تحمّل الحديث بالإجازة

واجبٌ ملحّ في العصر الحاضر

عَبْر إجازة لشيخ مشايخ الحديث‏

المولى آقا بزرك الطهراني (1293 - 1389ه )

تمهيد

تعتبر (إجازة الحديث) من أوسع طرق تحمّله وأدائه ، كما هو مقرّر في كتب الدراية والمصطلح ، بحيث عُدَّت في الترتيب: ثالثة الطرق الثمان ، بعد السماع والقراءة ، ممّا يدلّ على مدى أهمّيتها عند أهل الحديث ورعاته.

ودليل آخر على ذلك: لجوء علماء الإسلام - كافّةً - إلى استخدامها ، والتنافس فيها ، والتأليف حولها ، وافتخار الكثيرين بها ، واهتمامهم بعلوّ الطرق إلى كبار مشايخها ، ممّا يُكوّن إجماعاً عمليّاً منهم على أصلها وفائدتها.

ولم يختلف هذا الأمر ، بين المذاهب الإسلامية جمعاء ، على اختلاف نزعاتها وأهوائها ، في طرق الاستنباط والتفكير والاحتجاج!

كما لم يفترق الأمر منذ عهود القدماء ، وحتى عصور المتأخّرين.

إلّا أنّ أهل العصر الحاضر ، تهاونوا في شأنها ، واستخفّوا بشروطها ، ممّا أدّى إلى عدم الاهتمام بها ، فحُرِموا من فوائدها الهامّة ، بل بلغ الأمر بكثير منهم إلى الجهل بها!

فما هي إجازة الحديث؟!

وما هي ضرورتها؟

وما هي آثارها العلمية؟!

إنّ الإجابة عن هذه التساؤلات بحاجة إلى دراسة واسعة ، تتكفّل جميع الأبعاد المفروضة والمعروضة لاكتمال المعرفة بإجازة الحديث ، تاريخها وتحديدها وأقسامها وسائر شؤونها العلميّة ، ممّا نرجو أن نوفّق لعرضه.

إلّا أنّا وقفنا على نصّ رائع لعَلَمٍ من كبار مشايخ الإسلام ، وهو شيخ مشايخ الحديث في القرن الرابع عشر الهجري ، الإمام العلّامة الحجّة الورع ، المجتهد المجاهد ، شيخنا آقا بزرك الطهراني (1293 - 1389ه ) صاحب موسوعتي «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» و«طبقات أعلام الشيعة» الذي اهتمّ بأمر إجازة الحديث أكبر اهتمام ، وصرف جهداً وافراً في تخليدها وإحياء تراثها ، بالإعلان عن أهميّتها ، واستنساخ صورها ، وتوثيق نصوصها.

ومن أهم ما قام به في هذا السبيل دعمها عمليّاً بتأليف مشيخته المسمّاة «الإسناد المصفّى إلى آل المصطفى‏» فكان يُصدّرها لمن يستجيزهُ من طلّاب العلم ، حتى نفدت نسخها الألْف ، كما أنّه أجاز لأكثر من ألف من أعلام العلم وطلّابه ، من الراغبين في الاتّصال بالعنعنة الشريفة المقدّسة ، المتصلة إلى أئمّة الإسلام ، وعلمائه الأعلام ، وقام بذلك بكلّ بساطة ولطف وتواضع ، مؤكّداً على رغبته الصادقة والصارمة في دعم الإجازة الحديثية ، التي آل أمرها - على أثر التقاعس في الهِمَم - إلى الإهمال.

وبين إجازاته التي أصدرها ، عَدَدٌ من الإجازات المفصّلة ، الطويلة الذيل ، ممّا يُعدُّ الواحد منها ثَبتاً جامعاً ، ومؤلّفاً حافلاً ، يحتوي على تراجم وافية للمشايخ ، واستيفاء للطرق، ويتضمّن فوائد تخلو منها الكتب المتخصّصة لتراجم الرجال.

ومن أغنى تلك الإجازات ، هذه الفريدة التي نقدّمها إلى الملأ العلميّ ، لأوّل مرّةٍ منذ إصدارها في عام (1352ه ).

وقد امتازت - دون سائر ما كان الشيخ يصدر من الإجازات - بالاختصار التام للطرق ، فلم يذكر من طرقه إلّا ما ضمّ صفحتين ، على رغم طول الإجازة وسعتها ، وإنّما ركّز فيها على التفصيل في البحث عن «وجه الحاجة إلى الإجازة في العصور الأخيرة» مؤكّداً على أنّ الاحتياط يقتضي أن يكون المجتهد المتصدّي للإفتاء ، حائزاً عليها ، كي يدخل في عنوان «رواة الحديث» ليتحقّق من «بلوغه» إليه ، واستحقاقه للمقام الذي يدّعيه!.

وكأنّه بهذا يردّ على ما يلوكه المدّعون! من الحملات الطائشة ، ضدّ الإجازة ، باعتبارها الطريق الوحيدة المتبقّية ، للبلوغ المنشود ، وبالتالي الإجهاض على الحديث الشريف وعلومه ، واللجوء إلى الرأي في الاستنباط ، واعتماد الاُصول الملفّقة في قبال النصوص المحكمة.

وقدأصدرهذه‏الإجازةالثمينة للسيّدجعفربن‏السيّدعبدالرضاالموسوي المهري، الذي‏مدحه‏بالعلم‏والفضل‏مدحاًطائلاً، والذي لم نقف على ترجمةٍ له في هذه العُجالة.

ونصّ الإجازة ممّا احتفظ به شقيقي سماحة الحجّة المحقّق القدير السيّد محمد حسين الحسيني الجلالي دام ظله ، في مجموعته القيّمة «المستحسنات من المستنسخات» فكتبها بخطه ، نقلاً عن خطّ شيخه الإمام الطهراني.

وما كان لنا سوى تقديمها هنا ، ليتزوّد منها العلماء ، مع التعليق على مواضع منها حسب الضرورة.

ونحمد اللَّه على إحسانه ونسأله التوفيق لما فيه رضاه ، والعفو عنّا بفضله وجلاله وإكرامه ، إنّه ذو الجلال والإكرام.

وكتب‏

السيّد محمد رضا الحسيني الجلالي‏

نحمدك اللهمّ على نعمائك المستفيضة المتظافرة ، ونشكرك على آلائك المتتالية المتواترة ، التي لا تقدر على ضبط نوادرها مكاتباتُ الأحاديث ومضمرات الروايات ، ولا تقوى‏ على ثبت شواذّها مسلسلاتُ صحاح النصوص ومسانيد الموثّقات.

ونُصلّي ونُسلِّم على سيّد أهل الأرضين والسماوات ، خاتمِ أنبيائك ، المرسَل من عندك إلى كافّة البريات ، بشريعة ناسخة لمنسوخات سوالف العصور ، ملائمة للطباع مقبولة للعقول بكرّ الدهور ، موضوعة أسانيدها على أصول العدالة والاستقامة ، مرفوعة عن متونها آحاد الظلامة والدهامة.

اللهمّ فكما جعلتَ شرعَهُ مدى الدهر مستمرّاً باقياً ، وأوقفتَ عليه من لدنك حافظاً واقياً ، فصَلِّ عليه صلاةً متّصلةً بترادف الليالي والأيّام ، مستمرّة إلى يوم القيام.

وعلى آله الأئمّة الهداة ، المعصومين من الزلّات ، والثقات الأثبات ، الحافظين لشرعه الشريف عن مُناولة التحريف والتصحيف ، والمجيزين لاُولي العلم والدراية في العمل بما ورد عنهم ، بطرق التحديث والرواية.

وبعد:

فلمّا أراد اللَّه تعالى حفظ دينه المبين ، عن تطرّق ضلالات المبدعين ، وتوارد شبهات المبطلين ، ألزم الأقسام كافّةً بتحصيل المعرفة والعلم بالأحكام ، فقال شارع الإسلام عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة» من غير تقييد بمكان أو حين.

بل ، في بعض كلامه قال: «... من المهد إلى اللّحد» وفي بعضه قال: «... ولو بالصِيْن».

نعم ، قامت القرائن العقليّة والنقليّة على أداء المفروض عيناً على كافّة الأنام هو: تحصيل المعارف وعلم الدين والأحكام ، دون سائر العلوم ممّا يتعلّق بكلّ مُدرك ومفهوم.

حيثُ أنّ تحصيل بعضها بحكمِ العقل والنقل حرام ، وبعضها واجب كفائيّ على الأنام ، وبعضها موضوع لغيرهما من الأحكام.

وبما أنّ فطرة العقول قاضية بأنّ كلّ نوع من أنواع العلوم - حتّى علم الدين والأحكام - لابدّ أنْ يؤخذ من مؤسّسيه وحملته وعلمائه ، وكلمة الملّيين متّفقة على أنّ مبلِّغ هذا الدين ومقنّنه هو النبيِّ الأمين الصادع بما لديه ، والمبلِّغ لما نُزّل إليه.

ففرض العين على جميع العباد أخذ معالم هذا الدين من أربابه ، والولوج في هذا البيت من أبوابه.

ألا ، وإنّ باب الأحكام هو شارع الإسلام ، وأبناؤه المنصوبون من بعده ، المنصوصون من عند ربِّه ، فانّه حين جرى قضاء اللَّه بالمنون ونُجِّزَ وعده: «إنّك ميّتٌ وإنّهم ميّتون» وقُبض النبيّ الأمين ، ما أهمل الاُمّة بعدهُ سُدىً ، بل بيّن لهم طريق الرشد والهدى‏ ، حتّى لا يضلّ عن باب العلم أحدٌ ، ويطّرد لطفُ الأحد الصمد.

فخلّف‏صلى الله عليه وآله الثقلين ، ونادى‏ بالمتّفق عليه بين الفريقين: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها».

ونصبه عَلَماً وهادياً للعباد ، في يوم الغدير على رؤوس الأشهاد ، وسمّى أوصياءه وخلفاءه بأسمائهم وأشخاصهم إلى خاتمهم وقائمهم - عجّل اللَّه تعالى فرجه وسهّل مخرجه - .

قال أمير المؤمنين‏عليه السلام - في وصيّته لكميل بن زياد النخعي - :

يا كميل ، إنّ رسول اللَّه‏صلى الله عليه وآله أدّبه اللَّه عزّوجلّ ، وهو أدّبني ، وأنا أُؤدّبُ المؤمنين.

إلى قوله: يا كميل ، ما من علم إلّا وأنا أفتحه.

إلى قوله: يا كميل ، لا تأخذ إلّا عَنّا تكنْ مِنّا ، يا كميل ، ما من حركةٍ إلّا وأنت تحتاج إلى معرفة.

وقال الصادق‏عليه السلام - فيما رواه الشيخ المفيد في «مختصر الاختصاص» - : «كلّ شي‏ء لم يخرج من هذا البيت فهو باطل».

وبالجملة: علم الدين والأحكام ليس إلّا عند شارع الإسلام ، وأوصيائه الأئمّة الكرام عليهم الصلاة والسلام ، فالفرض علينا أنْ نتعلّمه منهم ، ونأخذه عنهم.

ولمّا عاقنا الدهر ، وأخَّرَنا الزمان ، فلا نقدرُ أنْ نأخذ عنهم شفاهاً ، لزمنا الأخْذُ والتلقّي عنهم بواسطة حَمَلَة الفقه والأحاديث عنهم‏عليهم السلام .

والأخذ والرواية عن هؤلاء الحاملين للفقه والأحاديث لا يتحقّقُ إلّا بالتحمّل عنهم بإحدى الطرق المشهورة المقرّرة لتحمّل الحديث والرواية ، كما اتّفقت عليه كلمة العلماء ، ونُقِلَ عليه الإجماع من الشهيد الثاني وغيره في كتب الدراية ، وجرت عليه سيرتهم العمليّة من البداية إلى النهاية.

قال المولى التقيّ المجلسيّ - في إجازته لبعض سادات تلامذته ، المسطورة صورتها في أواخر «البحار» - ما نصّه: كان شيخنا البهائيّ يقول: الاحتياج إلى الإجازة بإحدى الطرق إجماعيٌّ.

ثم قال المجلسيّ: ويُشعر بذلك ما رواه الكليني - في الصحيح - عن عبداللَّه بن سنان ، قال: قلت لأبي عبداللَّه‏عليه السلام : يجيئني القومُ فيستمعون منّي حديثكم ، فأضجر ولا أقوى‏!

قال: فاقرأ عليهم من أوّله حديثاً ، ومن وسطه حديثاً ، ومن آخره حديثاً.

ثمّ قال المجلسيّ: لكنّه لا يدلّ على اللزوم ، ولا شكّ في حُسنها ، وعملُ الأصحاب - من الصدر الأوّل إلى الآن - عليها ، مع ملاحظة الاحتياط.

أقول: توقّفُ صدق الأخذ والرواية والتحديث عن أحدٍ ، على تحمّل الراوي عن المرويّ عنه بإحدى الطرق المشهورة ، ممّا لا شكّ فيه.

والاحتياجُ إلى أحد أنحاء التحمّل في جواز الرواية عن الغير ، ثابتٌ عند جميع فرق المسلمين.

حيث إنّ الرواية عنه - مع عدم التحمّل - كذبٌ صريحٌ محرّم في الإسلام ، سواء في ذلك الرواية المشتملة على الأحكام الشرعية ، أو الفتاوى ، أو سائر المطالب العلميّة ، أو القصص والحكايات والتواريخ والأشعار وغيرها ، كانت تلك الرواية حُجّةً شرعيّةً يجب العمل بها ، أو لم تكن حجّةً!

نعم ، الأخذ من الكتاب ، والنقلُ لما هو فيه ، لا يتوقّف على التحمّل عن مؤلّفه ، كائناً مَنْ كان ، ولو لم يكن من المسلمين ، بل هو - كاستنساخه الذي هو عمل الصحفيّين - لا يحتاج النقل عنه والاستنساخ منه إلى تحمّلٍ عن مؤلِّفه ، كما نصّ عليه الشيخ إبراهيم القطيفي ، في إجازته.

نعم ، إنْ ثبت عن مؤلّف ذلك الكتاب الذي اُريد النقلُ عنه والنسخ منه ، بالعلم أو العلميّ ، فيجوز نسبة الكتاب إليه ، وإلّا ، فلا.

وأمّا النقلُ عن مؤلّف الكتاب والرواية عنه ، فلا يجوز بدون التحمّل بالإجازة أو بغيرها.

وأمّا ما يُنْسَب من الخلاف إلى ظاهر كلام مَنْ يقول: إنّ فائدة الإجازة ليست إلّا التيمُّن والتبرّك باتصال الإسناد.

فليس هذا خلافاً منه في مسألة الحاجة إلى أحد أنحاء التحمّل في الرواية عن المؤلّفين ، ولا التزاماً منه بعدم الحاجة إليه فيها ، بل صريح كلام بعضهم: أنّه في مقام بيان عدم الحاجة إلى الإجازة وغيرها في مسألة حجّية الرواية ، وجواز العمل بها ، وأنّه لا يتوقّف العمل بالحديث على حصول الإجازة أو غيرها من رواية ، بل ، إنْ وجدنا الحديث مسنَداً ، واجداً لشرائط القبول في كتاب معتبر شرعاً - وهو الكتاب الذي نعرف مؤلّفه ، ولو بالقرائن الخارجيّة أو للأمارات الشرعية ، ونعلم أنّ شرائط القبول عنه موجودة فيه - فنعمل به ، لأنّه حديث مرويّ عن الإمام‏عليه السلام ، رواه عنه مؤلّف هذا الكتاب بإسناده إليه ، والفرض أنّ المؤلّف راوٍ مقبول القول ، فنعمل بحديثه ، وإن لم نكنْ مجازين عنه.

وأمّا الحاجة إلى الإجازة - أو غيرها من طرق التحمّل - في جواز الرواية والتحديث بهذا الحديث ، عن هذا المؤلّف ، أو أحاديث سائر المؤلّفين عنهم ، فإجماعيّ ، ما نفاها هذا القائل ولا غيره.

وظاهر كلام بعض هؤلاء: أنّه ناظرٌ إلى خصوص الإجازة الشخصيّة ، وبالنسبة إلى خصوص الكتب المتواتر نسبتُها إلى مؤلّفيها ، ومراده: أنّ هذه الكتب - بعد تحقُّق تواترها - يتحمّلها كلُّ مَنْ يأخذ عنها عن مؤلّفيها ، من دون حاجةٍ إلى إجازة شخصية في الرواية عنه ، إذ - كما يصدق الأخذ والرواية عن مؤلّف كتاب بطريق الإجازة الشخصيّة الآحاديّة - كذلك يصدق الأخذ والرواية عنه بطريق التواتر ، بأن يأخذ ويروي ، من كتابه المتواتر عنه.

وذلك: لأنّ فرض تواتر نسبة الكتاب إلى مؤلّفه لا يتحقّق في الخارج إلّا بقول المؤلّف: «إنّ هذا هو كتابي» لجمعٍ كثيرٍ ممّن أدركوه من أهل عصره ، كانت عدّتهم بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب ، فيعلمون أنّه كتابه ، من إخبار المؤلّف نفسه ، ويصحّ لهم نسبته إليه ، ولا محالة يتحمّلونه عنه بإحدى الطرق.

منهم من يصرّح له المؤلّف بإجازته.

ومنهم من يُناوله المؤلّف كتابه.

ومنهم من يسمعه من المؤلّف.

ومنهم من يقرؤه على المؤلّف.

ومنهم من يسمعه بقراءة الغير عليه.

ومنهم من يكتبه له المؤلِّف بخطّه.

ولو لم يكن كلّ هذه الطرق ، لكن لابدّ من مجرّد إظهار المؤلّف كتابه لهؤلاء العدّة ، وقوله لهم: «إنّ هذا هو كتابي أو سماعي أو روايتي» ولو لم يُناولهم كتابه ، ولا صرّح بالإجازة لهم ، وهذا يُسمّى «إعلاماً» وقد عدّه العلماء من الطرق السبع ، أو الثمان لتحمّل الحديث.

وهو نظير السماع عن الشيخ ، ويفترق عنه بالإجمال والتفصيل ، لأنّ السامع يسمع عن الشيخ أحاديثه التي يرويها الشيخ ويُخبر بها واحداً واحداً ، على التفصيل ، لكن في إعلام الشيخ له بأنّ مجموع ما في هذا الكتاب من روايته: إخبار بها جملةً واحدةً ، فكأنّه سمع عن الشيخ مجموع هذه الروايات إجمالاً.

وكما أنّ السماع عن الشيخ لآحاد رواياته تفصيلاً ، مُجوّزٌ لروايتها عنه - وإنْ لم يصرّح له الشيخ بالإجازة والإذن ، بل ، ولو كان المقصود بالسماع غيره ، أو سمع من وراء الستر ، بل ، ولو منعه الشيخ عن الرواية عنه ، لاُمور غير راجحة - فكذلك إعلام الشيخ ، الذي هو إخبار إجماليّ منه بأنّ مجموع ما في هذا الكتاب رواياته ، مُجوّزٌ لروايتها عنه.

بل ، من لوازم إخبار كلّ أحَدٍ بكلّ شي‏ءٍ لكلّ أحد ، ترخيصُ المخبِر وإذنه لمن أخبره به ، في نقله عنه.

ولو دعاهُ غرض إلى الإخبار بِهِ - لكنّ ما أراد نقلَ ذلك الخبر عنه - لزمه التصريح بالمنع ، أو الاكتفاء بمنع الشارع ، إن كان ممّا نهى‏ الشارعُ عنه ، كأنْ يكونَ نميمةً ، أو فيه شَيْنٌ للمخبر أو مؤمنٍ آخر ، أو ما يسوؤهما ، أو يترتّب على نقله فساد شخصيٌّ ، أو نوعيٌّ ، أو غير ذلك.

وبالجملة ، فكما أنّ السماع عن الشيخ - مع تجرّده عن الإجازة - كافٍ في التحمّل وجواز الرواية ، فكذلك الإعلام المجرّد عنها ، إذا حصل من المؤلّف لكلّ واحد ممّن أدركه.

فأهل الطبقة الاُولى - المدركون للمؤلّف والحاملون لكتابه عنه بإحدى الطرق ، ولو بإعلامه لهم ، كما بيّناه ، مع فرض بلوغ عدّتهم حدّ التواتر - إذا أخبروا مَنْ أدركهم من أهل الطبقة الثانية البالغين عدّة التواتر - أيضاً - وقالوا لهم: «هذا كتاب فلان وهو روايتنا عنه بإعلامه مقتصراً عليه» فهذا - أيضاً - هو الإعلام المجرّد ، الذي مرّ أنّه إحدى الطرق المشهورة ، فتحمّل بذلك أهل الطبقة الثانية من أهل الطبقة الاُولى.

ويصحّ لأهل الطبقة الثانية - إذا أخبروا الثالثة البالغين حدّ التواتر في جميع الطبقات: أوّلاً ، ووسطاً ، وآخراً - [مثل ذلك‏].

ففرضُ تواتر نسبة الكتاب إلى مؤلّفه لا يكون إلّا كذلك ، وهو لا ينفكّ عن تواتر تحمّله عنه من أوّل الأمر - ولو بإعلامه الكثيرين أوّلاً بأنّه كتابهُ أو روايته - .

وإلّا ينقطع التواتر عن المؤلّف.

بل ، لو فُرِضَ أنّه لم يُعلِمْ أحداً بتأليفه ، ينقطع التأليف عنه بتاتاً ، حيث لا يعلمه إلّا علّام الغيوب.

والعلم بتأليف أحدٍ ليس له طريق عاديٌّ إلّا من قِبَلِ مؤلِّفه.

ولو أعْلَمَ المؤلّفُ - في عصره - رجلاً واحداً أو رجلين ، بتأليفه ، ثمّ انتشر الخبر - من هذا الواحد أو الاثنين - إلى سائر الناس بأنّه تأليفه ، انقطع تواتر النسبة إليه في الطبقة الاُولى ، ولا يفيد تواتر سائر الطبقات.

كما اتّفق في «كتاب سليم بن قيس الهلالي» الذي نعلم بكونه له بسبب إخبار المعصومين‏عليهم السلام ، وسائر القرائن الخارجيّة ، لا من جهة تواتُرِ إسناده ، حيث أنّه لا يرويه عنه مسنداً إلّا أبان بن [أبي‏] عيّاش ، فقط.

فلابدّ أنْ يتحمّله ، في الطبقة الاُولى‏ - ولو بإعلام المؤلّف - عدّةُ التواتر ، ثمّ هكذا في جميع الطبقات إلى عصرنا الذي نَسمع فيه قول مشايخنا لنا: «إنّ كتاب التهذيب تأليف شيخ الطائفة ، نرويه عنه بإعلام السابقين لنا ، وهم يروونه بإعلام سابقيهم لهم ، وهكذا إلى أنْ ينتهي إلى إعلام الشيخ‏رحمه الله لعدّة التواتر ممّن أدركه: بأنّه كتابه وروايته».

فتصحّ لنا - بهذا الإسناد المتواتر - روايةُ ما في كتاب التهذيب عن الشيخ بقول: «حدّثنا شيخ الطائفة» و «روى لنا».

ويصدق بذلك الأخذ والرواية والتحديث عن الشيخ ، كما يصدق في حقّه الأخذ والرواية والتحديث عن الأئمّةعليهم السلام ، بأسانيده الشخصيّة الآحاديّة عن مؤلّفي الاُصول عنهم‏عليهم السلام ، على ما فصّلها في «مشيخة التهذيب».

لكنّا في غِنىً عن السند الشخصيّ إلى الشيخ ، في جواز الرواية عنه ، لحصول الاتّصال إليه بما هو أتمُّ وأتقن ، وهو الإسناد المتواتر.

وبما أنّ الإسناد المتواتر لا نظر فيه إلى أعيان آحاد المخبرين ، ولا التفات إلى مزايا أشخاص الناقلين وأفراد المتحمّلين ، بل محطّ النظر في التواتر: «العلم باتّفاق جمعٍ كثير في كلّ طبقة على ما يمتنع التواطؤ عليه عادةً».

جرتْ السيرةُ على الاستجازة في الكتب المتواترة - أيضاً - لتحصيل الاتّصال العينيّ والإسناد الشخصيّ الآحادي ، لاشتمال الإجازة الشخصيّة على الانخراط مع أعيان المشايخ الأجلّاء ، والانضمام مع أشخاص العلماء الأزكياء ، والدخول في محاضر العلماء الأتقياء ، والاتّصال بصفوف الأصفياء ومحافل الأولياء ، وغير ذلك ممّا يُستحسنُ عقلاً ، ويُستحبّ شرعاً ، ويحقّ أنْ يتبرّكَ به ويُتيمّن.

وقد حَنَّتْ على التشرّف بهذا الشرف نفوسُ السُعداء ، وهانَ عليهم في إدراكه نزولُ الدهماء ، فكذا لا يكتفون بالإجازات العامّة لجميع أهل عصر المجيز أو مَنْ أدرك جزءاً من حياته أو لكلّ أحدٍ - الشامل لنا أيضاً ، لعمومه الموجودين والمعدومين - وقد استعملَ نحو هذه الإجازات أكابر علمائنا ، كما قاله الشيخ عزّالدين ، الحسين بن عبدالصمد الحارثي ، والد الشيخ البهائيّ ، في درايته الموسومة ب «وصول الأخيار»(1).

وكذا لا يكْتفون بالشيخ والشيخين ، بل يستزيدون الطرق والإجازات ما يتأتى‏ بهم المزيدُ ، ويجولون البلاد ، ويتحمّلون فراق الأحبّة والأولاد في تحمّل الإجازات الشخصية ، والتشرّف بقرب الإسناد.

مع أنّ في الإجازة الشخصية فائدة الضبط ، وضمان الشيخ [الأمْنَ من ]التصحيف والتحريف والسقط والغلط ، وغيرها ، حتّى في متواتر الإسناد.

فإنْ كانَ مرادُ القائل بعدم الحاجة إلى الإجازة الشخصية وسائر الطرق في الرواية عن مؤلّفي الكتب المتواترة نسبتُها إلى مؤلّفيها ، وكونها للتبرّك ، هو ما ذكرناه ، فهو حقٌّ كما فصّلناه.

لكن الشأن في إثبات الصغرى‏ ، وأنّه : هل تحقّق هذا الموضوع خارجاً ، أم لا؟

فإنّ الجزمَ ببلوغ عدّة التواتر في هذه النسبة: أوّلاً ، ووسطاً ، وآخراً ، في غاية الإشكال.

نعم ، القدر المسلّم ، المتّفق عليه كلمةُ الأصحاب ظاهراً ، تواترُ نسبة الكتب الأربعة إلى مؤلّفيها ، حيث أنّ بملاحظة كثرة تلاميذ ثقة الإسلام الكلينيّ ، والشيخ الصدوق ، وشيخ الطائفة ، يُمكن الجزم بحصول التواتر بالنسبة إليها ، وأنّ انتسابها - حتى في الطبقة الاُولى - كان [منقولاً] عن عدّة كثيرة يمتنع عادةً احتمال التواطؤ على الكذب في حقّهم ، بل كان كلّ منها في عصر مؤلّفه مرجعَ الخواصّ ، ومعتمد العوامّ ، ومدار رَحى‏ الأحكام.

وأمّا غير الكتب الأربعة الحديثيّة ، من سائر كتب المشايخ الثلاثة ، أو سائر كتب الأصحاب:

فبعضها - وإنْ بَلَغَ في اشتهار نسبته إلى مؤلفه ما بَلَغَ ، بل صارتْ نسبته مستفيضةً - لكنْ جلُّها ما تجاوزت عن حدّ الشهرة ، التي يجري فيها المَثَلُ السائر: «رُبَّ شهرةٍ لا أصل لها».

كما نرى في نسبة «جامع الأخبار» إلى الشيخ الصدوق.

و«عيون المعجزات» إلى علم الهدى.

و«الاختصاص» إلى الشيخ المفيد.

وغير ذلك.

فأين التواترُ في هذه الكتب؟

قال صاحب المعالم - في الفائدة الرابعة من أوّل كتاب «المنتقى‏» عند ذكر طريقه إلى الكتب الأربعة فقط ، تيمّناً باتصال السلسلة ، لا لتوقّف العمل عليه ما نصّه -:

«فإنّ تواتر الكتب المذكورة عن مصنّفيها - إجمالاً - مع قيام القرائن الحالية على العلم بصحّة مضامينها - تفصيلاً - أغنى‏ عن اعتبار الرواية لها في العمل ، وإنّما تظهر الفائدة فيما ليس بمتواتر ، وهذا هو السبب في اقتصارنا على الكتب الأربعة ، مع أنّه يوجد من كتب الحديث غيرها ، لكن الخصوصيّة غير متحقّقة فيما عداها» انتهى(2).

وفيه تصريحٌ بأنّ تواتر نسبة الكتاب يغني عن الرواية الشخصيّة ، وأنّ التواتر إنّما تحقّق عندنا في الكتب الأربعة - فقط - دون غيرها من الكتب والاُصول ، حتّى اُصول القدماء التي هي مأخذ الكتب الأربعة ، فإنّها ما كانت متواترة النسبة عند المشايخ الثلاثة.

ولأجل عدم تواتر تلك الكتب والاُصول عندهم ، احتاج كلّ واحد منهم إلى أنْ يفصّلوا أسانيدهم إليها ، وطرق تحمّلهم لها بذكر السند إليها في نفس الكتاب ، كما في الكافي ، أو في المشيخة وكما في غيره ، مصرّحاً بأنّ ذلك للخروج عن حدّ الإرسال(3).

نعم ، جملة من تلك الكتب والاُصول كانت معروفةً مشهورة الانتساب إلى مؤلّفيها في عصر المشايخ ، لكنّها ما بلغت حدّ التواتر في جميع الطبقات.

ولو كانت متواترةً عندهم ، لما احتاجوا إلى هذا التكلُّف ، ولما صرّحوا بأنّ ذكر الأسانيد لأجل الخروج عن حدّ الإرسال.

كما أنّ جملةً اُخرى من تلك الكتب والاُصول كانت معلومة الانتساب إلى مؤلِّفيها عندهم لقرب عصرهم ، ودنوّ عهدهم إلى مؤلفيها ، ووجود كثير من القرائن عندهم ، وبسببها كانوا عالمين بمؤلّفي تلك الكتب والاُصول ، لا من جهة تواتر النسبة إليهم ، المشتملة على تواتر الإسناد ، والمغنية عن الإسناد الشخصيّ - كما فصّلناه - بل ، لقرب العهد ، ووجود القرائن ، علموا بمؤلّفيها.

ومجرّد هذا العلم بالمؤلّف - وإن كان طريقاً لهم إلى تشخيص مؤلّفه ، ومجوّزاً لنسبة الكتاب إليه ، بل مجوّزاً للعمل بما فيه من رواياته ، مع اجتماع سائر الشروط ، حيث إنّه عملٌ بما أخذه المؤلّف ورواه عن الإمام‏عليه السلام ، وما فيه مأخوذ ومرويٌّ له عنه‏عليه السلام .

لكن ليس العلم بالمؤلّف من طرق تحمّل الحديث والرواية عنه ، ولا مصحّحاً للإسناد إليه ، حيث لا يصدق معه الأخذ والرواية والتحديث عن المؤلّف ، مع عدم التحمّل عنه بإحدى الطرق المعهودة.

فالحاجة إلى ذكر السند إلى مؤلّفي الكتب المعلومة النسبة - أيضاً - كما في المشهورة ، بحالها ، لأجل الخروج عن حدّ الإرسال ، كما التزم به المشايخ الثلاثة ، قدّس اللَّه أسرارهم.

وبالجملة: الحاجة ماسّةٌ إلى الإجازة الشخصيّة - أو غيرها من طرق تحمّل الحديث - في صدق الرواية عن مؤلّفي عامّة الكتب والاُصول ، وجميع المصنّفات في كلّ فنّ وعلم ، عدا الكتب المتواترة النسبة إلى مؤلّفيها ، المنحصر مصداقها عندنا في الكتب الأربعة الحديثيّة(4).

وغير خفيّ: أنّ هذه الأربعة - فقط - لا تغنينا - اليوم - في جميع ما نحتاج إليه من أبواب الاُصول والفروع ، من الطهارة إلى الديات ، عن الرجوع إلى سائر كتب أصحابنا القدماء والمتأخّرين.

فإنّ «الوافي» الفيضيّة ، الجامعة بين الكتب الأربعة ، لا تفي بالمهمّ في تلك الأبواب.

وأمّا تفصيل «وسائل الشيعة» فمع اشتماله على عامّة ما اطّلع عليه مؤلّفه الشيخ الحرّقدس سره من الكتب الأربعة وسائر كتب الأصحاب ، فقد فات منه الكثير النافع لنا في جميع تلك الأبواب ، حتى عَمَدَ شيخنا العلّامة النوري‏قدس سره النوراني إلى استداركه ، فأتعب نفسه في سنين متطاولة في جمع «المستدرك» وترتيبه على ترتيب أبواب أصله ، حتى بلغ الاستدراك قرب مقدار الأصل ، وقد استخرج أحاديثه من الكتب المعتبرة التي أثبت اعتبارها في «الخاتمة».

فقد سمعت شيخنا آية اللَّه الخراساني على المنبر بالمسجد الهندي في درس الفقه - صبحاً - عند البحث في أنّ العمل بالعام إنّما يجوز بعد الفحص عن المخصّص ، وكان يَحُثّ عامّة التلاميذ بالجدّ والاجتهاد والفحص التام إلى حصول اليأس - إلى أن قال: -

ولا يتمّ الاجتهاد والفحص عن المقيّد والمخصّص وسائر القرائن - في عصرنا هذا - إلّا بالرجوع إلى كتاب «مستدرك الوسائل» أيضاً. فإنّه يوجد فيه مزايا وخصوصيات خلت عنها سائر المجاميع الحديثية: كالوافي ، والبحار ، والوسائل وغيرها ، فلابدّ من الرجوع إليه في مظانّها حتّى يحصل الاطمئنان بالعدم ، واليأس عن الظفر بالمخصّص وغيره.

هذا قوله على رؤوس الأشهاد.

وكان عمله على ذلك - أيضاً - كما شاهدتُه ، عدّة ليالٍ - بعد درس الليل - كنت أحضر داره في مجلس بحثه مع بعض خواصّ تلاميذه المجتهدين لتمرينهم على الاستنباط ، وتعليمهم الجواب عن الاستفتاءات ، وقد اُحضرتْ الكتب الفقهيّة والحديثية في المجلس يرجعون إليها ، فما مضت ليلة لم يُراجع فيها المستدرك.

وسمعت - أيضاً - شيخنا العلّامة شيخ الشريعة الأصفهاني ، قبل وفاة العلّامة النوري [1320] بسنةٍ تقريباً يقول في بعض مذاكرته الرجالية ، في أيّام التعطيل - فسألته: عن مستند كلامه الذي ذكره؟

فقال: قد ذكره الحاج آقا النوريّ في «خاتمة المستدرك».

فتعجّبت من شدّة وثوقه بقوله ، وبكتابه! ولما أحسَّ بتعجّبي قال ما نصّه:

نحن عيال على الحاج آقا النوري في الحديث والرجال ، ونتنعّم ممّا بسطه لنا من مائدة إحسانه في تصانيفه الجليلة ، سيما «المستدرك» و«خاتمته».

والتعبير عنه ب «الحاج آقا النوري» اقتداء منه بآية اللَّه الشيرازي طاب ثراه [المتوفّى 1212] فإنّه ما كان يعبّر عنه إلّا به ، فتبعه تلاميذه وغيرهم.

وكذلك سيّد مشايخي الشريف المرتضى الكشميري ، ومن أدركتهم من المجتهدين العظام المعاصرين له في النجف كانوا - كافّةً - منقادين له ، مستفيدين من تصانيفه ، معظّمين لخدماته غاية التعظيم.

ثمَّ ، لمّا تشرّفتُ إلى سامراء في خدمة شيخنا آية اللَّه الميرزا محمّد تقي الشيرازيّ‏قدس سره ، فرأيته أشدّ وثوقاً به وبتصانيفه.

نعم ، أدركتُ - أيضاً - بعض مَنْ غرّتهُ نفسه ، وخدعه هواه ، وحملته الحميّة والعصبيّة من حيث لا يعلم! وهو - عفا اللَّه عنه - يستحضر تصانيفه ، وينتقص من شأنه وقدره ، كما هو عادة بعض المعاصرين.

ولا بأس به ، حتى لا تنخرم قاعدة «من صنّف فقد استهدف»!(5).

وبالجملة: المجتهد الفاحص عن الأحكام المرويّة عن سادات الأنام ، المسطورة في كتب علمائنا الأعلام بأسانيدهم إلى الأئمّة الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ قد اشتغلت ذمّته بالرجوع إلى عامّة تلك الكتب والاُصول ، بلا كلامٍ.

ولا يكفيه الرجوع إلى الكتب الأربعة - فقط - المتّصلة بالإسناد المتواتر إلى مؤلّفيها ، بل لابدّ له من الأخذ والرواية والتحديث عن سائر الكتب غير المتواترة الإسناد إلى مؤلّفيها.

وتلك الكتب - وإنْ كان انتسابها مشهوراً ومستفيضاً - بل - وإن كان الكتاب معلوم الانتساب إلى مؤلّفه ببعض القرائن الخارجية ، لكن صدق الرواية والأخذ عن مؤلّف الكتاب حتّى يتّصل الإسناد إليه ، ومنه إلى المعصوم‏عليه السلام ؛ موقوفٌ على تحمّل الكتاب عن مؤلّفه بإحدى الطرق المشهورة.

بإجماع العلماء ، كما عرفته عن تصريح الشهيد الثاني ، والشيخ البهائي.

وبعدم خلافهم في المنع عن الرواية ب «الوجادة» في الكتاب المعلوم الانتساب إلى مؤلّفه ، بل المعلوم أنّه خطّ المؤلّف ، كما صرّح به الشهيد الثاني ، وتلميذه والد البهائي ، وغيرهما ، في كتب الدراية.

وجواز العمل بالإجازة - كذلك - لا يلازم جواز الرواية عن مؤلّفه بها ، لبداهة الفرق بين الرواية والأخذ عن الكتاب المعلوم الانتساب إلى مؤلّف ، والرواية والأخذ عن مؤلّف ذلك الكتاب: بالانقطاع والإرسال في الأوّل ، والاتصال والإسناد في الثاني.

حيث أنّ الآخِذَ عن الكتاب يُخبر: «أنّ المؤلّف روى عن المعصوم‏عليه السلام بإسناده إليه ، وأمّا أنا فمنقطعٌ عنه‏عليه السلام».

والآخِذ عن مؤلّف الكتاب يُخبرُ: «أنّي أروي عن المعصوم‏عليه السلام بروايتي عن مؤلّف الكتاب ، عنه‏عليه السلام».

فالآخِذ عن الكتاب «وجادةً» لا يتلبّس بكونه راوياً عن المعصوم ، ولا عن مؤلّف الكتاب ، ولا يتّصلُ به.

ولكن الآخِذ عن مؤلّف الكتاب - ولو إجازةً - يصدُق عليه أنّه راوٍ للحديث عن المعصوم‏عليه السلام بروايته عن مؤلّف الكتاب ، عنه‏عليه السلام .

وإن كان المأخوذ عن الكتاب ، والمأخوذ عن مؤلّف الكتاب - كلاهما - مشتركين في الحجّية شرعاً ، وجواز العمل بهما ، والاستناد إليهما ، معاً ، عند اجتماع شرائط حجّية الخبر فيهما.

لأنّهما مأخوذان عن المعصوم‏عليه السلام ، مرويّان عنه: أوّلهما برواية المؤلّف بإسناده عنه‏عليه السلام ، والثاني برواية المجتهد الفاحص الناظر في الأحكام نفسه عن المؤلّف عن المعصوم‏عليه السلام .

فيحصل غرض المجتهد بالنسبة إلى عمل نفسه والأخذ بوظيفته من كلّ واحد منهما ، في ملاحظة التعارض بينه وبين غيره ، وعدمه ، وملاحظة كيفية الجمع بينهما أو الترجيح والتخصيص والتقييد والشرح والبيان وغير ذلك ، من دون فرقٍ بين أن يكون هو بنفسه راوياً للخبر ، أو يكون مؤلّف الكتاب راوياً له.

نعم ، بالنسبة إلى عمل المقلّدين ، أو المتخاصمين ، وجواز رجوعهم إليه؛ يعتبر أن يكون هو بنفسه راوياً للأحاديث.

وظاهر الأمارات اشتراط التلبّس بالرواية في المجتهد والمفتي والقاضي ، وكونهم متّصفين بأنّهم «رواة الحديث».

فإنّ «الرواة» «حجّة على الخلق» وهم «خلفاء الرسول‏صلى الله عليه وآله وسلم» ، وهم «الحكّام في الأرض» كما وردت‏بذلك الأحاديث التي يستدلّ بها على حجّية قول المجتهد والمفتي والقاضي ، ووجوب الرجوع إليهم ، وحرمة ردّهم.

والحاصل: أنّ حجيّة الخبر ، وجواز العمل به - بعد حصول شرائطه ، ليست موقوفةً على تحمّله وروايته بالإجازة أو غيرها ، بل تكفي «الوجادة»: بأنْ يجده المجتهد في كتابٍ معلوم النسبة إلى مؤلّفه ، المقبول خبره ، فيأخذه ويعمل به ، وإنْ لم يكن هو حاملاً له ، ولا راوياً عن مؤلّفه.

لكن رواية هذا المجتهد هذا الخبر عن مؤلّفه؛ لا تصدق بدون تحمّله عن المؤلّف بإحدى الطرق.

وكذا الحال في الرواية عن مؤلّف كلّ كتابٍ لم تتواتر نسبته إلى مؤلّفه.

نعم ، المتواتر لا يحتاج إلى التحمّل الشخصيّ ، لتحقّق الطريق المتواتر معه ، كما بيّنا.

فالتحمّل - ولو بالإجازة - شرط ، وموقوف عليه صدق الرواية والاتّصاف بكون الشخص راوياً للحديث ، لا لجواز عمله بالرواية.

وهذا مراد كثير من الأعلام ، الذين يظهر منهم إطلاق القول بعدم الحاجة إلى الإجازة ، وأنّها للتيمّن والتبرّك باتّصال الإسناد.

يعني: أنّ الإجازة لا يُحتاج إليها للعمل بالأحاديث المرويّة في كتبنا - اليومَ - المعلوم لنا مؤلّفوها الثقات ، ولو بغير التواتر من سائر الأمارات.

ولكنّها محتاج إليها في اتّصال السند ، حتّى تخرج الرواية بسببها عن عداد المرسلات ، ويوسم حاملها - لغةً ، وعرفاً واعتباراً - بسِمة الرواة ، ويتزيّا بزيّ الحجج والقضاة ، ويتهيّأ للدخول في زُمرة خلفاء الرسول‏صلى الله عليه وآله وسلم ، كما نطق به لسانُ الأخبار.

ولتوقّف صدق الرواية ، وتحقّق صحّة الإسناد في اللغة والعرف والاعتبار - في غير الكتب المتواترة النسبة إلى مؤلّفيها - على تحمّل الرواية عن المؤلّف بإحدى طرق التحمّل - ولو بالإجازة - نرى جريان سيرة الأصحاب - عملاً - على التحمّل بإحدى الطرق ، ولو بالإجازة ، من الصدر الأوّل ، إلى الساعة ، بسيرةٍ سائرةٍ في كلّ خلفٍ عن السَلَفِ.

حتى تحمّل كثير منهم - في تحمّل الطرق - الأعمال الثقال ، ومشاقّ الاغتراب والأسفار ، مع ما فيها من الأخطار والأهوال ، وما يلزمها من صرف العمر وبذل المال.

[المستجيز]

وممّن اقتدى بالسَلَف الصالح ، واقتفى الأثر الراجح ، فتغرّب عن وطنه وأهله ، وتقرّب إلى اللَّه بهجرته عن مسكنه ورحله ، فجاب البلاد طالباً لأعالي الإسناد إلى سادة العباد ، وجدّ في الطلب حتّى وَجَدَ ، واجتهد في تحصيل المطلب حتّى نَقَدَ ، بذل السعيَ في هذا السبيل ، وأعمل الفكر في الوصول إلى المقصد الجليل ، ففاز بسعادتي العلم والعمل ، وحاز منهما الحظّ الأوفر الأكمل:

السيّد السند الممجَّد ، والمولى الأولى المعتمد ، العالم الفاضل الكامل النحرير ، والمحدّث الفقيه النسّابة الخبير ، مالك أزمّة حسن التقرير والتحرير ، حائز السباق في ميدان البيان والتعبير ، الفائق على سائر الأقران والأتْراب ، وهو في حدّ رَيعان الشباب ، حتّى تُضرب بفضله الأمثال ، وتطاول إليه أعناق الرجال ، النور الأزهر ، والسيّد الأفخر: جناب الآقا سيّد جعفر ، ابن العالم العيلم الجليل ، الحسيب النسيب النبيل ، سليل الكاظم ، أبي الرضا السيّد عبدالرضا الموسويّ المهريّ.

أدام اللَّه تعالى بركاته وإفضاله ، وكثّر في العلماء أضرابه وأمثاله.

فإنّه دامت معاليه وكبت مُعاديه ، بعد بلوغ غاية المرام من تكميل العلوم ، والوصول إلى شامخ المقام من استنباط المنطوق والمفهوم ، سار بسيرة الماضين سيراً حثيثاً ، وسعى في طلب ما يصير له النقل روايةً وحديثاً ، حتّى يتّصل له الإسناد ، وتجوز له الرواية عن الأئمّة الأمجاد.

فاستجازَ من هذا الضعيف الجاني ، لحسن ظنّه ، مع أنّي لستُ من أهله ، ولا أراني كما ظنّه.

لكن بعد تكرار الطلب ، وإرسال الكتب ، ما رأيتُ بُدّاً من الإسراع في امتثال أمره المطاع ، فاستخرت اللَّه سبحانه وتعالى ، وكتبتُ ببناني ما أنشأته بلساني ، وأجزتُه أن يروي عنّي جميع ما صحّت لي روايتُه ، وصلُحت لي إجازتهُ ، وجميع تصانيف أصحابنا وكتبهم ورسائلهم ، واُصولهم ، ومسائلهم ، المختصرة منها والمبسوطة ، المطبوعة منها والمخطوطة ، المذكورة فيما كتبته من «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» وسائر ما صنّفه علماء الإسلام ، في الحديث والفتاوى والأحكام ، وغيرها ، من سائر الفنون المذكور جلّها في «كشف الظنون».

بحقّ إجازاتي العامّة ، عن عدّة من مشايخي العظام ، حجج الإسلام وآيات اللَّه في الأنام ، عمّمهم اللَّه بتيجان الغفران ، وأسكنهم اللَّه في أعلى غرف الجنان.

وهم كثيرون ، أقتصر على ذكر أوثقهم وأعلاهم وأوّلهم وأولاهم ، أعني: شيخنا الإمام ، العلّامة العماد ، الذي لا تُنكر جلالته ولو بالعناد ، ثاني شيخ الطائفة الطوسيّ ، والعلّامة المجلسيّ ، مولانا الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسيّ قدّس سرّه القدّوسيّ.

فإنّه طاب ثراه أوّل مَنْ مَنَّ عليَّ باتّصال الإسناد إلى المشايخ الأمجاد ، وشرّفني بالدخول في زُمرة الرواة ، عن آل الرسول ، في الثاني عشر من شهر صفر الخير من سنة (1320) العشرين والثلاثمائة بعد الألف ، وذلك قبل وفاته بما يقرب من خمسة أشهر ، لأنّه تُوفّي لثلاث بقين من جمادى‏ الآخِرة من السنة المذكورة.

وأجازني إجازةً عامّةً أنْ أرويَ عنه ، عن مشايخه الأعلام الأجلّاء ، المطابق عدّتهم «للخمسة» النجباء من أصحاب الكساء ، المشروحة أحوالهم في «خاتمة مستدرك الوسائل» والمذكورة طرقهم ومشايخهم من الأواخر إلى الأوائل.

فليرو جناب السيّد المستجيز عنّي ، عن شيخنا المبرور ، عن مشايخه المسطورين في الخاتمة ، بطرقهم المتّصلة إلى أهل بيت العصمة صلوات اللَّه عليهم أجمعين ، لمنْ شاء وأحبَّ ، ومَنْ أراد منه وطلب.

ملازماً للتقوى في جميع الحالات ، مراعياً في الرواية طريق الاحتياط ، الذي هو سبيل النجاة.

وأجزتُه - دام علاه - أيضاً: أن يرويَ عنّي جميع ما صحّت لي روايته ، عن سائر مشايخي العظام البالغ عددهم «العشرين» .

وقد ذكرتُ منهم النجوم الزهر في هذا القرن الرابع عشر ، المعدودين بعدّة المعصومين «الأربعة عشر» عليهم صلوات الملك الأكبر ، وذكرت طرقهم ومشايخهم ووفياتهم ، في الإجازة المتوسّطة التي كتبتها قبل سنتين ، للسيّد العلّامة البحّاثة ، سمّي جدّه النبي الاُمّي ، والملقّب بما خصّ به سادس الأئمّة الميامين ، سيّدنا السيّد محمّد صادق آل بحر العلوم دامت بركاته.

فليرو السيّد المستجيز ، عنّي ، عن جميع هؤلاء ، بطرقهم المسطورة في الإجازة المذكورة.

وإن أراد التفصيل بذكر جميع الطرق فعليه بإلْحاقها في آخر هذه الإجازة ، فإنّي - الآن - لا يسعني البسط أزيد ممّا كتبت.

والرجاء الواثق من جنابه المقدّس قبول الأعذار ، والعفو عن التقصير ، وأن لا ينساني من الدعاء في الحياة وبعد الممات ، سيما بحسن الخاتمة ، وفي أعقاب الصلوات.

وقد حرّره ، بيده الجانية ، المسي‏ء الحاني الضعيف ، ابن الحاج عليّ ، محمّد محسن ، المدعوّ بآقا بزرك الطهراني الشريف.

في خامس ربيع المولود ، من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة والألف من الهجرة النبوية ، على مهاجرها آلاف السلام والتحية.

حامداً اللَّه تبارك وتعالى ، ومستغفراً من ذنوبه ، ومصلّياً على نبيّه محمّد وآله الطيّبين ، صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.

والحمد للَّه ربّ العالمين.

...................) Anotates (.................

1) وصول الأخيار ، (ص‏6 - 137) طبع قم 1401ه .

2) منتقى الجمان (1 / 27) طبعة المدرسين - قم 1402 ه .

3) هذا الاستدلال غير تام ، فإنّ أصحاب المشيخة وغيرهم ، أسندوا إلى جميع ما نقلوا عنه بلا فرق بين ما ادّعي تواترهُ وغيره ، فالأسانيد استعملت إلى الكتب الأربعة أيضاً ، وينطبق عليها أنّ الغَرَض (الخروج عن حدّ الإرسال).

والظاهر أنّ مراد الشيخ الردّ على أهل التعنّت في هذه الاصطلاحات والتمشدق بالأسانيد ، والهجوم على الآخرين على حسابها ، فأثبت الشيخ بذلك أنّ أحاديثنا موصولةٌ بأسانيدها المحكمة ، بطرق التحمّل والأداء بأفضل شكلٍ ، إلّا أن الجمود على الأشكال والمظاهر ، والغفلة عن الأهداف السامية من علم الحديث ، خصوصاً على مباني قدماء الشيعة من عدم حجّية خبر الواحد ، والاعتماد الكامل على الأحاديث المتلقاة بالقبول ، والتي عليها إجماع الاُمّة وعموم الطائفة ، والمثبتة في اُمّهات كتب الحديث والاُصول ، إنّما هو خروج عن روح الحديث ، ووقوف على البحوث النظرية البحتة عن الإسناد ، بينما الأسانيد مثبتة في الاثبات والمشيخات ، ومصونة بكلّ أدوات الضبط ومزدانة بأفضل قواعد علوم الحديث التي يتمشدق بها أدعياء الجرح والتعديل من المخالفين.

وكتب‏

السيّد محمد رضا الحسيني الجلالي‏

4) بل ، حتّى هذه الأربعة بأمسّ الحاجة إلى «الإجازة الخاصّة» وذلك ، لأنّ معلومية النسبة وتواترها ، لا يعني صحّة النسخ المتداولة وضبطها حديثيّاً ، بمعنى أن كون الكتاب الفلاني للمؤلّف المذكور ، وإن كان معلوماً ومحقّقاً وعليه الاتفاق ، بل هو متواتر لا ريب فيه ، إلّا أنّ ذلك على مجموع الكتاب ومجمله ، أمّا تفصيلهُ وخصوص كل ما فيه ، حتى الكلمات والخصوصيات الإعرابية ، فهذا ما ليس الأمر فيه كذلك في جميع الكتاب ، فالحاجة إلى تحديد ذلك لا ترتفع إلّا بطرق التحمّل المعروفة ، والتي انحسرت من ثقافة المسلمين وانحصرتْ اليوم بالإجازة ، التي أثبتنا في كتاب مستقل: أنّها وضعتْ لأداء هذه المهمّة العظيمة ، ورفع تلك الحاجة الماسّة ، بضبط المجيز لما يجيزه ، وتحمّل المجاز للنصّ المضبوط ، والاعتماد عليه في الاستدلال.

وقد عرضنا في ذلك الكتاب ، الأدلّة على ذلك ، مؤكّدين على طرق إحياء الإجازة من أجل التوصّل بها إلى هدفها السامي ، وتخليصها من هجوم أعداء الإسلام من جانب ، والجهلة من مدّعي العلم والتحقيق والتدريس والمتمرجعين من أهل عصرنا من جانب آخر.

وكتب‏

السيد محمّد رضا الحسيني الجلالي‏

5) النوري (ت‏1320) من العلماء الصُلحاء المجدّين في ترويج الشريعة والمهتمّين بالحديث الشريف وعلومه ، وقد رأى في عصره بعض الإعراض عن هذا العلم الشريف وتوغّل عامّة الطلّاب والمحصلين في علم الأصول ، وعدم تداول كتب الحديث والأخبار ، بَدَأ بإثارة فضل الحديث وعلومه في أروقة النجف وأندية العلم ، وكان من أهمّ أهدافه جمع شتات ما تفرّق من الأحاديث في زوايا الكتب ومتفرّقات المكتبات ، محاولاً ضبطها وتيسير نسخها ، حذراً عليها من الضياع والاندثار ، كما حلّ بكثير من تراثنا الغالي ، وكان حصيلة جهوده مجموعة ضخمة من كتب الحديث ، إلّا أنّ الملاحظ فيها - كلّها - محاولة الشيخ النوري ، التكديس والتجميع ، دون التمييز والتصحيح ، فحصل في كتبه الغثّ والسمين والضعيف والصحيح ، والمعتمد وغيره ، وكان من أكبر كتبه «المستدرك على وسائل الشيعة» الذي عبّر شيخنا الطهراني عن أهمّيته ، لأجل الاطمئنان على فراغ الذمة من الفحص عن النصوص ، في عملية الاستنباط.

ومن أخطر مؤلّفاته ، ما جمعه ممّا يتعلّق بالقرآن ، من الأحاديث في كتيب باسم «فصل الخطاب» حيث ورد فيه مجموعة من الأخبار ممّا أثار أهل العناد بها مزعومة «التحريف» بينما هي - بقطع النظر عن أسانيدها الواهية - لا تعني ذلك ، بل إمّا تفسّر ، أو تؤوّل أو تعنى النزول ، ولها نظائر في كتب العامّة وقد حملوها على‏ نسخ التلاوة مع بُطلانه ، مع إعلان الطائفة المحقّة الإماميّة عن رفضها لأمثال هذه الأحاديث التي لا يخلو ناقلوها من المجروحين والضعفاء عند علماء الرجال ، وهي من أخبار الآحاد التي لا حجية لها عند علماء الشيعة ، حتّى لو كانت صحيحة ، وبما أنّها مرفوضة عند الطائفة فهي «كلّما ازدادت صحّة ازدادت ضعفاً».

وامّا المؤلف النوري فكما قلنا: غرضه الجمع ، وإن سبّب بجمع هذا الكتاب ما لا يخلو من العتاب ، وما استغلّه الجهلة المغرضون للهجوم على الحقّ وأهله ، بنسبة تهمة التحريف الباطل. إلّا أنّ النوري قد تنبّه إلى ذلك ، وأجاب عنه في كرّاس ملحق ، لكن المجرمين هم الذين يثيرون الغبار في وجه الحقيقة ويحاولون خلطها بالباطل ، لضرب المذهب الشيعي الذي ينتمي إلى القرآن ، وهم يتجاسرون بذلك حتى على قدسية القرآن ، لكن لا يهمّهم ، بل هم يهدفون إلى ذلك ، بإصرارهم على إشاعة هذه المزعومة الباطلة. واللَّه لهم بالمرصاد.

وكتب‏

السيّد محمد رضا الحسيني الجلالي‏