البناء على القبور

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات و الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم .

صاحب الجلالة

السادة الأمراء

حضرات العلماء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنّ من مجريات التأريخ في القرن المعاصر هو ما قام به بعض رجال القضاء - قبل نيف وسبعين سنة فقط - من الإفتاء بهدم الأبنية الموجودة على قبور العديد من الأئمة والصحابة والتابعين والأشراف والمنسوبة إلى الأنبياء وغيرهم.

وقد صدر الاستفتاء بذلك من قاضي القضاة الشيخ عبد الله ابن بليهد،من علماء المدينة ، ونشرت الفتوى في جريدة أم القرى المكية المؤرّخة 11 شوّال سنة 1344 العدد 69. ومما جاء فيها :

1 - البناء على القبور فهو ممنوع ، إجماعاً ، لصحة الأحاديث الواردة في منعه، وبهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه مستندين على ذلك بحديث علي رضي الله عنه أنه قال لأبي الهياج : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا ّ أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته رواه مسلم .

2 - البناء في مسبلة كالبقيع مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليه هو غصب يجب رفعه لما فيه من ظلم المستحقين ومنعهم استحقاقهم

3 - أن هذه المواضع تتخذ مساجد والتمسح والشرك ووو مما هو حرام فيجب إزالتها

فأقدموا على هدم تلك المواضع مما أثار في نفوس المسلمين ألما لا يزالون يتوجعون منه ، وأجاب العلماء عما جعله المفتون ذريعة لعملهم ، والآن وبعد مرور هذه الأعوام ، وبفضل الوعي والهمة التي يتبعها خادم الحرمين في دعم العالم الإسلامي وتوحيد صفه ، فإن اللجوء إلى إعادة النظر إلى كل ما قيل ضروري ، فلقد أصبح الجواب عن هذه الدعاوى أمرا واضحا لا يرتاب فيه وهذا موجز من ذلك :

أوّلاً: ]حكم البناء على القبور عند علماء الإسلام [

1 -] لا إجماع على المنع من البناء[

ولهذا يقول في نفس هذه الفتوى :(أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه) فليس كل العلماء يقول بالمنع وإلا لأفتوا كلهم بوجوب الهدم!لأن إزالة الحرام واجبة!مضافا إلى أن عمل العلماء على خلاف هذا الإجماع المدعى ، كما سنرى .

ولو فرض وجود الحكم من البعض فهو ليس

حجة على غيره من المجتهدين ولا مقلديهم ، وقد التزموا ب آرائهم حسب قناعاتهم

ــ[2]ــ

،وليس لأحد إكراه أحد على شىء بعد قول الله تعالى: ( لا إكراه في الدين )فكيف يعامل بخلاف ذلك مع المسلمين

2 -] بناء المشاهد والمزارات عمل شرعىّ [

إنه ليس في بناء القباب وتعليتها تجديدا للقبر، وإنّما هو وضع علامة عليها بعيدة عنها; لتكون كما عرفت دلالة وعَلَما على المزور، وحفظا لبقاء الاَّثار، وتوصّلا لزيارة الأطهار، وإرغاما لغير المسلمين من الكفّار، وتعظيما لشعائر الله المندوب إليها بالرفع والتشييد، ومعاونة على البّر لزوّارهم،واستكثارا لتلاوة القرآن وذكر الله لديهم، وإهداء ثوابها لهم وإليهم.

كلّ هذا تقرّبا بالمسنونات، وأداء لحقّ سابقتهم في الإسلام، ووقاية للزائرين من الحرّ والبرد.

أو ليسوا من كبار الصحابة والتابعين ودعائم الدين وأئمّة المسلمين

ومن الواضح غير الخفىّ أنّ التعظيم ليس لقبورهم بما هي حفرة وتراب، بل إنّما هو لذلك الشأن العظيم لهم في الإسلام.

أو ليس عمر أوّل من بنى قبر النبىّ صلّيالله عليه وآله وسلم وسوّاه باللبن ! بعد ما كانت مقوّمة بجريد النخل !كما ذكره السمهودي في كتاب ( الوفا ).

واقتدى به بعده الخلفاء خلفا عن سلف من تسقيفه وعمارة ما حوله !

كما بنى عثمان المسجد بعد ذلك بالحجارة المنقوشة إلى أن بنوه بأحسن بناء.

أو ما كان قصد عمر والخلفاء من بعده هو التعظيم لشعائر الله.

أو هل قصد عمر (رض) بفعله هذا عبادة قبره صلى الله عليه وآله وسلم وجعله وسيلة للشرك بربّه،حاشاه !

هذا، ولم يكن وضع القباب على القبور حادثا في هذه القرون، بل كان ثابتا في القرون السالفة من قبل الهجرة إلى أعصار الصحابة والتابعين والخلفاء الراشدين.

كما يظهر من تراجم الماضين وأحوالهم في الكتب المعتبرة، وأنّ للمعتبر بها وبالآثار الباقية منها لعبرة.

فمنها قبر إبراهيم الخليل بفلسطين، وقبور سائر الأنبياء السالفين ببيت المقدس.وقد رآه عمر ولم يأمر بهدمه !وهو كان أتقى لله أن يتركها لو كانت محرمة

اوبمكّة في الحجر قبر إسماعيل وأُمّه هاجر،

وفي تستر قبر دانيال... إلى غيرها من القبور وقبابها في أقطار العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه .

وهذا إجماع عملي من المسلمين كافّة على جواز البناء على القبور بل لزومه وذلك كله بمرأى ومسمع من العلماء الأعلام الأتقياء الفضلاء من دون أن ينقل من أحدهم نكير أو منع ، بل هم ممن يشارك ويساهم في تشييد ذلك ويوصي بالدفن في تلك الاماكن ، كما يعرف من تراجمهم ،وملاحظة الاماكن التي هم مدفونون فيها وتنسب إليهم على مدى الأزمان والقرون وعلى سعة البلدان الإسلامية كلها وفي كبريات عواصمها مثل

ــ[3]ــ

القاهرة وبغداد واليمن وايران وتركيا وتركستان والهند والسند والفقاز والحجاز قبيل اجراء هذه الفتوى ويكفي قبور أئمة المذاهب أنفسهم كأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل قبل أن يذهب به الماء فإن قبره كان مشيدا معلوما أمام أعين الحنابلة من دون نكير من أحد منهم وهم سلف للمفتي والقاضي . بل كانوا يقصدون قبر احمد للزيارة بل يتبركون به ، كما هو في كتب مناقب أحمد .

وهذا الإجماع العملي أدل دليل على بطلان المنقول من الإجماع على النهي عن البناء على القبور !!

وكذلك تعلية القبور في الإسلام، فهذا >صحيح البخارى< فيما رواه عن خارجة بن زيد قال : رأيتني ونحن شبّان في زمن عثمان، وإنّ أشدّنا وثبةً الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه.

وقال: قال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمّه يزيد بن ثابت قال: إنّما كره ذلك لمن أحدث عليه.

وقال نافع: كان ابن عمر يجلس على القبر. وفيه أيضا بإسناده إلى أبي بكر بن عباس عن سفيان التمار: أنه حدّثه: أنه رأى قبر النبىّ مسنَّماً.

وهذا التاريخ يعلن بقبر العباس بن عبد المطلب عمّ النبىّ وبناء القبّة عليه، الباقية إلى أواخر القرن الأول، كما عن ابن خلّكان.

و ينبغي لنا الأُسوة بإمضاء الشيخين وبقيّة الخلفاء.

أو ليس إبقاء هذه الآثار في عصرهم ـ مع قدرتهم وسلطنتهم على تلك الأقطار والديار ـ إمضاءً منهم وتقريرا لهم، وهي السنّة الباقية منهم !

أو ليس النكير عليهم ومخالفتهم وترك سنّتهم بدعة وضلالة !

والحاصل: أنّ حرمة موتى المؤمنين وقبورهم مما ثبت شرعا.

وقد صحّ عن النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلم قوله: (حرمة المؤمن ميّتا كحرمته حيّا).

وضرورة المسلمين بل الملّيّين كافّةً ، بل وجبلّة البشر على زيارة قبور موتاهم وتعاهدها. من دون أن يعتقدوا فيهم العبادة .

فضلا عمّا ورد في الشريعة من وجوب احترام موتى المسلمين، كالآمرة بوجوب تغسيلهم وتكفينهم وتطييبهم، والرفق بهم، ودفنهم ومواراتهم.

وحرمة إهانتهم بجسارة أو بجناية، أو بمثلة بأجسادهم، وهتك لقبورهم. كما ورد في مناهي النبىّ: من كراهة الجلوس على قبر المؤمن ووطئه بإهانة. وحرمة سبّ الموتي ، كما في البخاري في باب >ما ينهى عنها سبّ الأموات<. ففي المعتبرة أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم (من وطىء قبرا فكأنما وطىء جمرا). وفيما أخرجه في >الكنوز <عن الديلمى: (إياكم والبول في المقابر، فإنه يورث البرص).

وبالجملة: فقد شرّف الله بعض الأحجار على بعض، والمقامات بعضها على بعض، كما شرّف أحجار البيت والحرم والحجر الأسود وزمزم وركن الحطيم ومقام إبراهيم،

وقال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} أو ليست هي إلاّ صخرة عليها أثر قدم إبراهيم

ــ[4]ــ

الخليل، وفيه قبر إسماعيل !

أوَ ما قرأت قوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدا ،حيث أمضى الله سبحانه فعلهم، وهم المؤمنون، وعليه المفسّرون وذكر قصتهم في القرآن الكريم من دون الإنكار عليهم من الله ولا من رسوله دليل على الموافقة على فعلهم ، وإلا كان من الضروري الإنكار عليهم عند ذكر الآية مباشرة لئلا يغتر أحد بما في فعلهم .

وهذا وجه رغبة الشيخين في دفنهما مع الرسول في الروضة المنوّرة وجواره الشريف; تبرّكا بحرمته وشرفه وبركته.

مضافا الى مارواه أعاظم أهل السنّة والشيعة بطرقهم ـ عن أنس وبريدة وابن عباس في تفسير قوله تعالى:(في بُيُوت أذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو وَالآصَالِ رِجَالٌ )

لما قرأ رسول الله ضلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية ، أنه قال: فقام إليْه رجل، وقال: أىّ بيوت هذه يا رسول الله قال: بيوت الأنبياء.

فقام إليه أبو بكر، فقال: يا رسول الله هذا البيت منها وأشار إلى بيت علىّ وفاطمة، فقال: نعم، من أفاضلها.

ولا شكّ أنّ البيوت أعمّ من المساجد، ومن بيت علم الله ووحيه وأنوار

هدايته تعالى. كما أنها تعمّ الرجال ومساكنهم ومحلّ التعاهد إليهم.

ويؤيّد هذا التفسير للبيت: قوله تعالى:إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهرَكُمْ تَطْهِيرا وقد صحّ تفسيرها وتواتر من طرق السنّة والجماعة، نزولها في خصوص الخمسة ممّن اجتمع تحت العباء في حديث الكساء .

ويؤيده أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (إنّ الله اختار من البيوتات أربعة، ثمّ تلا قوله تعالى:.{إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ ونُوحا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ.

ولما حضر قتادة قاضي قضاة البصرة عند الإمام أبي جعفر محمد ابن علي عليه السلام قال: >أصلحك الله يابن رسول الله، والله لقد جلستُ بين يدي الفقهاء وقُدّام ابن عبّاس، فما اضطرب قلبي قدّام واحد منهم ما اضطرب قُدّامك فقال أبو جعفر: (أما تدري أين أنت ! أنت بين يدي بيوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُو وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَام الصَّلاَةِ وَإِيتاَءِ الزَّكَاةِ ، ونحن أُولئَّك).

فقال له قتادة: صدقت والله جعلنى الله فداك ما هي بيوت حجارة ولا طين < .الخبر.

وليس وجود هؤلاء وبيوتهم خاصاً بحياتهم ، بل يشمل ما يوجب استمرار العمل بالآية الكريمة الى الأبد .

كما أنّ الرفع بإطلاقه يعمّ جميع معانيه:فكما أنّ رفعها يكون بالسير إليها; لأخذ علومهم ومعارفهم التي ورثوها عن لسان الوحى، وارتضعوها من ثدْي الرسالة.

كذلك يكون بالتعهّد لمشاهدهم وضرائحهم،وتعظيمها،وبتعميرها وبنائها وتشييدها; لقوله تعالى:وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}وقوله تعالى:{رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}

ــ[5]ــ

 

3 - ]حديث علي لا يرتبط بالبناء على القبور [

وأما التمسّك بحديث أبي الهياج المروي في صحيح مسلم في قوله: (لا تدع تمثالا الاّ طمسته، ولا قبرا مُشرِفا الاّ سوّيته).

1- فهو يدل على أنّ اللازم تسوية القبور وتسطيحها وتعديلها المقابل لتسنيمها، المشتقّ من سنام البعير شرفه وعُلُوّه، كما يدلّ عليه قوله: مُشرِفا، والاّ كان هذا القيد لغوا عبثا.

وعليه فالحديث يدلّ على مرجوحيّة التسنيم للقبور الذي أخذته عامّة الناس لها شعارا، مع مخالفته فعل رسول الله بتسطيحه قبر ولده إبراهيم، وكما استشهد به لذلك شُرّاح الحديث كالقسطلاني وغيره.ويدلّ بمفهومه على أفضلية ما عليه فقه أهل البيت من استحباب تسطيح القبر وكراهة تسنيمه ، ووافقهم عليه الإمام الشافعي من التسطيح.

فالحديث يرتبط بمسألة التسظيح والتسنيم ، ويدل على ذلك أن النووي عنون للباب ب( تسوية القبور) وأورد فيه حديث فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بتسويتها . ثم أورد حديث أبي الهياج،وهذا هو الذي شرح به القسطلاني الحديث فراجع ( إرشاد الساري 2/477).

2- هذا، مع أنّ الحديث بمعزل عن ذلك كلّه لوروده مورد قبور عظماء الكفّار وتماثيلهم وآلهتهم هناك.وفي ذمّ اليهود والنصارى من كفّار الحبشة، وما كانوا عليه من اتّخاذهم لقبور صلحاء موتاهم كهيئة تمثال صاحب القبر أصناما يعبدونها من دون الله فأمر النبىّ عليّا بطمس تلك الهياكل والتماثيل وهدمها وتخريبها ومحوها و مساواتها، ويدلّ عليه قوله صلّى الله عليه وآله وسلم : (ولا تدع تمثالا).

ولا يعقل أن يكون في المسلمين من يصنع التمثال في القبر ! ولا أن يتوجه اليه ! خصوصا من المؤمنين الذين كانوا في عهد علي ، وفي القرن الأول خير القرون ، ولو التزم أحد بأن المسلمين في ذلك العهد كانوا على هذا فهو مخطئ باتهامه لهم لحكمه عليهم بذلك بالارتداد ! وهو باطل بالضرورة ،فلم تكن تلك القبور إلا قبور المشركين وبقاياها.

والإصرار على اتهام سائر المسلمين بذلك يرده الشيخ سليمان أخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما سيأتي نقله .

3 - مع وضوح فساد التمسّك به بما تقدّم من السيرة النبويّة، وما ورد من أمره صلّى الله عليه وآله وسلم وتعاهدها والدعاء عندها .

والنبىّ من لا ينطق ولا يفعل عن الهوى إِنْ هُوَ الاّ وَحْىٌ يُوحَى،كيف يأمر بهدم القبور من هو يأمر بزيارتها !أم كيف يأمر بهدمها وهو يزورها، ويقف عليها، ويدعو الله عندها !

4 - مع أن العمارة التي في المراقد تلك لم تمس القبر نفسه ، بل هي خارجة بعيدة عنه ، فالقباب والم آذن والأروقة وما أشبه لا ترتبط بذات القبر الذي هو تحت الصندوق وداخل الضريح ، وهو قبر مسوّىً كما هو المراد للشارع الكريم .

ــ[6]ــ

ثانياً:]منع البناء في الأرض المسبلة[

وأما الكلام حول الأرض المُسْبلة، حيث أفتوا بهدم المراقد ; لشبهة أنّ البناء في المُسْبلة مانع عن الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهو غصب يجب رفعه، وبه أفتى قاضي قضاتهم على الهدم .فيقال :

1 - :] لم يثبت كون هذه الأراضي مسبلة [:

حيث لم يقرع سمع أحد من المسلمين، ولم يوجد حديث أو تاريخ على أنّ البقيع ممّا استملكها أحد، ثم وقفها أحد وسبّلها لدفن الموتى، فهي باقية بعدُ على إباحتها، يحوزها من يشاء من المسلمين من غير أن يتعرّض له أحد، ومع الشكّ في العروض يبقى استصحاب الإباحة الأصليّة سليمة عن المزاحم.

على أنّ مقتضى القاعدة فيها ونظائرها التمسّك في الإباحة الأصليّة ما لم يثبت هناك عروض الملكيّة، ودون إثبات الملكية قبل الوقفية خَرْط القتاد.

2 - :إن المباني التي أفتوا بهدمها هي :

إما موقوفات وضعها أصحابها على مواضعها ، فكيف يجوز هدمها وإبادتها

أو هي مملوكة ومن الواضح أنّ هذه المختصّات من الأبنية وغيرها في نظر الشارع الإسلامى، كأملاك لا يسوغ لغير مالكها أو من يقوم مقامه في التصرف فيها.

وكيف التجرّؤ على التصرف فيها بالهدم والإبادة والتخريب بمجرّد دعوى التسبيل من غير حجّة ودليل

3 -:لو فرض مع هذا ثبوت الوقف قبل الحيازة ـ ومن المحال ثبوته ـ فلا ينفع المفتي شيئا ،في قوله بعدم رضا الواقف بالبناء ، ولم يسمع منه ذلك الاّ بعد إثباته وأن وقوع البناء مخالف للوقف

بل هذه الدعوى من المفتي على غير مجرى أعراف أهل المعرفة من المسلمين وعاداتهم في مجاري البرّ والخير، من الرعاية لحقّ العظيم في الإسلام والمحترمين من الصحابة والأولياء; ممّن يكثر زوّارهم من المسلمين التالين لكتاب الله لديهم وإهداء ثوابها إليهم; عملا بالسنّة المأثورة وقياما لأداء حقّ عظيم شرفهم في الإسلام.

كلا، وليس في المسلمين أحد ممّن يوقف مقبرة للمسلمين على غير الوجه الأمثل، لرعاية البرّ والطاعة، والأقرب بأداء الحقوق، والأوفى بتعظيم الشعائر.

ولم تزل السيرة القطعية ـ من أكابر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلى زمان الأئمة الأربعة والخلفاء، من الاُمويين والعبّاسيين، وجهابذة العلماء وأساطين الدين باقتدارهم وسلطنتهم وكمال تضلّعهم في إجراء السنّة ومحو البدعة طول هذه المدّة ـ جارية في إبقاء ما ثبت من الأبنية، من غير نكير منهم في حين.

وسيرتهم حجّة قاطعة لا يزاحمها شىء ، ولم يحتمل أحد منهم أُحدوثة التسبيل أو توهّمه.

4 - ] قبور أئمة البقيع ملك لبني هاشم [

هذا، ويشهد التاريخ على أنّ قُبّة العباس بن عبد المطلب، المحتوي على قبور الأئمة

ــ[7]ــ

الأربعة مع جدّتهم فاطمة بنت رسول الله على قول، وفاطمة بنت أسد، في القرن الأوّل، كانت ملكاً خاصّاً ولم يثبت كونها وقفاً مسبلاً عاماً .

وما يظهر منها أنه أوّل مقبرة في البقيع لبني هاشم بُنيت في دار عقيل بن أبي طالب المختصّة بهم، كما ذكره السمهودي عن عبد العزيز وكما يظهر منه: أنها كانت تُدعى يومئذ مسجد فاطمة.

وروي عن الطبري عن الشيخ أبي العبّاس المرسى: أنه كان إذا زار البقيع وقف أمام قبلة قبّة العبّاس، وسلّم على فاطمة.

وفيما حكاه عن ابن جماعة: أنّ في قبر فاطمة قولين:

أحدهما: أنه الصّندوق الذي أمام المصلّى... إلى قوله:

وثانيهما: أنه المسجد المنسوب إليها بالبقيع; أي البناء المربع في جهة قبلة قبّة العبّاس للمشرق، وهو المعنىّ بقول الغزالى: ويصلّي في مسجد فاطمة انتهى كلامه.

وروي عن المسعودي وسبط ابن الجوزي في ما نقله عن الطبري المدني المولود بالمدينة سنة ثلاثين ومائة ـ ما يؤيّد هذا المقام.

وروى بإسناده عن زيد بن السائب، عن جدّه، أنّ عقيل بن أبي طالب بنى على قبر أُمّ حبيبة أُمّ المؤمنين بيتا. قال ابن السائب: فدخلت ذلك البيت ورأيت فيه ذلك القبر انتهى.

وإليك أسماء القباب الشريفة التي هدموها في الثامن من شوال سنة (4431) في البقيع خارجه وداخله:

الأوّلى: قبّة أهل البيت: المحتوية على ضريح سيدة النساء فاطمة

الزهراء - على قول ـ ومراقد الأئمة الأربعة: الحسن السبط، وزين العابدين، ومحمد الباقر، وابنه جعفر بن محمد الصادق عليهم الصلاة والسلام، وقبر العبّاس ابن عبد المطلب عمّ النبىّ، وبعد هدم هذه القِباب دَرَست الضرائح.

الثانية: قُبّة سيّدنا إبراهيم ابن النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلم .

الثالثة: قُبّة أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلم .

الرابعة: قُبّة عمّات النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلم .

الخامسة: قُبّة حليمة السعدية مرضعة النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلم .

السادسة: قُبّة سيّدنا إسماعيل ابن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام .

السابعة: قُبّة أبي سعيد الخدرى.

الثامنة: قُبّة فاطمة بنت أسد.

التاسعة: قُبّة عبد الله والد النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلم .

العاشرة: قُبّة سيّدنا حمزة خارج المدينة.

الحادية عشرة: قبّة علي العريضي ابن الإمام جعفر بن محمد خارج المدينة.

الثانية عشرة: قُبّة زكي الدين خارج المدينة.

الثالثة عشرة: قُبّة مالك أبي سعد من شهداء أُحد داخل المدينة

ــ[8]ــ

الرابعة عشرة: موضع الثنايا خارج المدينة.

الخامسة عشرة: مصرع سيّدنا عقيل بن أبي طالب7.

السادسة عشرة: سيّدنا عثمان بن عفان.

السابعة عشرة: بيت الأحزان لفاطمة الزهراء.

ومن المساجد مسجد الكوثر، ومسجد الجنّ، ومسجد أبي قبيس، ومسجد جبل النور، ومسجد الكبش... إلى ما شاء الله.كهدمهم من الم آثر والمقامات وسائر الدور والمزارات المحترمة، كما صرّح بها في (المفاوضات الهنديّة ).

وإنكم اليوم الحكام على تلك الأملاك فالمطلوب والمتوقّع منكم إرجاع الأملاك إلى أصحابها وإجرائها على ماكانت عليه قبل هدمها حتى تبرؤ الذمة منكم ومن الأمة جميعا من حق أولئك الذين لم يبق منهم من يطالب بدفع ما جرى على أملاكهم .

ثالثاً :الادعاء على المسلمين بأنهم يعملون عند هذه المراقد ما هو شرك أو عبادة الأصنام!

فيكفي للردّ عليه ما قاله العلامة سليمان بن عبد الوهّاب النجدي أخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب :

فأمّا هذه الأمور التي تجعلونها شركا أكبر وعبادة الأصنام! فهي ملأت بلاد العرب من قرون متداولة.

فتبيّن بهذه الأحاديث فساد:إنّ هذه الأمور هي عبادة الأوثان الكبرى.

وتبيّن أيضا بطلان قولكم: إنّ الفرقة الناجية قد تكون في بعض أطراف الأرض، ولا يأتي لها خبرٌ.فلو كانت هذه عبادة الأصنام، والشرك الأكبر لقاتل أهلَه الفرقةُ الناجيةُ المنصورون الظاهرون إلى قيام الساعة.وهذا الذي ذكرناه واضحٌ جلى، والحمد لله ربّ العالمين.

ومن العجب أنّكم تزعمون: أنّ هذه الأمور ـ أي القبور، وما يعمل عندها، والنذور ـ هي عبادة الأصنام الكبرى. وتقولون: إنّ هذا أمر واضحٌ جلى، يُعرف بالضرورة حتّى اليهود والنصارى يعرفونه! فأقول ـ جوابا لكم عن هذا الزعم الفاسد ـ :

سبحانك هذا بهتانٌ عظيم.قد تقدّم ـ مرارا عديدةً ـ أنّ الأمّة بأجمعها على طبقاتها من قُرب ثمانمائة سنة ملأت هذه القبورُ بلادَها، ولم يقولوا: هذه عبادة الأصنام الكبرى. ولم يقولوا: إنّ من فعل شيئا من هذه الأمور فقد جعل مع الله إلها آخر. ولم يجروا على أهلها حكم عُبّاد الأصنام، ولا حكم المرتدّين أىّ رِدّة كانت.

وأما ما في الاستفتاء من : نسبة عبادة القبور وغيرها ،فقد أجيب عنه في كتب مفصلة من قبل علماء الأمة العلماء الأمة السلامية كافّة ومن الممكن مراجعتها .

نداء إلى ولاة الأمر

ونحن نهيب بكم يا من تتطلع الأمة إليكم لاستنقاذها من أزماتها أن تراجعوا النظر في أمر هذه الأبنية التي يطلب المسلمون بكل مذاهبهم ، بفارغ الصبر إعادتها، ليؤكدوا احترامهم لعظمائهم ويجددوا معهم العهد على العزم والتصميم الأكيد للسير على

ــ[9]ــ

مناهجهم في الالتزام بالدين ، والولاء لكل الأهداف التي أعلنها أولئك العظماء والشهداء.

وإن في الإقدام على بناء المراقد لأهل البيت والصحابة والشهداء ، جمعا للشمل وتأليفاً لقلوب الملايين من المسلمين ، ودليلاً على المساعي الجميلة والأعمال الخالدة الذكر لكم في التأريخ الإسلامي .

وأخيرا :فإن قيام هذه الأبنية وتشييدها وظهورها من معالم الحضارة الإسلامية وآثار التمدن والوجود الإسلامي في كل بقعة وأرض دخلها هؤلاء الكبار وشيدوا فيها للإسلام اسما ووضعوا فيها أثرا وجاهدوا فبها حق الجهاد ، فتكون من أدلة عظمة الإسلام وسعة الرقعة التي شملتها الرحمة والعلم والحق الإسلامي ، كما أن وجودها على أية أرض إسلامية دليل واضح وعلامة لائحة وبرهان على التماسك الإسلامي والتوحيد للصف الأخوي بين الأمة الإسلامية ، وموجب لشد الاجيال القادمة بالتراث والتأريخ الإسلامي ، وهو إعلان صريح عن تواتر الحضارة الإسلامية وقطعيتها وعدم انقطاع تلألؤها وانتشار أشعتها على الدنيا حتى قيام الساعة ، وهذا واحد من علامات خلود الإسلام وخاتمية شريعته الحقة.

2