ــ[1]ــ
البدايَةُ
فِي عِلْم الدِرايَةِ
تأليف
الإمام الفقيه الشهيد الثانيّ
زين الدين بن عليّ بن أحمد العامليّ(قدس سره)
(911 965 هـ)
تحقيق
السيّد مُحَمَّد رضا الحسيني الجلالي
قم المقدّسة - 1421 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المحقّق
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين والصلاةُ والسلامُ عَلَى سيّد الأنبياء والمُرسلين وعَلَى الأئمّة الأطهار من آله الميامين.
وبعدُ; فإنّ الحديث الشريف وعلومه من أشرف العلوم الإسلاميّة بعد القرآن وعلومه، وأكثرها تأثيراً فِي الحضارة الإسلاميّة. وهذَا الأثر الخالد «البِدايَةُ فِي عِلْمِ الدِرايَةِ» من تأليف الإمام الفقيه الشهيد الثاني السعيد(قدس سره) لَمِنْ أفضل المؤلّفات وأقدمها فِي هذَا الموضوع، و قَدْ كانت الحاجةُ فِي الأوساط العلميّة ماسّةً إلى وُجود نصٍّ له كامل مضبوط خال عَنْ التعاليق والإضافات، وموثوق به من حيث الصحّة والمقابلة، ليطمئنّ إليه الأساتذةُ الأجلاّءُ، ويرتاح به الطلاّبُ الأعزّاء. وكُنّا بِفَضْل اللهِ وحُسْنِ تَوْفيقِهِ قَدْ قُمْنا بِضَبْطِ شَرْحِهِ ضَبْطاً نسبيّاً حَسْبَ الطاقَةِ ونُشِرَ فِي مدينة قُم المقدّسة عام 1414هـ. و هذا المتن الذي نقدّمه اليوم اعتمدنا فيه على نسخ ثلاث، هي :
1 - نسخة مقروءة على تلميذ المؤلّف وهو الشيخ الأجلُّ الإمامُ المحدّثُ الحسينُ بنُ عبد الصمد الحارثيّ العامليّ من أئمّة الفنّ، و النسخة قُرِئَتْ عليه عام 969هـ، وهي محفوظة في مجموعة برقم 1044 في جامعة طهران.
2 - ونسخة مع الشرح
3 - ونسخة مع الشرح
فجدّدنا العمل و تلافينا ما وقع من الأخطاء، على أمل العودة إلى الشرح
وإخراجه بالصورة اللائقة، والله المستعان.
ونشكر الله عظمت نعماؤه عَلَى التوفيق لإحياء هذه العيّنة الثمينة من التُراث الغالي فهي خدمة للحديث الشريف والمجتمع العلميّ. ونسأله جزيلَ الأجر وخلود الذكر. والحمد لله أَوْلا وآخراً.
وكَتَبَ
السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي
في قم المقدسة شوّال المكرّم 1421
بسم الله الرحمن الرحيم
نَحْمَدُكَ اللّهُمَّ عَلَى البِدايَةِ فِي الدِرايَةِ والرِوايَةِ.
و نَسْأَلُكَ حُسْنَ الرِعايَةِ إلَى النِهايَةِ.
و نُصَلَّي عَلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّد المُنْقِذِ مِن الغِوايَةِ، المُرْشِدِ إلى سَبِيْلِ الهِدايَةِ، و عَلى آلِهِ و أصْحابِهِ، صَلاةً لا يُبْلَغُ لَها غايَةٌ.
و بَعْدُ;
فَهذا مُخْتَصَرٌ فِي عِلْمِ دِرايَةِ الحَدِيْثِ، و بَيانِ مُصْطَلَحاتِهِمْ، عَلى وَجْهِ الإِيْجازِ و الاخْتِصارِ.
مِرَتَّبٌ عَلى مُقَدَّمَة و أَبْواب.
فَالمُقَدَّمَةُ
فِي بَيانِ أُصُولِهِ و اصْطِلاحِهِ
الخَبَرُ و الحَدِيْثُ: بِمَعْنَىً، و هُوَ: كَلامٌ يَكُونُ لِنِسْبَتِهِ خارِجٌ فِي أَحَدِ الأزْمِنَةِ; تُطابِقُهُ أَوْ لا.
و هُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَولَ الرَسُولِ والإِمامِ والصَحابِيّ والتابِعِيِّ و غَيْرِهِمْ، وفِي مَعْناهُ فِعْلُهُمْ وتَقْرِيْرُهُمْ.
و قَدْ يُخَصُّ الثانِي بِما جاءَ عَن المَعْصُوْمِ، والأَوَّلُ بِما جاءَ عَنْ غَيْرِهِ، أَوْ يُجْعَلُ الثانِي أَعَمَّ مُطْلَقاً.
و الأَثَرُ: أَعَمُّ مُطْلَقاً.
و المَتْنُ: لَفْظُ الحَدِيْثِ الذِي يَتَقَوَّمُ بِهِ المَعْنَى.
و السَنَدُ: طَرِيْقُ المَتْنِ، و قِيْلَ: الإِخْبارُ عَنْ طَرِيْقِهِ.
و الإِسْنادُ: رَفْعُ الحَدِيْثِ إِلى قائِلِهِ.
و الأَوْلى رَدُّ المَعْنى الثانِي اِلَيْهِ أَيْضاً -.
ثُمَّ الخَبَرُ مُنْحَصِرٌ فِي الصِدْقِ و الكِذْبِ فِي الأَصَحِّ; لاَِ نَّهُ: إِنْ طابَقَ الواقِعَ المَحْكِيَّ; فالأَوَّلُ، و إلاّ; فَالثانِي.
سَواءٌ وافَقَ اعْتِقادَ المُخْبِرِ; أَمْ لا.
و سَواءٌ قَصَدَ الخَبَرَ; أَمْ لا ؟!
ثُمَّ قَدْ نَعْلَمُ صِدْقَهُ قَطْعاً:
ضَرُوْرَةً، كَالمُتَواتِرِ، و ما عُلِمَ وُجُوْدُ مُخْبَرِهِ كَذلِكَ
أَوْ كَسْبَاً، كَخَبَرِ اللهِ، و الرَسُوْلِ، و الإِمامِ، و الأُمَّةِ، و المُتَواتِرِ مَعْنَىً، و المُحْتَفِّ بِالقَرائِنِ، و ما عُلِمَ وُجُوْدُ مُخْبَرِهِ بِالنَظَرِ.
و قَدْ نَعْلَمُ كِذْبَهُ، كَذلِكَ بِالمُقايَسَةِ.
و قَدْ يَحْتَمِلُ الأَمْرَيْنِ، كَأَكْثَرِ الأَخْبارِ.
و يَنْقَسِمُ الخَبَرُ مُطْلَقَاً إِلى:
مُتَواتِر، و هُوَ: ما بَلَغَتْ رُواتُهُ فِي الكَثْرَةِ مَبْلَغاً أَحالَتْ العادَةُ تَواطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، و اسْتَمَرَّ ذلِكَ فِي الطَبَقاتِ حَيْثُ; تَتَعَدَّدُ; فَيَكُونُ أَوَّلُهُ كَآخِرِهِ، و وَسَطُهُ كَطَرَفَيْهِ.
و لا يَنْحَصِرُ ذلِكَ فِي عَدَد خاصٍّ.
و شَرْطُ العِلْمِ بِهِ:
انْتِفاؤُهُ اضْطِراراً عَن السامِعِ.
و أَنْ لا تَسْبِقَ شُبْهَةٌ إِلَى السامِعِ، أَوْ تَقْلِيْدٌ يُنافِي مُوْجَبَ خَبَرِهِ.
و اسْتِنادُ المُخْبِرِيْنَ إِلى اِحْساس.
و هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي أُصُولِ الشَرائِعِ كَثِيْراً، كالصَلَواتِ الخَمْسِ، و أَعْدادِ الرَكَعاتِ، و قَلِيْلٌ فِي الأَحادِيْثِ الخاصَّةِ و اِنْ تَواتَرَ مَدْلَوْلُها حَتّى قِيْلَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ إِبْرازِ مِثال لِذلِكَ ؟ أَعْياهُ طَلَبُهُ».
وحَدِيْث: «إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِيّاتِ» لَيْسَ مِنْهُ و إِنْ نَقَلَهُ عَدَدُ التَواتُرِ، و أَكْثَرُلاَِنَّ ذلِكَ طَرَأَ فِي وَسَطِ إِسْنادِهِ، و أَكْثَرُ ما ادُّعِيَ تَواتُرُهُ مِنْ هذا القَبِيْلِ.
نَعَمْ، حَدِيْث : «مَنْ كَذِبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدَاً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ» نَقَلَهُ مِن الصَحابَةِ الجَمُّ الغَفِيْرُ، قِيْلَ: «أَرْبَعُوْنَ» و قِيْلَ: «نَيِّفٌ و سِتُّوْنَ» و لَمْ يَزَلْ العَدَدُ فِي
ازْدِيْاد.
و آحاد: و هُوَ: ما لَمْ يَنْتَهِ إِلَى التَواتُرِ مِنْهُ.
ثُمَّ هُوَ:
مُسْتَفِيْضٌ: إِنْ زادَتْ رُواتُهُ عَنْ ثَلاثة أَو اثْنَيْنِ، و يُقالُ لَهُ: المَشْهُورُ أَيْضَاًـ و قَدْ يُغايَرُ بَيْنَهُما.
و غَرِيْبٌ: إِن انْفَرَدَ بِهِ واحِدٌ.
و غَيْرُهُما و هُوَ ما عَدا ذلِكَ }فمنه العَزِيْزُ {(1) و منه المَقْبُولُ و المَرْدُودُ و المُشْتَبِهُ.
و الأَخْبارُ مُطْلقاً غَيْرُ مُنْحَصِرَة، و مَنْ بالَغَ فِي تَتَبُّعِها، و حَصَرَها فِي عَدَد فَبِحَسَبِ ما وَصَلَ إِلَيْهِ.
و اعْلَمْ أَنَّ مَتْنَ الحَدِيْثِ نَفْسِهِ لا مَدْخَلَ لَهُ فِي الاعْتِبارِ إِلاّ نادِراً، بَلْ يَكْتَسِبُ صِفَةً مِن القُوَّةِ و الضَعْفِ و غَيْرِهِما بِحَسَبِ أَوْصافِ الرُواةِ مِن العَدالَةِ و عَدَمِها، أَو الإِسْنادِ مِن الاتِّصالِ و الانْقِطاعِ و الاِرْسالِ و غَيْرِها، و تَحْرِيْرُ البَحْثِ عَنْ ذلِكَ يَنْجَرُّ:
* إِلى بَيانِ أَنْواعِهِ مِن الصِحَّةِ و أَضْدادِها.
* و إِلى الجَرْحِ و التَعْدِيْلِ.
* و النَظَرِ إِلى كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ و طُرُقِ تَحَمُّلِهِ.
* و البَحْثِ عَنْ أَسْماءِ الرُواةِ و أَنْسابِهِمْ، و نَحْوِ ذلِكَ.
فَهاهُنا أَبْوابٌ:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ما بين المعقوفين ساقط من المخطوطة.
البابُ الأَوَّلُ
فِي أَقْسامِ الحَدِيْثِ
و أُصُوْلُها أَرْبَعَةٌ:
الأَوّلُ: الصَحِيْحُ، و هُوَ: ما اتَّصَلَ سَنَدُهُ اِلَى المَعْصُوْمِ بِنَقْلِ العَدْلِ الإِمامِيِّ عَنْ مِثْلِهِ، فِي جَمِيْعِ الطَبَقاتِ; و إِن اعْتِراهُ شُذُوْذٌ.
و قَدْ يُطْلقُ عَلَى سَلِيْمِ الطَرِيْقِ مِن الطَعْنِ بِما يُنافِي الأَمْرَيْنِ; و إِن اعْتَراهُ مَعَ ذلِكَ إِرْسالٌ، أَوْ قَطْعٌ.
الثانِي: الحَسَنُ ، و هُوَ: ما اتَّصَلَ سَنَدُهُ كَذلِكَ بِإِمامِيٍّ مَمْدُوْح، مِنْ غَيْرِ نَصٍّ عَلَى عَدالَتِهِ، فِي جَمِيْعِ مَراتِبِهِ، أَوْ فِي بَعْضِها، مَعَ كَوْنِ الباقِي مِنْ رِجالِ الصَحِيْحِ.
و يُطْلَقُ أَيْضاً عَلَى ما يَشْتَمِلُ الأَمْرَيْنِ; مَعَ اتِّصافِ رُواتِهِ بِالوَصْفَيْنِ كَذلِكَ.
الثالِثُ: المُوَثَّقُ، و يُقالُ لَهُ: القَوِيُّ، و هُوَ: ما دَخَلَ فِي طَرِيْقِهِ مَنْ نَصَّ الأَصْحابُ عَلَى تَوْثِيْقِهِ; مَعَ فَسادِ عَقِيْدَتِهِ، و لَمْ يَشْتَمِلْ باقِيْهِ عَلَى ضَعْف.
و قَدْ يُطْلَقُ القَوِيُّ عَلَى مَرْوِيِّ الإِمامِيِّ غَيْرِ المَمْدُوحِ و لا المَذْمُوْمِ.
الرابِعُ: الضَعِيْفُ، و هُوَ: ما لا يَجْتَمِعُ فِيْهِ شُرُوْطُ أَحَدِ الثَلاثَةِ; بِأَنْ يَشْتَمِلَ طَرِيْقُهُ عَلَى مَجْرُوح أَو مَجْهُوْل، أَو ما دُوْنَ ذلِكَ.
و دَرَجاتُهُ مُتَفاوِتَةٌ بِحَسَبِ بُعْدِهِ عَنْ شُرُوْطِ الصِحَّةِ; كَما تَتَفاوَتُ دَرَجاتُ الصَحِيْحِ و أَخَوَيْهِ بِحَسَبِ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَوْصافِها.
و كَثِيْراً ما يُطْلَقُ الضَعِيْفُ عَلَى رِوايَةِ المَجْرُوحِ خاصَّةً(1).
و اعْلَمْ أَنَّ مَنْ جَوَّزَ العَمَلَ بِخَبَرِ الواحِدِ فِي الجُمْلَةِ قَطَعَ بِالعَمَلِ بِالخَبَرِ الصَحِيْحِ، حَيْثُ لا يَكُوْنُ شاذَّاً أَوْ مُعارَضاً.
و اخْتَلَفُوْا فِي العَمَلِ بِالحَسَنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ عَمِلَ بِهِ مُطْلَقاً; كَالصَحِيْحِ، و مِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ مُطْلَقاً، و فَصَّلَ آخَرُوْنَ.
و كَذا اخْتَلَفُوْا فِي العَمَلِ بِالمُوَثَّقِ نَحْوَ اخْتِلافِهِمْ فِي الحَسَنِ.
و أَمّا الضَعِيْفُ:
فَذَهَبَ الأَكْثَرُ إِلى مَنْعِ العَمَلِ بِهِ مُطْلَقاً.
و أَجازَهُ آخَرُوْنَ مَعَ اعْتِضادِهِ بِالشُهْرَةِ رِوايَةً، أَوْ فَتْوَىً; لِقُوَّةِ الظَنِّ فِي جانِبِها و إِنْ ضَعُفَ الطَرِيْقُ; كَما تُعْلَمُ مَذاهِبُ الفِرَقِ بِأَخْبارِ أَهْلِها; و إِنْ لَمْ يَبْلُغُوْا حَدَّ التَواتُرِ. و هذِهِ حُجَّةُ مَنْ عَمِلَ بِالمُوَثَّقِ أَيْضاًـ و فِيْهِ نَظَرٌ; تَحْرِيْرُهُ يَخْرُجُ عَنْ وَضْعِ الرِسالَةِ ـ.
و جَوَّزَ الأَكْثَرُ العَمَلَ بِهِ فِي نَحْوِ القَصَصِ، و المَواعِظِ، و فَضائِلِ الأَعْمالِ، لا فِي أَحْكامِ الحَلالِ و الحَرامِ.
و هُوَ حَسَنٌ، حَيْثُ لا يَبْلُغُ الضَعْفُ حَدَّ الَوْضْعِ.
بَقِيَ هُنا عِباراتٌ لِمَعان شَتّى:
مِنْها ما يَشْتَرِكُ فِيْهِ الأَقْسامُ الأَرْبَعَةُ.
و مِنْها ما يَخْتَصُّ بِالضَعِيْفِ.
فَمِن الأَوَّلِ أُمُوْرٌ:
أَحَدُها: المُسْنَدُ و هُوَ: ما اتَّصَلَ سَنَدُهُ مَرْفُوعاً إِلى مَعْصُوْم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب فِي هامش المخطوطة : « بَلَغَ قِراءَةً أَيَّدَهُ اللهُ تَعالى ».
و ثانِيْها: المُتَّصِلُ و يُسَمَّى أَيْضاً المَوْصُوْلُ و هُوَ: ما اتَّصَلَ إِسْنادُهُ و كانَ كُلُّ واحِد مِنْ رُواتِهِ قَدْ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ، أَوْ ما فِي مَعْنَى السَماعِ; سَواءٌ كانَ مَرْفُوعاً أَوْ مَوْقُوفاً.
و ثالِثُها: المَرْفُوْعُ و هُوَ: ما أُضِيْفَ إِلى المَعْصُوْم مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل أَوْ تَقْرِيْر; سَواءٌ كانَ مُتَّصِلا أَمْ مُنْقَطِعاً.
و قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ بَيْنَ الأَخِيْرَيْنِ عُمُوْمَاً مِنْ وَجْه، و أَنَّهُما أَعَمُّ مِن الأَوَّلِ مُطْلَقاً.
و رابِعُها: المُعَنْعَنُ و هُوَ: ما يُقالُ فِي سَنَدِهِ: « فُلانٌ عَنْ فُلان» و الصَحِيْحُ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ إِذا أَمْكَنَ الِلقاءُ; مَعَ البَرائَةِ مِن التَدْلِيْسِ، و قَدْ اسْتَعْمَلَهُ أَكْثَرُ المُحَدِّثِيْنَ.
و خامِسُها: المُعَلّقُ و هُوَ ما حُذِفَ مِن مَبْدَأِ إِسْنِادِهِ واحِدٌ فَأَكْثَرُ، و لا يَخْرُجُ المُعَلَّقُ عَنْ الصَحِيْحِ إِذا عُرِفَ المَحْذُوْفُ مِن جِهَةِ ثِقَة; و هُوَ حِيْنَئِذ فِي قُوَّةِ المَذْكُوْرِ، و إِلاّ خَرَجَ.
و سادِسُها: المُفْرَدُ إِمّا عَنْ جَمِيْعِ الرُواةِ، أَوْ بِالنِسْبَةِ اِلى جِهَة; كَتَفَرُّدِ أَهْلِ بَلَد بِهِ. و لا يُضَعَّفُ الحُدِيْثُ لِذلِكَ.
و سابِعُها: المُدْرَجُ و هُوَ:
* ما أُدْرِجَ فِيْهِ كَلامُ بَعْضِ الرُواةِ; فَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنْهُ.
* أَوْ مَتْنانِ بِإِسْنادَيْنِ; فَيُدْرِجُهُما فِي أَحَدِهِما،
* أَوْ يُسْمَعُ حَدِيْثٌ واحِدٌ مِن جَماعَة مُخْتَلِفِيْنَ فِي سَنَدِهِ، أَوْ فِي مَتْنِهِ; فَيُدْرِجُ رِوايَتَهُمْ عَلَى الاتِّفاقِ.
و ثامِنُها: المَشْهُوْرُ و هُوَ:
* ما شاعَ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيْثِ; بِأَنْ نَقَلَهُ رُواةٌ كَثِيْرُوْنَ.
* أَوْ عِنْدَهُمْ و عِنْدَ غَيْرِهِمْ كَحَدِيْثِ: «إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِيَّاتِ».
* أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ خاصَّةً و هُوَ كَثِيْرٌ.
و تاسَعُها: الغَرِيْبُ:
* إِما إِسْناداً و مَتْناً، و هُوَ: ما انْفَرَدَ بِرِوايَةِ مَتْنِهِ واحِد.
* أَوْ إِسْناداً خاصَّةً; كَحَدِيْث يَعْرِفُ مَتْنَهُ جَماعَةٌ; إِذا انْفَرَدَ واحِدٌ بِرِوايَتِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ.
* أَوْ مَتْنَاً خاصَّةً; بِأَن اشْتَهَرَ الحَدِيْثُ المُفْرَدُ; فَرَواهُ عَمَّنْ تَفَرَّدَ بِهِ جَماعَةٌ كَثِيْرَةٌ، فَإِنَّهُ يَصِيْرُ غَرِيْبَاً مَشْهُوْرَاً.
و حَدِيْثُ : «إِنَّما الأَعْمالُ بِالنِيَّاتِ» غَرِيْبٌ فِي طَرَفِهِ الأَوَّلِ، مَشْهُوْرٌ فِي الآخِرِ، و نَظائِرُهُ كَثِيْرَةٌ.
و قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الغَرِيْبِ اسْمُ الشاذِّ.
و عاشِرُها: المُصَحَّفُ: و التَصْحِيْفُ يَكُوْنُ فِي الراوِي، و فِي المَتْنِ، و مُتَعَلَّقُهُ إِمّا البَصَرُ، أَو السَمْعُ، فِي اللَّفْظِ، و المَعْنَى.
و حادِي عَشَرِها: العالِي سَنَدَاً: و طَلَبُهُ سُنَّةٌ، فَبِعُلُوِّهِ يَبْعُدُ عَنْ الخَلَلِ المُتَطَرِّقِ اِلى كُلِّ راو.
و أَعْلاهُ قُرْبُ الإِسْنادِ مِن المَعْصُوْمِ، ثُمَّ مِنْ أَحَدِ أَئِمَّةِ الحَدِيْثِ، ثُمَّ بِتَقَدُّمِ زَمانِ سَماعِ أَحَدِهِما عَلَى الآخَرِ، وإِن اتَّفَقا فِي العَدَدِ، أَوْ عَدَمِ الواسِطَةِ; فَأَوَّلُهُما أَعَلَى.
و ثانِي عَشَرِها: الشاذُّ: و هُوَ: ما رَواهُ الثِقَةُ، مُخالِفَاً لِما رَواهُ الجُمْهُوْرُ، ثُمَّ:
* إِنْ كانَ المُخالِفُ لَهُ أَحْفَظَ أَوْ أَضْبَطَ أَوْ أَعْدَلَ فَشاذٌّ مَرْدُوْدٌ.
* و إِنْ انْعَكَسَ فَلا، و كَذا إِنْ كانَ مِثْلَهُ. و مِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ مُطْلَقاً. و مِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ مُطْلَقاً.
* و لَوْ كانَ المُخالِفُ غَيْرَ ثِقَة، فَحَدِيْثُهُ مُنْكَرٌ مَرْدُوْدٌ.
و مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُما مُتَرادِفَيْنِ.
و ثالِثُ عَشَرِها: المُسَلْسَل: و هُوَ ما تَتابَعَ فِيْهِ(1) رِجالُ الإِسْنادِ عَلَى صِفَة، أَوْ حالَة:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في النسخة: «في»! بدل: فيه .
* فِي الراوِي:
ـ قَوْلا; كَقَوْلِهِ: «سَمِعْتُ فُلاناً يَقُوْلُ: سَمِعْتُ فُلاناً يَقُوْلُ » إِلى المُنْتَهى، أَوْ: «أَخْبَرَنا فُلان و اللهِ، قالَ: أَخْبَرَنا فُلان و اللهِ» إِلى آخِرِ.
ـ أَوْ فِعْلا; كَحَدِيْثِ التَشْبِيْكِ بِاليَدِ و القِيامِ و الاتِّكاءِ و العَدِّ بِاليَدِ.
ـ أَوْ بِهِما; كَالمُسَلْسَلِ بِالمُصافَحَةِ و التَلْقِيْمِ.
* أَوْ فِي الرِوايَةِ، كَالمُسَلْسَلِ بِاتِّفاقِ أَسْماءِ الرُواةِ، أَوْ أَسْماءِ آبائِهِمْ، أَوْ كُناهُمْ، أَوْ أَنْسابِهِمْ، أَوْ بُلْدانِهِمْ.
* و قَدْ يَقَعُ التَسَلْسُلُ فِي مُعْظَمِ الإِسْنادِ كَالمُسَلْسَلِ بِالأَوَّلِيَّةِ.
و هذَا الَوْصْفُ مِنْ فَنَوْنِ الرِوايَةِ و ضُرُوْبِ المُحافَظَةِ عَلَيْها، و فَضِيْلَتُهُ اشْتِمالُهُ عَلَى مَزِيْدِ الضَبْطِ، و أَفْضَلُهُ ما دَلَّ عَلَى اتِّصالِ السَماعِ.
و قَلَّما تَسْلَمُ المُسَلْسَلاتُ عَنْ ضَعْف فِي الَوْصْفِ، و مِنْهُ ما يَنْقَطِعُ تَسَلْسُلُهُ فِي وَسَطِ إِسْنادِهِ، كَالمُسَلْسَلِ بِالأَوَّلِيَّةِ عَلَى الصَحِيْحِ.
و رابِعُ عَشَرِها: المَزِيْدُ: و الزِيادَةُ تَقَعُ فِي المَتْنِ، و الإِسْنادِ:
* و الأَوَّلُ: مَقْبُوْلٌ مِن الثِقَةِ حَيْثُ لا يَقَعُ مُنافِيَاً لِما رَواهُ غَيْرُهُ مِن الثِقاتِ;; و لَوْ فِي العُمُوْمِ و الخُصُوْصِ.
* و الثانِي; كَما إِذا أَسْنَدَهُ و أَرْسَلُوْهُ، أَوْ وَصَلَهُ و قَطَعُوْهُ، أَوْ رَفَعَهُ و وَقَفُوْهُ، و هُوَ مَقْبُوْلٌ كَالأَوَّلِ; لِعَدَمِ المُنافاةِ.
و قِيْلَ: الإِرْسالُ نَوْعُ قَدْح; فَيُرَجَّحُ، كَما يُقَدَّمُ الجَرْحُ عَلَى التَعْدِيلِ.
و فِيْهِ: مَنْعُ المُلازَمَةِ; مَعَ وُجُوْدِ الفارِقِ; فَإِنَّ الجَرْحَ قُدِّمَ بِسَبَبِ زِيادَةِ العِلْمِ، و هِيَ هُنا مَعَ مَنْ وَصَلَ.
و خامِسُ عََشِرها: المُخْتَلِفُ: و هُوَ: أَنْ يُوْجَدَ حَدِيْثانِ مُتَضادّانِ فِي المَعْنَى، ظاهِرَاً، و حُكْمُهُ الجَمْعُ بَيْنَهُما; حَيْثُ يُمْكِنُ; و لَوْ بِوَجْه بَعِيْد، كَحَدِيْثِ: «لا عَدْوَى...» و حَدِيْث : «لا يُوْرِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ » بِحَمْلِ الأَوَّلِ عَلَى الطَبْعِ الذِيْ
يَعْتَقِدُهُ الجاهِلُ، والثانِي عَلَى أَنَّ المُؤَثِّرَ هُوَ اللهُ تَعالى، و إِلاّ رُجِّحَ أَحَدُهُما بِمُرَجِّحِهِ(1) المُقَرَّرِ فِي الأُصُوْلِ.
و هُوَ أَهَمُّ فُنُوْنِ عِلْمِ الحَدِيْثِ، و لا يَمْلِكُ القِيامَ بِهِ إِلاّ المُحَقِّقُوْنَ مِنْ أَهْلِ البَصائِرِ المُتَضَلِّعُوْنَ مِن الفِقْهِ والأُصُوْلِ.
و قَدْ صَنَّفَ فِيْهِ الناسُ، و جَمَعُوْا عَلَى حَسَبِ ما فَهِمُوْهُ، و قَلَّما يَتَّفِقُ.
و سادِسُ عَشَرِها: الناسِخُ و المَنْسُوْخُ:
* و الأَوَّلُ: ما دَلَّ عَلَى رَفْعِ حُكْم شَرْعِيٍّ سابِق.
* و الثاني: ما رُفِعَ حُكْمُهُ الشَرْعِيُّ بِدَلِيْل شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّر عَنْهُ.
و طَرِيْقُ مَعْرِفَتِهِ: النَصُّ، أَوْ نَقْلُ الصَحابِيّ، أَو التارِيْخُ، أَو الإِجْماعُ.
و سابِعُ عَشَرِها: الغَرِيْبُ لَفْظَاً: و هُوَ: ما اشْتَمَلَ مَتْنُهُ عَلَى لَفْظ غامِض بَعِيْد عَنْ الفَهْمِ، لِقِلَّةِ اسْتِعْمالِهِ، و هُوَ فَنٌّ مُهِمٌّ يَجِبُ أَنْ يُتَثَبَّتَ فِيْهِ أَشَدَّ تَثَبُّت.
و قَدْ صَنَّفَ فِيْهِ جَماعَةٌ مِن العُلَماءِ، شَكَرَ اللهُ سَعْيَهُمْ.
و ثامِنُ عَشَرِها: المَقْبُوْل: و هُوَ: ما تَلَقَّوْهُ بِالقَبُوْلِ و العَمَلِ بِالمَضْمُوْنِ مِن غَيْرِ الْتِفات إِلى صِحَّتِهِ و عَدَمِها; كَحَدِيْثِ عُمَرِ بْنِ حَنْظَلَة فِي حالِ المُتَخاصِمَيْنِ(2).
القِسْمُ الثانِي: ما يَخْتَصُّ بِالضَعِيْفِ، و هُوَ أُمُوْرٌ:
الأَوَّلُ: المَوْقُوفُ: وهُوَ: مُطْلَقُ ما رُوِيَ عَنْ مُصاحِبِ المَعْصُوْمِ;
مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل; مُتَّصِلا كانَ أَوْ مُنْقَطِعَاً.
و قَدْ يُطْلَقُ فِي غَيْرِ المُصاحِبِ مُقَيَّدَاً مِثْلِ « و قَفَهُ فُلان عَلَى فُلان».
و قَدْ يُطْلَقُ عَلَى المَوْقُوْف «الأَثَرُ» إِنْ كانَ المَوْقُوْف عَلَيْهِ صَحابِيّاً لِلنَبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)و عَلَى المَرْفُوْع «الخَبَرُ».
و مِنْهُ تَفْسِيْرُ الصَحابِيّ، و قَوْلُهُ: «كُنّا نَفْعَلُ كَذا» إِنْ أَطْلَقَهُ أَوْ لَمْ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في النسخة: «على مرجّخه»!.
(2) كتب فِي هامش المخطوطة :« ثُمَّ بَلَغَ قِراءَةً أَيَّدَهُ اللهُ تَعالى».
يُضِفْهُ إَلى زَمَنِهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)و إِلاّ; فَوَجْهانِ: مِنْ حَيْثُ أَنَّ الظاهِرَ كَوْنُهُ قَدْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، و قَرَّرَهُ.
و كَيْفَ كانَ; فَلَيْسَ حُجَّةً ـ و إِنْ صَحَّ سَنَدُهُ ـ عَلَى الأَصَحِّ.
الثانِي: المَقْطُوْعُ: و هُوَ: ما جاءَ عَن التابِعِيْنَ، و مَنْ فِي حُكْمِهِمْ; مِن أَقْوالِهِمْ و أَفْعالِهِمْ; مَوْقُوْفَاً عَلَيْهِمْ، و يُقالُ لَهُ: المُنْقَطِعُ ـ أَيْضَاً ـ.
و قَدْ يُطْلَقُ عَلَى المَوْقُوْف بِالمَعْنَى السابِقِ الأَعَمِّ، و كَيْفَ كانَ فَلَيْسَ بِحُجَّة.
الثالِثُ : المُرْسَلُ: و هُوَ: ما رَواهُ عَن المَعْصُوْمِ مَن لَمْ يُدْرِكْهُ، بِغَيْرِ واسِطَة، أَوْ بِواسِطَة نَسِبَها، أَوْ تَرَكَها، أَوْ أَبْهَمَها.
و قَدْ يُخَصُّ المُرْسَلُ بِإِسْنادِ التابِعِيِّ إِلى النَبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الواسِطَةِ.
و يُطْلَقُ عَلَيْهِ المُنْقَطِعُ، و المَقْطُوْعُ بِإِسْقاطِ شَخْص واحِد، والمُعْْضَلُ بِإِسْقاطِ أَكْثَرَ.
و لَيْسَ بِحُجَّة مُطْلَقَاً، فِي الأَصَحِّ; إِلاّ أَنْ يُعْلَمَ تَحَرُّزَ مُرْسِلِهِ فِي الرِوايَةِ عَنْ غَيْرِ الثِقَةِ.
و فِي تَحَقُّقِ هذَا المَعْنى نَظَرٌ.
و يُعْلَمُ الإِرْسالُ:
* بِعَدَمِ التَلاقِي، و مِنْ ثَمَّ احْتِيْجَ إِلى التارِيْخِ.
* و بِصَيْغَة تَحْتَمِلُ اللُقِيَّ و عَدَمَهُ، مَعَ عَدَمِهِ; كَـ«عَنْ» و «قالَ».
و هُوَ ضَرْبٌ مِن التَدْلِيْسِ.
الرابِعُ: المُعَلَّلُ: و هُوَ: ما فِيْهِ أَسْبابٌ خَفِيَّةٌ غامِضَةٌ قادِحَةٌ; و ظاهِرُهُ السَلامَةُ.
و إِنَّما يَتَمَكَّنُ مِن ذلِكَ أَهْلُ الخِبْرَةِ الضابِطَةِ و الفَهْمِ الثاقِبِ.
و يُسْتَعانُ عَلَى إِدْراكِها بِتَفَرُّدِ الراوِي، و بِمُخالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ، مَعَ قَرائِنَ تُنَبِّهُ العارِفَ عَلَى إِرْسال فِي المَوْصُولِ، أَوْ وِقْف فِي المَرْفُوعِ، أَوْ دُخُولِ حَدِيْث فِي حَدِيْث، أَوْ و هْمِ واهِم، أَوْ غَيْرِ ذلِكَ; بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَنِّ ذلِكَ; فَيَحْكُمُ بِهِ أَوْ
يَتَرَدَّدُ فَيَتَوَقَّفُ.
الخامِسُ: المُدَلَّسُ: و هُوَ: ما اُخِْفيَ عَيْبُهُ:
* إِما فِي الإِسْنادِ، و هُوَ: أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ، أَوْ عاصَرَهُ، ما لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، عَلَى وَجْه يُوْهِمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ.
و مِنْ حَقِّهِ أَنْ لا يَقُوْلَ: «حَدَّثَنا» و لا «أَخْبَرَنا» و ما أَشْبَهَهُما، بَلْ يَقُوْلُ: «قالَ فُلانٌ» أَوْ «عَنْ فُلان» و نَحْوِهِ.
و رُبَّما لَمْ يُسْقِطْ المُدَلِّسُ شَيْخَهُ; لكِنْ أَسْقَطَ مِنْ بَعْدِهِ رَجُلا ضَعِيْفاً، أَوْ صَغِيْرِ السِنِّ; يُحسِّنُ الحَدِيْثَ بِذلِكَ.
* و أَمّا(1) فِي الشُيُوْخِ; بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْ شَيْخ حَدِيثَاً سَمِعَهُ; فَيُسَمِّيْهِ، أَوْ يُكَنِّيْهِ، أَوْ يَنْسِبُهُ، أَوْ يَصِفُهُ; بِما لا يُعْرَفُ بِهِ; لِئَلاّ يُعْرَفَ.
و أَمْرُهُ أَخَفُّ، لكِنْ فِيْهِ تَضْيِيْعٌ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، و تَوْعِيْرٌ لِطَرِيْقِ مَعْرِفَةِ حالِهِ.
و القِسْمُ الأَوَّلُ مَذْمُوْمٌ جِدَّأَ، و فِي جَرْحِ فاعِلِهِ بِذلِكَ قَوْلانِ، و الأَجْوَدُ القَبُوْلُ; إِنْ صَرَّحَ بِما يَقْتَضِي الاتِّصالَ: كَـ«حَدَّثَنا» و«أَخْبَرَنا» دُوْنَ المُحْتَمَلِ، بَلْ; حُكْمُهُ حُكْمُ المُرْسَلِ.
السادِسُ: المُضْطَرِبُ: و هُوَ: ما اخْتَلَفَ راوِيهِ فِيْهِ.
و إِنَّما يَتَحَقَّقُ الَوْصْفُ مَعَ تَساوِي الرِوايَتَيْنِ، أَمّا لَوْ رُجِّحَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرَى بِوَجْه مِن وُجُوْهِهِ، كَأَنْ يَكُوْنُ راوِيْها أَحْفَظَ، أَوْ أَكْثَرَ صُحْبَةً لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ; فَالحُكْمُ لِلراجِحِ، فَلا يَكُوْنُ مُضْطَرِبَاً
* و يَقَعُ فِي السَنَدِ و المَتْنِ، مِن راو واحِد و رُواة.
السابِعُ: المَقْلُوْبُ; و هُوَ: حَدِيْثٌ وَرَدَ مِنْ طَرِيْق يُرْوَى بِغَيْرِهِ أَجْوَدَ، لِيُرْغَبَ فِيْهِ، و نَحْوُهُ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إنّما ضبطناكلمة «أَمّا» هنا بفتح الهمزة، تبعاً للمؤلّف نفسه في شرحه، وإلاّ فمقتضى ما مرّ في بداية تقسيم «المدلّس» هو «وإمّا» لتكون هذه مرادفة لقوله:« امّا في الإسناد» فلاحظ.و قَدْ يَقَعُ ذلِكَ مِن العُلَماءِ لِلامْتِحانِ(1).
الثامِنُ: المَوْضُوْعُ: و هُوَ: المَكْذُوْبُ، المُخْتَلَقُ، المَصْنُوْعُ، و هُوَ: شَرُّ أَقْسامِ الضَعِيْفِ.
و لاتَحِلُّ رِوايَتُهُ إِلاّ مُبَيِّنَاً لِحالِهِ.
ويُعْرَفُ بِإِقْرارِ واضِعِهِ، و رَكاكَةِ أَلْفاظِهِ، و بِالوُقُوْفِ عَلَى غَلَطِهِ.
و الوَاضِعُوْنَ أَصْنافٌ: أَعْظَمُهُمْ ضَرَرَاً مَن انْتَسَبَ إِلَى الزُهْدِ; فَاحْتَسَبَ بِوَضْعِهِ.
و وَضَعَت الزَنادِقَةُ و الغُلاةُ جُمْلَةً، ثُمَّ نَهَضَ جَهابِذَةُ النُقّادِ بِكَشْفِ عَوارِها و مَحْوِ عارِها.
و قَدْ ذَهَبَت الكَِرامِيَّةُ(2) و بَعْضُ المُبْدِعَةِ إِلى جَوازِ وَضْعِ الحَدِيْثِ فِي التَرْغِيْبِ والتَرْهِيْبِ.
و لِلصَغَّانِيِّ كِتابُ «الدُرُّ المُلْتَقَطُ فِي تَبْيِيْنِ الغَلَطِ» جَيِّدٌ، و لِغَيْرِهِ دُوْنََهُ.
(تَتِمَّةٌ)
إِذا و جَدْتَ حَدِيْثَاً بِإِسْناد ضَعِيْف لَكَ أَنْ تَقُوْلُ: «ضَعِيْفُ الإِسْنادِ» لا المَتْنِ، فَقَدْ يُرْوَى بِصَحِيْح، و إِنَّما يُضَعَّفُ بِحُكْمِ مُطَّلِع عَلَى الأَخْبارِ مُضْطَلِع بِها; أَنَّهُ لَمْ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ تاريخ بغداد للخطيب:2/120).
و قَدْ اتّفق مثل ذلِكَ للسيّد الإمام البُرُوجِرْديّ (ت1380هـ) حينَ آلتْ إليه المرجعيّة العُظمى، حيثُ عَمَدَ بعضُ أهل الخِبْرة إلى عَشَرَةِ أحاديث، فَقَلَبَ أسانيدَها ورَكَّبَ المُتُونَ عَلَى غير الأسانيد، وعَرَضَها عَلَى المتصدّين للمرجعيّة، فكانَ السيّدُ البُرُوجِرديُّ هُوَ الَوْحيدُ الذي رَدَّ كلَّ مَتْن إلى سَنَدِهِ، ورَتَّبَ الأسانِيدَ ونَظَّمَها عَلَى نِظامِها الصحيح، فانْقادَتْ له الطائفة.(2) قال المؤلّف في شرحه: بكسر الكاف وتخفيف الراء، أو بفتح الكاف وتشديد الراء، على اختلاف الصبطين لذلك.
يُرْوَ بِإِسْناد ثَبَتَ.
و تَساهَلُوْا فِي رِوايَتِهِ بِلا بَيان فِي غَيْرِ الصِفاتِ والأَحْكامِ.
و مُرِيْدُ رِوايَةِ ضَعِيْف، أَوْ مَشْكُوْك فِي صِحَّتِهِ، بِغَيْرِ إِسْناد، يَقُوْلُ: «رُوِيَ» أَوْ «بَلَغَنا» ونحوه، لا «قالَ» و نَحْوَها مِن الأَلْفاظِ الجازِمَةِ، و اللهُ أَعْلَمُ.
البابُ الثاني
فِي مَنْ تُقْبَلُ رِوايَتُهُ و مَنْ تُرَدُّ
وبِهِ يَحْصَلُ التَمَيُّزُ بَيْنَ صَحِيْحِ الرِوايَةِ و ضَعِيْفِها
و يَجُوْزُ ذلِكَ; و إِنْ اشْتَمَلَ عَلَى القَدْحِ فِي المُسْلِمِ; صِيانَةً لِلشَرِيْعَةِ المُطَهَّرَةِ.
نَعَمْ; يَجِبُ عَلَى المُتَكلَِّمِ فِي ذلِكَ التَثَبُّتُ; لِئَلاّ يَقْدَحَ ـ فِي غَيْرِ مَجْرُوْح ـ بَما يَظُنُّهُ جَرْحاً; فَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذلِكَ غَيْرُ واِحد.
و قَدْ كَفانا السَلَفُ مَؤُنَةِ الجَرْحِ والتَعْدِيْلِ غالِبَاً، و لكِنْ يَنْبَغِي لِلماهِرِ تَدَبُّرُ ما ذَكَرُوْهُ; فَلَعَلَّهُ يَظْفَرَ بِكَثِيْر مِمّا أَهْمَلُوْهُ، و يَطَّلِعَ عَلَى تَوْجِيْه أَغْفَلُوْهُ; خُصُوْصَاً مَعَ تَعارُضِ الأَخْبارِ فِي الجَرْحِ والعَدْلِ; فإِنَّ طَرِيْقَ الجَمْعِ بَيْنَهُما مُلْتَبِسٌ عَلَى كَثِيْر، حَسَبَ اخْتِلافِ طُرُقِهِ و أُصُولِهِ.
و فِي هذا البابِ مَسائِلُ:
الاُوْلَى: اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الحَدِيْثِ و الأُصُوْلِ عَلَى اشْتِراطِ: إسْلامِ الراوِي، و بُلُوْغِهِ، و عَقْلِه.
و جُمْهُوْرُهُمْ عَلَى اشْتِراطِ:
عَدالَتِهِ; بِمَعْنَى كَوْنِهِ: سَلِيْمَاً مِنْ أَسْبابِ الفِسْقِ، و خَوارِمِ المُرُوَّةِ
و ضَبْطِهِ ; بِمَعْنَى كَوْنِهِ:
ـ حافِظَاً مُتَيَقِّظَاً، إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ.
ـ ضابِطَاً لِكِتابِهِ ، إِن حَدَّثَ مِنْهُ.
ـ عارِفَاً بِما يَخْتَلُّ بِهِ المَعْنَى إِنْ رَوَى بِهِ.
و لا تُشْتَرَطُ الذُكُوْرَةُ، و لا الحُرِّيَّةُ، و لا العِلْمُ بِفِقْه و عَرَبِيَّة، و لا البَصَرُ،
و لا العَدَدُ، .والمَشْهُوْرُ بَيْنَ أَصْحابِنا: اشْتِراطُ إِيْمانِهِ مَعَ ذلِكَ، و قَطَعُوْا بِهِ فِي كُتُبِ الأُصُوْلِ و غَيْرِه، مَعَ عَمَلِهِمْ بِأَخْبار ضَعِيْفَة، أَوْ مُوَثَّقَة، فِي أَبْوابَ الفِقْهَ; مُعْتَذِرِيْنَ عَنْ ذلِكَ بِانْجِبارِ الضَعْفِ بِالشُهْرَةِ و نَحْوِها مِن الأَسْبابِ، و قَدْ تَقَدَّمَ.
و حِيْنَئِذ; فَالَلاّزِمُ اشْتِراطُ أَحَدِ الأَمْرَيْنِ مِن الإِيْمانِ و العَدالَةِ، أَو الانْجِبارِ بِمُرَجِّح، لا إِطْلاقُ اشْتِراطِهِما.
الثانِيَةُ: تُعْرَفُ العَدالَةُ بِتَنْصِيْصُ عَدْلَيْنِ، و بالاسْتِفاضَةِ.
و فِي الاكْتِفاءِ بِتَزْكِيَةِ الواحِدِ فِي الرِواية قَوْلٌ مَشْهُوْرٌ، كَما يُكْتَفى بِهِ فِي أَصْلِ الرِوايَةِ.
و يُعْرَفُ ضَبْطُهُ بِأَنْ تُعْتَبَرَ رِوايَتُهُ بِرِواياتِ الثِقاتِ المَعْرُوْفِيْنَ بِالضَبْطِ، و الإِتْقِانِ; فَإِنْ وافَقَهُمْ ـ غالِبَاً ـ عُرِفَ كَوْنُهُ ضابِطَاً، ثَبْتَاً، و إِنْ وُجِدَ كَثِيْرَ المُخالَفَةِ لَهُمْ; عُرِفَ اخْتِلالُهُ.
الثالِثَةُ: التَعْدِيْلُ مَقْبُوْلٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ، عَلَى الأَشْهَرِ; لاِنّ أَسْبابَهُ كَثِيْرَةٌ يَصْعُبُ ذِكْرُها.
و أَمّا الجَرْحُ; فَلا يُقْبَلُ إِلاّ مُفَسَّرَاً مُبَيَّنَ السَبَبِ; لاِخْتِلافِ الناسِ فِي ما يُوْجِبُهُ.
نَعَمْ; لَوْ عُلِمَ اتِّفاقُ مَذْهَبِ الجارِحِ و المُعْتَبِرِ فِي الأَسْبابِ; اتَّجَهَ الاكْتِفاءُ بِالإِطْلاقِ، كَالعَدالَةِ،
و ما أَطْلَقَهُ الجارِحُوْنَ فِي كُتُبِهِمْ، مِنْ غَيْرِ بَيانِ سَبَبِهِ ـ وإِنْ لَمْ يَقَْتضِ الجَرْحِ ـ لكِنْ يُوْجِبُ الرَيْبَةِ القَوِيَّةِ المُفْضِيَةِ إِلى تَرْكِ الحَدِيْثِ إِلى أَنْ تَثْبُتَ العَدالَةُ، أَوْ يَتَبَيَّنَ
سَبَبُ زَوالِ مُوْجِبِ الجَرْحِ.
الرابِعَةُ: يَثْبُتُ الجَرْحُ فِي الرُواةِ بِقَوْلِ واحد، كَتَعْدِيْلِهِ، عَلَى الأَشْهَرِ; لاَِنَّ العَدَدَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي قَبُوْلِ الخَبَرِ; فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي وَصْفِهِ.
و لَو اجْتَمَعَ فِي واحِد جَرْحٌ و تَعْدِيْلٌ; فَالجَرْحُ مُقَدَّمٌ ـ و إِنْ تَعَدَّدَ المُعَدِّلُ ـ عَلَى الأَصَحِّ; لاَِنَّ المُعَدِّلَ يُخْبِرُ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ حالِهِ، و الجارِحُ يُخِْبرُ عَنْ باطِن خَفِيِ عَلَى المُعَدِّلِ أ
هذَا إِذا أَمْكَنَ الجَمْعُ، و إِلاّ; تَعارَضا، و طُلِبَ التَرْجِيْحُ.
الخامِسَةُ: إِذا قالَ الثِقَةُ: «حَدَّثَنِي ثِقَةٌ» لَمْ يَكْفِ ذلِكَ فِي العَمَلِ بِرِوايَتِهِ; إِذْ لا بُدَّ مِنْ تَعْيِيْنِهِ و تَسْمِيَتِهِ; لِجَوازِ كَوْنِهِ ثِقَةً عِنْدَهُ، و غَيْرُهُ قَد اطَّلَعَ عَلَى جَرْحِهِ بِما هُوَ جارِحٌ عَنْدَهُ لَوْ عَلِمَ بِهِ، نَعَمْ، يَكُوْنُ ذلِكَ مِنْهُ تَزْكِيَةً حَيْثُ يَقْصُدُها; يَنْفَعُ مَعَ ظُهَوْرِ عَدَمِ المُعارِضِ.
و لَوْ رَوَى العَدْلُ عَنْ رَجُل سَمَّاهُ، لَمْ تُجْعَلْ رِوايَتُهُ تَعْدِيْلا لَهُ، عَلَى الأصحّ.
و كَذا عَمَلُ العالِمِ، و فُتْياهُ ـ عَلَى وِفْقِ حَدِيْث ـ لَيْسَ حُكْمَاً بِصِحَّتِهِ، و لا مُخالَفَتَهُ لَهُ قَدْحَاً فِيْهِ; لاَِنَّهُ أَعَمُّ.
السادِسَةُ: أَلْفاظُ التَعْدِيْلِ:
عَدْلٌ، ثِقَةٌ، حُجَّةٌ، صَحِيْحُ الحَدِيْثِ، و ما أَدَّى مَعْناهُ.
أَمّا: مُتْقِنٌ، ثَبْتٌ، حافِظٌ، ضابِطٌ، يُحْتَجُّ بِحَدِيْثِهِ، صَدُوْقٌ، مَحَلُّه(1) الصِدْقُ، يُكْتَبُ حَدِيْثُهُ، يُنْظَرُ فِيْهِ، لابَأْسَ بِهِ، شَيْخٌ، جَلِيْلٌ، صالِحُ الحَدِيْثِ، مَشْكُوْرٌ، خَيِّرٌ، فاضِلٌ، خاصّ، مَمْدُوْحٌ، زاهِدٌ، عالَمٌ، صالِحٌ، قَرِيْبُ الأَمْرِ، مَسْكُوْنٌ إِلى رِوايَتِهِ; فَالأَقْوَى عَدَمُ الاكْتِفاءِ بِها; لاَِنَّها أَعَمُّ مِن المَطْلُوْبِ;
ــــــــــــــــــــــــــــ
نَعَمْ; يُفِيْدُ المَدْحَ، فَيُلْحَقُ حَدِيْثُهُ بِالحَسَنِ.
(1) كذا فِي نسخة المتن (يحكي) ولكن فِي المطبوعة: محلّه الصدق، ولعلّ الأنسب (محلّه الصدق) لتداوله في كتب الفنّ، فليلاحظ.
و أَلْفاظُ الجَرْحِ:
ضَعِيْفٌ، كَذَّابٌ، وَضَّاعٌ، غال، مُضْطَرِبُ الحَدِيْثِ، مُنْكَرُهُ، لَيِّنُهُ، مَتْرُوْكٌ، مُرْتَفِعُ القَوْلِ، مُتَّهَمٌ، ساقِطٌ، واه، لاشَيْءَ، لَيْسَ بِذاكَ، وَنَحْوُ ذلِكَ.
السابِعَةُ: مَنْ خَلَّطَ; بِخَرَف(1) و فِسْق، وغيرهما; يُقْبَلُ ما رُوِيَ عَنْهُ قَبْلَ الاخْتِلاطِ، و يُرَدُّ ما بَعْدَهُ، و ما شُكَّ فِيْهِ; لِلشَكِّ فِي الشَرْطِ.
الثامِنَةُ: إِذا رَوَى ثِقَةٌ عَنْ ثِقَة حَدِيْثَاً، و رُوْجِعَ المَرْوِيّ عَنْهُ; فَنَفاهُ:
* فَإِنْ كانَ جازِمَا بِنَفْيِهِ; بِأَنْ قالَ: «ما رَوَيْتُهُ» و نَحْوَهَ; وَجَبَ رَدُّ الحَدِيْثِ، و لا يَقْدَحُ فِي باقِي رِواياتِهِ عَنْهُ.
* و إِنْ قالَ: «لا أَعْرِفُهُ» أَوْ: «لا أَذْكُرُهُ» و نَحْوَهُ; لَمْ يَقْدَحْ عَلَى الأَصَحِّ، بَلْ; يَجُوْزُ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ ـ حِيْنَئِذ ـ رِوايَتُهُ عَمّنْ سَمِعَهُ عَنْهُ; فَيَقُوْل: «حَدَّثَنِي فُلانٌ عَنِّي: أَنِّي حَدَّثْتُهُ بِكَذاَ». و قَدْ وَقَعَ مِنْ ذلِكَ جُمْلَةُ أَحادِيْثَ، جَمَعَها بَعْضُهُمْ فِي كِتاب(2).
( البابُ الثالِثُ)
( فِي تَحَمُّلِ الحَدِيْثِ و طُرُقِ نَقْلِهِ)
و فِيْهِ فُصُوْلٌ:
}الفَصْلُ{ الأَوَّلُ: فِي أَهْلِيَّةِ التَحَمُّلِ:
و شَرْطُهُ التُمْيِيْزُ; إِنْ تَحَمَّلَ بِالسُماعِ، و ما فِي مَعْناهُ، لاالإِسْلامُ، و البُلُوْغُ، عَلَى الأَصَحِّ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في النسخة ، وفى المطبوعة : بِخُرْق.
(2) كتب فِي هامش المخطوطة :« بَلَغَ قِراءَةً أَيَّدَهُ اللهُ تَعالى ».
و قَدْ اتَّفَقَ الناسُ عَلَى رِوايَةِ جَماعَة مِن الصَحابَةِ عَنْ النَبِيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قَبْلَ البُلُوْغِ، كَالحَسَنَيْنِ، و ابْنِ عَبّاس، و ابْنِ الزُبَيْرِ، و النُعْمانِ بْنِ بَشِيْر، و غَيْرِهِمْ، و لَمْ يَزَل الناسُ يُسَمِّعُونَ الصِبْيانَ، نَعَمْ، تَحْدِيْدُ قَوْم سِنَّهُمْ بِعَشْرِ سِنِيْنَ أَوْ خَمْس، أَوْ أَْربَع; خَطَأٌ; لاِخْتِلافِ الناسِ فِي مَراتِبِ الفَهْمِ و التَمَيُّزِ.
و لا يُشْتَرَطُ فِي المَرْوِيِّ عَنْهُ أَنْ يَكُوْنَ أَكْبَرَ مِن الراوِي سِنَّاً، و لا رُتْبَةً، و قَدْ اتَّفَقَ ذلِكَ لِلصَحابَةِ مِمَّنْ(1) دُوْنَهُمْ.
الفَصْلُ الثاني: فِي طُرُقِ التَحَمُّلِ، و هِيَ سَبْعَةٌ:
أَوَّلُها: السَماعُ مِنْ لَفْظِ الشَيْخِ، سَواءٌ كانَ مِنْ حِفْظِهِ أَمْ مِنْ كِتابِهِ:
و هُوَ أَرْفَعُ الطُرُقِ عِنْدَ جُمْهُوْرِ المُحَدِّثِيْنَ.
فَيَقُوْل راوِيَاً : «سَمِعْتُ» و هُوَ أَعْلاها، ثُمَّ «حَدَّثَنِي» و«حَدَّثَنا» و قِيْلَ: هُما أَعَلَى، ثُمَّ «أَخْبَرَنا» ثُمَّ «أَنْبَأَنا» و «نَبَّأَنا» و هُوَ قَلِيْلٌ هُنا.
و «قالَ لنا» و«ذَكَرَ لَنا» مِنْ قَبِيْلِ «حَدَّثَنا» لكِنَّهُ بِما سُمِعَ فِي المُذاكَرَةِ و المُناظَرَةِ أَشْبَهُ مِنْ «حَدَّثَنا».
و أَدْناها: «قالَ فُلانٌ» و لَمْ يَقُلْ: «لِي» أَوْ: «لَنا» و هُوَ مَحْمُوْلٌ عَلَى السَماعِ; إِذا تَحَقَّقَ لِقاؤُهُ.
و ثانِيْهِما: القِراءَةُ عَلَى الشَيْخِ و تُسَمَّى «العَرْضُ»:
مِنْ حِفْظ أَوْ كِتاب، لِما يَحْفَظُهُ، و الأَصْلُ بِيَدِهِ، أَوْ يَدِ ثِقَة.
و هِيَ رِوايَةٌ صَحِيْحَةٌ اتِّفاقَاً. و قِيْلَ: هُوَ كَتَحْدِيْثِهِ، و قِيْلَ: أَعَلَى.
و العِبارِةُ عَنْ هذِهِ الطَرِيْقِ: «قَرَأْتُ عَلَى فُلان» أَوْ «قُرِئَ عَلَيْهِ و أَنَا أَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ» ثُمّ «حَدَّثَنا» و «أَخْبَرَنا» مُقَيَّدَيْنِ بِـ«قِراءَةً عَلَيْهِ» و نَحْوِهِ، أَوْ مُطْلَقَيْنِ عَلَى قَوْل، و فِي ثالِث يَجُوْزُ إِطْلاقُ الثانِي دُوْنَ الأَوَّلِ، و هُوَ الأَظْهَرُ.
و إِذا قالَ لَهُ: «أَخْبَركَ فُلانٌ» فَلَمْ يُنْكِرْ; صَحَّ ـ و إِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ ـ عَلَى قَوْل، و
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في مطبوعتنا، وكان في النسخة: (فيمن).
قِيْلَ: يَقُوْلُ: «قُرِىءَ عَلَيْهِ» لا: «حَدَّثَنِي».
و ما سَمِعَهُ الراوِي و حْدَهُ، أَوْ شَكَّ; قالَ: «حَدَّثَنِي» و مَعَ غَيْرِهِ: «حَدَّثَنا» و لَوْ عَكَسَ فِيْهِما جازَ.
و مُنِعَ فِي المُصَنَّفاتِ إِبْدالُ إِحْداهُما بالأُخْرَى، و أَمّا المَسْمُوْعُ; فَيُبْنَى عَلَى الرِوايَةِ بِالمَعْنَى.
و لا تَصِحُّ; و السامِعُ أَو المَسْمُوْعُ مِنْهُ مَمْنُوْعٌ; بِنَسْخ و نَحْوِهِ; بِحَيْثُ لا يَفْهَمُ المَقْرُوْءَ، و يُعْفَى عَن اليَسِيْرِ.
و لْيُجِزْ لِلسامِعِيْنَ رِوايَتَهُ.
و إِذا عَظُمَ مَجْلِسُ المُحَدِّثِ، فَبَلَّغَ مُسْتَمْل; رَوَى عَنْ المُمْلَي، و قِيْلَ: «لا» و هُوَ الأَظْهَرُ،
و لا يُشْتَرَطُ التَرائِي، إِذا عَرَفَ الصَوْتَ، أَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ، و قِيْلَ: «بَلَى».
و لا عِلْمُهُ بِالسامِعِيْنَ.
ولَوْ قالَ: «أُخْبِرُكُمْ و لا أُخْبِرُ فُلانَاً» أَوْ خَصَّ قَوْمَاً بِالسَماعِ، فَسَمِعَ غَيْرُهُمْ، أَوْ قالَ بَعْدَ السَماعِ: «لايَرْوِ عَنِّي» ـ غَيْرَ ذاكِر خَطَأً للراوي ـ(1) رَوَى السامِعُ عَنْهُ فِي الجَمِيْعِ.
و ثالِثُها: الإِجازَةُ: و هِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ: «اسْتَجَزْتُهُ فَأَجازَنِي» إِذا سَقاكَ لِماشِيَتِكَ أَوْ أَرْضِكَ. فَالطالِبُ لِلحَدِيْثِ يَسْتَجِيْزُ العالِمَ عِلْمَهُ فَيُجِيْزُهُ لَهُ، و حِيْنَئِذ فَتَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْف، فَتَقُوْلُ: أَجَزْتُهُ مَسْمُوْعاتِي مَثَلا و قِيْلَ: هِي إِذْنٌ فَتَقُوْلُ: «أَجَزْتُ لَهُ رِوايَةَ كَذا» و قَدْ يُحْذَفُ المُضافُ،
* و أَعْلاها لِمُعَيَّن بِهِ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إلى هنا انقطع الكلام في المخطوطة. وذكر في هامشها عبارة الشرح وهي:
«... أوجب الرجوع عن الرواية ( روى السامع عنه في الجميع ) لتحقّق إخبار الجميع، وإن لم يقصد بعضهم».* أَوْ بِغَيْرِهِ، و الخِلافُ فِيْهِ أَكْثَرُ.
* ثُمَّ لِغَيْْرِهِ; و فِيْهِ خِلافٌ، و يُقَرِّبُهُ إِلَى الجَوازِ تَقْيِيْدُهُ بِوَصْف خاصٍّ.
* و تَبْطُلُ بِمَجْهُوْل; كـَ«كِتابِ كَذا» و لَهُ مَرْوِيَّاتٌ كَثِيْرَةٌ بِذلِكَ الاسْمِ.
* أَوْ لَهُ(1) كَـ«لِمُحَمَّدِ بْنِ فُلان» و لَهُ مُوافِقُوْنَ فِيْهِ،
* و إِجازَتُهُ لِجَماعَة لايَعْرِفُ أَعْيانَهُمْ كَإِسْماعِهِمْ.
* و «أَجَزْتُ لِمَنْ شاءَ فُلانٌ» باطِلٌ، و قِيْلَ: «لا».
* و «لِمَنْ شاءَ الإِجازَةَ» أَو «الرِوايَةَ» أَوْ «لِفُلان إِنْ شاءَ» أَوْ «لَكَ إِنْ شِئْتَ» يَصِحُّ.
* لا لِمَعْدُوْم، بَلْ; اِنْ عُطِفَ عَلَى مَوْجُوْد.
* و تَصِحُّ لِغَيْرِ مُمَيِّز،
* و فِيْها للحَمْلِ وَجْهانِ
* و تَصِحُّ لِلْكافِرِ، و الفائِدَةِ إِذا أَسْلَمَ، و لِلفاسِقِ و المُبْتَدِعِ، بِطَرِيْق أَوْلَى،
* لا بِما لَمْ يَتَحَمَّلْهُ; لِيَرْوِيَهُ عَنْهُ إِذا تَحَمَّلَهُ، فَيُعْتَبَرُ فِي الرِوايَةِ تَحْقِيْقُ ما تحمّله قَبْلَها لِيَرْوِيَهُ.
* و يَصِحُّ إِجازَةُ المُجازِ، و قِيْلَ: «لا» و يَتَأَمَّلُها لِيَرْوِيَ ما دَخَلَ تَحْتَها، فَإِنْ أُجِيْزَ شَيْخُهُ بِما صَحَّ سَماعُهُ عِنْدَهُ; لَمْ يَرْوِ إِلاّ ما تَحَقَّقَ أَنَّهُ صَحَّ ـ عِنْدَ شَيْخِهِ ـ أَنَّهُ سَماعُ شَيْخِهِ.
* و تُسْتَحْسَنُ; مَعَ عِلْمَِ المُجِيْزِ بِما أَجازَ، و كَوْنِ المُجازِ عالِمَاً، و قِيْلَ: يُشْتَرَطُ.
* و إِذا كَتَبَ بِها، و قَصَدَها، صَحَّتْ بِغَيْرِ لَفْظ، و بِهِ أَوْلَى(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كلمة «أَوْ لَهُ» أخّرناها إلى هنا مع تكرار حف التشبيه; لتوحيد النسق، وكانت بعد قوله: تَبْطُلُ بِمَجْهُوْل.
(2) كتب فِي هامش المخطوطة : « ثُمَّ بَلَغَ قِراءَةً أَيَّدَهُ اللهُ تَعالى ».
و رابِعُها: المُناوَلَةُ: و هِيَ نَوْعانِ:
أَحَدُهُما: المَقْرُوْنَةُ بِالإِجازَةِ، و هِيَ أَعْلَى أَنْواعِها، ثُمَّ لَها مَراتِبُ:
* أَنْ يُعْطِيَهُ تَمْلِيكَاً، أَوْ عارِيَةً; لِيَنْسَخَ أَصْلَهُ، و يَقُوْلُ: «هذا سَماعِي مِنْ فُلان فَارْوِهِ عَنِّي» و يُسَمَّى عَرْضَ المُناوَلَةِ; إِذِ القِراءَةُ عَرْضٌ.
و هِيَ دُوْنَ السَماعِ، وِقَيْلَ: مِثْلُهُ.
* ثُمَّ أَنْ يُناوِلَهُ سَماعَهُ، و يُجِيْزَهُ لَهُ، ويُمْسِكُهُ، فَيَرْوِيْهِ إِذا وَجَدَهُ، أَوْ ما قُوْبِلَ بِهِ.
و لَها مَزِيَّةٌ عَلَى الإِجازَةِ، و قِيْلَ: «لا».
* فإِنْ أَتاهُ بِكِتاب فَقالَ: «هذَا رِوايَتُكَ فَناوِلْنِيْهِ» فَفَعَلَ مِنْ غَيْرِ نَظَر; فَباطِلٌ - إِنْ لَمْ يَثِقْ بِمَعْرِفَةِ الطالِبِ ـ و إِلاّ صَحَّ.
* و كَذا إِنْ قالَ الشَيْخُ: «حَدِّثْ عَنِّي بِما فِيْهِ إِنْ كانَ حَدِيثِي».
و ثانِيْهِما: المُجَرَّدَةُ عَنْ الإِجازَةِ; بَأَنْ يُناوِلَهُ كِتابَاً، و يَقُوْلَ: «هذا سَماعِي» مُقْتَصِرَاً عَلَيْهِ، فَالصَحِيْحُ أَنَّهُ لا يَجُوْزُ لَهُ الرِوايَةُ بِها، و جَوَّزَها بَعْضُ المُحَدِّثِيْنَ.
و إِذا رَوَى بِها قالَ: «حَدَّثَنا مُناوَلةً» و قِيْلَ: «يُطْلِقُ» و جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ فِي الإِجازَةِ المُجَرَّدَةِ عَنْها.
و خَصَّ بَعْضُهُمْ الإِجازَةَ شِفاهَاً بِـ«أَنْبَأَنِي» و كِتابَةً بِـ«كَتَبَ إِلَيَّ».
و بَعْضُهُمْ اسْتَعْمَلَ فِي الإِجازَةِ فَوْقَ الشَيْخِ «عَنْ».
و لايَزُوْلُ المَنْعُ مِنْ «أَخْبَرَنا» و «حَدَّثَنا» بِإِباحَةِ المُجِيْزِ.
و خامِسُها: الكِتابَةُ: و هِيَ أَنْ يَكْتُبَ مَرْوِيَّهُ لِغائِب، أَوْ حاضِر بِخَطِّهِ، أَوْ يَأْذَنَ بِكَتْبِهِ لَهُ، و هِيَ أَيْضَاً ضَرْبانِ:
مَقْرُوْنَةٌ بِالإِجازَةِ، و هِيَ فِي الصِحَّةِ و القُوَّةِ كَالمُناوَلَةِ المَقْرُوْنَةِ بِها.
و مُجَرَّدَةٌ عَنْها، و الأَشْهَرُ جَوازُ الرِوايَةِ بِها لِتَضَمُّنِها الإِجازَةَ مَعْنَىً; كَما يُكْتَفَى فِي الفَتْوَى بِالكِتابَةِ، نَعَمْ، يُعَْتبَرُ مَعْرِفَةُ الخَطِّ بِحَيْثُ يَأْمَنُ التَزْوِيْرَ، و شَرَطَ
بَعْضُهُمْ «البَيِّنَةَ».
و يَقُوْلُ فِيْها: «كَتَبَ إِلَيَّ فُلانٌ قالَ: حَدَّثَنا» أَوْ «أَخْبَرَنا مُكاتَبَةً» لا: «حَدَّثَنا» و قِيْلَ: «بَلَى».
و سادِسُها: الإِعْلامُ: و هُوَ أَنْ يُعْلِمَ الشَيْخُ الطالِبَ أَنَّ هذا الكِتابَ رِوايَتُهُ، أَوْ سَماعُهُ، مُقْتَصِرَاً عَلَيْهِ.
و فِي جَوازِ الرِوايَةِ بِهِ قَوْلانِ، وفِي ثالِث: يَرْوِيْهِ و إِنْ نَهاهُ، و الأَقْوَى عَدَمُهُ مُطْلَقَاً.
و فِي مَعْناهُ ما لَوْ أَوْصى لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ سَفَرِهِ بِكِتاب يَرْوِيْهِ، و فِيْهِ القَوْلانِ: و الصَحِيْحُ المَنْعُ.
و سابِعُها: الوِجادَةُ و هِيَ: مَصْدَرُ «وَجَدَ، يَجِدُ» مُوَلَّدٌ غَيْرُ مَسْمُوْع، و هُوَ: أَنْ يَجِدَ مَرْوِيَّ إِنْسان بِخَطِّهِ، فَيَقُوْلُ: «وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلان».
و هُوَ مُنْقَطِعٌ، و فِيْهِ اتِّصالٌ.
فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الخَطَّ قالَ: «بَلَغَنِي» أَوْ «وَجَدْتُ فِي كِتاب، أَخْبَرَنِي فُلانٌ أَنَّهُ خَطُّ فُلان».
و إِذا نَقَلَ مِنْ نُسْخَة مَوْثُوْق بِها لِمُصَنِّف; قالَ فِيْهِ:«قالَ فُلانٌ» و إِلاّ: «بلَغَنِي» إِلاّ أَنْ يَكُوْنَ الناقِلُ مِمَّنْ يَعْرِفُ الساقِطَ و المُغَيَّرَ.
و فِي جَوازِ العَمَلِ بِالوِجادَةِ قَوْلانِ، و لا خِلافَ فِي مَنْعِ الرِوايَةِ.
و لَوْ اقْتَرَنَتْ بِالإِجازَةِ فَلا إِشْكالَ.
}الفَصْلُ{ الثالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ رِوايَةِ الحَدِيْثِ:
و أَكْمَلُها ما اتَّفَقَ مِنْ حِفْظِهِ.
و يَجُوزُ مِنْ كِتابِهِ; و إِنْ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ، مَعَ أَمْنِ التَغْيِيْرِ، عَلَى الأَصَحِّ، و أَفْرَطَ قَوْمٌ، فَأَبْطَلُوْها، و فَرَّطَ آخَرُوْنَ فَرَوَوْا مِنْ غَيْرِ مُقابَل; فَجُرِحُوا بِذلِكَ.
و الضَرِيْرُ: إِذا لَمْ يَحْفَظْ مَسْمُوْعَهُ، يَسْتَعِيْنُ بِثِقَة فِي ضَبْطِ كِتابِهِ، و يَحْتاطُ إِذا
قُرِىءَ عَلَيْهِ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ التَغْيِيْرِ، و هُوَ أَوْلَى بِالمَنْعِ مِنْ مِثْلِهِ فِي البَصِيْرِ.
و كَذا الأُمِّيُّ.
و يَرْوِي مِنْ نُسْخَة فِيْها سَماعُهُ، أَوْ قُوْبِلَتْ بِها، أَوْ سُمِعَتْ عَلَى شَيْخِهِ، أَوْ فِيْها سَماعُهُ، أَوْ كُتِبَتْ عَنْهُ و سَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَيْها، و إِلاّ; فلا.
و إِذا خالَفَ كِتابُهُ حِفْظَهُ مِنْهُ; رَجَعَ إِلَيْهِ، و مِنْ شَيْخِهِ اعْتَمَدَهُ، و إِنْ قالَ: «حِفْظِي كَذا، و فِي كِتابِي كَذا» فَحَسَنٌ.
و إِنْ خُوْلِفَ; قالَ: «حِفْظِي كَذا، و غَيْرِي ـ أَوْ: فُلانٌ ـ يَقُوْلُ كَذا».
و إِذا وَجَدَ خَطَّهُ، أَوْ خَطَّ ثِقَة، بِسَماع لَهُ; لا يَذْكُرُهُ; رَواهُ، و قِيْلَ: «لا».
و مَنْ لا يَعْلَمُ مَقاصِدَ الأَلْفاظِ، و ما يُحِيْلُ مَعانِيَها; لَمْ يَرْوِ بِالمَعْنَى، فإِنْ عَلِمَ جازَ، و قِيْلَ: فِي غَيْرِ الحَدِيْثِ النَبَوِيَّ.
و المُصَنَّفاتُ لا تُغَيَّرُ، و يَقُوْلُ عَقِيْبَ المَرْوِيِّ بِالمَعْنَى و المَشْكُوْكِ فِيْهِ: «أَوْ كَما قالَ».
و لَمْ يُجَوِّزْ مانِعُو الرِوايَةِ بِالمَعْنَى، و بَعْضُ مُجَوِّزِيْها: تَقْطِيْعَ الحَدِيْثِ; إِنْ لَمْ يَكُنْ رَواهُ ـ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ ـ تَمامَاً، و جَوَّزَهُ آخَرُوْنَ مُطْلَقَاً، و هُوَ الأَصَحُّ لِمَنْ عَرَفَ عَدَمَ تَعَلُّقِ المَتْرُوْكِ بِالمَرْوِيِّ، و تَقْطِيْعُ المُصَنِّفِ الحَدِيْثَ فِيْهِ أَقْرَبُ إِلَى الجَوازِ.
و لا يَرْوِي بِقِراءَةِ لَحّان، و لا مُصَحِّف.
و يَتَعَلَّمُ ما يَسْلَمُ بِهِ مِن اللَحْنِ، و يَسْلَمُ مِن التَصْحِيْفِ بِالأَخْذِ مِنْ أَفْواهِ الرِجالِ.
و ما وَقَعَ ـ فِي رِوايَتِهِ ـ مِنْ لَحْن و تَصْحِْيف، و تَحَقَّقَهُ رِوايَةً; رَواهُ صَوابَاً، و قالَ هُوَ: «...و رِوايَتُنا كَذا» أَوْ يُقَدِّمُها و يَقُوْلُ: «و صَوابُهُ كَذا» و قِيْلَ: «كَما سَمِعَهُ فَقَطْ».
و جَوَّزَ بَعْضُهُمْ إِصْلاحَهُ فِي الكِتابِ، و تَرْكُهُ و تَصْوِيْبُهُ حاشِيَةً; أَوْلَى.
و أَحْسَنُهُ الإِصْلاحُ بِرِوايَة أُخْرَى، و يَسْتَثْبِتُ ما شَكَّ فِيْهِ مِنْ كِتابِ غَيْرِهِ أَوْ حِفْظِهِ.
و ما رَواهُ عَن اثْنَيْنِ فَصاعِدَاً، واتَّفَقا مَعْنَىً لالَفْظَاً; جَمَعَهُما إِسْنادَاً و ساقَ لَفْظَ أَحَدِهُما، مُبَيِّنَاً، فَإِنْ تَقارَبا; فَقالَ «قالا» جازَ عَلَى الرِوايَة بِالمَعْنَى، و قَوْلُ: «تَقارَبا» أَوْلى.
و مُصَنَّفٌ سُمِعَ مِنْ جَماعَة ـ إِذا رَواهُ عَنْهُمْ، مِنْ نُسْخَة قُوْبِلَتْ بِأَصْلِ بَعْضِهِمْ، و ذَكَرَهُ - فِيْهِ وَجْهانِ: الجَوازُ، و عَدَمُهُ.
و لا يَزِيْدُ عَلَى ما سَمِعَ مِنْ نَسَب، أَوْ صِفَة، إِلاّ مُمَيَّزَاً بِـ«هُوَ» أَوْ «نَعْنِي».
و إِذا ذَكَرَ شَيْخَهُ فِي أَوَّلِ حَدِيْث نَسَبَهُ، ثُمَّ اقْتَصَرَ ـ بَعْدُ ـ عَلَى اسْمِهِ أَوْ بَعْضِ نَسَبِهِ.
ولَمْ يَكْتُبُوْا: «قالَ» بَيْنَ رِجالِ الإِسْنادِ، فَيَقُوْلُها القارِيُ.
و «قُرِىءَ عَلَى فُلان أَخْبَرَكَ» يَقُوْلُ: «قِيْلَ لَهُ: أَخْبَرَكَ».
و «قُرِىءَ عَلَى فُلان: حَدَّثَنا» يَقُوْلُ: «قالَ: حَدَّثَنا».
و إِذا تَكَرَّرَتْ «قالَ» يَحْذِفُوْنَ إِحْداهُما، فَيَقُوْلُها القارِىءُ، و حَذْفُها يُخِلُّ.
و ما اشْتَمَلَ عَلَى أَحادِيْثَ بِإِسْناد واحِد، يَذْكُرُهُ فِي كُلِّ حَدِيْث، أَوْ يَذْكُرُهُ أَوَّلا; و يَقُوْلُ بَعْدُ: «و بِالإِسْناِد» أَوْ: «و بِهِ».
و إِذا ذَكَرَ الشَيْخُ حَدِيْثَاً بِإِسْناد، ثُمَّ أَتْبَعَهُ إِسْنادَاً آخَرَ، و قالَ: «مِثْلَهُ» لَمْ يَرْوِ المَتْنَ بِالإِسْنادِ الثانِي، و قِيْلَ: «بَلَى».
و إِذا ذَكَرَ إِسْنادَاً و بَعْضَ مَتْن، و قالَ: «...و ذَكَرَ الحَدِيْثَ» فَفِي جَوازِ رِوايَةِ كُلِّهِ بِالإِسْناد: القَوْلانِ، و أَوْلى بِالمَنْعِ.
و إِذا سَمِعَ بَعْضَ حَدِيْث عَنْ شَيْخِهِ، و بَعْضَهُ عَنْ آخَرَ، رَوَى جُمْلَتَهُ عَنْهُما; مُبَيِّنَاً أَنَّ بَعْضَهُ عَنْ أَحَدِهُما و بَعْضَهُ عَنْ الآخَرِ، ثُمَّ يَصِيْرُ مُشاعَاً بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كانَ أَحَدُهُمَا مَجْرُوْحَاً لَمْ يُحْتَجَّ بِشَيْء مِنْهُ.
البابُ الرابِعُ
فِي أَسْماءِ الرِجالِ و طَبَقاتِهِمْ و ما يَتَّصِلُ بِها
الصَحابِيُّ هو: مَنْ لَقِيَ النَبِيَّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مُؤْمِنَاً بِهِ، و ماتَ عَلَى الإِسْلامِ، و إِنْ تَخَلَّلَتْ رِدَّتُهُ، عَلَى الأَظْهَرِ.
و التابِعِيُّ: مَنْ لَقِيَ الصَحابِيَّ كَذلِكَ.
ثُمَّ الراوِي و المَرْوِيُّ عَنْهُ:
* اِن اسْتَوَيَا فِي السِنِّ أَوْ فِي اللُقِيِّ; فَهُوَ النَوْعُ الذِي يُقالُ لَهُ: رِوايَةُ الأَقْرانِ.
* فَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُما عَن الآخَرِ; فَهُوَ المُدَبَّجُ و هُوَ أَخَصُّ مِن الأَوَّلِ.
* و إِنْ رَوَى عَمَّنْ دُوْنَهُ; فَهُوَرِوايَةُ الأَكابِرِ عَن الأَصاغِرِ، و مِنْهُ الآباءُ عَن الأبْناءِ و الأَكْثَرُ العَكْسُ.
* و إِن اشْتَرَكَ اثْنانَ عَنْ شَيْخ، و تَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِما; فَهُوَالسابِقُ و اللاّحِقُ.
* و الرُواةُ إِن اتَّفَقَتْ أَسْماؤُهُمْ و أَسْماءُ آبائِهِمْ، فَصاعِدَاً، واخْتَلَفَتْ أَشْخاصُهُمْ; فَهُوَ المُتَّفِقُ و المُفْتَرِقُ.
* و إِن اتَّفَقَت الأسْماءُ خَطَّاً، و اخْتَلَفَت لَفْظَاً; فَهُوَالمُؤْتَلِفُ و المُخْتَلِفُ.
* و إِن اتَّفَقَت الأسْماءُ و اخْتَلَفَت الآباءُ، أَوْ بِالعَكْسِ; فَهُوَ المُتَشابِهُ.
و مِن المُهِمِّ فِي هذَا البابِ:
* مَعْرِفَةُ طَبَقَاتِ الرُواةِ و مَوالِيدِهِمْ و وَفَياتَهَم: فَبِمَعْرِفَتِها يَحْصَلُ الأَمْنُ مِن دَعْوَى اللِقاءِ و أَمْرُهُ لَيْسَ كَذلِكَ.
* و مَعْرِفَةُ المَوالِي مِنْهُمْ، مِنْ أعْلَى، ومِنْ أسْفَلَ; بِالرِقِّ، أَوْ بِالحِلْفِ، أَوْ بِالإِسْلامِ.
* و مَعْرِفَةُ الإِخْوَةِ و الأَخَواتِ.
* و مَعْرِفَةُ أَوْطانهم و بُلدانهم.
و قَدْ كانَت العَرَبُ تَنْتَسِبُ إِلَى القَبائِلِ، فَسَكَنُوْا القُرَى، و ضاعَت الأَنْسابُ; فَانْتَسَبُوا إِلَيْها; كَالعَجَمِ; فَاحْتاجُوْا إَلَى ذِكْرِها، فَالساكِنُ بِبَلَد ـ و قِيْلَ: أَرْبَعَ سِنِيْنَ ـ بَعْدَ آخَرَ; يُنْسَبُ إِلَى أَيِّهِما شاءَ، أَوْ إِلَيْهِما، مُقَدِّمَاً الأَوّلِ، و يَحْسُنُ تَرْتِيْبُ الثانِي بِثُمّ.
و بِقَرْيَةِ بَلَدِ ناحِيَةِ إِقْلِيْمِ; يُنْسَبُ إِلَى أَيِّها شاءَ.
فَهذِهِ جُمْلَةٌ مُوْجَزَةٌ فِي الإِشارَةِ إِلَى مَقاصِدِ هذا العِلْمِ إِجْمالا، و مَنْ أَرادَ الاسْتِقْصاءَ فِيْها مَعَ ذِكْرِ الأَمْثِلَةِ; فَعَلَيْهِ بِكِتابِنا: «غُنْيَةُ القاصِدِيْنَ فِي مَعْرِفَةِ اصْطِلاحاتِ المُحَدِّثِيْنَ».
و اللهُ المُوَفِّقُ و الهادِي.
وفي نهاية النسخة المخطوطة إنهاء هذا نصهّ:
أَنْهاهُ أَيَّدَهُ اللهُ و حَفِظَهُ و أَبْقاهُ قِراءَةً و فَهْمَاً و ضَبْطَاً فِي مَجالِسَ آخِرُها لَيْلَةَ الخَمِيْسِ مُنْتَصَفُ جُمادَى الآخِرَةِ سَنَةَ تِسْع و سِتِّيْنَ و تِسْعْمائَة أَحْسَنَ اللهُ تَقَضِيْها. فَقِيْرُ رَحْمَةِ رَبِّهِ الغَنِيِّ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الصَمَدِ الحارِثِيُّ وَفَّقَهُ اللهُ لِما يُحِبُّهُ و يَرضاهُ إِنَّهُ جَوادٌ كَرِيْمٌ.
يقول العامل لهذه النسخة:
وتمّ العمل فيه بالمقابلة والضبط والرسم في مجالس آخرها ليلة الحميس العشرين من رجب المرجّب على يد العبد السيّد محمد رضا الحسينى الجلالى كان الله له.