدي (6/2273) وأدب الإملاء ? الاستملاء (?158) تاريخ بغداد (12/40) .
(2) آداب المتعلمين , الفصل العاشر( ) وتعليم المتعلم للزرنوجي (?38)
(3) أدب الإملاء (?163) انظر السراج المنير (3/436) ونحوه مختصرا عن عبادة بن الصامت في الكنى للدولابي (1/103) .
(4) أدب الإملاء (?148) .
==================?101
قال؛ ? ذا كان يوم القيامة يجيء أصحاب الحديث ? لى بين يدي الله عزّ ? جلّ , ? معهم محابر من نور ,فيقول الله عزّ وجلّ ? أنتم أصحاب الحديث ,طالما كنتم تصلّون على نبيّي ,انطلقوا ? لى الجنّة ,وإلى ? حمتي (1) .
39- عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله قال؛ إذا كان يوم الخميس بعث الله عزّ وجلّ ملائكة معهم صحف من فضّة وأقلام من ذهب يكتبون يوم الخميس وليلة الجمعة أكثر الناس صلاةً على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم (2) وأهل الحديث هم أكثر الناس صلاةً على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .
40- عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال لبعض كتّابه ? ألق الدواة , وحرّف القلم ,? انصب الباء ,? فرّ ? السين ,? لا تعوّر الميم ,وحسّن الله ,? مد الرحمن ,وجوّد الرحيم ,? ضع قلمك على أذنك اليُسرى ,فإ نّه أذكر لك (3).
41- قال صلّى الله عليه وآله وسلّم :الخطُّ الحسن يزيد الحقَّ وضوحاً (4).
الهامش:
(1) أدب الإملاء (?152) ولسان الميزان (5/426) .
(2) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (18/149) .
(3) الشفاء للقاضي عياض (? ) إلى قوله :الرحيم ,وعنه القرطبي في تفسيره (13/353) ومنية المريد (?350) وبحار الأنوار (2/152) وانظر : نشأة وتطو ? الكتابة (?184) .
(4) أدب الإملاء (?166) وفيه : وضحاً , والجامع لأخلاق الراوي (1/ 399) وميزان الاعتدال (2/5) ولسان الميزان (3/221) ولاحظ الجامع الصغير للسيوطي (رقم 4134 ) عن أم سلمة ,وأخرجه الديلمي في الفردوس وانظر فيض القدير(3/ 505) ونسبه في صبح الأعشى (3/2) إلى عليّ عليه السلام .
=======================?102
42- روى البيهقي بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّ ? قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :أيُّ الخلق أعجب ? ليكم ? يماناً ? .
قالوا: الملائكة .
قال :? ما لهم لا يؤمنون ,? هم عند ربّهم ?.
وذكروا الأنبياء .
فقال : ? ما لهم لا يؤمنون ,? الوحي ينزل عليهم ?.
قالوا : فنحن .
قال : ? ما لكم لا تؤمنون ,? أنا بين أظهركم ?.
قالوا : فمن ,يا رسول الله ?!
قال : فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? ? نّ أعجب الخلق ? ليَّ إيماناً لقومٌ يكونون بعدكم ,يجدون صحفاً _ فيها كتاب _ يؤمنون بما فيها (1).
رواه ابن كثير وقال : يؤخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدّمة بمجر ? الوجادة لها , وقد ذكرنا الحديث بإ سناده في شرح البخاري (2).
وقال السيوطي : ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (3)
الهامش:
(1) دلائل النبوة للبيهقي (6/538) ومسند شمس الأخبار (1/150) .
(2) اختصار علوم الحديث المطبوع مع الباعث الحثيث (?123) .
(3) تفسير ابن كثير (1/74) ? المنار .
==========================?103
ورواه الحسن بن عرفة في (جزئه ) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ,وله طرق كثيرة أوردتها في ( الأمالي) .
قال السيوطي : وفي بعض ألفاظه ? بل قوم من بعدكم ,يأتيهم كتاب بين لوحين ,يؤمنون به ,? يعملون بما فيه ,أولئك أعظم منكم أجراً .
أخرجه أحمد ,? الدارمي,? الحاكم .من حديث أبي حممة الأنصاري .
وفي لفظ للحاكم ,من حديث عمرو : يجدون الو ? ? المعلق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان ? يماناً (1).
43- أسند الإمام جعفر بن محمّد الصادق ,عن آبائه عليهم السلام ,في وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,قال ? يا عليّ ,أعجب الناس ? يماناً ,? أعظمهم يقيناً , قوم يكونون في آخر الزمان ,لم يلحقوا النبيَّ ,? حجب عنهم الحجّة , فآمنوا بسواد على بياض (2) .
قال المحقّق الشيخ هادي الطهرانيّ , معلّقاً على هذا الحديث : حيثُ إن الرواية عن الصادق عليه السلام ,عن آبائه عليهم السلام ,فمضونها في الحقيقة صاد ? عنهم جميعهم عليهم السلام ,فإ نهم رووه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في مقام ? ثبات مضمونها ,
الهامش:
(1) المستدرك للحاكم (4/85) وقال : صحيح الإسناد , ولاحظ مسند أبي يعلى (1/147) ومجمع الزوائد (10/65) والباعث الحثيث لأحمد شاكر (?5 –126) ورواه في مسند شمس الأخبار (1/145) .
(2) أمالي الصدوق ( ) .
======================?104
ومن هذه الرواية الشريفة تستفاد أمور :
منها : أنّ الكتب المشتملة على الأحاديث ,كونها مرجعاً للناس ,في الأصول والفروع ,بإ رادة الله تعالى ,توجب العلم ,وأنّ اعتبارها من هذه الحيثية .
ومنها : وقوع هذا الأمر في زمان الغيبة ,ومقتضاه أنّ ما يعتمد عليه أهل الإيمان في هذا الزمان يوجب الاطمئنان بمقتضى ما تقد ? عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم من حصره البرّ في ما يوجب سكون النفس ? الاطمئنان ,? حصره الشرّ في ما يجول في القلب ويوجب التردّد .
والسرُّ في أنّ الإيمان بالسواد على البياض أعظم اليقينين ,وكونه أعجب إيماناً , توقّفه على اجتهادٍ شديدٍ لا يتحملّه ? لا من تمحّض الإيمان , وأقبل بكلّه ? لى ربّه ,فإنّه في غاية الصعوبة .
وفي مقابله الجاحد العنود الذي يرى جميع الآيات والمعجزات الباهرات ,ولا يزداد ? لا جحوداً وضلالاً وغوايةً وخذلاناً .
فهؤلاء هم المؤمنون بالغيب ,لا سيما مع شدّة الفتن في آخر الزمان ,كما يشاهد بالعيان .
وإلاّ ,فمجرّد السواد على البياض لا يوجب إلاّ لمن هو في أسفل دركات العماية والغواية ,كما هو ديدن الهمج الرعاع حزب الشيطان ,وأعداء الرحمن (1).
الهامش:
(1) محجة العلماء (?253) .
======================?105
44- وبالإسناد عن أنس ,قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ عنوانُ صحيفة المؤمن حبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام (1).
45- وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : من مات ? ميراثه الدفاتر والمحابر وجبت له الجنّة (2).
46- وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : اكتبوا هذا العلم عن كلّ كبير ? صغير ? غنيّ ? فقير …الخبر (3).
47 -وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : يكتب أنين المريض ,فإن كان صابراً كتب أنينه حسنات وشكراً, وإن كان جزِعاً كتب أنينه هُلوعاً لا أجر له (4).
48-وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم :يهلك أمّتي من قبل اللبن والكتب ! قيل: يا رسول الله , وكيف ذلك ?
قال : أما اللبن : فيرغب طوائف من أمّتي في الغنم واللبن , فيضرون بهما غداً , وأما الكتب : فيقرأونها ثمّ يتأمّلونها على غير معانيها (5).
الهامش:
(1) بشارة المصطفى لشيعة المرتضى (?154) ورواه الخطيب كما في الجامع الصغير للسيوطي (2/ 67).
(2) إرشاد القلوب للديلميّ , الباب (51)
(3) لوامع الأنوار للسيد مجد الدين (2/ 85).
(4) جامع الأحاديث للرازي حرف الياء (? 140) ورواه في الجعفريات (?211) ودعائم الإسلام للقاضي المصري (1/ 217) والديلمي في فردوس الأخبار (5/ 537) رقم (9016).
(5) جامع الأحاديث للرازي حرف الياء (? 140) ورواه الديلمي في فردوس الأخبار (4/ 346) رقم (6999) .
================?106
تعليق على الفصل الثاني :
وبعد هذا التجوال الممتع في رحاب السنّة المطهّرة ,والوقوف على بدائع الآثار الكريمة ,عرفنا أنّ السنّة - بجميع أشكالها من : التقريرية ,? الفعلية , والقوليّة _ المسندة المرفوعة ? لى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,تدلّ على إباحة تدوين الحديث , منذ عهد الرسالة , بما لا يبقى معه شكّ للواقف عليها في ذلك .
وقد بلغت قوّة هذه الحجّة بحيث ألجأت المنصفين ? لى الاعتراف بأنّ ? الحقيقة أنّ إنكار تقييد الحديث في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يمكن أنّ يأ تي ممن يتحاكم ? لى الإنصاف ويسلك نهج العلم .
فإنّ روايات كتابته قد تعدّدت بالأسانيد الموثوقة الكثيرة جدّاً في مختلف مراجع السنّة ,مما يبلغ بها درجة التواتُر الذي يقطع من يطّلع عليه من العلماء ويتحقّق وقوع الكتابة للحديث في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).
فلا ريب أنّ رضاه صلّى الله عليه وآله وسلّم بما تحقّق في مرأىً منه ومسمعٍ محرزٌ ,فيدلّ بتقريره على ? باحة التدوين وجوازه منذ عهده صلّى الله عليه وآله وسلّم .
وأمّا دلالة ما أشرف هو صلّى الله عليه وآله وسلّم على كتابته ممّا سمّيناه بالسنّة الفعليّة - على الجواز ? الإباحة , فأظهر .
الهامش:
(1) منهج النقد (?49) .
==============?107
وأمّا الأحاديث القوليّة المرفوعة ,فمع وضوح دلالتها على الإباحة والجواز ,فإ نّ عنصر الإطلاق في بعض نصوصها ,وعدم قابليّتها للتقييد لا يدعُ مجالاً للريب في الدلالة على ذلك .
فأيُّ تقييدٍ يمكن أنْ يلحق قوله؛ اكتبوا ولا حرج ,وأمثاله ؟؟
ويعلم من ذلك فشل محاولة الموجّهين لعمليّة منع التدوين بتخصيص روايات الإذن ,بأفرادٍ معيّنين أو بزمانٍ معيّنٍ .
فمع بطلان المحاولة ,كما سنثبته بتفصيل في ما يلي من هذه الدراسة ,فإ نّها تنافي إطلاق هذه النصوص الآبية عن التقييد .
قال محمّد عجّاج الخطيب : وإذا كانت الأخبار الدالّة على ? باحة الكتابة منها خاصّ ,كخبر أبي شاهٍ ,فإنّ منها - أيضاً - ما هو عامٌّ ,لا سبيل إلى تخصيصه , كسماحه لعبد الله بن عمرو بالكتابة , وللرجل الأنصاريّ الذي شكا سوء حفظه .
ويمكن أنْ نستشهد في هذا المجال بخبر أنس ,ورافع بن خديج ,وإ ? تكلّم فيهما ,لأن طر قهما كثيرة يقوّ ? بعضها بعضا (1) .
وقال أيضا : وأرى في حديث ابن عباس ? ائتوني بكتاب … ? ذناً عامّاً , ? ? باحة مطلقة للكتابة (2).
الهامش:
(1) السنة قبل التدوين (?309) .
(2) المصدر السابق (?306) .
=================?108
ولا بدّ من الإشارة ? لى أنّ دلالة النوعين الأخيرين من الأحاديث القوليّة ,على المقصود ,وهما : ما تضمّن لفظ الكتابة وتصاريفها ,وما تضمّن ذكر أد وات الكتابة ,إنّما هو بالملازمة العرفيّة الواضحة ,وبيانها: أنّ تصدّي الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لذكر ذلك كلّه لا يناسب منع تدوين الحديث , إذ من الواضح جدّاً كون تلك الأحاديث بصدد ترغيب الأمّة في الكتابة ومداولة أدواتها ,ممّا يدلّ على حسن الفعل في نظر الشارع المقدّس ,كما لا يخفى على ذي فطنة .
ومن الواضح _ أيضاً _أنّ الكتابة ومداولة أدواتها - إذا كانت أمراً جيداً وحسناً - لم تمنع السنّة الشريفة _ التي هي خيرُ الحديث وتحتوي على أفضل الهدي _ أن تستعمل بها .
وإذا كانت الكتابة ومداولة أدواتها سائغة في ذاتها ,فإ نّ ذلك في الحديث الشريف أسوغ وأفضل من غيره ,لاعتماد الشريعة المقدّسة عليه.
مضافا ? لى أنّ كثيراً من تلك الأحاديث إنّما وردت بشأن الحديث وأهله ,وقد استدلّ بكثير منها القائلون بالإباحة .
وقد تأكّد لنا في هذا الفصل ورود السنّة الشريفة بإباحة تدوين الحديث , مع صحة بعضها ,وحسن الآخر ,ومجموع تلك الروايات يؤكد بعضه بعضاً بما ينتج الحجّة الشرعيّة المعتبرة للاستناد ,ونسبة الحكم المذكور إلى الشارع الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم .
==================?109
وبذلك تسقط جميع الاعتبارات السنديّة في واحدٍ واحدٍ منها ,وكلّ المناقشات الرجاليّة الجزئيّة .
ومن هنا تعرف أنّ محاولات أعداء الإسلام من المستشرقين ? ذيولهم المستغربين للتشكيك في أسانيد هذه الروايات بزعم : أنّ الأحاديث الواردة في كتابة الحديث ? إباحتها موضوعة وضعيفة (1).
إنما هي محاولات فاشلة ,لأنها - كما يقول الدكتور عتر _: نوع من جموح الخيال ,أراد به صاحبه أنْ يلصق بعلماء الإسلام ما اجترحه الأحبار في ديانتهم , فاخترع هذا الزعم ,وهو فرية لا تستحقّ النظر فضلاً عن الردّ (2).
بل الأولى بهذا الازدراء مَنْ حاو ? توجيه عمليّة منع الحديث مع اعترافه بهذه الأحاديث ,ومن ضرب على أوتار المستعمرين ممّن أظهر الإسلام .
ومنهم صاحب المنار الذي قال : ? نّ الأحاديث الضعيفة التي تدلّ للكتابة مطلقاً ساقطةٌ ,لا يحتجُّ بها ,ولا ينظر إليها , في كلام طويل (3).
الهامش:
(1) هو رأي جولدزيهر ,انظر : تقييد العلم , التصدير (?16-17) ورأي رشيد رضا في مجلة المنار (?10?10?763-766) انظر علوم الحديث لصبحي الصالح(?33) والسنة قبل التدوين (?305) هامش .
( 2 ) منهج النقد (?50) .
(3) مجلة المنار (?10?10?765?766) .
===============?110
وقد ردّ عليه بتفصيل الشيخ محمّد محمّد أبو زهو ,فقال:إنّ أحاديث الإذن بالكتابة منها صحيح يدلّ عليها نصّاً أو دلالةً ,ومنها ضعيف تعدّدتْ طرقه فيصلح للاعتبار إنْ قصر عن درجة الاحتجاج (1).
ثمّ أفاض في الردّ عليه ? لى أنْ قال : فهذه الدعوى من الشيخ [ صاحب المنار ] لا أساس لها ,بل هي تهدم نفسها بنفسها ,فضلاً عن أنّها تخالف نصوص القرآن الكريم وتتعارض مع ما تواتر من سنّة الرسول الأمين ,ولا تتّفق وما أجمع عليه المسلمون في كافّة الأزمان ,من عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى اليوم(2) .
وقد ردّ عليه أكثر من كتب في الموضوع من أفاضل أهل نحلته ردوداً قويّة حاسمة .
وبعد انبلاج الحقّ وثبوته من خلال السنّة الشريفة لا يبقى مجال للالتزام بمنع التدوين, ولو استنادا ? لى عمل أبي بكر ? عمر ,لأنّ عملهما - بعد ذلك - مخالفة صريحة لما ثبت من سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ولا رأي لأحدٍ _ مه ما كان مقامه _في مواجهة رأي الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ونصه الذي ليس إلا ? حياً يوحى .
وقد اعترف الصحابة والعلماء ,بأن لا حقَّ لأحدٍ في أنْ يلتزم بما يخالف السنّة .
الهامش:
(1) الحديث والمحدّثون (?230) وقد بدأ مناقشة صاحب المنار من220 .
(2) الحديث والمحدثون (?242) .
===============?111
قال ابن عبّاس : أراهم سيهلكون ,أقول : قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ويقول : نهى أبو بكر وعمر (1).
ونقل بلفظ : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء (2) .
وقال عبد الله بن عمر : أفرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحقّ أن تتبعوا سنته ,أم سنة عمر? (3) .
وقال الخطيب البغدادي : لا ينبغي أن يقلّد أحد في ترك ما ثبتت به سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (4).
وقال الشافعي : لقد ضلّ من ترك قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لقول من بعده (5).
وذكر محمّد بن نصر المروزي : أنّ إسحاق بن راهويه كان يقول : من بلغه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خبرٌ يقرُّ بصحّته ,ثمّ ردّه بغير تقيّة فهو كافرٌ (6) .
وقال ابن قيّم الجوزيّة : الذي ندين الله به ولا يسعنا غيره أنّ الحديث إذا صحّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? لم يصحّ عنه حديث آخر بنسخه : أن الفرض علينا ? على الأمة الأخذ بحديثه ? ترك ما خالفه كائناً ما كان (7).
وقال الدكتور الأعظمي : أمّا السنّة النبويّة وقيمتها التشريعيّة فليس قبولها أو رفضها مرهوناً برأْي أحدٍ سواءً كان من الصحابة أو التابعين أو غيرهم لأنّ قيمتها لا تتوقّف على آرائهم أو رفضهم (8).
نعوذ بالله من الضلال .
(1) مسند أحمد - ? شاكر - (5/48) ?3121 والفقيه والمتفقه (1/145) وانظر السنة قبل التدوين (?88) .
(2) الحديث والمحدثون (?34) .
(3) مسند أحمد - ? شاكر - (8/77) رقم 5700 وسنن الترمذي (3/ 185) باب التمتع في الحج ,? السنة قبل التدوين (?90) .
(4) الفقيه والمتفقه (2/145) .
(5) الفقيه والمتفقه (1/149) .
(6) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (1/95) انظر حجية السنة (?253) .
(7) إعلام الموقعين لابن القيّم (3/53) تحقيق الوكيل .
(8)دراسات في الحديث النبوي (?80).
====================?113
الفصل الثالث
إ جماع أهل البيت عليهم السلام على التدوين
إ نّ أهل البيت عليهم السلام أجمعوا على ? باحة تدوين العلم ,ومنه الحديث الشريف ,ولم يعهد من أحدٍ منهم مَنَعَ عنه ,على طول الخطّ .
ومن المعلوم لدى المسلمين _ كافّةً _ أنً ? جماع أهل البيت عليهم السلام حجّة شرعيّة يجب اتّباعها .
أمّا ثبوت الإجماع منهم عليهم السلام :
فمع أنّه محسوس بالعيان ,حيث أنّا لم نجد قولا لأحدٍ منهم عليهم السلام بالمنع ,على كثرة تتبّعنا في المصادر ,ومتابعتنا للأقوال .
فهو ثابت بالنقل والبيان - أيضاً - حيث أن رواياتهم وأقوالهم متضافرةٌ بالإباحة وأعمالهم ومؤلّفاتهم متكثّرة مشتهرةٌ .
وقد عقدنا هذا الفصل لجمع شتات تلك الروايات والأقوال ,وتعداد تلك المؤلّفات والأعمال .
وأمّا أنّ إجماع أهل البيت حجّة شرعيّة :
فلتواتر الأحاديث المرفوعة الناصّة على أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم
================?114
قد نصبهم مراجع للأمّة تلجأ ? ليهم للخروج من الشبهات ,وتتمسك بحبلهم للنجاة من الضلال ,وقر نهم بالقرآن ,وجعلهم وإياه سببين للهداية ,وجعل التخلّف عنهما هو الر دى والغواية .
مثل حديث الثقلين المتواتر عند الشيعة وأهل السنّة ,وقد رواه بضع وعشرون من الصحابة ,وأخرجه من أعلام السنّة : مسلم في صحيحه ,وأحمد في مسنده , وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم الصحاح ,? الحاكم في المستدرك على الصحيحين ,وغيرهم .
ونصّ بعض الروايات : يا أيّها الناس ,? نّي تركت فيكم ما ? ? أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله ,وعترتي أهل بيتي . رواه الترمذي والنسائي .
وفي رواية الطبراني ? فلا تقدموهما فتهلكوا ,ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ,ولا تعلموهم فإ نّهم أعلم منكم .
وفي رواية مسلم في صحيحه ? ألا أيّها الناس فإ نّما أنا بشر يوشك أنْ يأتي رسول ربّي فأجيب ,وأنا تارك فيكم الثقلين : أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور , … , وأهل بيتي ,أذكّركم الله في أهل بيتي ,أذكّركم الله في أهل بيتي ,أذكّركم الله في أهل بيتي .
وفي كثير من نصوصه؛ … ? إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض (1).
الهامش:
(1) مصادر حديث الثقلين :
رواه ابن سعد في الطبقات الكبير (3/194) وأحمد بن حنبل في مسنده (3/14 ?17 ?26 ?59 ) ?(4/366 - 367 ) ?(5/182?189-190) وفي الفضائل بالأرقام (170? 968?990?1032?1382?1383?1403) ولاحظ المعجم الكبير للطبراني (3/62?63?201) .
ومسلم في صحيحه (4/1873رقم2408) والنسائي في خصائص عليّ عليه السلام(?96) والحاكم في المستدرك على الصحيحين (3/109?148 ?533) والبيهقي في السنن الكبرى(2/148)?7/30) ?10/114) والترمذي في صحيحه (5/663)?3788 وسنن الدارمي (2/310) والطحاوي في مشكل الآثار (2/307) وأبو نعيم في حلية الأولياء (1/355) وتاريخ بغداد (8/448) نقله الحافظ الكنجي في كفاية الطالب ?1?11عن أبي داود وابن ماجة .
وقد جمع مصادر الحديث ونصّه في رواياته المتعدّدة الشيخ قوام الدين الو شنوي في رسالة (حديث الثقلين) وطبعت في مصر , في مجلة رسالة الإسلام سنة 1374, وطبعت بعد ذلك مستقلا مكرّراً.
وانظر مجمع الزوائد للهيثمي (9/163) .
وخصّص الشيخ محمّد حسين المظفّركتاب ( الثقلان : الكتاب ? العترة ) للبحث عن ذلك .
ولاحظ الصواعق المحرقة لابن حجر المكي (?89) والأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم (?164-189) .
===================?115
وأمّا الحديث عند الشيعة من الإماميّة ? الزيديّة والإسماعيليّة فهو من المسلّمات , ? نْ لم تبلغ أسانيد ? الكثيرة حدّ التواتر ,مع أنّه قد صرّح بتواتُره جمع(1).
الهامش:
(1) عبّر جمع عن هذا الحديث بأنه متواتر ,منهم السيد مجد الدين المؤيّدي من علماء الزيدية باليمن في التحف (?223) وعدّ ? الإمام القاسم بن محمد - من أئمّة الزيدية - من المتواتر , كما نقله السيد محمد بن الحسين الجلال في كتابه ( دليل البيان في جواز صوم يوم الثلاثين من شعبان ) المطبوع مع مسند شمس الأخبار (2/ 426 ) .
وقد جمع الإمام القاسم روايات حديث الثقلين في كتابه ( الاعتصام بحبل الله المتين ) (1/132-152) بطرق كثيرة ونقل في (?133) عن (الجامع الكافي ) للشريف العلوي قوله : هذا خبر مشهور تلقته الأمة من غير تواطؤ . ونقل في (?136) عن (حقائق المعرفة ) لأحمد بن سليمان قوله : والأمة مجمعة على صحة هذا الخبر , وكلّ فرقة من فرق الإسلام تتلقاه بالقبول . وانظر الثقلان للمظفر(?13) ? الأصول العامة (?164)والمراجعات , للسيد شرف الدين المراجعة رقم (8) .
==================?116
وتوضيح دلالة الحديث على حجيّة ? جماع أهل البيت عليهم السلام – يتوقّف على ما يلي من الأمور:
الأوّل : ? نّ الخطاب في الحديث موجّهٌ ? لى جميع الأمّة ,لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيه؛ أيّها الناس … وقوله؛ فيكم ,فيعمُّ من كان في عصر النبوّة من المشافهين بعد هم ,? ذلك :
1?- لأنّ الخطابات الشرعية والأحكام الدينية تعمّهم جميعاً ,وذلك ثابت في علم أصول الفقه .
2?- لأن الشريعة الإسلاميّة هي ناسخة الشرائع السماويّة ,ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خاتم الأنبياء ,فالناس ? لى يوم القيامة - مكلفون بما كلف به المخاطبون في عصره صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وهذا ثبت في موضعه من علم الكلام .
3?- تصريح الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في متن الحديث بعدم افتراق العترة عن الكتاب , ? لى يوم القيامة ,فجميع الناس في هذه الفترة ,داخلون في تعلق غرضه صلّى الله عليه وآله وسلّم من كلامه .
======================?117
الثاني : أن الحكم المذكور في الحديث ,والمسؤوليّة الملقاة على عاتق الأمّة تجاه الكتاب والعترة أهل البيت عليهم السلام ,إنّما هو حكم ? لزاميٌّ واجبٌ ,لا يجوز التخلّف عنه ,والتقصير فيه ,ويحرم تركه ,وذلك :
1?- لأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قد رتّب الهداية على اتّباع الكتاب والعترة ,ورتب الضلالة والهلاك على مخالفتهما ومفارقتهما .
ومن الواضح أنّ طلب الهداية واجب عينٌّي على كل مسلم ,كما أنّ اجتناب الضلالة والابتعاد عنها أمرٌ واجبٌ عيناً على المسلمين ,والمسلمون يطلبون الهداية والابتعاد عن الضلالة في كلّ يومٍ عشرة مرّاتٍ - على أقلّ تقديرٍ - في صلواتهم الخمس ,في قراءة سورة الفاتحة ,لقوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم , صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضو ? عليهم ? لا الضالّين( سورة الحمد (1) الآيات (6-7) .
ومن الواضح أيضا أنّه لا يمكن لأمرٍ ضروريٍّ مثل طلب الهداية وكذلك لأمر خطير مثل الابتعاد عن الضلالة أنْ يكون حكمهما الشرعيُّ الاستحباب أو التخيير ,بل لا بدّ أنْ يكون حكمهما اللزوم والإيجاب ,بحكم العقل وضرورة الشرع .
وإ ذا تمّ ذلك كان اتّباع أهل البيت عليهم السلام - المؤدي ? لى الهداية , والمبعد عن الضلالة _ بنصّ حديث الثقلين الشريف _واجباً ? لزاميّاً على الأمّة, وجوباً عقليّاً وشرعيّاً كما هو مسلّم عندهم من وجوب اتّباع القرآن الكريم.
========================?118
2?- لأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قد جهد في ? بلاغ هذا الحديث في ظروف حسّاسة _ مكانيّة وزمانيّة _ تكشف بلا ريب عن أهميّة ما تضمنه كلامه , بالإضافة ? لى تكرّر ذكره .
فمن حيث المكان ,قال ابن حجر المكي : اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرةً وردت عن نيف وعشرين صحابيّاً ,وفي بعض تلك الطرق : أنّه قال ذلك بعر فة ,وفي آخر: أنّه قاله بغدير خمٍّ ,وفي آخر : أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلات الحجرةُ بأصحابه ,وفي آخر: أنّه قاله لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف .
وأضاف ابن حجر : ولا تنافي ,? ذْ لا مانع أنّه كرّر عليهم في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة (1).
ويعلم من ذلك زمان صدور الحديث : وهو في أواخر أيام حياته صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وفي حجة الوداع ,وفي عرفة حيث اجتمع أكبر جمع من المسلمين في الموقف ,وفي أكبر اجتماع عقده في آخر حياته في يوم غدير خمٍّ وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة السنة العاشرة للهجرة ,حيث جمع الناس , سابقهم ولاحقهم ,على مفترق الطر ? قبل افتراقهم وتشتتهم ,وكان آخر لقائهم به حيث رجع ? لى المدينة وتوفّي بعد أشهر .
وعند مرض موته ,حيث يفضي المرءُ بأعزّ ما عند ? من أسرار ,ويوصي بألزم ما يراه من المهمّات .
الهامش:
(1) الصواعق المحرقة لابن حجر المكي (?89) وانظر مقال ( أهل البيت عليهم السلام في المكتبة العربية ) في مجلة ( تراثنا ) العدد (15) السنة الرابعة 1409 هـ .
=====================?119
ففي مثل هذه الأمكنة ,وهذه الأزمنة , يكرّر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وصيّته بالثقلين: الكتاب , ? العترة .
فهل يمكن أنْ يتصوّر أنّ كلّ ذلك كان لأمرٍ غير ضروريٍّ ولا واجبٍ على الأمّة ?
كلاّ .بل لم يكن كلّ ذلك الجهد الذي بذله الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إلا لإبلاغ أمر لازم ? واجبٍ , لا يجوز لأحدٍ التخلّف عنه .
الثالث: الحديث يدلّ على استمرار وجود أهل البيت عليهم السلام ? لى يوم القيامة ,مع القرآن ,حتّى يردا عليه الحوض :لإخباره بعدم افتراقهما .
الرابع : يدلّ الحديث على عصمة الثقلين المذكورين فيه :
أمّا القرآن فعصمته واضحة ,لأنّه الوحيُ الإلهي الذي ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ( سورة فصلت (41) الآية : 42.
وأمّا العترة أهل البيت ,فلما يلي :
1?- لأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أرجع الأمّة ? ليهم للبعد عن الضلالة والنجاة من الهلاك ,ومن الواضح أنّ غير المعصوم لا يؤمن على مثل هذه المهمة .
2?- لأنه جعلهم في الحديث عدلاً للقرآن ,? مؤدّين دوره ,? قائمين بأمره , والقرآن كما ذكرنا معصوم ,فهم كذلك ,? إلا لم يصحّ أنْ يجعلهم والقرآن بمنزلة واحدة .
=======================?120
الخامس : والحديث يدلّ على أعلميّة الثقلين من جميع الأمّة :
أمّا القرآن ,فواضح كذلك ,لأنه الكتاب الذي نزل ( تبياناً لكلّ شيء ( سورة النحل (16)الآية :89 .
وأمّا أهل البيت عليهم السلام ,فلما يأتي :
1?- لتصريح الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في متن الحديث بقوله؛ ولا تعلّموهم فإ نّهم أعلم منكم .
2?- لاقترانهم بالقرآن الذي عرفنا كونه الأعلم من الجميع ,وكونهم بديلاً عنه في مهمّة الهداية والبعد عن الضلالة .
3?- لإرجاع الأمّة ? ليهم مطلقاً ,ولو كان في الأمّة من هو أعلم من أهل البيت عليهم السلام ,لقبح إرجاعه ? ليهم .
4?- لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديث : ولا تقدموهم فتهلكوا ,حيث ? تّب الهلاك على التقدّم عليهم .
وليس المراد بالتقدّم عليهم في المكان والمسير ,وإ نّما المراد التقدّم عليهم بالحكم والرأي والإفتاء والتكلّم في أمور الدين والشريعة .
وهذا النهي مطلقٌ وعامٌّ لجميع أفراد الأمّة ,ولو لم يكن أهل البيت عليهم السلام أعلم من غيرهم لم يستحقّوا مثل هذا المقام ,ولم يحر ? على غيرهم التقدّم عليهم .
السادس: وأخيراً مَنْ هم أهل البيت عليهم السلام ?
====================?121
إ نّ المراد من أهل البيت المذكورين في الحديث لا بدّ أنْ يكون معيّناً ومشخصّاً ,بلا ترديد ,وذلك :
1?- لأن إرجاع الأمّة _في أمر مهمّ كالهداية _ ? لى أشخاص غير معينين ,هو من التكليف بما لا يطاق ,وتعليق على المجهول ,وهو أشبه بالإغراء بالجهل , وذلك كله خلاف الحكمة المعهودة في أحكم الناس وأعقل البشر هادي الأمة , المبعوث رحمةً لها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
2?- أنّ الجهل بالمراد من أهل البيت يؤدّي إلى قصور الحديث عن أداء الغرض المنشود منه ,وهو مناف لأهمّيّة الغرض المذكور الذي أثبتنا أنّه هو السبب في بذل أكبر الجهود لإبلاغ الحديث ,وبالتالي فيكون ذلك كلّه لغواً وعبثاً ,نربأ بالرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أنْ يتصدّى له.
فالغرض المقصود للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من جعل الثقلين خليفتين له في الأمّة هي الهداية والابتعاد عن الضلالة ,ومثل هذا المقام لا يقبل التسامح والتفريط فيه ,فلو ورد فيه نصٌّ فلا بدّ أنْ يكون واضحاً مضبوطاً ودقيقاً لا يدخله شكٌّ أو ريبٌ أو شبهة ,وإلا لانتقض الغرض .
3?- جعل أهل البيت قريناً للقرآن في نسق واحدٍ بعنوان الثقلين , يدلّ على أنّهما سواء في المعروفيّة والمحدوديّة بالتعيين ,فكما أنّ القرآن كتاب الله نصّ محدود مكتوب معروف , فكذلك يجب أن يكون المراد من أهل البيت .
=================?122
4?- لم ينقل من أحدٍ أنْ عدّ حديث الثقلين من الأحاديث المجملة ,إذ ليس فيه من المفردات ما يعدّ من الغريب المشكل ,ولا يحتوي كذلك على جملة معقّدة غامضة ,فلا بدّ أنْ يكون المراد من أهل البيت _ الوارد في الحديث بعنوان الثقل الآخر , القرين للقرآن _ واضحا معيّناً عند السامعين والرواة الناقلين الأوائل على الأقل (1).
الهامش:
(1)حديث كتاب الله وسنتي
اعلم أن بعض العامة حاول الردّ على الاستدلال بحديث الثقلين المذكور بدعوى وروده بلفظ آخر هو ( كتاب الله وسنتي) من دون ذكر العترة فيه , ولكن حديث التمسك بالكتاب والسنّة قد تتبعنا ? في المصادر للوقوف عليه, فكانت الحصيلة أنه قد ورد : 1 - مر سلا :
1- في ما رواه مالك , بلفظ : ? أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم , قال : تركت فيكم أمرين : لن تضلّوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله وسنّة نبيّه . في ( الموطّأ ) كتاب القدر, الباب (1) : النهي عن القدر , الحديث (3 ) . ( ? 2 ?899) جامع الاصول (1/277).
ورد هكذا بلاغاً , وهو منقطع (والبلاغات ليست حجّة كما ثبت في محله من علوم الحديث )
كما أن كلمة (سنة نبيه ) لا يمكن أن يكون من لفظ رسول الله , فهو منقول بالمعنى .
2- ورواه ابن هشام مرسلا في السيرة ( 2/6 ) من خطبة النبي صلى الله عليه وآله يوم عرفة .
3? - أرسله - أيضا - ابن خلدون .
ومن المعلوم أن المرسلات لا حجية لها
2 - مسندا :
1? - رواه الحاكم في ( المستدرك على الصحيحين : 1/93 ) عن ابن عباس , برجال فيهم كلام,منهم إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه , ضعفهما ابن معين كما في تهذيب الكمال (3/ 127 ) والابن ضعيف النسائي فلاحظ مقدمة فتح الباري (391 ) والجرح والتعديل (5/ 92) وبعد أن ذكر احتجاج البخاري ومسلم ببعض رجاله , قال : وهذا الحديث لخطبة النبي صلى الله عليه وآله متفق على إخراجه في الصحيح [ بلا ذكر للسنة ] وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة [ في هذا الحديث ] غريب .
أقول : بل الخطبة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم عرفة محتوية في كافة المصادر على ذكر الثقلين : الكتاب والعترة , فانفراد هذا السند , بذكر السنة بدل العترة , معار ? , مع أن هذا السند لا يخلو من كلام , فلذا لم يصرح الحاكم ولا الذهبي بصحته وإنما حاولا تقويته بشاهد آخر , وبأن للخطبة أصلا صحيحا ! !وقد نقل الشيخ عبد الخالق هذا الحديث في ( حجية السنة ?281?134 ) من دون إشارة إلى تأمّل الحاكم في متنه ولا سنده ! ?
2?-ورواه الحاكم في المستدرك ( 1/39 ) عن أبي هريرة بسند فيه صالح بن موسى الطلحي تكلموا فيه كما في تهذيب الكمال (13/ 96) وقال الذهبي في حديثه هذا أنه منكر ,جاؤوا به شاهدا على الحديث الأول , ولم يصرحا بصحته ,ولفظه :إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما أبدا : كتاب الله وسنتي. وعزاه السيوطي في الجامع الكبير رقم (8236? 1 ? 24) إلى البيهقي في السنن الكبرى ( 10/ 114) بلفظ : إني قد خلّفت… ونقله في ( حجيّة السنّة ( ? 314) عن البيهقي في المدخل , باللفظ الأول .ورواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (1/ 166) ونقله الهندي في كنز العمال (1/ )عن الحاكم في المستدرك وعن أبي بكر الشافعي في الغيلانيات وعن البيهقي وعن أبي نصر السجزي في الابانة ونقل عن هذا الاخير أنه قال : غريبٌ جدّاً !!!
أقول : لكن الذي رواه البز ار عن أبي هريرة , وبنفس السند الذي أورده الحاكم , كما جاء في ( كشف الأستار عن زوائد البز ار ) كتاب علامات النبو ? , باب مناقب أهل البيت , ما نصّه : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ? ني قد خلّفت فيكم اثنين لن تضلوا بعدهما أبدا : كتاب الله ونسبي, ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض . قال البز ار : لا نعلمه ? روى عن أبي هريرة الإ بهذا الاسناد , وصالح
لين الحديث . كشف الاستار ( ? 3 ?223 ) رقم (2617 ) …………
4?- رواه القاضي عياض اليحصبي في الالماع( ? 8-9) بسند إلى أبي سعيد الخدري فيه سيف بن عمر الضعيف المتروك قالوا فيه : يضع الحديث يروي الموضوعات عن الاثبات اتهم بالزندقة لاحضي تهذيب التهذيب ( 4/ 259) وفي السند ضعفاء آخرون
5?- ورواه ابن عبد البر عن عوف بسند فيه كثير بن عبد الله بن عوف هذا , ووصل بهذا السند ما في الموطأ حسب رأيه ولفظه موافق لما في الموطأ فيرد عليه ما فيه من العلة التي ذكرناها وفي سنده :كثير قالوا فيه : احد الكذابين , ليس بثقة , ضعيف مجمع على ضعفه ,والنسخة التي يروي أحاديثها عن جده فيها مناكير , لاحظ تهذيب التهذيب ( 8/ 377)
ومن مجموع ما أوردنا ظهر أن لفظ (( كتاب الله وسنتي )) لم يرد من وجه صحيح حجة , فطرقه بين مرسل , ومخدوش السند , ومتنه اما معلول او مصحف , مع أنه على كل حال خبر واحد لا يعار ? به حديث الثقلين : ( الكتاب والعترة ) المشهور - إن لم يكن متواترا - والتي وردت به كتب الصحاح والمسانيد والسنن , مع خلو ? عن أية علة قادحة في الاحتجاج به .
هذا , ولو فرض صحة حديث : كتاب الله وسنتي , فهو لا ينافي حديث كتاب الله وعترتي , ولا يؤد ? إلى الإعراض عنه وذلك :
اولا : لأن الالتزام بالسنة يتبعه الالتزام بالعترة , لكثرة الأحاديث النبوية الشريفة , وتواترها , الدالة على لزوم اتباع أهل البيت عليه السلام والتمسّك بالعترة .فليست السنة مستبعدة للعترة , كما أن أهل البيت لا يبعدون عن السنة , إذ في بيوتهم نبعت وانتشرت , فهم أدرى بها , إذ هي منهم .
وثانيا : إن الجمع بين الحديثين ممكن , فتكون الا مور المرجوع إليها ثلاثة عملا بالحديثين جميعا , كما قال ابن حجر الهيتمي : إن الحث وقع على التمسك بالكتاب , وبالسنة , وبالعلماء بهما من أهل البيت , ويستفاد من مجموع ذلك , بقاء الا مور الثلاثة إلى قيام الساعة . الصواعق المحرقة ( ? 98 ) .
وثالثا : مع أن السنة قد يستغنى عن ذكرها , لانها مبيّنة للكتاب ? فأغنى ذكره عن ذكرها « كما ذكر ذلك ابن حجر في الصواعق ( ? 98 ) .ولكن العترة لا يستغنى عنهم بحال , لأن الكتاب وهو نص مكتوب والسنة كذلك , او هي كلام منقول , وإن ما هما بحاجة إلى من يؤد ? عنهما , ويوضّحهما , فهما صامتان , وأئمة أهل البيت عليهم السلام هم الناطقون عنهما , كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام , وهو يتحدث عن القرآن : النور المقتدى به , ذلك القرآن , فاستنطقوه , ولن ينطق , ولكن اخبركم عنه , ألا إن فيه علم ما يأتي , والحديث عن الماضي , ودواء دائكم , ونظم ما بينكم … « نهج البلاغة , الخطبة ( 180 ) .ورابعاً : إن المحجوج بحديث : الكتاب والسنة , إنما هو من ? عم عدم حجية السنة, والاكتفاء بالقرآن , وهو من أعلن عن مقولة ? حسبنا كتاب الله « وهو غير أتباع أهل البيت عليهم السلام . .======================?125
فمن هم أهل البيت ?
نقول : وبالرغم ممّا ذكرنا ,فقد أثيرت الشبه حول المراد من أهل البيت في الحديث ,ومهما توسّعوا في تعميم المراد منه ,فإنّ من المتّفق عليه أنّ آل محمّد وذر يته وعترته ونسله وهم : بنو عليّ والزهراء , الحسن ? الحسين سبطا رسول الله وذريتهما من العلويّين الأبرار داخلون في عنوان ( أهل البيت ) قطعاً .
وإ نّما البحث في دخول غيرهم ,فهو بحاجة ? لى دليلٍ ,أمّا دخول هؤلاء السادة الأشراف فمتّفق عليه بين كلّ العلماء على اختلاف المذاهب والآراء .
وليس - بين الأمّة - من يقول بخروج آل محمد العلويين الأشراف من المراد باسم اهل البيت ,ودخول غيرهم فقطْ ,وإنّما دخولهم قطعيٌّ ,ودخول غيرهم هو المشكوك فيه .
ونعتقد - نحن الشيعة الإماميّة - بأنّ المراد من أهل البيت ,في حديث الثقلين هم الأئمة الإثنا عشر خاصّة ,وذلك :
1?-أنّ آل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم لو صدق على أحدٍ ,
[ نهاية الصفحة 125]
===========?126
فهو صادق على عليّ وابنيه الحسن والحسين بطريق أولى،
ومن ثمّ لم يدّع أحد عدم صدقه عليهم ,والالتزام بصدقه على غيرهم ?مع أنّ العكس حاصل ?حيث إنّ جمعاً من الأُمّة يقولون بانحصار العنوان بهم دون غيرهم، فهم محلّ اتّفاق الجميع على كونهم من أهل البيت ,فيشملهم الحديث قطعاً.
وقد حصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إطلاق اسم أهل البيت على الخمسة الطاهرين :نفسه المقدّسة ?و ابنته الزهراء فاطمة ?و عليّ أمير المؤمنين ?و سبطيه الحسن والحسين ?في حديث الكساء ? لمّا جلّلهم به، ونزلت آية التطهير قوله تعالى:( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) سورة الأحزاب (33) الآَية33 فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : اللهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً (1).
فقد أكّدت المصادر الحديثية والتفسيرية على نزولها فيهم خاصّة،
الهامش:
لقد جمعنا مصادر حديث الكساء ?ونزول آية التطهير في الخمسة الطاهرين سلام الله عليهم،في تخريجات ( تفسير الحبريّ ) الذي حقّقناه، فلاحظ تخريج الأحاديث (50-59) ? (503- 522).
وقد حصر فيها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم المراد بأهل البيت بنفسه المقدسة وعليّ وفاطمة الزهراء والحسنين ?بتحويل الكساء عليهم وإخراج غيرهم، وصرّح بذلك بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : نزلتْ [ آية التطهير] فيّ وفي عليّ وفاطمة والحسن والحسين. كما في حديث أبي سعيد الخُدري ?المروي في تفسير الطبري (22/ 5) ورواه في مجمع الزوائد (9/ 167-168) عن البزّار ?و الطبراني في الأوسط
==============?127
وتضمّنت بعض النصوص إخراج غيرهم حتّى اُمّ سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وقد نصّ الإمام الحسين عليه السلام على ولده علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام أنّه الإمام من بعده،وكلّ إمام نصّ على الإمام الذي يليه، إلى الإمام الثاني عشر المهدي عليه السلام .
والنصوص على الأئمّة عليهم السلام في مصادرنا الحديثية متضافرة بما لم يبق معها مجال للريب (1).
وجهل غير الشيعة بتلك النصوص لايضرّ بحجيّتها،وذلك:
أوّلا: لو كان جهل كلّ طائفة بما عند الأُخرى من تاريخ وحديث وغير ذلك، دليلاً، واستندوا إلى هذا الجهل،لما كان لأحدٍ الاعتماد على ما عنده،بل الحجّة إنّما تتمّ بما يعرض من الأدلّة حسب الموازين العامّة المقرّرة للاستدلال، وإقامة الحجّة، وعلم الشيعة بتلك النصوص ثابتٌ ? والجاهل لابدّ له أن يرجع إلى العالم , فإن من يعلم حجة على من لا يعلم .
وثانياً: إنّ تلك النصوص إنّما ثبتت بطرق الرواة الثقات المعترف بوثاقتهم وحجّيتهم عند العامّة أيضاً، وإن قدحوا فيهم فإنّما هو للتطرّف المذهبي، والعصبيّة الطائفية، ومن المعلوم أنّ الملاك في حجيّة الرواية هي الوثاقة والاطمئنان بالصدور، لا القدح على أساس سوء الظنّ والتهم. والحاصل أنّ ضمّ المقدّمة الأُولى، وهي قطعيّة صدق أهل البيت على عليّ أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام , إلى المقدّمة الثانية
الهامش:
(1) أجمع مصدر لذلك كتاب (إثبات الهداة) للشيخ الحرّ العاملي المطبوع حديثا.
===================?128
وهي نصّ كلّ إمام من الأئمّة الاثني عشر على الإمام الذي يليه، تثبت النتيجة التالية : أنّ أهل البيت الذين نصبهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم خلفاً له من بعده، ? جعلهم قرناء للكتاب إلى يوم القيامة ? إنّما هم الأئمّة الاثنا عشر عليهم السلام.
2 ? النصوص النبويّة الدالّة على أنّ الأئمّة بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّما هم اثنا عشر خليفة :
منها أن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: لا يزال الدين
قائماً حتّى تقوم الساعة ?أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة ?كلّهم من قريش.
وقد أخرجه أعلام السنّة عن عبد الله بن مسعود ? عبد الله بن عمر ? وأكثر طرقه عن جابر بن سمرة ,ورواه من الأعلام : أحمد ? ? البخاري ? ? مسلم ?و الترمذي ?و أبو داود ? ? البيهقي ?و الحاكم النيسابوري ?و الخطيب البغدادي ?وغيرهم(1).
الهامش:
مصادر حديث اثنا عشر خليفة:
صحيح البخاري (9/ 101) كتاب (23) الأحكام، باب (51) الاستخلاف ,وصحيح مسلم (3/ 1451) كتاب الإمارة ? باب (1) الناس تبع لقريش ,وصحيح الترمذي (2/ 45) ? الهند1342? باب ما جاء في الخلفاء ,ودلائل النبوّة للبيهقي (6/ 519- 520) والمستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 618) كتاب معرفة الصحابة ?و مسند أحمد (1/ 398) ? (5/ 86?89- 101?106-108) في مسند جابر بن سمرة . وانظر (5/ 294) من طبع أحمد شاكر رقم 3781 .
وأخرجه من الجامعين للحديث: تيسير الوصول لابن الديبع (2/34) ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد (5/ 312) وتاريخ الخلفاء للسيوطي (?7) وتاريخ بغداد للخطيب (2/ 126) واقرأ مفصلا عنه في (الخلفاء الاثنا عشر) للبحراني،وقد جمع الحافظ ابن حجر طرقه في كتاب ( لذّة العيش بجمع طرق حديث الأئمّة من قريش ) فلاحظ كشف الظنون (1548).
=================?129
وهذا عدا من رواه في طرق الشيعة من الصحابة ?ومن أورده من مؤلّفيهم (1).
وقد اختلف أهل المذاهب في تفسير المراد بالاثني عشر، وطبّقه كلّ على من يراه مناسباً للخلافة من الخلفاء، وسكت بعضهم عن التدخّل في تفسيره،لكن أحداً منهم لم يوفّق إلى تفسيره بما لا يرد عليه شيء
قال ابن الجوزي: قد أطلتُ البحث عن معنى هذا الحديث ? تطلّبتُ مظانّه، وسألتُ عنه ? فلم أقعْ على المقصود (2).
وأمّا القول بأنّ هذا الحديث مجملٌ غير مبيّن ? فباطل ? وذلك :
1?- لأنّ موضوع الحديث وهو الإمامة والخلافة عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم منصبٌ مهمّ جدّاً لا يتحمّل التسامح فيه بإيراد نصّ مجمل لا يُفهم منه شيء ?و إلاّ،فمن الممكن أن يقال:ما فائدة هذا الكلام ? ولماذا يتصدّى الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى إلقائه ? إذا لم يكن له معنىً مفهوم ! أو ثمرةٌ بيّنة !.
وقد حكم الرازي بأنه لا يجوز تعطيل النصّ من المعنى (3).
الهامش:
(1) لاحظ غاية المرام (?211-235) وإثبات الهداة (1/ 496-500).
نقله في أضواء على السنّة (?235) عن كتاب (كشف المشكل) لابن الجوزي وانظر فتح الباري (13/ 180- 181).
التفسير الكبير للرازي (1/ 197 )
====================?130
2?- لأنّ هذا الحديث لا يحتوي على لفظة مفردة غريبة توجب الإجمال في معنى الكلام،وليست الجملة بكاملها معقّدة حتّى يتوقّف في فهم المراد منها,بل ? على العكس ? فإنّ المراد والمدلول واضح جدّاً، يقول: إنّ الخلفاء الذين يلون أمر إمامة الإسلام هم اثنا عشر، في الفترة بين وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم وحتّى يوم القيامة. وإذا لم ينطبق هذا المدلول الثابت الحقّ ? إلاّ على ما يقوله الشيعة الإمامية ? وكان الأئمّة الاثنا عشر من أهل البيت هم الذين يصدق
فيهم حديث الثقلين ?فأيُّ مانع من الالتزام بأنّهم المقصودون بحديث الأئمّة (الاثني عشر) من قريش ? ما دام هذا الالتزام يؤدّي إلى العمل بكلّ ما قاله الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم،وعدم نسبة الإجمال إليه ?!
مضافا إلى أنّ أيّاّ من المذاهب لم يقدّم اعتقادا في أناس تنطبق عليهم الصفات المذكورة في حديث الثقلين ?وينطبق عليهم العدد المذكور في حديث الخلفاء الاثني عشر.
3?- مع أنّ هؤلاء الأئمّة الاثني عشر قد جمعوا إلى كرم النسب شرف الحسب ?وحازوا قصب السبق في كلّ فضيلة،وجمعوا طارف المجد وتليده ,فهم بين الأُمّة كالنجوم السواطع،اعترف بفضلهم كلّ عدوٍّ وصديق، وأذعن لعلمهم كلّ عالم ضليع ? وأقرّ بمجدهم وسؤددهم الأوّلون والآخرون.
=======================?131
فهذا الذهبي ? وهو من كبار مؤرّخي تاريخ الإسلام، ومترجمي الأعلام ? نراه يترجم للإمام المنتظر المهدي عليه السلام، فيقول: ? خاتمة الاثني عشر سيّداً الذين تدّعي الإماميّة عصمتهم ...
ومحمّدٌ هذا هو الذي يزعمون أنّه الخَلَف الحجّة، وأنّه صاحب الزمان، ...? وأنّه حيٌّ ,لا يموت حتّى يخرج فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلماً وجوراً.
فوددنا ذلك، والله .
فمولانا عليٌّ من الخلفاء الراشدين .
وابناه الحسن والحسين ? فسبطا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سيّدا شباب أهل الجنّة ?لو استخلفا لكانا أهلاً لذلك.
وزين العابدين كبير القدر، ومن سادة العلماء العاملين، يصلح
للإمامة !
وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر سيّد , إمام , فقيه ? يصلح للخلافة !
وكذا ولده جعفر الصادق كبير الشأن ? من أئمّة العلم ? كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور.
وكان ولده موسى كبير القدر ? جيّد العلم ? وأولى بالخلافة من هارون .
وابنه عليّ بن موسى الرضا كبير الشأن ? له علم ? بيان ? ووقع في النفوس ? صيّره المأمون وليّ عهده ? لجلالته .
=================?132
وابنه محمّد الجواد من سادة قومه .
وكذلك ولده الملقّب بالهادي شريف ? جليل .
وكذلك ابنه الحسن بن علي العسكري
رحمهم الله تعالى (1).
فلو لزم اتّباع أحد لكانوا هم الأوْلَوْنَ ? ولو استحقّ غيرهم شيئاً فهم الأحْرَوْنَ .
فبهم يحصل الحقّ اليقين ? وبدونهم يشكّ في تحقّق المراد من حديث الثقلين ? وبالالتزام بهم يتمّ الاحتياط ? وبالإعراض عنهم يخشى التفريط والإفراط .
ولو أعرضنا عن هذه الأدلّة القاطعة، وقلنا بأنّ أهل البيت في حديث الثقلين لا يختصّ بالأئمّة الاثني عشر، ولا بالعترة ? فلا ريب في أنّ العترة هم ضمن المقصودين، كما لا ريب في أنّ إجماعهم على شيء يقدّم على إجماع غيرهم على خلافه، ومخالفتهم لغيرهم تزعزع كيان مخالفهم.
وتدوين الحديث ممّا قد اتّفق جميع أهل البيت على إباحته وجوازه، وعدم منعه، ولم أعرف في ذلك منهم مخالفا، فهم في
جواز التدوين على منهاج واحد.
وقد عقدنا هذا الفصل لإثبات التزامهم بالتدوين عملا وقولا، بل رأيهم في التدوين أدلّ دليل على استحقاقهم لما قلنا فيهم، من أنّ
أحكامهم موافقة لنصوص القرآن الكريم،وآراؤهم أوفق بمسلّمات الأذواق السليمة ?ومقبولات العقل والأعراف الحكيمة.
الهامش:
(1) سير أعلام النبلاء، للذهبي(13/ 119-121).
==================?133
فقد أباحوه حيث منعه المانعون، وحثّوا عليه الاُمّة بمختلف الأساليب والوسائل فنشروه عندما منعه غيرهم، ولم يتردّدوا في ذلك طرفة عين، ودأبوا على أدائه وتبليغه، منذ عهد الرسالة المبكّر، فضبطوه في مؤلّفاتهم،و سعوا في حفظه وأودعوه كلّ ثقة أمين ? ولذلك حفظ الحديث الشريف عندهم ? وعند أصحابهم وأتباعهم
ـ مسجّلاً ? مكتوباً ? محفوظاً من الدسّ والتزوير ? التحريف ? التصحيف (1) .
في الوقت الذي كان الحديث الشريف معرّضاً لمنع المانعين كما سنذكره في القسم الثاني من هذه الدراسة (2).
وكذلك قاوموا عملية منع التدوين ? فأبطلوا حجج المانعين ودفعوها ? وألّفوا كلّ ما في وسعهم من الحديث الشريف في الكتب الجامعة ? والصحف الواسعة ? فتداولوها ? ? تناقلوها .
وبذلك ظهر الحقّ الذي أنبأ عنه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في حديث الثقلين.
وقد ذكر العلاّمة الطهراني ? في تعليق له على الحديث المسند إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ? المرفوع بطريق الصادق عن آبائه :
الهامش:
(1)لقد عزمتُ على جمع ما اُثر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في التأكيد على جمع الحديث والمحافظة عليه ? والخطوط التي
رسموها لذلك ممّا يعتبر أساساً لعلوم الدراية والرواية والرجال ? في كتاب مستقل ? أعاننا الله على إتمامه.
(2) ?
================?134
والذي أوردناه في الفصل الثاني من هذا القسم برقم (34) الدالّ على الإيمان بسواد على بياضٍ، ما نصّه:
حيث أنّ الرواية هي عن الصادق عن آبائه عليهم السلام فمضمونها ? في الحقيقة ? صادرٌ عنهم جميعهم ? فإنّهم رووها عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في مقام إثبات مضمونها.
وقال: أمّا حثّ الأئمّة عليهم السلام على الكتابة ? لئلاّ يضيع من أصلاب الرجال ? لأنه يجيء على الناس زمانٌ هرجٌ لا ملجأ للناس إلاّ كتبهم ? ممّا لا يخفى على من له أدنى خبرة.
وقال ? أيضا ? وكذا اهتمام أصحاب الأئمّة عليهم السلام في الضبط والتدوين ? وأنّهم كانوا يكتبونها في مجالس الأئمّة بأمرهم ? وربما كتبها لهم الأئمّة عليهم السلام بخطوطهم الشريفة (1).
ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (الشهيد عام 40هـ ) كان الإمام عليه السلام في طليعة المبيحين للتدوين (2).
وقد علمنا أنّه كتب بخطّه بإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كتابه الكبير، الذي تحدّثنا عنه بتفصيل في الفصل الثاني من هذا القسم (3).
الهامش:
محجّة العلماء، للطهراني (?2 ? 253).
(2) الإلماع (?147) وعلوم الحديث لابن الصلاح (?181) وتدريب الراوي (?285) وانظر: معالم العلماء، لابن شهر آشوب (?2) ومؤلفو الشيعة في صدر الإسلام لشرف الدين (?13) ولاحظ دفاع أبي هريرة(?71).
(3) لاحظ (?62) رقم2 كتاب علي عليه السلام.
==================?135
وقد قيل في ذلك الكتاب إنّه أوّل كتاب في الإسلام (1).
كما روى الإمام عليه السلام كثيرا من النصوص المرفوعة ?الدالة على إباحة التدوين ? وقد سبقت كذلك.
لكن الإمام عليه السلام قد أظهر التزامه بإباحة التدوين ? بالقول
والفعل ? وتضافرت النصوص الموقوفة عليه في ذلك ? وسنذكرها في مجموعتين:
1? في مجال التصنيف والتأليف.
2? في مجال الروايات الموقوفة عليه .
أوّلاً: في مجال التصنيف:
قد مرّ في الفصل الثاني ذكر كتاب علي عليه السلام الذي كتبه الإمام عليه السلام بخطّه بإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . وإنّما لم نعدّه مؤلّفا للإمام، لأنّه كما تدلّ عليه نصوصه ورواياته، قد كُتِب بأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وبإرادته وبإشراف تامّ منه عليه، ومثل هذا إنما ينسب إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ? لأنّ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لا يقوم فيه إلاّ بدور الكاتب الذي يُملى عليه فيكتب.
وتدلّ النصوص على أنّ الإمام عليه السلام قد ألّف كتبا كثيرة:
الهامش:
(1) انظر الذريعة للطهراني (2/ 306).
======================?136
روى البحراني بسنده عن عبد الملك بن أعين ? قال: أراني أبو جعفر عليه السلام بعض كتب عليّ عليه السلام ? ثمّ قال لي:لأيّ شيءٍ كتب هذا الكتاب ? قلت: ما أبين الرأي فيها !.
قال: هات . قلت: عَلِم أنّ قائمكم يقوم يوما فأحبّ أن يعمل بما فيها.
قال: صدقت (1).
وروى الرازي عن شعبة (?160هـ):أنّ روايتي التابعيّين : عامر الشعبي عن عليّ ? وعطاء بن أبي رباح عن عليّ , إنّما هي من كتاب (2).
وقال: كان عند أبي هارون العبدي (?134هـ) كتاب في علي عليه السلام (3).
وقال أحمد: خلاس بن عمرو البحري ? روايته عن عليّ عليه السلام من كتاب ? ويقال: وقعت عنده صحفٌ عن عليّ عليه السلام (4). وقال الدارقطني : قالوا: هو صحُفُي (5).
وأمّا الكتب المنسوبة إليه عليه السلام بعناوينها الخاصّة، فهي:
الهامش:
(1) عوالم العلوم والمعارف، للبحراني، مخطوط.
(2) الجرح والتعديل، التقدمة، لابن أبي حاتم (1/ 130).
(3) المصدر السابق (1/ 149) وأحتمل أنّ (في علي) مصحّفة من (عن علي) فلاحظ.
(4) المراسيل للرازي (?41) والتاريخ الكبير للبخاري (2/ ?1/ 228).
(5)سؤالات الحاكم للدارقطني (?203) رقم (314) والمراسيل للرازي (?41) وجامع التحصيل للعلائي (?173) رقم (175).
=============?137
1 ? كتابٌ في علوم القرآن:
أملاه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ? فذكر فيه ستّين نوعاً من أنواع علوم القرآن ? رواه الحافظ أبو العبّاس ?أحمد بن محمّد بن سعيد ? ابن عقدة الكوفي(? 333هـ) بسنده عن الإمام جعفر الصادق
عليه السلام (1).
ورواه جمع من كبار الطائفة فنسب إليهم:
منهم المحدّث أبو القاسم سعد بن عبدالله بن أبي خلف الأشعري
القمي (?299 _ أو _301هـ) بعنوان (تفسير سعد) ? (ناسخ القرآن ومنسوخه)(2).
منهم المحدّث محمّد بن إبراهيم بن أبي زينب الكاتب البغدادي صاحب الغيبة , تلميذ الكليني ? فقد نسب إليه بعنوان (تفسير النعماني )(3).
ومنهم السيّد الشريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي (?346هـ) فقد نُسب إليه باسم (المحكم والمتشابه في القرآن)(4). وقد أورد المحدّث المجلسي نصّه الكامل في كتاب (بحار الأنوار)(5)
الهامش :
(1) لاحظ أعيان الشيعة (?1 ?1 ?321) وبحار الأنوار (93/ 3).
(2) رجال النجاشي (?177) رقم (467) والذريعة (24/ 8) ولاحظ (4/ 276) وبحار الأنوار (1/ 15?32) ? ( 92/ 40?66) ?(84/ 382).
(3) بحار الأنوار (93/ 3) ومستدرك الوسائل (3/ 365).
(4) الذريعة (20/ 154-155) وقد طبع بهذا العنوان أيضاً.
(5) راجع بحار الأنوار ? الطبعة الحديثة ? (93/ 1- 97) ولاحظ (84/ 71-72) وأعيان الشيعة (?1 ?1/ 318) وتأسيس الشيعة، للصدر (?318).
===================?138
2 ? كتاب السنن والقضايا والأحكام:
كتاب كبير حوى أبواب العلم، وفقه الشريعة المقدّسة، ومنها ما قضى به الإمام عليه السلام في الحوادث الخاصّة، وكما يبدو من اسمه فإنّ فيه السنن والآَداب الشرعيّة، والعبادات من الطهارة ? الصلاة ? الصوم ? الحجّ ? الزكاة ? ? الأقضية ? ? الحدود ? ? الديات ? وأبواب المعاملات من البيوع ? ? غيرها.
وقد روى هذا الكتاب جمعٌ من أصحاب الإمام عليه السلام ? تارةً بعنوانه العامّ، ? اُخرى بعنوان باب من أبوابه (1).
ونورد هنا قائمة بأسماء من رواه ?أو روى قسماً منه، مع ذكر كتبهم ومحلّ رواياتهم:
1 ? عمر ابن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ? روى عن أبيه هذا الكتاب كاملاً (2).
2 ? أبو رافع مولى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وصاحب بيت مال الإمام عليه السلام , روى الكتاب عن أمير المؤمنين عليه السلام كاملاً (3) ,
الهامش:
(1) لاحظ مؤلّفو الشيعة في الإسلام لشرف الدين (?18) وأعيان الشيعة (?1 ?1/ 404) وانظر ترجمة الجلودي في رجال النجاشي (?241) رقم (640).
(2)انظر رجال النجاشي (?7) ذيل الرقم (2).
(3) رجال النجاشي (?6) الرقم (1) وتأسيس الشيعة (?280) وتاريخ بغداد (8/ 449).
==================?139
ورواه عنه ابناه :
عبيد الله بن أبي رافع ?كاتب الإمام عليه السلام : روى الكتاب عن أبيه عن الإمام عليه السلام ? كما يظهر من ترجمة
أبيه وغيره(1).
وعليّ بن أبي رافع ?كاتب الإمام عليه السلام : روى الكتاب عن أبيه كاملاً (2).
3 ? ربيعة بن سميع: روى قسم الزكاة عن أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب كتبه له بخطّه لمّا بعثه على الصدقات (3).
4 ? محمّد بن قيس البجلي: روى قسم القضايا، وقد عرض كتابه على الباقر عليه السلام ? فصدّق أنّه كتاب أمير المؤمنين عليه السلام (4).
وروى ابنه عبيد كتاباً عن أبيه فيه حديث قول عليّ عليه السلام في أوّل صلاته , وقد عرض على الباقر عليه السلام أيضاّ , فلاحظ (5).
الهامش :
(1) لاحظ رجال النجاشي (?6) الرقم (1) ? (?7) الرقم (2) ومعرفة علوم الحديث للحاكم (?118).
(2) رجال النجاشي (?6) رقم (2).
(3) رجال النجاشي (?7 ? 8) رقم (3) وانظر الكافي (كتاب الزكاة باب أدب التصدّق) (3/539) وفيه ( زمعة بن سبيع ) وهو تصحيف ? وانظر الجامع في الرجال للزنجاني (1/ 770).
(4) تأسيس الشيعة (?284) وانظر رجال النجاشي (?323) رقم (881).
(5) الفهرست للطوسي (?134) رقم 471ترجمة عبيد بن محمد قيس .
==================?140
5 ? يعلى بن مرّة الثقفي:
له نسخة عن الإمام عليه السلام (1).
6 ? الحارث بن عبد الله ? الأعور ? الهمداني , روى الكتاب كاملاً عن أمير المؤمنين عليه السلام (2).
7 ? الأصبغ بن نُباتة المجاشعي (3) روى قسم القضاء عن الإمام عليّ عليه السلام ? وهو موجود برواية إبراهيم بن هاشم القمّي ? ومنه نسخة في مكتبة جامعة طهران برقم (3915) تاريخها سنة (1064هـ) ? ونسخة في تركيا مكتبة حميديّة رقم (1447) من 149 ? ? 153 ? باسم (أقضية أمير المؤمنين عليه السلام ).
وكانت عند السيد محسن الأمين العاملي صاحب أعيان الشيعة نسخة ثمينة من هذا الكتاب ضمن مجموعة عليها تواريخ سنة(410?420 ) باسم (عجائب أحكام أمير المؤمنين عليه السلام ومسائله) أدرجها في كتاب ألّفه باسم (عجائب أحكام وقضايا ومسائل أمير المؤمنين عليه السلام ) وطبعه في مطبعة الإتقان بدمشق عام 1366هـ واُعيد طبعه بالأُوفست بطهران (1هـ) ضمن سلسلة (إحياء تراث أهل البيت عليهم السلام ) بتقديم السيد محمّد حسين الحسيني الجلالي.
الهامش :
(1) رجال النجاشي (?286) رقم (762) ترجمة (عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة)? تأسيس الشيعة (?284).
(2) رجال النجاشي (?7) ذيل الرقم (2) وانظر الفهرست للطوسي (?62) رقم (119).
(3) رجال النجاشي (?8) رقم (5).
===========================?141
8 ? عبد الله بن عبّاس : كان يتّخذ صحفا فيها قضاء علي عليه السلام (1).
9 ? ميثم بن يحيى التمّار : له كتاب، كان متداولاً حتّى القرن السابع
الهجري، حيث نقل عنه مباشرةً الطبري صاحب كتاب ( بشارة المصطفى )(2).
10? عبيد الله بن الحرّ الكوفي ? الشاعر ? الجعفي : روى عن الإمام عليه السلام نسخة (3).
11? ومن أجزاء هذا الكتاب هو (كتاب الديّات) الذي اشتهر باسم
راويه ظريف بن ناصح (4) فقد عرضه الرواة على الأئمّة جعفر الصادق ? وموسى الكاظم ? وعليّ الرضا عليهم السلام ? فأقرّوا
أنّه من إملاء إمام أمير المؤمنين عليه السلام ? وأنّه كتبه لعمّاله وأُمراء أجناده (5) .
ونصّه الكامل موجود:
فرّقه الكليني في جامعه ( الكافي ) وسمّاه ( كتاب الفرائض عن عليّ عليه السلام )(6).
وأورده بتمامه الشيخ الصدوق، في ( كتاب الفقيه ) (7).
الهامش:
(1) تقييد العلم للخطيب ? التصدير (?19) وتوجيه النظر (?8) مقدمة صحيح مسلم (1/ 14).
(2) لاحظ تأسيس الشيعة (?283).
(3) رجال النجاشي (?9) الرقم (6).
(4) رجال النجاشي (?209) رقم (553) والذريعة (2/ 159- 161) بعنوان ( أصل ظريف ).
(5) انظر الجامع للشرائع (?608) والكافي للكليني (7/330) ? (2/ 363).
(6) الكافي (7/ 330- 363).
(7) من لا يحضره الفقيه (4/54-66) وهو تمام الباب (18) ديّة جوارح الإنسان.
==========================?142
كما أورده كاملاً الفقيه ابن سعيد الحلي في ( الجامع ) وطرّق إليه طرقا عديدةً (1).
وقد طُبِع هذا الكتاب باسم( أصل ظريف ) في ( الأُصول الستّة عشر ) (2) .
والذي يظهر من المصادر أنّ كلا من هؤلاء الرواة قد ألّف ما يخصّه، وجمع روايات كتابه عن الإمام عليه السلام ? إلاّ أنّا نعتقد بأنّ الكتاب ليس إلاّ مجموعة كبيرةً واحدةً من تأليف الإمام وإملائه عليه السلام ? وذلك لما يلي:
1_انتهاء الأسانيد في تلك الكتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعنوان أنّ كلاً منها نسخةٌ منه، أو إملائه.
2 ? لوجود نفس العناوين ضمن ما نُسِبَ إلى غير الرواة المذكورين ? الذين اعتبروا كمؤلّفين للكتب. فذلك يؤكّد أنّ الكتاب المذكور كان مجموعة كبيرةً من تأليف الإمام نفسه عليه السلام , رواه بعض أصحابه كاملاً، وروى بعضهم أبوابا منه (3).
الهامش:
(1) الجامع للشرائع (?605-624).
(2) الأُصول الستة عشر (?133- 138).
وقد ذكر هذا الاحتمال في مرآة الكتب (?9) أيضا.
=========================?143
وقد وردت عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام روايات حول ما ورد في هذا الكتاب بطرق الرواة المذكورين وغيرهم، في كتب العامة،
جمع أحمد بن حنبل مجموعةً كبيرةً منها في مسنده (1).
3 ? عهد الإمام عليه السلام للأشتر:
وهو العهد الطويل المهمّ الذي كتبه الإمام عليه السلام لمالك الأشتر النخعي ? لمّا ولاّه مصر ? وتضمّن أصول إدارة البلاد ? وتراتيب النُظم السياسية لاُمور العباد. ونصّه معروف، ومطبوع متداول، وهو في (نهج البلاغة) (2)
وقد رواه الأصبغ بن نباتة (1).
4 ? التعليقة النحوية: التي ألقاها الإمام عليه السلام إلى أبي الأسود الدؤلي ,نقل خبرها السيوطي عن ابن عساكر أنّ بعض النُحاة كان
يذكر أنّ عنده تعليقة أبي الأسود التي ألقاها إليه عليّ عليه السلام (3).
الهامش
(1) مسند أحمد (1/ 75- 160) وانظر حول رواة آخرين لأحاديث عن الإمام عليه السلام بشكل مكتوب في دلائل التوثيق المبكّر (?420) ومعرفة النسخ (?207).
نهج البلاغة ? طبعة صبحي الصالح ? (?427- 445).
(3) انظر إنباه الرواة للقفطي (1/ 39) وقال: رأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الورّاقين ( جزءاً ) فيه أبواب من النحو ? يجمعون على أنّها ( مقدمّة عليّ بن أبي طالب ) التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي , وانظر سير أعلام النبلاء (4/84) ? الأشباه والنظائر للسيوطي (1/ 12-14) وانظر تاريخ الخلفاء له (?143) ولاحظ طبقات النحويين للزبيدي (?21).
==================?144
وقال ابن النديم في سبب تسمية العلم بالنحو : إنّ عليّاً ألقى إلى
أبي الأسود شيئا فيه اُصول النحو (1).
لكنّ بعضهم يعتقد أنّ أوّل من صنّف في علم النحو هو أبو الأسود نفسه، فلاحظ(2).
2 ? في مجال الروايات الموقوفة عليه عليه السلام :
لقد نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام الكثير في مجال التأكيد على الكتابة والتدوين وفيه ما هو صريح في الأمر به، كما أنّ فيه ما هو دالّ بالملازمة العرفيّة الواضحة، وإليك ما وقفنا عليه من ذلك:
1? عن الحارث عن عليّ عليه السلام : قال: قيّدوا العلم، قيّدوا العلم . هكذا مرّتين (3).
2 ? وعن حبيب بن جري، قال: قال علي عليه السلام : قيّدوا العلم بالكتاب (4).
وقد مرّ هذا مسندا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ? في الفصل الثاني برقم (6-9).
الهامش:
(1) الفهرست، للنديم (?45).
(2) اقرأ تفصيلا عن ذلك في مقال للسيد هاشم الهاشمي ? بعنوان ( أبو الأسود الدؤلي ودوره في وضع النحو العربي ) في مجلة تراثنا العدد (12) الرابع من السنة الثالثة ? شوّال 1408هـ.
(3) تقييد العلم (?89).
(4) تقييد العلم (?90).
================?145
3- وعن علباء ? عن عليّ عليه السلام : أنّه خطب الناس، فقال:
من يشتري منّي علما بدرهم (1).
قال أبو خيثمة زهير بن حرب ? مفسّراً هذا الحديث ? : يشتري صحيفةً
بدرهم يكتب فيها العلم (2).
وفي بعض نصوص الحديث : أنّ الحارث الأعور اشترى صحفاً بدرهم ? ثمّ جاء علياً عليه السلام ? فكتب له علماً كثيراً، ثمّ إنّ الإمام عليه السلام خطب الناس ? بعد ? فقال: يا أهل الكوفة غلبكم نصف رجل (3).
4 ? عن الحارث ? عن عليّ عليه السلام ? قال: قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواءٌ (*) إذا أقرّ لك به (4).
وروى نحوه أبو ظبيان ?عنه عليه السلام (5).
5 ? عن هبيرة بن يريم ? عن عليّ عليه السلام ? قال: القراءة عليه بمنزلة السماع منه (6).
الهامش:
(1) طبقات ابن سعد (6/ 116) من طبعة ليدن ,? معرفة الرجال لابن معين (1/ 59)رقم (78) عن الحارث ,وتقييد العلم (?90) وتاريخ بغداد (8/ 357) وكنز العمال (5/ 261) رقم (29385).
(2) تقييد العلم (?90).
طبقات ابن سعد (6/ 168) وفي السنّة قبل التدوين (?397) عن العلم لزهير (?193).
(*) إلى هنا نقله الخطيب عن ابن عباس مرفوعاً في الجامع لأخلاق الراوي (1/437) وانظر المحدث الفاصل (?478) والإلماع(?71) .
(4) الكفاية في علوم الرواية للخطيب (?383).
(5) المصدر (?8 ?399).
(6) المصدر (?383).
====================?146
وقد أثبتنا هذه الروايات في كتابنا (إجازة الحديث) وقلنا: إنّها تدلّ على وجود الكتاب في عهد الإمام عليه السلام ? حيث أنّ قراءة الراوي على الشيخ لا تكون إلاّ من كتاب وبواسطة نصّ مكتوب يقرأ الراوي منه الحديث على الشيخ.
ونقول ? أيضا ? : قد يكون فيه بعث على كتابة النصّ ليكون الراوي مكتفيا بقراءته على الشيخ ? لتحصيل عنصر الضبط والإشراف من الشيخ عليه.
6 ? وقال عليه السلام لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع : ألِقْ دواتك ? ? أطِلْ جلفة قلمك ? ? فرّج بين السطور، ? قرمط بين الحروف ? فإنّ ذلك أجدر بصباحة الخطّ (1).
7 ? وكتب عليه السلام إلى عمّاله : أدقّوا أقلامكم ? ? قاربوا بين سطوركم ? ? احذفوا عنّي فضولكم ? ? اقصدوا قصد المعاني ? وإيّاكم والإكثار، فإنّ أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار (2).
8 ? وقال أبو حكيمة العبدي : كنت أكتب المصاحف ? فبينا أنا أكتب مصحفاً ? إذ مرّ بي علي عليه السلام ? فقام ينظر إلى كتابي ? فقال: أجلل قلمك . فقططت من قلمي قطّةً (3) ثم جعلت أكتب ,
الهامش:
نهج البلاغة، قسم الحكم، الحكمة رقم (315) (? 530) ورواه في الجامع لأخلاق الراوي بنص أطول فيه ذكر كثير من الحروف (1/ 403) رقم(541) وانظر تاج العروس (قرمط) .
الخصال للصدوق (1/310).
(3) في نسخة: قصمة، بدل : قطّة.
====================?147
فقال: نعم , هكذا نوّره كما نوّره الله تعالى (1).
9 ? وقال عليه السلام ? لرجل رآه قبيح الخطّ ? : أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرّف قطّتك وأيمنها ? واعدل أقسامك ? وأقم ألفك ولامك (2) .
10? وعن عليّ عليه السلام ? قال: عقل الكاتب قلمه (3).
11 ? وقد روي عن الصادق عليه السلام ? قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يعجبه أنْ يروي شعر أبي طالب ? وأن يدوّن (4).
12- عن الجاحظ , قال : قال امير المؤمنين علي بن أبي طالب : الخطّ علامة , فكلما كان أبين كان أحسن (5).
13- وعنه أنه رأى رجلاً يدعو من دفتر دعاءً طويلاً ,فقال له : يا هذا الرجل , إنّ الذي يسمع الكثير هو يجيب على القليل . فقال الرجل : يا مولاي , فما أصنع ? قال : قلْ : الحمد لله على كلّ نعمة وأسأل الله من كلّ خيرٍ ? أعوذ بالله من كلّ شرٍّ وأستغفر الله من كلّ ذنبٍ (6).
14- وروى زيد الشهيد عليه السلام في كتاب الحقوق قال : قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : لسان ابن آدم قلم الملك , وريقه مداده , يان آدم فقدّم حيراً أو اصمتْ من السوء تسلمْ (*).
ما ورد عن الإمام الحسن السبط عليه السلام (?49هـ)
1 ? عن أبي عمرو بن العلاء ? قال: سئل الحسن بن علي عليه السلام : عن الرجل يكون له ثمانون سنةً، يكتب الحديث؟ قال: إن كان يحسن أن يعيش (7).
2 ? عن شرحبيل بن سعد، قال: دعا الحسن بن علي عليه السلام بنيه وبني أخيه، قال: يابنيّ ? وبني أخي ? إنّكم صغار قوم ? يُوشك أن
الهامش:
(1) أدب الإملاء (?6 ? 167) والمصاحف للسجستاني (?145-146) والجامع لأخلاق الراوي (1/ 400) والعقد الفريد للاندلسي (2/ 299) .
(2) تحفة اُولي الألباب في صناعة الخطّ والكتاب لابن الصائغ (?34).
(3) نور الحقيقة للعاملي (?108).
(4) الحجّة على الذاهب (?25). ونقله في وسائل الشيعة أبواب ما يكتسب به الباب (105) حديث 15 تسلسل (22691).
(5) الجامع لأخلاق الراوي (1/ 400)
(6)بحار الأنوار (94/ 242).
(*)الحقوق ,الفقرة[2].
(7) شرف أصحاب الحديث (?96 رقم 641) والعقد الفريد للأندلسي (2992).
===================?148
تكونوا كبار آخرين ? فتعلّموا العلم ? فمن لم يستطع منكم أن يرويه فليكتبه ? وليضعه في بيته (1).
وهذا الخبر ينسب إلى عليّ عليه السلام ? وإلى الحسين السبط عليه السلام أيضاً ? لكن الخطيب قال: الصواب : الحسن عليه السلام (2). ما ورد عن الإمام الحسين السبط الشهيد عليه السلام (عام 61هـ ):
1 ? قال عليه السلام ? في خطبة له في منى، في جمع عظيم من بني هاشم والشيعة والصحابة والتابعين : أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنّي اُريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدقت فصدّقوني … اسمعوا مقالي، واكتبوا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم فمن أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا ? فإنّي أتخوّف أن يدرس هذا الأمر، ويذهب الحقّ (3).
والشاهد في هذا الكلام في قوله عليه السلام : اكتبوا قولي , حيث أنّه أمر بكتابة كلامه عليه السلام ? ودلالته على تدوين الحديث من
جهات:
الهامش:
طبقات ابن سعد (ترجمة الحسن عليه السلام ) المنشور في (تراثنا) العدد (11) ? (156) تاريخ اليعقوبي (2/ 227) سنن الدارمي (1/ 107? 517) العلل لأحمد (1/ 412)الكفاية للخطيب (?229) وجامع بيان العلم (1/82) تاريخ دمشق (ترجمة الحسن عليه السلام ) (?167-168) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور(7/33)كنز العمال (5/229) بحار الأنوار للمجلسي (2/ 152) ?37.
تقييد العلم (?91) وانظر هامشه.
(3) كتاب سليم بن قيس (?165).
=====================?149
1? لأنّا نحن الشيعة الإمامية نعتقد أنّ ما يحدّث به الإمام عليه السلام فإنّما هو من السنّة التي يجب اتّباعها، لما ثبت عندنا من الأدلّة على أنّ الأئمة عليهم السلام إنّما هم الحجج المنصوبين من قبل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? على الأُمّة، حيث أمرها بالتمسّك بهم والأخذ منهم، وقد أسلفنا بعض ذلك في الاستدلال بحديث الثقلين(1).
2 ? أنّ الأئمة : قد صرّحوا بأنّ حديثهم إنّما هو حديث جدّهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? فهو بحكمه في الحجيّة (2).
3 ? أنّ قوله الذي أمر بكتابته لا يخلو من ذكر حقّهم عليهم السلام الذي أشار إليه , ? حقّهم إنّما يثبت بما أثبته لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? فقوله الذي أمر بكتابته حاوٍٍ لحديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لا محالة.
4 ? أنّ قوله: >اُكتبوا قولي< يكشف عن رضاه بكتابة سنّة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بالأولوية المعلومة ?خاصّة إذا كان الحديث يرتبط بأمر الدين.
الهامش
قد مرّ ذلك في بداية هذا الفصل الثالث (?116) وبعدها.
(2) الكافي للكليني (1/ 43? 14) إرشاد المفيد ? ايران (?250) وصول الأخيار (?107).
==================?150
ما ورد عن الإمام علي زين العابدين عليه السلام (?95هـ)
وري عنه قولهعليه السلام : إن الملك الحافظ على العبد يكتب في صحيفته أعماله , فأملوا في أزلها خيرا زفي آخرها خيرا يغفر لكم ما بين ذلك (*).
وقد اُثرت عنه المؤلّفات التالية:
1 ? الصحيفة: الكتاب العظيم، الجامع لعيون أدعيته عليه السلام ? ومناجاته، التي أنشأها بمناسبات شتّى ولأغراض متنوّعة، وكان عليه السلام يدأب على تلاوتها، وهي تحتوي على مضامين عالية رفيعة، من لباب المعارف الإسلامية الحقّة. وقد تواتر الإسناد إليه، وهو ممّا أجمع العلماء على قبوله.
أملاه الإمام عليه السلام على ولديه الإمام الباقر محمّد عليه السلام ? والشهيد زيد ? وقد أملاه الإمام بمشهد من الإمام الصادق عليه السلام ? ورواه الرواة عن الإمام الصادق عليه السلام (1).
2 ? رسالة الحقوق: الجامعة لاَّداب الدنيا والدين، ممّا يجب على الفرد في معاملته لنفسه، والاَّخرين ممّا حوله من الناس، وسائر الموجودات، من حقوق والتزامات، فهو أهمّ كتاب يحتوي على
اُسس الأخلاق الفاضلة، ومباني السلوك الاجتماعي في الإسلام (2). الهامش:
(*)محاسبة النفس لابن طاوس (?14) عن أمالي المفيد,وانظر الوسائل ,جهاد النفس ?96?13.
(1)الصحيفة الكاملة، بتقديم السيّد محمّد المشكاة (? ?) وكفاية الأثر للخزّاز (?2 ?303) والفهرست للطوسي (?199)رقم (768) ورجال النجاشي (?426) رقم(1144) ورجال الطوسي (?485) رقم (53)? ومعالم العلماء، لابن شهر آشوب (?1) والفوائد الطوسيّة (?246) والذريعة (15/ 18).
(2) والرسالة مطبوعة مستقلاً بتحقيقنا ? وأوردها الصدوق في الأمالي المجلس (59) (?301-306) والخصال(?564) وتحف العقول (?255) والوسائل (11/ 131) ?3 من أبواب جهادالنفس، والحلّي في الجامع للشرائع (?625-632).
=================?151
ونسخها متوفّرة، وقد شرحها عدّة من العلماء، ومن شروحها الحديثة ما كتبه عمي – أبو زوجتي - العلامة الخطيب السيد حسن بن علي الحسيني القبّانجي دام علاه، باسم شرح رسالة الحقوق , وهو مطبوع في مجلدين.
3 ? مناسك الحجّ: رسالة حاوية لجميع أحكام الحجّ الشرعية، في ثلاثين بابا، رواها عن الإمام عليه السلام كلّ من أبنائه:الإمام محمّد الباقر، وزيد الشهيد، والحسين الأصغر، عليهم السلام.
وقد طبعت في بغداد بتقديم الحجّة السيّد هبة الدين الشهرستاني ? ولدينا منه نسخة قيّمة مصحّحة صحّحها السيّد العلامة محمّد بن الحسين الجلال من مشايخنا من علماء اليمن السعيدة، وقابلها على بعض ما عنده من النسخ المصحّحة. وقد توسّعنا في الحديث
عنها في تقديمنا لها.
4 ? صحيفته في الزهد: قال أبو حمزة الثمالي ثابت بن أبي المقدام: قرأتُ صحيفةً فيها كلام زهد ? من كلام علي بن الحسين عليه السلام ? وكتبت ما فيها، ثمّ أتيت عليّ بن الحسين صلوات الله عليه، عرضت ما فيها عليه، فعرفه، وصحّحه (1).
الهامش:
(1) الكافي، للكليني (8/ 14-17) وانظر الفهرست للطوسي(?67) رقم (138).
======================?152
5 ? الجامع في الفقه : رواه أبو حمزة الثمالي ? عن الإمام السجّاد عليه السلام (1).
6 ? نسخة: رواها عبد الله بن إبراهيم بن الحسين الأصغر بن الإمام السجّاد عليه السلام ? عن آبائه (2) .
7 ? كتاب حديثه عليه السلام : جمعه داود بن يحيى بن بشير، أبو سليمان الدهقان ? الكوفي (3) .
ما ورد عن الإمام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليه السلام
(?114هـ)
1 ? في الأقوال:
1 ? عن جابر الجعفي ? قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام : اُقيّد
الحديث إذا سمعت ? قال: إذا سمعت حديثا من فقيه خير ممّا في الأرض من ذهب وفضّة (4).
وقد أشار الإمام عليه السلام في هذا الجواب إلى ضرورة التدوين ولزوم الكتابة بنحوٍ دقيق، وبلاغة فائقة، حيث جعل الحديث خيراً من الذهب والفضّة ? فإذا كان الإنسان بطبعه يحافظ على الذهب والفضّة
الهامش:
رجال النجاشي (?116) رقم (298) وتأسيس الشيعة (?300).
رجال النجاشي (?224)رقم (587).
رجال النجاشي (?7 ? 158) رقم (415).
(4) أدب الإملاء (?55).
===================?153
بالإحراز والضبط، ولا يعرضّهما للتلف والضياع، فإنّ ما هو خيرٌ منهما ?
أعني الحديث ? يكون أولى بالإحراز والحفظ، ومن الواضح أنّ أفضل طرق ضبط الحديث وإحرازه كتابته وتدوينه.
2 ? عن جابر الجعفي ? أيضا ? عن أبي جعفر عليه السلام ? قال: سارعوا في طلب العلم، فو الذي نفسي بيده لحديث واحد في حلالٍ
وحرام تأخذه عن صادق خير من الدنيا وما حملت من ذهب وفضّة ? وذلك أنّ الله يقول: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الآَية (7) من سورة الحشر: 95) (1).
3 ? عن داود بن عطاء المديني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام ? قال: عرض الكتاب، والحديث سواء (2).
المراد بالعرض هنا هو قراءة الراوي الروايات على الشيخ ? والمراد بالحديث هنا هو تحديث الشيخ وإلقاؤه الروايات على الراوي. والعرض هنا هو ما يسمّى في علم المصطلح ودراية الحديث بالقراءة على الشيخ، والحديث هنا هو ما يسمّى في ذلك العلم بالسماع من الشيخ , ومعنى الحديث : أنّ القراءة على الشيخ، تساوي في الحجّية والاعتبار السماع منه , وقد ورد بهذا المعنى روايتان عن أمير المؤمنين عليه السلام ?
الهامش :
جامع أحاديث الشيعة (1/ 51).
(2) سنن الدارمي (1/ 123) والكفاية للخطيب (?386).
====================?154
ذكرناهما في هذا الفصل،بعنوان ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (1).
4 ? عن خالد بن طهمان ? عن أبي جعفر عليه السلام ? قال: لا تعدّ لهم سفرا، ولا تخطّ لهم بقلم (2).
وهذا الحديث وإن كان نهياً عن إعداد السفر ? وهو الكتاب ? والخطّ
بالقلم ? لكن من الواضح أنّ الإمام عليه السلام إنّما نهى عن الكتابة للولاة الظالمين كما يظهر من الحديث الذي أورده ابن أبي شيبة قبل هذا الحديث وفيه : النهي عن التولي للسلطان. وهو يدلّ بالإيماء على شرافة إعداد الكتب والخط بالقلم والرغبة فيهما للأخيار ?كما لا يخفى على ذي فطنة.
5- عن جعفر عن أبيه عليهما السلام سرقة صحف العلم مثل سرقة الدنانير والدراهم (*)
6- عن حنَان بن سدير , عن أبيه , عن أبي جعفر علبه السلام , قال : دخلت على محمد بن علي بن الحنفيّة وقد اعتقل لسانه , فأمرته بالوصيّة , فلم يجبني , قال : فأمرت بطست فجعل فيه الرمل , فوضع فقلت له : خطّ بيدك , فخطّ وصيّته بيده في الرمل ونسخت في صحيفة (**) .
7-عن الورد بن زيد أنه قال للباقر عليه السلام : حدِّثني حديثاً وأمْلِه عليَّ حتّى أكتب , فقال : أين حفظكم ? يا أهل الكوفة ? قال : قلت : حتّى لا يردّه عليَّ أحدٌ … (***) ثم سأله وأجابه .
ودلالته على التدوين من جهات:
1- تقرير الإمام عليه السلام لعمل الراوي , وعدم نهيه عن عمله , وأما معاتبته على عدم الحفظ ? فقد يكون على إهمال هذه الموهبة التي لاشك في حسنها , وقبح التفريط فيها , وقد يكون استدراجا للراوي حتى يذكر علة لجوئه إلى الكتابة , وقد بيّن الراوي ما عنده , وهو توثق الآخرين من ضبط منقولاته وعدم الترديد فيها .
2 ? في الكتب والمؤلّفات :
وقد نقلت في عن الإمام أبي جعفر عليه السلام مؤلّفات عديدة:
قال محمّد عجاج الخطيب: كان عند الإمام محمّد بن علي بن الحسين، أبي جعفر الباقر عليه السلام (56-114هـ) كتب كثيرة ?
سمع بعضها منه ابنه جعفر الصادق عليه السلام وقرأ بعضها (3).
وقال عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب: كنت أختلف إلى جابر بن عبد الله ? أنا ? وأبو جعفر ? معنا ألواح نكتب فيها.
الهامش
انظر ما مضى (?145) رقم (4 ? 5).
مصنف ابن أبي شيبة (15/ 236).
(*) الجامع لأخلاق الراوي (1/ 373).
(**)من لا يحضره الفقيه (4/ 146) وإكمال الدين (?36) والوسائل تسلسل (23789).
(***) تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي(9/ 69).
انظر السنّة قبل التدوين (?4 ? 355).
====================?155
وفي بعض نصوصه: فنسأله عن سنن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وعن صلاته ?فنكتب عنه (1).
والمنقول من أسماء مؤلّفاته هو :
1 ? تفسير القرآن : رواه زياد بن المنذر، أبو الجارود العبدي (2).
2 ? نسخة أحاديث : رواها خالد بن أبي كريمة (3).
3 ? نسخة : رواها خالد بن طهمان ? أبو العلاء الخفّاف (4).
4 ? كتاب : رواه عبد المؤمن بن القاسم ? الأنصاري الكوفي (5).
5 ? كتاب: رواه زرارة بن أعين الشيباني ? الكوفي (6).
الهامش:
تقييد العلم (?104) والمحدّث الفاضل للرامهرمزي (?370) رقم (335) وعنه في محاسن الإصطلاح (?297).
(2) الفهرست للنديم (?36) وتأسيس الشيعة (?327) وأعيان الشيعة (?1 ?1?112).
(3) رجال النجاشي (?151) رقم (396).
(4) أيضا (?151) رقم(397).
(5) تأسيس الشيعة (?285).
(6) أيضا (?286).
=================?156
6 ? رسالته إلى سعد الإسكاف : رواها سعد بن طريف، الإسكاف ?
الحنظلي (1).
7 ? رسالته إلى سعد الخير: وهو سعد بن عبد الملك الاُموي نسباً،
وهو صاحب نهر سعد برحبة الكوفة ? وقد رواها الكليني بسندين (2). ما ورد عن زيد بن علي عليه السلام الشهيد عام (122هـ)
نقلت عنه مؤلّفات عديدة:
1 ? المجموع: سمعه منه أبو خالد الواسطي ? ورواه عنه، وهو مطبوع بروايته، باسم (مسند زيد) وله شروح كثيرة، منها المطبوع باسم (الروض النضير). وتذكر بعض المصادر أنّ للشهيد زيد مجموعين: فقهي هو هذا المشهور.
وآخر حديثي (3) وهو من جمع عبدالعزيز البغدادي، طبع بالقاهرة سنة (1340هـ)
قال محمّد عجاج الخطيب: المجموع من أجلّ الوثائق التاريخيّة التي تُثبت ابتداء التصنيف والتأليف في أوائل القرن الثاني الهجري بعد أن استنتجنا
الهامش
رجال النجاشي (?178) رقم (468).
(2) أوردها الكليني في الكافي (8/ 52-55).
(3) انظر الروض النضير (1/ 82) والسنّة قبل التدوين (?369?371).
==================?157
هذا من خلال عرضنا لمصنّفات ? مجاميع العلماء ? من غير أن نرى
نموذجا مادّيا يمثّل اُولى تلك المصنّفات، اللهمّ، إلاّ موطّأ مالك، الذي انتهى من تأليفه قبل منتصف القرن الهجري الثاني، فيكون المجموع قد صنّف قبله بنحو ثلاثين سنة (1).
2 ? الاحتجاج في القلّة والكثرة (2): ذكر ابن صفوان أنّ لزيد كتاباً
في القلّة والجماعة كان يستعمله في محاججة خصومه ويلجأ إليه (3). 3 ? الصفوة: رسالة كلاميّة صغيرة، تبحث عن الإمامة وأحقيّة أهل البيت عليهم السلام بها معتمدا على آيات القرآن الكريم في بيان ذلك، طبعها ناجي حسن، بمطبعة الآَداب، في النجف الأشرف.
4 ? قراءة عليّ عليه السلام : نسبه إلى زيد الشهيد في تأسيس الشيعة (4) وقد ذكروا أنّ لزيد الشهيد قراءةً خاصّة (5).
الهامش
(1)السنة قبل التدوين (?371) واقرأ عن المجموع في تاريخ الفقه الجعفري للسيد الحسني (?303 ? 306).
التحف شرح الزلف (?30).
ثورة زيد بن علي، لناجي حسن (?35).
تأسيس الشيعة (?40).
ثورة زيد (?34).
[[[[[نهاية ?157]]]]]
================?158
5- غريب القرآن :تفسير لمفردات ألفاظ القرآن الكريم,? سماه بعض المؤلّفين بغرائب معاني القرآن (1) وسمّاه الإمام المرشد بالله بتفسير الغريب ,وروى عنه (2).
وأقدم بعض المحققين على طبعه أخيراً في مصر .
قال ناجي حسن : تنسب إلى زيد بن عليّ بضع عشرة رسالة في موضوعات مختلفة ,كعلم الكلام ,والتفسير ,والفقه ,والأخبار(3).
وذكر السيّد مجد الدين المؤيّدي من مؤلّفات الإمام زيد عليه السلام غير ما ذكرنا :
6-تفسير القرآن : ولعله تفسير غريب القرآن الذي ذكرناه برقم (5) .
7_ الإيمان .
8- الردّ على المرجئة .
9- الخطب والتوحيد .
10- فضائل أميرالمؤمنين عليه السلام .
11- الرسالة في إثبات الوصاية .
الهامش:
(1) التحف شرح الزلف (?30).
(2) الأمالي الخميسية (2/ 103).
(3) الصفوة ? المقدّمة (?9).
==================?159
12- تفسير الفاتحة .
13- المناظرات .
14- المواعظ والحكم(1).
ونسب إليه منسك الحج (2) وطبع كذلك ,لكن ذكرنا في ما ورد عن الإمام السجاد عليه السلام أنّ الكتاب من تأليفه عليه السلام وأنّ أبناءه قد رووه عنه ,ومنهم ابنه زيد ,فلاحظ(3) .
ما ورد عن الإمام جعفر بن محمّد أبي عبد الله الصادق عليه السلام(4( (? 148هـ)
1?- في الأحاديث :
قال أبو عبد الله عليه السلام للمفضل بن عمر الجعفي :اكتب وبثّ علمك في إخوانك ,فإنْ متَّ فأورثْ كتبك بنيك ,فإنّه يأتي على الناس زمانٌ هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم (5).
الهامش:
(1)التحف شرح الزلف (?30).
(2)لاحظ مسند زيد ? المقدّمة (?5) وطبعه الحجّة السيّد هبة الدين
الشهرستاني باسم ( منهاج الحاجّ ) منسوبا إلى زيد الشهيد ?بمطبعة الفرات ?بغداد سنة (1330هـ).
(3)لاحظ ما ذكرناه(?151) رقم (3).
(4)إنّما أوردنا ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام ومن بعده من الأئمّة الاثني عشر رغبة في استيفاء ما ورد عنهم عليهم السلام في هذا المجال ?ولأنّ أفعالهم حجّة معتبرة تكشف عن إجماع أهل البيت على جواز التدوين ونفي حرمته ? فليلاحظ.
(5)الكافي (1/ 46) كتاب فضل العلم ? باب رواية الكتب ? الحديث (11) بحارالأنوار (2/ 152) ?827.
===================?160
2- وفي كتاب عاصم بن حميد الحنّاط ,عن أبي بصير ,قال : دخلتُ على أبي عبد الله عليه السلام فقال : دخل عليَّ أناس من أهل البصرة ,فسألوني عن أحاديث ,فكتبوها ,فما يمنعكم من الكتاب ?.
أما ? نّكم لن تحفظوا حتّى تكتبوا (1).
ولنا بيان لهذا الحديث سنذكره في الفصل الرابع من القسم الثاني(2).
3- وعن حسين الأحمسي ,عن أبي عبد الله عليه السلام ,قال :القلب يتكل على الكتاب(3).
4-وعن عبيد بن زرارة ,قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها (4).
5-عن سيف بن هارون مولى آل جعدة ,قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :اكتب بسم الله الرحمن الرحيم من أجود كتابك ,ولا تمدَّ الباء حتى ترفع السين(5).
6- وعن الحسن بن السريّ ,عن أبي عبد الله عليه السلام ,قال :لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم لفلان ,
الهامش:
(1) كتاب عاصم الحنّاط ?مطبوع مع الأُصول الستّة عشر (?34) الكافي
(1/ 42) ?9 والبحار (2/ 153).
(2) انظر (?377) من هذا الكتاب.
(3) الكافي (1/ 42) ? (8) بحار الأنوار (2/ 152).
(4) الكافي (1/42) ? (10) البحار (2/ 152) ? (40).
(5) الكافي (2/ 493) كتاب العشرة، الحديث (1).
=====================?161
ولا بأس أنْ تكتب على ظهر الكتاب لفلان(1) .
7- وقال الإمام الصادق عليه السلام للمفضل بن عمر في كتاب التوحيد : تأمّل - يا مفضل - ما أنعم الله تقدّست أسماؤه به على الإ نسان من هذا النطق الذي يعبر به عمّا في ضميره ,وما يخطر بقلبه ,ونتيجة فكره ,وبه يفهم عن غيره ما في نفسه .
وكذلك الكتابة التي بها تقيّد أخبار الماضين للباقين ,وأخبار الباقين للآتين ,وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرهما ,وبها يحفظ الإنسان ذكر ما يجري بييه وبين غيره من المعاملات والحسابات ,ولولاه لانقطع أخبار بعض الأزمنة عن بعض ,وأخبار الغائبين عن أوطانهم ,ودرست العلوم ,وضاعت الآداب ,وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم , وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم ,وما روي لهم مما لا يسعهم جهله(2) .
8- وفي كتاب مصباح الشريعة ,المنسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام , قال : على كل جزء من أجزائك زكاةٌ واجبة لله عزّ وجلّ ...
وزكاة اليد : البذل والعطاء والسخاء بما أنعم الله عليك به ,وتحريكها بكتبة العلوم ,ومنافع ينتفع بها المسلمون في طاعة الله تعالى ,والقبض عن الشرور (3).
الهامش:
الكافي (2/ 494) الحديث (2).
توحيد المفضّل (?79-80) بحار الأنوار (3/ 82) وفيه كلام للإمام فيه ذكر الكتاب والقرطاس ولاحظ البحار(3/ 119) وأعاده في (53/ 7).
(3) بحار الأنوار (96/ 7).
===================?162
قال العلاّمة المجلسي رحمه الله في بيان هذا الحديث : قوله : بكتبة العلوم , يدلّ على شرافة كتابة القرآن المجيد والأدعية وكتب الأحاديث المأثورة وسائر الكتب المؤلّفة في العلوم الدينية ,وبالجملة كلّ ما له مدخل في علوم الدين(1).
9- وروي عنه عليه السلام – موقوفاً عليه - أنه قال : إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده .
وهو الحديث الذي مرَّ مرفوعا مسنداً بطريق أهل البيت عليهم السلام(2).
10- وقد مرّ حديث أبي بصير - لمّا استخبر الإمام الصادق عليه السلام عن أصحاب المهديّ عليه السلام وبلدانهم - فقال عليه السلام :إنك لا تحفظ ,فأين صاحبك الذي يكتب لك ? فقلت : أظنُّ شغله شاغلٌ وكرهتُ أنْ أتأخَّر عن وقت حاجتي ,فقال عليه السلام لرجل في مجلسه :اكتب له .(3).
ويلاحظ في قوله عليه السلام :إنك لا تحفظ ,أنه عليه السلام جعل الكتابة أمراً احتياطياً عند عدم التمكّن من الحفظ ,فهو يؤكّد عليها عمليّاً في هذه الحالة .
الهامش:
(1)بحار الأنوار (96/ 7).
()2لاحظ (?96) رقم (22).
(3)دلائل الإمامة للطبري (?308).
======================?163
والمراد بقوله :لا تحفظ ,أنّ الحديث طويل ويشتمل على أسماء البلدان وأكثرها غريبة غير متداو لة ,فمن البعيد أنْ يحفظها أبو بصير بإلقاء واحد ,وسماع مرّة .
وهذا يدل على أنّ مثل هذا الحديث _ في الطول والاشتمال على ألفاظ غريبة _كانوا يأخذون له مزيداً من الاحتياط بالضبط والتسجيل والكتابة والتدوين .
كما أنّ قوله عليه السلام :أين صاحبك الذي يكتب لك ? يدل على أنّ أبا بصير الذي كان فاقد البصر ,كما هو المعروف ,كان قد اتخذ لنفسه كاتباً يكتب له الحديث .
ودلالة هذا الخبر على جواز كتابة الحديث ,? على اهتمام الإمام عليه السلام بذلك واضحة جداً .
11- وفي حديث زيارة أمير المؤمنين عليه السلام ,قال الصادق عليه السلام لابن مارد :اكتب هذا الحديث بماء الذهب (1).
قال الحر العاملي : فيه الأمر بكتابة الحديث بماء الذهب ... ولعله كناية عن تعظيمه والاعتناء والاهتمام بتدوينه وحفظه (2).
ب - في المؤلّفات :
لقد كان الإمام الصادق عليه السلام كثير الاهتمام بأمر الكتب وتدوينها يفصح عن ذلك في كلّ موقف وزمان ,مستغلاً الفرص المتاحة لمثل هذا الإعلان .
الهامش:
تهذيب الأحكام، للطوسي (6/21)? 49.
(2) وسائل الشيعة، كتاب الحجّ، أبواب المزار باب23 ?3 تسلسل19421.
======================?164
قال محمد عجّاج : كان عند جعفر الصادق بن محمّد الباقر عليهما السلام رسائل وأحاديث ونسخ(1).
وقد أثار هذا الجانب حفيظة بعضهم ,فكان يشير إلى الإمام الصادق عليه السلام بأنه صحفي ,أي : يأخذ علمه من الكتب .
وكان الإمام عليه السلام يفتخر بذلك ,فلمّا بلغه كلام أبي حنيفة - هذا - ضحك ,وقال : ... أمّا في قوله :أنا رجلٌ صحفيٌّ ,فقد صدق ! قرأتُ صحف آبائي ,وإبراهيم ,وموسى ...(2).
ويدل على أنّ علم أهل البيت عليهم السلام مخزون موروث غير مبدل الكلمات ولا محرّف النقاط ,بخلاف ما كان يجده أبوحنيفة وغير ? من نقص في ما بأيديهم من النصوص ,حتى التجأوا إلى الرأي والأخذ بالقياس والاستحسان ,مما أدى بهم إلى الابتعاد عن الحقّ (3).
وقد بقي مما نسب ? ليه عليه السلام من المؤلّفات ما يلي :
التوحيد :كتاب أملاه عليه السلام على المفضل بن عمر الجعفي الكوفي يحتوي على بيان عقيدة التوحيد بالنظر والفكر ,ويسمى بكتاب ( فكّر )
الهامش:
(1) السنّة قبل التدوين (?358) عن تهذيب التهذيب (2/ 104).
لاحظ روضات الجنّات للخونساري (8/ 169) وقاموس الرجال (ترجمة: محمّد بن عبدالله بن الحسن)(8/243).
(3) انظر تاريخ بغداد (13/ 323) ترجمة أبي حنيفة النعمان.
====================?165
لأن الإمام عليه السلام يقول فيه للمفضل مكرّراً :فكر يا مفضل (1).
وهو مشهور متداو ? ,ويعد من أفضل الكتب المؤلّفة في باب التوحيد المرشدة إلى الاعتقاد بوحدانية البارىء تعالى ذكره .
وقد طبع مكرّراً باسم توحيد المفضل ,وأدرجه المجلسي في بحار الأنوار مع الشرح والبيان(2).وشرحه العالم الطبيب الشيخ محمد الخليلي النجفي مفصّلاً باسم ( من أمالي الإمام الصادق عليه السلام ) في أربعة أجزاء مطبوعة .
2- الإهليلجة في التوحيد : رسالة كتبها الإمام الصادق عليه السلام ردّاً على الملحدين المنكرين للربوبية ,احتجاجاً عليهم ,وأرسلها إلى المفضّل بن عمر ,المذكور(3) وقد أوردها المجلسي - أيضاً - في البحار(4).
الأهوازيّة : رسالة مفصّلة كتبها الإمام عليه السلام جواباً لأسئلة عبد الله النجاشي والي الأهواز ,تحتوي على جملة من التعاليم الأخلاقية .
الهامش:
رجال النجاشي (?416)رقم (113) والذريعة (4/ 482) رقم (2156).
بحار الأنوار (3/ 57- 151).
الذريعة (2/ 484).
(4)بحار الأنوار (3/ 152- 196).
===========================?166
أوردها السيّد محي الدين ابن ? هرة الحلبي في أربعينه(1).
4- رسالة ? لى أصحابه عليه السلام :كتبها لهم في الإرشاد إلى السيرة الحسنة والسلوك الديني .أوردها الكليني في الكافي(1).
5-الجعفريات :مجموعة من أحاديث الأحكام مرتّبة على أبواب الفقه , رواها عن الإمام الصادق ابنه الإمام الكاظم عليهما السلام ,وأحاديثه كلّها مسندة عن آبائه أو مرفوعة إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم .
ونسخته الموجودة هي برواية محمّد بن الأشعث الكوفي ,المصري ,عن موسى بن إسماعيل بن الإمام الكاظم ,عن أبيه إسماعيل ,عن أبيه الإمام الكاظم عليه السلام .
ولأن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام هو مجمع الأحاديث كلها ,فإ نّ الكتاب سمي بالجعفريّات .
وبهذا الاسم نقل عنه من غير الإمامية : القاضي نعمان المصري كبير علماء الإسماعيلية ,في بعض مؤلفاته الفقهية المخطوطة .
ويسمى الكتاب - أيضاً - بالأشعثيّات ,نسبة إلى راويه ابن الأشعث المذكور
الهامش:
الأربعون حديثا لابن زهرة (?46-47) الحديث (السادس) وعنه الشهيد في كشف الريبة (?122) وانظر بحار الأنوار (77/ 189? 78/ 271) والذريعة (2/ 485).
(2)الكافي، للكليني ?قسم الروضة (8/ 2-14) وانظر (?397).
=====================?167
الذي هو مجرد راو للكتاب ,وليس مؤلفاً له قطعاً (1).
وقد ذكر النجاشي في ترجمة إسماعيل بن الإمام الكاظم أنّ : له كتباً يرويها عن أبيه عن آبائه (2).
وقد رجحنا في بحث أسند عنه أنّ الأقوى أنْ يكون الكتاب من تأليف الإمام الصادق عليه السلام(3).
ومجموعة من الكتب نسبها ? ليه الرواة ,نعدّدها في ما يلي :
1- وصيّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : ذكرها الإشبيلي في فهرسة ما رواه .وأورد طريقه إلى جعفربن محمد الصادق عليه السلام(4).
ورواها البيهقي عن السري بن خالد عن جعفر بن محمد ,عن أبيه ,عن جدّه ,عن عليّ عليهم السلام عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : يا علي , أوصيك بوصية فاحفظها ,فإنك لا تزال بخير ما حفظت وصيتي ,يا علي .
يا علي :إنّ للمؤمن ثلاث علامات : الصلاة والصيام والزكاة.
وذكر حديثاً طويلاً في الرغائب والآداب .
الهامش:
الذريعة (2/109) رقم (436).
رجال النجاشي (?26) رقم (48).
المصطلح الرجالي أسند عنه (?135 ? 138).
(4) الفهرسة لأبن خير الأندلسي (?277-278).
==============?168
قال البيهقي : وهو حديث موضوع(1) وذكره الطيبي في الخلاصة(2).
وذكره من أعلامنا أحمد بن محمد أبو غالب الزراري (? 368هـ)في فهرست ما رواه ,قال : عن أبي العباس ابن عقدة ,وعلى ظهره إجازته لي جميع حديثه ,بخطه (3).
وقد أسند الصدوق إلى ما سمّاه :وصية النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ عليه السلام , من طريق أهل البيت عليهم السلام(4).
وبهذا العنوان نسخة في المكتبة الظاهرية في دمشق ,برقم (9742) .
2- كتاب الحج : رواه أبان بن عبد الملك الثقفي (5).
مناسك الحج وفرائضه وما هو مسنون في ذلك :سمعه كلّه من الإمام عليه السلام راويه عمر بن محمد أبو الأسود بياع السابري ,ذكره النجاشي ,ورواه بثلاثة أسانيد (6) .
الهامش :
دلائل النبوّة للبيهقي (7/22).
الخلاصة في علم الحديث: للطيبي(?10).
رسالة أبي غالب الزراري في آل أعين بتحقيقنا (?181) رقم (107).
من لا يحضره الفقيه(4/134).
رجال النجاشي (?14) رقم (9).
(6) رجال النجاشي (?283) رقم (751).
============================?169
4- حديث الحج :قال يحيى بن سعيد : أملى عليّ جعفر [عليه السلام ] الحديث الطويل - يعني في الحج –(1).
ولعله أراد حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في الحجّ الذي رواه مسلم في الصحيح ,وقد ذكرناه في ما نقل عن جابر من المؤلفات .
5_ كتاب :رواه طلا ? بن حوشب أبو رويم الشيباني (2).
6- كتاب مبوب في الحلال والحرام : رواه إبراهيم بن محمد أبو إسحاق المدني(3).
7-كتاب :رواه عباد بن صهيب اليربوعي البصري (4).
8-كتاب :رواه ابنه الإمام موسى الكاظم عليه السلام ,برواية القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل عنه ,وعن أبيه وغيرهما , والراوي هو القاسم الرسي من أئمة الزيدية (5).
الهامش:
(1)تهذيب التهذيب (2/ 103).
(2) رجال النجاشي (?207)رقم (549).
(3) أيضا (?15) رقم (12).
(4) أيضا (?293) رقم (791).
(5) أيضا (?314) رقم (859).
======================?170
9- كتاب :رواه خالد بن صبيح , الكوفي(1).
10-كتاب نوادر :رواه خالد بن يزيد العكلي الكوفي(2).
11- كتاب نوادر : رواه داود بن عطاء المدني (3).
12-كتاب نوادر :رواه خضر بن عمرو النخعي (4).
13- نسخة كبيرة : رواها محمد بن إبراهيم الإ مام (5( .
14- نسخة :رواها عباس بن زيد المدني مولاه عليه السلام (6( .
15-نسخة :رواها محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن
الهامش :
رجال النجاشي (?150) رقم (393).
(2)أيضا (?152) رقم (398).
أيضا (?157) رقم (412)
(4) أيضا (?153) رقم (402).
(5) أيضا(?355) رقم (951).
(6) أيضا (?282) رقم (750).
===================?171
علي عليه السلام(1).
16-نسخة : رواها إبراهيم بن رجاء الشيباني الجحدري ابن هراسة (2).
17-نسخة :? واها سفيان بن عيينة الهلالي ,من محدّثي العامة(3).
18- نسخة : رواها عبد الله بن أبي أويس الأصبحي (4) .
19- نسخة :رواها الفضيل بن عياض البصري(5) .
20- نسخة : رواها مطّلب بن زياد الزهري القرشي المدني (6) .
21- كتاب نسب إليه عليه السلام :رواية حفيده الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام ,ذكر في ترجمة جعفر بن بشير البجلي الوشّاء المتوفى (208هـ )(7)
الهامش:
رجال النجاشي (?358) رقم (962).
(2) أيضا (?16) رقم (16).
أيضا (?190) رقم (506).
(4) أيضا (?224) رقم (586).
(5) أيضا (?310) رقم(847).
(6) أيضا (?432) رقم (1136).
(7) الفهرست للطوسي (?68) رقم (142).
========================?172
وذكر النجاشي للمترجم كتاباً باسم النوادر ,ولعل المراد به هو هذا الكتاب(1).
وبلغت حركة التأليف أقصى قوّتها في عهد الإمام الصادق عليه السلام بفضل توجيهاته وإرشاداته القيّمة ,فكان في تلامذته الكثيرون ممن ألّفوا الكتب ,ودوّنوا الحديث في المصنّفات ? المسانيد (2) .
وتوصّلنا في بحثنا عن :المصطلح الرجالي أسند عنه ,إلى أنّ جميع الموصوفين _ من الرواة _ بهذا الوصف إنما هم ممن ألّف حديث الإمام عليه السلام على شكل ( المسند ) فجمع فيه ما رواه الإمام عليه السلام مسنداً مرفوعاً عن آبائه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(3).
ما ? ? ? عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام (?183هـ )
1?- الأقوال :
عن زيد النهشلي , قال : كان جماعة من خاصة أبي الحسن عليه السلام من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لطاف وأميال ,فإذا نطق أبو الحسن عليه السلام بكلمة ,أو أفتى في نازلة ,أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك(4) .
وقد أثرت عنه عليه السلام المؤلفات التالية :
الهامش:
(1) رجال النجاشي (?118) رقم (304).
(2) انظر روضة المتقين، لمحمّد تقي المجلسي (1/87).
(3) المصطلح الرجالي (?122) خاصة ? (125).
(4) مهج الدعوات، لابن طاوس (?219-220).
==================?173
1 - مسند الإمام موسى بن جعفر عليه السلام :مجموعة من الروايات المسندة المرفوعة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,التي أسندها الإمام الكاظم عليه السلام بطريق آبائه عليهم السلام ,رواها عنه موسى بن إبراهيم أبو عمران المروزي البغدادي ,قال : ? نه سمعها من الإمام عليه السلام عندما كان الإمام في سجن هارون العباسي .
ذكره الطوسي(1) والنجاشي(2) وذكره الجلبي وقال : رواه أبو نعيم الأصفهاني ,وروى عنه هذا المسند موسى بن إبراهيم(3) .
وحقّقه أخي السيد محمد حسين الحسيني الجلالي معتمداً النسخة الموجودة في المكتبة الظاهرية بدمشق ,في المجموعة رقم (34) وطبع بتحقيقه سنة (1389هـ) في النجف ,وسنة (1392هـ) بطهران ,? أعيد طبعه بأمريكا سنة (1401هـ) وطبع أخيراً في بيروت سنة (1406هـ) ومجموع ما فيه (59) حديثاً .
الهامش:
ص371 (1) الفهرست للطوسي (?191) رقم (721).
(2) رجال النجاشي (?407) رقم (1082).
(3) كشف الظنون (عمود1682).
===================?174
والملاحظ وجود عدد وافر من الأحاديث التي رواها المروزي المذكور عن الإمام الكاظم عليه السلام ,على منهج الإسناد المذكور ,يمكن اعتبارها مستدركاً على النسخة المذكورة ,ولعلّها تبلغ ضعف ما جاء في المطبوعة(1).
2-كتاب : رواه محمد بن صدقة العنبري البصري (2) .
3-كتاب : رواه بكر بن الأشعث أبو إسماعيل الكوفي (3) .
4-كتاب :رواه خلف بن حماد بن ياسر الكوفي (4) .
5-نسخة :رواها علي بن حمزة بن الحسن , العلوي (5).
6-نسخة :رواها محمد بن ثابت(6) .
الهامش:
انظر المصطلح الرجالي ... (?129-130).
(2) رجال النجاشي (?364) رقم (983).
(3)أيضا (?109) رقم (275).
(4) أيضا (?152) رقم (399).
(5) أيضا (?273) رقم (714).
(6) أيضا (?396) رقم (1003).
===================?175
7-نسخة : رواها محمد بن زرقان بن الحباب(1) .
8-مسائل :رواها الحسن بن علي بن يقطين(2) .
9-مسائل :رواها علي بن يقطين(3) .
10-رسالة :كتبها الإمام عليه السلام ? لى عليّ بن سويد السائي (4) .
ما ورد عن الإمام علي بن موسى أبي الحسن الرضا عليه السلام (?202 هـ )
1?- الأقوال :
1- قال الراوي : كتبت على ظهر قرطاس :إنّ الدنيا ممثّلة للإمام كفلقة الجوزة ,فدفعته إلى أبي الحسن عليه السلام ,وقلت : جعلت فداك إن أصحابنا رووا حديثا ما أنكرته ,غير أني أحببت أن أسمعه منك !.
قال : فنظر فيه ثمّ طواه ,حتى ظننت أنه قد شقّ عليه ,
الهامش:
رجال النجاشي (?370) رقم (1006).
(2) أيضا (?45) رقم (91).
(3)أيضا (?273) رقم (715).
(4) رجال النجاشي (?276) رقم (724) وأوردها الكليني في الكافي (8/124) وقد شرح هذه الرسالة الشيخ فاضل المالكي في كتاب (عليّ بن سويد السائي) مع ترجمة موسّعة لهذا الراوي، طبع في قم سنة 1411هـ من منشورات مؤتمر الإمام الرضا عليه السلام الذي أقيم في مشهد المقدسة ? في الجمهورية
الإسلامية في إيران.
====================?176
ثم قال : هو حقّ ,فحوّ له في أديم .
وفي نقل آخر للحديث : قال : وهو حقّ ,فانقلوه إلى أديم(1) .
وقال المجلسي مبيّنا للحديث : إنّما قال عليه السلام :فحوّ له إلى أديم , ليكون أدوم وأكثر بقاءً من القرطاس ,لاهتمامه بضبط هذا الحديث ,ويظهر منه استحباب كتابة الحديث وضبطه والاهتمام به ,وكون ما يكتب فيه الحديث شيئاً لا يسرع إليه الاضمحلال(2).
2-وفي تفسير قوله تعالى : (وكان تحته كنز لهما ) سورة الكهف (18) الآية :82 ,قال عليّ بن أسباط : قلت له عليه السلام : جعلت فداك ,أريد أنْ أكتب . قال : فضرب يده – والله - إلى الدواة ,فتناولت يده ,فتناولتها وأخذت الدواة فكتبته(3).
3-وعن ابن أبي نصر ,عن أبي الحسن الرضا عليه السلام : أنه كان يترّ ? الكتاب وقال :لا بأس به(4) .
4-عن أحمد بن عمر الحلال ,قال قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب
الهامش:
الاختصاص للمفيد (?217) وبحار الأنوار (2/145) ?11 ? 21.
(2) بحار الأنوار (2/ 146).
(3) نقله الطهراني في محجّة العلماء (?253).
(4) الكافي للكليني (2/494) كتاب العشرة،ح8.
=======================?177
ولا يقول :اروه عنّي ,يجوز لي أن أرويه عنه ? قال : فقال :إذا علمت أنّ الكتاب له ,فاروه عنه (1).
وقد ? سبت ? لى الإ مام الرضا عليه السلام ? ? ? مؤل فات , وهي :
1- صحيفة الرضا عليه السلام :ويسمّى أيضاً مسند الإمام الرضا عليه السلام .
وهو مجموع ما أسنده الإمام عليه السلام عن آبائه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,برواية العديد من أصحابه ,وأشهرهم أحمد بن عامر بن سليمان الطائي ,وهذه الصحيفة مشهورة متواترة النقل عنه عليه السلام لدى الطوائف الإسلاميّة كافّة .فلها طرق كثيرة عند الشيعة الإماميّة ,والزيدية ,كما هو عند العامّة ,وذكرها أرباب الفهارس والمعاجم(2) ونسخها المخطوطة منتشرة في ? ور الكتب العالميّة ,كما طبعت طبعات عديدة ,وقفنا منها على :
طبعة اليمن سنة (1354هـ)بمطبعة الحكومة المتوكلية في مدينة صنعاء العاصمة ,بترتيب الشيخ عبد الواسع الواسعيّ ,باسم مسند الإمام الرضا عليه السلام ,
الهامش:
(1) الكافي (1/52) الحديث (6) وروضة المتّقين للمجلسي (1/26) وبحار الأنوار (2/167) وكتابنا (إجازة الحديث) المخطوط.
(2) رجال النجاشي (?100) رقم (250) وأعيان الشيعة (?1 ?1 ?374)
والذريعة (15/17) ? (21/26) ? (24/149).
============?178
وأعيد طبعه بعد ذلك ملحقاً بمسند الإمام زيد الشهيد ,في بيروت ,من إصدارات دار مكتبة الحياة .
2-وطبع في قم سنة (1365) باسم كتاب ابن أبي الجعد , وهي كنية الطائي .
3-وطبع بطهران سنة (1377هـ) بتحقيق الدكتور الشيخ حسين علي محفوظ الكاظمي ,باسم صحيفة الرضا عليه السلام .
4-وطبع في مشهد سنة(1404?1406هـ) بتحقيق الشيخ مهدي نجف .
5- وطبع أخيراً في قم سنة (1408هـ) بتحقيق مدرسة الإمام المهدي عليه السلام مع مقدمة جامعة لطبقات رواة الصحيفة على اختلاف نسخها وطرقها على مرّ القرون ,مع تخريج واسع لأحاديثه ,وإضافة ما ورد من أحاديث وروايات منقولة عن الإمام عليه السلام على منهج الإسناد الذي جاء في الكتاب .
2?- الرسالة الذهبيّة :رسالة في بعض النصائح الطبيّة ,كتبها الإمام عليه السلام للمأمون العباسي ,فأمر هذا بكتابتها بماء الذهب ,فسمّيت بالذهبيّة ,وهي متداولة ,طبعت في النجف سنة (1380هـ) بتقديم السيد محمد مهدي الموسوي الخرسان ,وفي قم سنة (1402هـ ) بتحقيق الشيخ مهدي نجف .
و بتحقيق الدكتور العلامة الفاضل محمد علي البار ,مع الاستيفاء لحق ما يجب من التقديم والتحقيق والشرح والضبط ,جزاه الله خيراً ,طبع باسم ( الإمام عليّ الرضا ورسالته في الطب النبوي : الرسالة الذهبيّة ) في بيروت بدار المناهل (1412هـ) طيعة ثانية (1).
الهامش:
(1) وقد أورد الرسالة بكاملها السيد الجزايري في كتاب (الأنوار النعمانية) (?4 ?147-187) وقال المعلّق عليه: شرحها من العلماء السيد فضل الله الراوندي (? بعد 548هـ) والسيّد عبد الله الشبّر (?1242هـ) والدكتور صاحب زيني مقارناً بالطبّ الحديث وطبع بمطبعة المعارف في بغداد.
=====================?179
3-أمالي الإمام الرضا عليه السلام :رواه أبو الحسن ,عليّ بن عليّ الخزاعيّ أخو دعبل الشاعر ,قال : حدّثنا أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام , بطوس ,إملاءً ,في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة ,قال : حدّثني أبي موسى بن جعفر....إلى آخره ,أورد ذلك الشيخ الطوسي ونقل عنه أحاديث عديدة(1) .
أقول : لعلّ هذا الكتاب هو الذي ذكر النجاشي أن الخزاعي رواه عن الإمام عليه السلام(2) .
4-أمالي الإمام الرضا عليه السلام : رواه الفضل بن شاذان ,وأطلق لعليّ بن محمد بن قتيبة روايته عن الإمام عليه السلام(3) .
الهامش:
أمالي الطوسي (1/ 370-382).
(2) رجال النجاشي (?277) رقم (727).
(3) أمالي الصدوق ? المقدمة ? (?21) بقلم السيد محمّد مهدي الموسوي الخرسان.
=================?180
5-كتاب الإهليلجة :نسب ? ليه عليه السلام ,وقال السيد الأمين :فيه حجج بالغة ومطالب جليلة في علم الكلام(1) .
6-مجالس الرضا عليه السلام مع أهل الأديان : صنّفه الحسين بن محمد بن الفضل بن يعقوب أبو محمد الهاشمي(2) .
7-كتاب :رواه موسى بن سلمة الكوفي(3).
8-كتاب :رواه وريزة بن محمد الغساني سنة (190هـ)(4).
9-كتاب :رواه علي بن مهدي بن صد قة أبو الحسن الرقّي الأنصاري (5).
10- نسخة مبوبة كبيرة :رواها محمد بن عبد الله للاحقي (6) .
الهامش:
(1) أعيان الشيعة (?1 ?1 ?377) ? (?1 ?2 ?5).
رجال النجاشي (?56) رقم (131).
(3) رجال النجاشي (?409)رقم (1090).
(4) رجال النجاشي (?432) رقم (1163).
(5) رجال النجاشي (?277) رقم (728) وأعيان الشيعة (?1 ?1 ?374).
(6) رجال النجاشي (?396) رقم (990).
=============?181
11- نسخة :رواها محمد بن علي بن الحسين بن زيد الشهيد(1).
12- نسخة :رواها أبو أحمد ,داود بن سليمان الغازي(2) وهذا الراوي هو من رواة الصحيفة التي ذكرناها برقم (1) هنا .
13- نسخة : رواها عبد الله بن علي بن الحسين بن زيد الشهيد(3) .
14- نسخة :رواها عبد الله بن محمد بن عليّ بن العباس التميمي الرازي (4) .
15- نسخة : رواها عباس بن هلال الشامي (5) .
16- مسائل : رواها معاوية بن سعيد(6) .
الهامش:
رجال النجاشي (?396)رقم (992).
أعيان الشيعة (?1 ?1 ?374).
(3) رجال النجاشي (?227) رقم (599).
(4) أيضا(?228) رقم (603) وهذه النسخة بتمامها وبنفس سند النجاشي أوردها الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السلام (?1?58) الأحاديث (214 ? 314) وذكر في دلائل الإمامة (?239) حديثا منها.
(5) رجال النجاشي (?282)رقم (749).
(6) أيضا (?410) رقم (1094).
==============?182
17- مسائل : رواها الحسن بن علي الوشّاء(1) .
18- مسائل :رواها سعد خادم أبي دلف العجلي (2) .
19- مسائل :رواها صباح بن نصر الهندي(3) .
20- مسائل :رواها عبد الله بن محمد بن حصين الأهوازي (4) .
21- مسائل :رواها عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري (5) .
ما ورد عن الإمام أبي جعفر ,محمد بن عليّ الجواد عليه السلام (?220هـ)
عن محمد بن الحسن بن أبي خالد ,شينولة ,قال : قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام : جعلت فداك ,إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر ,وأبي عبد الله عليهما السلام ,وكانت التقيّة شديدة ,فكتموا كتبهم ,فلم ترو عنهم ,فلمّا ماتوا صارت الكتب ? لينا ?
الهامش:
رجال النجاشي (?39) رقم (80).
(2) أيضا (?179) رقم (471).
(3) أيضا (?202) رقم (539).
(4) أيضا (?227) رقم (597).
(5) أيضا (?297) رقم (805).
====================?183
فقال :حدّ ثوا بها فإنّها حقٌّ (1).
ما ورد عن الإمام عليّ بن محمد أبي الحسن الهادي عليه السلام (?254هـ)
نقلت عنه الكتب التالية :
1- الأمالي في تفسير القرآن :وهو المعروف باسم تفسير العسكري ,رواه عنه اثنان من أصحابه عليه السلام ,وكان الإمام يملي عليهما ذلك مدّة سبع سنوات ,مقداراً لكلّ يوم قدر ما ينشط له من الإملاء(2) .
2- رسالة الردّ على أهل الجبر والتفويض(3) .
3- كتاب في أحكام الدين : ذكره السيّد الأمين العاملي(4) .
4-نسخة :رواها أبو طاهر ابن حمزة بن اليسع أخو أحمد(5) .
الهامش:
(1) الكافي للكليني (1/ 53) ? (15) ونقله في بحار الأنوار (2/167) وانظر مستدرك الوسائل (3/382) وقد تحدّثنا عن هذا الحديث بتفصيل في بحثنا حول (الطرق الثمان لتحمّل الحديث وأدائه) باعتباره من أدلّة طريقة (الوجادة).
(2) الذريعة (4/ 283?285) ولاحظ أمالي الصدوق ? المقدّمة (?21) ? النجف ?وقد شكّك بعض الأعلام في نسبة هذا التفسير إلى الإمام عليه السلام، فلاحظ.
(3)أعيان الشيعة (?1 ?1 ?380).
(4) أعيان الشيعة (?1 ?1 ?380).
(5) رجال النجاشي (?460) رقم (1256).
===========?184
5- نسخة :رواها عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور , السرمن رائي(1) .
6- نسخة :رواها عليّ بن الريّان بن الصلت الأشعري القمي(2) .
7- مسائل :رواها عليّ بن جعفر الهماني البرمكي(3) .
ما ورد عن الإمام الحسن بن عليّ أبي محمد العسكري عليه السلام (?260هـ)
1- عن داود بن القاسم الجعفري ,قال : عرضت على أبي محمد صاحب العسكر عليه السلام كتاب يوم وليلة ليونس ,فقال لي : تصنيف من هذا ?
فقلت : تصنيف يونس مولى آل يقطين ,فقال :أعطاه الله بكلّ حرف نوراً يوم القيامة (4) .
والمأثور عنه عليه السلام من الكتب :
كتاب المنقبة :قال شيخنا الطهراني : المشتمل على أكثر الأحكام ومسائل الحلال والحرام
الهامش:
رجال النجاشي (?297) رقم (806).
(2) أيضا (?278) رقم (731).
(3) أيضا (?280) رقم (740).
(4) رجال النجاشي (?447) رقم (1208) وبحارالأنوار (2/150) ? (25).
==============?185
وعن ( مناقب ) ابن شهر آشوب ,? (الصراط المستقيم )للنباطي : أنه تصنيف الإمام العسكري عليه السلام ,وحكى ذلك السيد الميرزا محمد هاشم الأصفهاني في آخر رسالته في تحقيق حال الكتاب المعروف بفقه الرضا ,وجعل الاحتمال الخامس في الرسالة : اتحاد فقه الرضا مع كتاب المنقبة هذا(1).
2- نسخة :رواها عبد الله بن محمد أبو معاد الحويمي(2) .
3- مسائل :رواها محمد بن سليمان أبو طاهر الزراري جدّ أبي غالب(3) .
4- مسائل :رواها محمد بن الريان بن الصلت الأشعري القمي (4) .
5- مسائل :رواها محمد بن علي بن عيسى القمي(5) .
6- تفسيرالعسكري عليه السلام: نسبت نسخة كتاب بهذا العنوان إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام ,وقد طبعت أخيراً اعتمادا على نسخ أقدمها المؤرخة بسنة (886هـ).
الهامش:
رسالة في تحقيق فقه الرضا (?30) الذريعة (23/ 149).
(2) الذريعة (24/ 152) رقم (777).
(3)رجال النجاشي (?347) رقم (937) ولاحظ رسالة أبي غالب الزراريّ (?126? 148? 226)
رجال النجاشي (?370)رقم (1009).
(5) أيضا (?371) رقم (1010).
=================?186
وليس هناك ما يدلّ على وجودها أسبق من ذلك إلا ما تناقله بعض من أحاديث مفردة بسند يتفق مع ما جاء في أول هذه النسخة كالصدوق وصاحب الاحتجاج والمحقق الكركي في إجازة له.
ولم يثبت استنادهم إلى مثل هذه النسخة ,فمن الممكن اعتمادهم على النقل الشفوي ,أو إلى كتاب آخر يحتوي على مثل هذا السند.
ثمّ إنّ القدماء مع ذلك نسبوا بنفس السند تفسيراً إلى الإمام الهادي عليه السلام , ذكرناه في مؤلفاته عليه السلام.
ومن المستبعد تعدد الكتابين من الراويين المذكورين في السند ,تارة عن الهادي عليه السلام ,? أخرى عن العسكري عليه السلام!
ثمّ إنّ في النسخة المطبوعة اضطراباً في سندها وخلطاً في متنها, لايناسبان - مطلقاً - نسبتها إلى الإمام عليه السلام.
وقد ألف الحجة الشيخ محمد جواد البلاغي (?1352هـ) رسالة في نسبة هذا الكتاب فصّل أوجه الاضطراب والخلط فيه ,كما جمع الشيخ رضا الأستادي أقوال الأعلام نفياً ? إثباتاً حول الكتاب ونسبته ,وقد نشر العملان في مجلة (نور علم) القميّة في العدد الأول للسنة الثانية ?118-151 .
ما ورد عن الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر عليه السلام
فقد خرجت من ناحيته المقدسة أجوبة المسائل مكتوبة باسم ( التوقيعات ) على الأسئلة الموجّهة ? لى ناحيته المقدسة .
وقد جمعها عدّة من الأعلام ,منهم :أبو العباس الحميري عبد الله بن جعفر بن الحسين بن مالك بن جامع القمي ,من أصحاب الإمام أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام (?299هـ)(1).
الهامش:
(1) رجال النجاشي (?220) رقم (573).
=================?187
تعليق على الفصل الثالث :
وبهذا ينتهي الفصل الثالث من القسم الأول ,وقد عرفنا من خلال عرضنا لروايات أئمة أهل البيت عليهم السلام ومؤلفاتهم : أنهم-كلهم وبلا استثناء- وقفوا مع جواز التدوين قولاً وعملاً .
بل ,رأ يهم جميعهم على ذلك وإذا كان كبار أهل البيت عليهم السلام كذلك نستكشف موافقة سائر علمائهم ? المخالف شاذّ وخارج عن إجماعهم ,والعبرة بما انعقد عليه إجماع أهل الحل والعقد منهم ,ولا حكم للشاذّ النادر.
مع أنه لم ينقل عن أيّ واحدٍ منهم خلاف ذلك ,على سعة تتبعنا في الموضوع .
لكن ينبغي _ ونحن في نهاية هذا الفصل _ التنبيه على أمرين :
الأمر الأول : أنّ ما عدّدناه في هذا الفصل من المؤلفات والكتب المأثورة عن الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ,لا يعني -إطلاقاً - تحديد نشاطاتهم العلمية بذلك ,أو حصر آثارهم العمليّة في ذلك فقط ,بل ,إنّ تلك المؤلفات والكتب لا تمثّل إلاّ جزءاً ضئيلاً من جهودهم المسجّلة ,فإن أصحابهم _الذين تربّوا على أيديهم وحصّلوا في مدارسهم _ من المؤلفين للكتب ,في عصرهم وبمرأىً منهم _كانوا كثيرون جدّاً .
===============?188
قال المحدّث المتضلّع في تاريخ الحديث عند الشيعة الإمامية المولى محمد تقي المجلسي الأوّل (? 1070هـ) : إنّ أصحاب الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام المصنفين للكتب كانوا أربعة آلاف رجل ,فاختاروا – من جملة كتبهم وجملة ما نقله أصحاب سائر أئمتنا عليهم السلام _ أربعمائة كتاب وسمّوها ( الأ صول الأربعمائة ) وكانت هذه الأصول عند أصحابنا , يعملون عليها ,مع تقرير الأئمة الذين في أزمنتهم عليهم السلام على العمل بها , وكانت هذه الأصول عند الكليني والصدوق والطوسي ,فجمعوا منها هذه الكتب الأربعة : الكافي ,ومن لا يحضره الفقيه ,والتهذيب ,والاستبصار.
لكن لمّا كانت هذه الكتب الأربعة موافقةً لتلك الأ صول الأربعمائة ,وكانت هذه مرتبة بترتيب أحسن من تلك ,لم يهتمّوا غاية الاهتمام بنقل تلك الأصول ,ولمّا أحرقت كتب المفيد والطوسي ,ضاعت أكثر الأصول ,وبقي بعضها حتى عصر ابن إدريس الحلي ,فقد كان عنده طرف منها ,وبقي القليل منها ? لى الآن (1).
الهامش:
(1) انظر روضة المتّقين شرح من لا يحضره الفقيه (1/6-87) وعن الأُصول الأربعمائة الذريعة (2/ 125-167) ودائرة المعارف الإسلامية الشيعية للأمين (5/ 32) بقلم محمّد حسين الحسيني الجلالي، وتأسيس الشيعة (?287) وعن الكتب الأربعة انظر دليل القضاء الشرعي (3/110-252).
=======================?189
وأمّا مجموع ما ألفه أصحاب الأئمة عليهم السلام فقد بلغ الآلاف ,وعددها المحدّث المذكور بثمانين ألف كتاب (1).
ولا غرو ,فقد كان الأئمة عليهم السلام يحثّون أصحابهم على التدوين ,قولاً وعملاً ,ويبعثون على جمع الحديث وكتابته ,وتخليد الكتب والاحتفاظ بها بشتى الوسائل والأساليب ,فلا عجب من أتباعهم الذين يقتدون بهم ويتأسون بعلمهم وعملهم ويتبعون أثارهم :أن يعمدوا إلى تأ ليف الكتب , وبشكل واسع ,ويسبقوا غيرهم في مجال التدوين في مختلف العلوم الإسلامية ? الحديث الشريف خاصة ,صوناً له من الضياع والتلف ,ولأحكام الدين وآدابه من التغيير والتبديل ,وقطعاً لدابر أعداء الدين الذين يكيدون له بكل وسائل الإبادة والتخريب ,بما في ذلك منع تدوين الحديث وتحريم تخليده في الكتب .
وسنذكر بعض ما قام به أصحاب الأئمة من الجهود في مجال الكتابة والتدوين , في الفصل الرابع التالي .
والمنقول عن الأئمة عليهم السلام من الكتب والمؤلّفات قليل بالنسبة إلى ما حدّثوا به من الروايات المنقولة عنهم شفهيّاً ,فقد ملأت أحاديثهم التي تناقلها الرواة عنهم مجلدات كثيرة ,وحوتها موسوعات كبيرة ,مثل : بحار الأنوار تأ ليف المحدث المجلسي في أكثر من مائة جزء ,? مثل وسائل الشيعة للمحدث الحرّ العاملي في ثلاثين جزءاً ,ومثل مستدرك الوسائل النوري ,في أكثر من خمسة وعشرين جزء ,? عوالم العلوم والمعارف للبحراني في أكثر من مائة جزء ,? جامع المعارف والأحكام للسيد عبد الله الشبر في أكثر من أربعين جزءاً .
الهامش:
(1) روضة المتّقين (1/87) ولاحظ الفوائد الطوسيّة (?5-246).
================?190
===================?190
الأمر الثاني :قد ظهر من مجموع ما أوردناه في هذا الفصل تحقق ? جماع أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم على ? باحة التدوين لجميع العلوم , وخاصّة الحديث الشريف منذ عهد أمير المؤمنين عليه السلام وحتى اليوم , ولم يعهد عن أيّ واحد منهم سواءٌ الأئمّة الاثنا عشر , أو أصحابهم,أو سائر علماء الشيعة الأبرار نقل_ ولو ضعيف _ بالقول بمنع التدوين .
ومن ذلك يعلم بالقطع واليقين بطلان نسبة حديث النهي عن الاحتفاظ بالكتب إلى الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام , والاستدلال بذلك على منعه لتدوين الحديث .
فإنه : مضافا ? لى منافاته لما اشتهر من النقل عن الإمام عليه السلام من كونه من القائلين بإباحة التدوين , بل هو مذكور في مقدّمة المبيحين , وقد نقلنا عنه ذلك قولاً وعملاً , بما لا يبقى معه ريب في بطلان نسبة الخلاف ? ليه .
فإن ذلك باطل من جهات :
1?- أنّ ذلك الخبر _ الذي رواه القرطبي في جامعه(1) _ ? نّما هو خبر واحد , غير معروف الطريق , ولا مشهور الرواية , فلا يعارض الأخبار الكثيرة الناقلة لإباحته عليه السلام التدوين والكتابة , وروايته ذلك , وفعله وكتابته للكتب , كما فصّلناه سابقا .
الهامش:
(1)جامع بيان العلم (1/63) وانظر السنة قبل التدوين ( ? 313 ) .
================?191
2?- ? ? نصّ هذا الخبر هو :أنّ عليّاً عليه السلام كان يخطب , يقول :أعزم على كلّ من كان عنده كتاب إلاّ رجع فمحاه , فإنّما هلك الناس حيث يتبعوا أحاديث علمائهم , وتركوا كتاب ربهم .
مع أنهذا النصّ _ بعد الإعراض عن الجهات السابقة_ لا ينافي القول بجواز التدوين , وذلك لأنّه يحتوي على أمرين :
1- أنْ يكون الكتاب المذكور مؤدّيا إلى ترك كتاب الربّ .
2-أنْ يكون الكتاب المذكور من كلام العلماء الذين يكتسبون من غير الوحي .
وكلا الأمرين لا يوجدان في كتاب الحديث الشريف :
1- فإنّ الحديث ليس من كلام العلماء , وإنّما هو كلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي لا ينطق عن الهوى , بل يستلهم من الوحي , فهو خارج عمّا يراد منهذا الخبر تخصّصاً (1).
2- إنّ الحديث النبوي الشريف لا يؤدي إلى ترك كتاب الله حتّى يكون
مصداقاّ لما ذكره الإمام عليه السلام ومورداً للعلّة التي ذكرت في هذا الكلام .
بل الحديث ليس إلاّ امتداداً للقرآن وتبياناً له وتأكيداً على مضامينه , كما سيأتي تفصيل ذلك في الفصل الثالث من القسم الثاني (2).
الهامش:
(1) لاحظ الأنوار الكاشفة , للمعلمي (?39) .
(2) ?
=================?192
3?- إنّ سند الخبر _كما في مصدره المذكور _ هو قول يوسف بن عبد البرّ القرطبي : أخبرنا أحمد بن عبد الله : حدّثنا أبي :نا عبد الله : نا بقيّة : نا أبوبكر : نا أبو أسامة , عن شعبة , عن جابر بن عبد الله بن يسار, قال : سمعت عليّاً يخطب , يقول (1).
وهذا السند مخدوش من جهات :
فأولاً : ما ذكره المعلمي _ في الأنوار الكاشفة _ بقوله : ذكره ابن عبد البرّ من طريق شعبة عن جابر , ولم أجد لجابر بن عبد الله بن يسار ذكراً , وقد استوعب صاحب التهذيب مشايخ شعبة في ترجمته , ولم يذكر فيهم من اسمه جابر , إلاّ جابر بن يزيد الجعفي , فلعلّ الصواب ? جابر , عن عبد الله بن يسار .
… وعبد الله بن يسار لا يعرف (2) .
أقول : أما ما صوّبه أخيراً , فهو عين الصواب , لما ذكره , وأمّا قوله: وعبد الله بن يسار لا يعرف ,فهو خطأ , إذ الرجل من التابعين وقد ذكره ابن حجر , وذكر انه روى عن عليّ عليه السلام وروى عنه جابر الجعفي ونقل عن النسائي وابن حبان توثيقه (3) .
وثانياً : ما ذكره المعلمي أيضاً _ على مبناه في الجرح _ بقوله : جابر الجعفي ممقوت , كان يؤمن برجعة عليّ عليه السلام ? لى الدنيا , وقد كذبه جماعة في الحديث , منهم أبو حنيفة ,
الهامش:
(1) جامع بيان العلم (1/63 ) .
(2) الأنوار الكاشفة (?39) .
(3) تهذيب التهذيب (6/4 - 85 ) .
=======================?193
وصدقه بعضهم في الحديث خاصة بشرط أنْ يصرّح بالسماع , ولم يصرّح هنا (1) .
وثالثاً : إنّ رجال السند في الحديث المذكور قد عملوا على خلاف مؤدّاه ومضمونه , وهذا هو من عوامل وهنه وضعفه (*) فقدكان الإمام عليّاً عليه السلام ممن يكتب الحديث ويأمر بكتابة العلم , كما مرّ مفصّلاً (2) .
وجابر الجعفيّ كتب الكتب _كذلك _ (3) .
وأبو أسامة _ وهو حمّاد بن سلمة _ كان صاحب كتب وكان يقول: كتبت بإصبعيَّ _ هاتين_ مائة ألف حديث (4) .
ورابعاً : إنّي أشكّ في ضبط هذا السند , فاسم ( بقيّة )غلطٌ ,وإ نما الصواب هو ( بقيّ ) لأنّ ابن عبد البرّ يروي في كتابه هذا : جامع بيان العلم ,مكرّراً عن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ , عن أبيه , عن عبد الله _ وهو ابن يونس _ عن بقيّ _ وهو ابن مخلّد _ عن أبي بكر _ وهو ابن أبي شيبة _ عن أبي أسامة (5) .
بينما لم أعثر على شبيهٍ للسند الأول , ولا في مورد واحد (6) .
الهامش:
الأنوار الكاشفة (?39) .
(*) لاحظ التنقيح للقرافي (?371) وإرشاد الفحول للشوكاني (?179).
(2) قد مرّ مفصلاً , ? انظر الأنوار الكاشفة (?39) .
(3) الفهرست , للشيخ الطوسي (?70) .
(4) تهذيب التهذيب (3/3) وانظر الجالمع لأخلاق الراوي (2/ 254).
(5) لقد تكرّر مثل السند الثاني في ( جامع بيان العلم ) في الجزء الأول (?95?100?108?115?116?124) وفي الجزء الثاني (?23?38?42) .
(6) أقول : وبعد أنْ كتبت هذا , على أساسٍ من شكّي المذكور , وقع في نفسي أنْ أتتبع ترجمة ( بقيّ بن مخلد ) فوجدت أنّ الذهبي قال في حقه : ومما انفرد به ولم يدخله [ أي إلى الأندلس ] سواه : مصنّف أبي بكر بن أبي شيبة .
وأضاف : لما دخل بقيٌّ الأندلس بمصنّف ابن أبي شيبة , وقرئ , أنكر جماعة من أهل الرأي ما فيه من الخلاف , واستبشعوه , ونشّطوا العامّة عليه ,ومنعوه من قراءته !! سير أعلام النبلاء ( 13/ 287-288) .
فراجعت ( الكتاب المصنّف ) لابن أبي شيبة , فوجدت فيه , في كتاب الأدب , الباب (1073) من يكره كتاب العلم , الحديث [6490] : أبو أسامة , عن شعبة , عن جابر , عن عبد الله بن يسار , قال : سمعت عليّاً يخطب يقول …( الكتاب المصنّف :9/ 52) .
فظهر ما في سند جامع بيان العلم من أخطاء فظيعة ,والحمد لله على توفيقه , ونسأله الهدى إلى سواء طريقه .
=============?194
وخامساً : إنّه_ على كلّ حال _ حديثٌ غريبٌ , تفرّد به رواته , كما تفرّد بإثباته ابن أبي شيبة في المصنّف ,ومنه نقل الناقلون , وهذا التفرُّد يكشف_ بلا ريب _ عن إعراضهم عنه , وعدم الاحتجاج به .
ويزيد في توهينهذا الحديث أنّ روايته انحصرت بعبد الله بن يسار عن عليّ عليه السلام , مع أنه يرويه عن خطبةٍ له عليه السلام , وظاهرها أنْ تكون ملقاةً على جمعٍ من الناس , فكيف لا يرويها إلاّ هو ?!
ويؤيّد عدم حجيّته أنّه لم ينقل من طريق أهل البيت عليهم السلام , ولا شيء بمعناه مع أنّهم هم أولى من يعرف مثل ذلك من أبيهم عليه السلام لو كان ثابتاً أنّه قاله , بل لم ينقل أهل البيت عليهم السلام إلاّ ما يخالفه ويبطله .
والحاصل : أنّ مثل هذا الخبر لا يقوم دليلاً على نهي الإمام عليه السلام , عن تدوين الحديث الشريف .
======================?195
فإجماع أهل البيت عليهم السلام على إباحة التدوين متحقّق , وهو حجّة شرعيّة يجب اتّباعها , بحكم حديث الثقلين , فإنّ في التمسك بهم واتّباعهم الهدى , وفي الابتعاد عنهم وتركهم الضلال والردى .
هدانا الله إلى الحقّ القويم .
===============197
الفصل الرابع
سيرة المسلمين على التدوين
تمهيد :
لا ريب أن سيرة المسلمين مستقر ? على تدوين العلم وكتابته , ومن المعلوم أنّ سيرتهم لا تنتظم على شيء مخالف للشريعة .
وإذا كانت هذه السيرة متواصلة الحلقات متصلة بعهد الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم كانت حجّة شرعيّة على جواز التدوين , وإن كانت راجعة _ في الحقيقة_ إلى شكل من أشكال السنّة النبويّة , كما هو مفصّل في علم الأصول (1) .
ومن الواضح أنّ الحديث الشريف من أفضل ما يكتبه المسلمون بعد القرآن الكريم .
وكل هذا الذي ذكرنا لا خلاف فيه ولا يحتاج إلى بحث عنه , إلاّ ما افترضناه من اتصال حلقات هذه السيرة بعهد الرسالة , فإن ذلك يحتاج إلى إثبات هذه السيرة في أربعة عهود :
الهامش:
(1) انظر : الأصول العامة للفقه المقارن (?199) .
===============================?198
1- عهد القرن الثاني فما بعده .
2- عهد التابعين قبل بداية القرن الثاني .
3- عهد الصحابة بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم .
4- عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.
أمّا العهد الأول : فإن الإجماع قد تحقق فيه على إباحة التدوين للحديث الشريف , وقد عرفنا في المقدمة (1) أنّ عمر بن عبد العزيز كان قد أمر بتدوينه وكتابته , وأنه لم يبق تحرّج من كتابته منذُ عصره , ولم يخرج القرن الثاني إلاّ وقد انعقد إجماع الأمّة على إباحة التدوين, بل ضرورته .
قال ابن الصلاح : ثمّ إنّه زال ذلك الخلاف , وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك , وإباحته , ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة (2) .
وقال البلقيني : ومن أباح ذلك كثير , وهم الجمُّ الغفير , والآن فهو مجمعٌ عليه , لا يتطرّق خلافٌ ? ليه (3) .
وقال ابن حجر : إنّ السلف اختلفوا في ذلك [ أي التدوين ] عملاً وتركاً , وإنْ كان الأمر استقرّ , والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم , بل على استحبابه , بل على وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعيّن عليه تبليغ العلم (4) .
الهامش:
(1) انظر ? ( 15 ) .
(2) علوم الحديث لابن الصلاح ( ? 183 ) مقدمة ابن الصلاح ( ? 302 ) .
(3) محاسن الاصطلاح ( ? 33 ) .
(4) فتح الباري ( ? 1 ? 182 ) .
=======================?199
وقال ابن كثير : وقد حكي ? جماع العلماء في الأعصار المتأخّرة على تسويغ كتابة الحديث , وهذا أمرٌ مستفيضٌ , شائعٌ , ذائعٌ , من غير نكير (1) .
وقال شاكر : ثم جاء ? جماع الأمة القطعي _ بعد _ قرينةً قاطعةً على أنّ الإذنهو الأمر الأخير , وهو ? جماعٌ ثابتٌ بالتواتر العمليّ , عن كلّ طوائف الأمة بعد الصدر الأوّل (2) .
وقال الدكتور عبد الغني عبد الخالق : إجماع الأمّة القطعيّ _ بعد عصر الصحابة والتابعين _ على الإذن وإباحة الكتابة … وهو إجماعٌ ثابتٌ بالتواتر العمليّ عن كلّ طوائف الأمة بعد الصدر الأوّل (3) .
وعمل أعلام الحديث _ من كلّ الفر ? الإسلامية _ منذ أوائل القرن الثاني فما بعد , دليلٌ قاطعٌ على تحقق إجماعهم على جواز التدوين وإباحته , ويستنبط من ذلك القطع بإباحة التدوين من أوّل الأمر , لأنّ الأمة _ كما يقول ابن الصلاح _ معصومة عن الخطأ , فما ظنتْ صحته ووجب عليها العمل به , لابدّ وأنْ يكون صحيحاً في نفس الأمر (4) .
أقول : فكيف بما أجمعتْ عليه وقطعتْ بصحته ? فلابدّ أنْ يكون صواباً وحقّاً ثابتاً من شرع الإسلام .
الهامش:
(1) اختصار علوم الحديث المطبوع مع الباعث الحثيث ( ? 127 ) .
(2) الباعث الحثيث ( ? 128 ) .
(3) حجية السنة ( ? 448 )
(4) نقله في الباعث الحثيث ( ? 33 ) .
=========================?200
وقال ابن الديبع : والإذن في الكتابة ناسخ للمنع , بإجماع الأمة على جوازها , ولا يجتمعون إلاّ على أمرٍ صحيحٍ (1) .
وأمّا العهد الرابع : وهو تحقّق جواز الكتابة والتدوين للحديث في عهد الرسالة : فقد عرفناه مفصّلاً في الفصل الثاني منهذا القسم (2) حيث نقلنا قيام السنّة القوليّة والفعليّة والتقريريّة على جواز تدوين الحديث ,كما نقلنا ثبوت الأدلّة على وقوع الكتابة في عهده صلّى الله عليه وآله وسلّم من ? ون نكيرٍ منه .
وقد قال الدكتور عتر : وردت أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة تبلغ بمجموعها رتبة التواتر في إثبات وقوع الكتابة للحديث النبويّ في عهده صلّى الله عليه وآله وسلّم (3) .
وقال السيّد أحمد صقر : من الحقائق المطويّة في ثنايا الكتب : أنّ الأحاديث النبويّة قد دوّنت في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (4) .
وأمّا ما نسب إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم من أحاديث المنع عن التدوين والنهي عن الكتابة (5) فسيأتي _ في القسم الثاني منهذه الدراسة _ الجواب عنه , بأنّ كلّ ذلك إنّما جاءت به الأسانيد الضعيفة , وبينها صحيحٌ واحدٌ _ في ما يقال _ معللٌ بالتردّد بين الوقف والرفع , مع انحصارها بما لا يتجاوز الأصابع مما لا يقاوم المجموعة الكبيرة من الأحاديث الدالّة على الإباحة والجواز وفيها العديد من الصحاح , لو تمّ التعارض بينهما .
الهامش:
(1) تيسير الوصول (3/ 177 ) .
(2) انظر ( ? 47 - 111 ) منهذا الكتاب .
(3) منهج النقد ( ? 40 ) .
(4) المدخل الى فتح الباري ( ? 7 ) .
(5) انظر الفصل الأول من القسم الثاني ( ? 286 ) فما بعدها .
=================?201
مع أنّ أحاديث النهي محمولة على محامل أخر , بحيث لا تنافي ما دلّ على جواز التدوين وإباحة كتابة الحديث : كالحمل على نهي أشخاص معينين , أو النهي عن كتابة الحديث في صحف خاصة لكتابة القرآن , أو أنها منسوخة , وإنّما كانت في ابتداء الأمر , وأنّ أدلة الجواز هي المتأخّرة (1) .
فلم يبق أمام إثبات اتصال هذه السيرة إلاّ إثباتها في عهد الصحابة والتابعين , وهو ما عقدنا له هذا الفصل .
مع أننا نعتقد أنّ السيرة التي تحقّقت بعد القرن الأوّل , والإجماع الذي انعقد عند علماء الإسلام كافّةً , لم يكونا نابعين من حينهما , بل كانا مأخوذين من السلف الصالح , وأنّهما مستمرّان في التحقّق , جيلاً قبل جيل , ? غم المخالفة القصيرة العمر , والقليلة الأثر على الحديث الشريف .
ولو حققنا الأمر , وصدقنا القول , لوجدنا أنهذه السيرة متّصلة بعصر النبوّة الزاهر , بل مستوحاة بلا شكٍ من تقرير الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأمره بالتدوين والكتابة .
الهامش:
(1) الحديث والمحدثون لأبي زهو (?124) وصحيفة علي بن أبي طالب عليه السلام (?44) .
==================?202
وليس علينا أنْ ننتظر _ كما يقول المشكّكون في الحديث _ عهد عمر بن عبد العزيز , حتى نسمع للمرة الأولى _كما هو الشائع _بشيءٍ اسمه تدوين الحديث أو محاولة لتدوينه (1) .
وهذا هو الذي يوجبه حسن الظن بكل مسلمي القرن الثاني والثالث وما بعدهما إلى اليوم .
وعلى كلّ حال , فنبدأ بإثبات سيرة الصحابة والتابعين على التدوين, بما يلي :
العهد الأوّل : عهد الصحابة :
لم يتّخذ إجراء المنع عن التدوين , بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ بعد فترة طويلة , حتى أنّ أبا بكر أقدم _ في تلك الفترة المتّصلة بوفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم _ على تدوين الحديث .
ولمّا بدا له أنْ يمنع التدوين _ فبدأ بإبادة تلك الأحاديث التي جمعها, وكانت تبلغ الخمسمائة حديث _ لم يقدّم تبريراً لعمله ذلك إلاّ خشيته أنْ يكون قد كتب ما حدّثه رجلٌ قد وثق به ولم يكن كما حدثه (2) !
ومع أنهذا التبرير , لا يوجب منع غيره _ ممن حفظ الحديث وأجاد حفظه _ من التدوين :فإنّا لم نجد من وافق أبا بكر في إقدامه ذلك , في فترة حكمه , فلم ينقل حديث المنع عن غيره من الصحابة في تلك الفترة .
ونرى في عدم استناد أبي بكر في منعه التدوين إلى حرمة ذلك في الشرع , ولا إلى عدم جوازه في عهد الرسول , دليلاً على عدم وجود منع سابق .
الهامش:
(1) علوم الحديث لصبحي الصالح (?33) .
(2) تذكرة الحفاظ , للذهبي (1/ 5) .
========================?203
وتدور الأمور , حتى عهد عمر , فنجده هو الآخر يقدم في بداية عصره على كتابة السنن , فيريد أنْ يكتبها ثم يتردّد , فيستشير الصحابة في ذلك , فأشار عليه كافّتهم بالكتابة (1) .
وهذا هو في نفسه دليل واضح على أنّه لم يكن في عهد الصحابة تحرّج من تدوين الحديث , ولم يجر في خلد أحد منهم المنع , وأنّهم لم يأبهوا بما بدر من أبي بكر من إجراء الإبادة للحديث .
وإلاّ , فكيف يشير كافّتهم على عمر بأن يكتب السنن ?! .
ولكن عمر لم يأخذْ بمشورة الصحابة , وإنّما طفق شهراً , متردّداً , إلى أنْ استقرّ رأيه على المنع , بحججٍ سنعرضها في القسم الثاني .
وكلّ هذا الإقدام وتلك الاستشارة , وهذه الإشارة من الصحابة , وذلك التردّد والتعلّل من عمر , يدلّ على عدم ثبوت المنع عندهم من الشرع , وإلاّ فلا معنى لكلّ ذلك .
قال الشيخ محمد محمد أبو زهو : وقد كأنهذا [ المنع ] رأياً من عمر (2) .
بل , صدر المنع من أبي بكر , وثمّ من عمر , على أنّه رأيٌ خاصٌّ لهما .
الهامش:
(1) طبقات ابن سعد (3/286 ) ?( 3 ? 1 ? 206 ) من طبعة ليدن وتقييد العلم ( ? 49 - 51 ) وجامع بيان العلم (1/64 ) .
(2) الحديث والمحد ثون , لأبي زهو ( ? 126 ) .
==============?204
ولم يكن رأي عامة الصحابة , إلاّ عدم التحرّج من الكتابة , ? إباحتهم التدوين بل لزومه , كما يفهم من إشارتهم على عمر بأنْ يكتب السنن .
وبعد أن أعرض عمر عن آراء الصحابة , وبدا له أنْ يمنع التدوين ? عمّم أوامر المنع على الأمّة , بما فيهم الصحابة , بدأ حديث المنع يتسرّب وينتشر .
وفي هذه الفترة نجد بعض الصحابة يظاهر عمر على إجراء المنع , وهم نزر قليلٌ لا يتجاوزون العقد الواحد , وقد عدّهم الخطيب البغدادي ستة أشخاص فقط في كتابه ( تقييد العلم ) وهو أجمع وأهمّ كتاب في هذا الموضوع (1) .
والملاحظ أنّ أحداً منهم لم يحتجّ بالشرع في منعه من التدوين , ولم يستندْ عند محاولة المنع إلى نصّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وإنّما علّل لمنع التدوين بعلل أخرى .
قال الشيخ محمد محمد أبو زهو : إنّ امتناع بعض الصحابة عن كتابة الحديث , ومنعهم منها,لم يكن سببه نهيُ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن كتابة الحديث , بدليل أنّ الآثار الواردة عنهم في المنع أو الامتناع من كتابة الحديث , لم ينقل فيها التعليل بذلك , وإنّما كانوا يعلّلون بمخافة أن يشتغل الناس بها عن كتاب الله ,أو غير ذلك من الأغراض (2) .
الهامش:
(1) لاحظ دراسات في السنة النبوية للصديق (?103) .
(2) الحديث والمحدثون , لأبي زهو (?3- 234) .
=================?205
و _ فقط_ على هؤلاء المانعين من الصحابة تدور أحاديث المنع المنسوبة إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , ? إليهم _ أنفسهم _ تنسب أكثر التوجيهات والتبريرات المذكورة للمنع , كما سيأتي تفصيل ذلك في فصول القسم الثاني .
وهم بعد أبي بكر , وعمر , وعثمان : أبو موسى الأشعري , وابن مسعود , وأبو سعيد الخدري , وزيد بن ثابت .
لكن عامة الصحابة الكبار خالفوا - بشد ? - هؤلاء في منعهم التدوين , وعارضوهم قولاً وعملاً .
حتى أولئك القلّة المانعة من الصحابة نجدهم يكتبون الحديث , بعد تلك الفترة .
يقول الدكتور الأعظمي : إنّ كلّ من نقل عنه كراهية كتابة العلم, فقد نقل عنه عكس ذلك أيضاً , ما عدا شخص أو شخصين , وقد ثبتت كتابتهم والكتابة عنهم , أو الكتابة عنهم فقط (1) .
ولا ندري , ما هو الداعي لتلك القلة , في الالتزام بأوامر عمر بالمنع
هل لأنّه وليّ أمرهم , تجب طاعته عليهم ?
لكن لماذا لم يدرك سائر الصحابة هذا الأمر؟
ولماذا لم يلتزم أحدٌ _ حتى تلك القلة من الصحابة _ بأوامر عمر بمنع التحديث والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ? ذلك الإجراء الذي اتّخذه عمر بعد منع التدوين ! كما سيأتي بيانه في نهاية القسم الثاني.
الهامش:
(1) دراسات في السنة النبوية الشريفة لصديق (?104) عن الأعظمي في دراسات في الحديث النبوي (?76).
==================?206
ومهما يكن موقف أولئك , فإنّ عامة الصحابة أشاروا على عمر بالتدوين من دون ? حرج وهذا منهم وحده دليلٌ على التزامهم بجواز الكتابة والتدوين من دون حرج (1) .
بل قاوم بعضهم المنع بشدّة , ولم ينصاعوا عملياً لتلك الأوامر إطلاقا حتى أنّ عمر حاول الالتفاف عليهم , لينقضّ على ما كتبوا من الأحاديث , فطلب منهم إحضارها عند ? , ولم يبيّنْ لهم مراده , حتى ظنّوا أنّه يريد بها خيراً , لكنه ? جمعها وأحرقها (2).
ولو علموا ذلك منه , لما أتوه بها ولأخفوها عنه .
وهذا النصُّ يدلُّ على أنّ دأب الصحابة , كان على التدوين , وبإصرار وحرص بالغين , غير منصاعين لأوامر الوالي بالمنع , حتى التجأ عمر إلى الالتفاف عليهم للقضاء على ما كتبوا!
قال الشيخ عبد الغني : فقد كان أكثرهم يبيح الكتابة , ويحتفظ بالمكتوب منها , والبعض يكتب بالفعل (3) .
كما تدل على ذلك آثار الصحابة ومخلّفاتهم المكتوبة , التي جمعوا فيها الحديث الشريف , والتي سنستعرضها في هذا المقام بتفصيل .
ومقارنة سريعة بين أسماء المانعين للتدوين , وبين أسماء المبيحين للتدوين من الصحابة , تعطينا اليقين بأنّ المانعين إنّما كانوا شذّاذاً حادوا عن الصواب في هذه المسألة , لأغراض شخصيّة خاصّة وإنّما الحقّ كان مع أولئك المبيحين .
الهامش:
(1) الحديث والمحدثون لأبي زهو ( ? 234 ) .
(2) لاحظ هذه الدراسة , القسم الثاني , التمهيد ( ? 274 ) وبعدها .
(3) حجية السنة ( ? 448 ) .
==================?207
قال أحمد محمد شاكر : وأكثر الصحابة على جواز الكتابة ,وهو القول الصحيح (1) .
فقد نقل إباحة التدوين عن : عمر ! ? عليّ عليه السلام , وأنس , وجابر , وابن عباس , وعبد الله بن عمرو , والإمام الحسن (2) .
ور وي عن : عثمان , وأبي موسى الأشعري , وسلمان , وأبي ? ? , وأبي رافع , وعلي وعبيد الله ابني أبي رافع , وسعد بن عبادة , ورافع بن خديج , وحنظلة الكاتب , وسمرة بن جندب , وواثلة بن الأسقع , وأبي هريرة , وعائشة .
وقد عرفنا أنّ الصحابة – كافّة - أشاروا على عمر بأنْ يكتب الحديث , وأنّ أكثرهم أباحوا ذلك .
وهذا يدلّ على أنّ عملية المنع , لم تكن مستندةً إلى أساس شرعي , بل إنّما كانت فلتة(3) لا أثر لها على الحديث , ولا وقع لها في حكم تدوينه وكتابته .
ومن ذلك يتّضح أنّ السيرة العمليّة في عهد الصحابة , كانت هي جواز التدوين وإباحته , واتصالها بعهد الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم , معلوم .
الهامش:
(1) الباعث الحثيث ( ? 127 ) .
(2) الإلماع ( ? 147 ) .
(3) لاحظ هذا الكتاب ( ? 417 ) والنهاية لابن الأثير (3/468 ) .
=======================?208
ومن الغريب أنْ نجد بين أسماء الصحابة المبيحين اسم مثل : عمر , وعثمان , وأبي موسى , مع أنّهم من المانعين والمبررين للمنع ! ! !(1)
بل قد رووا عن عمر قوله : قيّدوا العلم بالكتاب (2) موقوفاً عليه.
وعن عثمان قوله : قيّدوا العلم , قلنا : وما تقييد ? ? قال : تعلّموه وعلّموه , واستسخوه (3) .
وسيأتي أنّ لأبي موسى , صحيفةً موجودةً .
لكن : قد يكون الناقلون لهذه الأقوال والآثار , افتعلوا نسبتها إلى هؤلاء , الذين بدأوا منع التدوين , وعارضوا تقييد الحديث وحفظه في الكتب , إلى حدّ الإحراق والإبادة ,
الهامش:
(1) انظر دلائل التوثيق المبكر (?234) ويقول : ويبدو أنّ الفاروق عمر كان مؤيّداً لتسجيل الحديث , على الرغم من أنه لم يدعم ذلك !?
(2) المحدّث الفاصل (?377) رقم (357) وجامع بيان العلم (1/72 ) ومستدرك الحاكم (1/ 106) وتقييد العلم (?88) ومحاسن الاصطلاح (?296) وسنن الدارمي (1/ 127) .
ومن الغريب أنْ يستدل بعضهم بهذا الحديث ليؤكّد على أنّ ( عمر ) لم يكن ضدّ الكتابة , كما ذكر ( دلائل التوثيق المبكرص232) لكن مجرّد هذا الحديث لا يتمّ حجة ضدّ ما اشتهر عن عمر قولاً , وعملاً , بما لا يبقى معه مجال للإنكار .
(3) محاسن الاصطلاح (?296) عن كتاب المرزباني .
==================?209
مع معروفيّة أنّهم من أشدّ المعارضين للتدوين (1) .
قد يكون الناقلون عنهم هذه الأقوال والآثار إنّما وضعوا عليهم ذلك ليسجّلوا لهم مأثرةً في التدوين , تخفّف عنهم تبعات الإقدام على المنع , وتبعة إبادة الكتب وإحراقها .
لكن ذلك يصادم الحقيقة الثابتة الصارخة بأنهم منعوا التدوين حتى آخر لحظة من حياتهم , وما مات واحدهم إلاّ وهو ملتزم بذلك , كما سيأتي بيانه (*).
وأمّا جهود الصحابة المبيحين للتدوين , فقد وقفنا منها على ما يلي:
الإمام أمير المؤ منين عليّ بن أبي طالب عليه السلام (الشهيد عام 40هـ )
فقد عرفنا في الفصل الثالث منهذا القسم الأوّل أنّ الإمام عليه السلام كان رائد أهل التدوين , وأثبتنا ما روي عنه من أقوال , وما أثر عنه من آثار , في ذلك , فراجع .
2- الإمام الحسن بن عليّ السبط عليه السلام (? 49 هـ )
فقد عرفنا كذلك أنه كان ممن أباح التدوين , وقد أمر به أيضاً .
الهامش:
(1) لاحظ القسم الثاني , التمهيد ( ?263 ) .
(*) لاحظ ? من كتابنا هذا, وإليك هذا النص فعلاً : نقل أنه كان يحتفظ بالكتب عنده فلما حُضِرَ قال لابنه : ناولني الكتب يا عبد الله , قال ابنه : أنا أكفيك محوها .قال : لا والله , لا يمحيها أحد غيري , فمحاها بيده .
وكان فيها فريضة الجدّ ؟؟ فليلاحظ: طبقات ابن سعد (3/ 247)
===================?210
3- أنس بن مالك , خادم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم (?93هـ)
فعن يزيد الرقاشي , قال : كنّا إذا أكثرنا على أنس بن مالك : ألقى إلينا بمخلاة _أو_ أتانا بمخالٍّ ,فألقاها إلينا وقال : هذه أحاديث كتبتها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,أو سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وكتبتها , وعرضتها (1).
وقد روى الخطيب هذه الرواية بلفظ : ألقى إلينا بمجال(2) وهو جمع : مجلّة .
ورواه ابن عدي بلفظ ? مجالس , وفي روايته أنّ أنساً قال : هذه أحاديث سمعتها فكتبتها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ثم عرضتها عليه (3) .
وهذا النصّ يدلّ على وقوع الكتابة في زمان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم
وفي عرضها عليه وسكوته صلّى الله عليه وآله وسلّم عنه , تقريرٌ واضحٌ منه صلى الله عليه وآله وسلّم على تدوينه وكتابته .
وعن أنس , قال : كتب العلم فريضة (4) .
وأسند الرامهرمزي : أنّ أنساً كان يأ مر بنيه أنْ يقيّدوا العلم بالكتاب (5) .
وكان يقول لبنيه : يا بنيَّ, قيّدوا هذا العلم (6) .
الهامش:
(1) المحدث الفاصل ( ? 367 ) رقم ( 325 ) ومحاسن الاصطلاح ( ? 297 ) .
(2) تقييد العلم ( ? 95 ) .
(3) الكامل لابن عدي (1/36 ) وميزان الاعتدال (3/28 ) وقد تجرّأ الذهبي فأنكر صحة قوله: وعرضتها عليه ,مع أنه النصّ المرويّ ,لاحظ دراسات في السنة النبوية الشريفة (? 129).
(4) محاسن الاصطلاح ( ? 297 ) .
(5) المحد ? الفاصل ( ? 368 ) رقم ( 326 ) ومحاسن الاصطلاح ( ? 297 ) .
(6) سنن الدارمي (1/104) ? ( 497 ) .
====================?211
وقد روى الخطيب بسنده , عن النضر وموسى ابني أنسٍ , عن أبيهما : أنّه أمرهما بكتابة الحديث والآثار عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتعلمها (1) .
وقد أثرت عن أنس جملة :قيّدوا العلم بالكتاب (2) التي مرّت مرفوعةً عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم (3) كما مرّت موقوفةً على عليّ عليه السلام أيضاً (4) .
وكان أنس يقول : كنّا لا نعدّ علم من لم يكتب علمه علماً (5) .
وكلمة ( كنّا ) تدلّ على استقرار عادة الصحابة على التدوين والكتابة , وقد عرفنا أنه كان ممن يكتب في عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد بقي إلى أواخر القرن الأوّل , ولم ينقل عنه ما يدلّ على التزامه بمنع التدوين , فيمكن أن نعتبر كلمة ( كنّا ) دالّة على استمرار هذه العادة من عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى زمنٍ بعيدٍ .
وكان أنس يملي على الناس , وهم حوله يكتبون(6) .
الهامش:
(1) شرف أصحاب الحديث ( ? 97 ) رقم ( 211 ) .
(2) سنن الدارمي (1/ 127) والمحدّث الفاصل ( ? 368 ) رقم ( 327 ) وتقييد العلم ( 6 - 97 ) .
(3) مرّ برقم ( 6 - 9 ) ? ( 89 - 90 ) .
(4) مرّ برقم ( 2 ) ? ( 144 ) .
(5) تقييد العلم ( ? 96 ) وشرف أصحاب الحديث ( ? 97 ) رقم ( 211 ) .
(6) تاريخ بغداد (8/259) ودلائل التوثيق المبكر ( ? 460 ) . وقد كتبت عنه عدة صحف , اقرأ عنها: معرفة النسخ (?99-) .
==============================?212
وكان الحجّاج الثقفي سفّاك العراق , قد ختم في عنقه يريد إذلاله , وأنْ يجتنبه الناس فلا يسمعوا منه الحديث , في آخرين من الصحابة (1) .
4- جابر بن عبد الله الأنصاري (?74هـ )
كانت له صحيفة مشهورة , ذكرها ابن سعد (2) وعبد الرزاق (3) وابن أبي حاتم (4) وابن معين (5) والذهبي (6) وقد حدّدها بعضهم بأنها كانت في مناسك الحج (7) .
لكن قيل : يحتمل أنْ تكونهذه الصحيفة غير المنسك الصغير الذي أورده مسلم بن الحجاج في كتاب الحج من صحيحه (8) .
وقيل: إنّ نسخة منها توجد في مكتبة شهيد علي باشا في تركيا (9).
وكان قتادة بن دعامة السدوسي يقول : لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة (10) .
الهامش:
(1) أسد الغابة لابن الأثير (2/ 472 ) من الطبعة الحديثة المحققة, في ترجمة سهل الساعدي.
(2) الطبقات الكبرى (5/ 467 ) وفي طبعة ليدن ( 344 ) .
(3) المصنف لعبد الرزاق (11/183 ) .
(4) المراسيل , للرازي ( ? 37 ) .
(5) جامع التحصيل للعلائي ( ? 296 ) رقم ( 862 ) .
(6) تذكرة الحفاظ (1/43 ) .
(7) علوم الحديث لصبحي الصالح( ? 26 ) .
(8) السنة قبل التدوين ( ? 352 )وانظر توثيق السنة ( ? 52 ) وصحيح مسلم(2/886-892 ) وصحيح مسلم بشرح النووي (3/ 313 - 356 ) .
(9) الخلاصة للطيبي ( ? 10 ) المقدمة .
(10) طبقات ابن سعد (7 ? 2/1 - 2 ) من طبعة ليدن , والتاريخ الكبير للبخاري (4/1/186 ) رقم ( 827 ) .
===================?213
وكان جابر من المعلنين بأمر التدوين , فكان يملي الأحاديث على تلامذته من التابعين فيكتبون عنه (1) مثل : سليمان بن قيس اليشكري (2) وقد روى عنه وصف حجة الوداع , كما رواه مسلم في كتابه(3) .
ومحمد بن الحنفيّة (4) وعبد الله بن محمد بن عقيل (5) ووهب بن منبّه (6) , وآخرين(7) .
وكان الحجّاج , قد ختم في يده , وفي عنق آخرين معه من الصحابة , يريد إذلالهم وأنْ يجتنبهم الناس , ولا يسمعوا منهم (8) .
5- معاذ بن جبل (? 18هـ) :
كان لديه كتاب يحتوي على أحاديث (9) وقد كان عند موسى بن طلحة (10) وكانت عند ابن عائذ نسخة كتاب له أيضاً (11) .
الهامش:
(1) لاحظ دلائل التوثيق المبكر ( ? 454 ) .
(2) تهذيب التهذيب (4/215) وتقييد العلم (?108) ? معرفة النسخ (?151_160).
(3) صحيح مسلم (2/886 ) وشرح النووي عليه (3/313 - 356 ) .
(4) تقييد العلم ( ? 104 ) .
(5) المصدر السابق والكامل لابن عدي (4/1447 ) .
(6) تهذيب التهذيب (4/215 ) .
(7) راجع السنة قبل التدوين ( ? 353 ) وانظر معرفة النسخ ( ? 152 )
(8) أسد الغابة (2/472 ) من الطبعة الحديثة المحققة, في ترجمة سهل الساعدي.
(9) سيرة ابنهشام ( ? 886 ?956 ) حلية الأولياء (1/240 ) الأموال , لأبي عبيد ( 27 ?37 ) .
(10) مسند أحمد (5/228 ) .
(11) انظر دلائل التوثيق المبكر ( ? 418 ) .
============================?214
6- حنظلة بن ربيع الكاتب ( مات في عصر معاوية ) :
قال الشيخ الطوسي : روى ( كتابا ) للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم(1) .
ولابدّ أنْ يكون الكتاب المذكور أكبر من مجرّد رسالة من رسائل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى بعض الأشخاص , لأنّ الطوسي إنما ذكر ذلك في عداد المصنّفات , فلابدّ أنْ يكون الكتاب المذكور في حجم المؤلّفات , كما لا يخفى على أهل الخبرة .
7- أبو ? ? الغفاري (?32هـ ) :
قال ابن شهرآشوب : الصحيح _ وقيل : المشهور _ : أنّ أوّل من صنّف في الإسلام أمير المؤمنين عليه السلام , ثمّ سلمان الفارسي , ثم أبو ذر الغفاري(2). قال الصدر : أوّل من صنّف في الآثار بعد سلمان هو أبو ذر الغفاري , له كتاب (الخطبة ) شرح فيها الأمور الواقعة بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , ذكره الطوسي في الفهرست (3) .
8- رافع بن خديج الأنصاري (?74هـ ) :
روى مسلم في صحيحه , عن نافع بن جبير : أن مروان الأموي خطب الناس , فذكر مكّة وأهلها وحرمتها , ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها ,
الهامش:
(1)الفهرست , للطوسي ( ? 91 ) رقم ( 266) وانظر معالم العلماء لشهر آشوب ( ? 40 )
(2) معالم العلماء , لشهر آشوب - ? إقبال - (?1) .
(3) تأ سيس الشيعة ( ? 281 ) .
==================?215
فناداه رافع بن خديج , وقال : ما لي أسمعك ذكرت مكّة وأهلها وحرمتها , ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها ؟وقد حرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما بين لابتيها ? ? ذلك عندنا في أديم خولاني , إنْ شئت أقرأتكه !(1)
وقد مرّ أنّ رافع بن خديج كان ممن استأذن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في كتابة حديثه, فأذ ? لهم, وقال : اكتبوا عني , ولا حرج(2) .
9- أبو رافع المدني , مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم (?35هـ )
كان يملي على ابن عباس الحديث , فيكتبه : قال عبيد اللّه بن أبي رافع : كان ابن عباس يأتي أبا رافع , فيقول : ما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يو ? كذا ? ما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يو ? كذا ? ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها (3) .
وأبو رافع من المتقدّمين في التصنيف من سلفنا الصالح , وهو أوّل من ذكره النجاشي منهم في كتاب ( فهرست مصنّفي الشيعة ) المعروف برجال النجاشي , قال : ولأبي رافع كتاب ( السنن والأحكام والقضايا ) وذكر سند ? إليه (4) .
الهامش:
(1) صحيح مسلم , كتاب الحج , باب فضل المدينة (2/992) رقم (1361) .
(2) مرّ الحديث في القسم الأول , الفصل الثاني ( الحديث الثاني ) ? ( 87 ) .
(3) طبقات ابن سعد (2/2/123) من طبعة ليدن , تقييد العلم ( ? 91 - 92 ) والإصابة , لابن حجر (4/92 ) .
(4) رجال النجاشي ( ? 8 ) رقم ( 1 ) .
========================?216
وقد مرّ ذكر هذا الكتاب في ما أثر عن الإمام عليّ عليه السلام من المؤلّفات(1).
وقال السيد شرف الدين : أبو رافع , مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , وصاحب بيت مال أمير المؤمنين عليه السلام , وكان من خاصّة أو ليائه , والمستبصرين بشأنه , له كتاب ( السنن والأحكام والقضايا ) جمعه من حديث عليّ عليه السلام خاصة , فكان عند سلفنا في الغاية القصوى من التعظيم (2) .
وقال الصدر : أوّل من دوّن الحديث من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعده: أبو رافع (3) .
وقال محمد عجّاج الخطيب : كان عند أبي رافع مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم (?35هـ ) كتاب فيه استفتاح الصلاة , دفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (?94هـ ) (4) .
10- سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري (?15هـ )
كان يعرف الكتابةَ في الجاهلية , فكان يُسمّى بالكامل من أجل ذلك(5) .
الهامش:
(1) انظر القسم الأول , الفصل الثالث ? ( 138 - 143 ) من هذا الكتاب .
(2) المراجعات , المراجعة ( 110 ) الفقرة ( 2 ) ? ( 306 ) ? النجف .
(3) تأ سيس الشيعة ( ? 280 ) .
(4) السنة قبل التدوين ( ? 346 ) عن الكفاية للخطيب ( ? 330 ) .
ودلائل التوثيق المبكر ( ? 419 ) عن الكفاية ( ? 39 ) .
(5) تهذيب التهذيب (3/457) ? فتوح البلدان للبلاذري ( ? 459 ) وانظر : تسمية من شهد مع عليّ عليه السلام حروبه - بتحقيقنا - والأم للشافعي (7/112) والمعارف لابن قتيبة ( ? 87 ) .
===================?217
وكانت له صحيفة , روى ابنه منها حديثاً (1) .
وقيل : هي صحيفة عبد اللّه بن أبي أوفى بعينها , وأنّه جمع فيها طائفة من أحاديث الرسول وسننه (2) .
11- سلمان الفارسي (?34هـ)
قال ابن شهر آشوب : الصحيح _ وقيل : المشهور _ : أنّ أوّل من صنّف أمير المؤمنين عليّ عليه السلام , ثمّ سلمان الفارسي رضي اللّه عنه (3) .
وذكره الصدر بعنوان ? أوّل من صنّف الآثار ,صنّف حديث الجاثليق الرومي , الذي بعثه ملك الروم , بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ,ذكره الطوسي في الفهرست (4) .
الهامش:
(1) مسند أحمد (5/285) وسنن الترمذي , كتاب الأحكام , باب اليمين مع الشاهد (3/657) رقم ( 1343 ) تعجيل المنفعة لابن حجر ( 36 ?314 ) مشاهير علماء الأمصار ( 130 ) رقم ( 1024 ) .
(2) السنة قبل التدوين ( ? 342 ) وعلوم الحديث لصبحي الصالح ( ? 24 ) ودلائل التوثيق المبكر ( ? 417 ) .
(3) معالم العلماء - ? إقبال - ( ? 1 ) والمراجعات , المراجعة ( 110 ) ? 306 ? النجف.
(4) تأ سيس الشيعة ( ? 280 ) .
================?218
12- البراء بن عازب (?72هـ) :
قال محمد عجاج الخطيب : كان البراء بن عازب , صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , يحدّث , ويكتب مَنْ [كان] حوله .
فعن عبد اللّه بن خنيس : رأيتهم عند البراء يكتبون على أيديهم بالقصب (1) .
13- عائشة (?57هـ)
ورد عنها في ما يرتبط بالتدوين حديثان :
1- قالت لابن أختها عروة بن الزبير : يا بنيَّ , بلغني أنك تسمع عني الحديث , ثم تعود فتكتبه ! فقال لها : أسمعه منك على شيء , ثم أعود فاسمعه على غيره ?! فقالت : هل تسمع في المعنى خلافاً ? قال : لا . قالت : لا بأس بذلك (2) .
قال محمد عجاج الخطيب : فلو كرهتْ عائشة الكتابة لأمرتْ بمحوه , ولنهته عن الكتابة , ولكن لم يحدث شيء من هذا , بل , لم تر بأساً بعمله (3) .
الهامش:
(1) السنة قبل التدوين ( ? 320 ) ومصادره : جامع بيان العلم (1/73) وكتاب العلم لزهير بن حرب ( ? 193 ? ) وتقييد العلم ( ? 105 ) وانظر العلل لابن حنبل (1/42) سنن الدارمي (1/106) وفيها :عبد الله بن حنش .
(2) الكفاية للخطيب ( ? 309 - 310 ) .
(3) السنة قبل التدوين ( ? 391 ) .
======================?219
2- روى الخزّاز القمي , بأسانيد عن أبي سلمة , قال : دخلت على عائشة , وهي حزينة , فقلت لها : ما يحزنك , يا أم المؤمنين؟!.
قالت : فقدُ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , وتظاهر الحسكات !.
فحملت الجارية إليها ( كتاباً ) ففتحتْ , ونظرتْ فيه طويلاً , ثم قالت : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . فقلت : ماذا , يا أم المؤمنين ?
فقالت : أخبار وقصص , كتبتُه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم … فأطبقت الكتاب ,وفتحت الكتاب .
قال : فأخرجتُ البياض , وكتبت هذا الخبر , وأملتْ عليَّ حفظاً , ولفظاً (1) .
أقول : والحديث طويل , انتخبنا منه ما يهمّنا هنا , ولو صحّ الخبر فلابدَّ أنْ يكون إنّما كتبته عائشة في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ,? مع إحراز رضاه ,على أقل التقادير !?
14- عبد اللّه بن عباس (?68هـ)
عُنِيَ بكتابة الكثير .
الهامش:
كفاية الأثر , للخز از ( ? 189 - 192 ) .
=====================?220
وقد وقفنا على حديث كتابته لسيرة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , حيث كان يسأل عنها الصحابي أبا رافع مولى الرسول , ويسجّلها في ألواح كان يحملها , ولعلّ هذه أوّل سيرة للرسول كتبتْ في الإسلام (1) .
وعرفنا – أيضاً - أنه كانت عنده صحف فيها قضاء عليّ عليه السلام (2) .
ولقد اشتهر أنه ترك حين وفاته حمل بعير من كتبه (3) وأنّ ابنه عليّاً ورثها وكان يستفيد منها(4) .
وذكر له ابن النديم كتاباً قال عنه : رواه مجاهد , ورواه حميد بن قيس , عن مجاهد , وورقاء , وعيسى بن ميمون , عن أبي نجيح , عن مجاهد (5) .
والظاهر أنّ هذا الكتاب هو في تفسير القرآن ,لأنّ ابن النديم إنّما ذكره في عنوان ( تسمية الكتب المصنّفة في تفسير القرآن ).
وقد ذكر النجاشي لابن عباس كتباً عديدة في ترجمة الجلودي (6) .
ومن أقواله في التدوين :
خيرُ ما قيّد به العلم الكتاب (7) وقيّدوا العلم بالكتاب (8) .
الهامش:
(1) ذكرنا ذلك آنفا عند ذكر أبي رافع لاحظ ( ? 215 ) .
(2) ذكرنا ذلك في القسم الأوّل , الفصل الثالث , رقم 8 ( ? 140 ) .
(3) طبقات ابن سعد (5/216) طبع ليدن وتقييد العلم ( ? 136 ) .
(4) المصدران السابقان .
(5) الفهرست لابن النديم ( ? 36 ) .
(6) رجال النجاشي (?242) رقم (460) وانظر الفوائد الطوسية للحر (?243) (7) تقييد العلم ( ? 92 ) .
(8) المصدر السابق .
=====================?221
ولم يقصر جهوده على التدوين والحثّ عليه , بل كان يربّي جيلاً من التلامذة على ذلك , فقد كان يملي الحديث فيكتبه تلامذته (1) .
قال ابن أبي مليكة : رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن , ومعه ألواحه , فيقول له ابن عباس : اكتبْ حتّى سأله عن التفسير كلّه (2) .
وعنه في قوله تعالى :( أو أثارة من علم ) [ الآية 4من سورة الأحقاف ] قال :جودة الخطّ (4).
وسيأتي ذكر تلامذته من التابعين , في هذه الدراسة .
15- عبد اللّه بن عمرو (? 63هـ)
من المبيحين لكتابة الحديث , وكان إقدامه عليها بإذنٍ صريحٍ من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , وفي عهده .
وقد أوردنا حديث استئذانه من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في كتابة الحديث , وإذنه عليه السلام له بذلك بقوله : اكتب , فإنه لا يخرج منه_ وأشار إلى فيه _ إلاّ الحقّ (3) .
وقد كانت كتابته سبباً في كثرة حد0يثه :
قال البلقيني : كان عبد اللّه بن عمرو بسبب الكتابة كثير الحديث ,ولذلك قال أبو هريرة : ما أجد من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أكثر حديثاً مني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلاّ عبد اللّه بن عمرو ,
الهامش:
(1) سنن الدارمي (1/105) طبقات ابن سعد (6/179) طبع ليدن ,
(2) تفسير الطبري (1/30-31) ? شاكر وأعيان الشيعة (1/195) .
(3) ذكرناه في القسم الأول الفصل الثاني , النوع ( 1 ) رقم ( 5 ) ( ? 89 ) .
(4) الجامع لاخلاق الراوي (1/ 398) وانظر فتح القدير للشوكاني (5/ 15).
===============?222
فإنه كان يكتب , وأنا لا أكتب (1) .
وعن أبي هريرة : كنتُ أعي بقلبي , وكان يعي هو _ يعني عبد اللّه _ بقلبه ويكتب بيده (2) .
وفي رواية أحمد , والبيهقي في المدخل ,? العقيلي , من طرق مختلفة : أنّ أبا هريرة قال : ما أحد أعلم بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منّي إلاّ عبد اللّه بن عمرو , فإنه كان يكتب , استأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنْ يكتب بيده ما سمع منه , فأذ ? له .
قال أبو زهو : فاستئذان عبد اللّه عنها في أوّل الأمر , وقد أذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالكتابة لما استأذنه , ولا خصوصية لعبد اللّه بن عمرو على غيره , وعليه : فيمكن أنْ يقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يلتحق بالرفيق الأعلى إلاّ وكتابة الحديث مأذون فيها (3) .
ومما يؤثر عنه كتابه المسمّى بالصحيفة الصادقة التي اشتهر أمرها , وتكرّ ? ذكرها , وأنّ عبد اللّه أظهر اعتزازاً فائقاً بها ,كان يقول : ما يرغّبني في الحياة إلاّ الصادقة ,? الوهط ,
الهامش:
(1) البخاري , كتاب العلم , باب كتابة العلم من صحيحه (1/39) والترمذي (5/40) رقم ( 3668 ) والكامل لابن عدي ( 1/32 ?36 ) والمحدّث الفاصل , للرامهرمزي وتقييد العلم ( ? 82 ?83 ) والأسماء المبهمة للخطيب ( ? 172 ) ومحاسن الاصطلاح ( ? 299 ) .
(2) محاسن الاصطلاح ( ? 299 ) .
(3) الحديث والمحدثون ( ? 125 ) وعل ? : بل هذا هو المتعيّن .
===================?223
فأمّا الصادقة صحيفة كنتُ استأذنتُ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنْ أكتبها عنه , فكتبتها (1) .
وفي نقل الدارمي : فكتبتها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم(2) .
وقال : ما أتينا على شيء إلاّ على الصادقة , والصادقة صحيفة استاذنتُ فيها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنْ أكتب فيها ما أسمع منه , فأذن لي (3) .
وقال مجاهد : رأيتُ عند عبد اللّه بن عمرو صحيفة , فذهبت أتناولها , فقال : مه , يا غلام بني مخزوم ?,قلتُ : ما كنتَ تمنعني شيئاً ؟قال : هذه الصادقة , فيها ما سمعتُه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم,ليس بيني وبينه فيها أحدٌ(4) .
وليس في شيء من هذه النصوص تصريحٌ بوقوع الكتابة لهذه الصحيفة في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم , إلاّ أنّه لا مانع من افتراض ذلك , كما أن في بعض الروايات ? شعار بذلك .
بل, إنّ ما احتوى من تلك الأحاديث على نهي قريشٍ لعبد الله عن كتابة حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دليلٌ على وقوع كتابته للحديث النبوي في بدايات عهد رسالته صلّى الله عليه وآله وسلّم , وإلاّ لم يكن لقريش المستسلمة من الجرأة ما يتكلّمون بهذا الكلام على حديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , والذي يمسّ الرسول والرسالة , ولعلّ من لجأ بعد وفاته إلى منع كتابة حديثه صلّى الله عليه وآله وسلّم – بل ومنع التحدّث به – هو من قريشٍ هؤلاء , ولاحظ ما سنذكره في بداية القسم الثاني من هذه الدراسة .
ولقد شاعت أخبار هذه الصحيفة (5) .
الهامش:
(1) الحديث والمحدثون (125) ولاحظ المحدث الفاصل (366) رقم (323).
(2) سنن الدارمي (1/105) ? ( 502 ) .
(3) محاسن الاصطلاح ( 298 ) .
(4) محاسن الاصطلاح ( ? 8 - 299 ) وطبقات ابن سعد (2/2/125) طبع ليدن ,? أسد الغابة (3/320 ) ترجمة عبد الله , ولاحظ المحدث الفاصل (367) رقم (324).
(5) سنن الدارمي ( 1/ 103?105 ) وتقييد العلم (?82 ?84 ) واقرأ عنها معرفة النسخ (?178- 181).
====================?224
وقال بعضهم_ عن محتواها_ :إنها ألف مثل (1) .
ويعتقد البعض أنّ هذه الصحيفة كانت أصلاً لما يرويه عمرو بن شعيب بن عبد اللّه , عن أبيه , عن جدّه عبد اللّه بن عمرو هذا(2) .
وقد أورد أحمد بن حنبل قسماً كبيراً من روايات عبد اللّه في مسنده(3) .
وفي مؤلّفات مسلم صاحب الصحيح كتاب حديث عمرو بن شعيب (4) .
وقال الدكتور فوزي رفعت : مسند عبد الله بن عمرو _ في مسند أحمد_ كثير يصل إلى (627) رواية , فيها ما هو مكرّر من حيث متنه , ولكن بإسقاط المكرّر يبقى الكثير أيضاً (5) .
محاولة فاشلة لإعادة تأليف هذا الكتاب :
ومن الجدير بالذكر – ونحن بصدد هذا الكتاب , صحيفة عبد الله بن عمرو – أن نورد حكاية طريفة تنقل محاولة بعض المحدّثين لجمع أحاديث هذا الكتاب , وخصوص ما رواه حفيد المؤلف وهو عمرو بن شعيب بن عبد الله , عن أبيه , عن جده , ليجدّد تأليف الكتاب المذكور , ? إليك نصّ الحكاية :
الهامش:
(1) ? سد الغابة , لابن الأثير (3/233) الطبعة القديمة .
(2) منهج النقد في علوم الحديث ( ? 46 ) .
(3) انظر مسند أحمد (2/158- 226 ) .
(4) الحطة ( ? 448 ) .
(5) صحيفة علي بن أبي طالب عليه السلام ( ? 4 - 45 ) .
===================?225
روى السيّد المرشد بالله ,أبو الحسين الهاروني (?499هـ) بسنده عن أبي عبد الله ,عبد الرحمن بن أحمد بن يزيد الختلي الحافظ ,في المذاكرة ,قال : كنت أجمع حديث عمرو بن شعيب ,عن أبيه ,عن جدّه ,فلمّا ظننتُ أنّي قد فرغتُ منه ,جلست ليلةً في بيتي – والسراج بين يديّ ,? أمّي في صفّةٍ حيال البيت الذي أنا فيه – وابتدأ تُ أنظّم الرقاع ? أصنفها ,
فغلبتني عيني ,فرأيتُ : كأنّ رجلاً أسود ,قد دخل إليّ بمهنّدٍ ذي نارٍ ,فقال : تجمع حديث هذا العدو لله ? أحرقه وإلاّ أحرقتك ,? أومأ بيده بالنار,فصحتُ ,وانتبهتُ ,فعدتْ أمّي,فقالت: ما لك؟ ما لك؟ فقلت : مناماً رأيتُه ,وجمعتُ الرقاع ,ولم أعرضْ لتمام التصنيف ,? هالني المنام ,وتعجّبتُ منه ,فلمّا كان بعد مدّةٍ طويلةٍ ,ذكرتُ المنام لشيخٍ من أصحاب الحديث كنتُ آنسُ به ,فذكر لي : ? نّ عمرو بن شعيب هذا ,لمّا أسقط عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من الخطب على المنابر لعن أمير المؤمنين عليه السلام ,قام إليه عمرو بن شعيب ,وقد بلغ إلى الموضع الذي كانت بنو أميّة تلعنُ فيه عليّاً عليه السلام ,فقرأ مكانه: ( إنّ الله يأمر بالعدل ? الإحسان ? إيتاءى ذي القربى ? ينهى عن الفحشاء ? المنكر ) [ سورة النحل :61 الآية ( 90) ],
=============================?225
فقام إليه عمرو بن شعيب (لعنه الله) فقال : يا أمير المؤمنين ,السنّة ,السنّة (1) يحرّضه على لعن عليّ عليه السلام ,فقال عمر : اسكتْ ,قبّحك الله ,تلك البدعة لا السنّة,? تمّم الخطبة,
قال أبو عبد الله الختلي : فعلمتُ أنّ منامي كان عظةً من أجل هذه الحال ,ولم أكنْ علمت من عمرو هذا الرأي ,فعدتُ إلى بيتي وأحرقتُ الرقاع التي كنتُ جمعتُ فيها حديثه (2) ,
16- عبيد الله بن أبي رافع (بعد 80 هـ) :
كان صحابياً سمع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وروى عنه (3) وكان كاتبَ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام(4) ,
ذكره الشيخ ابن شهر آشوب في المصنّفين الأوائل في الإسلام(5) وقد ألّف كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام(6) ,
الهامش:
(1) قال بعض العلماء : إنّ مصطلح ( أهل السنّة ) يطلق على من كان يؤيّد استمرار اللعن الذي سنّه معاوية واستمرّ عليه بنو أميّة وبنو مروان ,وهم نبزوا التاركين للعن بأهل البدعة ,على هذا الأساس ,وهذا من موارد تسمية الشيء باسم ضده ,وانظر : تاريخ اليعقوبي (2/230 ) في إطلاق كلمة الجماعة ,على من ساير الحكام والولاة في العداء لعليّ عليه السلام وأهل البيت وشيعتهم ,
(2) الأمالي الخميسية (1/153) ,
(3) المراجعات ,لشرف الدين ,المراجعة ( 110 ) ,
(4) لاحظ ترجمته في مقدمتنا لكتابه ( تسمية من شهد… ) ,
(5) معالم العلماء (?2) ,
(6) الفهرست للطوسي (?133) وانظر ما ذكرناه سابقا القسم الاول ,الفصل الثالث (?138رقم2 ) ,
=================?227
وله أيضاً : كتاب تسمية من شهد مع عليّ عليه السلام حروبه (1) ويعدّ كتابه هذا أوّل مصنّف في الرجال والتاريخ (2) واعتمد عليه جلّ المؤلّفين من بعده ,وكانت نسخته عند كبار المؤرّخين والرجاليّين مثل الشيخ الطوسي ,وابن الأثير,وابن عساكر,وابن حجر ,
وقد وفّقني الله بفضله العميم ,للاطلاع على نصّه ,فحقّقته ,وفصّلت في مقدّمته الحديث عن الحروب الثلاث : الجمل ,وصفّين ,والنهْروان ,عقائديّاً ,وفقهيّاً ,وتراثياً ,كما فصّلت الكلام في المقدمة حول المؤلّف ,وآل أبي رافع ,بشكلّ وافٍ ومستوعبٍ ,وأشكر الله على هذه النعمة الجسيمة ,وأسأله التوفيق لإنجازه بعونه,
17- عليّ بن أبي رافع (القرن الأوّل)
و لد على عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فسمّاه عليّاً (3) ,
وقال النجاشي : من خيار الشيعة ,وكاتب أمير المؤمنين عليه السلام ,حفظ كثيراً ,وجمع كتاباً في فنون من الفقه : الوضوء ,والصلاة ,وسائر الأبواب … وكانوا يعلمون هذا الكتاب (4) ,
الهامش:
(1) الفهرست للطوسي ( ? 133 ) رقم ( 468 ) والذريعة (4 /187 ) وتأسيس الشيعة للصدر ( ? 232 ) ,
(2) لاحظ الذريعة (4/181) ومصفّى المقال في مصنّفي علم الرجال للشيخ الطهراني (عمود 258 ) والمراجعات الريحانية لكاشف الغطاء ( ? 56 ) ? التسميات طليعة المؤلّفات ,
(3) الإصابة لابن حجر (5/82 ) رقم 6258 ? دار الكتب العلمية بيروت ,
(4) رجال النجاشي (?6-7) الترجمة رقم (2) ,=====================?228
وقال السيد شرف الدين : وكانوا عليهم السلام يعظّمون هذا الكتاب ,ويرجعون إليه (1) ,
18- كعب بن عمرو ,أبو اليسر :
يقال : إنّ أبا اليسر كان لديه عددٌ من المخطوطات ,اعتاد أن يحفظها في الضمامة (2) ,
19- أبو موسى الأشعري (?50هـ ) :
ذكر بعضهم : أنّ له صحيفة توجد نسختها في مكتبة شهيد علي باشا ,بمدينة الآستانة في تركيا (3) ,
ومن الغريب أنّهم نقلوا عن أبي موسى أحاديث تدلّ على كراهته للكتابة ومعارضته للتدوين (4) ? فكيف تؤثر عنه كتابة هذه الصحيفة ? ,
20- أبو هريرة الدوسي (?57 أو 59)
كانت له صحف كثيرة جدّاً ,رآها عنده عمرو بن أميّة الضمري ,وكان أبو هريرة يراجعها (5) بالرغم من تصريحه بأنّه كان لا يكتب (6) ,
الهامش:
(1) المراجعات ,( ? 306 ) المراجعة ( 110 ) الفقره ( 2 ) ,
(2) دلائل التوثيق المبكر ( ? 424 - ) ,
(3) الخلاصة ,للطيبي (?10) ولاحظ مسند أحمد (4/396) ,
(4) انظر القسم الثاني ( ? 280 ? 281 ) ,
(5) جامع بيان العلم وفضله (1/74) والمستدرك للحاكم (3/511) وفتح الباري(1/217),
(6) جامع بيان العلم وفضله (1/74) هدي الساري (1/184) وفتح الباري (1/217) وانظر :دفاع عن أبي هريرة(?71),
====================?229
لكن الظاهر أنّ مراد ? عدم الكتابة في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فلابدّ أنّه كتب في ما بعد ما لا يمكن نفي نسبته عنه ,كما أنّ تلامذته الكثيرين قد كتبوا عنه (1) :
منهم بشير بن نهيك الذي كتب عنه ,? استجازه رواية ما كتب ,فأجازه أبو هريرة (2) وقد ذكرنا في كتابنا إجازة الحديث أنّ هذه الإجازة هي أقدم إجازة عثرنا عليها (3) ونصّها ,كما ذكره الدارمي ,بسنده ,عن بشير ,قال : كنتُ أكتبُ ما أسمعُ من أبي هريرة ,فلمّا أردتُ أنْ أفارقه أتيته بكتابه ,فقرأته عليه ,وقلتُ له : هذا ما سمعتُ منك ? قال : نعم (4) ,
ومنهم : همّام بن منبّه الذي ألّف ما سمعه من أبي هريرة في صحيفةٍ ,وسيأتي ذكره في التابعين من هذا الفصل ,إلاّ أنّ البعض – وبالرغم من نسبة الصحيفة إلى همّام – يعتقد بأنّها في الحقيقة صحيفة أبي هريرة لهمّام (5) ,
الهامش:
(1) لاحظ دلائل التوثيق المبكر ( ? 436 ) ,
(2) طبقات ابن سعد (7/223) ? جامع بيان العلم (1/72) والعلم لزهير بن حرب (?193) ,
(3) لاحظ الفصل الأول ( تاريخ الإجازة ) ,
(4) سنن الدارمي (1/105) ? (500) وجامع بيان العلم (1/72) وفيه ( كتابي ) ,
(5) علوم الحديث ,لصبحي (?31-32) ومعرفة النسخ (?261) ,
=======================?230
ومهما يكن : فهي - كما اعتبرها البعض أيضا - نموذج عملي على أن السّنة قد كتبت في وقت مبكّر ,أي في عهد الصحابة(1) ,
ويقول محمد عجاج : ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف ,لأنها حجة قاطعة ودليل ساطع على أن الحديث النبوي كان قد دوّن في عصر مبكّر - وتصحّح الخطأ الشائع : أن الحديث لم يدوّن إلا في أوائل القرن الهجري الثاني ,
ذلك ,لأن همّاماً لقي أبا هريرة ,ولا شك أنه كتب عنه قبل وفاته ,وقد توفّي أبو هريرة سنة (59) للهجرة ,فمعنى ذلك أنّ هذه الوثيقة العلمية قد دوّنت قبل هذه السنة ,أي في منتصف القرن الأوّل ,
وقد ثبت لنا أن عبد الله بن عمرو دوّن في عهد الرسول صحيفته الصادقة ,وها نحن يثبت لنا تدوين صحيفة همّام في منتصف القرن الأوّل ,ممّا يدلّ على أنّ العلماء كانوا قد باشروا التدوين قبل أمر عمر بن عبد العزيز(2) ,
21- أبو سلام ,جد يحيى بن أبي كثير اليمامي
قال العلائي: يحيى أحد الأعلام ,روى عن جماعة من الصحابة ,وقال : كل شيء عن أبي سلام ,فهو في كتاب ,وقال حسين المعلم : لمّا قدم علينا ,وجّه إلى مطر : أن احمل الدواة والقرطاس قال : فأتيته ,فأخرج إلينا صحيفة أبي سلام(3) .
الهامش:
(1) صحيفة علي بن ابي طالب عليه السلام ( ? 5 ) .
(2) السنة قبل التدوين ( ? 356 - 357 ) .
(3) المراسيل للرازي (?143) وجامع التحصيل للعلائي (?299) رقم 880 وانظر الجامع لأخلاق الراوي (2/ 6-177).
==========================?231
22- واثلة بن الأسقع (? 83 هـ)
كان يملي على الناس الأحاديث ,وهم يكتبونها بين يديه (1) .
ويبد ? منه - في الحديث التالي - أنه كان مستاءاً من عدم كتابة الحديث ,وأنه اعتبر ذلك سببا لعدم ضبط الحديث : قال مكحول : دخلت - أنا وأبو الأزهر - على واثلة بن الأسقع ,فقلنا له : يا أبا الأسقع ,حدّثنا بحديث سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ليس فيه وهمٌ ,ولا تزيّدٌ ,ولا نسيان ,
قال : هل قرأ أحدٌ منكم من القرآن شيئا ? .
قال : قلنا : نعم ,وما نحن له بحافظين جيّداً ,? نّا لنزيد الواو والألف ,وننقص ,
قال : فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألون حفظا ? وانتم تزعمون : أنكم تزيد ون وتنقصون! ? فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عسى ألا نكون سمعناها منه إلا مرّةً واحدةً !? حسبكم ,إذا حدّثناكم بالحديث على المعنى(2) .
الهامش:
(1) الكامل لابن عدي (1/37) والجامع لأخلاق الراوي (2/56) ? ميزان الاعتدال (4/145) وقم ( 8658 ) ,وتدريب الراوي (?338) .
(2) الجامع لأخلاق الراوي (2/20-21) وتدريب الراوي (?312) ومختصرا في الكنى للدولابي (1/64) وبمعناه في المستدرك للحاكم (2/212) ومشكل الآثار (1/316).
==============?232
23- بلال الحبشي ,المؤذن
فقد أمر بكتابة الحديث ,في ما رواه عبد الله بن عليّ ,قال : حملتُ متاعي من البصرة إلى مصر ,فقدمتها ,فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بشيخ طويل ,شديد الأدمة ,أبيض الرأس واللحية ,عليه طمران … فقلت من هذا ?
فقالوا : هذا بلال مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فأخذتُ ألواحاً ,فأتيته ,فسلمتُ عليه ,فقلت له : السلام عليك أيها الشيخ ,فقال: وعليك السلام ,قلت : يرحمك الله تعالى ,حدّثني بما سمعتَ من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فقال : وما يدريك من أنا ? فقلت :أنت بلال ,مؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فبكى وبكيت ,ثمّ قال : اكتب ,يا أخا أهل العراق (1).
فذكر حديثاً طويلاً في فضائل الأذان ,يقول فيه بلال مكرّراً :اكتب … اكتب .
أقول : بل أدّى عدم التدوين من البداية إلى تحرّج البعض من الكتابة في ما بعد ,حذراً أن يظنّ ما كتبوه أنه عين لفظ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,بينما هو منقولٌ بالمعنى ,واللفظ للراوي .
الهامش:
(1) كتاب من لا يحضره الفقيه (1/189-194) وانظر أمالي الصدوق (?176) المجلس (38) .
==================?233
فقد كان عمرو بن دينار يحدّث على المعنى ويقول :أحرّج على من يكتب عني (1) ,
كما أنّ بعض المهوسين من أهل العصر - ممن أراد أنْ يطعن في السنّة الشريفة - استند إلى إجراءات المنع ,وتبريرات المانعين عن التدوين ,ليثبت دعواه الباطلة الناطقة بأن الحديث الشريف لم ينقل بلفظ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ولم يكن لفظه حجة ? إنما نقل بالمعنى (2) .
وللإجابة على ذلك ,نقول :
أولاً : إنّ ما رتّب زعمه الباطل عليه وجعله دليلاً له ,وهو تحقّق المنع عن تدوين الحديث ,إنّما هو أمرٌ غير شرعي ,ولا صحّة له ,فإنّ المنع - وإنْ مارسه بعض الحكّام في فترات من تاريخ الإسلام في عصر الخلافة الأوّل - إلاّ أنّ ذلك الإجراء لم يكتسب لدى المسلمين شرعيّة ,ولم يأبه به علماء المسلمين ,وخاصّة الصحابة الأبرار ,بل زاولوا عملية التدوين باستمرار ,وبلا انقطاع ,اتّباعاً لسنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وحفاظاً على الحديث الشريف من الضياع ,
فكيف يبني دعواه ,على هذا المنع الباطل ?
الهامش:
(1) تذكرة الحفاظ (1/113) والسنة قبل التدوين ( ? 132 ) .
(2) أضواء على السنة المحمدية لأبي ريّة (?97) ? ستأتي مناقشته بتفصيل في القسم الثاني من هذه الدراسة (?512) وما بعدها .
====================?234
وثانياً : إنّ أداء منع تدوين الحديث إلى هذه الدعوى الباطلة ,أعني عدم حجيّة الحديث ,هو في نفسه دليلٌ آخر على بطلان المنع ,وعدم مشروعيته ,لأنّ جمهور المسلمين من كلّ الطوائف – متّفقون على حجّية الحديث الشريف وقدسيّته ,والالتزام بما تؤدّيه ألفاظه وعباراته ,فلو كان منع التدوين يقتضي عدم حجّية ألفاظ الحديث ,فهو يتنافى وهذا الأمر المتّفق عليه ,? المتسالم بين علماء الإسلام عليه ,فلابدّ أنْ يكون المنع باطلاً وغير شرعيٍّ ,لا أنْ يخدش بسببه اعتبار الحديث الشريف وقدسيته .
وبعد:
فمع هذه الكثرة في عدد الصحابة الذين كتبوا الحديث - سواء الذين كتبوه في عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,أم بعد ذلك –.
ومع هذه الوفرة من الصحف ,والكتب ,والمدوّنات المأثورة عنهم - التي لا يزال قسم منها متوفراً حتى عصرنا -.
فكيف يجوز التقوّل على الصحابة بأنهم لم يكتبوا الحديث الشريف ? أو لم يدوّنوا السنة ?
والاستناد في هذا التقوّل إلى مجرّد نهي عمر ومنعه عن التدوين لا يكون صحيحاً إطلاقاً ,فمن الواضح أن الفعل الذي قام به ذلك العدد الكبير من الصحابة ,وهو مباشرتهم لتدوين الحديث ,هو عمل لا يدخله أيّ تأويل أو تشكيك ,ولا حكم له إلاّ الجواز ,إبعاداً لعمل أولئك الكرام من فعل الحرام .
وأمّا المنع الذي أقدم عليه عمر ,فإنه - على فرض حمله على الصحّة - لا يعدو أن يكون عملاً خاصّاً من عمر ,لم يوافقه عليه عامّة الصحابة ,وهو ترك يحتمل التعليل والتبرير ,سواءٌ كانت تبريراته موجّهةً أم لا؟!(1).
الهامش:
(1) سنستعرض في القسم الثاني تلك التبريرات بتفصيل ,إنْ شاء الله .
======================?235
ومن الواضح أنّ دلالة الفعل على الجواز مقدّمةٌ على دلالة الترك على الحرمة ,لأنّ الترك أعمُّ ومحتملٌ للتعليل ,كما ذكرنا .
يقول محمد عجاج : تلك أخبارٌ متعاضدة ,تثبت أنّ الصحابة رضوان الله عليهم أباحوا الكتابة ,وكتبوا الحديث لأنفسهم ,وكتب طلاّبهم بين أيديهم ,وأصبحوا يتواصون بكتابة الحديث وحفظه(1) .
ومن هنا نعرف بطلان ما في القول بأنّ أبا هريرة : ما هو بالوحيد من الصحابة ممن لم يكتبوا الحديث ,بل لم يكتب من الصحابة إلاّ قلّة قليلة ,كعبد الله بن عمرو ? عليّ بن أبي طالب (2).
فمع أنّ الصحابة الذين كتبوا لم يكونوا بالقلّة ,بل ,الكاتبون منهم كثيرون كما عرفنا ,فإنّ البحث ليس في مباشرتهم الكتابة وإنّما في وقوع الكتابة في محاضرهم وموافقتهم على حصولها وعدم معارضتهم لها ,وهذا أمرٌ لا يمكن لأيّ أحدٍ إنكار حصوله وتحققه منهم.
وكذلك يعرف ما في كلام الشيخ عتر من التهافت ,حيث يقول : لم يكن الصحابة - رضوان الله عليهم - يتداولون تلك الصحف من الحديث ,ولم نجد في شيء من الروايات أنّ أحداً فعل ذلك ,وإنّما كانت تلك الصحف بين أيديهم بمثابة المذكّرات (3) .
وأوجه التهافت فيه :
أو لاً : أنّ البحث إنّما هو في أصل جواز الكتابة والتدوين وعدم حرمتهما ,وعمل الصحابة ذلك يدلّ بوضوح على الجواز ونفي الحرمة ,وكذلك أقوالهم تدلّ على ذلك ,وهذا كافٍ في المدّعى ,وأمّا تداول ما كتبوه وعدمه فهذا أمر آخر لا يخصّ تلك الدعوى .
وثانياً : أنّ غرضه من التداول غير واضح :
فإنّ الكتب إنّما تؤلّف لتكون مذكّراتٍ يرجع إليها المؤلّف أو غيره عند الحاجة ,وهذا هو الغرض الأصليّ من تأليف الكتب والمصنّفات ,
الهامش:
(1) السنة قبل التدوين ( ? 321 ) .
(2) دفاع عن أبي هريرة (?71).
(3) منهج النقد في علوم الحديث ( ? 45 ) .
===================?236
وقد اعترف عتر بأنّ الصحابة - أيضاً - اتّخذوا كتبهم مذكّراتٍ ?,أليس هذا تداولاً للكتاب ,باستعماله في الغرض المنشود منه ?
وثالثاً : إنْ كان مراده بالتداول هو الاستشهاد بالكتاب والرجوع إليه ,فقوله :لم نجدْ في شيء من الروايات أنّ أحداً فعل ذلك ,غير صحيح ,لأنّ من الروايات ما تحتوي على رجوع الصحابة إلى كتبهم :
ففي حديث رافع بن خديج أنه قال لمروان ? إنْ شئت أقرأ تكه ,أليس هذا استشهادا بالكتاب الذي عنده ؟
وكذلك قراءة عائشة في كتابها ,واعتزاز عبد الله بن عمرو بصحيفته ,
ورابعاً : إنْ كان المراد من التداول هو الاستنساخ والقراءة والحفظ والرواية - وهو أظهر معاني التداول - فهذا - أيضاً - متحقّق في ما كتبه الصحابة ,فقد سمعت ذلك في إلقاء أنس بمخاله ,او مجاله ,إلى الرواة ,ورأينا أنّ قتادة السدوسي كان يحفظ صحيفة جابر ,وأدلّ دليل على ذلك تناقل الرواة أحاديث تلك الصحف ,التي ألفها الصحابة ,كصحيفة سعد التي رواها ابنه ,وصحيفة سمرة التي رواها ابنه ,وصحيفة عبد الله التي رواها ابنه ,
وإنّ وجود بعض تلك الصحف - في عصرنا الحاضر - بأعيانها ليس إلا نتيجة لذلك التداول ,كما لا يخفى .
=====================?237
وقد ثبت من خلال استعراضنا هذا أنّ السيرة العمليّة للصحابة كانت هي التدوين ,بالرغم من الضغوط التي تعرّضوا لها على أثر إجراءات المنع من قبل الحكام ,وأنّ الصحابة التزموا بالتدوين ,بلا انقطاع ولا هوادة ,وكانت سيرتهم تلك مأخوذةً من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ومتصلةً بعهده الأنور ,كما يقتضيه حسن الظن بهم رضوان الله عليهم .
العهد الثاني : عهد التابعين :
وأمّا التابعون,فقد التزموا بإباحة التدوين,وزاولوه كأمر ضروري ,
والواقع الملموس في هذا العهد أن التبريرات الشائعة للمنع ,كخوف اختلاط القرآن بغيره ,أو خوف الاشتغال بغير القرآن ,أو عدم معرفة الناس الكتابة ,وغيرها مما سيأتي في القسم الثاني من هذه الدراسة,أصبحت كلها باهتة ,مفضوحة ,غير قابلة للذكر,بله الإقناع .
وقد كان علماء التابعين يصرّون على الكتابة للحديث ,وبإلحاح عجيب ,وفي أقسى الظروف وأحرجها .
قال البلقيني : من أباح ذلك من التابعين - فكثير ,مثل : الحسن [ البصري ] وعطاء ,وأبي قلابة ,وأبي المليح (1) ,
وقال القاضي عياض : رو ? إجازة ذلك وفعله عن … عطاء ,وقتادة ,وعمر بن عبد العزيز ,وسعيد بن جبير ,وأمثالهم … ومن بعد هؤلاء ممن لا يعدُّ كثرةً (2) .
الهامش:
(1) محاسن الاصطلاح ( ? 302 ) .
(2) الإلماع للقاضي عياض ( ? 147 ) .
==============?238
وذكر الخطيب جمعاً منهم في ( باب الرواية عن التابعين في إباحة كتابة الحديث ) وعدّ من الطبقة الأولى منهم : سعيد بن المسيّب ,وعامر الشعبي ,والحسن البصري ,ومن الثانية والثالثة : قتادة ,وأبا قلابة ,وعبد الله بن محمد بن عقيل ,والزهري ,وصالح بن كيسان ,ورجاء بن حيوة ,وسليمان اليشكري ,وسالم بن أبي الجعد ,ومعاوية بن قرّة المزني ,ويحيى بن سعيد ,وحماد بن سلمة ,والأعمش ,وغيرهم (1) ,
ونحن نذكر هنا من التابعين من عاش في القرن الأوّل ,ومن كان نشاطه العلمي في ذلك القرن ,وهم كبار التابعين ,دون من تأخرّتْ ولادته عن ذلك القرن ,لأنّ أمر التدوين وإباحته أصبح في القرن الثاني مجمعاً عليه ,كما مرّ(2).
1 - حجر بن عدي بن الأدبر ,الكندي ( قتل 51 هـ)
هو حجر الخير ,كان جاهليّاً إسلاميّاً ,روى أنه وفد على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وشهد القادسية ,وهو الذي فتح ( مرج عذرى ) بالشام ,وكان من أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ,وشهد معه الجمل وصفين ,
الهامش:
(1) تقييد العلم(?99-113) انظرالسنة قبل التدوين (?21-283) .
(2) انظر مامضى في بداية الفصل الرابع هذا , ( ? 198- ) .
=================?239
كان ثقة معروفا ,ولم يرو عن غير الإمام علي عليه السلام شيئا ,وكانت عنده صحيفة فيها حديث علي عليه السلام (1) ,
اعتقل بأمر معاوية ,فأمر بقتله مع أصحابه ,في ( مرج عذرى ) فقال حجر :الحمد لله ,أما والله ,إنّي لأوّل مسلمٍ نبّح كلابها في سبيل الله ,ثمّ أتي بي اليوم إليها مصفوداً , فقتل رحمه الله شهيداً ,ونصب رأسه في دمشق ,فكان أوّل رأسٍ ينصب في الإسلام
2 - الأصبغ بن نباتة (?100هـ )
ذكره ابن شهر آشوب في المصنفين الأوائل في الإسلام (2) كما ذكره النجاشي في المتقدّمين في التصنيف من سلفنا الصالح ,فقال : المجاشعي ,كان من خاصّة أمير المؤمنين عليه السلام ,وعمّر بعد ? ,روى عنه عهد الأشتر ,ووصيته إلى محمد ابنه(3) .
وقد مرّ في عداد مؤلّفات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الأصبغ روى قسم القضاء ,من كتاب الأحكام الكبير(4) .
وقد ذكر الشيخ الطوسي أن للأصبغ كتاب مقتل الحسين عليه السلام (5) .
وروى إبراهيم بن شيبة الأنصاري , قال: جلستُ إلى الأصبغ بن نباتة فقال: ألا أقريك ما أملاه عليّ بن أبي طالب عليه السلام ? فأخرج إليَّ صحيفة
فيها مكتوب ما لفظه : ( كتاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? وصيته لأهل بيته وأمته) (6).
الهامش:
(1) الطبقات لابن سعد (6/220 لاحظ154) ولاحظ صحيح مسلم (1/7) .
(2) معالم العلماء (?1) .
(3) رجال النجاشي (?9) رقم (5) والفهرست للطوسي (?62) رقم (119) .
(4) لاحظ رقم ( 7 ) ( ? 140 ) من الفصل الثالث السابق .
(5) الفهرست للطوسي (?62) رقم (119) وتأسيس الشيعة (?281).
(6) لوامع الأنوار للسيد مجد الدين (2/ 625) عن جواهرالعقدين للسمهودي ونظم درر السمطين للزرندي .
==================?240
3- سليم بن قيس الهلالي ,العامري ( ? 90هـ)
وذكره النجاشي في المتقدّمين في التصنيف من سلفنا الصالح ,وقال : له كتاب(1) وكذلك الشيخ الطوسي(2).
قال ابن النديم : من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ,وأوّل كتاب ظهر للشيعة كتاب سليم المشهور(3) ونقل نحو ذلك عن السبكي في كتاب محاسن الوسائل في معرفة الأوائل( 4) ,
وقال النعماني : ليس بين جميع الشيعة - ممن حمل العلم ورواه - خلاف في أنّ كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من كتب الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت ,وأقدمها … وهو من الأصول التي يرجع الشيعة إليها ,وتعوّل عليها (5) ,
وقد ذكر بعض المؤلفين المعاصرين هذا الكتاب ,معتبراً له من أقدم الكتب المؤلفة ,وخاصّة عند الشيعة (6) .
الهامش:
(1) رجال النجاشي ( ? 8 ) رقم ( 4 ) .
(2) الفهرست للطوسي ( ? 107 ) رقم ( 348 ) .
(3) الفهرست للنديم ( ? 275 ) الفن ( 5 ) المقالة ( 6 ) .
(4) الذريعة , للطهراني (2/153) رقم ( 590 ) .
(5) الغيبة للنعماني (?101) وانظر تأسيس الشيعة ( ? 282 ) والمراجعات لشرف الدين ( ? 307 ) المراجعة ( 110 ) .
(6) المقالات الدينية للشيخ محمد سعيد العرفي (?8) وتاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف ( العصر الإسلامي )(?453) وتاريخ الفلسفة الإسلامية لمصطفى عبد الرزاق (?2-203) .
===================?241
وهذا الكتاب موجود ,متداول ,ويسمّى _أيضاّ _ باسم كتاب السقيفة (1) وهو مطبوع , وقد قدّم له في بعض طبعاته الأولى شيخنا في الرواية المرحوم العلاّمة المحقق السيد محمد صادق بحر العلوم رحمه الله (?1399هـ) مقدمة موسّعة ضافية عن الكتاب والمؤلف (2) .
ولكن النسخة المتداولة لا تخلو مما لا ريب في بطلانه حسب معتقدات الشيعة الإمامية , وتختلف عن النسخ المخطوطة في الزيادة والنقصان , ويبدو أن هذا الأمر هو الموجب للنقاش في صحة الكتاب , ونسبة نسخه , كما عبر عن ذلك ابن الغضائري (*) لا أصله .
4 - الحارث بن عبد الله الهمداني
روى عنه أبو إسحاق السبيعي أنه قال : خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوماً خطبة بعد العصر ,فعجب الناس من حسن صفته ,وما ذكر من تعظيم الله جل جلاله , قال أبو إسحاق : فقلت للحارث : أو ما حفظتها ?
قال : قد كتبتها ,فأملاها علينا من كتابه (3).
الهامش:
(1) الذريعة للطهراني (2/152-159) .
(2) وله ذكر في الجرح والتعديل للرازي (?2?1?214).
(*) الرجال لابن الغضائري ,بتحقيقينا ,مخطوط.
(3) التوحيد , للصدوق (?31) ?1.
(4) رجال النجاشي (?7) والفهرست للطوسي ( 62 ) .
=================?242
وقد مرّ أنه روى عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كتاب السنن والقضايا والأحكام(1)كما قد نقل عن الإمام عليه السلام أحاديث في مجال الحث على التدوين (2) .
5- عَبيدة السلماني (?64- أو- 72)
قال خالد بن راشد ,عن مولى لعبيدة السلماني ,قال : سمعتُ عبيدة ,يقول : خطبنا عليّ أمير المؤمنين عليه السلام على منبرٍ له من لبنٍ ,فحمد الله ,وأثنى عليه ,ثم قال : أيّها الناس ,اتقوا الله ,ولا تفتوا الناس بما لا تعلمون ,? ? رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال قولاً آل منه إلى غيره ,وقال قولاً ? ضع على غير موضعه , وكذب عليه .
فقام إليه علقمة وعَبيدة السلماني ,فقالا : يا أمير المؤمنين ,فما نصنع بما قد خبّرنا في هذه الصحف من أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ? قال : سلا عن ذلك علماء آل محمد صلّى الله عليه وآله .
كأنه عنى نفسه(2) .
والغريب أنّ عَبيدة السلماني - مع وجود هذا النصّ الواضح الدلالة على وجود الصحف عنده - قد نسب إليه الامتناع عن التدوين والكتابة(3) .
الهامش:
(1) لاحظ ما مضى (?144 ?145 ) .
(2) كتاب عاصم بن حميد الحناط ( ? 39 ) .
(3) تقييد العلم ( ? - 46 ) وانظر السنة قبل التدوين ( ? 322 ) ? دلائل التوثيق المبكر ( ? 444 ) .
====================?243
6- ميثم بن يحيى التمار(?60هـ)
صاحب أمير المؤمنين عليه السلام ,من أعاظم الشهداء على التشيع,قتله ابن زياد والي معاوية على الكوفة .
له كتاب في الحديث ,ينقل عنه الكشي في رجاله والطوسي في الأمالي (1) والطبري في بشارة المصطفى ,وكثيراً ما يقول الأخير : وجدتُ في كتاب ميثم التمار(2) .
7- ثابت بن دينار أبو حمزة الثمالي
كان من أصحاب عليّ بن الحسين السجّاد عليه السلام ,وصحب أبا جعفر محمد الباقر عليه السلام ,ذكره ابن النديم ,وقال : من النجباء الثقات ,وله كتاب التفسير(3) .
8 - محمد بن الحنفية ابن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام (? &73 هـ)
قال العلائي في عبد الأعلى بن عامر الثعلبي : قال عبد الرحمن بن مهدي : كلّ شيء يروي عن محمد بن الحنفية إنّما هو كتاب أخذه ,ولم يسمعه (4).
وقد مرّ أنه كتب وصيّته على الرمل لما اعتقل لسانه , في ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام .
الهامش:
(1) أمالي الطوسي (1/147) .
(2) تأسيس الشيعة (?283) ومرآة الكتب (1/9) وأمالي الطوسي (2/20) وإرشاد المفيد (?15 ? 12 ).
(3) الفهرست للنديم ( ? 36 ) .
(4) طبقات ابن سعد (5/77) ?(6/233) وتقدمة الجرح والتعديل (71) والجرح والتعديل (3/1/26) وتهذيب التهذيب (6/ 94) وجامع التحصيل في أحكام المراسيل ( ? 218 - 219 ) رقم ( 410 ) .
==============?244
9- الحسن بن محمد بن الحنفية (?100هـ )
ألف كتابا في الإرجاء ,ذكره ابن سعد(1) , وله كتاب في الجبر ,ردّ عليه يحيى بن الحسين الهادي إلى الحقّ الزيدي (?298هـ ) في كتاب الردّ والاحتجاج على الحسن بن محمد ,? أورد نصّ كتاب ابن الحنفية في كلّ مسألة (2) .
10 - عروة بن الزبير (?94هـ)
كان ممن يهتمّ بالتدوين ,وقد كتب عن عائشة (?57هـ)(3).
وكانت له كتب فقه ,أحرقها يوم الحرّة سنة (63هـ) فكان يظهر أسفه عليها ويقول : لإن تكون عندي أحبّ إليَّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي (4) .
وكان يكتب العلم للناس ,ويعارضه لهم(5) ,
وممّا يؤثر عنه اهتمامه بعرض الكتاب ,والمقصود بالعرض هنا مقابلته بأصله المكتوب عنه ,لتصحيحه وضبطه والتأكّد من سلامته من الغلط والتصحيف :
الهامش:
(1) الطبقات لابن سعد (5/328) انظر تاريخ التراث لسز كين (1/1/237) ودلائل التوثيق المبكر(?551) وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (8 /120) .
(2) طبع كتاب ( الردّ على الحسن بن محمّد) للهادي إلى الحقّ في ( رسائل العدل والتوحيد ) تأليف محمد عمارة (2/117 - 303 ) .
(3) الكفاية للخطيب ( ? 205 ) .
(4) طبقات ابن سعد (5/133) طبع ليدن ,ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (17/10 )
(5) أدب الإملاء والاستملاء ( ? 78 ) .
===============?245
روى هشام بن عروة ,عن أبيه أنه كان يقول :كتبت ? فأقول :نعم ,
قال : عرضت كتابك ? قلت : لا ,قال : لم تكتب (1).
وهذا يدل على عناية فائقة ,لا بأصل التدوين فحسب ,بل بالضبط والتصحيح أيضا ,ومن المعلوم أن ذلك يعتبر من شؤون التدوين والكتابة في مرحلة راقية تتجاوز المرحلة البدائية .
وقد اعتبر عروة أوّل من صنّف في المغازي(2) ,واستخرج الدكتور محمد مصطفى الأعظمي نصوص المغازي لعروة ,وطبع باسم مغازي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعروة بن الزبير برواية أبي الأسود عنه(3).
11- سعيد بن جبير (?94هـ)
كان من تلامذة ابن عباس ,شديد الاهتمام بكتابة الحديث وتدوينه ,وله في ذلك أحاديث تدل على عنايته الفائقة ,نورد بعضها :
1- قال : ? بّما أتيتُ ابن عباس ,فكتبت في صحيفتي حتى أملأها ,وكتبت في نعلي حتى أملأها ,وكتبتُ في كفي ,وربما أتيته فلم أكتب حديثاً حتى أرجع ,لا يسأله أحد عن شيء (4).
2- وقال : كنتُ أءتي ابن عباس ,فأكتب عنه(5).
الهامش:
(1) الكفاية للخطيب ( ? 237 ) ادب الاملاء ( ? 79 ) .
(2) البداية والنهاية , لابن كثير (9/101) لاحظ مقال ? التسميات طليعة المؤلّفات…المنشور في مجلة ( تراثنا ) العدد (15) ? ( 260 - 261 ) .
(3) طبع طبعة أولى في الرياض سنة 1401هـ. .
(4) الطبقات لابن سعد (6/257) .
(5) المصدر والموضع .
================?246
3- وقال كنتُ أكتبُ عند ابن عباس في صحيفة ,وأكتب في نعلي (1) .
4- وقال كنتُ أجلس إلى ابن عباس ,فأكتب في الصحيفة حتى تمتلىء ,ثم أقلبُ نعلي فأكتبُ في ظهورهما(2) ,
5 - وقال : كنتُ أسيرُ مع ابن عباس ,في طريق مكّة ,ليلاً ,وكان يحدثني بالحديث فأكتبه في واسطة الرحل ,فا صبح ,فأكتبه (3) .
6- وقال : كنتُ أسير بين ابن عمر وابن عباس ,فكنتُ أسمعُ الحديث منهما ,فأكتبه على واسطة الرحل ,حتى أنز ? فأكتبه (4) .
وله كتاب ( التفسير ) ذكره ابن النديم(5) وغيره(6) ,ورواه عنه عطاء بن دينار :
قال أحمد المصري : عطاء … من ثقات المصريين إلاّ أنّ تفسيره – في ما نرى! - عن سعيد بن جبير ,صحيفةٌ (7).
الهامش:
(1) سنن الدارمي (1/105) ? 506 .
(2) المصدر السابق ( ?507 ) والمحدّث الفاصل ( ? 374 ) رقم ( 347 ) .
(3) سنن الدارمي (1/105) ? 501 ?505 , وجامع بيان العلم (1/72) .
(4) تقييد العلم ( ? 3 - 104 ) .
(5) الفهرست للنديم ( ? 37 ) .
(6) وانظر : طبقات ابن سعد (6/179?186 ) وتقييد العلم (102 ) .
(7) جامع التحصيل للعلائي ( ? 237 )رقم ( 519 ) .
=======================?247
وقال ابن حجر في ترجمة عطاء : إنّ روايته عن سعيد بن جبير من صحيفته(1).
وقال أبو حاتم : كتب عبد الملك بن مروان إلى سعيد بن جبير : أن يكتب إليه بتفسير القرآن ,فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه ,فأخذه عطاء من الديوان (2) ورواه عنه عزرة : قال ورقاء بن إياس : رأيتُ عزرة يختلف إلى سعيد بن جبير ,معه التفسير في كتاب ,ومعه الدواة يغير (3).
وبما أنّ سعيد بن جبير أقدم تلامذة ابن عباس وفاةً ,فقد قيل إنه أوّل من صنف في علم التفسير(4).
12- مجاهد بن جبر (103هـ)
كتب التفسير عن ابن عباس , قال ابن أبي مليكة :رأيتُ مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ,ومعه ألواحه ,فيقول له ابن عباس : اكتبْ حتى سأل عن التفسير كله (5).
الهامش:
(1) تهذيب التهذيب (7/198)وتقريب التهذيب (2/21) رقم (188) .
(2) جامع التحصيل للعلائي ( ? 237 ) رقم ( 519 ) وتهذيب التهذيب (7/198).
(3) الطبقات لابن سعد (6/266) .
(4) تأسيس الشيعة ( ? 322 ) .
(5) تفسير الطبري (1/30) وأعيان الشيعة (1/195) .
====================?248
وكان مجاهد يقول لأصحابه : لا تكتبوا عنّي كلّ ما أفتيتُ ,وإنّما يكتب الحديث (1) ,
وقال أبو يحيى الكناسي : كان مجاهد يصعدُ بي إلى غرفته فيخرج إليَّ كتبه ,فأنسخ منها (2).
13- نافع مولى ابن عمر (?117هـ)
كان يملي علمه ,ويكتب بين يديه(3) وله كتاب كبير رواه عن ابن عمر(4) .
14- زيد بن وهب الجهني الكوفي (?96هـ)
جمع في كتاب خطب الإمام أمير المؤ منين عليه السلام على المنابر ,في الأعياد ,ذكره الشيخ الطوسي ,وأسند إليه(5) .
15- سالم بن أبي الجعد (?100هـ)
كان ممن يكتب ,وقد أقر بذلك زميله إبراهيم النخعي ( ? 96هـ) فعن منصور ,قال : قلت لإبراهيم : ما لسالم بن أبي الجعد ,أتم منك حديثا ?
الهامش:
(1) قواعد التحديث , للقاسمي ( ? 52 ) .
(2) تقييد العلم ( ? 105 ) .
(3) سنن الدارمي (1/106) ? 513 .
(4) تاريخ بغداد (10/ 406) تاريخ الإسلام للذهبي (5/11) وانظر دلائل التوثيق المبكر (? 539 ) .
(5) الفهرست للطوسي ( ? 97 ) رقم ( 303 ) .
=========================?249
قال : لأنه كان يكتب (1).
وقال منصور : كان سالم إذا حدّث ,حدّث فأكثر ,وكان إبراهيم النخعي إذا حدّث جزم ,فقلتُ لإبراهيم ? فقال : إنّ سالماً كان يكتب (2).
ويظهر من ذلك أن الكتابة كانت تعتبر عند إبراهيم من أسباب ضبط الحديث ,وكثرته ,فكأنَّه كان مستاءاً من عدم كتابته ,كما يشير إليه حديثه التالي : قال جامع بن شد اد : رأيتُ حماداً يكتب عند إبراهيم في ألواح ,ويقول : والله ما أريد به الدنيا (3) .
16 - محمّد بن عمرو الليثي
كان ممن يؤكد على التدوين والكتابة ,ومن أقواله لتلاميذه ,ما نقله سفيان بن عيينة ,قال : قال لنا محمد : لا ,والله ,لا أحدّثكم حتّى تكتبوه ,إنّي أخاف أن تكذبوا عليَّ (4) .
17- عطاء بن أبي رباح (?114هـ)
كان يكتب ,ويأمر ابنه بالكتابة (5) .
الهامش:
(1) سنن الدارمي (1/101) ? 481 , الكامل لابن عدي (1/37) .
(2) طبقات ابن سعد (6/291) .
(3) طبقات ابن سعد (6/332) .
(4) الكامل لابن عدي (1/37) والجامع لأخلاق الراوي (1/75-676) .
(5) المحدث الفاصل للرامهرمزي ( ? 371 ) رقم ( 339 ) .
======================?250
وقال أبو حكيم الهمداني : كنتُ عند عطاء بن أبي رباح ,ونحن غلمان ,فقال : يا غلمان ,تعالوا ,اكتبوا ,فمن كان منكم لا يحسن كتبنا له ,ومن لم يكن معه قرطاس أعطيناه من عندنا(1) فكان تلامذته يكتبون بين يديه(2) .
19- همام بن منبه (?132هـ)
ألّف ما سمعه من شيخه أبي هريرة الدوسي (?57-أو-59هـ) في صحيفة تعرف بالإضافة إلى اسمه ,ويعتقد البعض أنّ الصحيفة من تأ ليف أبي هريرة نفسه ,وأن هماما إنما رواها عنه ,لكن المعروف أن المدوّن لها هو همام .
وقد كان همام من المولعين بالكتب ,والمهتّمين بالكتابة والتدوين ,وكان يملي للناس الأحاديث من الكتب ,والكراريس (3) .
ونشرت صحيفة همّام أخيراً ,باعتبارها واحداً من نماذج الحديث المدوّن في صدر تاريخ التدوين ,وقال بعض المعاصرين عنها : ? نّما كانت لهذه الصحيفة مكانة خاصّة في تاريخ تدوين الحديث ,لأنها وصلت ? لينا كاملة ,سالمة ,كما رواها ودوّنها همام عن أبي هريرة ,وتحتوي على ( 138حديثاً ) وعثر عليها الباحث المحقق الدكتور محمد حميد الله الحيدرآبادي ,في مخطوطتين متماثلتين ,في دمشق ,وبرلين .
الهامش:
(1) المحدث الفاصل ( ? 373 ) رقم 344 .
(2) سنن الدارمي (1/106) .
(3) الجامع لأخلاق الراوي والسامع .
==============?251
وأضاف : وزادنا ثقة بما جاء فيها أنها - برمتها - ماثلة في مسند أحمد ,وأن كثيرا من أحاديثها مروي في صحيح البخاري في أبواب مختلفة ,وقد سميّت هذه الصحيفة بالصحيفة الصحيحة( 1) .
19- عامر الشعبي (?104هـ)
كان يقول : الكتاب قيّد العلم (2) وقال : اكتبوا ما سمعتم منّي ولو على الجدار (3) وبالرغم من وضوح دلالة هذا الكلام على كون الشعبي من أنصار التدوين فقد نسب إليه القول بالمنع من التدوين .
وعدّ – فعلاً – في المانعين(4) ونقل عنه قوله : ما كتبتُ سوداء في بيضاء ,ولا سمعت من رجل حديثا فأردت أن يعيد ? علي (5) .
الهامش:
(1)علوم الحديث لصبحي الصالح (?32) وانظر مسند أحمد (2/12-319)
(2) تقييد العلم ( ? 99 ) .
(3) طبقات ابن سعد (6/250) والمحدث الفاصل ( ? 376 ) رقم (354) وتقييد العلم ( ? 100 ) والعلم لزهير بن حرب (?193? ) .
(4) السنة قبل التدوين ( ? 313 ) .
(5) جامع بيان العلم (1/67)والمصدر السابق عن كتاب العلم لزهير بن حرب ( ? 187? ) .
=============?252
لكن كلامه هذا – إنْ صحّ عنه - لا يدل على أكثر من عدم تحقق الكتابة منه لأجل قو ? الحفظ ,فمراده - كما يدل عليه ذيل هذا الكلام - التعبير عن قوة الحفظ الذي كان يتمتع به ,بحيث كان يعتمد على الذاكرة ولم يكن بحاجة إلى الكتابة ,لا أنه يعارض الكتابة ,ويدل على ذلك أيضا أنه وجد له - بعد موته - كتاب الفرائض والجراحات (1).
وقد عده الخطيب في من أباح كتابة الحديث من التابعين(2).
20- الضحاك بن مزاحم ( ?105هـ)
فقد كان يقول : ? ذا سمعتَ شيئا فاكتبه ,ولو في حائط , وأملى كتاب( مناسك الحج ) على حسين بن عقيل (3) .
21 - معاوية بن قرة ,أبو أياس (?113هـ)
كان يقول : من لم يكتب علمه ,لم يعد علمه علما (4) .
22-زرارة بن أعْيَن الشيباني الكوفي (?148هـ)
من أصخاب الإمام السجّاد عليه السلام , من كبار متكلّمي الشيعة وفقهائهم .
قال الطوسي : له تصنيفات (5) وقال النجاشي : كان قارئاً متكلّماً شاعراً أديباً,قال ابن بابويه : رأيتُ له كتاباً في الاستطاعة والجبر(6) وأضاف ابن شهر آشوب : والعهود(7).
وقد جاء في الحديث :أن زرارة كان يسال ويفتح ألواحه ويكتب (8).
ونكتفي بهذا العدد من التابعين ,والملاحظ أنهم من كبار التابعين وفضلائهم ومن لا ينعقد رأي في عصرهم بدونهم ,وهم أعلام الإ سلام في ذلك العهد بعد الصحابة الكرام ,
الهامش:
(1) تاريخ بغداد (12/232) .
(2) تقييد العلم ( ? 99 - 113 ) .
(3) جامع بيان العلم (1/72 ) وحجية السنة ( ? 451 ) .
(4) سنن الدارمي (1/104) ? 496 , ومحاسن الاصطلاح ( 303 ) .
(5) الفهرست (?100) رقم 314.
(6)رجال النجاشي(?175) رقم 463 .
(7) معالم العلماء(?46) رقم 345.
( 8) اختيار معرفة الناقلين (رجال الكشي ) (رقم 143 )
===========?253
ولا يشك عارف بالتاريخ والحديث أنّ قيام هؤلاء بأمر التدوين يعني تحقّق سيرتهم على التدوين ,كما أنه لا ريب في اتصال هذه السيرة بسيرة الصحابة ,وقد عرفنا أنّ سيرة الصحابة قد قامت على التدوين ,وإذا اتصلت السيرة في عهدي الصحابة والتابعين ,تمّ اتصال سيرة المسلمين - المتحقّقة بعد القرن الأوّل - بسيرة المسلمين في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فتكون هذه السيرة العملية حجة شرعية بلا ريب .
وقد ذكر الشهيد التبريزي في نهاية كلام له حول أوّل ما ألف في الإسلام ما هذا نصه : وقد تحصل أنّ الكتب المصنّفة في عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كثيرة ,منها :
كتاب علي عليه السلام .
والجامعة ,إن لم يكن عين كتاب علي عليه السلام .
ومصحف فاطمة عليها السلام .
وكتاب الديات ,وكتاب الفرائض ,إن لم يكونا جزءا من كتاب علي عليه السلام.
وكتاب ابن حزم ,وهو كتاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ? ليه .
وأنّ الكتب المصنّفة بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضاً كثيرة ,منها :
كتاب سلمان ,وأبي ذرّ ,والأصبغ ,وأبي رافع ,وعليّ ابنه , وعبيد الله ابنه , والذي جمعه أبو الأسود في النحو , وكتاب سليم بن قيس , وكتاب مِيثم التمّار , والصحيفة السجادية (1).
الهامش:
(1)مرآة الكتب(1/ 9 ).
ملاحظة:
إعلم أنّ المؤلّفين في موضوع تدوين الحديث قد تفاوتت أعمالهم في إيراد أسماء الصحابة والتابعين الذين زاولوا عملية التدوين وخلّفوا كتباً مدوّنة , كمّاً وعدداً , وكيفاً وتفصيلاً .
وقد اقتصرنا نحن في هذه الدراسة على هذا القدر المقنع لإثبات السيرة في عهد الصحابة وكذا التابعين , من دون توسّع في ذكر الأسماء والكتب , فان ذلك محتاج إلى تأليف مستقل , مع أنّ المراجع المتوفّرة ترشد إليها , وراجع الفصل الخامس من كتاب دلائل التوثيق المبكر ? ( 308 - 309 )للوقوف على أسماء اخرى .
وكذلك كتاب معرفة النسخ والصحف الحديثية ,الجامع للكثير منها .
وأجمع مصدر لذلك هو كتاب دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور مصطفى الاعظمي .
===================?254
خاتمة القسم الأوّل
خلاصة واستنتاج
وبعد أن انتهينا من القسم الأوّل , نقدّ ? مختصراً له :
إنّ الإسلام _ منذ اللحظة الأولى من نزوله وبعثة الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم به _ بدأ بالتأكيد على مبدأ الكتابة بأساليب عديدة , ولم ينتظر انفراجاً محليّاً في الأوضاع السائدة , للبتّ في تطوير الثقافة المعتمدة على الأميّة , التي كان العرب يعتادونها , إلى ثقافة الإسلام المعتمدة على الكتاب والكتابة والقلم وما يسطرون , كما هو لم ينتظر في كلّ التغييرات الأخرى التي أحدثها على المجتمع الذي نزل فيه , بتغيير المعتقدات , والأفكار , والأعراف ,والأخلاق , والسيرة , والطبائع , وكلّ ما لم يوافق عليه إلى ما رآه من عناصر الحضارة والرقي , فهو أيضا تمكّن من تغيير أساليب التثقيف المتداولة , المعتمدة على مجرّ ? الحفظ والرواية , وأدخل عليها عنصر الكتابة والضبط على الورق , واعتماد الثقافة التحريريّة .
=======================?256
ومهما كان الحديث عن حفظ العرب وسعته , وعن ذاكرة العرب وجودتها فإنّ الرواية كانت تساير عمليّة الكتابة , المتسالم عليها لدى البشر , فلم يرحل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الرفيق الأعلى , إلاّ وقد أصبحت الكتابة أمراً مقبولاً لدى الجميع , ولا يدور حولها جدلٌ أو بحثٌ .
وقد أصبح التدوين والكتابة للمعلومات أمراً واقعاً بحيث إنّ عمر , لمّا أراد أنْ يمنع تدوين الحديث اضطرّ إلى إظهار أعذار يبرّر بها إجراءات المنع .
أمّا الجماعة الذين عارضوا تلك الإجراءات , من كبار الصحابة والتابعين _ في بداية القرن الأوّل الهجري _ وكذلك المجموعة التي تمّ تدوينها وبقيت مصونة من الإبادة والإحراق , فهي تمثّل النواة المكوّنة لتراث المعرفة الإسلامية .
وقد عرفنا في هذا القسم كلّ الأوليات الضرورية لإثبات هذه النظرية ونلخص الكلام هنا , فنقول : إنّ أدلة المبيحين لتدوين الحديث , التي جمعنا شتاتها , وألّفنا بين متفرّقاتها , هي :
1-أنّ الأصل الأوّلي في حكم التدوين , هو الإباحة .
2_ وأنّ العرف المقبول , يدلّ على جواز التدوين , وهو عرف قرّره الشارع الكريم , ولم يعارضه , فيكون حجّة في نفسه على ذلك .
3_ ورأينا أنّ السنّة النبويّة , بأقسامها الثلاثة : التقريريّة , والفعليّة , والقوليّة , قامت على جواز التدوين للحديث .
====================?257
4_ ورأينا أنّ أهل البيت النبويّ عليهم السلام أجمعوا على إباحة التدوين , بل ضرورته , وأثبتنا أنّ إجماعهم حجّة يجب على الأمّة اتّباعه , ولهم في مجال التدوين آثار عظيمة .
5_ ورأينا أنّ سيرة المسلمين _ في جميع العصور : عصر النبوّة , وعصر الصحابة , وعصر التابعين , فما بعد هم إلى اليوم _ قد استقرتْ على إباحة التدوين ومزاولته , من ? ون تردّد .
ومع كلّ هذه الإدلّة المعتبرة , لم يبق لدينا ريبٌ في إباحة التدوين منذ عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولم يكن حراماً في يوم من الأيّام , ولم ينقطع في فترة سوى ما تعرّض له من عمليّات المنع , من قبل بعض الحكّام , ولكنه لم يكن ذا أثرٍ على الحديث , ولا على حكم التدوين , خاصة على من لم يلتزم _ عقائدياً _ بشرعيّة تلك الإجراءات .
ولا أعتقد أنّ من يتمتع بالعلم , ويتّصف بالانصاف يمتنع من الاعتراف بهذه الحقيقة .
وقد أقرّ بها بعض علماء الحديث في العصر الحاضر , وصرّحوا : بأنّ معظم الثروة الحديثيّة قد كتب ودوّن بأقلام رواة في العصر الأوّل , وقد يزيد ما حفظ في الكتب والدفاتر _ كتابة وتحريراً في العصر النبويّ , وفي عصر الصحابة _ على عشرة آلاف حديث .
وصرّحوا : بأنّه يمكن أنْ يقال : إنّ ما ثبت من الأحاديث الصحاح , واحتوت عليها مجاميعها , ومسانيدها , قد كتب ودوّن في عصر النبوّة , وفي عصر الصحابة , قبل أنْ يدوّن في الموطأ والصحاح .
============================?258
نقل ذلك الأستاذ الشيخ عبد الحليم محمود _ شيخ الأزهر _ عن السيّد أبي الحسن الندوي في كتاب رجال الفكر والدعوة , وعن مناظر أحسن كيلاني في كتاب تدوين الحديث (1) وأضاف : جمعت السنّة _ إذنْ _ جميعها _ تقريباً _ في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وعهد الصحابة (2).
ويقول محمد عجاج الخطيب: إنّ تقييد الحديث وحفظه , في الصحف , والرقاع , والعظام , قد مارسه الصحابة في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولم ينقطع تقييد الحديث بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم , بل بقي جنبا إلى جنب , مع الحفظ , حتى قيّض للحديث من يودعه المدوّنات الكبرى , وأضاف : إن أهل الحديث لم يمسكوا طوال القرن الأوّل عن تقييد الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , منتظرين سماح الخليفة وأمره(3).
الهامش:
(1) لقد راجعنا هذا الكتاب وهو باللغة الأردوئية وقد طبع في الهند , مكتبة تهانوي_ ديوبند _ضلع سهارنبور , يو بي . سنة 1983 ?.
(2) القرآن والنبّي صلّى الله عليه وآله ? سلم , تأليف عبد الحليم محمود (? 336 - 339(وقارن ذلك بما ذكره الشيخ محمد أبو زهو في الحديث والمحدّثون (? 124) فهو يقول: إن الحديث لم يكتب في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على النحو الذي كتب عليه القرآن , فلم يأمر النبيّ أحداً من كتّاب الوحي بكتابة حديثه !وإن وجد من بعض الأفراد كتابة شيء فذلك قليل جداً ? قد كان جلّ اعتمادهم على الحفظ .انتهى .
فهذا الكلام باطل من جهات عديدة , لا تخفى على العلماء .
(3) السنة قبل التدوين (? 332 ).
===================?259
أقول :كما أنهم لم يمسكوا عن تدوين الحديث بإجراءات الخليفة لمنع التدوين ولم يأبهوا بنهيه وتحريمه , في بداية هذا القرن .
ويقول الدكتور أحمد عمر هاشم _ بعد أن ذكر النهي عن الكتابة , وما قيل من توجيهات الجمع بينه وبين حديث الإذن فيها _ ما نصه : وظل النهي عن الكتابة قائما حتى كثرت السنن وخيف عليها أنْ تضيع من البعض , فكان الإذن بالكتابة ناسخاّ لما تقدم من النهي , ولم يلحق الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بالرفيق الأعلى إلاّ وكتابة الحديث مأذون فيها (1).
ويقول في آخر حديثه : بعد هذا كلّه أرى أنّ السنة النبوية كانت تكتب في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأنّ إباحة الكتابة كانت آخر ما ترك الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أصحابه عليه , فلم يلحق بالرفيق الأعلى إلاّ وكتابة الحديث قائمة , وقد حفظت في الصحف بجانب حفظها في الصدور , ولم تبق مهملة طيلة القرن الأوّل إلى عهد عمر بن عبد العزيز , وأحاديث الإذن بالكتابة أكبر شاهد على ذلك (2).
وقد ألّف المحدّث الكبير الشيخ عبد الحيّ الكتّاني المغربيّ رسالةً في إثبات التدوين والجمع لأهل القرن الأوّل الهجري من الصحابة والتابعين (3).
الهامش:
(1) السنة النبوية وعلومها ? 59 .
(2) السنة النبوية وعلومها ? 61 .
(3) ذكر ذلك في مقدمة كتاب فهرس الفهارس والأثبات المطبوع في بيروت بتحقيق الدكتور إحسان عباس (?32) برقم ( 129) في قائمة مؤلفات الكتاني .
====================?260
أقول : وبعد الاعتراف بهذه الحقيقة الواضحة , الناصعة , والثابتة بالأدلة الشرعيّة , لم نكن بحاجةٍ إلى التعرّض لضجيج المانعين عن التدوين وما أثاروه في وجه الحديث الشريف من شبه , اتّباعا لما أقدم عليه بعض الحكّام وتوجيهاتهم لإجراءات المنع .
لأنّها _ بعد وضوح تلك الحقيقة _ لم تكن إلاّ شبهةً في مقابل البديهة .
ولكن , حفاظاً على موضوعيّة البحث , وإتماماً للحجج والأدلة عقدنا القسم الثاني من هذه الدراسة لذكر جميع ما ذكره المانعون للتدوين من مبرّرات .
=====================?261
=====================?261
القسم الثاني
مع المانعين للتدوين , وتوجيهاتهم للمنع
ويحتوي على :
التمهيد : متى بدأ المنع للتدوين ?
الفصل الأوّل : النهي الشرعي عن كتابة الحديث !
الفصل الثاني : الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن .
الفصل الثالث : التخوّف من ترك القرآن والاشتغال بغيره .
الفصل الرابع : الاستغناء بالحفظ عن التدوين .
الفصل الخامس : عدم معرفة المحدّثين للكتابة .
الفصل السادس : القول الفصل في سبب المنع .
الملحق الأوّل : المنع من رواية الحديث ونقله _ أيضاً _ .
الملحق الثاني : آثار عدم التدوين .
الخاتمة : خلاصة واستنتاج .
===================?263
التمهيد
متى بدأ المنع من التدوين ?
في عصر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم , لم يصدر النهي عن كتابة الحديث وتدوينه إلاّ من أعداء الرسول والرسالة ,وهم قريش المستسلمة.
فقد ثبت أنهم نهوا عبد الله بن عمرو بن العاص عن كتابة كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , بزعم أنه يتكلم في الرضا والسخط , معلنين بذلك عن عدم اعتقادهم بحقيّة جميع ما يقول , كما جاء في الحديث المشهور عن عبد الله بن عمرو , قال : كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأريد حفظه , فنهتْني قريشٌ , وقالوا : تكتب كلّ شيء تسمعه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بشرٌ ,يتكلم في الرضا والغضب !?
قال عبد الله : فأمسكت , فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
فقال:اكتب ,فوالذي نفسي بيده ,ما خرج منه إلاّ حقٌ _ وأشار بيده إلى فيه _(1).
فسلف المانعين عن كتابة الحديث هم قريش هؤلاء , وقد ردّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عليهم هكذا ,مؤكّداً على حقيّة حديثه السابق واللاحق , مع القسم على ما قال , واستعمال الإشارة ,أيضاً.
ثمّ لم نجد عمليةّ منع لكتابة الحديث إلا ما قام به عمر بن الخطاب من منعه لكتابة النبي ّصلّى الله عليه وآله وسلّم لما أراده عند موته صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ذلك العمل الفظيع الذي فصّلنا الكلام عنه(2).
وأمّا بعد عصر النبوّة :
فلم يكن لمنع التدوين ذكر ولا أثر , قبل جلوس أبي بكر على أريكة الحكم , بل على العكس من ذلك , فإنّ الآثار تدلّ على أنّ أبا بكر – نفسه - قام بعمليّة التدوين فعلاً من دون تحرّج , لمّا جلس على أريكة الخلافة بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , مباشرةً .
فقد نقل الذهبي : أنّ أبا بكر جمع أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في كتاب فبلغ عددها خمسمائة حديثٍ , ثمّ دعا بنارٍ فأحرقها(3)!
والغريب أنّ أبا بكر لم يستند في إتلافه هذا الكتاب إلى نصّ شرعيّ , وإنّما برّر عمله ذلك بأنّه أتلفه مخافة أنْ يكون كتب شيئاً لم يحفظه جيّداً (3).
الهامش:
(1) لاحظ مصادر الحديث في هذه الدراسة (? 89).
( 2) لاحظ الصفحات ( ).
(3) تذكرة الحفاظ للذهبي (1/5) وعلوم الحديث لصبحي الصالح(?39) .
(4) المصادر السابقة , نفس المواضع .
==================?264
وروى القاسم بن محمد , من أئمة الزيدية عن الحاكم , بسنده عن عائشة قالت : جمع أبي الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فكانت خمسمائة حديث فبات ليلةً … فلمّا أصبح قال : أيْ بنيّة , هلمّي الأحاديث التي عندك , فجئته بها , فدعا بنار فحرقها . فقلت : لِمَ حرقتها ؟؟
قال : خشيتُ أنْ أموت وهي عندي , فيكون فيها أحاديث عن رجلٍ قد ائتمنته ووثقت به , ولم يكن كما حدّثني فأكون قد نقلت ذلك (1).
وهنا يعلّل إحراق الحديث بمجرّد خشيته المخالفة , مع تصريحه بأمانة الناقل ووثاقته , إنْ كان هناك بينه وبين النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ناقل وواسطة؟ فلو كان هناك حديثٌ عن المنع الشرعيّ , لم يكن أبو بكر ليقدم على الكتابة , أوّلاً ,? لم يكن ليعلّل الإتلاف بأمر آخر غير المنع الشرعيّ , ثانياً .
وقد قال المعلمي _ بعد أنْ أورد هذه الرواية _ : لو صحّ هذا لكان حجةً على ما قلناه _ من عدم صحّة النهي عن كتابة الحديث _ فلو كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى عن كتابة الأحاديث مطلقا لما كتب أبو بكر (2).
الهامش:
(1) الاعتصام بحبل الله المتين (1/30).
(2) الأنوار الكاشفة ( ? 83 ) .
==================?265
ولم يُؤْثَرْ عن أبي بكر منعٌ عن تدوين الحديث بالخصوص غير إقدامه ذلك , وإنّما رووا عنه المنع عن أصل رواية الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
روى الذهبي : أنّ الصدّيق _ يعني أبا بكر _ جمع الناس بعد وفاة نبيهم ! فقال : إنكم تحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحاديث تختلفون فيها , والناس بعدكم أشدّ اختلافاً , فلا تحدّثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً , فمن سألكم فقولوا :بيننا وبينكم كتاب الله , فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه (1).
ويمكن أنْ يستفاد من هذه الرواية أنّ أبا بكر منع تدوين الحديث , بأحد وجهين :
1_ بطريق الأولويّة , فإنّ أبا بكر لما منع نقل الحديث وروايته , فهو لكتابته أشدّ منعاً , لأنّ الكتابة أبقى , وسببٌ أقوي لتداول الحديث وانتشاره ,أكثر ممّا هو في مجرّد النقل .
مع أنّ الأمة بين مانع للتدوين دون الرواية , وبين مانع للاثنين , وبين مبيح لهما , وليس في الأمة من يمنع الرواية دون التدوين , فلم ينقلْ ذلك عن أبي بكر ولا عن غيره !
2_ أنّ النهي عن مطلق الحديث المفهوم من قوله : لا تحدّثوا … شيئاً ,يشمل الكتابة , وخاصة بالنظر إلى التعليل الذي ذكره , فهو يرى أنّ الحديث عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم موجبٌ للاختلاف , من دون فرقٍ بين أن يُروى أو يُكتب ?.
الهامش:
(1) تذكرة الحفاظ للذهبي (1/3) ترجمة أبي بكر , والأنوار الكاشفة (?53) ? سنعلّق عليه بتفصيل في الملحق الأوّل ( ? 424 فما بعدها ).
===================?266
والحاصل : أنّ استفادة منع أبي بكر للتدوين , من هذه الرواية , واضحة .
ومهما يكن , فإنّ منع أبي بكر للحديث _ روايةً أو تدويناً _ لم يأخذ به أحدٌ , بحيث لم ينقل حوله شيءٌ يذكر .
وأمّا إقدام أبي بكر على إحراق حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي جمعه . فبالإضافة إلى أنه أدّى إلى فقدان تلك المجموعة من الأحاديث , ومضافا إلى أنّ الإحراق للكتب عمل غير مستساغ , كما سيأتي ,فهو منافٍ لما روته ابنته عائشة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,قالت : نهى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن حرق التوراة (1).
مع أنّ التوراة منهيٌّ عن تداولها وقرائتها , كما تدلّ على ذلك أحاديث التهوّك(2).
ولعلّ هذه المفارقات في عمل أبي بكر هي التي دعت بعض المتأخرين أنْ يسقط هذه الرواية عن الاعتبار , بقوله : ذكر الذهبي هذا الخبر , ولا ندري ما سنده إلى ابن أبي مليكة , وبيّن الذهبي أنه مرسل ,أي منقطع ,لأنّ ابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر ولا كاد , ومثل ذلك ليس بحجّة ,إذْ لا يدرى ممن سمعه (3).
الهامش:
(1) الكامل لابن عدي (1/177) ?سنتحدث المشابهة بين حرق اليهود للتوراة وبين حرق كتب السنة على أيدي اعدائها.
(2) لاحظ (? ).
(2) الأنوار الكاشفة ( ? 53 ) .
================?267
أقول : مع أنّ الذهبي وغيره أعلم بما أوردوا , فإنْ كان الخبر بهذه المنزلة من عدم الاعتبار , فلماذا أوردوه في ترجمة أبي بكر ? أليس للاعتبار به ?
ثم إنّ تشدّدهم في مسائل رجال السند إنّما هو في أحاديث أحكام الشريعة , دون غيرها من الأخبار والسير .
قال أحمد بن حنبل : إذا روينا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم
في الحلال والحرام شدّدنا في الأسانيد, وإذا روينا عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في فضائل الأعمال وما لا يضع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد (1).
ثم تلاه عمر , فلما تربّع على أريكة الحكم أبدى في بداية أمره رغبةً في جمع الحديث وكتابة السنن , لكنه بعد مدّة , بدا له منع التدوين , وبشدّة فائقة , إلى حدّ أنْ عمّم ذلك في أمرٍ رسميٍّ على الجميع .
ومن هذا التاريخ بالذات بدأ حديث المنع عن تدوين الحديث يتسرّب وينتشر .
والذي يستوقف الناظر أمران :
1 _ أنّ أبا بكر وعمر , لم يعمدا في إجرائهما إلى الاستدلال بثبوت المنع في ما سبقهما من عصر النبوّة , ولا استندا في عملهما إلى حديثٍ مرفوعٍ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , أو أحدٍ من علماء الصحابة (2).
بل لم نجد غيرهما من المانعين استند إلى نهي نبويّ عن التدوين .
قال المعلمي : لم يثبت استدلال أحدٍ منهم بنهي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (3).
الهامش:
(1) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 425) وذيله لابن رجب (1/ 135)والمستدرك للحاكم (1/490)والكفاية للخطيب(?134)وانظر شرح علل الترمذي لابن رجب (1/ 72-74)?جامع بيان العلم (1/31) فإنه قال :والحجة من جهة الإسناد إنما تتقصّى في الأحكام وفي الحلال والحرام .وقد جعل الخطيب ذلك مما ينبفي للمحدّث ,فلاحظ:الجامع لأخلاق الراوي (2/ 122-123).
(2) الحديث والمحدّثون لأبي زهو (? 233 - 234 )وانظر دلائل التوثيق المبكر (? 234 )فإنه أكد على أن موقف عمر لم يكن على أساس منع النبيّ صلّى الله عليه وآله .
(3) الأنوار الكاشفة (? 34 ).
==========================?268
وهذا في نفسه سببٌ للتشكيك في شرعية إجراء المنع , وكذلك في ما نقل بعد ذلك من أحاديث مرفوعة يستدلّ بها على المنع ,وسيأتي تفصيل لهذا الأمر .
2_ أنّ التوجّه إلى منع التدوين , وبذلك الأسلوب , يوحي :أنّ عمليّة التدوين كان لها شأنٌ بليغٌ , وأنّها كانت قائمةً على قدمٍ وساقٍ , بحيث استدعى تنفيذ المنع القيام بتلك المبادرات الشديدة من الحكام .
بل أحاديث المنع ورواياته فيها ما يدلّ بوضوح على وقوع التدوين بشكل واسع , قبل التعرّض لعملية المنع .
قد قال الدكتور فؤاد سز كين _ بعد أن ذكر بعض روايات المنع _ : إنّا نتبين _ من الخبرين النافيين _ اهتماماً بالتدوين في وقتٍ مبكرٍ , للغاية (1).
ويقول في الجواب عن : متى ظهر التحرّج من كتابة الحديث ? ما نصّه : ليس هناك ما يمنع من افتراض كون الصحابة والتابعين قد أرادوا المحافظة على أقوال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وما روي عنه , فقاموا بتدوينها خوفاً عليها من الضياع ,وهل يجوز أنْ تترك أقوال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لمصادفات الحفظ في الصدور , في مجتمع كانت الأقوال المأثورة للبشر العاديين تحفظ بالتدوين ?!
الهامش:
(1) تاريخ التراث العربي لسز كين (1/1/233).
==================?269
فهذا الرأي الخاص بصدر الإسلام رأيٌ صحيح , غير أنه قد ظهر لدى القوم _ في ما تلا هذا من زمن _ تحرّج من الاحتفاظ بالحديث على شكل مدوّن (1).
وأمّا أشخاص المانعين :
فهم _ بعد أبي بكر وعمر _ : أبو سعيد الخدري , وابن مسعود , وزيد بن ثابت , وأبو موسى الأشعري (2).
ويكاد عدد المانعين ينحصر في هؤلاء , لولا أنّ المنع نسب إلى آخرين من الصحابة , بينما هم من المبيحين , الذين أثرتْ عنهم الكتب , مثل : أبي هريرة , وابن عباس (3).
كما أنّ الإباحة نسبت إلى بعض رؤوس المانعين , كعمر وأبي بكر وعثمان (4).
وقد بحث الفقهاء في حكم اقتناء كتب الضلال – وإن كان ذلك أخصّ مما نحن فيه – فحكم المحققون منا بجواز ? لمن يريد أن يطلع على ما فيها للرد عليه , بل يجب ذلك – كفاية أو عينا - عند اللزوم .
وقال السلفية المتعنتون – ويمثلهم ابن قيّم الجوزيّة - :يجب إتلافها وإعدامها , وهي أولى بذلك من إتلاف آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر , فأن ضررها أعظم من ضرر هذه , ولاضمان فيها كما لا ضمان في كسر أةاني الخمر وشق زقاقها (5).
وقال :الكتاب الذي يخشى منه الضرر والشرّ ,فالحزم المبادرة إلى إتلافه وإعدامه ,وقد إفتى ابن تيمية بحرق بعض الكتب (6).
لكن الإمام المحقق السبكيّ في مسألة إعدام كتاب الحكم وعدمه , أفتى بعدمه وقال: لأنّ عند إعدامه قد يقول قائل : قد كان ما فيه حقاً , وأما عند وجوده فالفاصل يتأمّله فيفهم بطلانه (7).
أقول : كلامه وإن كان في أوراق المحطمة , إلاّ أن كتب العلم زخصوص كتب السنة أولى بما جاء في تعليله.
وفي مقابل هؤلاء نجد أكثر الصحابة يقولون بجواز التدوين وإباحته, وكثير منهم قد زاول عمل الكتابة والتدوين ,وقد فصّلنا عن جهودهم في ذلك , قولاً وعملاً , في الفصل الرابع من القسم الأول .
الهامش:
(1)تاريخ التراث العربي لسز كين (1/1/226).
(2) مقدّمة ابن الصلاح (? 296 )علوم الحديث لابن الصلاح ,تحقيق عتر (?181).
(3) انظر محاسن الاصطلاح (?297 ).
(4) لاحظ تقييد العلم للخطيب فإنا نجد فيه نسبة إباحة التدوين إلى من ذكره من المانعين , وكذلك العكس , ? هذا في نفسه تناقض لابدّ في رفعه من توجيه ?!ولاحظ ما ذكرناه (? 8 – 209 ).
(5) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (?322-325).
(6) زاد المعاد لابن القيم (3/ 581)وانظر : حول إبادة الكتب وحرقها : المصنّف لابن أبي شيبة باب تحريق الكتب (6/ 211-212) طبعة دار الفكر , ومصنّف عبد الرزاق (11/ 424) ? سير أعلام النبلاء (1/ 377).
(7) طبقات الشافعية للسبكي (10/ 290-291).
================?270
فنجد أنّ المنع _ بالرغم من تبّني السلطة له , ودعمها إيّاه بكلّ الأساليب _ لم يصبح واقعاً متسالماً عليه , بل ظلّ منحصراً في أطر خاصّة , وانقسم الصحابة أنفسهم , فنجدهم مختلفين بين قليل مانع , وكثير مبيح .
فلو أعرضنا عن الترجيح بينهم بالكثرة والقلة, وأعرضنا _ كذلك _ عن جميع ما مرّ في القسم الأوّل _ من هذه الدراسة _ من الأدلّة على إباحة التدوين, والذي يلزم من ذلك عدم نسبة المنع إلى الشرع الإسلامي , فلو أعرضنا عن كلّ ذلك:
يمكننا _ استنادا إلى الأمرين التاليين _ إثبات أنّ المنع من التدوين لم يكن إلاّ رأيا شخصيّا من عمر , وتبعه بعض الصحابة الدائرين في فلك سياسته ,والأمران هما :
1_ عدم إسناد عمر وأتباعه عمل المنع , إلى أيّ نصّ من الشارع الأقدس كما ذكرناه سابقاً , وسنعيده .
2_ مخالفة الصحابة , لإجراء المنع , فلو كان للمنع أصلٌ شرعيٌّ لم يَخْفَ على الصحابة المعارضين _ وهم الأكثر عدداً _ , ولم يختصّ علمه بعمر والعدد الضئيل ممن تبعه من المانعين .
مع أنّ في المبيحين من الصحابة من هو أكثر اتصالاً بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من أقاربه وخاصّته , مثل أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام ابن عمّه , وحتى أنس بن مالك خادمه , وعائشة زوجته .
=====================?271
فلو كان حكم التدوين ثابتاً _ في الشرع المبين _ أنه حرامٌ وممنوعٌ , لم يكن عليّ عليه السلام , وأنس وأمثاله , يخفى عليهم ذلك الحكم, لفرض اتصالهم الوثيق بمصدر الشريعة, فكيف إذا علمنا أنّ هؤلاء من المصرّين على إباحة التدوين ? بل من المؤكّدين عليه ,والمزاولين له , بحيث أثرت عنهم كتبٌ ومؤلّفات , كما عرفنا في الفصل الرابع من القسم الأوّل .
ويدلّ إعراضهم عن إجراء عمر للمنع , على أنّ الصحابة المجوّزين للتدوين لم يُعيروا اهتماما لذلك الإجراء , ولم يعتبروه أمراً شرعيّاً مستنداً إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ? إلاّ لم يخالفوه , هكذا , علانيةً ,لأنهم أتقى من ذلك .
وليس لأحدٍ أنْ يقول : إنّ مخالفة هؤلاء معارضةٌ بموافقة مجموعة من الصحابة لإجراءات عمر , المانعة من التدوين ?!
لأنا نقول : إنّ الصحابة اختلفوا في أمر التدوين على فريقين , فمنهم من ترك الكتابة , ومنهم من فعلها أو أباحها لمن أقدم عليها , ولا يمكن تقديم الترك على الفعل , لأنّ دلالة الفعل نصٌّ , ودلالة الترك ظاهر , لأن الترك أعمُّ من الحرمة , كما هو واضح , وتقديم النصّ على الظاهر واجب .
ونظراً إلى هذين الأمرين , يمكن القول _ بالقطع _ بأن إجراء المنع إنما كان رأيا شخصيّاً لعمر ,ارتآه لغرضٍ خاصٍّ به .
مع أنّ النصوص الناقلة لحديث منع عمر وأتباعه , تدل بنفسها على أن إقدامهم لم يكن مستندا إلى أصلٍ شرعيٍّ , وإنّما كان رأيا رأو ? , حسب ما اعتبروه من المصلحة , فلنستعرض تلك النصوص :
==================?272
1_ قال عروة بن الزبير : إنّ عمر بن الخطاب أراد أنْ يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , فأشاروا عليه : أنْ يكتبها , فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً , ثمّ أصبح يوماً , وقد عزم الله له , فقال : إني كنت أردتُ أنْ أكتب السنن , وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً , فأكّبُوا عليها , فتركوا كتاب الله تعالى , وإني _ والله _ لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً(1).
وفي بعض نقول هذا النصّ : أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أشار عامّتهم بذلك , أي : بكتابة السنن (2).
وهذا النصّ يحتوي على أمور مهمّة :
1_ أنّ عمر أراد أنْ يكتب السنن , فاستشار .
يدلّ هذا على أنّ الكتابة لم تكن ممنوعةً , ولا حراماً , في الأصل , وإلاّ فكيف يريد عمر أنْ يكتب السنن ?
كما انه يدلّ على أنّ عمر لم يكن يعرف من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نهياً عن التدوين, فأخذ يستشير الصحابة ,
كما يدلّ على ذلك - أيضاً - قوله : فطفق عمر … شهراً , مضافاً إلى أنّه لم يستدلّ بالنهي الشرعيّ , وإنما علّل المنع بغير ذلك , كما سيجيء .
الهامش:
(1) تقييد العلم (? 49 ) ورواه في دفاع عن السنة (? 21 )عن البيهقي في المدخل .
(2) تقييد العلم (? 50 ? 51 ).
==============?273
وقال المعلمي _ في استشارة عمر , وإشارة الصحابة عليه بالتدوين _ ما نصه : فلو كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى عن كتابة الأحاديث مطلقاً لما همَّ بها عمر , ? [ لما ] أشار بها عليه الصحابة (1).
2_ أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , أو عامتهم , أشاروا عليه أنْ يكتبها .
فأصحاب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكونوا متحرّجين من كتابة السنن .
3 _ أنّ عمر _ بالرغم من أنه استشار الأصحاب فأشاروا عليه أنْ يكتب الحديث _ خالفهم ولم يأخذْ بآرائهم , بل منع الكتابة .
وهذا استبدادٌ بالأمر , إذْ بعد الإشارة عليه من عامّة الأصحاب , يجب عليه الأخذ بآراء الأكثرية _ على الأقلّ _ وهذا يدلّ على أنّ المنع لم يكن إلاّ رأياً خاصّاً له , مخالفاً للجميع (2) كما يدلّ عليه النصّ التالي أيضاً :
قال يحيى بن جعدة : إنّ عمر بن الخطاب أراد أنْ يكتب السنة, ثمّ بدا له أنْ لايكتبها , ثمّ كتب في الأمصار :من كان عند ? منها شيءٌ فليمحه (3).
الهامش:
(1) الأنوار الكاشفة (? 38 ).
(2) الحديث ? المحدّثون , لأبي زهو (? 126 ) والغريب أن النص يحتوى على نسبة ذلك إلى الله - تعالى - بقوله :ثمّ أصبح ? قد عزم الله له , ? يقول أبو شهبة : ولكن الله لم يردْ له , دفاع عن السنة (? 21 ).
(3) تقييد العلم (? 53 ).
=================?274
وهذا النصّ يحتوي على :
1_ إرادة عمر لكتابة السنة .
وهذا كما مضى يعني أنّ الكتابة لم يكن فيها حرجٌ أو منعٌ في أصل الشرع .
2_ أنّ قوله :أراد ,وقوله : بدا له ,يدلاّ ? _ بوضوح _ على أنّ إقدام عمر كان عن رغبة شخصيّة , ومستنداً إلى إرادته الخاصّة , وأنّه كان يعمل ما يبدو له , كما دلّ عليه النصّ السابق أيضاً , وإلاّ لاستند في منعه إلى إرادة الشارع ونهيه .
3_ قال القاسم بن محمد بن أبي بكر : إن عمر بن الخطاب بلغه أنه قد ظهر في أيدي الناس كتب , فاستنكرها وكرهها , وقال : أيّها الناس , إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب , فأحبّها إلى الله أعدلّها وأقو مها , فلا يبقينّ أحدٌ عند ? كتاباً إلاّ أتاني به , فأرى فيه رأيي .
قال : فظنّوا أنه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف , فأتو ? بكتبهم , فأحرقها بالنار , ثمّ قال : أمنية كأمنية أهل الكتاب (1).
وفي بعض النقول : مثناة كمثناة أهل الكتاب (2).
والمستفاد من هذا النصّ أمور :
الهامش:
(1) تقييد العلم (? 52 ).
(2) طبقات ابن سعد (1/140)طبع ليدن والصواب (مشناه )بالشين ? الهاء , كما يـأتي مفصّلاً (340).
======================?275
1_ قوله : قد ظهر في أيدي الناس كتب .
يدلّ هذا على أنّ الكتب كانت منتشرةً بين الناس , ومعناه عدم تحرّجهم منها , وإلاّ فلو كان في ذلك حرمةٌ لم يكن أهل ذلك العصر , وهم صدر الإسلام وأهل خير القرون ? وفي تلك الكتب ما كتبه جمع من الصحابة قطعاً , إنْ لم يكن جميع ما في الكتب منقولاً عنهم ? لم يكونوا ليتداولوها بينهم وتكون في أيديهم ? وهذا _ في نفسه دليلٌ على أنّ حكم التدوين _ أوّلاً , وقبل المنع العمري _ هو الجواز والإباحة .
2_ قوله : فاستنكرها , وكرهها .
وهذا يدلّ على أنّ الأمر يرتبط بمحض إرادة عمر وكراهته , دون أنْ يكون في الكتب ما يوجب الكراهة , والاستنكار الواقعي , وذلك :
1?_ إنّ عمر إنّما كره الكتب واستنكرها , قبل أنْ يراها , كما يدلّ عليه النصّ بوضوح .
2?_ إنّ وجود الكتب في أيدي الناس , واحتفاظهم بها , دليلّ واضح على عدم احتوائها على ما ينكر أو يكره , إنْ أردنا أنْ نحسن الظنّ بالناس كلّهم! وإلاّ , لصرّح لهم عمر بما فيها , ولما قال : أحبّها إلى الله أعدلها وأقومها , فإنّ هذا الكلام يدلّ على عدم علم عمر بما فيها , وأنه يحتمل وجود الأعدل والأقوم فيها , بل العدل والقائم أيضاً .
====================?276
3_ قوله : فظنّوا … فأحرقها .
يدلّ على مدى البُعد الشاسع بين عمر , وبين الناس , حيث كانوا يظنُون به أمراً , بينما هو يعمل ما لا يتوقّعون , فلم يكن ما قام به إلاّ رأياً صادراً منه بالخصوص , من دون أن يوافقه أحدٌ من الناس , بل , ? نّ بعض النصوص يحتوي على الجملة التالية : ولو أنّ الناس علموا أنّ عمر يفعل بالكتب ذلك _ أي يحرقها _ لما أتوه بها , ولأخفوها عنه !? .
4_ قوله : أمنية كأمنية أهل الكتاب .
هذا الكلام ظاهر في أنّ المصلحة التي رآها عمر في إجراء المنع , تصوّره أنّ الناس سيلجأون إلى الكتب , ويهملون القرآن , كما فعل أهل الكتاب بما كان لديهم من الكتب وأهملوا التوراة .
وهذا _ بالرغم من أنه سوء ظنٍّ بالناس ,صد ? من عمر _ فهو أحدُ التبريرات المطروحة للمنع , والتي سنناقشها بتفصيل في بعض ما يلي من الفصول .
5_ وأخيراً : فإنّ لجوء عمر إلى إحراق كتب السنة بالنار, عمل يستوقف الناظر , للاعتبار : ولا نريد أنْ نتساءل عن المجوّز الشرعيّ في أنْ يحرق كتب الناس وهي أموالهم الخاصّة , من دون رضاهم ,كما هو ظاهر الرواية ? فإنّ ذلك أمرٌ راجع إلى الناس , كي يطالبوا به الخليفة !
لكنا نريد أن نسأل عن خصوص إبادة كتبٍ ,يحتمل عمر أنْ تحتوي على ما هو ? الأعدل والأقوم - بنصّ الخليفة نفسه _ ولابدّ أنْ يكون فيها الكثير من سنن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , لفرض أنّ الكتب كانت صادرةً من الناس الذين فيهم علماء الصحابة ?
=============?277
فنسأل عن خصوص الإبادة بالإحراق بالنار؟.
هل علماء الإسلام يوافقون على هذا الإقدام , فيُجيزون لأحدٍ أنْ يحرق كتاباً من كتب السنة بالنار ? اتّباعاً لفعل عمر وسنّته العملية تلك ؟؟.
إنّ الإجابة على هذا صعبةٌ جدّاً , وخاصّة أنّ الكتب الأولى في صدر الإسلام كانت عزيزة , ولابدَّ أنها كانت تحتوي على أصول السنن , وقد فات ما فيها بالإحراق حيث لا تتدارك أصلاً وابداً!!
كما لوحظ في ما أتلفه أبو بكر من حديثه الذي جمعه , فقد صرّح بأنه جمع خمسمائة حديث , بينما الموجود من حديثه _ كما أحصاه ابن حزم ? السيوطي _ هو (142) حديثاً فقط , فالباقي _ وهو (358) حديثاً _ قد أتلفها أبو بكر , ولا يوجد بين الأمة منها عيٌن ولا أثرٌ (1).
فلعل في ما أحرقه عمر أيضاً كثير من ذلك ?.
وقد اتبع موافقو عمر أثره في إبادة الحديث , لكن لا بالإحراق , بل بمجرد الغسل بالماء, كما سيأتي في نقل آثار أبي موسى الأشعري وغيره .
لكن أساليب الإبادة , خفّت في ما تلا ذلك من العصور : من الإحراق والغسل , إلى مجرّد الد فن .
قال إبراهيم بن هاشم : دفنّا لبشر بن الحارث ثمانية عشر ,ما بين قمطر وقوصرة (2).
الهامش:
(1) أسماء الصحابة الرواة (? 35 )? تاريخ الخلفاء للسيوطي (? 66 )? انظر نهاية هذا القسم عن آثار المنع (? 482 )وخاصة (? 486 ).
(2) تقييد العلم (? 62 - 63 ).
==================?278
لكن واحداً من كبار المحدّثين , وأئمّة الحديث وهو أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني صاحب المسند أبدى استيائه من ذلك , فقال : لا أعلم لدفن الكتب معنى (1).
كما أنّ ابن الجوزي جعل ? دفن كتب العلم , وإلقاءها في الماء من تلبيس إبليس على جماعة من القوم , وقال : قد كان جماعةٌ منهم تشاغلوا بكتابة العلم , ثم لبّس عليهم إبليس وقال : ما المقصود إلاّ العمل ,ودفنوا كتبهم .
وأضاف : إنّ العلم نور , وإنّ إبْليس يحسّن للإنسان إطفاء النور , ليتمكّن منه في الظلمة , ولا ظلمة كظلمة الجهل , ولمّا خاف إبْليس أنْ يعاود هؤلاء مطالعة الكتب , فربما استدلّوا بذلك على مكايده حسّن لهم دفن الكتب وإتلافها .
وهذا فعل قبيحٌ محظورٌ وجهلٌ بالمقصود بالكتب .
وقال : واعلم أنّ الصحابة ضبطتْ ألفاظ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم … فإذا كانت الصحابة قد روت السنة , وتلقاها التابعون وسائر المحدّثين , وقطعوا شرق الأرض وغربها لتحصيل كلمةٍ من ههنا وكلمةٍ من ههنا , وصحّحوا ما صحّ , وزيّفوا ما لم يصحّ , وجرحوا الرواة وعدّلوا , وهذّبوا السنن وصنّفوا .
ثمّ من يغسل ذلك, فيضيّع التعب , ولا يعرف حكم الله في حادثة؟!
فما عُوندت الشريعةُ بمثل هذا !
الهامش:
(1) تقييد العلم (? 63 ).
============?279
أفترى , إذا غسلت الكتب , ودفنت !على من يعتمد في الفتاوى والحوادث (1) ؟؟
أقول : والدفن الذي ذكر , واحدٌ من طرق إبادة كتب الحديث , التي زاولها كثير من المانعين , لكنه هو أهونها , لأنّ الكتاب المدفون , له قابلية البقاء _ تحت الأرض _ لفترةٍ , قد يتلافى أمره , فيستخرج قبل أنْ يتلف , بخلاف الإبادة بالإحراق , أو الإماثة في الماء , والإمحاء بالغسل, فإنّ الكتاب _ في هذه الحالات _ غير قابل للإعادة , ولا يستفاد منه أصلاً .
فإذا كان ابن حنبل _ وكذا ابن الجوزي _ يشنّان الحملة على دفن الكتب ويستنكرانه , فهما بالأولى يستنكران الإحراق بالنار ويقبحانه .
ولا أتصوّر أنّ قبح هذا العمل يزول إذا كان الفاعل له شخصٌ معيّن كعمر , أو غيره !?
ولو أبحنا للفرد أنْ يتلف الكتاب الذي كتبه هو , باعتبار أنه مسلّطٌ على ماله , ولم يكن من الإسراف المنهيّ عنه شرعاً , أو التبذير كذلك , فإنّ إتلاف الإنسان لكتاب غيره , من دون رضاه محرّم شرعاً , وموجبٌ للضمان وضعاً , فكيف بمن يحرق كتب الناس , وهم جيلٌ أو جماعةٌ كبيرةٌ !
فإنه بالإضافة إلى المسؤوليّة الشرعيّة , ينوءُ تحتَ مسؤوليّة حضاريّة ثقيلة , ويواجه محاسبة ثقافيّة دقيقة , فلا ينجو من كلّ ذلك العقاب والعتاب أيّاً كان سلطانا , أو خليفة ?!.
وقد حاول البعض تبرير عمل الذين أقدموا على إبادة الكتب بوجوه لا تقنع أبداً :
مثل ما ذكره صبحي الصالح :ومن المؤسف أنّ ورع بعض الصحابة كان يحملهم على إتلاف ما كتبوه من الأحاديث لأنفسهم مخافة أن تكون الذاكرة قد خانتهم(2).
أقول :حتى لو كان ذلك ناتجاً من الورع فإنه بلاريب ورعٌ مظلم, ولا يُطاع الله من حيث يُعصى , وإلاّ فما وجه الأسف الذي يبديه الدكتور على عمل سببه الورع ? ثمّ أي نوع من الورع هذا الذي لم يعرفه التابعون , بل أجمع عليه المتأخرون , بل أصبح مفخرة لمن تجاوزه وأقدم على تخليد الكتب , كما هو الحقُّ , فما هذا التناقض بين القول والفعل ؟؟
وقال بعض المتسلّفين المعاصرين - وهو يتكلّم عن إعدام الكتب -:إنه موقف صحيح بالنظر إلى مصالح الأمّة المسلمة , فإنها جماعة متّحدة في فكرها والمهمّة الملقاة على كواهلها لا يمكن القيام بها من غير هذه الوحدة , فلن يرضى الإسلام بأن تتلاشى هذه الوحدة الفكرية فتعرض الأمّة لردّة عقليّة أو فوضى فكرية , لأنّ الأمّة لا تستطيع أن تقاوم القوى المعارضة لها في العلم والفنّ ما دام إيمانها بفلسفة حياتها ضعيفاً وما دامت أسسها الفكرية غير راسخة(3).
أقول – هذا الكلام المعسول ليس من نمط كلام السلفية ولا من شأنها واهتمامها , فإنها لم تفكّر في وحدة الأمة يوماً ما ,بل كانت على طول الخطّ سبباً لتفرّق الأمة وتنازعها ? تشتّتها ,كما هو المعروف من تاريخها , منذ بزوغ نجمها النحس في سماء الإسلام في القرن الثامن , على يد ابن تيمية الحراني الشامي , وحتّى عصرنا الحاضر - ومع ذلك يرد عليه بوجوه:
فأوّلاً : إنّ البحث عن الكتب في داخل الأمة – كما يعلم من أمثلة الكتب التي يحذّر هو منها – مثلاً كتب السنّة التي أقدم السلف على إبادتها , إنما هو بحث عما هو مقوم لفكر الأمة , وبه تتمكن من تحديد أدوات معرفتها وترسيخ أسس فكرها , وهي وسائل الإيمان بفلسفة حياتها , فالانقضاض على هذه الأدوات والوسائل تحطيم لما يدّعيه هذا القائل , ونسف لما يتباكى عليه.
وثانياً: إنه يتحدّث عن الأمة جميعاً من الماضي إلى الحاضر , وفي عصرنا فقط ما يناهز المليار مسلم , ويجعلهم كأنهم بحاجة إلى ولاية الحزب السلفي , لأنهم لا يعرفون ماذا يقرأون وما لا يقرأون ? بينما في الأمة من العلماء والخبراء والرجال المفكرين من يقرأ ,ويجب أن يقرأ لكي يعرف ما للعدوّ من الرأي والفكر ,حتى يمكنه معارضته إذا كان باطلاً ,بل المسلمون يعلمون أن معارضة العدو لا تمكن إلاّ بمعرفة فكره ورأيه وأهدافه ,كما تقول الحكمة : اعرف عدوّك حتى تقدر على التغلّب عليه , بينما الأسلوب الذي تتبعه هذه الفئة تؤدّي إلى تقزيم الأمة بحجم السلفية الضحلة .
وثالثاً: وبالنسبة إلى فكر الأعداء من خارجي الأمة : متى كانت المقاومة للعدوّ تحصل بإبادة الكتب والجهل بالآراء مهما كانت باطلة ?
وهل الانتصار في مجال إبادة الكتب وإحراقها وتغييبها عن العقول هو الانتصار المطلوب لكم ?
وهل التوسّل بسلاح الجهل بالآراء وأقوال الآخرين هو الطريق الأفضل لنصرة الإسلام في هذا العصر الذي توسّعت فيه أدوات المعرفة ووسائل الاستطلاع على المعلومات بشكل واسع ,عبر الأثير, وغيره ؟؟
ثمّ أين الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ? والجدال بالتي هي أحسن ? إذا كان المسلم لا يعرف فكر الذي يجادله , لأن السلفية لا يسمحون بقراءة كتب الفكر الآخر ?
وأخيراً: فإنّ الحديث عن السنّة التي منعها سلف هؤلاء المتحجرين , لا يأتي فيه شيء مما ذكره القائل , فإنّ الذين جمعوا السنن لم يكونوا إلاّ من صميم هذه الأمة ومن كبار الصحابة والتابعين .
وأسخف ما وقفت عليه في هذا الباب كلام الذهبي التركماني – وهو يتحدّث عن إعدام بعض الأحاديث – فبكلّ صلافة يقول: وهذا في ما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيّه وإخفاؤه , بل ,وإعدامه ! لتصفو القلوب وتتوفّر على حبّ الصحابة , والترضّي عنهم , وكتمان ذلك متعيّن عن العامّة وآحاد العلماء , وقد يرخّص في مطالعة ذلك خلوةً للعالم المنصف العريّ عن الهوى ,بشرط أن يستغفر لهم (4).
وهذا أخطر المبرّرات , حيث لم يحاول الغبيّ إخفاء هواه وأغراضه , بل يصرّح بكلّ وقاحةٍ بإخفاء ما سمّاه حديثاً , ويعلن عن أنّ ذلك لغرض حبّ من يسمّيهم صحابة , متغافلاّ عن أنّ الصحابة إنّما يعرفون من خلال هذه الأحاديث التي يريد إخفاءها عن المسلمين حتى العلماء منهم ,ولماذا ,فهل أنت أحرص على الدين من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي صرّح وأعلن في تلك الأحاديث بما يلزم عن حال أولئك الذين تتباكى عليهم وتسمّيهم صحابة !
ثمّ لو كانوا صحابة – صدقاً وحفاً – لما كانوا يفعلون ما تخشى أن يعرفه الناس من أفعالهم التي تدعو للاستغفار لهم؟!
ثم ما هذا التخفّي والتلوّن مع الناس , فكأنَّ جريمةً تتعاطى ? أو ذنباً يعمل ? بينما هي أحاديث واردة عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم , وفيها من الحق ما لم تقدر على تكذيبه وتضعيفه ورده , وإلاّ فما أسرعكم إلى ذلك ? كما هو عادة أهل الجرح والتعديل؟ فلماذا اللجوء إلى أساليب السرّاق ? المغتالين؟
الهامش:
(1)نقد العلماء ,أو تلبيس إبليس (? 314 - 316 ).
(2)علوم الحديث لصبحي الصالح(?36).
(3) كتب حذّر العلماء منها (1/44).
(4) سير أعلام النبلاء (10/ 92).
==========================?280
وأمّا موافقو عمر في رأيه وفعله, فإنّ الآثار المنقولة عنهم, كالتالي :
1_ قال أبو نضرة : قلنا لأبي سعيد : اكتتبنا حديثاً من حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . قال : امحه (1).
2_ قال عبد الرحمن بن أبي مسعود : كنّا نسمع الشيء , فنكتبه , ففطن لنا عبد الله _ يعني : ابن مسعود _ فدعا أم ولده , ودعا بالكتاب , ? بإجانة من ماء , فغسله (2).
3_ وقال أبو بردة : كان لأبي موسى تابع , فقذفه في الإسلام , فقال لي : يوشك أبو موسى أنْ يذهب , ولا يحفظ حديثه, فاكتب عنه , قال : قلت : نعم ما رأيت . قال : فجعلت أكتب حديثه . قال : فحدّث حديثاً , فذهبت أكتبه كما كنت أكتب , فارتاب بي , وقال : لعلّك تكتب حديثي ? قال : قلت : نعم .
قال : فأتني بكلّ شيء كتبته . قال : فأتيته به , فمحاه , ثم قال : احفظ كما حفظت (3) .
الهامش:
(1) تقييد العلم (? 38 ).
(2) سنن الدارمي (1/102 ).
(3) طبقات ابن سعد (4/112) .
===============?281
وفي حديث : قال أبو بردة بن أبي موسى : كنتُ كتبتُ عن أبي كتاباً , فدعا بمركن ماء فغسله فيه (1).
4_ وقال أبو بردة _ أيضاً _ : كان أبو موسى يحدّثنا بأحاديث , فنقوم _ أنا ومولى لي _ فنكتبها , فقال : أتكتبان ما سمعتما منّي؟ قالا : نعم .قال : فجيئاني به , فدعا بماء فغسله (2).
وتشترك هذه الآثار مع ما تقدّم من الآثار عن عمر ,في أمرين :
1?_ أنّ هؤلاء , لم يحاولوا أن ينسبوا شيئاً إلى الشرع , أو يستدلّوا لفعلهم بنص عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم (3).
وهذا _ في ذاته _ ممّا يشكّك في الأحاديث التي نقلت عنهم , والتي ? سب وا فيها النهي عن الكتابة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , بقطع النظر عن ضعفها سنداً , كما سيجيء مفصلاً في الفصل الأوّل من هذا القسم .
2_ أنّ إقدام هؤلاء _ مهما كانت مبرّراته ومصالحه _ لم يكن إلاّ رأياً منهم , لم يكن ملزماً للآخرين , لأنه :
1?_ مخالف لما ثبت في الشرع الشريف من إباحة التدوين , وقد ذكرنا ذلك في القسم الأوّل (4).
الهامش:
(1) تقييد العلم (? 41) .
(2) تقييد العلم (? 40).
(3) بل كما يقول في دلائل التوثيق المبكر (? 235) :أعطوا أسبابا شخصية لعدم موافقتهم , بدلاً من أن يستشهدوا بالأحاديث المانعة .
(4) انظر ما مضى (? 255 ? بعدها ) .
====================?282
وقلنا في نهايته : إنّ عمل هؤلاء المانعين هو اجتهاد _ لو صدق عليه الاجتهاد _ في مقابل النصّ , وقد اعترف الصحابة والعلماء ,أنه لاحقَّ لأحدٍ في الالتزام به , وأنه الهلاك الذي حذّر عنه ابن عباس في الحديث التالي :
روى سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : تمتّع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .فقال عروة بن الزبير : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة !.
فقال ابن عباس : ما يقول عُرَيَّةُ ? قال : يقول :نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ! .
فقال ابن عباس : أراهم سيهلكون , أقول : قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , ويقول :نهى أبو بكر وعمر (1).
وفي حديث : قال ابن عباس : إنّي أحدّثكم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتجيئوني بأبي بكر وعمر ?!.
فقال عروة : هما _ والله _ كانا أعلم بسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأشيع لها منك !.
قال الخطيب البغدادي _ حول جواب عروة _ : قلت : قد كان أبو بكر وعمر على ما وصفهما عروة , إلاّ أنه لا ينبغي أن يقلّد أحدٌ في ترك ما ثبتت به سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (2).
الهامش:
(1) مسند أحمد - ? شاكر – (5/48 ?3121 ) ? طبعة مصر ( 6 أجزاء ) (1/337 ) وجامع بيان العلم (2/196) والفقيه والمتفقه (1/145) والسنة قبل التدوين (? 88) .
(2) الفقيه والمتفقة (1/145).
================?283
وكان عبد الله بن عمر يفتي بالذي أنزل الله عزّ وجلّ من الرخصة بالتمتّع , وبما سنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيه , فيقول ناسٌ لابن عمر : كيف تخالف أباك , وقد نهى عن ذلك ? فيقول لهم عبد الله : ? يلكم , ألا تتّقون الله ! إنْ كان عمر نهى عن ذلك ,فيُبتغى فيه الخير ?! فلم تحرّمون ذلك , وقد أحلّه الله , وعمل به رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟؟! ? فرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحقُّ أنْ تتّبعوا سنّته ? أم سنة عمر ?!(1).
وروى الربيع بن حبيب من محدثي الإباضية , عن جابر بن زيد ,قال : بلغني عن سعد بن أبي وقاص , والضحّاك بن قيس : اختلفا في التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ,فقال الضحّاك : لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر الله ! فقال سعد: بئس ما قلت ! فقال الضحاك :إنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ?! فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وصنعناها معه (2).
وقال الشافعي : لقد ضلّ من ترك قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لقول من بعده (3).
وقال ابن حزم : ومن جاءه خبر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقرُّ أنه صحيح , وأنّ الحجة تقوم بمثله ,أو قد صحّح مثل ذلك الخبر في مكان آخر ,ثمّ ترك مثله في هذا المكان , لقياسٍ ,أو لقول فلانٍ وفلانٍ ,فقد خالف أمر الله وأمر رسوله ,واستحقّ الفتنة , والعذاب الأليم (4).
الهامش:
(1) مسند أحمد (2/95) وطبعة شاكر :(8/77) ? (5700 ) وإسناده صحيح ? نقله ابن كثير في تاريخه (5/141)? السنة قبل التدوين (? 90 ).
(2) الجامع الصحيح ( مسند الربيع) (?113رقم433).
(3) الفقيه والمتفقه (1/149).
(4) الأحكام لابن حزم (1/149).
=================?284
وقال الدكتور عبد الغني عبد الخالق : لا يصحّ لنا أنْ نقول بالتعارض بين قول صحابيّ , وبين قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والإجماع , فإنهما مقدّمان عندنا , ويقول : إنّ عمل الصحابيّ ,أو قوله , ليس بحجّة (1).
2?_ إنّ هؤلاء النفر من الصحابة , ليسوا بأولى بالاتّباع من سائر أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم ,الذين قالوا بإباحة التدوين , وعملوا على ذلك, وهم الأكثر , وفيهم من هو أعلم من هؤلاء المانعين ,وأقرب إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم منزلاً ومنزلةً وعلماً وهدياً ,مثل عليّ أمير المؤمنين عليه السلام .
وبالرغم من كلّ المناقضات التي ترى في منع التدوين , فقد انبرى جمع من أتباع المنع , لتبرير ذلك .
فتناقلوا تبريرات عديدة , نقل بعضها عن الصحابة الذين بدأوا المنع , وبعضها الآخر عمن تأخّر من المؤرّخين للحديث (2).
ولابدّ لنا من استعراض جميع تلك الوجوه لنرى مدى قابليّتها لحلّ المشكلة , ومدى مطابقتها للواقع , ولسائر الأقوال والبحوث المطروحة في هذا المجال ,
وسنذكرها في فصول :
الهامش:
(1) حجية السنة (? 465) .
(2) ومنهم من جعل المبرّر سببين أو أكثر من هذه الأسباب ,كما فعل عجيل جاسم في كتابه :المستشرقون ومصادر التشريع الإسلامي (?92-93).
============?285
الأوّل : النهي الشرعيّ عن كتابة الحديث .
الثاني : الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن .
الثالث : الخوف من الاشتغال بغير القرآن ,وترك القرآن .
الرابع : الاعتماد على الحفظ يغني عن الكتابة والكتب .
الخامس : عدم معرفة رواة الحديث للكتابة .
السادس : القول الفصل في سبب منع التدوين .
===================?287
الفصل الأوّل
النهي الشرعي عن كتابة الحديث
إن أهم ما استند إليه المانعون لصحة المنع عن التدوين , هو النصوص المرفوعة إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم , التي تضمنت نهيه عن كتابة الحديث .
وقبل أن نعرض تلك النصوص , لابدّ من تقديم ملاحظة هامة , وهي : أن المانعين _ رغم حرصهم على إثبات المنع , وإعطائه صبغة شرعية دينية . ومحاولتهم إسكات المعارضين بحجج متفاوتة _ لم نجد بينهم من استند إلى هذه النصوص , ولا من نسب المنع إلى الشرع .
فلم نجد في ما نقل عن عمر _ وهو رائد المانعين وعمدتهم _ أن نسب المنع إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وإنما التجأ هو وغيره من المانعين إلى تبريرات أخرى للمنع , ومصالح بنظرهم .
===================?288
ولا ريب أنّ المنع لو كان مستنداً إلى الشرع الكريم , لكان أحسن ذريعة للمانعين , كي يلجأوا إليها , ويتمسكّوا بها , لإسكات المعارضين المبيحين(1).
وهذه الملاحظة مما تدعنا نشكك في صدور تلك المجموعة من النصوص المنسوبة إلى الشرع , ونرتاب في نسبتها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله , بعد أن نجد أسانيدها معلّلة بعلل الاضطراب والضعف , مما يكفي لرفع اليد عنها , مع قطع النظر عن معارضتها لكلّ الأدلّة التي قامت على إباحة التدوين .
وقد ذكرنا هنا الروايات التي وردتْ مرفوعة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كما هو ظاهر أسانيدها , دون الموقوفة على الصحابة , أو المنقطعة المرويّة عن التابعين , وذكرنا كلّ مجموعة من الأحاديث بعنوان راويها من الصحابة ,وهي:
1_ أحاديث ? بي سعيد الخدري :
الحديث الأوّل : عن همام بن يحيى , عن زيد بن أسلم ,عن عطاء بن يسار , عن أبي سعيد الخدري : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , قال : لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن , فمن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه(1).
الهامش:
(1) لاحظ : دلائل التوثيق المبكر (? 239) فقد قال : إنّ هؤلاء الذين كانوا قد وقفوا في معارضة كتابة الحديث كانت لهم أسبابهم الشخصية في ذلك , بل وحتى الفاروق الذي كان يعدّ من أشدّ معارضي الكتابة , لم ينقل أو يستشهد بأيّ حديثٍ للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يؤيّد وجهة نظره المعارضة للتسجيل .
(2)رواه مسلم في الصحيح , كتاب الزهد باب (61) التثبّت في الحديث ? حكم كتابة العلم ?(72) (4/2289) وأخرجه أحمد في المسند (3/12?39) والدارمي في السنن (1/98) رقم (456) والخطيب في تقييد العلم (?30-31) والسجستاني في المصاحف (?9)وانظر تيسير الوصول(1/177) ? مقدمة ابن الصلاح (? 296) وعلوم الحديث له (?181).
==================?289
وقد روي هذا الحديث عن همام مرفوعاً , بأ لفاظٍ أخرى ,كما يلي :
_:لا تكتبوا عنّي شيئاً سوى القرآن , من كتب(1).
_: لا تكتبوا عنّي شيئاً غير القرآن , فمن كتب(2).
_: لا تكتبوا عنّي شيئاً , فمن كتب (3).
_: لا تكتبوا عنّي , فمن كتب (4).
ولو أعرضنا عما يرى في هذا النصّ من الاضطراب في المتن ,بإثبات ( إلاّ )تارة ?( سوى ) ثانية ?( غير ) ثالثة , وحذفها جميعاً تارة أخرى ! فذلك أمرٌ يدلّ على عدم ضبط الراوي !
الهامش:
(1) مسند أحمد (3/12) جامع بيان العلم (1/ 63) ومستدرك الحاكم(1/127) وتقييد العلم (?29).
(2) مسند أحمد (3/56) وتقييد العلم (?29) والكامل لابن عدي(5/1771) .
(3) مسند أحمد (3/12) وتقييد العلم (?30).
(4)تقييد العلم (?30) .
===================?290
فمن الممكن القول بأنّ الراوي إنّما نقل الحديث بالمعنى , وأنّه لم يغيّر شيئاً ذا أهميّة , ولم يحذف ماله أثرٌ في مقصود الحديث ! .
إلاّ أنّ المهمّ ورود المناقشات التالية فيه , نذكرها ضمن أمور :
الأمر الأوّل : المناقشة السنديّة :
إنّ هذا الحديث لم يروه مرفوعاً إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ? لاّ همام بن يحيى . قال الخطيب : تفرّد همام بروايته هذا الحديث عن زيد بن أسلم هكذا مرفوعاً , ويقال : إنّ المحفوظ رواية هذا الحديث , عن أبي سعيد - هو - من قوله , غير مرفوع إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).
ونقل عن البخاري وغيره :أنّ حديث أبي سعيد - هذا - موقوف عليه , فلا يصحّ الاحتجاج به (2) ونسبه ابن حجر إلى بعض الأئمة (3).
أقول : لا شكّ أنّ مثل هذه المناقشة في سند الحديث يؤدّي إلى سقوطه عن الحجيّة في قبال الأحاديث السالمة عن مثل هذه المناقشة , والمسلّم رفعها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , والدالّة على إباحة التدوين .
قال الحازمي - في الوجه العشرين , من وجوه الترجيح بين الخبرين اللذين تعذّر الجمع بينهما - : أنْ يكون ? حد الحديثين متّفقا على رفعه , والآخر قد اختلف في رفعه ووقفه على الصحابي , فيجب ترجيح ما لم يختلف فيه , على ما اختلف فيه ,
الهامش:
(1)تقييد العلم (?31-32) .
(2)الحديث والمحدّثون لأبي زهو (?24) والأنوار الكاشفة للمعلمي (?5- 36) والسنة قبل التدوين (?306) .
(3)فتح الباري (1/185) وانظر توضيح الأفكار (2/353) وتدريب الراوي (?40) والمحدّث الفاصل ( ) ودراسات في الحديث النبوي(?78) .
======================?291
لأن المتّفق على رفعه حجة من جميع جهاته , والمختلف في رفعه على تقدير الوقف , هل يكون حجةً أم لا ? فيه خلافٌ , والأخذ بالمتّفق عليه , أقرب إلى الحيطة(1).
وأقول : ليست المناقشة فيه بالخدشة في صحّته , كما توهّمه الشيخ أحمد شاكر , حيث قال : قد أجاب العلماء عن حديث أبي سعيد بأجوبة , فبعضهم أعلّه بأنّه موقوف عليه . ثمّ قال : وهذا غير جيّد , فإنّ الحديث صحيح(2).
وذلك : لأنّ العلّة في الحديث , لا تسقطه عن الصحّة , ولذا أثبت مسلم هذا الحديث في صحيحه , لكنه على فرضه (صحيح معلول غريب ). والعلة تسقط الحديث عن الحجيّة .
مع أن هذا الحديث معلولٌ - أيضاً - بالغرابة , حيث إن تفرّد همام عن زيد … يجعل أحاديث إباحة الكتابة الصحيحة أرجح منه , فليس فيها التفرّد الذي في هذا الحديث(3).
ولعلّ من أجل هذه العلّة , ومن أجل غرابة الحديث بانفراد همام في رفعه , لم يورده البخاري في صحيحه , ولا غيره من أصحاب الصحاح , عدا مسلم .
الهامش:
(1) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (?16-17).
(2) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (?127 ولعله عرّض بذلك لما ورد في الأنوار الكاشفة للمعلمي (?36) من قوله بعد أن نقل أحاديث جواز الكتابة : فهذه الأحاديث ? غيرها إنْ لم تدلّ على صحّة قول البخاري ? غيره : أنّ حديث أبي سعيد غير صحيح عن النبيّ صلّى الله عليه ? آله وسلّم بل موقوف من كلام أبي سعيد نفسه ,فإنها تفضي بتأويله . فلاحظ .
(3)توثيق السنة (?45) .
==================?292
وأما ما رواه الخطيب , من متابعة سفيان الثوري لهمام , في رواية الحديث - مرفوعا - عن زيد(1).
ففيه : أنّ في سنده النضر بن طاهر , وقد ضعّفوه جدّاً , ونسبوه إلى السرقة , وقالوا : ربما أخطأ ? وهم (2).
فلا يصحّ الاستناد إلى هذه المتابعة في إثبات رفع ذلك الحديث .
وأخيراً ,العجيب في الأمر أنّ أبا سعيد - الذي روى الحديث المرفوع - هذا - في كراهة الكتابة - لا نجده يرى علّة لهذا المنع , إلاّ أنه ? لا يريد أن يجعل الحديث كالقرآن في مصاحف ,ولا يذكر أنّ العلّة هي أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى عن ذلك .
وهذا يؤيّد ما قيل من أنّ الحديث الذي نقلوه مرفوعاً إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّما هو موقوف على أبي سعيد (3).
الأمر الثاني : المناقشة في الدلالة :
قال ابن الديبع - بعد أنْ عزا الحديث إلى مسلم - ما نصه: وقد قيل: إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صفحة واحدة, فيختلط به , فيشتبه(4).
الهامش:
(1)تقييد العلم (?32) .
(2)لسان الميزان(6/162) .
(3)توثيق السنة (?54) .
(4)تيسيرالوصول (3/177) .
=================?293
وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر هذا المعنى , فقال : وأجاب العلماء بأنّ المنع إنما هو عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة , خوف اختلاطهما على غير العارف في صدر الإسلام(1).
واستفادة هذا المعنى - من الحديث - واضحة , إذا لاحظنا أنّ أبا سعيد راوي الحديث هو من أنصار هذا التبرير لمنع التدوين , والذي سنفصّله في الفصل الثاني , هنا ,? حاصله أن المنهيّ عنه إنّما هو تدوين الحديث إلى جنب آيات القرآن , وفي صفحة واحدة , فالرسول إنما نهاهم عن ذلك خشية اختلاط الحديث بالقرآن .
ويؤيّد أنّ هذا الحديث غير ناظر إلى منع تدوين الحديث بقول مطلق : أنّ مسلماً صاحب الصحيح , الذي أورد هذا الحديث إنّما أورده في باب ترجمه بعنوان ? باب التثبّت في الحديث (2) ولم يعنونه بباب المنع من كتابة الحديث ,مثلاً .
فترجمة الباب - وهي تدلّ على ما فهمه المؤلّف – (3) لا تدلّ على ما يستفاد من ظاهر هذا الحديث , وإنما على مجرّد المحافظة عليه ,كما هو ظاهر .
الهامش:
(1)الباعث الحثيث (?127) .
(2)صحيح مسلم (4/2289) ? (16) من كتاب الزهد .
(3)لاحظ هدي الساري (1/24-25) .
=====================?294
الأمر الثالث : شذوذ الحديث :
أنّ ما يدلّ عليه الحديث ,وهو النهي عن عموم كتابة غير القرآن لعموم الناس أمر لم يعمل به , قطعاً ,فكثير من الناس قد كتبوا , وكثير من الحديث قد كتب .
وهذا بنفسه دليلٌ على عدم الالتزام بما يدلّ عليه ظاهر الحديث , وأن العمل قد تحقّق على خلافه , فلا بدّ _ لو أريد التصديق به , والتسليم به سندياً _ من تخصيصه بما دلّ على الجواز من الأحاديث, أو رفع اليد عنه .
وقد اعترفوا بأنّ العلماء لم يلتزموا بما يدلّ عليه :
قال شاكر : قد أجاب العلماء عن حديث أبي سعيد بأجوبة (1) وذكرها واختار منها ما ذكره بقوله :والجواب الصحيح أنّ النهي منسوخ بأحاديث أخرى دلّت على الإباحة … مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين , ثمّ اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها ,كلّ هذا يدلّ على أنّ حديث أبي سعيد منسوخ (2).
أقول : وسيأتي تفصيل هذا , في مناقشتنا العامّة لأحاديث النهي الشرعي , في نهاية هذا الفصل .
والغريب أنّ بعض المحقّقين جعل نفس هذا الحديث دليلاً على أنّ تدوين الحديث بدأ في حياة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وقال : فألفاظ الحديث تدلّ على ? جود من كان يدوّن الحديث في حياة الرسول الأولى(3).
فالحديث على هذا ( شاذّ ) لم يعمل به , ومثله لا يمكن الاستدلال به , سيّما مع معارضته للأحاديث الصحاح الدالّة على خلافه .
الهامش:
(1)الباعث الحثيث (?127) .
(2)المصدر السابق (?7-128) .
(3)ثبت البلدي , مقدمة المحقق (?77) .
=================?295
الحديث الثاني , من أحاديث أبي سعيد الخدريّ :
1_ عن سفيان بن عُيَيْنة , عن ابن زيد بن أسلم , عن عطاء بن يسار , عن أبي سعيد الخدريّ ,أنه قال : استأذنت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أن أكتب الحديث , فأبى أنْ يأذن لي (1).
2_ وبالسند : عن أبي سعيد الخدريّ , قال : استأذنّا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في الكتابة , فأبى أنْ يأذن لنا (2).
3_ وعن سفيان بن عُيينة قال : حدّثنا زيد بن أسلم , عن عطاء بن يسار , عن أبي سعيد الخدريّ : أنهم استأذنوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في أن يكتبوا , فلم يأذن لهم(3).
وهذا الحديث , مع غضّ النظر عن الاضطراب في نصه _حيث ورد في الأوّل : استأذنت … لي , وفي الثاني : استأذنّا … لنا , وفي الثالث : استأذنوا … لهم - فإنّه يرد عليه :
الهامش:
(1)تقييد العلم (?32) والكامل في الضعفاء لابن عدي (4/1583) .
(2)تقييد العلم (?33) وصحيح الترمذي(5/38) رقم (2665) والكامل لابن عدي (1/35) .
(3)سنن الدارمي (1/98) ?(457) .
===================?296
أوّلاً : المناقشة السنديّة :
حيث أنّ راويه - بجميع نصوصه - هو سفيان بن عيينة , الموصوم بالتدليس (1) وقد ظهر تدليسه في خصوص هذا الحديث , حيث روى النصّين الأوّلين عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ,وروى النصّ الثالث عن زيد بن ? سلم نفسه !
وهذا التدليس مضرٌّ بالصحّة ,لضعف عبد الرحمان (2) فلا يمكن الاعتماد على هذا الحديث .
وثانياً : المناقشة في الدلالة :
فالمفروض في نصوص الحديث تخصيصها بكلمات :( لي ) ?( لنا ) ?( لهم ) فالنهي الوارد في الحديث خاصّ بأصحاب أحد هذه الضمائر ,وبما أنّ تعيين أحدها خاصّة مشكلٌ ,فالالتزام بالأخصّ وهو ( لي ) هو القدر المتيقّن , فيكون خصوص أبي سعيد قد نُهي عن كتابة الحديث , وهذا لا يكون دليلاً على النهي العامّ عن كتابة الحديث , ولو كان النهي عامّا لم يحتجْ إلى التقييد بكلمات : ( لي ) ?( لنا ) ?( لهم ) وهو واضح .
الهامش:
(1)جامع التحصيل للعلائي (?106) ولاحظ تاريخ الثقات للعجلي (?195) رقم (578) والغريب أنّ المعلق فرضه شخصاً آخر مسمّى بهذا الاسم !? هو ما لم يذكره أحد !!ولاحظ تهذيب التهذيب (4 /120-121) .
(2)تهذيب التهذيب (6/178) والكامل لابن عدي (4/1584) فقد ضعفه يحيى بن معين وابن حنبل والنسائي وغيرهم , وانظر دراست في الحديث النبوي(?77).
========================?297
مع أنّ قوله في الحديث :فأبى أنْ يأذن ,يقرّب ذلك , فإنّ كلمة :أبى ,تفيد شدّة الامتناع (1) وذلك إنما يتحقّق بالامتناع بعد المعاودة , فقد يكون أبو سعيد قد مُنع عن الكتابة أوّلاً , فلما استأذن ثانياً أبى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أنْ يأذن له , لأمرٍ ما , هو صلّى الله عليه وآله وسلّم أعلم به(2).
نتيجة الاستدلال بأحاديث ? بي سعيد :
قال المعلمي : لم يثبت استدلال أحدٍ منهم بنهي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , فالمرويُّ … عن أبي سعيد روايتان :
إحداهما : فيها الرفع إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولم يذكر فيها امتناع ? بي سعيد ,وهذا إما أنه خطأٌ ,والصواب (عن أبي سعيد من قوله ) كما قال البخاري وغير ? , وإما محمول على أمرٍ خاصٍّ .
وثانيتهما : رواية أبي نضرة عن أبي سعيد امتناعه هو , وليس فيها أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى (3) .
2_ أحاديث أبي هريرة :
1_عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم , عن أبيه , عن عطاء بن يسار , عن أبي هريرة , قال : خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم - ونحن نكتب الأحاديث - فقال : ما هذا الذي تكتبون ? قلنا :أحاديث سمعناها منك .
قال : ? كتاباً غير كتاب الله تريدون ؟ما أضلّ الأمم من قبلكم إلاّ ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله .
الهامش:
(1)المفردات , للراغب الأصفهاني (?7) مادة (أب ?) .
(2)ولاحظ النصّ الذي نقله ابن عدي ,فإنّ فيه :استأذنتُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنْ يأذن لي أنْ أكتب الحديث , فلم يأذن لي .الكامل (4/1583) .
(3)الأنوار الكاشفة (?43) .
================?298
قال أبو هريرة : ? نتحدّث عنك , يا رسول الله ?.
قال : نعم , تحدّثوا عنّي , ولا حرج , فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأْ مقعده من النار (1).
2_ وروى أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن زيد , عن أبيه , عن عطاء بن يسار , عن أبي هريرة , قال : كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , فخرج علينا , فقال : ما هذا ؟تكتبون ? فقلنا : ما نسمع .
فقال : اكتبوا كتاب الله , أمحضوا كتاب الله , ? كتاب مع كتاب الله , أمحضوا كتاب الله - أو - خلّصوه .
قال : فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد , ثم أحرقناه بالنار .
قلنا : أي رسول الله , ? نتحدّث عنك ? قال : نعم , تحدّثوا عنّي ولا حرج , ومن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأْ مقعده من النار .
الهامش:
(1)تقييد العلم (?33) .
==============?299
قال : فقلنا : يا رسول الله , ? نتحدّث عن بني إسرائيل ? قال : نعم , تحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج , فإنّكم لا تحدّثون عنهم بشيء إلاّ وقد كان فيهم أعجب منه (1) .
وبالسند , مثله , وأضاف : قلنا : فنحد ? عن بني إسرائيل ? قال : حدّثوا ولا حرج , فإنكم لم تحدّثوا عنهم بشيء إلاّ وقد كان فيهم أعجب منه .
قال أبو هريرة : فجمعناها في صعيد واحد فألقيناها في النار .
قال الخطيب : هذا لفظ حديث القطيعي , والآخر بمعناه , إلاّ أنه قال فيه : ? كتاب مع كتاب الله , أمحضوا كتاب الله , وأخلصوه (2).
3_ وبالسند , عن أبي هريرة , قال : بلغ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّ ناساً قد كتبوا حديثه , فصعد المنبر , فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : ما هذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم , إنما أنا بشرٌ , من كان عنده منها شيء فليأت به , فجمعناها , فأخرجت , فقلنا : يا رسول الله , نتحدّث عنك ؟قال : تحدّثوا عنّي ولا حرج , ومن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأْ مقعده من النار (3).
الهامش:
(1)مسند أحمد (3/12- 13) .
(2)تقييد العلم(?34) وانظر مسند أحمد(3/12-13) .
(3)تقييد العلم (?35)
========================?300
والمناقشة في هذه الأحاديث من وجوه :
الأوّل : سنديّاً :فكلّها ضعيفة بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم , فلا يعتمد عليها , وقد حكم عليها الذهبي بالنكارة (1) ومما يدعو إلى الاستغراب أن الرواة هنا هم الرواة في أحاديث أبي سعيد ?.
الثاني : دلالةً :حيث إنّ النصّ الثاني صريح في النهي عن كتابة الحديث إلى جنب القرآن, لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أمحضوا كتاب الله, وأخلصوه .
و ليكن هذا قرينةً على المراد من قوله : ? كتابٌ مع كتاب الله ? في هذا النصّ الثالث والنصّ الأوّل .
وسيأتي أنّ هذا هو التبرير الآخَر الذي ذكروه لمنع التدوين , وسيأتي تفصيله في الفصل الثاني من هذا القسم .
الثالث : معارضة أبي هريرة لذلك عمليّاً :
إنّ هذه الروايات مرفوضة عمليّاً من قبل أبي هريرة نفسه , حيث التزم هو كتابة الحديث , وعرف عنه أنّه أجاز ذلك وأباحه , كما أثرت عنه صحفٌ وكتبٌ .
وقد ذكرنا جميع ذلك في الفصل الرابع من القسم الأوّل (2)
الهامش:
(1)ميزان الاعتدال (2/566)ولاحظ توثيق السنة (?46) .
(2)لاحظ (?228) برقم(20) .
======================?301
ونقلنا ما روى هو بأسانيد صحيحة من أنّ عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأبو هريرة لم يكتب , فلذلك كان عبد الله أكثر حديثا منه (1).
فالالتزام بدلالة هذه الأحاديث على المنع من التدوين , ينافي كلّ ذلك.
3- أحاديث زيد بن ثابت :
1_عن كثير بن زيد , عن المطّلب بن عبد الله بن حنطب , قال :
قال زيد : إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه (2).
2_ وبالسند , عن زيد بن ثابت : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى أن يكتب حديثه (3).
وهذان الحديثان واضحا الدلالة على المنع - وإن احتمل فيهما الاختصاص بزيد لكونه كاتب الوحي - إلاّ أنّهما لا يتمّان سنداً :
ففي السند كثير بن زيد , قالوا فيه : ليس بالقويّ , ضعيف , فيه لين , فلا يحتجّ به , إذنْ (4).
والمطلّب بن عبد الله كان كثير التدليس والإرسال , قال الرازي : عامة روايته مرسل (5) وقال المعلمي: لم يدرك زيداً (6).
الهامش:
(1)لاحظ (?222) .
(2)سنن ? بي داود (3/319) تقييد العلم (?35) والفقيه والمتفقّه(1/1203) ومعالم السنن للبغوي (4/184) وتيسير الوصول (3/177) وجامع بيان العلم (1/63) والإلماع (?148) .
(3)تقييد العلم (?35) .
(4)توثيق السنة (?46) وانظر الأنوار الكاشفة (?35) .
(5)المراسيل للرازي (?128) .
(6)الأنوار الكاشفة (?53) وانظر دراسات في الحديث النبوي(?78).
===================?302
وقد جعل روايته عن أبي هريرة ? المتوفى سنة ( 57-أو-59 هـ) مرسلة , وكذلك قيل : إنّ روايته عن عائشة مرسلة (1) مع أنها توفّيت سنة (57هـ) فتكون روايته عن زيد بن ثابت , المتوفى سنة (55 هـ) وقيل قبلها(2)مرسلةً قطعاً .
وقد حكم بعضهم بانقطاع الحديث (3).
المناقشات العامّة في الأحاديث المرفوعة الناهية :
ذلك مجموع الأحاديث الناهية عن تدوين الحديث , والمرفوعة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهي كلّها - كما عرفت - ضعيفة السند لا يمكن الاعتماد عليها للاحتجاج على ما ادّعوه من حرمة التدوين في الشرع المبين , عدا حديث واحدٍ عُدَّ صحيحاً , أدرجه مسلم في جامعه , لكنه معلّل بالترديد بين الوقف والرفع , ولذلك لم يورده البخاري في صحيحه , وهذه العلّة - وإنْ لم تخرجه عن الصحة - إلاّ أنها تسقطه عن الاحتجاج بها , في قبال الصحاح الكثيرة الدالّة على إباحة التدوين .
قال الدكتور رفعت : وعلى هذا فلم يسلم من الضعف - في هذه الأحاديث جميعها - إلاّ حديثٌ واحدٌ , تفرّد به رواته , وقيل فيه إنه موقوف على الصحابي
[ وهو حديث أبي سعيد الخدري ] (4) .
الهامش:
(1)تهذيب التهذيب (10/178) .
(2)تهذيب التهذيب (10/178) .
(3)توثيق السنة (?64) .
(4)توثيق السنة (?46) .
===================?303
ويقول صاحب الأنوار الكاشفة : ? مّا أحاديث النهي فإنما هي حديث مختلف في صحته وهو حديث أبي سعيد , وآخر متفق على ضعفه وهو المروي عن زيد بن ثابت (1) .
مع أنّ تلك الأحاديث تدور على نفرٍ معدودٍ من الصحابة كما عرفنا مفصّلاً ,وهم عددٌ قليلٌ ,على حين نرى أنّ كثيراً من الصحابة قد كتبوا (2).
ومن مجموع ذلك تبيّن مدى المبالغة في قول الدكتور الشيخ نور الدين عتر , حيث يقول : وردت الأحاديث عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم في ذلك من رواية جماعة من الصحابة … ما لا يدع مجالاً للتردّد في صحّة ثبوت ذلك عنه عليه السلام (3).
ولو أعرضنا عن هذه المناقشة , وأعرضنا عن ما أوردناه على كلّ واحدٍ من أحاديث النهي , واعترفنا بقابليّة هذه الأحاديث للاعتماد , فإنها معارضة بروايات تدلّ على إباحة التدوين , وهي أصحّ سنداً , وأوضح دلالةّ , وأكثر رواةّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , من روايات الأقوال والأفعال , وفيها ما يأبى التقييد والتخصيص , وقد تقدّم ذكرها مفصّلاً في الفصل الثاني من القسم الأول (4).
الهامش:
(1)الأنوار الكاشفة (?4-35?43) .
(2)توثيق السنة (?47).
(3)منهج النقد(?41) .
(4)لاحظ (?107) .
===========================?30
وقد أقرّ الجميع بورود أحاديث الإذن في الكتابة , وإباحة التدوين , وأنه آخر الأمرين , فيكون ناسخاً للنهي قطعا كما سيأتي (1).
قال الدكتور عتر : لا مجال للشكّ في إذنه صلّى الله عليه وآله وسلّم في الكتابة (2).
فنقول :إذا كانت أحاديث المنع لا تتجاوز الآحاد , فإنّ أحاديث الإذن تبلغ الاستفاضة والشهرة , بلا ريب .
بل قال الدكتور عتر : وردتْ أحاديث كثيرة ,عن عدد من الصحابة تبلغ بمجموعها رتبة التواتر في إثبات وقوع الكتابة للحديث النبويّ في عهده صلّى الله عليه وآله وسلّم (3).
ونحن - وإن كنّا على اطمئنان بورود أحاديث وقوع الكتابة , وعلى يقين من إباحة التدوين - إلاّ أنّ ادعاء التواتُر لتلك الأحاديث لا يخلو من صعوبة , اللهم إلاّ أن يراد التواتر المعنويّ !
وبهذا تبيّن أنّ المعارضة بين أحاديث المنع , وبين أحاديث الجواز والإباحة , إنّما هي معارضة صوريّة , فإنّ أخبار الآحاد لا تعارض المتواتر , بل ولا المشهور المستفيض !
وعلى فرض قابليّة أحاديث المنع للاعتماد في أنفسها , إلاّ أنّ هناك مانعاً عن العمل بها , لإعراض الأمة - ولو بعد حين - عنها , إعراضاً كليّاً ,كاشفاً عن عدم حجيتها , لما ثبت من تحقق إجماع الأمة - عملياً وقولياً - على جواز الكتابة , بل وكونها من الضروريّات .
الهامش:
(1)في الوجه الثاني للجمع بين أحاديث الإذن ? أحاديث النهي (?308) .
(2)منهج النقد (?41) .
(3)منهج النقد (?40) .
========================?305
وإجماعهم في نفسه حجة , كما ثبت في محله في أصول الفقه !
وهذا كافٍ في إهمال أحاديث المنع , وعدم الاعتناء بها , فلا تصلح لمعارضة أحاديث الجواز , المتفق على العمل بمضامينها .
فما بال بعض المعاصرين يحاول أن يوجّه المنع من تدوين الحديث - بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بالاستناد إلى أحاديث المنع المنسوخة - على تقدير ورودها ورفعها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟أو المحكومة أمام أحاديث الجواز وإباحة التدوين (1).
وأما نحن فنرى أنّ روايات المنع أحاديث موهونة , لم يصحّ رفع شيء منها , وإنما هي من صنع الحكّام الذين استهدفوا السنة بمنع النقل والتدوين , ومن وضع الممالئين لهم من الصحابة , والتابعين لهم على تلك الأهداف .
ومن المناسب أن نبحث عن وجوه الجمع المفترض , ومدى إمكان الالتزام بكلّ منها :
الجمع بين أحاديث الإباحة والمنع :
إن الذين التزموا بتمامية أحاديث الطرفين , لم يلتزموا بتعارضها واقعاً , بل ذكروا وجوهاً للجمع بينها, بحيث لم يبق تنافٍ بينها , وهي :
الهامش:
(1) لاحظ دراسات في الحديث النبوي (?79).
=====================?306
1- أنّ النهي عامٌّ , والإذن خاصٌّ :
حاول البعض أنْ يجعل النهي متوجّها إلى التدوين العامّ فهو بعمومه حرام لا يجوز لأحدٍ الإقدام عليه , وجعل الإذن متوجّها إلى أشخاص معيّنين معدودين , يعتبرون أفذاذاً نابهين (1).
فاعتبر الإذن استثناءً من عموم النهي عن التدوين .
قال الدكتور عتر : إنّ الكتابة التي أذن بها هي التي لا تتخذ طابع ? لتدوين العامّ , ولذلك لم يأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أحداً بكتابة الحديث , كما أمر بكتابة القرآن , وإنما أذن لأفذاذ من الصحابة بذلك , ولم يكن الصحابة رضوان الله عليهم يتداولون تلك الصحف من الحديث… وإنما كانت تلك الصحف - بين أيديهم - بمثابة المذكّرات , فلمّا انتشر علم القرآن أقبلت الأمة على تدوين الحديث تدويناً اتخذ صيغة العموم , وتداولت صحفه المكتوبة , وذلك بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز (2).
أقول : هذا الوجه يقتضي أن الأصل في حكم التدوين هو المنع عنه, وأن إذن النبيّ صلّى الله عليه وآله لخصوص بعض الناس ,استثناءٌ عن ذلك الأصل العام .
ولكن نقول في دفعه : إنّ مثل هذا الفرض - لو تمّ - لكان معروفاً بين المسلمين , ومشتهراً بين علمائهم خاصة - على الأقل - (3).
الهامش:
(1)علوم الحديث لصبحي (?21-23) وذكر نحوه عن مصطفى السباعي في السنة ? مكانتها في التشريع الإسلامي (?61) بواسطة السنة المفترى عليها (?54) .
(2)منهج النقد (?4-45) .
(3)انظر السنة قبل التدوين (?307) .
==================?307
وحينئذ لم يقع بينهم أدنى خلافٍ في حكم التدوين , ولتحرّجوا جميعاً عنه , ولم يكن الأمر بحاجةٍ إلى اتخاذ إجراءاتٍ للمنع , ولا تبريراتٍ للمانعين .
بينما الظاهر من أحوالهم أنهم لم يتحرّجوا من التدوين , والظاهر من مجريات الأحداث أنّ المانعين واجهوا معارضة في البداية , كما أشرنا إليه , في التمهيد لهذا القسم الثاني (1).
ومما يؤيّد عدم ثبوت هذا الأصل – أي حرمة التدوين والمنع عنه - أنّ أحداً من المانعين لم يستند إلى ذلك , ولا إلى ورود النهي في أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , مع قرب عهدهم , بل على العكس من ذلك قد أقدم المانعون - قبل المنع - على التدوين , فلو كان الأصل هو الحرمة لم يصدر منهم مثل ذلك .
هذا أوّلاً .
وثانياً : إنّ الالتزام بذلك يقتضي أن يكون التدوين حراماً , وممنوعاً شرعاً مطلقاً , من دون تقيّد بزمان دون آخر .
فيكون إقدام الأمة - ولو بعد حين - على التدوين أمراً مخالفاً لهذا الأصل .
مع أنّ الأمة أقدمت على التدوين من دون أدنى تحرّج , بل جعل إجماعها على ذلك كاشفاً - عند العلماء - عن ثبوت أصلٍ شرعيٍّ بالجواز ,كما مرّ ذلك(2).
الهامش:
(1)مضى في (?263) .
(2)مضى في (?198) من القسم الأوّل , الفصل الرابع .
======================?308
أمّا قول الدكتور عتر : لم يأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أحداً بكتابة الحديث , فهو غير صحيح , لأنّ كثيراً من النصوص المرفوعة , المسندة تحتوي على أمره صلّى الله عليه وآله وسلّم المخاطبين بالكتابة والتدوين والتقييد ,بل فيها من المطلقات ما يأبى التقييد : مثل قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : اكتبوا , ولا حرج ,وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : قيّدوا العلم بالكتاب , ثمّ قوله لعبد الله بن عمرو : اكتب (1).
أليست تلك أوامر بكتابة الحديث ?
وأما قول عتر : وإنما أذن لأفذاذ من الصحابة , فهذا مجرّد دعوى , لم يستدل عليها .
فإنّ لقائلٍ أن يقول :كلاّ , بل إنّ النهي خاصّ ببعض الصحابة , أو بعض الحالات الخاصّة , وأما الأمر بالتدوين , فهو عامّ للجميع , كما يمكن الاستدلال لذلك بالروايات العامّة, كما سيأتي في التوجيه الثالث .
والإذن لبعض الصحابة بالكتابة ,لا يعني الاختصاص بهم مطلقاً ,كما أنّ تخصيص كتابة الوحي ببعض كتّابه , لا يعني اختصاص كتابته بهم , كما هو واضح .
الهامش:
(1)مضى تخريج هذه النصوص في الفصل الثاني من القسم الأول .
=================?309
بل يمكن أنْ يقال : إنّ سماح النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في كتابة الحديث بنحو عامّ , وعدم تعيين كتّابٍ خاصّين للحديث , هو أدعى للقول بأنّ الأصل هو جواز التدوين عموماً , وأنّ النهي عنه خاصّ بالشخص المنهيّ !
وأما ما ذكره من عدم تداول الصحابة لتلك الصحف _ فمع أنّ أمر التداول وعدمه لا يرتبط بالبحث عن جواز الكتابة وحرمتها , بل إنّ مجرّد وجود الصحف دليلٌ على تحقّق التدوين , سواءٌ تداولوا ما دوّنوه ? ? لم يتداولوه ?!_
فمع هذا يرد عليه : أنّ دعوى عدم تداولهم لما دوّنوه , باطلةٌ , كما ذكرنا ذلك في القسم الأوّل , نهاية الفصل الرابع (1).
ونضيف هنا : أنّ عدم تداول تلك الصحف , قد يكون على أثر منع السلطات للتدوين , وتشديدهم على كتب الحديث بإبادتها بطرق شتّى ,كالإحراق , والإماثة والغسل بالماء , والدفن , وحينئذٍ يكون من الطبيعي أن لا تظهر تلك الكتب , ولا تُتداول .
ويدلّ على ذلك أن الكتب ظهرت , وتدوولت , بعد رفع المنع , بشكل طبيعيّ , في عهد عمر بن عبد العزيز .
2- أنّ الإذن ناسخٌ للنهي :
وجمع بعضهم بين روايات النهي ? بين روايات الإذن , بأنّ النهي كان ثابتاً أوّلاً , ثم جاء الإذن في الكتابة ناسخاً .
الهامش:
(1)انظر (?235 ? ما بعدها ).
==================?310
قال ابن الديبع : والإذن في الكتابة ناسخٌ للمنع عنها , بإجماع الأمة على جوازها , ولا يجتمعون إلاّ على أمرٍ صحيح (1).
لكن هذا الكلام لم يشر إلى روايات الإذن إلاّ على أساس انتزاعه من إجماع الأمة , بينما النصوص الدالّة على الإذن , الصريحة في دلالتها , وفيها كثير من الصحاح والروايات المعتبرة , هي موجودة فعلاً ,والإجماع إنْ دلّ على الإباحة , فهو دليلٌ مستقلٌ , كما سبق تفصيلاً في القسم الأوّل (2).
قال الدكتور عتر : القول بالنسخ , قد استدلّ له من النقل , ومال إليه كثير من العلماء , كالمنذري , وابن القيّم , وابن حجر , وغيرهم , لأنّ الإذن بالكتابة متأخِّر عن النهي عنها (3).
وقال أحمد شاكر : الجواب الصحيح أنّ النهي منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة … وهذه الأحاديث مع استقرار العمل - بين أكثر الصحابة والتابعين , ثمّ اتفاق الأمة بعد ذلك - على جوازها , كلّ هذا يدلّ على أنّ حديث أبي سعيد [ الدال على النهي عن الكتابة ] منسوخٌ , وأنه كان في أوّل الأمر (4).
أقول : وذكر هذا الوجه : ابن قتيبة (5)والخطّابي(6)
الهامش:
(1)تيسير الوصول لابن الديبع (3/177) .
(2)انظر (?198) .
(3)فتح الباري (1/149) منهج النقد (?42) .
(4)الباعث الحثيث (?7-128) .
(5)تأويل مختلف الحديث (?286) .
(6)معالم السنن (4/1) .
======================?311
والسمعاني(1)وابن حجر(2) وبعض المتأخّرين(3).
وقد أشكل على القول بالنسخ :
بأنّ النهي عن الكتابة , لو نسخ نسخاً عاماً , لما بقي الامتناع عن الكتابة في صفوف الصحابة بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولأقيمت الحجة عليهم من طلبة العلم الذين كانوا شديدي الحرص على تدوين الحديث (4).
وهذا الإشكال غير وارد :
مضافا إلى بطلان ما فيه من دعوى بقاء الامتناع بين صفوف الصحابة , فإن المنع ? نما استحدث بعد فترة من وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , من قبل نفر يسير منهم , تبعاً لعمر , كما عرفنا مفصلاً في الفصل الرابع من القسم الأول وتمهيد القسم الثاني .
الهامش:
(1)أدب الإملاء والاستملاء (?146) .
(2)فتح الباري (1/149) بشرط الأمن من الالتباس .
(3)انظر الحديث ? المحدّثون لأبي زهو (?124) والأنوار الكاشفة للمعلمي (?43) ? حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق (?446) وقال : قد قال بالنسخ جمهور العلماء على ما حكاه ابن تيمية في جوابه في صحة مذهب أهل المدينة (?36) واختار بعض المتأخّرين (كصاحب مفتاح السنة ? 17) والأستاذ أحمد شاكر في تعليقه على الباعث الحثيث (?155) وانظر السنة قبل التدوين (?307) وتاريخ المذاهب الفقهية لأبي زهرة (?24) تصدير العشّ لتقييد العلم (?9) علوم الحديث لصبحي (?8?9) منهج النقد (?42) .
(4)منهج النقد (?42) .
================?312
فإنّ حديث النهي - لو لم ينسخ بل كان باقياً مستمرّاً إلى ما بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم , لما جاز للأمة أنْ تلجأ - ولو بعد القرن الأوّل - إلى التدوين , وبشكل رسمي , وعلني , بل أصبح من الضرورات , واستقرّ عليه رأي الجمهور , فيما تأخّر من العصور ? القرون(1).
والأغرب من ذلك دعوى أنّ النهي ناسخٌ للإذن (2)
قال الشيخ عبد الغني عبد الخالق : لا يصحّ بحالٍ أنْ يكون النهي ناسخا للإذن , لأمور ثلاثة :
الأوّل : ما تقدّم لك من أنّه لا يصار إلى القول بالنسخ إلاّ عند العجز عن الجمع بين الدليلين المتعارضين بغيره , وقد أمكن الجمع كما تقدّم .
الثاني : أنّ أحاديث الإذن متأخّرة , فحديث أبي شاهٍ عام الفتح , وحديث أبي هريرة متأخّر - أيضاً - لأنّ أبا هريرة متأخّر الإسلام , وحديثه همّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بكتابة كتابٍ لن تضلّ الأمة بعده ,كان في مرض موته صلّى الله عليه وآله وسلّم .
الهامش:
(1)انظر تيسير الوصول لابن الديبع (3/177) وعلوم الحديث لابن الصلاح (?171) وعلوم الحديث لصبحي (?23) .
(2)هو رأي صاحب المنار في مجلته , العدد 10 للعام10(?767) .
====================?313
الثالث : إجماع الأمة القطعيّ - بعد عصر الصحابة والتابعين - على الإذن وإباحة الكتابة , وعلى أن الإذن متأخّر عن النهي … وهو إجماع ثابت بالتواتر العملي عن كلّ طوائف الأمة بعد الصدر الأوّل , حتى ممن قال في عصرنا بأن النهي ناسخ للإذن , فإنّا نجده قد ملأ الصحف بالحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).
3-أن النهي خاص , والإذن عام :
وقد يأتي على الخاطر أنّ الجمع الممكن بين أحاديث النهي , وأحاديث الإذن هو بحمل النهي على منع أشخاص معينين عن التدوين , أو توجيه النهي لخصوص كتابة الحديث مع القرآن في صفحة واحدة .
وقد سبق توجيهنا لكل واحدٍ من أحاديث النهي إلى التدوين الخاص بواحد من الخصوصيات الممكنة في مواردها .
وأما الإذن في التدوين والكتابة , فهو حكم عامّ لجميع المسلمين ,وذلك :
لأنّ أحاديث الإذن فيها من العمومات والمطلقات , العدد الكثير , من دون أنْ يقيّد واحدٌ منها بجهة معيّنة .
ويؤيّد ذلك إقدام الصحابة والتابعين على التدوين , من ? ون تحرّج , ولم نجد منهم ذاهباً إلى المنع في البداية , قبل ما ظهر – في ما بعد - من بعض الحكّام.
ثمّ إنّ إجماع الأمة على التدوين دليلٌ واضحٌ على أن الأصل العام للتدوين هو الإباحة والجواز .
الهامش:
(1)حجية السنة (?7-448) .
=================?314
ويؤيد ذلك أيضاً : أنّ أحداً من المانعين لم يستند في منعه إلى ثبوت المنع في أصل الشرع , أو أنّ التدوين ممنوع في الشريعة , بل لجأوا إلى تبريرات متنوّعة ومصالح رأوها مانعة .
وكذلك لجوء مؤيّدي المنع إلى ذكر تبريرات للمنع , دون الاستناد إلى أن حكم التدوين هو المنع في الشريعة .
4- رأينا في الجمع :
ونرى أنّ كلّ هذه التوجيهات - للجمع بين أحاديث النهي والمنع , وبين أحاديث الجواز والإذن - مبتنية على قبول أحاديث النهي , وتصحيحها , وجعلها قابلة لمعارضة أحاديث الإذن .
لكنا أثبتنا - سابقاً - أنّ أحاديث المنع والنهي كلها غير قابلة للاستناد والاحتجاج , لأنها بين ضعيفة الإسناد ,وبين معلّلة ساقطة عن الحجية .
مع أنها لا تقاوم الأحاديث الصحيحة , الكثيرة , الدالة على جواز التدوين بما لا مجال للريب فيه , وفيها ما لا يقبل التقييد أو التخصيص .
وقد صرّح الشيخ محمد أبو زهو بأن أحاديث الإذن أصح (1)
بل , قال الدكتور الاعظمي :وليس هناك حديث واحد صحيح في كراهية الكتاب ,اللهم إلاّ رواية أبي سعيد الخدري مع ما فيها من خلافٍفي وقفها ورفعها زكذلك في المعنى المراد منها(2)
وقال أبو زهو : لا خصوصيّة في أدلّة الإذن (3) .
الهامش :
(1) الحديث والمحدّثون (?233) .
(2)دراسات في الحديث النبوي (?80).
(3) الحديث والمحدّثون (?224?225?231) .
======================?315
فالحقُ : أنّ التدوين للحديث الشريف , والسنة النبوية , لم يكن فى يوم من الأيّام ممنوعاً شرعاً , ولم يدلّ دليل على التحرّج من كتابته وتقييده بل كان مباحاّ في عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم , وفي عهد الصحابة , وكبار التابعين قبل القرن الأول وبعده , بل هو اليوم ضروري ولازم , وهو من أقدس الأعمال وأشرفها وأكثرها نفعا للإسلام والمسلمين, لأن به تصان أكبر مصادر التشريع بعد القرآن الكريم , وهي السنة الشريفة .
وقد استدللنا في فصول القسم الأوّل على جواز التدوين بالأدلّة الأربعة : العرف المقبول شرعاً , والسنة القطعية بأنواعها , وإجماع أهل البيت عليهم السلام , وسيرة المسلمين منذ عهد الرسالة , وحتى اليوم .
=================ص 316
الفصل الثاني
الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن
من أهمّ التبريرات التي ذكرتْ لمنع تدوين الحديث هو التخوّف
من أن يكتب الحديث ،فيختلط بالقرآن ،فيظنّ أنّه منه ،فيكون قرآناً .وحفاظاً على القرآن ،وإبعاداً له عن اختلاطه بشيء من غيره ،منع من كتابة الحديث , وقد صرّح عمر بهذا لمّا صمّم على المنع الرسميّ من كتابة الحديث، بعد أن أشار الصحابة عليه أن يكتبه، فخالف مشورتهم وقال:إنّي ـ والله ـ لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً(1).
وأبو سعيد الخدري هو أكثر من نقل عنه تعليل المنع بهذا الأمر في ما روي عنه موقوفاً :قال أبو نضرة له :لو كتبتم لنا ،فإنا لا نحفظ؟أو قال له:ألاّ نكتب ما نسمع منك؟أو قال:أكتبنا !أو قال: لو اكتتبتنا الحديث!
الهامش:
(1) تقييد العلم (ص49).
===================ص317
فقال في جوابه إحدى هذه العبارات:
1 ـ لا نكتّبكم، ولا نجعلها مصاحف (1).
2 ـ أتجعلونه مصاحف تقرؤونها؟ (2).
3 ـ تريدون أنْ تجعلوها مصاحف؟(3).
4 ـ أتتخذونه قرآناً ؟ (4) .
5 ـ لن نكتّبكم ، ولن نجعله قرآناً (5).
6 ـ لن اُكتّبكموه ، و لن أجعله قرآناً (6).
7 ـ لا نكتّبكم (7).
وقد عرفنا في الفصل الأوّل أنّ أبا سعيد الخدري هو الذي نُسِبَ إليه الحديث المرفوع إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: لا تكتبوا عنّي إلاّ القرآن، ومن كتب عنّي غير القرآن، فليمحه.
وأنّ كبار المحدّثين مثل البخاري حكموا بوقف الحديث، وأنّه من قول أبي سعيد نفسه.
الهامش
(1)تقييد العلم(ص36).
(2)تقييد العلم (ص36).
(3)تقييد العلم (ص37) وجامع بيان العلم (1/64).
(4) تقييد العلم (ص38).
(5)تقييد العلم (ص38) وانظر سنن الدارمي (1/100) ح477.
(6) تقييد العلم (ص38).
(7) جامع بيان العلم (1/64).
=================ص318
وقد ذكرنا أنّ البعض فهم منه ـ كما لا يُستبعد ـ أنْ يكون النهي فيه خاصّا بكتابة غير القرآن في صفحة واحدة مع القرآن(1).
وهذه الروايات الموقوفة على أبي سعيد، تؤيّد فهم ذلك المعنى من روايته المرفوعة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم . وقد نُسِبَ هذا الاحتمال إلى مسلم في صحيحه (2).
وقال ابن الصلاح: محتملاً هذا المعنى ـ :نهى عن كتابة ذلك حين خاف عليهم اختلاط ذلك بصحف القرآن العظيم ، وأذِنَ في كتابته حين أمن من ذلك (3).
وقد أوضح الخطيب البغدادي هذا الوجه ، بشيء من التفصيل ، فقال: قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتاب من الصدر الأوّل إنّما هي لئلاّ يُضاهى بكتاب الله ـ تعالى ـ غيره , ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدّته ، لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت والمميّزين بين الوحي وغيره ،لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين ولا جالسوا العلماء العارفين ، فلم يؤمن أنْ يُلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن (4).
الهامش:
(1) انظر تيسيرالوصول لابن الديبع (1/177) وما سبق في هذا الكتاب (ص291).
(2) انظر تدريب الراوي (1/40).
(3) مقدّمة ابن الصلاح (ص302) علوم الحديث له (ص182).
(4) تقييد العلم (ص57).
==================ص319
وذكر السمعاني هذا الوجه أوّلاً ،فقال: وقد ذكرتُ جواز الكتابة وعدم جوازها على الاستقصاء في كتاب ( طراز الذهب ) و حاصله : أنّ كراهة كتابة الأحاديث إنّما كانت في الابتداء ،كي لا يختلط بكتاب الله ، فلمّا وقع الأمن عن الاختلاط ، جاز كتابته (1).
ويقول بعض المعاصرين: نهى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عن كتابة الأحاديث أوّل نزول الوحي ، مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته بالقرآن ، ولا سيّما إذا كتب هذا كلّه في صحيفة واحدة مع القرآن (2).
وذكرنا في توجيه الأحاديث المرفوعة أنّ أحاديث أبي هريرة، قابلة للحمل على هذا التوجيه ،حيث جاء فيها ،قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : أمْحضوا كتاب الله ، وأخلصوه (3).
فإنّه صريح في إرادة عدم كتابة شيء ـ مع كتاب الله ـ في كتاب واحد.
المناقشات في هذا الوجه:
ولا يمكن الالتزام بهذا مبرّراً لمنع تدوين الحديث الشريف ، ويمتنع أنْ يستند الشارع إلى هذا ، فيجعله سببا للمنع والنهي عن كتابته ، الهامش:
(1) أدب الإملاء و الاستملاء (ص146).
(2) علوم الحديث، لصبحي (ص20) نقلاً عن الخطّابي في معالم السنن (1/184).
(3) مضى في الفصل الأوّل من هذا القسم (ص299).
=================ص320
وذلك : لأنّ الاحتياط في المحافظة على نصّ القرآن الكريم ،أمر واجب قطعاً ،فإذا كانت كتابة شيء إلى جنبه ، ومعه ، مؤدّية إلى اختلاطه بغيره، لزم الاجتناب من هذه الكتابة أو النهي عنها ، بالضرورة ، لكن هذا النهي عن كتابة شيء إلى جنب القرآن، مقيّد بقيدين أساسيين:
الأوّل:أنْ تكون كتابة ذلك الشيء إلى جنب القرآن ومعه ،لا منفصلةً عنه.
الثاني: أن تكون الكتابة موجبةً ومؤدّية إلى الاختلاط ،لا متميّزةً .
وإذا فرض وجود هذين القيدين ،كان النهي عن الكتابة واجباً على الشارع ، مستمرّا، غير قابل للتغيير حينئذ ،لأنّ المحافظة على القرآن كذلك واجبة دائماً . فليس لأحد أن يسمح بكتابة ما يوجب الاختلاط في أيّ زمن ، فكيف بصاحب الشرع والصادع بالوحي صلّى الله عليه وآله وسلّم!
و إذا كان النهي عن كتابة شيء دائراً مدار أحد القيدين السالفين ، فمعنى ذلك انتفاء النهي إذا لم يكن هناك أحد هذين القيدين موجوداً.
والحاصل أنّ النهي ليس مطلقاً ، ولا دائماً ، ولا عامّاً في الأزمان ، بل: 1ً ـ إذا كانت كتابة الحديث متميّزةً ،بحيث يعرف النصّ القرآني منها عن غيره ، لم يكن ثمّة نهيٌ ،لعدم خوف الاختلاط ،كما روي عن أبي سعيد الخدري قوله : ما كنّا نكتب شيئاً غير القرآن والتشهّد (1).
الهامش :
(1)تقييد العلم (ص39).
=================ص321
وقد علّق الخطيب على هذه الرواية بما نصّه :وأبو سعيد هو الذي روي عنه :أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال:لا تكتبوا عنّي سوى القرآن ، ومن كتب عنّي سوى القرآن فليمحه ,ثمّ هو يخبر: أنّهم يكتبون القرآن والتشهّد؟!.
ثمّ قال الخطيب :وفي ذلك دليلٌ على أنّ النهي عن كتب ما سوى القرآن إنّما كان على الوجه الذي بيّناه من أن يضاهى بكتاب الله تعالى غيره … فلمّا أمن ذلك ،ودعت الحاجة إلى كتب العلم ، لم يكره كتبه ،كما لم تكره الصحابة كتابة الشتهّد ،ولا فرق بين التشهّد وبين غيره من العلوم ، في أنّ الجميع ليس بقرآن (1).
2ً ـ وإذا كانت كتابة الحديث منفصلةً ، بحيث لم يكن في صفحة واحدة مع القرآن وإلى جنبه ،أو لم يكن في أوراق من نوع ما يُكتب فيه القرآن ، لم يبق هناك خوفٌ من الاختلاط ,كما يفهم ذلك من رواية أبي هريرة :أمحضوا كتاب الله وأخلصوه ,حيث تدلّ على إرادة أن يكون القرآن في صفحاتٍ مستقلّةٍ ممحّضةٍ لكتابته وخالصةٍ له , دون أن يكتب فيها غيره .
وقال ابن الديبع :إنّما نهى أن يُكتب الحديث مع القرآن في صفحة واحدة، فيختلط به فيشتبه (2).
الهامش:
(1) تقييد العلم (ص39).
(2) تيسير الوصول (3/177).
================ص322
وقال الخطّابي: إنّما عنى أن يُكتب الحديث مع القرآن في صحيفة
واحدة، لئلاّ يختلط به ويشتبه على القارىء ، فأمّا أن يكون نفس الكتاب محظوراً، وتقييد العلم بالخطّ منهيّاً ،فلا (1).
وإلى هذا تُشير الآثار المنقولة عن بعض كبار التابعين :
فقد قال الضحّاك بن مزاحم الهلالي (ت105هـ) ـ و هو ينهى عن كتابة الحديث في نفس الأوراق التي يكتب فيها القرآن ـ : لا تتّخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف (2).
وعن إبراهيم بن يزيد النخعي (ت96هـ) أنّه كان يكره أن تكتب الأحاديث في الكراريس، ويقول: يشبّه بالمصاحف (3).
وأمّا كتابة الحديث منفصلاً وبعيداً عن كراريس القرآن فلا نهي فيه , لعدم وجود خوف الاختلاط.
3 ـ إنّ النهي يدور مدار علّته ،وهي خوف الاختلاط ،فإذا زالت العلّة في موردٍ لم يثبت النهي .
والاختلاط إنّما يُخشى من الأعراب الذين لم يكونوا فقهوا في الدين ولا جالسوا العلماء العارفين ،فلم يُؤمن أن يُلحقوا ما يجدونه مكتوباً في الصحف إلى جنب القرآن، بالقرآن ، على ما ذكره الخطيب في ما نقلنا عنه (4).
الهامش:
(1) معالم السنن (4/184).
(2) تقييد العلم (ص47).
(3) سنن الدارمي (1/100) ح470 وتقييد العلم (ص48).
(4) تقييد العلم (ص57).
=================ص323
وأمّا أهل العلم وطُلاّب الحديث ورواته ,فلا يُخشى منهم ذلك ، وكيف يمكن أن يختلط عليهم أمر القرآن بغيره ،من الحديث أو التفسير؟ وتشتبه عليهم آياته ،مع أنّ القرآن كان يُبذل في كتابته وتنظيمه الجهدُ الوفير منذُ عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وبإشرافه ، و هو متميّزٌ بنصّه ، ومنحصرٌ بما بين الدفّتين .
ولنا هنا ملاحظة هامّة ،وهي: إنّ نسبة خوف الاختلاط بين القرآن والحديث إلى الشارع الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم أمرٌ غير مقبول ،بل ولا معقول ،وذلك :لأن القرآن الكريم ـ وهو كتاب الوحي الإلهي ـ له ميزة بلاغيّة فائقة ،وعبقة قدسيّة رائقة ،يتميّز بها عن كلام سائر البشر ،حتّى كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ،حيث إنّ آيات الكتاب كانت تُحاط عند نزولها بأُمورٍ خاصّة وتعرض على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لنزولها عوارض مميّزة ،كما هو معروف ، فكانت قرينةً حاليّةً تميّز القرآن عن سائر كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم , وقد انتشرت آياته منذ الساعة الأُولى لنزولها ،وكان لكلّ آية منه عند نزولها صدىً بالغ المدى ،يتباشر بها المسلمون ،ويتهادونها ، ممّا يكشف عن أبعاد الاحتفاء والإكرام الذي يكنّونه لهذا النصّ المقدّس .
وقد اختصت كلمات القرآن في الشريعة بأحكام خاصّة فلا يجوز أن يمسّه إلاّ المطهّرون ،ولقراءته الفضل المذكور في الأحاديث ، ولحفظه الأثر المشهور.
======================ص324
فمع كلّ هذه الخصوصيات :أ فهل يمكن أنْ يتصوّر فيه الاختلاط
بغيره؟ أو أنْ يشتبه على المسلمين المعترفين بقدسيته ؟
ثمّ إذا كان العرب بما أُوتوا من فصاحةٍ وبلاغةٍ ،يميّزون بين آيات الوحي بمجرّد سماعها وبين غيرها ،وينجذبون إلى روعتها لأوّل وهلةٍ حيث استقرّ القرآن في نفوس وعقول العرب ، واستقلّت به ألسنتهم، وميّزت أذواقهم بين أُسلوب القرآن وأُسلوب غيره ،وأصبح أبسط رجلٍ منهم يميّز بين القرآن وبين أفصح كلامٍ للعرب بمجرّد سماعه (1).
فكيف يمكن أن نتصوّر في حقّ رواة الحديث من الصحابة أنْ يشتبه عليهم ذلك ، فيختلط عليهم الوحي الذي عرفوه نصّاً مقدّساً منزلاً من عند الله وله عندهم كرامته المعروفة ، بكلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ أليس هذا التصوّر فيهم ،إزراءً بحقّهم؟ إنْ لم يكن تهويناً لروعة القرآن ! أو إغضاءً عن إعجاز آياته البادي من خلال عبقريته البلاغيّة ؟ تلك الروعة والعبقرية التي كانت سبباً لإيمان المشركين !؟ فكيف تختلط على المؤمنين ؟!
ومن هنا فإنا نقطع بأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يطرح مثل هذا التخوّف .
الهامش:
(1) دراسات في السنّة النبوية الشريفة للدكتور صديق (ص102).
================ص325
لماذا كتب القرآن مع أنّه معجزٌ ببلاغته الفائقة؟
لقد أثير سؤالٌ في هذا المجال حاصله :أنّ إعجاز القرآن إذا كان
يميّزه عن السنّة ، لم تكن حاجةٌ إلى كتابته (1).
وقد أجاب عن ذلك الدكتور عبد الغني عبد الخالق بقوله :إعجاز القرآن إنّما يدركه أساطين البلغاء من العرب أيّام أنْ كانت بلاغة العرب في أوجها ،وذلك في عصره صلّى الله عليه وآله وسلّم والأعصر القريبة منه .فأمّا غير البلغاء منهم في هذه الأعصر ـ وهم الأكثرون ـ وجميع العرب، في ما بعد ذلك ،وجميع الأعاجم والمستعربين ، في جميع العصور ، فلا يمكنهم تمييزه عن السنّة، خصوصا إذا لاحظنا أنّ السنّة القوليّة كلام أفصح العرب وأبلغهم ، وأنّها تكاد تقرب من درجة القرآن في البلاغة ، ولا يستطيع أنْ يقف موقف المميّز بينهما إلاّ من كان من فرسان البلاغة والبيان وممّن يُشار إليه بالبنان .
ولا يتمكّن غير البُلغاء ـ أيضاً ـ من إدراك إعجاز القرآن بأنفسهم ، وإنّما يدركونه بواسطة عجز من تحدّاهم النبيً صلّى الله عليه وآله وسلّم من أساطين البلاغة وأُمراء الفصاحة عن الإتيان بأقصر سورة منه، وإذا ما ثبت إعجازه ثبتت لهم رسالته صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وإذا ثبتت رسالته ثبت صدقه في إخباره أنّ هذه السورة ،أو هذه الآية أو هذه الكلمة أو هذا الحرف من القرآن ,فبهذا الإخبار يتميّز لجميع الاُمّة ... القرآن من غيره.
الهامش:
(1) لاحظ مجلة المنار المصرية لصاحبها رشيد رضا السنة التاسعة،
العدد (7) ص (515).
=================ص326
ولمّا كان هذا الإخبار لا يحصل لكلّ الأُمّة بالضرورة، بل إنّما يحصل لبعض مَن في عصره صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وكان يخشى على هؤلاء السامعين ـ قبل استقراره في القلوب وشيوعه بين الناس ـ الاشتباه بطول الزمن ، وعدم تمام الحفظ للفظه ،خصوصاً الاشتباه في الآية الواحدة والكلمة الواحدة والحرف الواحد ,حرص النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أشدّ الحرص على تمييزه جميعه بالكتابة ، عن سائر ما يصدر عنه ، وتخصيصه بها إلى أن يطمئنَّ إلى كمال تميّزه عن غيره ، عند سائر الناس ، وإلى استقراره في القلوب وشيوعه بين الناس ، وإلى أنّه إذا أخطأ فردٌ من الأُمّة ـ فخلط بينه وبين غيره ـ ردّه سائر الأُمّة أو القوم الذين يؤمن تواطؤهم على الكذب ، إلى الصواب . ولذلك ،لمّا اطمأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى تميّزه تمام التميّز ،أذن في كتابة السنّة (1).
والظاهر من السؤال: احتواؤه على محاولة جعل تخصيص القرآن بالكتابة ذريعةً ودليلاً على أنّ الامتناع عن كتابة السنّة ، كان من أجل التخوّف من اختلاطهما ، وأنّ إعجازه في بلاغته غير كافٍ لتميّزه عن السنّة !
والظاهر من الجواب : موافقته على أصل الفكرة ،إلاّ أنّه زاد في الطنبور نغمةً أُخرى ، بحصره درك إعجاز القرآن بعصر خاصٍّ ، وبأشخاص محصورين!
الهامش
(1) حجيّة السنّة (ص7 ـ 438 ).
================ص327
ونحن نعتقد أنّ أصل الإشكال فاسدٌ ، وكذا الجواب المذكور ، وذلك للملاحظات التالية:
1 ـ إنّ هذه المقارنة بين القرآن والسنّة في خصوص مسألة الإعجاز ، إنّما تخصّ السنّة القوليّة ـ كما صرّح به الكاتب المذكور ـ وهي إنّما تمثّل ما يقرب من ثلث السنّة النبويّة ،لأنّها قولٌ ، وفعلٌ ، وتقريرٌ , بإجماع المسلمين.
وأيضاً : فالسنّة القوليّة التي بأيدينا ، والتي هي محلّ ابتلاء المسلمين إنّما عمدتها تلك المرويّة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في الفترة التالية من تاريخ الإسلام ، بعد الصدر الأوّل ، وخارج أُطر مكّة قبل الهجرة ، وعندما استقرّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بين أنصاره وأصحابه المسلمين المؤمنين به إلى حدّ الفداء والتضحية ، ومثل هؤلاء لم تكن عندهم مشكلةٌ بعنوان إعجاز القرآن ,بل كانوا يقدّسون القرآن أعظم تقديس ، عارفين بأُسلوبه ،مميّزين لبهائه ونوره مقرّين معترفين بإعجازه وتميّزه عن سائر الكلام البشريّ ، ولو كان كلام الصادع به نفسه ، فلا يتخوّف بالنسبة إليهم الاختلاط.
ثمّ ، إنّ السنّة القوليّة الصادرة من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ليست كلّها ملقاةً باعتبارها من بليغ كلامه ، بل الكثير من كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم يجري مجرى المعتاد من الكلام ممّا كان يحاور به الناس العاديّين ،في الظروف العاديّة ، وحول الأُمور العاديّة، وهو ليس بالقليل في السنّة القوليّة.
==============ص328
وخصوص ما يحتوي على بيان الأحكام الشرعية من المعاملات
والعبادات ،فإنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يستعمل فيها سوى الكلام العادي ،إذ ليس المطلوب إلاّ توضيح الأحكام .
ولو استثنينا من المقارنة كلّ هذه الأقسام من السنّة القوليّة ،لم يبق للمقارنة بينها وبين القرآن في مسألة الإعجاز إلاّ شيء قليل جدّاً.
إذن، فلا يبقى ما يدخل تحت هذا التعليل ،بخشية الاختلاط إلاّ ذلك القليل ،فتكون أكثر السنّة خارجةً عنه ،وهذا يعني أنّ التعليل لإثبات ذلك بخشية الاختلاط هو أخصّ من المدّعى.
2 ـ إنّ القرآن كانت تُحيط بنزوله أُمورٌ خاصّة ،مثل الحالات التي كانت تعرض النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حين نزول الوحي عليه ،ممّا هو معروف ومذكور في الكتب الخاصّة بتاريخ القرآن وعلومه.
ثمّ إنّ القرآن بمجرّد نزوله وتبليغه من قبل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كان المؤمنون يستبشرون به ،ويتهادونه ،ويعتبرونه من أفضل النعم عليهم ،وهذا كان حتّى في صدر الإسلام قبل الهجرة.
أضف إلى اختصاص آيات القرآن ،بأحكام خاصّة ،مثل التلاوة في الصلاة وغيرها ،وحرمة مسّ غير المتطهّر لما كتب منه ، وغير ذلك ممّا هو معروف عند الفقهاء وثابت بالأدلّة في الفقه.
ومع هذه المزايا والخصوصيات التي كان القرآن محاطاً بها، دون السنّة، كيف يحتمل أن يختلط نصّه الكريم بغيره ؟ حتّى لو كان من أبلغ الكلام وأروعه !؟
==============ص329
3 ـ ليس من المطلوب من عامّة الناس أن يتخصّصوا كلّهم في أيّ علمٍ من العلوم ،وإنّما اللازم رجوعهم إلى أهل الخبرة في كلّ علمٍ ، وكذلك أمر الإعجاز ،فليس اختصاص إدراكه بالبلغاء في كلّ عصر، يؤدّي إلى اختصاص تميّز القرآن عن غيره بهم حتّى يحتاج تميّزه إلى أمر آخر كالكتابة ، بل، إذا تميّز القرآن بإدراك البلغاء لإعجازه ، كفى لرجوع الآخرين إليهم في ذلك.
وإذا ثبت إعجازه لجميع الناس في كلّ عصر، ولو اعتماداً على اعتراف البلغاء في العصر الأوّل من صدر الإسلام ،أُولئك الذين تحدّاهم النبيّ فعجزوا عن أنْ يأتوا بآية من مثل القرآن ،مع شدّة اهتمامهم في ذلك ، و مسيس حاجتهم إليه ،حتّى اضطروا إلى إعلان إعجازه ، فأعلنوا ذلك صريحا بيّنا غير خافٍ على أحدٍ ، وتناقلت الأنباء والأخبار والصحف كلامهم في الاعتراف بذلك ,فإنّ هذا كان ـ ولا يزال مدى الدهر ـ كافياً لتميّز القرآن الكريم عن غيره من كلام الآَدميّين ،مهما بلغوا القمّة في البلاغة والفصاحة !منذ البداية ، من دون حاجة إلى الانتظار مدّةً حتّى يطمأنّ بتميّزه عن غيره !؟ ولا الالتجاء إلى كتابته وحده دون غيره ؟!
4 ـ إنّ ثبوت صدق النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بوسيلة سائر المعجزات التي جاء بها يكفي للاعتماد على أخباره الأُخرى , ومنها القرآن ونزوله وسائر شؤونه، ولا يتوقّف ذلك على خصوص إدراك إعجاز القرآن إن لم يكن حاصلا بعد !
==========ص330
فالقرآن كان متميّزا بهذا الإخبار منذ البداية ، من دون خشية الاشتباه والخلط بين القرآن وسائر كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم على المؤمنين به.
5 ـ وأخيراً :إنّ القرآن يتميّز بروعته وطراوته ونوره وجماله المعنويّ ، ونَغَمه اللفظي، لكلّ الناس ـ من العارفين باللغة العربية وآدابها ـ حتّى الفسّاق، و غير المسلمين.
وإنّ من التقصير ـ أمام عظمة هذا النصّ الرائع ـ أنْ يساويه أحدٌ بكلام البشر ،حتّى كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الصادع بوحيه ؟ وإنّ من التفريط بشأنه : أنْ نقول بأنّ غير البلغاء لا يميّزونه عن غيره .
بل، المحسوس لنا ـ ولسنا ممّن يعدّ في البلغاء ـ أنّ القرآن يختلف بجرسه وأُسلوبه وبيانه وسجعه ,عن غيره من سائر الكلام البشري , حتّى أقوى أشعار البلغاء , وأفصح خطب العلماء.
فكيف يجسر جاسرٌ على إبداء ذلك الكلام بحقّه ! ==================ص331
ولو كان ذلك الكلام صادراً عن غير الشيخ عبد الغني عبد الخالق ممّن لم يكن عالماً باللغة العربية ،ومدرّساً بالأزهر، ولا عالماً بالشريعة وأُصول الفقه ،لأعذرناه ,لكن صدوره من عالم مثله، زلّةٌ ،بلا ريب!.
هذا ما يبدو لنا من المناقشة في هذا التبرير، أوّلاً.
وأمّا ثانياً :فإنّ الاحتياط للقرآن بصيانته والمحافظة على نصّه من الاختلاط بغيره ـ وإن كان من أهمّ الواجبات ،كما ذكرنا ـ إلاّ أنّ ذلك لا يعني إهمال الحديث الشريف وعدم رعايته بالصيانة والمحافظة ،ولا ينافي العناية به بكتابته وتدوينه، لئلاّ تضيع نصوصه ، ولا تفوت الاستفادة منه بموت حامليه من الصحابة الحافظين له ، الآَخذين له من مصدره ، ولا يندرس بموت أهله ، مع أنّه ثاني مصادر التشريع ، وتالٍ تلو القرآن في الأهميّة واعتماد الدين عليه .
فكيف يمكن أن يهمله الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وينهى عن أخذ الحائطة له ،ولا يرضى بحفظه وتدوينه ؟! أليس ذلك تعريضاً للحديث الشريف إلى الاندراس !؟
ومن أجل ذلك لا يمكن أن تجعل المحافظة على القرآن ذريعةً لتعريض الحديث إلى الإبادة والاندراس .
==================ص332
وأمّا ثالثاً :فإنّ هذا التخوّف ـ من اختلاط القرآن بغيره ـ لو صحّ فرضه ، فإنّما كان في صدر الإسلام وأوّل أمره ، ولا ريب أنّ ذلك ارتفع بعد أن نزل أكثر الوحي ، وحفظه الكثيرون ، وأمن اختلاطه بسواه ،وأذن الرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذناً عامّاً في الكتابة (1).
فالتزم الصحابة بكتابة الحديث في عصر النبوّة، وما بعده. فما بال المانعين عمدوا إلى منع التدوين بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ متذرّعين بنفس هذه العلّة التي من المفروض فوات زمانها ؟! وهذا يقتضي بوضوح أنْ يكزن سبب المنع أمراً آخر , غير هذا؟!
الهامش :
(1) علوم الحديث لصبحي الصالح (ص9).
==========================ص333
الفصل الثالث
التخوّف من ترك القرآن والاشتغال بغيره
ومن المبرّرات التي ذكروها لمنع تدوين الحديث هو : أنّ تدوين أيّ شيء سيُشغل الناس عن الانكباب على كتاب الله ،فهو مؤدٍّ إلى ترك كتاب الله وإهماله.
وقد جاء هذا التبرير في ما روي عن عمر من قوله : إنّي كنتُ أردتُ أن أكتب السنن ، وإنّي ذكرتُ قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها، و تركوا كتاب الله تعالى ، وإنّي ـ والله ـ لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً (1).
وكان عبد الله بن مسعود يؤكّد على تبرير المنع بهذا، فتراه يكرّره في أحاديث:
1ـ عن إبراهيم التيمي ، قال : بلغ ابن مسعود أنّ عند ناسٍ كتاباً يعجبون به، فلم يزلْ معهم حتّى أتوه به فمحاه ،
الهامش :
(1) تقييد العلم (ص49).
===============ص334
ثمّ قال: إنّما هلك أهل الكتاب قبلكم أنّهم أقبلوا على كتب علمائهم ، وتركوا كتاب ربّهم (1) .
وفي نقل آخر: ... أقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم ... تركوا التوراة والإنجيل ، حتّى درسا ، وذهب ما فيهما من الفرائض والأحكام (2).
2 ـ عن مرّة ، قال: بينما نحن عند عبد الله [ بن مسعود] إذ جاء ابن قرّة بكتاب ، قال: وجدته بالشام فأعجبني ، فجئتك به.
قال: فنظر عبد الله ،ثمّ قال : إنّما هلك من كان قبلكم باتّباعهم الكتب وتركهم كتابهم.
قال: ثمّ دعا بطست فيه ماء,فماثه فيه ،ثمّ محاه(3).
3 ـ وعن الأسود، وعلقمة : أنّهما أتياه بصحيفة ، وقالا : هذه صحيفة فيه حديث عجيب ... انظر إليها ، فإنّ فيها حديثاً حسناً .
فدعا بالطست والماء ،وجعل يمحوها ،ثمّ قال: إنّما هذه القلوب أوعية، فأشغلوها بالقرآن ، ولا تُشغلوها بغيره (4).
4 ـ وعن الأسود ،قال: جاء رجلٌ من أهل الشام إلى عبد الله بن مسعود ومعه صحيفة فيها كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه ،فقال: يا أبا عبدالرحمن، ألا تنظر ما في هذه الصحيفة من كلام أخيك أبي الدرداء؟
الهامش:
(1) سنن الدارمي (1/100) ح475.
(2) تقييد العلم (ص56).
(3) تقييد العلم (ص53).
(4)تقييد العلم (ص3 ـ 54) ولاحظ جامع بيان العلم (1/66).
==============ص335
فأخذ الصحيفة، فجعل يقرأ فيها وينظر ،حتّى أتى منزله ، فقال: ياجارية ،ايتيني بالإجانة مملوءةً ماءً ،فجاءت بها ،فجعل يدلكها ، ويقول: (الر تلك آيات الكتاب المبين، إنّا أنزلناه قرآناً عربيّاً لعلّكم تعقلون نحن نقصّ عليك أحسن القصص) [الآيات (1 ـ 3) من سورة يوسف (12)]
أ قصصاً أحسن من قصص الله تريدون؟ أو حديثاً أحسن من حديث الله تُريدون (1)؟
5 ـ وعن سليم بن الأسود، قال: كنتُ أُجالس أباناً في المسجد ، فأتيتهم ذات يوم ، فإذا عندهم صحيفة يقرؤونها ،فيها ذكر وحمد وثناء على الله ،فأعجبتني ، فقلت لصاحبها :أعطنيها ،فأنسخها. قال: فإنّي وعدتُ بها رجلاً ، فأعدّ صحفك ،فإذا فرغ منها دفعتها إليك.
فأعددت صحفي ، فدخلت المسجد ذات يوم ،فإذا غلامٌ يتخطّى الخلق ، يقول: أجيبوا عبد الله بن مسعود في داره.
فانطلق الناس ، فذهبت معهم ، فإذا تلك الصحيفة بيده ،وقال: ألا إنّ ما في هذه الصحيفة فتنة ، وضلالة ، وبدعة ، وإنّما هلك من كان قبلكم من أهل الكتب - باتّباعهم الكتب وتركهم كتاب الله - وإنّي أُحرّج على رجلٍ يعلم منها شيئا إلاّ دلّني عليه ،
الهامش:
(1)تقييد العلم (ص4 ـ 55).
================ص336
فو الذي نفس عبد الله بيده ، لو أعلم منها صحيفة بدير هندٍ لأتيتها ، ولو مشياً على رجلي،
فدعا بماء، فغسل تلك الصحيفة (1).
وروى الدارمي هذا الحديث ,ومحتوى الكتاب في روايته : سبحان الله، والحمد لله ,ولا إله إلاّ الله ،والله أكبر . فقال عبد الله :إنّ ما في هذا الكتاب بدعة ، وفتنة ، وضلالة ، وإنّما أهلك من كان قبلكم هذا وأشباه هذا، إنّهم كتبوها ، فاستلذّتها ألسنتهم وأُشربتها قلوبهم ...(2).
وروي هذا التبرير عن أبي موسى الأشعري :
عن أبي بردة ،عن أبي موسى ،قال: إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً واتبعوه ، وتركوا التوراة(3).
ويبدو أنّ هذا التبرير ظلّ مقبولاً لدى العلماء إلى عهد متأخّر ، فهذا إسماعيل ابن عليّة (ت200هـ) يقول: إنّما كرهوا الكتاب لأنّ من كان قبلكم اتّخذوا الكتب فأعجبوا بها ,فكانوا يكرهون أنْ يشتغلوا بها عن القرآن (4).
وقد ذكر الخطيب البغدادي هذا التبرير، وقال: فقد ثبت أنّ كراهة من كره الكتاب من الصدر الأوّل إنّما هي لئلاّ يُضاهى بكتاب الله تعالى غيره ،أن يُشتغل عن القرآن بسواه ,
الهامش :
(1) تقييد العلم (ص65).
(2) سنن الدارمي (1/102) ح485.
(3) تقييد العلم (ص56).
(4)تقييد العلم (ص57).
===============ص337
ونُهي عن الكتب القديمة أن تُتخذ، لأنّه لا يُعرف حقّها من باطلها وصحيحها من فاسدها ،مع أنّ القرآن كفى عنها وصار مهيمناً عليها (1) .
واختار هذا الوجه من المعاصرين: الدكتور عتر، فقال: العلّة التي تصلح لذلك ـ في اختيارنا ـ هي: خوف الانكباب على درس غير القرآن، وترك القرآن، اعتماداً على ذلك (2).
والمناقضة في هذا التبرير من وجوه:
فأوّلاً :إنّ هذا التبرير بعضه حقّ، وبعضه باطل، وقد حاول أصحابه الخلط بينهما ، وتوضيح ذلك: أنّ المفروض في كلامهم أمران:
1_ إنّ ترك القرآن منهيّ عنه ، فهو حرامٌ شرعاً , وهذا حقّ لا يرتاب فيه مسلم.
2_ إنّ الاشتغال بغير القرآن يؤدّي إلى ترك القرآن، وهو أيضاً حرامٌ.
وهذا ليس ـ بإطلاقه ـ صحيحاً ، بل: إنْ كان الاشتغال بغير القرآن مؤدّياً إلى ترك القرآن كان حراماً . وإلاّ فإن لم يكن الاشتغال بغير القرآن، مؤدّياً إلى ترك القرآن فهو ليس بحرام قطعاً .
وجعل الفرض الأوّل ,كالفرض الثاني ـ في الحكم ـ وإطلاق أنّهما يؤدّيان إلى ترك القرآن ، خلطٌ بين الحقّ والباطل، وإيهامٌ ، وإغراءٌ قبيحٌ .
الهامش:
(1)تقييد العلم (ص57).
(2) منهج النقد(ص43).
=================ص338
وقد استعملوا كلمات الاشتغال ,و الانكباب ,و الانهماك , ليزيدوا من تبشيع الأمر ،ويضخّموا من تهويله على الآخرين. وإلاّ ، فليس في مجرّد كتابة شيء من الحديث :اشتغال ,أو :انكباب ,أو :انهماك , عن القرآن ،ولا يؤدّي إلى ترك القرآن.
ومن هنا ، نجد بشاعة قول ابن مسعود : إنّ الصحيفة المحتوية على قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله ، والله أكبر ,بدعةً وفتنةً وضلالةً !
فلماذا يكون هكذا ؟ هذا الذكر المقدّس حتى عند المسلمين ؟
فهل إنّ هذه الكلمات الأربع باطلة ؟ وهي من الأذكار التي جاء بها الإسلام ,وليست مفرداتها إلاّ كلماتٍ وجملاً حقّة , ومن القرآن؟ وليس فيها من الباطل شيء؟ وهل هي مؤدّية إلى ترك القرآن؟
وثانياً: إنّ ترك القرآن ـ وهو فعل محرّم واضح البطلان عند المسلمين ـ من هو المتّهم به من بين المسلمين الذين أرادوا جمع الحديث، وتأليفه، وتدوينه وتقييده؟ وهم في ذلك العصر، بين صحابيّ جليل، أو تابعي فاضل، أو مؤمن طالب للعلم الذي هو حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ،أو كلمة ذكرٍ وثناءٍ وتمجيد لله، كما كان في صحيفة ابن مسعود؟
أليس اتّهام أهل تلك الطبقة اتّهاماً لأهل خير القرون ،وهم سلف المسلمين ، وفيهم الصحابة، وفضلاء التابعين؟
====================ص339
أليس ذلك كلّه تجاسراً عليهم وهتكاً لحرماتهم ؟
فلا يبقى من يتصوّر ذلك ـ أي ترك القرآن والاشتغال بغيره ـ في حقّهم، إلاّ القلائل من الشذّاذ ،الجهلة ،أو المغرضين الذين دخلوا الإسلام طمعاً أو خوفاً أو بغرض التشويش بين المسلمين ,كالمتهوّكين، وخاصّةً من أهل الديانات الأُخرى ممّن لم يكن يرغب في تدوين السنّة وكتابة الحديث قطعاً !لأنّ في التدوين حفظ الدين واستمراره , وهو ما ينافي أغراضهم ,كما رأينا من نهي قريش لعبد الله بن عمرو من كتابة الحديث !!
ولا يخفى أنّ أمراً مهمّاً ـ مثل تدوين الحديث وحفظه من الضياع ـ لا يُمكن أنْ يعلّق على هذه الشرذمة ، فيمنع من أجلهم ! مع أنّ الحديث هو من أهمّ وسائل حفظ الإسلام ، والتي يمكن بها القضاء على مكر هؤلاء وتزويرهم ، وإنّ ترك تدوينه تعريضٌ له للفناء ، وهذا أقرب إلى أغراض تلك الحفنة !
وثالثاً : إنّ ما يؤدّي إلى ترك القرآن من الكتب هو ما كان منافياً للقرآن في أهدافه ومحتوياته ،من عقائد وأحكام وأخبار،وأبرز مظهر لذلك ـ في تلك العصور ـ هو كتب الضلال التي كان يتداولها أهل الكتاب ،من اليهود والنصارى ، وهي التوراة والإنجيل المحرّفان، وما دار حولهما من كتب وأساطير (1).
وقد جاء التصريح بذلك في أكثر كلمات المانعين أُولئك المستندين للمنع إلى هذا التبرير.
الهامش:
(1) لابدّ من التذكير بأن تحريم مداولة كتب الضلال ليس على الإطلاق , بل يستثنى من ذلك ما لو قصد بذلك الردّ عليها ومعرفة ما فيها لتاييد الحق به,وهو أمر ضروري,قد تمسّ الحاجة إليه .
و جاء في فتاوى السلفيّ رشيد رضا صاحب المنار في جواب السؤال عن : مطالعة كتب الملل غير الإسلامية , ما نصه : الأمور بمقاصدها ,فمن يطالع كتب الملل يقصد الاستعانة على تأييد الحقّ وردّ شبهات المعترضين ونحوه , وهو مستعدّ لذلك , فهو عابد لله تعالى بهذه المطالعة , وإذا احتيج إلى ذلك فهو كان فرضاً لازماً . فتاوى محمد رشيد رضا (1/ 136) .
===================ص340
فقد ذكر عمر ذلك ـ لمّا أحرق كتب الناس ـ فقال: أُمنية كأُمنية أهل الكتاب (1)،
أو: مثناة كمثناة أهل الكتاب (2).
ويلاحظ أنّ كلمة ( مشنا ه ) إنّما هو مصطلح يهودي عبّروا به عن التوراة المبدّلة المحرّفة، في قبال التوراة التي لم تبدّل ،وقد فسّر الكلمة بهذا المعنى أبو نعيم الأصفهاني (3).
الهامش :
(1)تقييد العلم (ص52).
(2) طبقات ابن سعد (1/140) طبع ليدن،(3) والصواب ( مشناه ).
ويلاحظ أنّ عمر هو أوّل من أطلق كلمة ( مشناه ) على السنّة المحمّدية والحديث النبوي ،حيث استعملها في مقام تشبيه ما كتبه الناس من الحديث بما كتبه اليهود ,ولاحظ بهذا الصدد:
الإسلام عقيدة وشريعة للإمام محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر (ص492-494) والسنّة النبوية وعلومها لهاشم (ص18-19) واقرأ عنه كتاب: الصحيح من السيرة للسيّد جعفر مرتضى العاملي (1/26) وما بعدها ,وعن ارتباطه بالتوراة وسائر الكتب اليهودية ،وبأحبار اليهود في المصنف لعبد الرزاق (10/313) وسنن الدارمي (1/115) وتقييد العلم (ص52) ولاحظ في كتابنا هذا ما يأتي حول أحاديث ( التهوّك ) التي تدور قصّتها حوله ,وانظر دلائل التوثيق المبكّر (ص162-164)
أقول : وسنبحث عن مصطلح( مشناه) بالتفصيل في الملحقات بكتابنا هذا , فراجع.
(3)دلائل النبوّة لأبي نعيم ـ ط حلب ـ ص836 ذيل رقم (824).
==================ص143
وروى خالد بن عرفطة ،في قصّة ضرب عمر لرجل من عبد القيس ، قال عمر له: أنت الذي نسخت كتاب دانيال ؟ قال الرجل: مُرني بأمرك أتبعه.
قال عمر :فانطلق ،فامحه بالحميم والصوف الأبيض ،ثمّ لا تقرأه ،ولا تُقرئه أحداً من الناس ،فلئن بلغني عنك أنّك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس ،لأُنهكنّك عقوبة (1).
وذكر ذلك أبو موسى الأشعري وهو بصدد النهي عن تدوين الحديث ـ :إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً، وتركوا التوراة (2).
وعبّر عن ذلك ابن مسعود بذكر اسم أهل الكتاب ,أو قوله: من كان قبلكم (3).
وعلّق مُرّة ـ الذي نقل عن ابن مسعود أنّه محا كتاباً ـ بقوله: لو كان من القرآن أو السنّة لم يمحه ،ولكن كان من كتب أهل الكتاب (4). ولا ريب أنّ الاعتماد على كتب أهل الكتاب ،سواء التوراة أم الإنجيل أم غيرهما ؟يؤدّي إلى ترك القرآن ،لما بين القرآن وبين تلك الكتب من التنافي البيّن ,فالقرآن جاء ناسخاً لتلك الكتب ، والإسلام جاء ناسخاً لتلك الأديان.
الهامش:
(1) تقييد العلم (ص1 ـ52) وكنز العمّال (1/3 ـ334) وبهمشه : منتخب مسند أحمد (1/106) وانظرالجامع لأخلاق الراوي (2/229و مابعدها).
(2)تقييد العلم (ص56).
(3) انظر ما سبق من رواياته، في بداية هذا الفصل الثالث (ص334).
(4) سنن الدارمي (1/102).
=======================ص342
مع عدم وضوح ما في تلك الكتب من الحقّ والباطل ، وكفاية القرآن عن حقّها ـ كما يقول الخطيب البغدادي (1).
ويكون نفس الالتزام بتلك الكتب دليلاً على الضلال ،حيث يكون الملتزم بها غير معتقدٍ بحقيّة القرآن ولا بطلان تلك الكتب ،أو أنّ ميله إليها وإعجابه بها ـ على الأقلّ ـ يكشف عن تردّده في حقّيّة الإسلام ، وشكّه في القرآن، وهذا هو التهوّك الذي أغضب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فحذّر عنه بأساليب في ما يلي من الروايات:
1 ـ روي عن عمر بن الخطّاب أنّه قال للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّا نسمع أحاديث من يهود، تُعجبنا !أ فترى أنْ نكتبها ؟! فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم :أ متهوّكون أنتم ؟ كما تهوّكت اليهود والنصارى ، لقد جئتكم بها بيضاء نقيّةً (2).
2 ـ روى الخطيب البغدادي بسنده ،عن عبد الله بن ثابت الأنصاري ـ خادم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال: جاء عمر بن الخطّاب إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ،ومعه (جوامع من التوراة) فقال: مررت على أخٍ لي من قريظة ،فكتب لي جوامع من التوراة ،أ فلا أعرضها عليك ؟ فتغيّر وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ! فقال الأنصاري: أما ترى ما بوجه رسول الله ؟! فقال عمر: رضيتُ بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمّد رسولاً .
الهامش:
(1) تقييد العلم (ص57).
(2) الجامع لأخلاق الراوي (2/228) نحوه ,ففيه : يا رسول الله ,إنّ اهل الكتاب يحدّثونا باحاديث قد أخذت بقلوبنا وقد هممنا أن نكتبها ؟ وانظر جامع بيان العلم (2/ 42) ومقدّمة سنن الدارمي , وراجع :النهاية لابن الأثير(5/282) لسان العرب (12/400).
=====================ص343
فذهب ما كان بوجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم :والذي نفسي بيده ،لو أنّ موسى أصبح فيكم ثمّ اتّبعتموه وتركتموني لضللتم ،أنتم حظّي من الأُمم، وأنا حظّكم من النبيّين (1).
وقال المعلّق على المصدر ،عن بعض المصادر : إنّ الذي ردّ على عمر هو عبد الله بن زيد ـ الذي أُري الأذان ـ قال لعمر :أمسخ الله عقلك ؟ألا ترى الذي بوجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(2).
الهامش:
(1)الأسماء المبهمة للخطيب (ص8 ـ 189) رقم (95) وخرّجه المعلّق من المصادر التالية :في مجمع الزوائد (1/174) عن أبي الدرداء، وفي جمع الفوائد (1/30) والذي ردّ فيه على عمر : (عبد الله بن ثابت) ونسبه إلى الطبراني في الكبير. وفي ثلاث روايات برقم (10163-10165) والمعترض على عمر في الثانية : (عبد الله بن ثابت) كما في المصنّف لعبد الرزاق (10/ 313)برقم(19213 ) و(11/111)برقم (20062) قال المعلّق على الأسماء المبهمة :وفي سنن الدارمي (1/ 115) من طريق محمّد بن العلاء,وذكره ـ مختصراً ـ في أُسد الغابة (3/ 126) الطبعة القديمة .
وجاء في الجامع لأخلاق الراوي (2/ 156ونحوه ص155) وورد في دلائل النبوّة لأبي نعيم (1/50).
وأخرجه المعلّق عن فتح الباري لابن حجر كتاب الاعتصام ,باب لا تسألوا أهل الكتاب ,عن أحمد، وابن أبي شيبة، والبزّار ، وانظر مجمع الزوائد (1/174) وانظر مسند أحمد (3/387) عن جابر ,وفي جامع بيان العلم (2/42)عن عمر ,من قوله : والذي نفسي بيده ….
(2)انظر الأسماء المبهمة للخطيب، (ص189) رقم الحديث (95).
=========================ص344
3 ـ وقال عمر :انطلقت أنا … فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب ،ثمّ جئت به في أديم .
فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :ما هذا في يدك، يا عمر؟ قلت : يا رسول الله ،كتابٌ انتسخته ،لنزداد به علماً إلى علمنا! فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ،حتّىاحمرّتْ وجنتاه ، ثمّ نودي بـالصلاة جامعة ,فقال الأنصار: أغضب نبيّكم صلّى الله عليه وآله وسلّم ،السلاح السلاح ،فجاؤوا حتّى أحدقوا بمنبر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فقال :يا أيّها الناس ،إنّي أُوتيت جوامع الكلم وخواتيمه ،واختُصر لي اختصاراً ، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقيّة ، فلا تتهوّكوا ،ولا يقربّنكم المتهوّكون .
قال عمر : فقمت ،وقلت :رضيت بالله ربّاً ،وبالإسلام ديناً ،وبك رسولاً. ثمّ نزل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).
4 ـ وروى ابن أبي شيبة، بسنده عن جابر: أنّ عمر بن الخطاب أتى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب ،
الهامش:
(1) تقييد العلم (ص1ـ 52) وانظر ما يوافقه في جامع بيان العلم (2/42) ونقل عن ذمّ الكلام للهروي وهو في منتخب مسند احمد بهامش كنز العمال (1/ 106-107) نقلاً عن (ع) وابن المنذر, وابن أبي حاتم (عق ) ونصر المقدسي (ص) في الحجة , وله طريق ثانٍ في المراسيل وفي صدره حديث خالد بن عرفطة الذي مرّ (ص 341).
===================ص345
فقال :يا رسول الله ،إنّي أصبت كتاباً حسناً من بعض أهل الكتاب ... إلى آخره (1).
5 ـ وروى أبو داود عن أبي قلابة :أنّ عمر مرّ بقوم من اليهود ، فسمعهم يذكرون دعاءً من التوراة ،فاستحسنه ،ثمّ جاء به النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فجعل يقرؤه ،ووجه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يتغيّر ,فقال رجل :يابن الخطّاب ،ألا ترى ما في وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟
فوضع عمر الكتاب ,فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :إنّ الله عزّ و جلّ بعثني خاتماً ،وأُعطيت جوامع الكلم وخواتيمه ، واختصر لي الحديث اختصاراً ،فلا يلهينّكم المتهوّكون ؟
فقلت لأبي قلابة : ما المتهوّكون ؟ قال: المتحيّرون (2).
6-وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرّ برجل يقرأ كتاباً فاستمعه ساعة فاستحسنه ?فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب . قال : نعم ? فاشترى أديماً فهيأه ثمّ جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه ?ثمّ أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يقرؤه عليه ,وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يتلوّن ?فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب , وقال : ثكلتك أمّك ,يابن الخطاب ! أما ترى وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منذ اليوم ? وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب ?!
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عند ذلك : إنما بعثت فاتحاً وخاتماً وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصر لي الحديث اختصاراً ، فلا يهلكنّكم المتهوّكون ,انتهى (*).
الهامش
(1)الكتاب المصنّف (9/47) رقم (6472) وقال المعلّق:أخرجه الهيتمي في مجمع الزوائد (8/262) وانظر (1/173و174) ورواه ابن عبد البر بسنده عن ابن أبي شيبة في جامع بيان العلم (2/224).
(2)المراسيل لأبي داود السجستاني (ص3-224) رقم (1) وخرّجه المعلّق عن المزّي في تحفة الأشراف (13/254) رقم (18908).
(*)الدر المنثور للسيوطي (5/ 148).
=================ص346
7 ـ ذكر عبد الغني عبد الخالق رواية عن الدارمي ، عن جابر بن عبد الله :أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حين أتاه عمر(رض) فقال: إنّا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا , أ فترى أنْ نكتب بعضها ؟
فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم :أ متهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى ؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة ،ولو كان موسى حيّاّ ما وسعه إلاّ اتّباعي (1).
8- وروى الدارمي من حديث جابر : أن عمر أتى بنسخة من التوراة , فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يتغيّر , فقال أبو بكر : ثكلتك الثواكل (2).
وقال عبد الغني عبد الخالق : قال في جواهر الألفاظ (ص331) التهوّك: السقوط في هوّة الردى(3).
وقال الجوهري: في الحديث ـ عن طريق آخر ـ أنّ عمر أتاه بصحيفة أخذها من بعض أهل الكتاب ،فغضب صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال :أمتهوّكون فيها ،يابن الخطّاب؟(4).
وقال أبو عبيدة ـ في معنى متهوّكون ـ : معناه: أمتحيّرون في الإسلام حتّى تأخذوه من اليهود؟
وقال ابن سيدة: يعني: أمتحيّرون.
وقيل معناه: أمتردّدون ساقطون (5).
دلالة هذه الأحاديث ؟
حاول البعض أن يستدلّ بهذه الأحاديث على المنع من تدوين الحديث الشريف , لما فيها من غضب الرسول من الكتابات التي جاء بها عمر , وجعل المبرّر لعمر في منعه كتابة الحديث النبويّ أنه فهم من موقف الرسول هذا حرمة الكتابة لغير القرآن ؟
لكن هذه المحاولة فاشلة : فإنّ الوارد في هذه الروايات لا يرتبط بمسألة تدوين الحديث النبويّ إطلاقاً , فمحتواها هو إقدام عمر باستنساخ كتب اليهود ,واستصحابه معه إلى محضر الرسول ,مصرّحاً بأمور خطيرة كاستحسانه لما كتب , وإعجابه بها , ودعوته إلى ما فيها معتقداً أنّ فيها علماً مساوياً لما جاء به النبي , ثمّ جرأته على قراءتها على مسامع النبي الطاهرة , كلّ ذلك مما يشير إلى أنه لم يعتقد ببطلانها , وهذا يساوي التحيّر في صدق النبي وحقانيّة الرسالة وخاتميّتها ,و التحيّر في انتخاب الدين الحقّ بين الإسلام واليهودية ؟! ذلك الذي أغضب النبيّ وجعله يجذّر عن التهوّك وهو التحيّر ,ويؤكّد على حقانيّة رسالته وخاتميّتها ,وقد أدرك عمر عمق الخطر في ما منه صدر , قاعلن إيمانه بالله وبالإسلام ديناً وبالنبي رسولاً, لما كان عمله مناقضاً لدعوى الإيمان بهذه الأمور .
وأما الرسول فلم يذكر عن الكتابة شيئاً في هذه الروايات , وبالرغم من قول عمر : أفنكتبها ؟ لم يردّ عليه النبي حول الكتابة , بل ركز في الهجوم على التهوّك والمتهوّكين .
فإن دلتّ على شيء فلابدّ أن يستدلّ بها على حرمة كتابة كتب أهل الكتاب , من التوراة والإنجيل وما أشبه , ممّا هو باطلٌ أو منسوخٌ , مما يكون الالتزام به تهوّكاً وتحيّراً في الدين (6).
ومهما يكن ,فامنع إنما عن كتابة هذه الكتب التي تقابل القرآن , فهي التي يؤدي التزامها ترك القرآن .
والحاصل أنّ ترك القرآن ـ والمراد به عدم الاعتقاد به إنّما يترتّب على الالتزام بكتب الأديان الأُخرى، التي جاء القرآن نافياً لها وكافياً عنها، ليس على كتابة شيء آخر ممّا لا يُعارض القرآن ولا ينافيه.
وأمّا الحديث الشريف فلا يمكن أن يتصوّر فيه أنّه معارض للقرآن.
الهامش:
(1)حجيّة السنّة (ص317).
(2)سنن الدارمي (1/ 115-116 )؟
(3) حجيّة السنّة (ص317).
(4)الصحاح للجوهري (هوك) ولسان العرب (12/400).
(5) لسان العرب (12/400).
(6) كما استدل بها الفقهاء على حرمة نسخ التوراة والإنجيل , لما في غضب النبي من الدلالة على الأشدّ من مجرّد النهي اللفظيّ , فلاحظ : فتاوى السبكي (2/339) ومنتهى الإرادات (1/336)وحاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب(2/174) وتنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين لابن النحاس (330)0
لكنّ ابن حجر في فتح البارى(13/525) قال : الذي يظهر أنّ كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم ؟
أقول : فكيف يستدل بها على حرمة كتابة الحديث ؟؟
===================ص347
وقد صرّح القرآن نفسه بأنّ النبيّ (ما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحى علّمه شديد القوى …) [سورة النجم 53 الآية: 3 ـ 5] وعن حسّان بن عطيّة، قال: كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالسُنّة كما ينزل عليه بالقرآن ، ويعلّمه كما يعلّمه القرآن (1).
ونقل عن أحمد بن حنبل قوله :السنّة تفسّر الكتاب وتبيّنه ، والسنّة عندنا آثار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ،والسنّة تفسير القرآن ، وهي دلائل القرآن (2).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: الرجل إلى الحديث أحوج منه إلى الأكل والشرب ،لأنّ الحديث يفسّر القرآن (3).
وقال ابن حزم :لمّا بيّنا أنّ القرآن هو الأصل المرجوع إليه في الشرائع ،نظرنا فيه فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ،ووجدناه عزّ وجلّ يقول فيه واصفاً لرسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم :(وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحي يوحى) [سورة النجم 53 الآية:3 ـ 4] فصحّ لنا بذلك أنّ الوحي ينقسم من الله عزّ وجلّ إلى رسوله على قسمين:
أحدهما وحيٌ، متلوّ، مؤلّف تأليفاً معجزَ النظام، وهو القرآن.
والثاني: وحيٌ، مرويٌّ، منقولٌ، غير مؤلّفٍ، ولا معجز النظام،
الهامش:
(1) المراسيل لأبي داود السجستاني(ص249) ح (2).
(2)حجيّة السنّة (ص332).
(3) المصدر السابق.
==========================?348
ولا متلوّ , لكنّه مقروءٌ , هو الخبر الوارد من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهو المبيّن عن الله عزّ وجلّ مراد ? (1).
وقال الشيخ أبو زهو : السنّة ... هي أحد قسمي الوحي الإلهيّ الذي نزل به جبريل الأمين على النبيّ الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم , والقسم الثاني هو القرآن الكريم(2).
وقال : وقد وكّل الله إلى نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يبلّغ القرآن الكريم للناس وأن يبيّن لهم بقوله وفعله ما يحتاج إلى البيان , وهو صلّى الله عليه وآله وسلّم إذ يبيّن للناس كتاب الله لا يصدر عن نفسه ,ولكنّه يتبع ما يوحى إليه من ربّه , فالسنّة النبويّة وظيفتها تفسير القرآن الكريم والكشف عن أسراره , وتوضيح مراد الله تعالى من أوامره وأحكامه (3).
وقال الشيخ عبد الغني عبد الخالق : السنة مع الكتاب في مرتبةٍ واحدةٍ من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على الأحكام الشرعيّة , ولا نزاع أن الكتاب يمتاز عن السنة بأنّ لفظه منزلٌ من عند الله , متعبّد بتلاوته , معجزٌ ... بخلافها , ولكن ذلك لا يوجب التفصيل بينهما من حيث الحجيّة (4).
الهامش:
(1)الأحكام في أصول الأحكام (1/93) .
(2 )الحديث والمحدّثون ( ? 11 ) .
(3) المصدر السابق (? 7 - 38 ) .
(4) حجية السنة ( ? 485 ) .
========================?349
وقال محمد عجّاج : كلّ ما جاء من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم _ سوى القرآن الكريم _ من بيان الأحكام وتفصيل لما في الكتاب الكريم وتطبيق له هو الحديث النبويّ أو السنّة... وهي بوحيٍ من الله ...(1).
فكيف يؤدّي الاشتغال بالحديث إلى إهمال القرآن وتركه (2).
فهذا من أبده الكلام الباطل , لوضوح أنّ حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وما نطق به ليس إلاّ حقّاً , كما صرّح هو به في روايات إذنه لعبد الله بن عمرو في كتابة الحديث (3).
وليس الحديث الشريف إلاّ مفسّراً للقرآن , وشارحاً لمراده (4).
بل السنّة الشريفة امتدادٌ للقرآن , وتطبيقٌ عمليٌّ لمؤدّاه , وليس اتّباع السنّة إلا اتّباعاً للقرآن , حيث أمر الله تعالى بذلك في آياته الكريمة بالأخذ بما أمر به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , فقال : ( ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) الآية (7) من سورة الحشر (59).
الهامش:
(1) أصول الحديث للخطيب (? 34).
(2) عبّر بهذا في منهج النقد (? 43 ).
(3) انظر ما مضى , القسم الأول , الفصل الثاني ( 89 ) .
(4) لاحظ مقدّمة الحافظ محمّد التجاني لكتاب الكفاية للخطيب (?15)? مصر .
======================?350
ولا تختلف السنّة عن القرآن في الحجيّة , وقد أجمع على ذلك علماء الإسلام , وعقد أهل الحديث في كتبهم أبواباً تدل تراجمها على ذلك .
فقد ترجم الخطيب البغداديّ أوّل أبواب كتابه الكفاية ,بعنوان باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى , وحكم سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,في وجوب العمل , ولزوم التكليف (1).
وترجم الباب الثاني منه , بعنوان باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن , وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان (2).
وأورد في كتابه الفقيه والمتفقه أحاديث دالّة على أنّ السنّة معتبرة في عرض الكتاب (3).
وعقد الدارمي باباً ترجمه بباب أنّ السنّة قاضيةٌ على كتاب الله ,نقل فيه عن ابن أبي كثير شيخ الأوزاعي قوله :السنّة قاضية على القرآن ,وليس القرآن بقاضٍ على السنّة (4).
وهذا سعيد بن جبير حدّث حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فقال رجلٌ من أهل مكّة :إنّ الله يقول في كتابه :كذا وكذا ,فغضب سعيدٌ غضباً شديداً,وقال :لا أراك تعارض كتاب الله بحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ورسول الله أعلم بكتاب الله منك!!(5).
ونقل عن مكحول قوله :القرآن أحوج إلى السنّة ,من السنّة إلى القرآن(6).
وقال ابن برجان (? 627هـ):ما قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من شيء , فهو في القرآن , وفيه أصله , قرب أو بعد ,فهمه من فهمه ,وعمه عنه من عمه(7).
الهامش:
(1) الكفاية للخطيب (? 39 ) .
(2) الكفاية للخطيب (? 45) .
(3) الفقيه والمتفقه للخطيب (1/86- 90 ) .
(4 )سنن الدارمي (1/117) ? 49 ? 594 .
(5) الجامع لأخلاق الراوي(1/302).
(6)الكفاية للخطيب (? 47 ) .
(7)الإرشاد في تفسير القرآن لعبد السلام بن عبد الرحمن الأشبيلي مخطوط .
============================?351
وقال الزركشي :اعلم أنّ القرآن والحديث أبداً متعاضدان على استيفاء الحقّ وإخراجه من مدارج الحكمة ,حتى أنّ كلّ واحدٍ منهما يخصّص عموم الآخر , ويبيّن إجماله (1).
وقد جاء من قال لعمران بن الحصين :ما هذه الأحاديث التي تحدّثوناها وتركتم القرآن ? لا تحدّثونا إلاّ بالقرآن !
فقال عمران في جوابه :أرأيتَ لو وكلت _ أنت وأصحابك _ إلى القرآن , أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعاً ,وصلاة العصر أربعاً ,والمغرب ثلاثاً ,تقرأ في اثنتين؟ أرأيت لو وكلت _ أنت وأصحابك _ إلى القرآن ,? كنت تجد الطواف بالبيت سبعاً ,والطواف بالصفا والمروة ?
وبطريق آخر أضاف : والموقف بعرفة ؟ورمى الجمار كذا ? واليد من أين تقطع؟ أمن هاهنا ؟أم هاهنا ؟أم هاهنا ? ووضع يده على يده على مفصل الكفّ , ووضع يده عند المرفق ,? وضع يده عند المنكب ؟؟؟ ثمّ قال :اتبعوا حديثنا ما حدّثناكم ,وخذوا عنّا ,وإلاّ _ والله _ ضللتم (2).
وعن أيّوب السختياني , قال :إذا حدّثت الرجل بالسنّة , فقال :دعنا من هذا , وحدّثنا من القرآن « فاعلم أنّه ضالٌّ مضلٌّ (3).
وقد صنّف أحمد بن حنبل كتاباً في طاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم
ردّ فيه على من احتجّ بالقرآن في معارضة سنن الرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(4)
الهامش :
(1) البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/128) .
(2) الكفاية للخطيب ( ? 48 ) وانظر المستدرك على الصحيحين للحاكم(1/109) وجامع بيان العلم (2/191) ودلائل البيهقي, المدخل (1/25).
(3) الكفاية للخطيب ( ? 49 ) .
(4) إعلام الموقعين عن ربّ العالمين لابن القيم (2/ 290-291).
===========================?352
أحاديث الأريكة :
أقول :والأصل في الحكم بضلال من فرّق بين القرآن والسنّة ,أو فصل في الاحتجاج بين كتاب الله وبين حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,أو دعا إلى الاكتفاء بالقرآن ,وترك الحديث والسنّة , هو: ما ورد من أحاديث مرفوعة متضافرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم , تنبّأَ هو صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها بوقوع مثل ذلك في أمّته , وحذّرهم من أصحاب تلك الدعوة الخبيثة ,في أحاديث , منها :
1_ روى ابن ماجه في باب تعظيم حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , والتغليظ على من عارضه , من صحيحه ,بسنده عن المقدام بن معدي كرب الكندي : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , قال : يوشك الرجل متّكئاً في أريكته , يُحدَّث بحديثٍ من حديثي فيقول :بيينا وبينكم كتاب الله عزّ وجلّ , فما وجدنا فيه من حلال استحللناه , وما وجدنا فيه من حرامٍ حرّمناه !,
ألا, وإنّ ما حرّم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مثل ما حرّم الله (1).
الهامش:
(1)مسند أحمد(1/131)وأبو داود في سننه كتاب السنة ,باب (5) لزوم السنة (4/200) ? 4604 وسنن ابن ماجه(1/6)باب(3 )رقم الحديث(12) وسنن الدارمي(1/117) ? 592 ,وسنن البيهقي (9/331)ودلائل النبوة له(1/25)? (6/549)والمستدرك على الصحيحين للحاكم(1/8 ?109 ) وأورده الخطيب في الكفاية (? 39 - 40 ) والفقيه والمتفقه(1/88)والحازمي في الاعتبار(?7) وابن حبّان في صحيحه(1/147)والترمذي في سننه,كتاب العلم(2/110-111) وفي طبعة عوض(2/38رقم2664 )وقال: هو حديث غريب من هذه الوجه ,وانظر الحديث والمحدّثون لأبي زهو (?11?24) .
==================?353
أقول : رواية المقدام وردتْ بطرق :
1_ عن الحسن بن جابر ,عنه , وهي التي أثبتنا لفظها , وقد أوردها ابن ماجه , والدارمي ,والترمذي ,والحاكم في المستدرك وصحّحه ولم يتعقّبه الذهبي.
2- عن ابن أبي عوف ,عنه ,برواية مروان ,أوردها ابن حبان في صحيحه , والبيهقي في مناقب الشافعي .
3_ عن ابن أبي عوف ,عنه ,برواية جرير ,أوردها أحمد في المسند ,وأبو داود في السنن , والحازمي في الاعتبار ? لفظه :أريكته _ أي سريره _ .
وقال الشيخ محمد أبو شهبة :الحديث ثابت من جهة النقل والرواية ,ومعناه ثابت من جهة العقل والدراية ,والكتاب الكريم يؤيده (1).
4_ وفي بعض النصوص : ألا إنّي أوتيت الكتاب ,ومثله معه ,ألا ,إنّي قد أوتيت القرآن ومثله ,ألا, يوشك رجلٌ شبعان على أريكته يقول :عليكم بهذا القرآن...(2).
الهامش:
(1) دفاع عن السنة (?216) .
(2) الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي(1/37)والكفاية للخطيب (? 39) ورواه في الفقيه والمتفقه(1/88).
===================?354
3- وروى ابن ماجه ,بسنده عن عُبيد الله بن أبي رافع ,عن أبيه :أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,قال : لا ألفينّ أحدكم متّكئاً على أريكته , يأتيه الأمر مما أمرت به ,أو نهيت عنه , فيقول :لا أدري , ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه(1) وقال الحاكم : هو صحيح على شرط الشيخين , وأقرّه الذهبي على ذلك .
وقال المحدّث الشيخ محمّد الحافظ التجّاني : سند هذا الحديث ورجاله رجال الصحيحين(2).
4- وروي عن أبي هريرة ,عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,أنّه قال :لا أعرفنَّ ما يحدّث أحدكم عنّي الحديث , وهو متّكىءٌ على أريكته , فيقول :اقرأْ قرآناً !
ما قيل من قولٍ حسنٍ فأنا قلتُهُ (3).
5- وروى الخطيب بسنده ,عن جابر بن عبد الله ,يقول :قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :لعلّ أحدكم أنْ يأتيه حديثٌ من حديثي ,وهو متّكىءٌ على أريكته ,فيقول :دعونا من هذا ,ما وجدنا في كتاب الله اتّبعنا (4).
الهامش :
(1) سنن ابن ماجه(1/6-7)?(13)والمستدرك للحاكم(1/108)والكفاية للخطيب (?1-42) والفقيه والمتفقه(1/88) وانظر جامع بيان العلم (2/189-190).
(2) سنة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , مجمع البحوث الإسلامية ,الكتاب السابع (?21-22) .
(3) سنن ابن ماجه(1/9-10)? 21 .
(4) الكفاية للخطيب (? 42) .
=====================?255
ورواه ابن عدي بسنده عن جابر ,عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم :ألا هل عسى أحدكم يحدَّث عنّي بحديثٍ وهو على أريكته فيقول : دعونا من هذا , وهاتوا القرآن (1).
وبرواية محمد بن المنكدر ,عنه يوشك بأحدكم يقول :هذا كتاب الله ما كان فيه من حلال أحللناه , وما كان فيه من حرام حرّمناه!
ألا,من بلغه عنّي حديثٌ فكذّب به ,فقد كذّب الله ورسوله والذي حدّث به(2).
6- ورواه البيهقي ,عن سالم أبي النضر أنّه سمع عُبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه , قال :قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :لا ألفينّ أحدكم متّكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري ,ممّا أمرت به أو نهيت عنه ,يقول :لا أدري ,ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه (3).
وروى ابن حزم بسنده عن العرباض بن سارية :أنّه حضر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يخطب الناس ,وهو يقول :أيحسب أحدُكم متّكئاً على أريكته , قد يظنّ أنّ الله تعالى لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في القرآن ,ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن (4).
قال الشاطبي :وهذا وعيدٌ شديدٌ ,تضمّنه النهي , لاحقٌ بمن ردّ السنّة(5).
الهامش:
(1) الكامل لابن عدي(5/1756) .
(2) جامع بيان العلم (2/189).
2 دلائل النبوة للبيهقي (1/24)?(6/549) والسنن الكبرى (7/76)وأورده الشافعي في الرسالة (403 - 404 ) والحميدي في مسنده (1/109)والطبراني في المعجم الكبير(1/295) ?( 936?937)وأحمد في المسند(6/8)وأبو داود في السنن كتاب السنن ,باب لزوم السنة(4/200)?4605ولاحظ :الإحسان في صحيح ابن حبان(1/107)?12 عن المقدام ,وابن ماجه في صحيحه ,المقدّمة (1/6)?13باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ,والترمذي في السنن كتاب العلم(5/37رقم2663)وقال:حسن صحيح وبرقم(2664) عن المقدام,كما مرّ والحاكم في المستدرك(1/108-109)والدارقطني في العلل(7/7) .
(4)الأحكام لابن حزم (1/159).
(5)الاعتصام للشاطبي(1/ 231-232).
====================?356
وقال ابن حزم : صدق النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , هي مثل القرآن , ولا فرق في وجوب طاعة كلّ ذلك علينا .
وقد صد ? الله تعالى هذا إذْ يقول : (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله )[ سورة النساء (4) الآية (80)].
وهي _أيضاً _ مثل القرآن في أنّ كلّ ذلك وحيٌ من عند الله تعالى ,قال الله عزّ وجلّ : ( وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيٌ يُوحي )[ سورة النجم (53) الآيتان (3 ?4) ] (1).
والملاحظ في كلّ هذه النصوص أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يذكر فيها أنّ الرجل المعارض إنّما هو صاحب ( أريكة ) يتّكىءُ عليها .
فإذا كانت الأريكة - كما يقول أهل اللغة - : سريراً منجّداً في قبّةٍ أو بيتٍ (2) أو - كما عن أبي العباس ثعلب – الأريكة لا تكون إلاّ سريراً متّخذاً في قبّة عليه شواره ونجده (3) زحتى لو كان مطلق السرير ,كما فسّره به الشافعي (4) والحازمي (5) .
فإنّ أولى من تهيّأ له إنّما هو الحاكم والخليفة ,الذي يحكم الناس ويتحكّم بأمورهم .
وإذا لاحظنا الفعل ( يوشك ) الوارد في كلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم _ وهو لفظ يستعمل للدلالة على قرب تحقّق العمل , لأنّه من أفعال المقاربة _ .
وإذا وجدنا أنّه ليس في من منع الحديث وعارضه ,أقرب عهداً إلى زمان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , من الخليفة الأوّل الذي قعد على أريكة الحكم , بعد النبي مباشرة , وتصدّى للحديث , بعين ما تنبّأ به النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .
الهامش:
(1) الإحكام لابن حزم(1/159) .
(2)النهاية لابن الأثير ( أرك) ? لسان العرب(12/269) .
(3) الزاهر للأنباري(1/454)رقم (397).
(4) الرسالة للشافعي (? 89 - 91) ومناقب الشافعي للبيهقي (1/330) .
(5)الاعتبار (? 7).
===================?257
في ما رواه الذهبي :أنّ الصد يق [ أبا بكر ] جمع الناس ,بعد وفاة نبيّهم , فقال :? نّكم تحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحاديث تختلفون فيها , والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ,فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً , فمن سألكم فقولوا :بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله , وحرّموا حرامه (1) .
إذا علمنا كلّ ذلك : علمنا أنّ أبا بكر لم يبعد نفسه _ بإقدامه على هذا الكلام _ أنْ يكون هو ذلك الرجل الذي تنبّأ الرسولُ صلّى الله عليه وآله وسلّم بمجيئه , متكئاً على أريكته , مجابهاً الحديث بقوله : ( بيننا وبينكم كتاب الله ...) (2).
فكان هذا من أعظم دلائل النبوّة وأوضح أعلامها (3).
والحقيقة – المرّة !- أنّ التاريخ لم يحفظْ لنا معارضةً للحديث , من حاكمٍ مقتدرٍ أشدّ وأقرب عصراً إلى وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من أبي بكر وصاحبه عمر ,فيدلّ على أنّهما المقصود الأوّل من هذه الأحاديث .
وأما من جاء بعدهما فإنّما استنَّ بسنّتهما , ولم يمنع الحديث بأشدَّ من منعهما , وسيأتي تفصيل ذلك (4).
الهامش:
(1) تذكرة الحفاظ(1/2-3)ترجمة أبي بكر .
(2) قارن السنة قبل التدوين (? 78 ) .
(3)انظر دلائل النبوة للبيهقي (1/24) ?(6/549) .
(4) لاحظ الصفحة(478).
===================?358
فمن الغريب ما نقل عن الخطابي في تفسير الحديث من قوله :أراد بقوله : ( متكىء على أريكته ) أي أصحاب الترفّه والدعة , الذين لزموا البيوت , ولم يطلبوا العلم من مظانّه (1).
فمن الواضح لمن تأمّل الحديث الشريف بألفاظه المختلفة أنّ كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ليس ناظراً إلى أنّ المتكىء على الأريكة من أين يطلب العلم ؟بل كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم ناظرٌ إلى من يحكم الناس فيسمعون أمره ونهيه , وهو نافذ الكلمة فيهم , فيمنع الناس من العلم الذي هو حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ويدّعي إرجاعهم إلى علم القرآن فقط.
فهل أهل الترفّه والدعة الذين لزموا البيوت لهم مثل هذا الشأن حتّى يحذّر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عنهم , وبتلك الشدّة ?
ومتى كان أصحاب الترفّه والدعة مراجع للأحكام , حتّى يسألوا عن الحلال والحرام ?
ثمّ متى وأين تحقّق مصداق خبر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بُعَيْدَ وفاته , في من تصدّى للسنة , وبنفس المقولة التي حذّر منها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , ومن المتّكئين على الأرائك ? إلاّ ما نقل عن أبي بكرٍ ?!!
وهل أهل الترف يرجعون إلى القرآن, ويفرّقون بينه وبين الحديث؟
مع أنّ الحديث بنصوصه المختلفة ينصّ على أنّ المتّكىء على أريكته, الذي يمنع من الحديث ويقول : ( بيننا وبينكم كتاب الله ) إنما هو ( رجل ) مفرد , لا عدّة ? والحاكم لا يكون في كلّ زمانٍ إلاّ واحداً!
إن الإعراض عن كلّ هذه الحقائق , ومحاولة تفسير الحديث بما لا يلائم الواقع , ولا مفردات الألفاظ الواردة فيه , لا يصدر إلاّ عن هوىً (2).
الهامش:
(1) تفسير القرطبي(1/38)لاحظ دراسات حول القرآن والسنة للدكتور شعبان (? 117) ودفاع عن السنة لمحمد محمد أبي شهبة (?15) .
(2) ولعلّ ما يقوم به هذا الخطّابي من تفريطٍ بالحقّ في تفاسيره الباطلة للأحاديث النبوية في كتابه غريب الحديث , وما فيه من حنبلية ? قول بغير الحقّ .هو الذي سبّب إهمال العلماء له , إلاّ أنّ السلفية المعاصرة التي تهويها أمثال هذه التحريفات أقدمت على طبعه ونشره , في الآونة الأخيرة.
ومن أسخف ما قرأته في محاولات السلفيين الأوغاد هو ما جاء في كتاب (القرآنيون ? 27) وهو يتحدّث عن عبد الله جكرالوي السني الحنفي من زعماء أهل القرآن ,ما نصه : تفرّس فيه أستاذه – لعرجه – وخشي أن يكون مصداقاً لحديث الأريكة ?!
فيلاحظ كيف يغفلون دلالات الحديث المباشرة , والتي هي منطوق كلمة (يوشك )من أفعال المقاربة , ويستفيدون منه المعاني التي لا تمتّ إليها بصلة , فهنا جاء بالعرج , مع أن الحديث بجميع ألفاظه خالٍ عما يدلّ عليه!!
===================?259
نعوذ با لله من ذلك .
والأغرب أنّ الذهبي يحاول صرف حديث الأريكة عمّا فعله أبو بكر من منع الحديث , فيقول :إنه _ أي أبا بكر _ لم يقل : حسبنا كتاب الله , كما تقوله الخوارج (1).
لكن : إنّ الكلمة التي حذّر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عنها وعن قائلها هي : ( بيننا وبينكم كتاب الله ...) ? هي التي قد قالها أبو بكر بعينها .
وأمّا كلمة ( حسبنا كتاب الله ) وإن لم يقلها أبو بكر , فقد قالها عمر , الذي كان أشدّ في منع الحديث وتدوينه ,بدعوى أنه لا يريد أن يلبس القرآن بشيء (2).
وعمّم ذلك على الناس في كتاب رسميّ , فكتب إلى الأمصار :من كان عنده منها شيء , فليمحه (3).
فعمر , هو أوّل من أفصح عن مقالة ( حسبنا كتاب الله ) وقد قالها كلمة جريئة في محضر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وفي أشدّ اللحظات حساسيّة في حياة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,في مرض موته صلّى الله عليه وآله وسلّم , لمّا قال صلّى الله عليه وآله وسلّم:ائتوني بدواة وقرطاس ,أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي .
الهامش:
(1)تذكرة الحفاظ للذهبي(1/3)ولاحظ دراسات حول القرآن والسنة لشعبان (? 117) فقد نقل عن الخطابي مثل هذا الكلام .
(2) تقييد العلم (? 49 ) .
(3) تقييد العلم (? 53) وجامع بيان العلم(1/78) وكنز العمال(10/292)? (29476).
=====================?260
فقال عمر : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم غلبه الوجع ,وعندنا كتاب الله حسبنا _ وفي لفظ البيهقي : حسبنا كتاب الله _ .
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : قوموا عنّي (1).
وقد حُفظت عن عمر _ لا عن غيره _ جملة ? حسبنا كتاب الله , ورواها عنه أصحاب الحديث , في المصنفات (2) والمسانيد (3) والصحاح(4) والسنن(5) والتواريخ(6) .
كما نقل عنه قوله : لا كتاب مع كتاب الله ,ينهى عن السنّة (7).
أمّا الخوارج , فلم تعهد منهم هذه الكلمة أن اتّخذوها شعاراً ,أو كرّروها , وإنّما شعارهم : لا حكم إلاّ لله , ولذلك يسمون المحكّمة (8).
الهامش:
(1) أثبتنا مصادره في القسم الأول , الفصل الثاني (? 79-80 ) ولاحظ المصادر في التعليقات التالية .
(2) المصنف لعبد الرزاق (5/438) .
(3) مسند أحمد (1/ ?22 ?29 ?32 ?336 ) ?(3/346) ?(6/ 106?116?476 ).
(4) صحيح البخاري في مواضع متعدّدة,انظر فهارس البخاري لرضوان (?12 ? 54).
(5) دلائل النبوة للبيهقي(7/183 –184) باب ما جاء في همّه أنْ يكتب لأصحابه كتاباً ,وقال :رواه البخاري ورواه مسلم .
(6) الملل والنحل للشهرستاني (1/21) .
(7) جامع بيان العلم(1/77) وكنز العمال (10/292) ? 29475 .
(8) لاحظ مفاتيح العلوم للخوارزمي ( ?18) .
===============?261
نعم نقل عن عائشة بنت أبي بكر - عندما ردّتْ بعض أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم - قولها :حسبكم القرآن (1).
وهل تخفى كلّ هذه الأمور على الذهبي _ وهو مؤرّخ الإسلام ! ? (2).
أمْ يدخل هذا في ما دعى إلى إخفائه من الأحاديث الصحيحة التي لايمكنه دفعها بأدوات الجرح والتعديل المصطنعة ,مهما أمكن؟(3)
ثمّ يظهر من تحويل الذهبي كلمة ( بيننا وبينكم كتاب الله ) من أبي بكر _ قائلها _ إلى كلمة ( حسبنا كتاب الله ) وتحويل هذه الكلمة من عمر _ قائلها _ إلى الخوارج :أنه يذعن ببطلان الكلمتين وقبحهما وعداء قائلهما للسنّة , ولهذا يخشى أنْ يعلن عن أنّ أبا بكر هو قائل الكلمة الأولى ,وأنّ عمر هو قائل الكلمة الثانية ! ? كذلك لم يعلن عن فسادهما ? بطلانهما , مع وضوح ذلك !
خوفاً من ? يمسّ كرامة الشيخين ? فهما وما قالاه أعزّ عنده من كلام الرسول وسنّته المهدّدة بمثل ذلك الكلام؟!
الدعوة إلى نبذ السنّة على أساس الاكتفاء بالقرآن , في نظر المعاصرين :
ولئن صمت الذهبي عن هذه الدعوة , أو تغافل عنها وعن قائلها , فإنّ علماء قدامى ومعاصرين , تنبّهوا إلى ما تحويه من خطرٍ على الإسلام والمسلمين ,
فأعربوا بوضوح عن خبثها وكفر دعاتها :
فقد قال ابن حزم : لو أنّ امرءً قال :لا نأخذ إلاّ ما وجدنا في القرآن , لكان كافراً بإجماع الأم ? , وقائل هذا كافرٌ , مشركٌ , حلالُ الدم والمال!(3).
ويقول الشيخ سليمان الندوي _ أحد علماء الهند المعاصرين _: إنّ الذين أرادوا ,أو يريدون ,أن يفرّقوا بين القرآن والسنّة , فيقبلوا القرآن ويردّوا السنّة , قد ابتعدوا عن الصراط المستقيم , أو يبتعدون .
الهامش:
(1) صحيح البخاري كتاب الجنائز (2/77) وانظر منهج النقد(? 54 ) .
(2) وسيأتي مزيد كلام مع الذهبي حول منع أبي بكر للرواية والحديث فانظر (?425 ).
(3) الإحكام في أصول الأحكام (1/208) وانظر حجية السنة (? 255 ) .
============================?363
فإنهم يحاولون أنْ يفهموا من القرآن حسب ما يدركونه بعقولهم ويجعلوا استنباطهم من القرآن كلّ ما للإسلام من تعاليم صحيحة ويكتفوا بذلك دون غيره ,هيهات !فانّهم مبتدعون ,ضالون (1).
وقال الشيخ المحدّث الدكتور محمّد أبو شهبة _ أستاذ الأزهر _ : قد ظهرت فئة في القديم والحديث ,تدعو إلى هذه الدعوة الخبيثة [ وهي الاكتفاء بالقرآن ] وغرضهم هدم نصف الدين , أو إنْ شئت قلت :تقويض الدين كلّه ,لأنه إذا أهملت الأحاديث ,فسيؤدّي ذلك ولا ريب إلى استعجام معظم القرآن على الأمّة , وعدم معرفة المراد منه ,وإذا أهملت الأحاديث واستعجم القرآن , فقل :
على الإسلام العفاء (2).
وقال الأستاذ علي حسب الله :قد ابتلي المسلمون في كلّ العصور بمن يحاول صرفهم عن الإسلام ,تارة بالطعن في كتابه , وأخرى بمحاولة انتقاصه من أطرافه ,بالطعن في السنّة التي تفصّل ما أجمل منه ,وتوضّح ما خفي ,وكأنّهم حين وقفوا من القرآن أمام جبل شامخ لا يلين ,رجعوا _ بعد العناء _ بخُفّيْ حُنين ,ظنّوا أنّهم قادرون على النيل منه بتوهين السنّة التي هي عماد بيانه , فسلكوا لذلك طرقاً , وتكلّفوا شططاً : فمنهم من طعن في متن الحديث ,فأنكر منه ما لم يوافق هواه ,
الهامش:
(1)نقلنا مضمون كلامه من مقدمته لكتاب تدوين حديث لمناظر أحسن كيلاني (? ? – ?) .
(2) في رحاب السنة ( ?13) ودفاع عن السنة ( ? 15 - 16) .
====================364
ومنهم من ادّعى انقطاع الصلة بين الرسول وما يروى عنه ,وتعذّر تمييز الصحيح من السقيم , لإهمال تدوينه نحو قرنٍ من الزمان .
فدعا إلى إهمال الحديث جملةً ,والاكتفاء بالقرآن الكريم ,ومن المؤسف أنْ يقول بهذا الرأي من يزعم أنه من المسلمين (1).
ومما يدل على أن هذه الدعوة فاسدةٌ هو تذرّع الظالمين بها , فهذا عقبة بن نافع ,الذي ولي لمعاوية , وغزا أفريقية ثمّ ولي ليزيد - يقول في وصيّته إلى ولده : لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله إلاّ عن ثقة ... ولا تكتبوا ما يشغلكم عن القرآن (2).
فالثقة الذي يعتمد عليه مثل هذا الوالي معلوم من هو ?
ونغمة الاشتغال عن القرآن ,مصدرها المانعون عن كتابة السنّة , كما هو واضح بأدنى التفات .
ثمّ جاء في آخر الزمان من يشعل فتيل هذه الفنتة , وينعق بما لايعقل من ضجيجها ,في ما نقله الشيخ زيني دحلان من : أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب - مبتدع الدعوة الوهابيّة _ كان يضمر في نفسه دعوى النبوّة وأنه رفض الاحتجاج بالسنّة وتظاهر باتّباع القرآن (3). على طريقة :حسبنا كتاب الله ,أو : بيننا وبينكم كتاب الله .
الهامش:
(1) السنة قبل التدوين , المقدمة (? :? هـ ) .
(2) مختصر تاريخ دمشق (17/111) .
(3) خلاصة الكلام لدحلان ( ? 229 - 231 ) .
=========================364
وصاحب مجلة ( المنار ) رشيد رضا الذي نشر في العددين (7 ?12) من السنة التاسعة مقالين للدكتور توفيق صدقي يعلن فيهما ذلك الرأي تحت عنوان : الإسلام هو القرآن وحده (1).
أقول : والأنكى من ذلك أنْ يتسمّى أتباع هذه الدعوة بأهل السنّة ,وأن يعنونوا هذه الدعوة الخبيثة بالدعوة الإسلامية ,أو السلفية ,أو العمل الإسلامي , وما أشبه من الأسماء الكريمة , لتنطلي مكيدتهم على الأمّة المحمدية , تحت تلك العناوين , ويكسبوا لأنفسهم حصانةً يحتمون بها .
وهذا ما أدّى بالمسلمين إلى ما نراه من الذلّ والهوان ,بالوقوع تحت نِير المستعمرين , وأذنابهم من الخونة المتحكّمين على دين الأمّة ودنياها باسم الإسلام .
الهامش :
(1) دراسات حول القرآن والسنة للدكتور شعبان (? 171 ) ولاحظ عن معارضي السنّة في عصرنا الحاضر كتاب دراسات في الحديث النبوي للأعظمي (?22-29) .
=======================?365
الفصل الرابع
الاستغناء بالحفظ عن التدوين
ومما ذكر مبرّراً للمنع هو أنّ المسلمين في الصدر الأوّل , لم يكونوا بحاجة إلى تدوين الحديث في الكتب ,لاعتمادهم على الذاكرة وتمتّعهم بقوّة الحفظ فلقد بلغوا القمّة في هذه القابليّة , بما هو خارق للعادة .
وقد نقل هذا عن أبي سعيد الخدري _ وهو من كبار المانعين من التدوين _.
فقال : كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يحدّثنا ,فنحفظ ,فاحفظوا عنّا كما كنّا نحفظ عن نبيّكم (1).
وعن أبي موسى الأشعري , أنه _ لما جيء بما كتبه ابنه أبو بردة _ دعا بماءٍ , وغسله , وقال : احفظوا عنّا كما حفظنا (2).
الهامش:
(1)تقييد العلم(? 36 )وجامع بيان العلم(1/64) .
(2) تقييد العلم ( ? 40 ) .
===================?366
ونقل ذلك عن التابعين :
قال أبو طالب المكّي :كره كتب الحديث الطبقة الأولى من التابعين فكانوا يقولون :احفظوا كما كنّا نحفظ (1).
وقال ابن الصلاح : لعلّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان ,ونهى عن الكتاب عنه من وثق بحفظه , مخافة الاتّكال على الكتاب (2).
وقال ابن الأثير :كان اعتمادهم _ أوّلاً _على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر ,غير ملتفتين إلى ما يكتبونه ,ولا معوّلين على ما يسطرونه محافظةً على هذا العلم ,كحفظهم كتاب الله عزّ وجلّ (*) فلما انتشر الإسلام , واتسعت البلاد , وتفرّقت الصحابة في الأقطار ,وكثرت الفتوح ,ومات معظم الصحابة , وتفرّق أصحابهم وأتباعهم , وقلّ الضبط ,احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة (3) .
وقال السمعاني : كانوا يكرهون الكتاب أيضاً ,لكي لا يعتمد العالم على الكتاب , بل بحفظه ... فلمّا طالت الأسانيد ,وقصرت الهمم ,رخّص في الكتابة (4).
الهامش:
(1) قوت القلوب (1/159) .
(2) مقدّمة ابن الصلاح ( ? 301 ) علوم الحديث له ( ? 182 ) .
(*) انظر إلى هذا التمثيل ,فإن القرآن إنما حفظوه بالكتابة المباشرة وبصورة مكثفة , وقد قيل :إن عدد كتّاب القرآن بلغوا أربعين كاتباً , فهل يمكن أن يقال :إن المسلمين لم يعتمدوا في القرآن على ما يسطرونه ؟؟ وكيف يتمّ التشبيه بين القرآن والحديث , بينما لم يذكروا ولا كاتباً واحداً موظفاً من قبل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لكتابة الحديث ؟؟
(3) جامع الأصول (1/40).
(4) أدب الإملاء والاستملاء ( ? 147 ) .
=====================367
وقال القاضي عياض :روي كراهة ذلك ... مخافة الاتّكال على الكتاب , وترك الحفظ , ومنهم من كان يكتب فإذا حفظ محا , والحال _ اليوم _ داعيةٌ لكتابته , لانتشار الطرق ,وطول الأسانيد ,وقلّة الحفظ ,وكلال الأفهام (1).
وقال ابن حجر :اعلم أنّ آثار النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تابعيهم مدوّنةً في الجوامع ,ولا مرتّبة ,لأمرين :
أحدهما : أنّهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك .
وثانياً : لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم (2).
وقد علّل السيوطي عدم التدوين بذلك , أيضاً (3).
وقال أبو زهو : وشيء آخر جعل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ينهاهم [!] عن كتابة الحديث , هي المحافظة على تلك الملكة التي امتازوا بها في الحفظ , فلو أنّهم كتبوا لاتّكلوا على المكتوب , وأهملوا الحفظ فتضيع ملكاتهم بمرور الزمن (4).
وقال الشيخ عبد الغني : القول الثاني : إنّه نهى عن كتابتها خوف اتّكالهم على الكتابة وإهمالهم الحفظ الذي هو طبيعتهم وسجيّتهم ,وبذلك تضعف فيهم ملكته ... ولذلك كان هذا النهيُ خاصّا بمن كان قويّ الحفظ آمناً من النسيان (5).
الهامش:
(1) الإلماع ( ? 149) .
(2) هدى الساري ( ? 4 ) .
(3) تدريب الراوي (1/40) .
(4) الحديث والمحدّثون (?123) ولاحظ (? 49 - 50 ) .
(5) حجية السنة ( ? 428 ) ودراسات في الحديث النبوي للأعظمي (?74).
===================?368
المناقشات في هذا من وجوه :
الأوّل : إنّ القائلين بهذا التوجيه اختلفوا في تقريره , فبينما نسبه بعضهم إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأنه هو نهى عن الكتابة لأجل هذا التوجيه بالخصوص !
نرى سائرهم يجعل ذلك سبباً لترك المسلمين _ هم أنفسهم _ للتدوين .
وكلامنا مع الأوّلين : أنهم فرضوا نهياً صادراً من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم
,ثمّ صاروا إلى توجيهه بما ذكر , مع أنّا قد عرفنا في الفصل الأوّل من هذا القسم :أنه لم يردحديثٌ مرفوعٌ متّصلٌ صحيحٌ , يعتمد عليه كحجة شرعيّة بنهي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن كتابة الحديث !.
ومع ذلك فلم يرد في ما احتجّوا به ذكر لمسألة الحفظ , بل ,ولا إشارة إلى ذلك , فليس نسبة ذلك التعليل إلى الشرع إلاّ رجماً بالغيب وإلحاداً في كلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم .
فنسبة هذا الوجه إلى الشارع الكريم نسبة ظالمة ,غير صحيحة .
وكلامنا مع الآخرين _ بعد فرض أنّ هذا التوجيه ليس وارداً من الشرع ,وإ نّما توجيه لرغبة المانعين أنفسهم _ :أنه لا ريب في أن المسلمين كانوا يتمتّعون بقدرة فائقةٍ على استظهار النصوص وحفظها في الخواطر , وتلك فضيلةٌ جليلةٌ تميز بها أسلافنا الكرام .
ولا ريب - أيضاً - في أنّ استخدامها في الأمور الشرعيّة , أفضل وأحسن , وخاصّة استظهار القرآن الكريم والسنّة الشريفة ,
=============================?369
ولكن لا يلزم من فضل ذلك وحسنه أنْ تكون الكتابة محرّمةً شرعاً , ومنهيّا عنها !إذ لا ملازمة بين الأمرين , فلذا كان بعضهم يكتب فإذا حفظ محا , كما نقله القاضي عياض .
وعلى فرض أنهم كانوا يكرهون الاتّكال على الكتاب _ ومجرّد الكراهة لا تعني الحرمة الشرعيّة , بل تعني عدم الرغبة فيها _ فسببه ,كما يتوهّم أنّ ذلك يؤدّي إلى ضعف الحافظة لدى الكاتب , ويوهن من عزمه على الضبط في الخواطر , لأن ما يريد حفظه مسجّل في الكتاب .
فضناً منهم بقوّة الحفظ _ هذه الخصلة الحسنة - ألاّ تزول عنهم ,كانوا يكرهون الكتاب ,وذلك لا يعني مطلقاً حرمة الكتابة شرعاً .
فوجود هذه القوّة دليل على عدم لجوئهم إلى الكتابة لرغبتهم عنها _ إنْ صحّ التعبير _ لا على حرمتها شرعاً .
قال الشيخ عبد الغني عبد الخالق : الحفظ والكتابة يتناوبان في المحافظة على الشرع , وفي الغالب يضعف أحدهما إذا قوي الآخر , ومن هنا قد نفهم سبباً من الأسباب التي حملت الصحابة [ وليس الرسول ] على حثّ تلاميذهم على الحفظ , ونهيهم إياهم عن الكتابة ! وذلك لأنهم كانوا يرون أنّ الاعتماد على الكتابة تضعف فيهم ملكة الحفظ , وهي ملكة طبعوا عليها ,والنفس تميل إلى ما طبعت عليه , وتكره ما يخالفه ويضعفه (1).
الهامش:
(1) حجية السنة ( ? 405 ) .
=====================?370
وهذا الكلام ليس فيه وراء الخطابة أمرٌ علميٌّ ولا استدلال بشيء , بل هو بعيد عن الموضوعية, حيث إن البحث إنما هو عن حرمة التدوين ,وأين كلّ هذا الكلام من ذلك , فهو إنما ينفق في سوق الرغبات والطبائع وما تحبُّ أو تكره , وهل هذا يوجب ترك أمرٍ شرعيٍّ مهمٍّ _ كالحديث النبويّ الشريف _ عرضةً
للنسيان وغيره من آفات الذاكرة ,وعدم ضبطه وتوثيقه بالكتابة والتدوين؟! لرغبتهم في المحافظة على شيء مهما كان غالياً؟!
هذا ما في هذا التوجيه ,أوّلاً .
و ير عليه ثانياً : أنّ حفظ النصوص الشرعيّة على ظهر الخاطر ,سواءٌ كان القرآن الكريم أو السنّة الشريفة , ليس ممّا نصّ على وجوبه شرعاً ,فلا يعلّق عليه أمر واجبٌ شرعاً , ومهمٌّ مثل صيانة السنّة والحديث .
فهنا أمران :
1- وجوب صيانة السنّة والحديث , والمحافظة عليهما ,كفايةً .
2- عدم وجوب حفظ ذلك على الخواطر , واستظهاره بظهر الغيب .
أمّا الأوّل : أي وجوب صيانة السنّة والحديث , فلما يلي :
1?_ أنّ السنّة والحديث الشريف يتوقف عليهما مهمّات هذا الدين , فأكثر أحكامه الشرعية يؤخذ منهما , وكثير من أبعادها وشروطها وتفاصيلها يعرف بهما , ولو لا السنّة لما بقي من الدين إلاّ القليل .
ولا ريب أنّ المحافظة على أحكام الدين وتفاصيل الشريعة من أهمّ الواجبات على المسلمين , وإذا توقّف أداؤها على شيءٍ وجب ذلك توصّلاً إلى الواجب ,كما تقرّر في أصول الفقه .
=======================?371
2?_ أنّ الأوامر الشرعيّة بوجوب الالتزام بالسنّة , ووجوب اتّباعها , بل وكفر مخالفها ومعارضها ,كثيرةٌ جدّاً .
وقد ثبتت حجيّة السنّة بالكتاب , وبالسنّة القطعيّة , وبالإجماع على أنّ ما حكم به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فهو حكم الله ,كما فصّل ذلك في بابه من كتب الأصول , وكتب الحديث (1).
وإذا كانت السنّة بهذه المكانة وجب حفظها , توصّلاً إلى العمل بها ,لأن الإخلال بذلك إخلالٌ بها وتقصير في حقّها , وهو مناف لوجوبها .
3?- قد صرّح العلماء بأنّ تصنيف العلوم فرضٌ كفايةً ,ولا ريب أنّ الحديث الشريف وعلومه هو من أفضل العلوم بعد كتاب الله وعلومه ,فكتابته فرضٌ أيضاً.
قال الزركشي في قواعده : إنّ تصنيف العلوم فرض كفاية على من منحه الله فهماً وعلماً , فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس (2).
الهامش:
(1) وقد أفرد لهذا البحث كتاب حجية السنة الدكتور الشيخ عبد الغني عبد الخالق المصري , أستاذ الأزهر , ورئيس قسم أصول الفقه في كلية الشريعة .
(2) قواعد التحديث للقاسمي ( ? 37 )ودراسات في الحديث النبوي للأعظمي (?12 وما بعدها).
======================?372
وأمّا الثاني _ أي عدم وجوب حفظ ذلك على الخواطر _ : فمع تسليم أنّ حفظ الحديث على الخاطر من الفضائل والمكارم , إلاّ أنّ ذلك ليس من الواجبات , وذلك :
1?_ للاتفاق على عدم عدّه من الواجبات على المسلم ,المفروضة عليه عيناً ,لا وجوباً نفسيّاً ,ولا وجوباً تبعيّاً , إلاّ إذا تعلّق به نذرٌ أو عهدٌ أو يميٌن , وذلك حكم خاصّ بالمكلّف بأحد هذه الأمور ,أمّا أنْ يكون حفظ الحديث على الخاطر واحداً من الواجبات الأوّلية على المسلمين , فلم نقفْ له على قائلٍ .
ولا أد ري : لماذا يؤكّد هؤلاء _ دعاة النهي عن التدوين _ على الحفظ
والحافظة ? الذكر ? الذاكرة , على حساب الكتاب والكتابة والتدوين ?
ولماذا يتهالكون هكذا على رعاية الحفظ ,بينما لم نجد في روايات الشرع وآياته ما يدلّ على لزوم الحفظ عشر معشار ما ورد من الروايات التي تدلّ على ضرورة الكتاب ولزوم الكتابة ?
فإذا كان الحفظ بتلك المنزلة من الأهميّة , فلماذا لم يصرّح الشارع في شيء من النصوص , وحتّى في شيء من روايات التدوين إذْناً ومنعاً , على التأكيد
عليه والحثّ على المواظبة عليه ,إلاّ في أحاديث نادرة وردت من طريق أهل البيت عليهم السلام الذين هم من روّاد الكتابة والتدوين(1).
بينما وردت تلك المجموعة الكبيرة من الآيات والروايات والآثار المرتبطة بالكتاب والكتابة وأدواتها ,التي تشعر - بوضوح عن رغبة الشارع في التدوين ! (2).
الهامش:
(1) الكافي للكليني(2/580) ?7.
(2) قد ذكرنا في القسم الأوّل هنا مجموعة من تلك النصوص .
================?373
2?_ أنّ حصول الإنسان على قوّة الحفظ والذكر على الخاطر ,ليس أمراً اختياريّاً , إنما هي موهبةٌ إلهيٌّة ,أو تحصل للفرد نتيجةً لأسباب تكوينيّة ,أو بمعالجات عرضية خاصّة , ليست موفّرة بسهولة ويسر لكلّ أحدٍ (1) ولم يطلب في الشرع تحصيل تلك الأسباب والمعالجات بالوجوب والفرض .
فكيف يكلّف المسلم بحفظ الحديث وإثباته في الخاطر ,مع عدم وجوب تحصيل تلك القوّة؟ وكيف يعلّق أمرٌ واجبٌ مهمٌّ كحفظ الحديث وصيانته , على أمرٍ غير اختياريٍّ؟ فالملاحظ _ بالوجدان _ أنّ هذه القوّة ليست موجودة عند أفراد الأمّة كلّهم , بل المبتلون بعوارض النسيان منهم أكثر من الحفّاظ الأذكياء الذين يعدّون في النوادر .
قال الأستاذ يوسف العش في تصديره القيّم لكتاب تقييد العلم :لئن كان هذا الرأي يفخر بالحافظة العربيّة التي لا تحفل بالتقييد ,لأنّ لها من قوّتها ما يسعفها بالتقاط العلم وعدم نسيانه ... فهو ييسّر سبيل الطعن على علم العرب , فذاكرة أكثر الناس أضعف من أن تتناول مادّة العلم بأجمعه , فتحفظها من الضياع , وتقيها من الشرود , ومهما قويت عند أناس فلا بدّ أن تهنَ عند آخرين فتخونهم وتضعف معارفهم (2).
وحتى الصحابة لم تكن مسألة الحفظ والنسيان عندهم إلاّ أمراً كما هو عند المعتاد من الناس ,فكان فيهم من يحفظ ومن ينسى :
قال عمر بن الخطاب : قام فينا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مقاماً ,فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنّة منازلهم وأهل النار منازلهم ,حفظ ذلك من حفظه , ونسيه من نسيه (3) .
وقال حذيفة بن اليمان : قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مقاماً ,فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلاّ حدّثه ,حفظه من حفظه ,ونسيه من نسيه ,قد علمه أصحابه هؤلاء ,وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره ,كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثمّ إذا رآه عرفه (4).
وقد تكرّر قول بعض الصحابة في الجواب عن الأحكام الشرعية :أنهم نسوه:
,كقول انس بن مالك : كبرت ونسيت (5) وكذلك قول زيد بن أرقم (6).
الهامش:
(1) لاحظ كتاب الحطة للسيد صد يق حسن خان ( ? 47 ) والجامع لأخلاق الراوي (2/430) ففيه عن علاج الحفظ وأنه لا شيء إلاّ الطبع !!.
(2) تقييد العلم ( ? 8 ) من التصدير . ثم هل الحديث الشريف خاصٌّ بالعرب !
(3) صحيح البخاري(6/286).
(4) صحيح البخاري(11/494) وصحيح مسلم – طبع فؤاد – (4/2217).
(5)لاحظ
(6) مسند أحمد (4/366) وسنن ابن ماجه(1/11) وسيأتي نص حديثه (?377-378).
====================?374
ومن هنا نعرف مدى التعنّت في جواب أبي سعيد الخدري لأبي نضرة لما قال له : لو كتبتم لنا فإنّا لا نحفظ ,حيثُ أجاب أبو سعيد بقوله :لا نكتبكم ... فاحفظوا (1).
فنجد أنّ الراوي يستغيث إلى أبي سعيد من عدم الحفظ _ ولعله كان قد احتاط للأمر بذكر أضعف الأحوال وأبعد المحتملات , وهي صورة عدم إمكان الحفظ_ لكنّ أبا سعيد أصرّ على رأيه بلزوم الحفظ ,أليس هذا من التكليف بما لا يطاق , الذي تأباه العقول ?.
وهلا تعلّم أبو سعيد من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهو الصادع بالشريعة , حيث قال _ لمن شكا إليه سوء الحفظ _:استعنْ بيمينك ?(2).
وهل علينا أن نجعل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أسوةً ? نتخذ كلامه حجةً ,أو أن نلتزم بكلام أبي سعيد وفعله المتعنّت؟!!
3?_أنّ القرآن الكريم , وهو الوحي الإلهي المقدّس , مع أنّ نصّه محدودٌ بما بين الدفّتين , والحفاظ عليه واجب عين ,ومن ضروريّات الدين , وبديهيات الشرع المبين , بل من أبده الواجبات على المسلمين ,وقد ورد التأكيد من الشرع الشريف على استحباب حفظه على الخواطر (3) لكن لم يقل أحدٌ بوجوب حفظه على الخاطر, بل نجد المسلمين _ منذ الصدر الأوّل وحتى اليوم_ يهتمّون بكتابته , وتدوينه , وتسجيله بشتّى الوسائل والصور , بل في الأحاديث أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يشرف بنفسه مباشرةً على كتابته منذ طلاوة نزوله , ولم يأبوا من ذلك بذريعة الاهتمام بحفظه واستحباب ذلك أو لزومه .
الهامش :
(1) تقييد العلم ( ? 36 ).
(2) قد مرّت مصادره ( ? ).
(3) لاحظ أربعون حديثا للبكري ( ? 69 ) .
===============?375
فلو كان الحفظ على الخاطر واجباً في شيء , لكان في القرآن أوجب .
ولو كانت سعة الحفظ وقوّة الحافظة مانعةً عن كتابة شيء لكانت أمنع ما تكون عن كتابة القرآن (1).
وقد اعترف أحمد بن حنبل بأنّ : ليس كلّ الناس يحفظ القرآن (2) وهو ممن عاش في ثالث القرون التي يعتبرها أهل السنّة خير القرون ,وهي قرون السلف ?!! ? فهل يمكن الالتزام بأنهم أجمعين أخلوا بهذا الواجب ؟؟؟
وإذا لم كان الأمر في القرآن هكذا ,فليكن في الحديث كذلك .
هذا ما يبدو لنا من المناقشة في هذا التبرير ثانياً .
وأمّا ثالثاً : فلأن الكتابة لا تنافي الحفظ على الخاطر ,بل هي مؤكّدة له , وموجبةٌ لقوّته .
وقد رأينا أنّ القرآن الكريم قد حثّ الشرع على حفظه على الخاطر واستظهار آياته , وحثّ _ كذلك _ على كتابته وتدوينه وزاول أمر كتابته كتاب الوحي , تحت إشراف الشارع نفسه , وثابر المسلمون على كتابته مدى القرون ,من دون أن يكون لذلك تأثير في أمر حفظه .
ولذا قد جاء في الحديث الشريف ,عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قوله :القلب يتّكل على الكتابة (3).
الهامش:
(1)لاحظ الفوائد الطوسية للحر العاملي ( ? 242) الفائدة ( 57 ) .
(2)طبقات الحنابلة (1/176).
(3)الكافي للكليني(1/42) ? 8 باب رواية الكتب ,كتاب فضل العلم .
=====================?376
وقد مرّ بنا الحديث عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال _ لكبير ? واة عصره أبي بصير _ : اكتبوا , فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا (1) ولذلك كان أبو بصير ,الذي كان فاقد البصر ,يتخذ كاتباً لنفسه يأخذه معه.
فجعل الإمام عليه السلام الكتابة من أقوى وسائل الحفظ على الخاطر ,وهذا هو الواقع الذي أكّدته التجربة ,حيث أنّ الكاتب للنصّ يستعمل حين الكتابة عينه التي ترى النصّ ,ويستعمل يده التي تكتب النصّ ,ويتابع بفكره ما يكتبه , فهو في حالة واحدة , يتّصل بالنصّ اتصالاتٍ ثلاثةً ,وهذا يؤدّي إلى ثبوت النصّ في ذاكرته بشكلٍ أقوى ,ويتركّز على خاطره بشكل آكد.
وبذلك نعرف مدى بعد المانعين للتدوين عن الصواب والحكمة ,عندما يتذرّعون لرأيهم بمسألة الحافظة والحفظ؟!.
وقد أفصح الحفاظ للحديث عن حاجتهم الملحّة إلى الكتب , فكم من حافظ كتب الحديث , وكم من كاتب حفظ الحديث ؟؟ بل نجد في المؤلّفين للكتب الواسعة من هم أكثر الناس حفظاً .
قال ابن المبارك : لو لا الكتاب ما حفظنا (2).
وقال الشافعي : اعلموا _ رحمكم الله _ إنّ هذا العلم يندّ كما تندّ الإبل ,فاجعلوا الكتب له حماة , والأقلام عليه ? عاة (3).
الهامش :
(1) الكافي للكليني (1/42) ? 9 باب رواية الكتب ,كتاب فضل العلم .
(2) تقييد العلم ( ? 114 ) .
(3) تقييد العلم ( ? 114 ) .
================?377
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل :ما رأيت أبي _ على حفظه _ حدّث من غير كتاب , إلاّ أقل من مائة حديث (1).
وقال جعفر الطيالسي :ينبغي لطالب الحديث أن يتّزر بالصدق , ويرتدي بالكتاب (2).
وقد ندم جمع من المحدّثين على محو الحديث :
قال عروة بن الزبير (? 94هـ): كتبت الحديث , ثم محوته , فوددت أني فديته بمالي وولدي وأني لم أمحه (3).
وقال منصور بن المعتمر : وددت أني كتبت , وأنّ عليّ كذا وكذا , قد ذهب عنّي مثل علمي (4).
فكيف تكون الكتابة منافيةً للحفظ , مع أنّ هؤلاء الحفّاظ يتمنّو ? الكتابة؟ وكيف يراد الاعتماد على مجرّد الحفظ , مع أن زيد بن أرقم _ وهو من رواة الصحابة المكثرين _يصر ? بعروض النسيان عليه , فيقول حصين بن سبرة له : لقيت _ يا زيد _ خيراً كثيراً , رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وسمعت حديثه , وغزوت معه , وصلّيت معه, لقد رأيت _ يا زيد _ خيراً كثيراً , حدّثنا _يا زيد _ ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ?!
الهامش:
(1) الإلماع للقاضي عياض ( ? 225 ) وأدب الإملاء والاستملاء (? 47 ) .
(2) أدب الإملاء والاستملاء ( ? 47 ) .
(3) تقييد العلم ( ? 60 ) .
(4) تقييد العلم ( ? 60 ) ولاحظ تذكرة الحفاط للذهبي(1/142) فإنه نقل عنه فقط قوله : ما كتبت حديثاً قطّ ! .
=======================?378
فقال زيد : يابن أخي , والله , لقد كبرت سنّي , وقدم عهدي , ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , فما حدّثتكم فاقبلوه , وما لا فلا تكلّفونيه …(1).
ورابعاً :أنّ الاعتماد على مجرّد الحفظ يؤدّي إلى الأوهام والأخطاء في الحديث ولا يخفى أنّ اجتناب الخطأ في الحديث أمرإ ضروريٌّ وواجبٌ لخطورة أمره , لأنه منسوب إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتبتني عليه أحكام الشرع , فإهمال أمره يؤدّي إلى التحريف في الدين , والتهاون بأمر الشرع المبين .
ولا ريب في أنّ الكتابة هي الوسيلة الموجبة للإتقان , الذي هو المطلوب في مثل هذا المقام الخطير .
وقد جعل مسلم الخطأ والسهو متمكّنين في كلّ شخصٍ مهما قوي حفظه فكان من أحفظ الناس !فقال :ومع ما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه فليس من ناقل خبرٍ وحامل أثرٍ من السلف الماضين إلى زماننا _ وإنْ كان من أحفظ الناس وأشدّهم توقّياً لما يحفظ وينقل _ إلاّ ? السهو والغلط ممكن في حفظه ونقله (2).
وقال ابن الأثير _ وهو يتحدّث عن الكتابة _: لعمري إنّها الأصل , فإنّ الخاطر يغفل والذهن يغيب والذكر يهمل ,والقلمُ يحفظ ولاينسى (3).
وكان أيوب بن عيينة (? 160هـ) يحدّث من حفظه على التوهّم , فيغلط وأما كتبه _ في الأصل _ فهي صحيحة(4).
الهامش:
(1)مسند أحمد (4/366) وسنن ابن ماجه(1/11).
(2) التمييز لمسلم بن الحجاج (?2-?).
(3) جامع الأصول (1/40) .
(4)العلل لابن أبي حاتم ( ? 40 ) تهذيب التهذيب (1/409) .
===================?379
وقد أخطأ أبو داود الطيالسي (?203هـ) في ما حدّث من حفظه , وحاول تصحيحه(1).
وقال ابن شبّة البصريّ : كان عبد العزيز كثير الغلط في حديثه , لأنه أحرق كتبه , فإنّما كان يحدّث بحفظه (2).
وقال أحمد بن حنبل : حدّثونا قوم عن حفظهم , وقوم من كتبهم, فكان الذين حدّثونا من كتبهم أتقن (3).
وقال أحمد أيضاً : لولا كتابته _أي الحديث _أيُّ شيءٍ كنّا نحن !?(4).
وقيل لأحمد : من أحبُّ إليك يونس , أو إسرائيل ? قال : إسرائيل , لأنه كان صاحب كتاب (5).
وعطاء بن مسلم الخفّاف دفن كتبه , ثمّ روى من حفظه فوهم (6).
وحدّث محمد بن إبراهيم بن مسلم البغدادي (? 273هـ) من حفظه فأخطأ , فقال ابن حبان:لا يعجبني الاحتجاج إلاّ بما حدّث من كتابه (7).
وقد جعل الحازمي _ في الترجيحات بين الحديثين المتعذّر الجمع بينهما_ الوجه الرابع والعشرين : أنْ يكون راوي أحد الحديثين مع حفظه صاحب كتابٍ يرجع إليه ,والراوي الآخر حافظٌ غير أنه لا يرجع إلى كتابٍ , فالحديث الأوّل أولى أن يكون محفوظاً ,لأنّ الخاطر قد يخون أحياناً.
الهامش :
(1) تهذيب التهذيب (4/186) .
(2) أخبار المدينة المنورة(1/123) .
(3) تقييد العلم ( ? 115) .
(4) تقييد العلم ( ? 115) .
(5) تهذيب التهذيب (1/262) .
(6) تهذيب التهذيب (7/211 - 212 ) .
(7) تهذيب التهذيب (9/ 15 – 16) .
======================?380
وقال علي بن المديني : قال أحمد : لا تحدّثنّ إلاّ من كتاب (1).
وقال الراوي :كنتُ عند أحمد بن حنبل وبين يديه محبرة فذكر حديثاً , فاستاذنته أن أكتب من محبرته ? فقال :اكتب – هذا – فهذا ورعٌ مظلم (2).
,اقبل أصحاب الحديث بأيديهم المحابر ,فأوما احمد بن حنبل إليها وقال :هذه سرج الإسلام , يعني المحابر (3).
وقد بالغ يحيى بن معين في قوله : كتبتُ بيدي ألفا ألف حديث ,
وقال : لو لم نكتب الحديث خمسين مرةً ما عرفناه (4).
وقال أحمد : نخن كتبنا الحديث من ستّة وجوه وسبعة وجوه لم نضبطه ! كيف يضبطه من كتبه من وجهٍ واحدٍ؟!(5) .
وقال ابن المديني : انتهى علم الناس إلى ابن معين , وكنت إذا قدمت إلى بغداد منذ أربعين سنة , كان الذي يذاكرني أحمد بن حنبل , فربما اختلفنا في الشيء , فنسأل يحيى بن معين , فيقوم فيخرجه , ما كان أعرفه بموضع حديثه ? (6).
ومن المنقول عن ابن معين قوله : إظهار المحبرة عزّ (7).
وقال الماوردي : ربما اعتمد [المحدّث] على حفظه وتصوّره , وأغفل تقييد العلم في كتبه , ثقةً بما استقرّ في ذهنه , وهذا خطأٌ منه , لأن الشك معترض , والنسيان طارىء .
قال الخليل بن أحمد : اجعل ما في الكتب رأس المال , وما في قلبك النفقة(8) .
الهامش:
(1) طبقات الحنابلة(1/226?227)والاعتبار للحازمي (?17) وانظر أدب الإملاء ? الاستملاء(?47) .
(2)طبقات الحنابلة(1/267).
(3) طبقات الحنابلة(1/249).
(4) تذكرة الحفاظ للذهبي (2/430) .
(5) طبقات الحنابلة(1/21).
(6) تذكرة الحفاظ (2/429) تهذيب التهذيب (11/280 ) .
(7) الكامل لابن عدي (1/133) والجامع لأخلاق الراوي(2/387) .
(8) طبقات الحنابلة(1/21)وأدب الدنيا والدين (?66) .
=====================?381
وقال ابن الجوزي - بعد أنْ عدَّ دفن الكتب وإبادتها من تلبيس إبليس - ما نصّه : إعلم أنّ القلوب لا تبقى على صفائها , بل تصدأ , فتحتاج إلى جلاء , وجلاؤها النظر في كتب العلم(1).
وقد أصبحت الكتابة أمراً تساوي التحديث في الأهميّة والاعتبار حتّى صحّ القول بأنّ القلم أحد اللسانين (2).
وقال سهل بن هارون :القلم أنف الضمير (3).
وقال آخر:عقول الرجال في أطراف أقلامها (4).
وأثر عن السلف قولهم : ما كتب قرّ , وما حفظ فرّ (5).
وقال الدكتور يوسف العش : العلم يأبى الخيانة , ويبتغي الإخلاص , ولا نصير له إلاّ التقييد , ولا حافظ من ضياعه إلاّ التدوين (6).
وللدكتور فؤاد سز كين رأي يقول : إنّ طرق تحمّل الحديث تعتمد أساسا على النصوص المكتوبة , فيقول : في كلّ الحالات … نرى أنه ليس للحفظ دور إلاّ في الحالتين الأوّلتين - وهما السماع والقراءة - والواقع أنّ النصوص المدوّنة كانت ضروريّة في هاتين الحالتين - أيضاً - وأنه لم ينظر في النقل - منذ البداية - إلاّ إلى النصوص المدوّنة ,وأنّ الأسانيد تتضمّن أسماء المؤلّفين(7).
الهامش:
(1) نقد العلم والعلماء (?317 ) .
(2) نقل هذا من قول أبي دلف العجلي في أدب الكتّاب للصولي (?74) وانظر أدب الإملاء للسمعاني (?159) ومغني اللبيب لابن هشام (?587) والتمثيل والمحاضرة (?155) والمحاسن والمساوئ للبيهقي(?11).
(3) ربيع الأبرار للزمخشري (2/252).
(4) ربيع الأبرار للزمخشري (3/249).
(5)آداب المتعلّمين للنصير الطوسي (? ).
(6) تقييد العلم , التصدير ( ? 8 ) .
(7) تاريخ التراث العربي (1 مجلد/1/231 ) وانظر (?242) ولاحظ توثيق السنة (?164) وكتابنا ? الطرق الثمان لتحمّل الحديث وأدائه . وقد تعرّضنا للبحث المذكور في كتابنا (إجازة الحديث ) .
======================?382
وقال الدكتور رفعت : الحقيقة أن الكتاب لعب دوراً هاماً في توثيق الأحاديث , وإعانة العلماء على حفظ مروياتهم من غفلة ذاكرتهم ,وعلى حفظ مروياتهم أيضاً من أن تتهم عندما يخالفهم فيها غيرهم(1).
ويظهر من أحمد أن الكتاب أهم من مجرّد الرواية :قال : أنا لا أروي عن جماعة , فقيل له : إنك تأمر بالكتاب عنهم ؟فأنكر ذلك , وقال :أنا أقول :لا اروي عنهم ! أفآمر بالكتابة عنهم؟!(2).
وقد اعتبر أمر أحمد لابنه للكتابة عن أيّ شخص توثيقاً منه لذلك الشخص (3).
بعض المقارنات بين الحفظ والكتابة (4)
1- الكتاب أحفظ:
قال إبراهيم بن جابر المروزي : كنّا نجالس أحمد بن حنبل فنذكر الحديث ونحفظه ونتقنه ,فإذا أردنا أن نكتبه قال : الحديث (5) أحفظ! فيثب وثبةً , ويجيء بالكتاب (6).
2- الكتاب لا يعارض الحفظ , بل يساويه في المحافظة على النصّ :
جعل الشافعي الكتابة مع السماع في مرتبةٍ واحدةٍ , فقال - في صفة الراوي - : حافظاً إنْ حدّث من حفظه , حافظاً (7) لكتابه إنْ حدّث من كتابه , إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم(8) .
وقال الدكتور رفعت : يكون الضبط بأحد طريقين , أو هما معاً : الاستعانة بالذاكرة إنْ كان قد رزق ذاكرةً حافظةً تعي ما تأخذ وتحفظه ,? الاستعانة بالكتاب الذي يودعه مروياته , ويصونه , فيعتمد عليه كلية , أو عوناً له على حفظه بذاكرته (9).
وقال : وأعلى درجات الضبط : حفظ الذاكرة مع الكتاب , أي ات خاذ الطريقين معا .
الهامش:
(1) توثيق السنة (?164) .
(2) طبقات الحنابلة(1/146) رقم190.
(3)لاحظ:
(4) لاحظ كثيراً مما يناسب هذا البحث في الجامع لأخلاق الراوي (1/662وما بعدها) باب اختيار الرواية من أصل الكتاب .
وقد ذكر الفقيه العظيم ابن إدريس الحلّي كلاماً حول المفاصلة بين الكتاب والبيان في : السرائر الحاوي للفتاوي(1/42).
(5)كذا في المسجّل عندي , والصواب :الكتاب أحفظ .
(6) طبقات الحنابلة(1/93).
(7) أتصوّرأنّ هذه الكلمة مصحّفةٌ عن ( ضابطاً ) ليناسب التحديث من الكتاب , ولتتمّ المقابلة بينه وبين التحديث من حفظه , فلاحظ .
(8) الرسالة للشافعي (?371) .
(9) توثيق السنة (?161) .
====================?383
يقول أحمد : إنّ يحيى بن سعيد أثبت من وكيع , وعبد الرحمن ابن مهدي , ويزيد بن هارون , وأبي نعيم , وهؤلاء كلّهم أئمّة , لأنه كان يضمّ إلى حفظه كتابة ما يسمعه (1).
والذي يدوّن الأحاديث هو أروى من غيره :
يقول ابن المبارك : ما رأيت أحداً أروى من الزهريّ عن معمر , إلاّ ما كان من يونس , فإنّ يونس كتب كلّ شيء (2).
3- الحفظ لا يغني عن الكتاب :
قال المعلمي : كان المتثبّتون لا يكادون يسمعون من الرجل إلاّ من أصل كتابه , كان عبد الرزاق الصنعاني ثقة حافظاً , ومع ذلك لم يسمع منه أحمد بن حنبل , ويحيى بن معين , إلاّ من أصل كتابه(3).
وأحمد بن حنبل , قال فيه ابن المديني : ليس في أصحابنا أحفظ منه , … كان لا يحدّث إلاّ من كتاب , ولنا فيه أسوة حسنة(4).
الهامش:
( 1) الجرح والتعديل للرازي, التقدمة (1/246 ) توثيق السنة ( ? 162 )ونحو هذا الكلام عن أحمد وغيره في الجامع لأخلاق الراوي (1/2-663) .
(2) العلل لابن حنبل (1/19) ومعرفة الرجال لابن معين (1/121رقم 594) والجرح والتعديل , التقدمة (1/295) وتوثيق السنة (?162) .
(3) الأنوار الكاشفة ( ? 80 - 81 ) .
(4) تهذيب الكمال , للمزي (1/452 ) ولاحظ الجامع لأخلاق الراوي (1/666).
==================?384
4- عدم الكتابة قد يؤدّي إلى الاضطراب :
قال أحمد - في عكرمة بن عمّار - : أحاديثه عن يحيى ضعاف , ليست بصحاح وكذلك قال يحيى القطان , والسبب - كما يقول البخاري - : أنه لم يكن له كتاب , فاضطرب حديثه(1).
وقال الخطيب :إذا سلم الراوي … وجانب الأفعال التي تسقط بها العدالة , غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه ,يحدّث عن حفظه , لم يصحّ الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهل العلم بالأثر!! (2).
وعنون لباب :اختيار الرواية من أصل الكتاب لأنه أبعد من الخطأ وأقرب للصواب , وقال فيه :الاحتياط للمحدّث والأولى به أن يروي من كتابه ليسلم من الوهم والغلط ويكون حذراً بالبعد من الزلل ,ثمّ روى كلاماً عن أبي نعيم في المقارنة بين حمّاد – الذي حفظ – وبين ابن علية – الذي كتب – قال : ضمنت لك أنّ كلّ من لا يرجع إلى كتابه لا يؤمن عليه الزلل (3).
فمن الغريب ما عن السمرقندي الحنفي من تبريره منعهم كتابة الحديث : لأمن الحفظ ,لأنه لا يتطرّق إليه الوهم والشكّ والكذب كما يتطرق إلى الكتابة من ذلك (*)
5- الاحتكام إلى الكتب :
قال عبد الله بن المبارك : إذا اختلف الناس في حديث شعبة , فكتاب غندر حكم بينهم (4).
وأنكروا حديثاً على ابن جريج , فلجأ إلى كتابه , وقال : ها ,أخبرني أبو جعفر محمد بن علي عليه السلام(5).
وقال الشافعي : من كثر غلطه من المحدّثين , ولم يكن له أصل كتاب صحيح , لم يقبل حديثه (6) .
وسئل أحمد عن الرجل يحفظ الشيء ويكون في الكتاب شيء, أيّهما أحبّ إليك؟ قال : الكتاب (7).
6- الحفظ ليس بشرط :
قال البزّار في عاصم بن أبي النجود : لا نعلم أحداً ترك حديثه مع أنه لم يكن بالحافظ(8)وقال التهانوي معلقّاً عليه : فالحفظ ليس شرطاً لصحة الحديث(8).
الهامش:
(1) الجرح والتعديل للرازي , التقدمة (1/136) وميزان الاعتدال (3/90) وتوثيق السنة (?163) .
(2) الجامع لأخلاق الراوي (1/204).
(3) الجامع لأخلاق الراوي (1/662) ولاحظ تهذيب التهذيب (3/11).
(*) نقله لي السيد ثامر العميدي ملخّصاً عن كتابه : تنبيه الغافلين الباب الثانب في كتابة العلم (336).
(4) الجرح والتعديل , للرازي , التقدمة (1/271) .
(5) العلل لابن حنبل (1/113) وانظر توثيق السنة (?4 -165) .
(6) مناقب الشافعي للبيهقي (2/27) وانظر نحوه في الكامل لابن عدي (1/134) .
(7) طبقات الحنابلة (1/348).
(8) هدي الساري (2/175) .
(9)قواعد في علوم الحديث (?413) رقم (65) .
================?385
ونقل ابن حجر في ترجمة عبد الواحد بن زياد العبدي عن القطّان أنه أشار إلى لينه فقال : ما رأيته طلب حديثاً قطّ , وكنت أذاكره بحديث الأعمش فلا يعرف منه حرفاً ,قال ابن حجر : قلت : وهذا غير قادح , لأنه كان صاحب كتاب, وقد احتجّ به الجماعة (1) وعلّق التهانوي : أي لم يكن يحدّث من حفظه , ومن كان يحدّث من الكتاب فلا عبرة بحفظه , وإنما الاعتماد على
كتابه(2).
7- وأخيراً :هل الحفظ أعظم فائدةً من الكتابة , وأجدى نفعاً ? وهل الكتابة دون الحفظ قوّةً ? !
لقد أثار الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الخالق هاتين الدعويين , فلابدّ من معرفة الحقيقة فيهما , والإجابة عن ذينك السؤالين :
أمّا الأوّل : فقد قال فيه : إنّ الحفظ في الغالب لا يكون إلاّ مع الفهم , وإدراك المعنى والتحقّق منه , حتّى يستعين بذلك على عدم نسيان اللفظ , ثمّ ? نه يحمل المرء على مراجعة ما حفظه واستذكاره آناً بعد آنٍ , حتى يأمن زواله , ثمّ إنّ محفوظه يكون معه في صدره في أيّ وقتٍ , وفي أيّ مكانٍ , فيرجع إليه في جميع الأحوال عند الحاجة , ولا يكلّفه ذلك الحمل مؤونةً ولا مشقّةً بخلاف الكتابة(3).
الهامش:
(1) هدي الساري (2/188) وانظر تدريب الراوي (?81)في منافشة ابن حجر لابن الصلاح الذي أفهم أنه يعيب من حدّث عن كتابه وصوّب من حدّث عن ظهر قلبه ,فقال : والمعروف من أئمّة الحديث خلاف ذلك ,وحينئذٍ ,فإذا كان الراوي عدلاً لكن لا يحفظ ما سمعه عن ظهر قلبٍ ,واعتمد ما في كتابه فحدّث عنه فقد فعل اللازم له , فحديثه - على هذه الصورة - صحيحٌ .
(2) قواعد في علوم الحديث (?418) رقم (77) .
(3) حجية السنة (?405) .
=================?386
ثمّ ذكر نقيض كلّ تلك الأمور في الكتابة , حتى قال : ? بذلك كلّه يكون نقلة العلم جُهّالاً , مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً , وأعظم به سبباً في ضياع العلم , وانتشار الجهل .
أقول : ليس هذا الكلام كله إلاً مغالطة , فإنّ ما ذكره من الفوائد للحفظ ليست ملازمات له بالخصوص , دون الكتابة :
1?- فليس الحفظ ملازماً للفهم : بل , كثير مما يحفظ يبقى غير مفهوم , وكثير ممن يحفظ لا يفهم محفوظاته ,كما أنّ كثيراً مما يفهم لم يكن محفوظا على الخاطر , وكثير ممن يفهم لا يحفظ كلّ معلوماته !
والفهم أمرٌ آخر, له أسبابه ومكوّناته , بلا ارتباط له بالحفظ أو الكتابة, وإنْ كان أحدهما أو كلاهما مؤثراً في حصوله أو سرعته أحياناً .
بل , قد اشتهر بين أهل العلم - عندنا - : أنّ الحفّاظ من الطلبة غير جيّدي الذكاء أو غير سريعي الفهم , والذين يفهمون بجودة ضعيفو الذاكرة غالباً !
وقد نقل عن الحكماء قولهم : إنّ الفهم والحفظ لا يجتمعان على سبيل الكمال , لأنّ الفهم يستدعي مزيد رطوبةٍ في الدماغ والحفظ يستدعي مزيد يبوسةٍ فيه , والجمع بينهما على سبيل التساوي ممتنع عادة (1).
الهامش:
(1) الحطة لصديق حسن خان ( ? 47 ) .
=====================?387
2?- وليس الحفظ مُعيناً على التحقق من المعنى أكثر من الكتابة :أليس الكتاب هو المتوفّر عند الإنسان دائماً, ويمكنه مراجعته مكرّراً , حتى يفهم معانيه , ويتحقق من صحة ما فهمه , كما هو المعمول به عند العلماء والمحقّقين ? .
3?- وأمّا أنّ الحفظ يحمل المرء على المراجعة :فقد يقال في خلافه : إنّ الكتاب بما أنه حرزٌ مأمونٌ , لا يخو نُ , ولا تعرضه آفات الذاكرة من السهو والنسيان والذهول والغفلة , فهو أدعى للاعتماد .
4?- وأما مسألة الحمل ومؤونته ! فهذا كلام ينفذ في سوق الحمّالين , ولا يناسب الاستدلال به في الكتب العلمية والبحوث التحقيقية , فهل بإمكان طالب علمٍ أو عالمٍ أنْ يستغني عن الكتب , مهما ثقل وزنها , ومهما كمل حفظه وبلغ علمه , وهل كلّ من حمل أسفار الكتب أو امتلكها كان مخطئاً يقال له ذلك المثل , الذي إنما جاء مثلاً لمن لا يعمل بعلمه , وإنْ لم يكن له كتاب بل كان أحفظ الحافظين!
إنّ هذه هفوةٌ كبيرةٌ لقدر هذا الدكتور الكبير !
والحقُ أنّ لكلّ من الحفظ والكتابة , ميزات تخصه , ومحسّنات تميّزه , وليس القياس بين من يحفظ ولا يكتب ,أو من يكتب ولا يحفظ , قياساً صحيحاً , إذ لا منافاة بينهما أساساً , بل الكتابة تزيد الحافظة قوةً وسداداً , وكلّ واحدٍ منهما ضروريّ في مجاله الخاصّ , وعندما تدعو الحاجة إليه .
=====================?388
ولا أدري : كيف يذكر الدكتور هذا الكلام النابي , وهو يجد للعلماء الحافظين للحديث مؤلّفات كتبوا فيها محفوظاتهم !
أمّا السؤال الثاني , وهو هل أنّ الكتابة دون الحفظ قو ? ?
فقد قال الدكتور فيه : إنّ الكتابة تفيد الظنّ – على ما علمت – فهي دون الحفظ في هذه الإفادة , ولذلك نرى أنّ علماء الأصول إذا تعارض حديث مسموع , وحديث مكتوب , يرجّحون الأوّل .
قال الآمدي : أمّا ما يعود إلى المرويّ فترجيحات : الأوّل : أنْ تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبيّ عليه السلام , والرواية الأخرى عن كتابٍ , فرواية السماع أولى , لبعدها عن تطرّق التصحيف والغلط (1).
ونرى - أيضاً - أنّ علماء الحديث - بعد اتفاقهم على صحة رواية الحديث بالسماع - قد اختلفوا في صحة روايته بطريق المناولة أو المكاتبة .
إلى أنْ يقول : وبالجملة , فالمكاتبة فيها من الاحتمالات أكثر مما في التحديث شفاهاً , ولذلك وقع الخلاف فيها دونه , وإنْ كان الصحيح جواز الاعتماد عليها بالشروط التي صرّح ببعضها ابن حجر(2).
أقول : إنّ جعل السماع أولى من الكتابة ليس على إطلاقه , بل في العلماء من ساوى بينهما , بل منهم من قدّم الكتابة عليه .
الهامش:
(1) الإحكام للآمدي (4/334) .
(2) حجية السنة (?2-403) .
================?389
ثمّ من قدّم السماع إنما علّل تقديمه بالبعد عن الغلط والتصحيف , فلو تمّ الضبط في الكتابة بحيث حصل فيها الأمن , لم تبق للسماع مزيّة , مضافاً إلى ما فيها من مزايا الثبوت والاستمرار التي يفتقدها السماع .
ونحن إنما نتحدّث عن الكتابة الجامعة لشرائط الصحة والضبط !
وبهذا يظهر توجيه كلام يحيى بن معين لما قال : هما ثبت حفظ وثبت كتاب , فلما سئل :أيّهما أحبّ غليك ؟قال : ثبت كتاب(1).
و سبق أن نقلنا عن أحمد بن حنبل مثل هذا الرأي (2).
وقد تحدّثنا عن رتبة الكتابة بين طرق التحمل في كتابنا ? الطرق الثمان … « فراجع .
وبعد هذا كلّه : فهل يبقى مجال للقول بأنّ الحفظ يغني عن التدوين ?
الهامش:
(1) الجامع لأخلاق الراوي (2/32).
(2)لاحظ الصفحة ( 382?383).
===================?390
الفصل الخامس
عدم معرفة المحدّثين للكتابة
وقد ذكرت تبريرات أخرى لمنع تدوين الحديث , لا تستحقّ الذكر لوضوح بطلانها , مع أنها لم تذكر إلاّ بعد حدوث المنع , دفاعاً عن المانعين وإضفاءً لصبغةٍ شرعيةٍ على عملهم .
ومن ذلك : أنّ الصحابة والتابعين كانوا أمّيين لا يعرفون الكتابة , فلذلك امتنعوا عنها .
قال ابن قتيبة : كان الصحابة أميّين لا يكتب منهم إلاّ الواحد والاثنان وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجّي (1).
وقال ابن حجر : اعلم أنّ آثار النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم تكن - في عصر الصحابة وكبار تابعيهم - مدوّنة في الجوامع, ولا مرتّبةً … لأنهم كانوا لا يعرفون الكتابة (2).
الهامش:
(1) تأويل مختلف الحديث (? 366) وانظر توجيه النظر للجزائري (? 10) .
(2) هدي الساري (?4) .
======================?391
وهذا التبرير غير مقبول , لوجوه :
فأوّلاً : إنّ نفس النهي عن الكتابة - لو صحّ - يقتضي بطلان هذا التوجيه والتبرير , حيث إن الأمي , غير العارف للكتابة , لا يعقل أنْ يخاطب بمثل : لا تكتب , بل الحكمة تقتضي أنْ يوجّه مثل هذا الخطاب إلى من يعرف الكتابة , ويتمكّن منها , فيراد صدّه عنها .
وثانياً : أنّ الكتابة - مهما كان شأنها قبل الإسلام - أصبحت بمجيء الإسلام من أكبر اهتمامات الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , فلم يأ ? جهدا في حثّ المسلمين على استيعابها بشتّى الوسائل , حتى أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم استعملها في المجال السياسي .
فجعل صلّى الله عليه وآله وسلّم فداء أسرى بدر - من المشركين الذين كانوا يعرفون الكتابة - أن يعلّم كلّ واحدٍ منهم عشرة من صبيان المدينة الكتابة والقراءة (1).
إنّ هذا وحد ? دليلٌ على مدى أهميّة محو الأميّة في الإسلام , ومدى احترامه للثقافة والمثقّفين , وسعيه في تعميم الثقافة .
ولعلّ هذه أوّل مدرسة ? قيمتْ في تاريخ الإسلام المبكّر .
وقد عيّن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم جمعاً من الصحابة لكتابة القرآن حتى بلغ عدد كتّاب الوحي أربعين رجلاً , حسب بعض المصادر(2).
الهامش:
(1) طبقات ابن سعد ( 2 ? 1 ? 14 ) طبع ليدن وانظر ما مضى (?50-51).
(2) مباحث في علوم القرآن , لصبحي ( ? 73 ) .
==============?392
وقال محمّد عجاج الخطيب - رادّاً على ابن قتيبة - : لا يمكننا أنْ نسلّم بهذا بعد أنْ رأينا نيفاً وثلاثين كاتباً يتولّو ? كتابة الوحي للرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم , وغيرهم يتولّو ? أموره الكتابية الأخرى .
ولا يمكننا أنْ نعتقد بقلّة الكتّاب وعدم إتقانهم لها , فتعميم ابن قتيبة هذا لا يستند إلى دليل؟(1).
وقال الدكتور عبد الغني في الردّ على كلام ابن قتيبة : إنّ العمدة في ثبوت النهي حديث أبي سعيد الخدري , والمتبادر منه أنّه أجاز كتابة القرآن لمن نهاه عن كتابة السنة , ولو كانت علّة النهي خوف الخطأ في الكتابة , فكيف يجيز لهم كتابة القرآن ? (2).
ثمّ , لو كان من يعرف الكتابة من المسلمين قلّة في بداية ظهور الإسلام , وقبل الهجرة , إلاّ أنّ المسلمين ما كادوا يستقرّون في المدينة حتى بدّلت الحال غير الحال , فكثر فيهم الكاتبون (3).
وقد أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عبد الله بن سعيد بن العاص أنْ يعلّم الكتابة بالمدينة , وكان كاتباً محسناً (4) .
والعجب من محدّث رجالي مؤرخٍ مثل الحافظ ابن حجر العسقلاني , أنْ تخفى عليه حقيقةٌ واضحةٌ كهذه , فيقول :لأنهم كانوا لا يعرفون الكتابة ! وهذا يعني جميعهم , كما هو المتبادر من كلامه .
الهامش:
(1) أصول الحديث للعجاج ( ? 146 ) .
(2) حجية السنة (?430 ?444 ) .
(3) علوم الحديث , لصبحي ( ? 4 ) .
(4) الاستيعاب للقرطبي , بهامش الإصابة (2/374) .
==========================?393
ولعلّ الحافظ السيوطي قد تنبّه إلى هذه الزلّة من ابن حجر , فعدل عبارته , حيث يقول :لأن أكثرهم كانوا لا يحسنون الكتابة (1) .
وإذا تمّ تصحيح الكلام بهذا الشكل , فنجيب :
ثالثاً : إنّ ذلك لم يكن مانعاً عن كتابة ما يلزم كتابته في الشريعة , لكفاية قيام غير الأكثر ممن يعرف الكتابة , بأداء المهمة , والواجب يتأدّى بالكتابة ولو بالخطّ الرديء غير الحسن ! .
مع أنّ العارفين للكتابة ليسوا في كلّ الأعصار سوى القلّة , وخاصّة المتخصّصين بعلوم الدين , وبالأخصّ علم الحديث منهم , فهل يتوقّع أنْ يكون أكثر الناس عارفين للكتابة أو محسنين لها , حتى تؤدى مهمّة ضروريّة مثل كتابة الحديث ?
ثمّ ,ألا ترى أنّ الصحابة – على فرض عدم إحسانهم للكتابة – لم يمتنعوا من كتابة القرآن , وهو كلام الله تعالى , فكيف يُفرض ذلك مانعاً لهم عن كتابة الحديث وهو كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ?
مع أنه لم يؤخذ في النظر – في هذا التبرير – نوعيّة المكتوب , فإ ذا لم يكونوا عارفين – كما يقول ابن حجر – أو محسنين للكتابة – كما يقول السيوطي . فما بالهم أقدموا على كتابة القرآن الكريم , وبتلك السعة والدقّة ? !
الهامش:
(1) تدريب الراوي (1/89) .
==================?394
قال محمد عجاج الخطيب : ولو قبلنا - جدلاً - ما ادعوه من ندرة وسائل الكتابة , وصعوبة تأمينها , لكفى في الردّ عليهم أنّ المسلمين دوّنوا القرآن الكريم , ولم يجدوا في ذلك صعوبةً , فلو أرادوا أنْ يدوّنوا الحديث ما شقّ عليهم تحقيق تلك الوسائل ,كما لم يشقّ هذا على من كتب الحديث بإذن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).
بل , لم يأل المسلمون جهداً في كتابة القرآن - رغم الصعاب - وإذا علمنا أنّ السنّة الشريفة لا تقلّ - عند المسلمين - أهميّة من القرآن , بنصّ الكتاب نفسه , والسنة القطعيّة , وإجماع المسلمين , كما سبق ذكر بعض ذلك - فلا بدّ أن تكون همّتهم قد توجّهت إلى كتابة الحديث الشريف أيضاً .
ثمّ , إنّ هذا التبرير إنّما يناسب ما لو كان الصحابة والتابعون امتنعوا عن كتابة الحديث بأنفسهم , لكنّ المفروض أنهم كانوا يرغبون في كتابة الحديث كما ظهر من إشارتهم على عمر بأنْ يكتب الحديث(2) ? كما أقدم كثير منهم على التدوين فخلّف صحفاً وكتباً , عددنا بعضها في القسم الأوّل من هذه الدراسة , لكن خالفهم , ومنعهم , من أمر بمنع التدوين مطلقاً !
فالسؤال الأساسي هو : لماذا جاء المنع ?
وأمّا عدم معرفة أكثرهم للكتابة , فلا ربط له بالبحث ,لأن المدّعى ليس هو كتابة الأكثر للحديث , وعدمها , بل السؤال : عن وجه منع العارفين للكتابة , عن التدوين ?
الهامش:
(1) السنة قبل التدوين ( ? 302 ) وانظر أصول الحديث له (? 146) ولاحظ دراسات في الحديث النبوي(?73) .
(2) تقييد العلم ( ? 49 ) .
================?395
الفرق بين القرآن والسنة في أمر التدوين :
ولقد حاول بعضهم التفريق بين القرآن والسنة في حكم التدوين , فطرح ذلك بشكل سؤالٍ عن الحكمة في أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بكتابة القرآن , مع أنه لم يأمر بكتابة السنة ? !
وأجاب الشيخ عبد الغني عبد الخالق بقوله : الحكمة في أمره بكتابة القرآن هي : بيان ترتيب الآيات , ووضع بعضها بجانب بعض, فإنّه – بالاتفاق بين العلماء - توقيفيّ نزل به جبريل في آخر زمنه صلّى الله عليه وآله وسلّم .
وبيان ترتيب السور , فإنه - أيضاً - توقيفيّ على الراجح .
وزيادة التأكيد , فإنّا لا ننكر أنّ الكتابة طريق من طرق الإثبات , وهي - وإن كانت أضعف من السماع , فضلاً عن التواتر اللفظي - إذا انضمت إلى ما هو أقوى منها في الإثبات , زادته قوّةً على قوّةٍ .
وإنما احتيج إلى زيادة التأكيد في القرآن لكونه كتاب الله تعالى , وأعظم معجزة لسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ,المبعوث إلى الخلق كافّةً ,وإلى يوم القيامة .
ولكونه المعجزة الباقية من بين سائر معجزاته إلى يوم الدين , لتكون للمتأخّرين دليلاً ساطعاً على نبوّته , وبرهاناً قاطعاً على رسالته .
ولكونه أساس الشريعة الإسلاميّة , وإليه ترجع سائر الأدلّة الشرعية في ثبوت اعتبارها في نظر الشارع , وثبتت به جميع العقائد الدينية التي لا بدّ منها , وأمهات الأحكام الشرعية .
=====================?396
ويترتّب على ضياعه ضياع هذه الأمور كلها , وتقويض الشريعة جميعها .
ولكونه قد تعبّدنا الله بتلاوة لفظه في الصلاة وغيرها , ولم يجز لنا أن نبدّل حرفاً منه بحرف آخر .
فلكون القرآن مشتملاً على هذه الأمور الجليلة العظيمة الخطر , اهتمّ الشارع بأمره أعظم اهتمام , وأحاطه بعنايته أجل إحاطة , فأثبته للناس إلى يوم الدين بجميع الطرق الممكنة التي يتأتّى بها الإثبات , للمحافظة على لفظه ونظمه , ليتأكّد عند الناس ثبوته تمام التأكيد .
كما أنه قد حافظ على معناه بالسنة المبيّنة له , الدافعة لعبث العابثين به .
ولما لم تكن السنة بهذه المثابة :
فلا ترتيب بين الأحاديث بعضها مع بعض , وليست بمعجزةٍ , ولم يتعبّدنا الله بتلاوة لفظها , وأجاز لنا أنْ نغيّره ما دامت المحافظة على المعنى متحقّقة , حيث أنّ المقصود من السنّة بيان الكتاب وشرح الأحكام , وهذا المقصود يكفي فيه فهم المعنى والتأكّد منه سواء كان بنفس اللفظ الصادر عن رسول الله أم بغيره .
هذا كله , مع ملاحظة الفرق الشاسع بين حجم القرآن وحجم السنة التي من وظيفتها الشرح والبيان له , وعادة الشرح أنْ يكون أكبر حجماً من المشروح .
وما كان صغير الحجم أمكن - في العادة - نقله بجميع الطرق بخلاف كبيره , فإنّ من المتعذّر تحصيل جميع الطرق فيه , خصوصاً من أمةٍ أمّيةٍ كالعرب !
======================?397
وخصوصاً إذا لاحظنا أنّ السنة قول أو فعل أو تقرير منه صلّى الله عليه وآله وسلّم , وليس من اللازم - بل - ولا من الممكن أنْ يجتمع معه صلّى الله عليه وآله وسلّم في كلّ أحواله جمعٌ من الصحابة يمكنهم الكتابة , ويؤمن تواطؤهم على الكذب , فيؤدّون كلّ ما يسمعون ويشاهدون إلى من بعدهم أو من غاب عنهم بجميع الطرق من تواتر لفظي وكتابة , بل قد يصدر قوله أو فعله أمام صحابي واحدٍ أمّيٍ , ? لا يتكرّر ذلك منه في ما بعده .
بخلاف القرآن :
فإنّ الآية منه أو السورة , كان يقرؤها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أمام أقوام مختلفة منهم الكاتبون , ومنهم الأميّون , ويتكرّر ذلك منه في أزمنة وأمكنة مختلفة بعبارة واحدةٍ لا تغيير فيها ولا تبديل , فمن ذلك كلّه يتأتّى وجود جميع طرق النقل فيه (1).
أقول : لا بدّ من تحديد موضع البحث , فنحن هنا نبحث عن سبب المنع عن تدوين الحديث , ? عن خصوص النهي الشرعيّ عنه حسب دعوى المانعين , وكما فرضه الشيخ محمود شلتوت(2).
الهامش:
(1) حجية السنة ( ? 422 - 423 ) .
(2) الإسلام عقيدة وشريعة ( ? 498 ) .
====================?398
وليس البحث عن الحكمة في مجرّد عدم أمر الشارع بكتابة الحديث , في الوقت الذي أمر بكتابة القرآن , حتى يصحّ السؤال بالصورة التي طرحها الدكتور الشيخ .
فلو قيل بذلك , وسئل عن الحكمة في أمره بكتابة القرآن وعدم أمره بكتابة السنة ? أمكن التفريق بينهما بكون القرآن أهمّ من الحديث .
لكنّ السؤال الأساسي هو عن الحكمة في الأمر بكتابة القرآن , في حين النهي عن كتابة السنة - حسب الدعوى – ?
فإ نّ الجمع بين النهي عن الكتابة لشيء والأمر بكتابة آخر , يقتضي بلا ريب اختلاف الشيئين وتغايرهما في ما يرتبط بكتابتهما , وليس مجرّد الأهمية مؤثّراً في اختلاف حكم كتابتهما إلى حدّ الأمر المقتضي للوجوب ,والنهي المقتضي للحرمة ! فإن كتابة الأهم إذا كانت واجبة , فكتابة المهمّ أيضا واجبة , ولا تكون محرمة !?.
وعلى هذا لا بدّ من صياغة السؤال بصورة صحيحة ,وهي : لماذا أمر الشارع بكتابة القرآن , ونهى عن كتابة السنة وحرّمها ?
مع أنّ القرآن إذا كان نصّاً مقدّساً , فالسنة أيضاً مقدّسةٌ لأنها بيانٌ للقرآن باعتراف جميع المسلمين ? !
وحينئذ , نجد أنّ ما ذكره الشيخ عبد الغني من الفوارق , لا يوجب شيءٌ منها التفريق بين القرآن والسنة في الحكم الشرعيّ للتدوين .
فإنه جعل الحكمة بيان ترتيب الآيات , وأنه توقيفيّ , بخلاف السنة فلا ترتيب فيها .
وفيه : إنّ بيان ترتيب الآيات إذا كان يستدعي الأمر بالكتابة ,فإنّ عدم الترتيب لا يستدعي حرمة الكتابة .
====================?399
مع أنّ أصل القرآن إذا أمكن المحافظة عليه بالحفظ والاستذكار ,كانت المحافظة على ترتيبه حاصلةً , لان من يحفظ نصّاً معيّناً فلا بدّ أنه يحفظه على ترتيبه الخاصّ والمطلوب !
هذا مع أنّ الشيخ عبد الغني قد أكّد بأنّ أصل القرآن مدعوم بالتواتر اللفظي , ولم يعتمد على النقل الكتبي (1).
فالمحافظة على ترتيبه تتمّ بالحفظ في الذاكرة ولا تستوجب خصوص الكتابة .
وكذلك عدم ترتيب الأحاديث لا يستدعى حرمة كتابتها , بل , على العكس , قد يقال بلزوم كتابتها , لصعوبة ضبطها في الحافظة على أثر تشعثها ? ! بخلاف المرتّب فإنه يحفظ بسهولة .
وكذلك كون القرآن معجزةً , بل هو أكبر معاجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأعظمها , وأبقاها , وأخلدها , بشكلٍ أوضح من السنة !
فإنّ إعجاز القرآن ليس بوجوده الكتبي , وإنما هو بوجوده اللفظي , ومدلوله المعنوي , ونظمه المتناسق مع الأمرين .
ومن الغريب أنّ المدّعي يقول بأنّ القطع بالقرآن إنما حصل بالتواتر اللفظي دون النسخ الموجودة (2).
ومع هذا فإن السنة أيضاً لا تخلو عن الإعجاز بالنظر إلى مجموعها .
الهامش:
(1) حجية السنة ( ? 408 ) .
(2) حجية السنة ( ? 407 ) .
======================?400
وكذلك كون القرآن أساساً للشريعة الإسلامية , وإليه ترجع سائر الأدلّة .
فإنّ هذا لا يستدعي وجوب كتابته , إذا كان محفوظاّ في الصدور كما لا تستدعي أهمية السنة وسائر الأدلّة وجوب أن تكتب حسب دعواهم .
ثمّ إنّ بناء الشريعة على السنّة ليس بأقلّ أهميّة من بنائها على القرآن , فالسنة هي المبيّنة له والشارحة لمراده , وتحتوي على تفصيل الشريعة ممّا أجمل فيه , حتى قيل :إنّ القرآن أحوج إلى السنة , منها إليه (1).
فلو كانت المحافظة على الشريعة من خلال القرآن داعية إلى كتابته , فهي بنفس الملاك تستدعي كتابة السنة لاحتوائها على أكثر الشريعة .
فكيف ينهى عن كتابتها وتدوينها ? !
وأمّا التعبّد بلفظ القرآن في التلاوة , دون لفظ السنة :
فإن ذلك أدعى إلى إيجاب حفظه , وتلقيه بالسماع والقراءة بالمشافهة , وأبعد من استلزام كتابته المعرّضة للتصحيف ! فمن الغريب أن تجعل التلاوة من دواعي الكتابة !
وأمّا التفرقة بين كتابة القرآن وكتابة السنة في الحكم : باعتبار حجم كلٍّ منهما , وأنّ القرآن صغير فكتابته لازمة , والسنة كبيرة الحجم فلا تكتب !
الهامش:
(1) قد أوردنا طرفا مما دل على هذا المعنى في الفصل الثالث من هذا القسم الثاني ( ? 347 ) .
=====================?401
فهي غريبة جدّاً , لأنّ النصّ الصغير يكون حفظه أسهل وضبطه في الحافظة أسرع , فلا يكون صغر حجمه أدعى إلى كتابته ,بل أدعى غلى حفظه , بخلاف النص الكبير , فبما أنّ حفظه على الخاطر أصعب تكون كتابته أسهل وألزم .
ولو احتاج الصغير إلى الضبط بالكتابة والتدوين , فالكبير هو الأحوج إلى ذلك بالأولوية القطعية ? !
ولا ينقضي عجبي من قول الشيخ الدكتور : خصوصاً من أمّة أمّيّة كالعرب ,كيف يريد أنْ يستبعد بذلك أمركتابة السنة , بينما هو يؤكّد أمر هذه الأمة – نفسها –بكتابة القرآن ? ! ? فهل كتابة القرآن لا تنافي أميّة العرب ? أو أنّ من يستطيع أنْ يكتب القرآن في حجمه , يصعب عليه أنْ يخلّد كتباً في السنة بمثل حجم القرآن ومقدار آياته ?
وأمّا أنّ السنّة قول وفعل وتقرير , فتكون واسعة الأطراف ليس بإمكان أحد حصرها كلها وضبطها وتقييدها , بخلاف القرآن , فإنه محدود , والرسول يكرّره في الأمكنة والأزمنة .
فنقول : إنّ سعة أطراف السنة أدعى للزوم ضبطها بالكتابة , دون الاعتماد على حفظها , لأنها حينئذ معرّضة لآفات الذاكرة , وموت الحافظين , بخلاف الكتب فإنها أخلد ? المفروض أن يقوم كل راوٍ بتسجيل ما رواه أو رآه , حتى تجتمع السنة كلها في مجموع الكتب كما هو الحال الآن .
بخلاف ما كان صغير الحجم ومكرّر الذكر , فإنّ حفظه على الخواطر أيسر لصغره وتكرره , فتكون الحاجة إلى كتابته أقلّ , بخلاف السنة , فهي أولى بالتسجيل لئلاّ تتلف أو تفلت , وأصدق شاهد على ذلك لجوء الأمة إلى تدوينها , ولو بعد حين !
=====================?402
وقد ظهر من مجموع ما ذكرنا أنّ الشيخ عبد الغني لم يقدّم ما يصلح للتفرقة بين القرآن والسنة ,في حكم الكتابة .
فالحقّ أنه لا وجه للمنع عن كتابة السنة على أساس عدم معرفة العرب للكتابة أو قلّة الكتّاب فيهم , بل الإسلام - دين المدنية - أكّد على الكتابة ومحو الأميّة بكلّ ما لديه من قوّة وحول وطول , فبدأ بأعزّ نصوصه وهو القرآن الكريم ,ثمّ أتبعه بالسنة , فحثّعلى كتابتهما بأوسع نطاق , فسجلهما الصحابة بأمره وإرادته , ولم يألوا بعده جهداً في كتابتهما , لتبقى السنة إلى جنب القرآن , أداةً ربّانيّةً لهداية البشر , إلى يوم الحشر .
وقد حاول المعلمي - أيضاً - التفريق بين السنة والقرآن في حكم الكتابة , فقال : إنّ القرآن كان يحفظ بطريقين : الأولى : حفظ الصدور, والثانية : بالكتابة … . فأما السنة فمخالفة لذلك في أمور :
الأوّل : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يّعْنَ بكتابتها , بل اكتفى بحفظهم في صدورهم , وتبليغهم منها , أي بنحو الطريق الأوّل في القرآن .
الثاني : أنها كانت منتشرةً لا يمكن جمعها كلّها بيقين .
الثالث : أنه لم يتّفق لها في عهد الصحابة ما اتفق للقرآن إذ استحرّ القتل بحفّاظه من الصحابة قبل أنْ يتلقّاه التابعون , فإنّ الصحابة كانوا كثيراً , ولم يتفق أن استحرّ القتل بحفّاظ السنة منهم قبل تلقّي التابعين .
الرابع : إنهم إذا همّوا بجمعها رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في جمع القرآن : هو والله خيرٌ ,أي خيرٌ محض , لا يترتب عليه محذورٌ .
======================?403
كانوا يرون أنه يصعب جمعها كلها , وإذا جمعوا ما أمكنهم خشوا أن يكون ذلك سبباً لردّ من بعد هم ما فاتهم منها .
وخشوا - أيضاً - من جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن أن يقبل الناس على تلك الكتب ويدعوا القرآن .
فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها بطريق الرواية , ويكلوها إلى حفظ الله تعالى الذي يؤمنون به (1).
أقول : في هذا الكلام مواقع للبحث :
الأوّل : قوله: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يعن بكتابتها !.
فهذا على إطلاقه باطل , حيث أنّ أحاديث الإذن , بل الأمر بالكتابة , وإملائه صلّى الله عليه وآله وسلّم الحديث على الصحابة , مشهورةٌ , بل متواترةٌ معنىً لدلالتها على الإذن بكتابة الحديث , كما مرّ مفصّلاً .
ثمّ إنّ البحث ليس في مجرّد عدم كتابة الحديث , بل في سبب النهي عنها ومنعها ? !
الثاني : قوله :بل اكتفى بحفظهم … .
إن نسبته هذا الفعل إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , غير جائزة , حيث لم يردْ عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم ما يدلّ على أنه أراد أو أمر بأن تكون السنة - مطلقاً - محفوظةً في الصدور فقط , وانحصار طريق المحافظة عليها بذلك وحد ? .
الهامش:
(1) الأنوار الكاشفة ( ? 45 ) .
========================?404
نعم , ورد حديث : من حفظ على أمتي أربعين حديثاً …, لكنه مع انحصاره برقم الأربعين, قد اختلف الأعلام في المراد بالحفظ المذكور فيه : هل يختصّ بحفظ الصدر ,أو يراد به المحافظة التي منها الكتابة أيضاً , والأكثر على الثاني , ولجأوا إلى تأليف (الأربعينات الحديثية ) لذلك.
الثالث : قوله : إنها كانت منتشرةً لا يمكن جمعها كلها … .
فيه : أنّ انتشار السنة لا يؤدّي إلى الالتزام بعدم كتابتها رأساً , بل المفروض أن كلّ واحد من الصحابة يكتب , أو يملي على من يكتب, الحديث الذي رواه وسمعه وتحمّله , محافظة عليه , وكلّ مكلفٌ بما عنده وبما بلغه , وبتضافر الجهود كانت السنة تجمع كلها أو جلّها , كما حصل للمتأخرين منهم في عصر تأليف كتب السنة , فإنّ أحداً منهم لم يحاول - ولم يدّع - أنه جمع السنة كلّها في كتاب واحد ?!
ثمّ هل ترك كتابتها أدى إلى حفظها ?
مع أن ذلك الذي فاله لا يقتضي منع كتابة الحديث والنهي عنها إلى حدّ الحبس والتهديد والإحراق للكتب !
وقد أشرنا في جواب الدكتور عبد الغني إلى طرف من هذا .
الرابع : قوله : لم يتّفق لها في عهد الصحابة ما اتّفق للقرآن إذ استحرّ القتل بحفّاظه من الصحابة … ولم يتّفق أن استحرّ القتل بحفّاظ السنة منهم قبل تلقّي التابعين !.
===================?405
إنّ هذا الكلام مما يضحك الثكلى !
فبعد التغاضي عن أن السؤال : عن وجه أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بكتابة القرآن ,مع نهيه – حسب الادعاء - عن كتابة السنّة في عصره؟!
وكلامه إنّما يدور على ما بعد ?.
نقول بعد هذا : إنّه يفرض في الصحابة حفّاظاً للقرآن , ويفرض فيهم حفّاظاً للسنة, ويجعل القتل يستحرّ بالأوّلين , دون الآخرين , يقول : إنّ التابعين تلقّوا من حفّاظ السنّة , دون حفّاظ القرآن .
وهذه كلها دعاوٍ فارغةٍ , لا تصحُ :
فمن أين جاء بهذه التقسيم بين الصحابة , هل كانت هناك معاهد متخصّصة بالقرآن , وأخرى بالسنة , تخرّج جمعٌ من الصحابة من هذا المعهد , وجمع من ذاك ! ?
وهل كان الجهاد الذي اشترك فيه الصحابة ,واجباً على حفّاظ القرآن فقط , دون حفّاظ السنّة ?
وهل كان التابعون يتعمّدون عدم تلقّي القرآن من حفّاظه , ويقصدون التلقّي من حفّاظ السنّة فقط ? !
ثمّ إنّ الآفات المهدّدة للسنّة لم تنحصر بالقتل , بل كان الموت الحقّ لحامليه بالمرصاد (1) وآفات الذاكرة(2) .
أضف إلى ذلك عمليّات الإبادة من الدفن والإحراق والإماثة في الماء , التي تعرّضت له كميّات كبيرة من السنة .
الهامش:
(1) انظر الحديث والمحدّثون لأبي زهو ( ? 127 ) حيث يقول : ومرور هذا الزمن الطويل ( يعني القرن الأوّل ) كفيل بأن يذهب بكثير من حملة الحديث من الصحابة والتابعين .
(2) فهذا أنس بن مالك - خادم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم - سئل عن البسملة في قراءة الصلاة , فأجاب :قد كبرت ونسيت ! مع أن هذا داخل في الصلاة التي لا تترك بحال ! ويؤدّيها المسلم خمس مراتٍ يوميّاً على أقل تقدير !
وأنس قد توفّي سنة 92 هـ فلاحظ ,وقد مرّنسيان زيد بن أرقم للحديث في (?377).
=================?406
ألم يكن كلّ ذلك اتفاقاً لحفّاظ السنّة , يدعو إلى المحافظة على السنة بالكتابة والتقييد؟! مثل ما حصل للقرآن إذ استحرّ بحفّاظه القتل ?!
بل الحقيقة أنّ كلّ ما هدّد القرآن الذي حمله الصحابة , كان يهدّد السنة التي كانوا يحملونها أيضاً .
لكنّ الذين اهتمّوا بالقرآن , فجمعوه , ولم يأبهوا بالسنة بل منعوها , هم الذين حملوا شعار الفصل بين القرآن والسنة فأعلنوا مقولة : حسبنا كتاب الله !
وسيأتي الكلام عنهم وعن مقولتهم مفصّلاً , إن شاء الله .
الخامس : قوله :رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في القرآن ? هو والله خيرٌ .
عجباً لهذا الكاتب ! كيف يكتب مثل هذا في كتابه مدّعياً انتصاره للسنة , وكيف يصحّ أن ينفي عن السنة أن تكون خيراً محضاً , أليس خيرُ الهدى هدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ?
وأما الخشية من ردّ من بعدهم .
فهذا لم يذكره أحد من الممتنعين عن تدوين الحديث ولا المانعين , وإنما هو من نسج خيال هذا الكاتب ومن أخذ منه .
فهو باطل محضٌ , فإذا ثبت الحديث للصحابي الذي تلقّاه من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , فعليه تبليغه , سواء ردّه غيره , أم لا ?
====================?407
ولا يمنعه ردّ غيره فضلاً عن خشية ردّه ! والتبليغ يتمّ بأداء لفظه وكتابة نصه .
وإذا كانت هذه الخشية مانعة عن تبليغها بالكتابة , فلماذا لم تكن مانعةً عن تبليغ السنة بالنقل الشفوي والرواية !
السادس : قوله : وخشوا - أيضاً - … أن يقبل الناس على تلك الكتب ويدعوا القرآن .
وهذه الدعوى هي التي تعرّضنا لردّها بتفصيلٍ في الفصل الثالث من هذا القسم , فراجع .
ثمّ إنّ هذا الكلام إنما يتمّ لو كان القرآن مكتوباً متداولاً بشكل مصاحف , شائعاً تلاوته منها , بحيث يكون كتاب الحديث على تلك الدعوى مؤدّياً لأن يدع الناس القرآن , ويشتغلوا بكتاب الحديث .
لكن من يرى أنّ القرآن لم يجمع - وإن كان مكتوباً متفرّقاً - ولم يعتمد المسلمون في العهد الأوّل إلاّ على نصّه المحفوظ في الصدور , بوجوده اللفظي , وأنّه هكذا تواتر , لا بوجوده الكتبي (1).
إنّ هؤلاء ليس لهم أن يتمسّكوا بهذه الدعوى لمنع كتابة الحديث , حيث إن الحديث على فرض كتابته لا يمكن أن يزاحم القرآن المستقرّ في الصدور والقلوب , وهو واضح .
الهامش:
(1) لاحظ حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ( ? 407 - ) وفتح الباري لابن حجر (1/114) والنشر في القراءات للجزري (1/6) .
=================?408
والكاتب - المعلمي - هو من هؤلاء , حيث يقول في كتابه : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكتب مصحفاً , وإن أبا بكر وعمر وعثمان - مدّة من ولايته - لم يكتبوا إلاً مصحفاً واحداً بقي عندهم ,لا يكاد يصل إليه أحدٌ (1).
وإذا كان هذا موقف الأمراء من كتابة القرآن , فما حال سائر الناس ? !
وإذا كانت نسخ القرآن بهذه القلّة وكان القرآن محفوظاً في الصدور , فكيف يكون كتاب الحديث مؤدّياً إلى الاشتغال عن القرآن ?
مضافاً إلى ما ذكرنا في الفصل السابق من أن الحديث ليس معارضاً للقرآن حتى يكون الاشتغال به شاغلاً عن القرآن ? .
وقبل هذا وبعده ,فيكفي للردّ على المعلمي وعبد الغني ومن لفّ لفّهما :قول الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر :لقد كان استيعاب الأحاديث سهلاً – لو أراد الله تعالى ذلك ! –بأن يجمع الأوّل منهم ما وصل إليه ,ثمّ يذكر من بعده ما اطّلع عليه ممّا فاته في حديث مستقلٍّ أو زيادة في الأحاديث التي ذكرها ؟؟؟ وكذا من بعده ,فلا يمضي كثير من الزمان إلاّ وقد استُوعبتْ وصارتْ كالمصنّف الواحد , ولعمري لقد كان هذا في غاية الحسن .
أقول : ما أكمل هذا الكلام ! لو لم يضع لائمة تركه على مقام قدس إرادة الله تعالى عن ذلك ,بل يلوم المانعين عن تدوين الصحابة الكرام لحديث الرسول كله كما صنع المتأخرون ما يقرب من ذلك ,حسب تعبير السيوطي (2).
فعلى أولئك المانعين تقع مسؤوليّة عدم تحقّق ذلك الأمر العظيم بصورة كاملة وعلنيّة !? وضياع كثير من الشواهد والمتابعات على القضايا والأحكام ؟؟
لكنّ الله الذي وعد بحفظ هذا الدين ونصره وأراد له الخلود والمجد, قيّض لحفظ السنة أعلاماً من المعارضين للمنع , والمنافحين عن الحديث الشريف والسنّة الشريفة , بكل ما أوتوا من حول وقوّة , فقاموا بما يجب من أمر تدوينه وكتابته كتسجيله وضبطه وتخليده في الكتب والمدوّنات ,بإشراف الرسول الطاهر نفسه صلّى الله عليه وآله وسلّم في عصره الأزهر ,? من بعده بريادة عليّ أمير المؤمنين وأولاده الأطهار عليهم السلام , ثمّ شيعتهم الأبرار , حتّى بقي عندهم بنصّه ولفظه ,مضبوطاً لا ريب فيه ولا خلل يعتريه , والحمد لله ربّ العالمين على هذه النعمة
الهامش:
(1) الأنوار الكاشفة ( ? 48 ) .
(2) تدريب الراوي (48) .
======================?409
الفصل السادس
القول الفصل في سبب المنع
وبعد هذا التجوال الطويل - في هذه الفصول الخمسة - اتضحتْ لنا - بالقطع واليقين - الحقيقة التالية : أنّ تلك التبريرات - كلها - لا تصحّ أنْ تكون شيء منها سبباً واقعيّا لمنع تدوين الحديث ,وإنْ تذرّع بها المانعون , وليس في واحد منها مقنع للإجابة على السؤال الذي طرحناه لماذا منعوا عن تدوين الحديث ?
وقد عرفنا أنّ أهمّ ما يمكن توجيه المنع به هو الأحاديث المرفوعة الدالّة على النهي الشرعيّ عن التدوين .
ولكن : مضافاً إلى ما ذكرناه في الفصل الأوّل من هذا القسم , من الإجابات عن ذلك بإثبات ضعف أسانيدها . وكونها معللّة غير قابلة للاحتجاج بها أو الاستناد إليها في إثبات المدّعى في قبال الأحاديث المستفيضة الصحيحة , الدالّة على تحقّق التدوين , وجوازه وإباحته في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , بعد إقامة الأدلة الأربعة على جواز التدوين وإباحته في القسم الأول من هذه الدراسة .
====================?410
مضافا إلى كلّ ذلك , نقول :إنّ استمرار الخلاف في أمر التدوين , وعدم
خضوع المبيحين لإجراءات المنع , دليل على أمرين :
1- أنّ أحاديث النهي عن التدوين ليست صحيحةً , وإلاّ , لم يكن أكثر الصحابة والتابعين على خلاف المنع , بل فيهم من قام عملاً بتدوين الحديث وجمعه في الصحف .
2- أنّ المنع , لم يكن أمراً شرعياً , بل كان رأياً ارتآه المانعون , استناداً إلى أمور خاصّة , ظهرت لهم, ولم يوافقهم عليها سائر الصحابة .
وهذا الأخير يتّضح بشكلٍ أكثر , إذا لاحظنا تعليلاتهم للمنع , تلك المختلفة , بل المتنافية في بعض الجهات , كما مرّ ذكر ذلك تفصيلاً .
بل , إنّ لجوء المانعين إلى طرح مثل هذه التبريرات , التي أثبتنا بطلانها , لهو دليل واضح على عدم أصالة المنع كحكم شرعيّ .
وإذا كان المنع على أساس ما يراه الصحابيّ مصلحةً , فإنّ للصحابة الآخرين حقّ الاعتراض عليه , فلا يكون ما يراه الصحابي حجة على الصحابي الآخر , إلاّ إذا أقام له الدليل الشرعيّ المقنع , كما هو الحال في المجتهدين (1).
الهامش:
(1) لاحظ المستصفى للغزالي (1/261- 262 ) فإنه قال : ليس بحجة فانقضاء الدليل , والعصمة , ووقوع الاختلاف بينهم , وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه , ثلاثة أدلة قاطعة . ولاحظ إرشاد الفحول للشوكاني ( ? 226 ) وحجية السنة ( ? 465 ) .
=======================?411
ولمّا لم تكن التبريرات المطروحة مقنعةّ للإجابة عن سبب المنع ? فالذي يستغرب في الأمر : أنّ المصلحة المعتمدة لدى المانعين لم تذكر بوضوحٍ , ولم يعلنْ عنها ?
ويبدو أنّ كلّ التبريرات المذكورة , إنما ذكرتْ لمجرّد إسكات المعارضين , وخاصّة تلك التي يتذرّع فيها باسم القرآن وصيانته ?
فكأن فيه إيماءً إلى أنّ المعارضة ستتهم بالإساءة إلى القرآن وهدر كرامته , بإقدامهم على تدوين الحديث ? !
ومن هنا يعرض لنا سؤالٌ آخر : لماذا أخفوا المصلحة التي رأوها موجبة لمنع تدوين الحديث والسنّة , ولماذا لم يفصحوا عنها ?
فالمصلحة التي تفرض : لا بدّ أنْ تحتوي علي العناصر التالية(1).
1 - أن تكون خطيرة , يخشى من إبدائها والإعلان عنها .
2 - أن تكون غير مقبولة من قبل المعارضين للمنع .
3 - أن يكون الممنوع مرتبطا بالقرآن , ليتمّ للمانعين اعتذارهم بصيانة القرآن , وأنهم لا يلبسوه بشيء .
4 - أن تكون زائلةً بعد القرن الأوّل , بحيث لم تعدْ للمنع مصلحةٌ حينذاك , فانقلب أمرها إلى الإباحة .
الهامش:
(1) لقد تأملنا تاريخ التدوين لاستخراج هذه العناصر , بعون الله وتوفيقه , وكما يرى الباحث المدقق فإنّ كلّ واحدٍ منها يستفاد من مكانٍ في فصول هذا الكتاب .
====================?412
========================? 412
وبعد التأمّل العميق في ما يناسب أن يكون مصلحةً للمنع من قبل المانعين , تجتمع فيه العناصر المذكورة , علمنا _ بعون الله _ أن المصلحة إنما كانت
تدبيراً سياسيّاً من قبل الخلفاء ,وخاصّةً في الصدر الأوّل ,بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .
وهذا التدبير السياسيّ واضح من خلال رواية ,رواها الخطيب البغدادي , بسنده , عن عبد الرحمن بن الأسود , عن أبيه , قال :جاء علقمة بكتاب من مكّة _ أو اليمن _ صحيفة فيها أحاديث , في أهل البيت _ بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم _ فاستأذنّا على عبد الله , فدخلنا عليه , قال : فدفعنا إليه الصحيفة ,قال : فدعا الجارية , ثمّ دعا بطست فيها ماء .
فقلنا له : يا أبا عبد الرحمن , انظرْ فيها , فإنّ فيها أحاديث حساناً فجعل يميثها فيها , ويقول : ( نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن)
[ الآية (3) من سورة يوسف (12)] القلوب أوعية , فأشغلوها بالقرآن , ولا تشغلوها ما سواه(1).
إنّ الصحيفة المعرّضة للإبادة في هذا الحديث , واضحة المحتوى , فإنّ فيها أحاديث حساناً كما يقول علقمة .
كما أنّ موضوعها يرتبط بأهل البيت عليهم السلام , وكأنّ الراوي اعتنى بهذه النقطة , فاستعمل عطف البيان للتأكيد على المراد بأهل البيت , ولكي يلفت نظر عبد الله بن مسعود إلى أنهم أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .
الهامش:
(1) تقييد العلم ( ? 54 ) ونقلها محمد عجاج الخطيب في أصول الحديث (? 155-156) .
=================?413
لكنّ عبد الله لم يعر اهتماماً , وأباد الصحيفة .
والتبريرات المذكورة لمنع التدوين , لا يجري شيء منها هنا :
فلا اختلاط لما في الصحيفة , بالقرآن .
وليس فيها ما يعارض القرآن وينافيه .
ولا فيها من خرافات أهل الكتاب شيء .
كما أن الاشتغال بها لا يؤدّي إلى ترك القرآن , لأنّ مجرّد أحاديث في صحيفة , لا تلهي عن القرآن .
ومع كلّ ذلك , فإنّ عبد الله قد أباد الصحيفة , محاولاً أنْ يوهم أنّ القرآن يغني عمّا فيها ? مع أنه كان مخطئاً في فرضه أنّ الاشتغال بالحديث هو اشتغال بما سوى القرآن , لأنّ الحديث لا ينفصل عن القرآن , بل هو يعضد ? .
ولو دقّقنا النظر في هذا الحديث , وجدنا أنّ محتواه هو الذي كان يضرّ السلطة الحاكمة , وينافي سياستها القائمة , لأنّ الأحاديث النبويّة الواردة في أهل البيت عليهم السلام , إنما تدلّ على فضلهم , وتوكّد على خلافتهم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتجعلهم قرناء للقرآن , ليكونوا هم وهو خليفتين له , من بعده .
وأمّا سائر أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , سواءٌ في الأحكام والفرائض , أو الآداب والسنن , فهي لا تمسّ كيان السلطة بشيء .
===================?414
ولذا لم يشملها المنع بنحو شديد , قداستثنيت من المنع حتى بصرة الإقلال :
قال عمر : أقلّوا الرواية عن رسول الله , إلاّ في ما يعمل به(1).
وقال الدارمي _ في شرح منع عمر عن الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم _ ما نصّه : معناه عندي الحديث عن أيّام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليس السنن والفرائض(2).
وإنّما أصدرت أوامر المنع وإجراءاته بصورة عامّة , فلأنّ التدبير السياسي يقتضي منع الحديث بالعموم , حتى يشمل المنع الأحاديث المضرّة بالسياسة .
وإنّما لم يخصّ المنع بما يضرّ , فلأن تخصيصها بالمنع يؤدّي إلى وضوح الهدف من المنع , وانكشاف المصلحة الموضوعة له .
والإعلان عن تلك المصلحة غير ممكن , لأنّه يوجّه الأنظار إليها بشكل أكثر تركيزا , فيوجب نقض الغرض المترقّب من المنع , ويعكس المصلحة إلى مفسدة لا تتدارك .
وإنّما خصّ أهل البيت عليهم السلام بذلك :
لأنّهم كانوا يعتبرون زعماء المعارضة السياسيّة, الذين بقوا في الساحة , وكان المسلمون يتطلّعون فيهم الخلافة ويعتقدون لهم الإمامة (3).
الهامش:
(1) البداية والنهاية لابن كثير (8/ 107) .
(2) سنن الدارمي (1/73) ? 286 , وانظر جامع بيان العلم (2/121) .
(3) اقرأ كتاب ( النظام السياسي في الإسلام) تأليف المحامي أحمد حسين يعقوب .
======================?415
وحجّتهم في ذلك الأعداد المتضافرة من الأحاديث النبويّة , التي تبلغ اليوم _ رغم بُعد الزمن , وعصف الأعاصير , ورغم كلّ عمليّات المنع , والإبادة , والتحريف _ تبلغ الآلاف (1).
فكيف بها تلك الأيّام , وهي لا تزال تمثُل لرواتها _ من الصحابة _بمنازلها , ومناظرها , وأحداثها , ومناسباتها , وأسبابها ? والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يزال حيّاً في الخواطر , والأذهان , يحدّثهم بما لأهل بيته من فضل , وما لهم من منزلة ومقام ?!
ولا شك في أن كثيراً من أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كانت تشيد بعليّ عليه السلام _ زعيم أهل بيت النبيّ _ عليه الصلاة والسلام ,وتنصُّ عليه بالولاية والإمامة , وكانت النصوص غضّةً , نضرةً , تنبض مشاهدها بالحياة , ويرنُّ صداها في الأسماع .
فلو كان مسموحاً للأمّة أن يتداولوها , ويحدّثوا بها , ويكتبوها , ويضبطوها لكانت ترتسم في الأذهان , وتعلق بالأفكار , وتنعقد عليها القلوب , وتبنى بها قواعد العقائد , فيكون لذلك تأثيرٌ سياسيٌّ عميقٌ على نظام الحكم , بلا ريب .
فكان المنع الرسمي للحديث أفضل تدبيرٍ سياسيٍّ , للوقوف في وجه ذلك .
فالمصلحة المنشودة من هذا التدبير , هي : إخفاء الأحاديث النبويّة التي تدل
على خلافة عليّ عليه السلام وإمامة أهل البيت عليهم السلام , بعد النبيّ صلّى
الله عليه وآله وسلّم .
الهامش:
(1) لاحظ شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد (4/73) .
=============?416
وهذه المصلحة تحتوي على العناصر المطلوبة , التي ذكرناها :
1 _ فهي خطرة للسلطة .
إذ لو نشرتْ هذه الأحاديث وأذيعتْ وتداولها الناس لما استقرّ الحكم قائماً ,
إذ هو اعتمد على أساليب أصدق ما يقال فيها أنها ( فلتة ) (1).
الهامش:
(1) وقد روى البخاري في صحيحه , كتاب المحار بين , باب رجم الحبلى من الزنى , الحديث الوحيد في الباب - وهو طويل - ومن خطبة عمر يوم الجمعة وفيه قوله : بلغني أنّ قائلاً منكم يقول :والله لو مات عمر بايعتُ فلاناً ,فلا يغترنَّ امرؤ أنْ يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً ,وتمّت ,ألا وإنها كانت كذلك , ولكن الله وقى شرّها .
وفي الحديث : من بايع رجلاً على [أو :عن ] غير مشورة من المسلمين , فلا يبايع [أو : يتابع ] هو ولا الذي بايعه تغرّة أنْ يقتلا .
صحيح البخاري - دار إحياء التراث العربي - ( ? 8 ? 210 - 211 )
وقال الخطابي : في حديث عمر : أنه قال : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة , وقى الله شرها .
أقول : وبهذا اللفظ ورد في مصادر عديدة , إليك بعضها :
المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ( 3/355?5/441) ومسند أحمد (1/56) وسيرة ابن هشام (4/308) وتاريخ الطبري (3/200 - 205 ) والملل والنحل للشهرستاني - الخلاف الخامس (1/30 - 31 ) والرياض النضرة (1/232) وشرح نهج البلاغة للحديدي (2/23) والكامل في التاريخ لابن الأثير (2/326) والنهاية لابن الأثير (3/175 ?467 )? تاريخ الخلفاء للسيوطي (? 51 ) .
والفلتة : فسّرها أهل الغريب بالأمر الفجائي يحدث من غير رويّة ولا إحكام فانظر الفائق للزمخشري (3/139) وغريب الحديث لأبي عبيد (2/231) ? (2/ 356) والنهاية لابن الاثير , والمعجم الوجيزتأليف مجمع اللغة العربية بالقاهرة .
والإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول عن بيعة الناس له : إنّ هذه بيعة عامة من ردّها رغب عن الإسلام , وانها لم تكن فلتةً . رواه الدينوري في الأخبار الطوال ( ? 140 ) وأنّ عليّاً عليه السلام قام خطيبا فقال :…
و رواه في الخطبة ( 136 ) من نهج البلاغة قوله عليه السلام : لم تكن بيعتكم إيّاي فلتةً ,قال صبحي الصالح : الفلتة : الأمر يقع من غير رويّة ولاتدبّر .
وقال الإمام الزيدي يحيى بن الحسين الهادي (?298هـ): أين الإجماع [ على خلافة أبي بكر ] وعمر يقول على المنبر :إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتةً , وقى الله شرّها فمن عاد لمثلها فاقتلوه؟
وأضاف :والفلتة فهي النهزة والخلسة والاغترار والمبادرة ,فكيف يكون إجماع على شيء انتهز وبودر واختلس من أهله اختلاساً؟؟ تثبيت الإمامة (?13-14).
======================?417
فإذا تمكّن الإمام عليٌّ عليه السلام وأنصاره , من إظهار النصوص الشرعيّة الكثيرة المسندة , الدالّة بوضوح على أنّ عليّاً عليه السلام هو وليّ الأمر من بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهو الذي جعله النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بمنزلة هارون من موسى في كلّ شيء إلاّ النبوّة , وهو الذي قال فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم :من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه, وانصر من نصره, واخذل من خذله .
فإذا ظهرتْ هذه النصوص للناس , لما بقي الوضع على قراره .
2 _ إنّ هذا الإخفاء لم يقبل من قبل المعرضة المتمثلة في الإمام عليه السلام وأنصاره .بل تزعّم الإمام القول بإباحة التدوين , ولم ينصعْ , لا هو ولا أنصاره لأوامر المنع من التدوين , ولا لأوامر منع نقل الحديث , كما سيأتي , فقاوموا كلّ ذلك بصلابة .
3 _ إنّ تلك الأحاديث فيها الكثير مما قرن فيه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بين عليّ وأهل بيته , وبين القرآن .
كما في حديث : عليّ مع القرآن , والقرآن مع عليّ (1).
الهامش:
(1) حديث معروف رواه الحفاط , وقد فصّلنا الكلام حوله في مقدّمة تفسير الحبري ( ? 153-163) .
================?418
وحديث الثقلين , الذي فيه : إنّي مخلّف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي
أهل بيتي(1).
4 _ إنّ الإخفاء قد أثّر آثاره العميقة في الأمّة في صدر القرن الأوّل :
وامتداد المنع الرسميّ إلى نهاية القرن الأوّل كان كافياً لطمس معالم تلك الأحاديث بشكلٍ وافٍ , فلذلك لم يعدْ لإظهارها بعد ذلك أيّ أثرٍ معاكس على السلطات , فلذلك رفع المنع المذكور .
كما لم يبق مبرّر لاستمرار لعن عليّ أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر,بعد أن ملأوا به الأجواء وربّوا عليه الأجيال ,فرفع في هذا الكقت بالذات؟
إنّ وجودهذه العناصر في هذه المصلحة , وعدم تصوّر مصلحة أخرى , تؤكّد صحة أن يكون السبب الأساس لمنع تدوين الحديث هو هذا التدبير السياسي .
ولقد ذكر المعلمي _ أحد كبار علماء التسنن المعاصرين _ في تعليق له على مرسل ابن أبي مليكة _ المحتوي على منع أبي بكر للناس عن الحديث بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(2) _ فقال : إنْ كان لمرسل ابن أبي مليكة أصلٌ فكونه عقب الوفاة النبويّة يشعر بأنه يتعلّق بأمر الخلافة .
كأنّ الناس عقب البيعة بقوا يختلفون , يقول أحد هم : أبو بكر أهلها , لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : كيت وكيت ,فيقول آخر: وفلان !قد قال له النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم :كيت وكيت .
فأحبّ أبو بكر صرفهم عن الخوض في ذلك , وتوجيههم إلى القرآن(3) .
والملاحظ: أنّ المعلمي لا يجرؤ على ذكر اسم عليّ حتى في هذا العصر , فيقول ( وفلان ) وهو يعني عليّاً ,حيث لم ينصب للخلافة ولم يتصدَّ للمعارضة _يومذاك – أحد غيره !
الهامش:
(1) قد سبق نقل مصادر هذا الحديث في القسم الأول ( ? 114 - 116 ) .
(2) سيأتي التعليق عليه ( ? 423 ) وقد مر ذكره ( ? 265 ) .
(3) الأنوار الكاشفة ( ? 54 ) .
==============?419
وقال السيّد هاشم معروف الحسني _ من علماء الشيعة المعاصرين _ : ولو تقصّينا الأسباب التي يمكن افتراضها لتلك الرغبة الملحّة في بقاء السنة في طيّ الكتمان , لم نجد سبباً يخو له هذا التصرف , ولا نستبعد أنه كان يتخوّف من اشتهار أحاديث الرسول في فضل علي عليه السلام وأبنائه عليهم السلام(2) .
ويوضّح هذا الهدف ما رواه الزبير بن بكّار (?256هـ)بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد , قال : قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجّاً , سنة (82) وهو وليّ عهد , فمرّ بالمدينة , فدخل عليه الناس , فسلّموا عليه ,وركب إلى مشاهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , التي صلّى فيها , وحيث أصيب أصحابه بأ حد , ومعه أبان بن عثمان , وعمرو بن عثمان , وأبو بكر بن عبد الله , فأتوا به قباء , ومسجد الفضيخ , ومشربة أم إبراهيم , ? أحد , وكلّ ذلك يسألهم ؟و يخبرونه عمّا كان ,ثم أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ? مغازيه .
فقال أبان : هي عندي , قد أخذتها مصحّحةً , ممن أثقُ به .
فأمر بنسخها , وألقى فيها إلى عشرة من الكتّاب, فكتبوها في رقٍّ , فلما صارت إليه , نظر , فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين , وذكر الأنصار في بدر .
الهامش:
(2) دراسات في الحديث والمحد ثين ( ? 22 ) .
===================?420
فقال : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل , فإما أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم , وإما أن يكونوا ليس هكذا .
فقال أبان بن عثمان : أيّها الأمير , لا يمنعنا ما صنعوا … أن نقول(1) بالحق , هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا .
قال [ سليمان ] : ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين , لعله يخالفه , فأمر بذلك الكتاب , فخرق , وقال : أسأل أمير المؤمنين إذا رجعت , فإن يوافقه فما أيسر نسخه .
فرجع سليمان بن عبد الملك , فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان , فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل ؟تعر ? أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها !
قال سليمان : فلذلك _ يا أمير المؤمنين _ أمرت بتخريق ما كنت نسخته حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين !فصوّب رأيه(2).
فإذا كانوا لا يتحمّلون ذكر فضل الأنصار , فكيف يتحمّلون ذكر فضل أهل البيت , وسيّدهم أمير المؤمنين عليه السلام ?
الهامش:
(1) كذا الصواب ظاهرا , وفي المصدر ( أن القول بالحق ) .
(2) الموفقيات للزبير بن بكّار ( ? 222 - 223 ) بواسطة مغازي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ,لعروة ? 28 ).
==================?421
كما يدل عليه ما روى من أن خالد القسري _ أحد ولاة بني أمية الطغاة _طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة , فقال الكاتب : فإنه يمرّ بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب , ? فأذكره ?
فقال خالد : لا , إلاّ أنْ تراه في قعر جهنم (1).
وسنذكر موارد المنع المباشر عن نقل أحاديث المعني بها أهل البيت عليهم السلام (2).
أقول : أمّا نحن , فلا نشكّ في أنّ السبب الأساسي لمنع تدوين الحديث هو هذا الهدف , لما حقّقناه في هذه الدراسة من عدم وجود سبب صحيح آخر له , غيره (3).
ولا يرد على هذا الرأي , إلاّ ما قد يقال من : أن الالتزام به يقتضي أن يكون المنع للتدوين , مصحوباً بمنع أشدّ لأصل الرواية ونقل الحديث , إذ ليس من الصواب لمن يدبّر تلك السياسة أن يمنع تدوين الأحاديث , ويبيح للرواة والسامعين تناقلها وروايتها , فلو ثبت أنّ الحكّام المانعين للتدوين , قد أقدموا على منع الرواية ونقل الحديث شفهاً أيضاً , تمَّ القول بأن الهدف هو التدبير السياسي المذكور ضدّ عليّ وأبنائه عليهم السلام .
فأقول : نعم , وإن مما يؤكّد رأينا بأن المصلحة لمنع تدوين الحديث هو إخفاء الأحاديث النبويّة , الدالّة على إمامة عليّ وأهل البيت عليهم السلام هو أن الحكّام لم يكتفوا بمنع التدوين فقط , وإنما منعوا رواية الحديث ونقله , بشدّ ? .
وإذا صحّ شيء من تلك التبريرات المذكورة في الفصول السابقة , لمنع تدوين الحديث, فأيّ سببٍ ومبرّرٍ يذكر لمنع نقل الحديث وروايته ؟؟
الهامش:
(1) الأغاني (22/ 25 ) .
(2) فلاحظ الصفحات (457_458).
(3) وقد حاول بعض الكتاب إبداء سبب آخر , إلى جنب هذا السبب , في ما كتبه بعد صدور دراستنا هذه , سنتعرض له في ملحق خاصّ في آخر الكتاب .
=====================?422
وإن الروايات والآثار والحقائق التاريخية التي تثبت أنّ الحكّام قاموا بمنع رواية الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تؤكّد أنّ ذلك كان يستهدف غرضاً سياسياً محضاً .
ونحن نعتقد بأنّ الغرض من منع التدوين هو الغرض من منع الرواية بلا فرق .
ولا بدّ لسرد تلك الآثار والروايات والحقائق من متابعة مجريات تاريخ الحديث في القرن الأوّل الهجري _ فترة المنع الرسمي _ لاقتناصها , وتسجيلها .
ثمّ إنّ عمليّة المنع من تدوين الحديث أدّتْ إلى تعرّض الحديث الشريف لأخطار جسيمة , وترتّبت عليه آثار سيّئة , كان من الضروريّ أنْ نجمعها ونذكرها , كي يتبين مدى ما اقترفه المانعون للحديث _ تدويناً وروايةً _ في حقّ هذا الركن العظيم من مصادر الإسلام , ورأينا من المناسب أن نجعل هذين البحثين ملحقين بهذا القسم الثاني :
الملحق الأوّل : في المنع من رواية الحديث ونقله _ أيضاً _ .
الملحق الثاني : في آثار المنع من تدوين الحديث وتقييده .
=====================?423
الملحق الأوّل :
المنع من رواية الحديث ونقله _ أيضا _ .
قال الدكتور صبحي الصالح : إنّ الخلفاء الراشدين ?لم يتشدّدوا في أمر كتابة السنّة وحدها , بل بلغ بهم الورع أنهم راحوا يتشدّدون في روايتها (1).
فلنر :كيف قاموا بهذا المنع , وما كانت اهدافهم من ورائه؟؟
أبو بكر يمنع رواية الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:
قد عرفنا في تمهيد القسم الثاني(1) أنّ أبا بكر كتب الحديث _ بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم _ ثمّ عمد إلى إبادته بالإحراق .
ولم نقف على صدور منعٍ منه للتدوين , سوى هذا الإقدام العملي , الذي قد يكون أدلّ على المنع من مجرد المنع بالألفاظ والكلمات .
لكنا نرى أبا بكر يقدم على منع نقل الحديث وروايته عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بصورة لفظيّة علنيّة .
وقد يكون هذا آكد في كون أبي بكر مانعاً للتدوين , حيث أنّ منع الرواية يلازم منع التدوين بطريق أولى , لأنّ التدوين من أشكال الرواية , بل أثبت وأخلد , ومن يحاول إبادة الحديث ويتصدّى لمجرّد نقله شفهياً فهو على منع تخليده أحرص!!.
مع أنه لا قائل بمنع الرواية وإ باحة التدوين , بخلاف العكس , لأنّ في من منع التدوين عدّة ممن يقول بإ باحة الرواية , بل لم يعهدْ منع الرواية إلا من الخلفاء والأمراء المانعين للتدوين , كما سيأتي .
الهامش :
(1) لاحظ ( ? 263) من هذه الدراسة .
(2)علوم الحديث لصبحي (36).
=================?424
وأمّا حديث منع أبي بكر للرواية :
فرواه الذهبي في ترجمة أبي بكر, قال : إن الصدّيق [ يعني أبا بكر ] جمع الناس بعد وفاة نبيّهم ! فقال : إنّكم تحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحاديث تختلفون فيها , والناس بعدكم أشدّ اختلافاً , فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً , فمن سألكم فقولوا :بيينا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه(1) .
وفي ما يرتبط بهذا النصّ بحثان :
البحث الأوّل : في مدلول كلام أبي بكر , في نقاط :
1? _ في قوله : أحاديث تختلفون فيها .
فالملاحظ أنّ أبا بكر أخبر عن أحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله كان الناس يختلفون فيها , وإذا لاحظنا أنّ الخلافات الواقعة في تلك الفترة محدودة , وأهمّ ما وقع بين الناس من الخلاف والنزاع والتخاصم , هو موضوع الخلافة والإمامة , كما تتّفق عليه كتب التاريخ والفرق(2) إذ لم ينقل – في البداية الأولى من خلافة أبي بكر - أنّ الناس اختلفوا في أحكام الصلاة أو الصوم أو غير ذلك من العبادات أو المعاملات , فالأحاديث المختلف فيها التي توجب الخلاف الأشدّ – في تلك الفترة - إنّما هي تلك التي تمسّ نظام الحكم وتؤثر على سيطرة الحاكمين .
وهذا ممّا يدلّ على أنّ الهدف الأساس من منع الحديث هو منع تلك الأحاديث التي تدلّ على خلافة عليّ عليه السلام وإمامته من الانتشار الواسع بين الناس .
2?_ قوله : لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً .
إنّ ظاهر هذه الجملة هو العموم , لأنّ النكرة ( شيئا ) بعد النهي ( لاتحدّثوا ) تدلّ على العموم , بلا خلاف معروف بين الأصوليين .
الهامش:
(1) تذكرة الحفاظ (1/2 - 3 ) والأنوار الكاشفة ( ? 53 ) .
(2) انظر الملل والنحل (1/22) والإمامة والسياسة - ? زيني - (1/12- 20 ) .
==================?425
3?_ قوله : بيننا وبينكم كتاب الله .
وهذه الجملة خطر ? للغاية , إذْ فيها الدعوة _ علناً _ إلى الاكتفاء بكتاب الله في مقابل الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهي الدعوة التي حذّر منها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحاديث ( الأريكة ) حيث قال : يوشك الرجل متكئاً على أريكته , يحدَّث بحديثٍ من حديثي , فيقول : بيينا وبينكم كتاب الله …(1).
وقد أبدى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم استياءه من قائل تلك الجملة, بعبارات شتى, مثل قوله : لا أعرفنّ … ? قوله : لا ألفينّ … .
كما ردّ النبي صلّى الله عليه وآله على ذلك بقوله :الا ما حرّم رسول الله , كما حرّم الله (2) ردّاً على من فصل بين الكتاب والسنة .
البحث الثاني : مع الذهبي في دفاعه عن أبي بكر :
إنّ الذهبي _ بعد أنْ نقل هذا الحديث , عن أبي بكر _ قال : إنّ مراد الصديق التثبّت في الإخبار , والتحرّي , لا سدّ باب الرواية … ولم يقل : حسبنا كتاب الله ,كما تقول الخوارج(3) .
الهامش:
(1) سنن ابن ماجة (1/6) باب ( 3 ) ? ( 12 ) .
(2) اوردنا نصوص الأحاديث عن مصادرها في ( ? 352 - 356 ) نهاية الفصل الثالث من هذا القسم .
(3) تذكرة الحفاظ (1/3) .
=================?426
أقول : يرد على الذهبي ? مور :
1? _ قوله : مراد الصديق التثبّت … لا سدّ باب الرواية :
ففيه : أنّ من يريد سدّ باب الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ? يريد منع نقل الحديث عنه مطلقاً , هل يجد كلاماً أوضح دلالةً , على عموم المنع , من جملة : لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ?
ولو لم يرد المتكلم بهذا الكلام سدّ باب الرواية , بل كان يريد التثبّت والتحرّي _ كما فرض الذهبي _ لما جاز له أن يأتي بما يدل على عموم المنع والنهي عن الحديث مطلقاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
بل كان عليه أن يقول _ مثلاً _ : لا تحدّثوا ببعض ما تسمعون أو تروون .
أو يقول : لا تحدّثوا بما لا تتثبّتون … .وما أشبه ذلك ,أو يأمرهم بالاحتياط , ويحذّرهم عن الخطأ والاشتباه .
كما أنّ قوله : بيينا وبينكم كتاب الله , فاستحلّوا حلاله , وحرّموا حرامه , قرينة واضحة على أنّ مراده نبذ السنة مطلقاً , والاكتفاء بكتاب الله وما فيه من حلال وحرام , تلك الدعوة التي نادى بها أهل الفصل بين الكتاب والسنة , والاكتفاء بالقرآن مستغنين به عن السنة .
2? _ قول الذهبي :ولم يقلْ _ يعني أبا بكر _ : حسبنا كتاب الله ,كما تقول الخوارج .
أقول : هل يتصوّر الذهبي أنّ منع الحديث والرواية مطلقاً يتوقّف على قول :حسبنا كتاب الله ,فقط ?
======================?427
أليس كلّ ما يؤدّي مؤدّى هذه الجملة , فقائله يكون ممن يمنع الاستناد إلى الحديث , ويدعو إلى الاكتفاء بكتاب الله ?! وترك الحديث والسنّة؟ ومؤدّى حسبنا كتاب الله ,هو الاكتفاء بكتاب الله , في مقابل الحديث الشريف المنقول عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
و قول أبي بكر :بيننا وبينكم كتاب الله , فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه ,بعد قوله :لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ,يؤدّي نفس معنى قول :حسبنا كتاب الله ,بلا أدني فرقٍ , وبوضوح تامٍّ ,ويدل على الاكتفاء بالقرآن وما فيه من حلال وحرام , عما وردت به السنّة .
وبما أنّ أبا بكرٍ ذكر هذه الجملة في مقابل الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , فهو يدلّ على الاستغناء بالقرآن عن الحديث , وهذا واضح لا غبار عليه .
والعجيب أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لما أراد الإنكار على الفصل بين حديثه وبين الكتاب _ في أحاديث ( الأريكة ) حذّر عن قول نفس جملة : بيننا وبينكم كتاب الله … , هذه الجملة بالذات التي قالها أبو بكر في حديث منعه .
ثمّ , أيّ فرقٍ يراه الذهبي بين جملة ? حسبنا كتاب الله ,التي ذكرها هو , وجملة : بيننا وبينكم كتاب الله ,في كلام أبي بكر ؟؟
3?_ قول الذهبي : حسبنا كتاب الله , كما تقول الخوارج .
سبق أنْ تعرّضنا لهذا الكلام بما حاصله : إنّا لم نعهدْ من الخوارج ذكرهم لجملة : حسبنا كتاب الله ,وإنما شعارهم :لا حكم إلاّ لله .
=====================?428
وأمّا جملة :حسبنا كتاب الله ,فهي معروفة من كلام عمر قالها في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وقد جابهه بها , وهو صلّى الله عليه ? آله وسلّم مسجىً على فراش الموت(1)
وذكرنا سابقاً مصادر قول عمر :حسبنا كتاب الله(2).
وأهمّ ما يجب التنبيه عليه في هذا المجال :أنّ النصوص النبويّة الدالّة على وجوب رواية الحديث , ونقله , وتبليغه , ونشره , وحمله , وأدائه إلى الآخرين , متضافرة , لا مجال للتشكيك في صدورها عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , بل هي تجوز حدّ التواتر المعنويّ , وبعض ألفاظها مستفيضٌ قطعاً , إليك بعض نصوصها , ومصادرها :قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : نضر الله أمرءً سمع مقالتي فوعاها , وأدّاها , فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه , وربّ حامل فقه ليس بفقيه (3) .
وقال _ في حديث _ : احفظوهنّ , وأخبروا بهنّ من ورائكم(4).
الهامش:
(1) انظر ( ? 359 ) الفصل الثالث من القسم الثاني .
(2) انظر ( ? 80 - 81 ) الفصل الثاني من القسم الأول .
(3) رواه أحمد في مسنده (1/437) ? (4/80) ? (5/183) وفي طبعة شاكر : (6/96) والحديث رقم (4157) وبألفاظ أخرى في (4/82) ? (3/325) وانظر سنن ابن ماجة (1/4- 85 ) ومستدرك الحاكم (1/87?88 ) وجامع بيان العلم (/39) وكنز العمال (10/ 258) رقم(29375) وقبله وبعده .
(4) فتح الباري لابن حجر (1/194) ومسند أحمد (1/228) .
===================?429
وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم , أنه قال : مثل الذي يتعلّم علماً ثمّ لايحدّث به , مثل رجل رزقه الله مالاً فكنزه , فلم ينفق منه(1) .
وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : من سئل عن علمٍ فكتمه , ألجمه الله بلجامٍ من نارٍ يوم القيامة(2) .
وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: من رغب عن سنتي فليس منّي(3) .
وقد روى حذيفة بن اليمان , قال : دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مرضه الذي قبض فيه , فرأيته يتساند إلى عليّ ,فأردتُ أنْ أنحّيه وأجلس مكانه ?,فقلت : يا أبا الحسن , ما أراك إلاّ تعبتَ في ليلتك هذه , فلو تنحيتَ , فأعنتُك ? فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : دعْهُ ,فهو أحقّ بمكانه منك ,ادنُ منّي يا حذيفة , من أطعم مسكيناً لله عزّ وجلّ دخل الجنّة .
قال : قلت : يا رسول الله , أكتم أم أتحدّث ?
قال : بل تحدّث به (4).
ولا أظنّ مسلماً يتردّد في أنّ حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا بدّ أن ينشر ويبلّغ وينقل , بل إنّ ذلك من بديهيّات الإسلام .
الهامش:
(1) الجامع لأخلاق الراوي والسامع (1/509).
(2) مسند أحمد (2/263?305?495 ?353 ?296 ) وطبعه شاكر : (14/5) ? 7561 ? (15/86) ? 7930 . والمستدرك للحاكم (1/101) وباختلاف في الجامع لأخلاق الراوي(1/509).
(3) الفقيه والمتفقه , للخطيب (1/144) .
(4) مختصر تاريخ دمشق (18/259) .
====================?430
فأينَ كان أبو بكر _ في صحبته الطويلة مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم _ من هذه الحقيقة الواضحة القطعيّة , حتى يقف بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم _ بفترةٍ غير طويلةٍ _ ويمنع من نقل أيّ حديثٍ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله , بقوله :لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ? ?
عمر , والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
لقد عرفنا أنّ عمر كان أوّل من أعلن المنع عن تدوين الحديث , بعد أن أراد كتابته , وشاور الصحابة في ذلك , وأشار عليه عامّتهم بأن يكتب , لكنه خالفهم وعزم على المنع(1) .
وقد وقف عمر من رواية الحديث ونقله موقفه الشديد من تدوين الحديث(2) .
وقد رويت آثار في ذلك , نستعرضها في ما يلي :
1 _ فمنع وفد الصحابة الذين أرسلهم إلى الكوفة من الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
قال قرظة بن كعب : بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة , وشيّعنا إلى موضع قرب المدينة , يقال له :(صرار ) وقال : أتدورن لِمَ شيّعتكم , أو مشيت معكم ?
قال : قلنا : نعم , لحقّ صحبة رسول الله ,أو : نحن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولحقّ الأنصار .
الهامش :
(1)انظر ما ذكرناه في التمهيد للقسم الثاني (?272) .
(2) حتى عدَّ - بحقٍّ - رائداً للمانعين !.
=================?431
قال عمر : لكنّي مشيت معكم لحديثٍ أردت أن أحدّثكم به , فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم , إنّكم تقدمون على قومٍ ,أو :تأتون قوماً , تهتزّ ألسنتهم بالقرآن اهتزاز النخل _ أو : للقرآن في صدورهم هزيزٌ كهزيز المرجل , أو :لهم دويٌّ بالقرآن كدويّ النحل _ فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم , وقالوا : أصحاب محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم _ أو :فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث _
فأقلّوا الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم, وأنا شريككم.
أو : فلا تصدّوهم بالحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).
2_ ومنع عمر صحابة كباراً بالخصوص عن الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
ا_فمنع أبا هريرة : قال عمر لأبي هريرة : لتتركنّ الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أو لألحقنّك بأرض دوس (2).
الهامش:
(1) رواه أصحاب الكتب , وقد جمعنا بين ألفاظهم المختلفة بقولنا (أو :كذا )
فانظر : طبقات ابن سعد (6/ 7) وسنن الدارمي (1/73) ? 285 ?286 وسنن ابن ماجه (1/12) باب التوقي في الحديث , ومستدرك الصحيحين للحاكم (1/110) وشرف أصحاب الحديث (?92) وجامع بيان العلم (2/120)وتذكرة الحفاظ (1/7) وكنز العمال (2/284 - 285 ) رقم ( 4017 ) .
(2) المحدّث الفاصل ( ? 554 ) رقم ( 746 ) والبداية والنهاية لابن كثير (8/106) .
==================?432
وقال له _ أيضاً _ : لتتركنّ الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , أو لألحقنّك بأرض الطنيح _ يعني أرض قومه _(1).
وقال عمر له :لتتركنّ الرواية _ أو الإكثار من الرواية _ أو لألحقنّك إلى جبال دوس (2).
وقال ابن أبي الحديد :ضربه عمر بن الخطاب _ في خلافته _ بالدِرّة ,وقال له : لقد أكثرت الرواية , وأحْرِ بك أنْ تكون كاذباً على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(3).
2_ ومنع ابن مسعود , وأبا مسعود : قال ابن عساكر : بعث عمر إلى أبي مسعود, وابن مسعود, فقال :ما هذا الحديث الذي تكثرونه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟؟(4) .
ونقله ابن عدي , وفيه :بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود , وإلى أبي الدرداء , وإلى أبي مسعود الأنصاري , فقال :ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله صلّى الله عليه ? فحبسهم بالمدينة حتى استشهد(5).
وأخرجه ابن عساكر , وفيه أسماء أخرى : عبد الله بن حذيفة ,وأبي الدرداء ,وأبي ذرّ ,وعقبة بن عامر(6).
الهامش :
(1) أخبار المدينة المنوّرة لابن شبّة (3/800) .
(2) الاعتصام بحبل الله المتين , للقاسم اليمني(2/29) .
(3) شرح نهج البلاغة (4/68) ونقله في الاعتصام (2/29)وفيه :وأخشاك ,بدل : وأحر بك .
(4) تاريخ دمشق (39/108) .
(5) الكامل لابن عدي (1/18) والمجروحين لابن حبان (1/34) والطبراني في الأوسط لاحظ الطبقات لابن سعد(7/68?83).
(6) لاحظ ترجمة : إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
==================?433
3_ ومنع أبا موسى الأشعري _ لما بعثه إلى العراق _ بمثل ما ورد في حديث قرظة بن كعب(1).
4_ومنع عمّار بن ياسر :إنّ عمر بن الخطاّب سئل عن الرجل يجنب في السفر فلا يجد الماء ? فقال : لا يصلّي حتى يجد الماء.
فقال عمّار بن ياسر:ياأمير المؤمنين ,أما تذكر إذ كنت أن وأنت في الإبل فأجنبنا , فأما أنا فتمرّغت كما تمرّغ الدابّة ,وأما أنت فلم تصلّ ,فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال:إنما يكفيك هكذا_ وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفّيه_.
فقال له عمر :اتّق الله يا عمّار؟
فقال : إن شئتَ لم أحدّث به…(2).?
وإنما فهمنا التهديد لأنّ أمر عمر عمّاراً بالتقوى يدلّ على أنه حدّث بما لايجوز في شرع عمر وهو الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولذا قال له عمّار :إن شئت لم أحدّث به , فإنه يدل على كراهة عمر للحديث , فرضاه عمار بتركه .
5_ ومنع عمر عامّة الناس عن الحديث : خطب عمر , وقال :ألا ,لا أعلمنّ ما قال أحدكم :إنّ عمر بن الخطاب منعنا أن نقرأ كتاب الله ,إني ليس لذلك أمنعكم ,ولكنّ أحدكم يقوم لكتاب الله ,والناس يستمعون إليه ,ثمّ يأتي بالحديث من قبل نفسه [?؟] إن حديثكم هو شرّ الحديث ,وإنّ كلامكم هو شرّ الكلام ,من قام منكم فليقم بكتاب الله , ? إلاّ فليجلس ,فإنكم قد حدّثتم الناس حتى قيل :قال فلان , وقال فلان ,وترك كتاب الله(2).
إن ظاهر هذه الخطبة المنع من حديث المتكلّمين خلال القرآن , ولم يصرّح فيه بالمنع من حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , لكن يمكن فهم المراد بملاحظة أمور :
1_إيراد ابن شبّة لهذه الخطبة في سياق ما نقله من منع عمر للصحابة من نقل الحديث والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه ? آله ? سلّم .
2_ ظهور الخطبة _ وخاصّة الفقرة الأخيرة منها _ في تأكيد عمر على ترك كلّ حديث ما سوى كتاب الله , وهو نفس المقولة المعروفة عن عمر :حسبنا كتاب الله , ويؤدّي مؤدّاها .
الهامش:
(1) مستدرك الحاكم (1/125) والبداية والنهاية لابن كثير (8/107) .
(2)أخرجه مسلم في صخيخه (1/280) وأبو داود في سننه(1/88).
(3) أخبار المدينة المنوّرة (3/800) .
======================?434
ومن الواضح أن عمر إنما كان يردّد مقولة :حسبنا كتاب الله ,في مقابل الحديث النبويّ وروايته ,كما يظهر من تعليله المنع من الحديث بالمحافظة على القرآن وخوف تركه والاشتغال بغيره ,وهو التبرير الذي عرفناه مكرّراً في أحاديثه التي تضمّنت منع التدوين , كقوله : إني لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً (1).
3 _ إنّ حسن الظن بالمحدّثين في ذلك العصر وبالمسلمين في تلك الفترة , يقتضي أن الشيء الذي ينقله المحدّثون خلال قراءتهم للقرآن الكريم , وإلى جنب آياته , بحيث يقبله المسلمون إذا استمعوا إليه أن يكون كلاماً مقدّساً وحقاً , لا أيّ كلام كان من أيّ أحدٍ صدر , وبأيّ محتوى ?
أفهل يعقل من معلمي القرآنفي ذلك العصر _ ولا بدّ أن يكون فيهم مجموعة من الصحابة إن لم يكن كلهم منهم , ومجموعة من كبار التابعين _ أن يقرأوا القرآن ويحدّثوا الناس في أثناء تلاوتهم له بأشياء باطلة , وبأشياء هي شرّ الحديث ,كما يعبّر عنها عمر ? ومع هذا يقبل المسلمون ذلك منهم, ويسكتون عليه ? ولم ينتبهوا إلى بطلان ذلك إلاّ بتنبيه عمر ?
إن أفضل محملٍ لذلك أن يكون ما نقلوه من حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولكن من تلك الأحاديث التي لم ترق للسلطة الحاكمة , ومما يعارض سياستها .
ويشد لذلك أن كرب عمر على الحديث أصبح مضرب الأمثال ,كما في كلام سفيان بن عيينة أنه كان ينظر إلى أصحاب الحديث ويقول :أنتم سخنة عين , لم أدركنا وإياكم قمر بن الخطاب لأوجعنا ضرباً(2).
الهامش:
(1) تقييد العلم ( ? 49 ) .
(2) جامع بيان العلم(2/130).
==================?435
6_ عمر يهدّد الصحابة على الحديث ويهينهم :
1_ قال عمر لأبي موسى :… والله , لتقيمنّ عليه بينة ,وفي لفظ مسلم :أقم عليه البينة وإلاّ أوجعتك (1).
2_ وأخذ بمجامع أبيّ بن كعب , وقال : لتخرجنّ مما قلت , فجاء يقوده حتى أدخله المسجد , فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , منهم أبو ذر , فقال : أنا سمعته … فأرسل عمر أبيّاً (2).
3_ وفي حديث قال لأبي : لتأتينّي على ما تقول ببينّة (3).
وقد تذرّع له بأنّه خشي الكذب على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وأراد الاحتياط في الحديث والرواية .
لكنها ذريعة باطلة , إذْ أنّ الصحابي العادل إذا سمع شيئاً من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وجب عليه تبليغه وأداؤه إلى الآخرين ,لأنه سنة , والسنة شريعة , والصحابة من حفا ظها(4) .
فكيف يجوز لأحد أن يتشدّد عليهم هكذا إلاّ أن لا يكون معتقداً بعدالتهم المطلقة التي يلتزم بها أهل التسنن اليوم؟.
ولو فرضنا أنه لم يجد من سمع الحديث من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيشهد له , فهل حقه أن يهان ويهدّد ?
أليس هذا سدّاً لباب الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟
الهامش :
(1) صحيح مسلم (3/1694) وموطأ مالك (2/964) بلفظ آخر , والرسالة للشافعي (? 430 ) .
(2) طبقات ابن سعد (4/1/13-14).
(3) تذكرة الحفاظ (1/8) .
(4) فانظر إلى موقف عبادة بن الصامت من معاوية لما عارض الحديث , في صحيح مسلم (3/1210) كتاب المساقاة .
==========================?436
7_عمر يحبس الصحابة كي لا يحدّثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :إنّ عمر حبس جماعة من كبار الصحابة , مصرّحاً بأنّ السبب في ذلك هو روايتهم الأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأن هدفه من حبسهم منعهم من رواية الحديث , وقد وردت في ذلك آثار عديدة :
1_قال الحاكم النيسابوري : عمر بن الخطاب حبس جماعة من الصحابة وقال :قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).
_ إن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , فيهم : ابن مسعود , وأبو الدرداء , فقال : قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
قال ابن البري : يعني منعهم الحديث , إذ لم يكن لعمر حبس (2).
2_ أسند الحاكم عن إبراهيم: أن عمر قال لابن مسعود ,ولأبي الدرداء ولأبي ? ? : ما هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟
وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين , ووافقه الذهبي في ذيله(2).
الهامش:
(1)المدخل في اصول الحديث للحاكم(?171).
(1) المحدّث الفاصل للرامهرمزي (? 553 ) رقم ( 744 ) والإلماع للقاضي عياض (? 217).
(2) المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/110)? مجمع الزوائد (1/149) .
======================?437
3_ قال الذهبي : إنّ عمر حبس ثلاثة : ابن مسعود , وأبا الدرداء ,وأبا مسعود الأنصاري , فقال : لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(1) .
4_ قال عبد الرحمن بن عوف : ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فجمعهم من الآفاق : عبد الله , وحذيفة , وأبا الدرداء , وأبا ذر , وعقبة بن عامر , فقال : ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في الآفاق ?
قالوا : تنهانا ?
قال : لا ,أقيموا عندي , لا والله لا تفارقوني ما عشت , فنحن أعلم , نأخذ عنكم ونرد عليكم .
فما فارقوه حتى مات (2).
رواه عساكر وأضاف : وما خرج ابن مسعود إلى الكوفة ببيعة عثمان إلا من حبس عمر في هذا السبب(3) .
الهامش:
(1) تذكره الحفاظ (1/7) .
(2) كنز العمال (1/239) ? الهند
وانظر عن موضوع حبس عمر للصحابة ,? منعهم من الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , في المصادر التالية :
طبقات ابن سعد (5/188) وتقييد العلم (? 53 )وانظر سنن الدارمي (1/85) والمستدرك على الصحيحين للحاكم (1/102) ومجمع الزوائد (1/149) .
(3) مختصر تاريخ دمشق (17/101) .
================?438
توجيهات العامة لحبس الصحابة :
لقد ارتبك علماء العامّة أمام هذه الإقدام , ارتباكاً غريباً .
فهم بين منكرٍ لهذه الروايات _ وخاصّة ما نقل عن عمر في حبس الصحابة _ وحاكم بعدم صحّتها , وبوضعها , ومن أشدّهم في ذلك ابن حزم الظاهريّ , الذي عبّر عن رواياتها بالروايات الملعونة .
وبين من صحّحها سنداً , وهم الأكثر , إلاّ أنّهم اختلفوا في توجيهها , مع الاعتراف بظهورها في التشديد على الصحابة في نقل الحديث والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
إلاّ أنّ فيهم من أسفر عن حقيقة الأمر , بلا تورية , وهو أبو بكر ابن العربي , صاحب ( العواصم من القواصم ) فإنه _ على تعنته وجرأته في إنكار ما لا يوافق مذهبه وهواه ورأيه _ في الدفاع عن عثمان إذْ أخذ عليه إخراج أبي ذر إلى الربذة ,قال : فقد روي أنّ عمر بن الخطاب … سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة , سنةً , بالمدينة ,حتى استشهد , فأطلقهم عثمان , وكان سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (1).
وهو وإنْ كان حرّف علّة السجن , فجعلها الإكثار , بينما هي مجرّد الإفشاء , أي الإعلان والإذاعة والنقل والنشر لحديث الرسول وسنة المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم ,لكنه مسلّم بأصل فعل عمر, ولا ينكره.
الهامش:
(1) العواصم من القواصم ( ? 76 ) .
===================?439
ولابدّ من ذكر التوجيهات التي وقفنا عليها لنرى مدى صحتها أوقابليتها للقبول , وما يرد عليها من النقوض :
1_ توجيه الخطيب البغدادي :
قال الخطيب : إن قال قائل : ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتشديده عليهم في ذلك ?
قيل له : فعل ذلك عمر احتياطاً للدين , وحسن نظر للمسلمين , لأنه خاف أن يتكلوا عن الأعمال , ويتكلوا على ظاهر الأخبار , وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها , ولا كل من سمعها عرف فقهها , فقد يرد الحديث مجملاً ويستنبط معناه وتفسيره من غيره , فخشي عمر أن يحمل حديث على غير وجهه , أو يؤخذ بظاهر لفظه , والحكم بخلاف ما أخذه .
وأضاف: وفي تشديد عمر _ أيضاً _ على الصحابة في رواياتهم حفظٌ لحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وترهيبٌ لمن لم يكن من الصحابة أن يدخل في السنن ما ليس منها(1).
وكأنّ الخطيب أخذ هذا الذي ذكره أخيراً من ابن حبان (?354هـ)
حيث قال : وتشديدهم فيها [أي رواية الحديث ] على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كان ذلك منهم توقّياً للكذب عليه ممن بعدهم(2).
الهامش:
(1) شرف أصحاب الحديث ( ? 97 - 98 ) .
(2) المجروحين لابن حبان (1/38).
======================?440
وفي هذا التوجيه نظر من وجوه :
1?_ أما احتياطه للدين :
1_ فإنه لم يكن أحدٌ أحرص على هذا الدين من نفس الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الصادع بالرسالة , الذي صدرت منه تلك الروايات , وهو قد أمر بنشرها , وحثّ على تبليغها , وأمر باتباعها .ولو كان في الأحاديث أدنى خطر أو سوء على الدين , لم تصدر هي من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم .
2_ إن احتياط عمر للدين لا يقتضي منع الحق الذي سمعه الصحابة الكرام من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , فإن الصحابة لاينسبون إلى النبيّ باطلاً , وخاصة مثل أبي ذر الغفاري ,الذي قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ (1) الحديث الذي رواه من الصحابة عليّ عليه السلام , وأبو الدرداء , وابن عمر(2).
3_ ولماذا يفرض عمر نفسه أنه أحرص على الدين , والمحافظة على الحديث من سائر الصحابة ? أفهل كان الصحابة متهاونين في أمر الحديث أو الدين ؟أو كانوا ينشرون بالحديث حقّا , ويؤدّون بنشره واجباً ؟وحديثهم هو من الدين ?
وإذا فرضنا أنّ الصحابة يخطئون , فهذا يشمل عمر أيضاً .
الهامش:
(1) الكنى للدولابي (2/62) ? (2/169) .
(2)مسند أحمد (2/175?223 ) ? (6/442)ومستدرك الحاكم (4/480) ? (3/342 ?344 ) .
=========================?441
4_ وإذا كان الصحابة يرون _ حسب اجتهادهم _ وجوب أداء الأحاديث بما يفهمون من ظواهرها , أفهل يجوز لأحدٍ أن يمنعهم , ويفرض عليهم رأيه ؟ومن أين له حقّ السيطرة على فهم الناس للحديث , واجتهادهم في استنباط الأحكام من الروايات ؟هل كان هو أفهم منهم, أو أعلم ؟؟ خاصة مع دعوى أن المسلمين في القرن الأوّل _ الذي هو خير القرون عندهم _ كانوا أتقى من أن يتعمّدوا خلاف ما تدلّ عليه النصوص ?
والمفروض حجيّة الأحاديث عليهم , لبلوغها إليهم من أفواه الصحابة _ الذين هم قاطبة عدول عندهم _ ?
أفهل كان عمر يريد أن يحجز فهم النصوص على نفسه ?
أو يريد الخطيب حجزه عليه ?
5_ وأما حبس الصحابة والتشديد عليهم لغرض ترهيب غيرهم ممن عاصرهم أمن جاء بعدهم , فهل يجوز في شريعة الإسلام أن يشدّد على شخص بغرض تأديب غيره ?
ولو فرضنا لعمر حقّاً في تأديب الناس , لحقّ له أن يباشر تأديب المخالفين أنفسهم , لا تأديب البريئين من الصحابة بغرض تأديب غيرهم ?
فلماذا يأخذ عمر الجار بذنب الجار؟ ويرمي البريء بحجر المسيء ?
والله يقول : ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) في خمس مواضع من آيات القرآن – الذي يقول :إنه حسبه ,أولها في سورة الأنعام : 6 ,الآية 164 .
==================?442
6- ثمّ , هل من الصحيح أن يمنع الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهو ثاني أعمدة هذا الدين , بمثل هذا التوجيه , مع أنّ بالإمكان لمن يريد إر شاد الناس _ لا ترهيبهم طبعاً _ أن يبين لهم الطريق الصحيح , ويحدّد لهم نوعيّة الأحاديث المقبولة , أو تعيين مراجع خاصّة ليأخذوا منها .
لا أن يعمد إلى عيون الصحابة الكرام , بالتهديد والتشديد عليهم وحبسهم عنده , ومنعهم من إبلاغ ما تحمّلوه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟!
والملاحظ أنّ الخطيب _ وهو من أعيان العامة في علوم الحديث ونقده _ لم يتعرّض لهذا الحديث بالنقد السنديّ , وهذا يدلّ على صحته , وسلامته من أي إشكال رجالي أو علّة قادحة في الاحتجاج به ,كما أنّ تصدّيه لتوجيهه يدلّ على ذلك , كما لا يخفى .
2_ توجيه ابن حزم الظاهري :
ذكر ابن حزم الظاهري رواية عبد الرحمن بن عوف في حديث حبس عمر للصحابة(1) ثمّ اعترض عليه سنداً , ودلالةً ,وكلامه طويل , اختصرناه , ورتبناه كما يلي :
قال : هذا مرسلٌ , ومشكوكٌ فيه عن شعبة , فلا يصحّ , ولا يجوز الاحتجاج به .
الهامش:
(1) هو الذي نقلناه عن كنز العمال (1/239) ?- الهند .
===================?445
ثمّ هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد , لأنه لا يخلو عمر من :
1?_ أن يكون ات هم الصحابة . وفي هذا ما فيه .
2?_ أو يكون نهى عن نفس الحديث , وعن تبليغ سنن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المسلمين , وألزمهم كتمانها وجحدها (*) وأن لا يذكروها لأحدٍ .
فهذا خروج عن الإسلام … !
3?_ ولئن كان سائر الصحابة متّهمين بالكذب على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم , فما عمر إلاّ واحدٌ منهم .
4?_ ولئن كان حبسهم _ وهم غير متهمين _ لقد ظلمهم .
فليختر المحتجّ بمثل هذه الروايات الملعونة ,أيّ الطريقتين الخبيثتين شاء ?
ولا بدّ له من أحدهما(1) .
الهامش:
(*)لعل صواب هذه الكلمة :حجرها؟
(1) الإحكام لابن حزم (1/256 - 257 ) باختصار .
==============?444
أقول :أما إشكاله على السند , ففيه :
أوّلاً :أنّ الحديث هو من روايات التابعين لما فعله الصحابة وما حدث بينهم , وهذا لا يسمّى مرسلاً اصطلاحاً , إلاّ إذا خالف ابن حزم اصطلاح المحدّثين , وهو منه ليس بقليل .
وثانياً :أنّ الحديث قد ورد بطرق أخرى , وهو لا ينحصر بالسند الذي عنده , ولا يدور على من رواه عن شعبة ,كما عرفت ,وسيأتي بعض الكلام حول سنده أيضاً ,إلاّ أنّ المهمّ أنّ الحاكم ذكر ما روي عن شعبة , وقال فيه : صحيح على شرط الشيخين; ووافقه الذهبي , فقال : على شرطهما (1).
وأين ابن حزم من صيارفة نقد الحديث من أمثال الحاكم والذهبي ؟حتى يعترض على الحديث بخلافهما ?! (2).
كما عرفنا أنّ الخطيب _ وهو من أعيان علوم الحديث _ لم يتكلّم في سنده وإنما اكتفى بتوجيهه دلالةّ , وهذا منه ومن كلّ من تصدّى لتوجيه الحديث , دليلٌ على عدم مناقشتهم فيه سنداً .
وأما إشكاله على متن الحديث :
فلا ينكر أحدٌ أنّ الحبس قد تحقّق من عمر قطعاً , كما لم يناقش فيه أحدٌ من أعلام الحديث , ولهذا تصدّوا لتوجيهه , ولو كان في أصله أدنى مناقشة , لما فاتهم ذلك ,لأنّ المناقشة في الدلالة فرع ثبوت الحديث وصحة سنده ,كما لا يخفى .
الهامش:
(1) المستدرك للحاكم (1/110) وتلخيص الذهبي له , بذيله .
(2) وكذلك من قلّد ابن حزم من المحدَثين - كالشيخ أبي شهبة - حيث قال عن رواية حبس عمر للصحابة :إنها مكذوبة , لاحظ دفاع عن السنة (?280) .
================?445
وظاهر الحبس هو رفض ما صدر من الصحابة من نقل الحديث ,كما يظهر من كلامه حيث عاتبهم بقوله :ما هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ مستنكراً لفعلهم ?
والاستنكار لا يكون إلاّ إذا كان الصحابيّ قد جاء بما لم يتوقع منه ,وهذا هو واحدٌ من أشكال الاتهام الذي فرضه ابن حزم في عمل عمر تجاه الصحابة.
ولا أقلّ من احتواء ما فعله عمر على التشديد على الصحابة ,وقد اعترف أكثر المحدّثين بذلك , وصرّح به الخطيب(1) وابن عساكر(2) وابن قتيبة(3) .
والتشديد _ أيضاً _ حرامٌ , وخاصّة على الصحابة الكرام .
وإذا نفينا أنْ يكون فعل عمر بالصحابة بوجه التهمة , فيبقى احتمالان _ مما ذكر ابن حزم _ لا بدّ من أحدهما :
الأوّل :أن يكون غرض عمر منع الحديث والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . وهذا هو ظاهر جميع النصوص التي وردت في مسألة الحبس , ? سائر تصر فات عمر وأقواله لمنع الصحابة , حيث استنكر عليهم أصل الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,كما يدل عليه إقدامه الشديد على منع تدوين الحديث , وخاصّة احتجاجه بالاكتفاء بالقرآن ,الذي هو من أدلّة المدّعين للفصل بين الكتاب والسنّة , ودعاة نبذ السنّة أصحاب مقولة حسبنا كتاب الله التي ابتدأها عمر نفسه.
الهامش:
(1) شرف أصحاب الحديث ( ? 97 - 98 ) وقد مضى نقل كلامه .
(2) تاريخ دمشق (39/108-109) وسيأتي نقل كلامه .
(3) تأويل مختلف الحديث (?39) وسيأتي نقل كلامه .
=================?446
الثاني:الالتزام بأنه حبس الصحابة ظلماً .
وإنْ لم يتحمّل ابن حزم أيّ واحد من هذه الاحتمالات في حقّ عمر , فليخضع لما توصّلنا إليه من أن غرضه _ من منع الحديث روايةً وتدويناً _ كان سياسيّاً بهدف منع تداول نوع خاصٍّ من الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهو ما كان ينافي وجوده على أريكة الخلافة , من الأحاديث الدالّة على إمامة الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وخلافته المباشرة بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .
ومن الغريب أنْ يتابع رأي ابن حزم في معالجة أحاديث سجن عمر للصحابة من قبل مؤلّف أحدث كتاب تعرّض لموضوع تدوين السنة والحديث , وهو دلائل التوثيق المبكر ,حيث نجده يقول : وعلى الرغم من قراره _ أي عمر _ بعدم جمع الحديث رسميّاً , فقد كان عمر حريصاً على نشر الحديث , بل وحتى كتابته !!? ويقول بعد سطور : وفي ضوء هذه المقولات ,فرواية سجنه لأبي مسعود الأنصاري , وأبي الدرداء , وعبد الله بن مسعود بتهمة نقل عدد من الأحاديث [ نقلاً عن : تذكرة الحفاظ ( 1 : 7) والمحدّث الفاصل ( ? 355 )] تبدو أنها مشكوكٌ فيها ,وفي الحقيقة يمكن رفض هذه الرواية على أساس إسنادها ومتنها .
===========================?447
ثمّ قال : وجدنا اسم إبراهيم في إسناد هذه الرواية , وإبراهيم هذا ولد سنة (20هـ)أو سنة (21هـ) [نقلاً عن : مشاهير علماء الأمصار ( ? 66 ) الترجمة(450)] أي في أخريات حياة عمر , فمن غير المحتمل على الإطلاق أن يروي أيّ شيء مباشر من فترة الفاروق عمر .
وقال : وعلى هذا الأساس أوضح ابن حزم بجلاء أنّ نسبة هذه الأحاديث إلى عمر غير صحيحة [ نقلا عن إحكام الأحكام (2/141)] وشكك الجزائري في صحة هذا الحديث على أساس إسناده أيضاً (نقلاً عن توجيه النظر ( 81 ) ] (1).
أقول : وتتحدّد مؤاخذتنا عليه بنقاط :
1?_ قد عرفت في جواب ابن حزم , كما سيأتي أيضاً _ في المقطع التالي _ : أن الحديث الدال على حبس عمر للصحابة هو صحيح , بحكم صيارفة نقد الحديث والرجال , من أمثال الحاكم النيسابوري , والحافظ الذهبي , فقد اعتبراه من الصحيح على شرط الشيخين .
وكذلك قد اجبنا عن إشكال الإرسال بما حاصله :أنّ الحديث ذاك من روايات التابعين لما وقع في زمن الصحابة , وما حدث بينهم من مجريات الأفعال وما صدر منهم من الأقوال والجدال , ونقل التابعي له لا يسمّى مرسلاً اصطلاحاً .
كما أن الذين تصدّوا لتبرير فعل عمر بالصحابة , يظهر منهم الموافقة على ورود أصله , وعدم اعتراض منهم على إسناده , فلا يمكن ردّه على أساس النقاش السندي .
الهامش:
(1) دلائل التوثيق المبكر ( ? 511 - 512 ) .
=======================?448
مع أن وضوح هذا الأمر وشهرته لا يحتاج معها إلى التطرق إلى إسناده.
ثمّ إنّ ما نقله عن الجزائري ليس شيئاً زائداً على كلام ابن حزم ,لأن الجزائري في ذلك الموضع من كتابه نقل نصّ كلام ابن حزم فحسب , بلا اختلاف ولا إضافة .
وقد أوضحنا اعتراف الجميع بأصل صدور الحبس من عمر لكبار الصحابة , معلناً انّ ذلك من اجل إفشائهم حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وإنما حاول بعض المحدّثين تبرير ذلك موقف من عمر ,وعملهم هذا دليل على وقوعه منه .
2?_ وأما حديث معارضة عمر لتدوين الحديث , فهو أمرٌ سارت به الركبان , ولم يختلف فيه اثنان , حتى أنّ اسم عمر يكتب في صدر قائمة أسماء المانعين من التدوين عند جميع المؤرّخين , ومنهم مؤلّف دلائل التوثيق المبكّر نفسه , حيث جعل في عداد العوامل التي منعت تدوين الحديث النبوي _ : ( 41 _ منع الفاروق عمر ) وقال : عامل رئيسي آخر لعدم تدوين أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في وقت مبكّر ,كان الأمر المشدّد الذي أصدره عمر بمنع الصحابة من تسجيل أقوال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .
وقال : وجدنا أنّ الفاروق عمر أثناء خلافته نفّذ هذا بنجاح , وفي سعيه لتنفيذ سياسته حرق بعضاً من مجموعات الأحاديث المكتوبة(1).
الهامش:
(1) دلائل التوثيق المبكر ( ? 230 ) .
================?449
ويعترف بإصرار عمر على هذه السياسة طيلة خلافته , فيقول : إنّ أمر الفاروق عمر بالتحريم ظلّ سارياً حتى وفاته(1).
ولكنه , مع هذا ! يحاول هنا أن يعتبر عمر مؤيّداً لتسجيل الحديث ? (2).
ويحاول أن يعتبره حريصاً على نشر الحديث ,بل وحتى كتابته ?!(3).
إنّ التهافت والتناقض واضح بين هذه الكلمات , ولا أدري كيف يكون عمر مؤيّداً للتدوين ,أو حريصاً على نشر الحديث , وهو يحرق المجموعات التي دوّن فيها الحديث !? أو يعمّم على الأمة قانون تحريم كتابة الحديث ! ولا يرفع التحريم حتى وفاته ?!
3 _ توجيه ابن عبد البرّ :
وقد أغرب ابن عبد البرّ القرطبيّ في توجيه هذه الأحاديث , حيث إنه جمع في الاحتمال بين أن لا تكون حجة , وبين أن تكون صحيحة حاول تأويلها .
فإنه قال _ ومورد كلامه ما رواه قرظة من حديث عمر مع وفد الكوفة _ :طعن في حديث قرظة هذا , لأنه يدور على ( بيان )عن الشعبي , وليس مثله حجة في هذا الباب , لأنه يعارض السنن والكتاب ,
الهامش:
(1) دلائل التوثيق المبك ? ( ? 435 ) .
(2) دلائل التوثيق المبك ? ( ? 234 ) .
(3) دلائل التوثيق المبك ? ( ? 511 - 512 ) .
==================?450
فكيف يتوهّم أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به …? والكلام في هذا أوضح من النهار (1).
ثم قال : وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلّها _ عن عمر _ صحيحة متفقة .
ويخرّج معناها على أنّ من شكّ في شيء تركه(2).
أقول :إنّ ترديده في الحديث بين احتمال الإشكال السندي , وعدم الحجية , وبين احتمال أن يكون صحيحاً , عمل غريبٌ جدّاً _ وخاصّة من مثل ابن عبد البرّ _حيث إنه مع الإشكال في السند بما ذكر , لم يبق مجال لاحتمال الصحة .
إلاّ إذا أراد أن يجيب على ذلك الفرض أيضاً تنزّلاً وتسليماً ,فلا بدّ أن يذكره فرضاً ,لا احتمالاً .
وأما إشكاله السنديّ ,من جهة دوران الحديث على بيان فهو غير وارد , وذلك : لأن الرجل هو : بيان بن بشر , وهو _ عندهم ثقة(3).
وقد اعترض محمد عجاج الخطيب على ابن عبد البرّ في كلامه هذا , بقوله : طعن عبد البرّ في روايته هذه , لأنه خالف من هو أوثق منه , وهذا لا يمنع صحتها (4) .
الهامش:
(1) جامع بيان العلم (2/122) .
(2) جامع بيان العلم (2/123) وانظر السنة قبل التدوين (?110-103) .
(3) تهذيب التهذيب (1/506) .
(4) السنة قبل التدوين (?101) هـ 1 .
=======================?451
أقول : مع أنّ الحديث منقول بأسانيد أخرى وفيها الصحاح , ولا تنحصر روايته بهذا السند , بل إنّ حديث منع عمر للصحابة عن الحديث مشهورٌ معروفٌ , لا يحتاج إلى ملاحظة أسانيده .
وأما تأويله للحديث على احتمال صحته والاتفاق عليه بأنه : يخرّج على أنّ من شكّ في شيء تركه .
ففيه : أنه تخريج بعيد ,لأنه لا يرتبط بأمر الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , الذي سمعه الصحابة منه , وحاولوا نشره وإذاعته , ولا بمنع عمر لهم عن ذلك إلى حدّ التشديد والحبس .
فلا الصحابة كانوا شاكّين في ما يروون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , حتى يتركوه , ولا عمر كان شاكّاً في شيء مما يفعل من المنع والحبس حتى يتركه .
وإذا صحّ الحديث بأنّ عمر قد حبس الصحابة ومنعهم عن الرواية , فلا بدّ من النظر في مدى موافقة ذلك العمل للنصوص الثابتة الدالة على الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وجوازها في كل عصر ومصر , بل ضرورة ذلك ولزومه , الذي هو من بديهيّات الإسلام , وهو أوضح من النهار _ كما ذكر ابن عبد البرّ _ ونعم ما قال في نهاية كلامه المذكور , ونصّه : ولو كان مذهب عمر ما ذكرناه , لكانت الحجة في قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , دون قوله ,فهو القائل : نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها … (1).
الهامش:
(1) جامع بيان العلم (2/ 124) .
====================?452
أقول : فلا يحتاج الحديث إلى تخريج أو توجيه , بل يؤاخذ عمر على فعله ذلك في حقّ كبار الصحابة وأعيانهم من استدعائهم إلى المدينة , وحبسهم عنده ,لأنهم لم يلتزموا بأوامره في الامتناع عن نشر الحديث وإفشائه وإبلاغه !.
كما لم يلتزموا بإجراءاته الشديدة في منع التدوين وكتابة الحديث ,بل خالفوه, فكتبوا, وخلّفوا لنا وللأجيال ما نشكرهم عليه وتشكرهم الأيّام .
4_ توجيه ابن حبان وابن عساكر :
قال ابن حبان (?354هـ):وتشديدهم فيها[ أي في رواية الحديث ]
على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان منهم ذلك توقّياً للكذب عليه ممن بعدهم لا أنهم كانوا متهمين في الرواية (1).
وروى ابن عساكر حديث منع عمر لابن مسعود , وقال بعده : لم يكن هذا من عمر على وجه التهمة , وإنما أراد التشديد في باب الرواية لئلاّ يتجاسر أحد إلاّ على رواية ما تحقّق صحّته(2).
أقول : أمّا وجود التشديد على الصحابة فهو أمر مفروض ومسلّم عند هذين الرجلين ,وأما التهمة للصحابة , فهو المحسوس من ظاهر كلّ الأحاديث المتضمّنة لمنع عمر لهم من الحديث , حيث إنّه تكلّم معهم مستنكراً حديثهم, فقال : ما هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟!
والمرء يؤخذ بظاهر كلامه .
الهامش:
(1)المجروحين لابن حبان , المقدمة(1/38).
(2) تاريخ دمشق ( 108/39 - 109 ) .
===================?453
كما أنّ قوله للصحابة في حديث عبد الرحمن بن عوف(1) بكلّ صراحة : ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الأفاق؟ ثمّ يقول لهم : فنحن أعلم , نأخذ منكم , ونردّ عليكم .
هو كلام من لا يقبل من الصحابة , ويتّهمهم في بعض أحاديثهم ,وإلاّ فلماذا يردّ عليهم؟ وما هو المردود عند عمر من أحاديثهم؟
و العجيب أنّ هؤلاء العلماء ! يحاولون التمويه , فيسمّون هذه الأفعال من عمر تثبّتاً في الحديث , ومحافظةّ عليه , حتى أوردوا أخبار منع عمر للحديث في أبواب ترجموها بالتوقّي في الحديث !.
وقد أشرنا ,في جوابنا عن توجيه الخطيب ,إلى أن أسلوب منع الصحابة بغرض ترهيب غيرهم , أسلوب غير شرعيّ ولا مقبول , تجاه الصحابة , فلاحظ (2).
وبعد ذلك نجيب عن هذا التوجيه بما يلي :
أوّلاً : أنّ منع الحديث بغرض المحافظة ,أشبه ما يكون بالتناقض ,كما إذا أراد الإنسان أن يصلح أداةً معيو بة ومعطوبة ,فيعمد إلى إبادة تلك الآلة ? تهشيمها !.
وكما إذا أراد الإنسان أن يؤدّب شخصاً , فيعمد إلى قتله وإعدامه !.
إنّ من يريد التثبّت من الحديث , يلزمه أن يحوطه بما لديه من إمكانات احتياطية ,ويحدّد له طرقاً معيّنة ,ويشخّص له موارد مأمونة ,ومراجع صالحة ,تقوم على رعايته والمحافظة عليه .
الهامش:
(1) مضى نقله برقم ( 4 ) ? ( 437 ) .
(2) لاحظ(?441).
=========================?454
لا أن يعمد إلى كبار الصحابة وحفاظهم للحديث , فيكمّم أفواههم , ويخوّفهم , ويشدّد عليهم , ويستنكر رواياتهم , ويهدّدهم بالإبعاد عن المدينة , أو بجبرهم على الإقامة فيها ?!
أليس هذا نقضاً لغرض المحافظة على الحديث؟ إنّ عمر _ بحبس
الصحابة ومنعهم من الحديث _ جعل ما عند أولئك الصحابة من أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مكتومةً في صدورهم !فلم يبثّوه إلى الأمة! ولعلّها تعرّضت لعوامل النسيان وغيره ! أمثل هذا العمل يسمّى محافظةً ,? تثبّتاً ? ? توقيّاً ? أم يسمى هدراً , وتفريطاً , وتضييعاً , وإماتة ?.
وثانياً : من المتّفق عليه _ لدى كافّة العقلاء _ أنّ كتابة العلم , وتسجيل المعلومات هما من أفضل وسائل الحفظ والصيانة والتثبّت .
ولو كان عمر يهدف من إجراءاته تلك المحافظة على الحديث والتثبّت والتوقّي فيه , وكان يخاف من تداوله بين الناس وعدم صحّته , لكان يلجأ إلى تدوينه , ويأمر بتقييده , وضبطه , أو يشرف هو _ وجمع من الصحابة الحافظين له , المأمونين _ على عملية جمعه .
لكن نرى أنه , إلى جنب منع رواية الحديث ونقله بهذه الشدّة ,كان من أشدّ المانعين للتدوين , بأعذار مختلفة , كما سبق لنا عرضها .
====================?455
فبأيّ شكلٍ كان يريد المحافظة على الحديث ? إذا هو يمنع من جهةٍ نقله وتداوله والمذاكرة به , ويمنع من جهةٍ أخرى كتابته وضبطه وتدوينه وتقييده؟!
هل هناك معلّم أمين يحثّ تلاميذه على العلم , ويحرص على محافظة طلاّبه على المعلومات , لكنه يوصيهم بعدم المذاكرة بها ,وعدم الكتابة لها؟
أو أنّ الذي يريد إضاعة الحديث وإبادة السنّة يقوم بأمر غير منع كتابته من جانب ,ومنع تداوله ونقله من جانب آخر؟
وثالثاً :إنّ محاولة إظهار عمر _ وهو المانع للصحابة من الحديث والرواية _ بمظهر المحافظ على الحديث المتثبّت فيه ,تستلزم _ بوضوح _ أن يكون الصحابة الممنوعون _ وفيهم كبار أجلاّء مثل أبي ذرّ الغفاري , وأبي مسعود الأنصاري , وغيرهما , وهم الذين لم يأبهوا بمنع عمر , فلم يزالوا مستمرّين على الإكثار من رواية الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , حتى التجأ عمر إلى جلبهم إلى المدينة ,من الآفاق وحبسهم عنده بالإقامة الجبرية .
إنّ تلك المحاولات تستلزم أن يكون هؤلاء _ كلّهم _ لم يحافظوا على الحديث , ولم يتثبّتوا فيه , ولم يحتاطوا له , بل فرّطوا فيه .
إنّ مثل هذا الالتزام تجرّؤ على مقام أولئك الصحابة الكرام , الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه .
===================?456
5_ توجيه ابن قتيبة :
وتصدّى ابن قتيبة الدينوريّ لتوجيه تلك الروايات , مع تخصيصه البحث بما ورد بلفظ الإقلال ,فقال :كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية , وكان يأمرهم بأن يقلّوا الرواية يريد بذلك ألاّ يتّسع الناس فيها ,ويدخلها الشوب , ويقع التدليس والكذب من المنافق , والفاجر , والأعرابيّ .
وكان كثير من جلّة الصحابة وأهل الخاصّة برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم _ كأبي بكر , والزبير , وأبي عبيدة , والعباس بن عبد المطلب _ يقلّون الرواية عنه ,بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئاً ,كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل , وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة(2).
أقول :وأوّل ما يرد على ابن قتيبة أنه لم يذكر الروايات الدالّة على أنّ عمر منع عن عموم الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , بلا تخصيصٍ بالإكثار , وهي أكثر روايات الباب .
فاقتصاره على ذكر الرواية التي فيها أمر عمر بالإقلال , وتوجيهها , لا ينهض جواباً عن الروايات الدالّة على منع عمر لعموم الحديث .
وهذا خارج عن الموضوعيّة العلمية المطلوبة من المحقّق في العلم .
الهامش:
(1) تأويل مختلف الحديث ( ? 39 ) .
==================?457
وقد يخطر على البال أنّ ابن قتيبة _ ومن تبعه _ حملوا الروايات العامة في منع الحديث, على خصوص الإقلال, حملاً للعامّ على الخاصّ .
لكن هذا غير صحيح , وذلك :
1?_ لأنّ ابن قتيبة لم يذكر الأخبار العامّة أصلاً , ولا بالإشارة , فكيف ينسب إليه هذا التخصيص ?
2?_ إنّ المخاطبين بقول عمر :أقلّوا الرواية … ,هم وفد الكوفة ,ومنهم أبو موسى الأشعري الذي أرسله إلى الكوفة , لكن الممنوعين من عموم الحديث هم غير هؤلاء , فمنهم أبو هريرة , وأبو ذرّ , وأبو مسعود , وغيرهم,ومن الواضح أن المخاطب بالكلام العام إذا اختلف عن المخاطب بالكلام الخاص , امتنع التخصيص .
فإذا كُلف زيدٌ بإكرام العلماء , وكُلف عمروٌ بإكرام العلماء النحويين , لم يجز لزيدٍ ترط العام عملاً بخطاب عمرو , وهذا واضح .
3?_ إنّ التخصيص إنما يجري في الخطابين إذا كان أحدهما يحتوي على لفظ عامّ , والثاني على لفظ خاصّ , فيكون حمل العام على الخاصّ تخصيصاً .
والمقام ليس كذلك , فإنّ الحبس الصادر من عمر لم يكن إلاّ عملاً صدر منه , وعرفنا من عتابه لهم أنّ سبب الحبس هو أنّ الصحابة كانوا يروون الحديث عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولم ينههم لفظاً عن رواية الحديث , كي يقال :إنه عامٌ فيكون قابلا للتخصيص بقوله : أقلّوا .
مضافاً إلى أن ما سنورده على هذا التوجيه واردٌ على فرض إرادة الخاص أيضاً , فلاحظ .
========================?458
ويرد على هذا التوجيه , أمور :
الأوّل : قول ابن قتيبة :كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية … يريد ألاّ يتّسع الناس فيها .
يردّه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صاحب الرسالة , والصادع بأمر الشريعة , ومصدر الرواية والحديث ,كان يريد الاتّساع في الرواية , والإكثار منها , وكان يحثّ أصحابه وأمّته على سماع الحديث , ونقله , وتحمّله , وأدائه , وتبليغه , ونشره ,وإن رغبة الشارع في التوسعة في الحديث والرواية , أمرٌ لا ينكره عالم من علماء الإسلام , حتى أصبحت التوسعة فيها من مفاخرهم , وقد لقّبوا كبار المحدّثين المكثرين من حفظ الرواية , بألقاب خاصّة مثل الحاكم , والحافظ , والحجة , وغير ذلك(1).
فما بال عمر , يريد أن لا يتّسع الناس في الحديث والرواية !? ونصوص الأحاديث لا تزال في عصر ? غضّةً نظرةً , عبقة بأثر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الباهر , ويفوح منها أريج النبو ? العاطر.
لماذا لا يريد عمر , الاتّساع في الحديث , وهو سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , التي أمر الله المسلمين باتّباعها , ولهم فيها برسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟
الهامش:
(1) انظر كتب دراية الحديث ومصطلحه , وانظر : منهج النقد (?57-77) .
====================?459
ثمّ إنّ ابن حزم الظاهري قد عقد فصلاً في كتاب الأحكام ,للردّ على من ذمّ الإكثار من الرواية , فقال :فصل في فضل الإكثار من الرواية للسنن , وذهب قوم إلى ذمّ الإكثار من الرواية ونسبوا ذلك إلى عمر … ,وقولهم هذا داحضٌ بالبرهان الظاهر , وهو أن يقال لمن ذمّ الإكثار من الرواية : أخبرنا , أخيرٌ هي أم شرٌّ؟ ولا سبيل إلى وجه ثالث .
فإن قال : هي خيرٌ , فالإكثار من الخير خيرٌ .
وإن قال هي شرٌّ , فالقليل من الشرّ شرٌّ , وهم قد أخذوا بنصيب وافرٍ منه … .
ثمّ نقول لهم : عرّفونا حدّ الإكثار من الرواية ,المذموم عندكم ? لنعرف ما تكرهون ؟وحدّ الإقلال المستحبّ عندكم ,إلى آخر ما قاله(1).
وأقول :ومن هم الناس الذين لا يريد عمر اتّساعهم في الرواية ؟أليسوا هم _ في ذلك العهد _ الصحابة الأمناء , الذين لا يرتاب فيهم , ولا يرتاب على الحديث منهم ? هذا مع أنّ الوارد في حديث حبس عمر للصحابة إنما هو لفظ :أفشيتم
,لا أكثرتم ,مما يدلّ على أنّ الجرم الذي قام به الصحابة ومن أجله جلبهم عمر وحبسهم هو مجرّد ذكر الحديث ونشره وإذاعته , حتى لو لم يكن بحدّ الإكثار!.
الهامش:
(1) الأحكام لابن حزم (1/252 - 253 ) نقله الجزائري في توجيه النظر (? 16 - 17 ) وانظر جامع بيان العلم (2/122) .
==================560
الثاني : قول ابن قتيبة : يريد ألاّ يتّسع الناس فيها , ويدخلها الشوب , ويقع التدليس والكذب من المنافق , والفاجر , والأعرابي !.
أقول : إنّ الممنوعين في زمان عمر كانوا من الصحابة _ كما عرفنا أسماء كثير منهم في نصوص منعه _ أو لا أقل من وجود الصحابة فيهم .
فإنْ كان ما احتمله من الشوب والتدليس والكذب , يحتمل صدوره من الصحابة , وأنْ يكون المنافق والفاجر والأعرابي يوجد منهم , باعتبار أنهم كانوا محطّ منع عمر وإنكاره وتشديده وحبسه , فهذا ينافي ما يلتزم به كلّ المسلمين من احترام الصحابة وتقديسهم ,مثل أبي ذرّ الغفاري ,وأبي مسعود الأنصاري , فكيف على رأي العامّة في الصحابة بأنهم كلهم عدول !.
وإنْ كان المذكورون من غير الصحابة , فذلك لا يبرّر إنزال العقوبة والإهانة والتضييق بالصحابة الكرام , من أجل روايتهم لحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ?
الثالث : قول ابن قتيبة : وكان كثيرٌ من جلّة الصحابة وأهل الخاصّة برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم … يقلّون الرواية .
فهذا جزافٌ من القول , بلا ريب , يشهد على ذلك عدم تمثيله إلاّ بهذا العدد النزر , بينما المكثرون للحديث من الصحابة كثثرون , وفيهم من هو أخصّ برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ممن ذكر , كأهل بي