ص2 1 ـ مقدّمة المحقّق بسم الله الرحمن الرحيم طلب إليّ جمع من الإخوان، من طلاّب الحوزة العلمية أن أقوم بتدريس علوم البلاغة في كتابها المقرّر: «الشرح المختصر لتلخيص المفتاح» فقمتُ بالأمر، وكنت مبتهجاً إذ وجدت فيهم مشاركين في علوم الأدب، وكانوا يملأون أجواء الدرس بشذاها العَطر، خاصةً عندما تُثار المناقشات، التي أعتبرها ضروريةً للطلاّب في تقدّمهم العلمي، ومن أجل تفتّح قرائحهم، وفتح الآفاق أمامهم، وإعطائهم الفرصة للتحرّك نحو طُموحاتهم، والقدرة على البحث والمناقشة السليمة وإبداء الرأي وإثباته. ومُذْ رأيت فيهم تلك الروح، تبلورت في خاطري فكرة عرضتها عليهم، ومجملها:: أن يعمدَ كلّ واحد منهم إلى كتاب من الكُتُب المخطوطة المؤلّفة في علوم البلاغة، فيقوم بتقويم نصّه، ومراجعة مصادره والقيام بما يُسَمّى في هذا العصر بعمليّة «تحقيقه». على أن يكون ذلك امتداداً لكلّ مادّة ندرسها في المنهج المقرّر، وأثناء الدراسة، بحيث لا يخرج عن مهمّة الطالب في مطالعة الدرس ولا يكون أمراً غريباً على واجباته اليومية تجاه المنهج. وكان غرضي من وراء الفكرة: أوّلا ـ أن يعيش الطالب أجواء المادة من خلال نصوص اُخرى، غير الكتاب المقرّر، الذي يتلّقاه بالدرس والتوضيح، ويعتمد في فهمه على محاضرات الاُستاذ وشرحه، فيتدرّب على تفهّم النصوص الاُخرى، بل ومناقشتها، فيستقلّ بالفهم،
ص3 ويتجرّأ على النقد، وأخيراً الاستنتاج الصحيح. فيكون ذلك مدعاةً له إلى التحقيق بشكل أعمق، والالتحام مع العلم بشكل عملي ومُباشر. ثانياً ـ أن تُحيى تلك الآثار العزيزة من مؤلّفات القدماء في هذه المجالات، والمعرّضة ـ على أثر الإهمال ـ للتلف والإبادة. فما دام الطالب يعيش أجواء العلم، ويمارسه بالدرس والبحث والمطالعة، فإنّ لديه شوقاً أكبر واهتماماً أعظم في أداء مثل هذا العمل، الذي يعدّه البعض في غير هذا الظرف أجنبياً عن مهمّة الطالب، بالرغم من كونه من أهمّ الاُمور الثقافية والتراثية والعلمية. وليست هذه المقدّمة مجالا للبحث عن ذلك. وكأنّ الفكرة المطروحة على الإخوان كانت «جديدةً» إذ لم يسبق لاُستاذ في الحوزة ـ على مبلغ ما أعلم ـ أن عَرَضَ مثل هذه. ولقد حاولت أن اُهيّئ من أسماء الكتب البلاغية بعدد الحاضرين في مجلس الدرس، والذين بلغوا ـ بما أنا فيهم ـ خمسة عشر شخصاً. وكانت القائمة التي أعددتها، كالتالي: 1 ـ الإبانة عن حدود البلاغة وأقسام الفصاحة: منه نسخة في الخزانة الرضوية «مكتبة آستان قدس رضوي» في مشهد، برقم4029، المعاني والبيان رقم27. وعنه فيلم في جامعة طهران، برقم2005. 2 ـ أساس الاقتباس: للسيّد اختيار بن السيّد غياث الدين الحسيني، ألّفه سنة (897)، ذكره في
ص4 كشف الظنون، وموجود في الخزانة الرضوية «مكتبة آستان قدس رضوي» في مشهد. اُنظر: الذريعة 2/5. 3 ـ أسرار البلاغة: للشيخ البهائي محمّد بن الحسين العاملي الحارثي (كما نُسب إليه). طُبع مع كتاب «المخلاة» في مصر، وطبع ثانية في بيروت. 4 ـ الاُنموذج في علوم البلاغة: للسيّد عبدالوهّاب بن علي الحُسيني الإسترابادي الجُرجاني (ق9). هو الكتاب الثالث، من مجموعة برقم101، في مكتبة السيّد المرعشي النجفي، في قم المقدّسة. اُنظر: الذريعة 2/402 ـ 403. 5 ـ الإيضاح: لجلال الدين، محمّد بن عبدالرحمن القزويني (ت739). منه نسختان في مكتبة السيّد المرعشي النجفي، برقم539 ورقم2139. 6 ـ بساتين الجنان في علمَيْ المعاني والبيان: للسيّد الميرزا محمّد تقي بن الميرزا عبدالرزّاق، الأحمد آبادي، الأصفهاني (ت بعد1340). الذريعة 3/103. 7 ـ بلغة البلاغة ـ اُرجوزة في علومها ـ: من نظم الشيخ محمّد بن محمّد طاهر السماوي الفَضْلي (1370). من أبياتها:
ص5 فخُذ إليك بُلغة البلاغة***حسن النظام حلوة الصِياغة
الذريعة 3/147. 8 ـ تجريد البلاغة: للشيخ ابن ميثم البحراني ميثم بن علي (ت679). منه نسخة في مكتبة الشهيد المطهري ـ طهران، وعنه فيلم في جامعة طهران رقم1436، عن مكتبة مجلس الشورى الإسلامي المعروف سابقاً باسم (سِنا) 4/2086، وقد طُبع في بيروت. الذريعة 3/352. 9 ـ تلخيص دلائل الإعجاز: للسيّد محمّد الحسيني الخوانساري. منه نسخة برقم767 في مكتبة السيّد المرعشي النجفي. 10 ـ تمحيص التلخيص: للفاضل الهنديّ. وهو متن الشرح التالي. 11 ـ التنصيص على معاني تمحيص التلخيص: للفاضل الهندي أيضاً، شَرَحَ فيه المتن السابق، وقد طُبع بآخر المجلّد الثاني من كشف اللِثام (ص500 ـ وما بعدها). منه نسخة برقم817 في مكتبة السيّد المرعشي النجفي. 12 ـ الدرّ والمرجان في علمي المعاني والبيان: للحجّة السيّد هبة الدين الشهرستاني الكاظمي.
ص6 منظومة في 300 بيت نظمها سنة1321. وهي موجودة عندي، استنسختُها سنة 1385، عن نسخة خطّ الأخ الفاضل الشيخ محمّد بن مرتضى الشهير بالشهرستاني، عن نسخة خطّ المؤلّف. 13 ـ كمال البلاغة: للشيخ عبدالرحمن بن علي اليزدي. منه نسخة في مكتبة السيّد المرعشي برقم2936، ونسخ في الخزانة الرضوية (مكتبة آستان قدس رضوي) بالأرقام: 771 ـ 261 ـ 4915. وفيلم عنه في جامعة طهران برقم2102. اُنظر: الذريعة 18/137، فهرست آستان قدس 7/293 و689، وفهرست مكتبة السيّد المرعشي 8/133. 14 ـ منظومة البيان: لقوام الدين محمّد بن محمّد مهدي القزويني الحلّي (ق12) نظَمها سنة1135، في 274بيتاً. توجد ـ مع منظومة له في المنطق ـ في مكتبة السيّد المرعشي برقم1385. 15 ـ إنجاح المطالب في الفوز بالمآرب، شرح المنظومة المحبيّة. لابن الشُحْنة الحنفي المُتوّفى (815). في 100 بيت، وقد طُبعت مكرّراً في مصر وفي إيران ضمن مجموعة من الأراجيز والمتون. وقد نُسِبَ نظُمها إلى الشيخ الميرزا محمّد المشهدي (مؤلّف شرحها هذا الذي نقدّم له) كما ذكرنا ذلك في مقدّمة المنظومة التي طُبعت بتحقيقنا في مجلّة (تُراثنا) العدد الرابع ـ السنة الاُولى (ص207 ـ 209).
ص7 وذلك سهوٌ، كما أوضحناه في مقال (تحقيق النصوص بين صعوبة المهمّة وخُطورة الهفوات) المنشور في العدد (9) من مجلّة (تُراثنا) السنة الثانية1407 ص (20 ـ 21) وقد أوضحنا أنّ المتن المنظوم إنّما هو لابن الشحنة (ولاحظ إيضاح المكنون 2/581 و2/601) والشرح للشيخ الميرزا محمّد المشهدي القُمي صاحب تفسير (كنز الدقائق وبحر الغرائب) باتّفاق جميع المفهرسين والمترجمين له، بلا خلاف، وقد وقع اختياري على هذا الشرح، لاُمور: 1 ـ احتواؤه على المتن المنظوم، فنكون بذلك قد حقّقنا الكتابين ـ المتن، والشرح ـ معاً. وقد طُبع تحقيقنا لمتن المنظومة بعنوان «الاُرجوزة اللطيفة في علوم البلاغة» في مجلّة «تُراثنا» الفصلية التي تصدر من مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التُراث في قم، السنة الاُولى1406 العدد الرابع، ص207 ـ 209. ولاحظ ما سنذكره عنها ضمن ترجمة المؤلّف. 2 ـ إنّ المتن جمع علوم البلاغة الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، في وجازة بالغة محافظاً على سلاسة اللفظ، من دون أيّ تعقيد أو إغلاق، بينما لا تخلو الأراجيز العلميّة من ذلك عادةً. 3 ـ إنّه يقرب من متن (تلخيص المفتاح) بشكل واضح، بحيث يمكن أن يُعدّ فهرساً لمطالبه. وأمّا الشرح فهو جامع لدقائق العلم ومسائله وشارح لها شرحاً وافياً، خالياً عمّا هو زائد من البحوث الجانبيّة المطروحة في الكتب المفصّلة. 4 ـ إنّ المؤلّف، على سعة ثقافته، وجَوْدَة اُسلوبه، ومشاركته الفعّالة في العلوم لم يوفَّ حقَّه من التعريف في الأوساط العلميّة.
ص8 فلذلك، ولأسباب اُخرى، آثرت العمل في هذا الكتاب بما يرفع عنه غبار الإهمال، ويكون في مستوى الإفادة للطلاّب الأعزّاء، ليفيدوا من متنه المنظوم بالحفظ والاستذكار، ومن شرحه المنثور بالمراجعة والتكرار. ووجدتُ منه نسخة في مكتبة السيّد المرعشي النجفي دام ظلّه فاستنسختُها. ووجدتُ ذكر نسختين لها في مشهد، فيمَّمْتُ سنة1404 شطرَ ذلك الوادي الأقدس، لزيارة ثامن الأئمّة المعصومين الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، فجاورت مشهده الشريف مدّةَ شهر رمضان المبارك، واعتكفتُ بجواره المنيف، مغتبطاً بالاستفاضة من محضره المقدّس، والانتهال من معين خزانة الكتب العامرة المنسوبة إليه، فعشتُ لفترة متردّداً بين أعتاب روضته المكرّمة، وظلّ قُبّته المعظّمة، وصحن حضرته الأنيق الأبْهج، وقضيتُ شهراً مليئاً بالروح، عبقاً بالقدس، وقمتُ خلال ذلك بإنجاز مقابلة الكتاب بالنسختين المحفوظتين هناك، ورجعت من حضرته غانماً بالعلم والنور والروح ولا سَئِماً ولا قالياً، بل عائِد راجع إليه إن شاء الله، رزقنا الله الحشر معه في الحال والمآل. وقد حاولت إيفاء حقّ المؤلّف (رحمه الله) من حيث الترجمة، فجمعتُ ما كُتب عنه في معاجم التراجم، ونظّمتُ ما وقفتُ عليه من شؤون مؤلّفاته، وقدّمتُ بها لهذا الكتاب، عسى أن يكون مدعاةً لمن يهمّه الأمر لإحياء سائر كتبه الثمينة. كما قمتُ بإعداد فهارس لهذا الكتاب تزيد في كماله، وتنفع المراجعين له. والله أسألُ أن يوفّقنا للخير، ويجعلنا من أهله. وكَتَبَ السيّد محمّد رضا الحُسينيّ الجلالي
ص9 2 ـ المؤلّف الأديب، الفقيه، المحدّث، المفسّر الشيخ الميرزا محمّد المشهديّ ابن المولى محمّد رضا المشهدي بن إسماعيل بن جمال الدين القمي. 1 ـ اسمه وعائلته: 1 ـ اسمه: سمّى نفسه في بعض ما وقفنا عليه من مؤلّفاته ـ بدايةً ونهايةً ـ بـ:«الميرزا محمّد»(1). وكذلك سمّاه المجلسي والخونساري، في تقريظيهما كتابه(2) وجميع من ترجم له، كالحرّ العاملي(3) والأفندي(4) وسيّد الروضات(5) والنُوريّ(6) والقُميّ(7) والأمين(8) الهامش (1) لاحظ مقدّمة كتابنا هذا ونهايته، وكذلك، كتاب كاشف الغُمّة، وكنز الدقائق. (2) سنُورد نصّ التقريظين فيما يلي، بعنوان «وصفه وثناء العلماء عليه». (3) أملا الآمل 2/272. (4) رياض العلماء. (5) روضات الجنّات. (6) الفيض القدسي ـ في البحار 105/100. (7) الفوائد الرضويّة: 534 و618. (8) أعيان الشيعة 45/5، رقم2137.
ص10 والطهراني(9) والبغدادي(10). إلاّ أنّ السيّد الأمين عنونه باسم «محمّد رضا»(11)، ثمّ عاد وصرّح بأنّ الظاهر أنّه «محمّد»(12). 2 ـ أبوه: سمّاه ابنه المترجم في مواضع عديدة ـ منها في تفسيره: كنز الدقائق(13) ـ بـ«محمّد رضا». وكذلك ذكره المترجمون له، سابقو الذكر. إلاّ أنّه جاء في بعض مؤلّفات المترجم ذكر أبيه باسم «رضا» كما في إنجاح المطالب ـ هذا ـ وكاشف الغمّة، حيث ذكر اسمه بعنوان «الميرزا محمّد بن رضا القُمي» في بداية الكتابين ونهايتهما. وقد عنون اسم الأب كذلك ـ «رضا» ـ كلّ من الحرّ العاملي(14) والقمّي(15)، إلاّ أنّ الأخير عاد، واستظهر أنّ الصحيح فيه هو «محمّد رضا»(16). أمّا سائر المترجمين، فلم يذكروه إلاّ باسم «محمّد بن محمّد رضا» حتّى مع الكتابين المذكورين(17). الهامش (9) الذريعة 3/429 و18/152 وغيرهما. (10) إيضاح المكنون 2/315. (11) أعيان الشيعة 45/5 رقم2137. (12) أعيان الشيعة 45/328 رقم2392. (13) كنز الدقائق ـ طبعة وزارة الإرشاد ص2 من المتن. (14) أمل الآمل 2/272. (15) الفوائد الرضوية: 534. (16) الفوائد الرضوية: 618. (17) الذريعة 2/363.
ص11 وليس ما فعله الحرّ ـ وحده ـ دليلا على مُغايرة «محمّد بن محمّد رضا» عنده، بدليل انّه لم يترجم في كتابه للثاني، ولم ينسب إليه سائر مؤلّفات المترجم. والظاهر أنّ الحرّ ـ الذي لم يذكره إلاّ باسم «محمّد بن رضا القمّي» لم يقف إلاّ على كتابه «إنجاح المطالب» الذي ذكره في ترجمته، فلم يقف على سائر مؤلّفاته، بدليل عدم ذكرها في هذا العنوان، ولم يذكرها مع عنوان آخر. ونجد في التراجم شخصاً باسم «المولى محمّد رضا المشهدي». قال الأفندي في ترجمة الشيخ منتجب الدين الرازي، متحدّثاً عن كتابه «الفهرست» ـ: نسخة منه بخطّ بعض الأفاضل، ولعلّه المولى محمّد رضا المشهدي، تلميذ الشيخ البهائي، وقد نُقلت عن نسخة والد البهائي وقُوبلت مع نسخة البهائي نسخٌ عديدة ... وكان فيها اختلاف مع النسخ المشهورة(18). ونقل الأفندي في تعليقته على أمل الآمل عن الحواشي على فهرست المنتجب بخطّ المولى محمّد رضا المشهدي تلميذ البهائي مصرّحاً بأنّه رأى النسخة في بلدة تبريز، بينما يحتمل أن تكون الحواشي منقولة من خطّ البهائي ينسبها في موضع إلى البهائي نفسه، فلتلاحظ(19). وكلام الأفندي نقله سيّد الروضات(20). وعنونه شيخنا الطهراني في أعلام المائة الحادية عشرة بقوله: محمّد رضا المشهدي، من تلامذة شيخنا البهائي (ت1030) حكى في الرياض 2/220 في ترجمة (القطب الراوندي) ـ عن خطّ صاحب الترجمة ـ حكاية اُستاذه البهائي بعض الهامش (18) رياض العلماء 4/145. (19) تعليقة أمل الآمل: 112 و122 و155 و160 و235 و312 و313. (20) روضات الجنّات 4/319.
ص12 ما يتعلّق بترجمة القطب المذكور في حاشية البهائي على منتجب الدين. وكذا في الرياض 2/447 في ترجمة (سليمان بن الحسن الصهرشتي) وكتب بخطّه نسخة من (فهرس منتجب الدين) عن خطّ والد البهائي التي عليها حواشي البهائي، وذكر ذلك في الرياض (4/145) في ترجمة منتجب الدين(21). وقال في (مصنّفي علم الرجال): المولى محمّد رضا المشهدي، من تلاميذ البهائي، كتب بخطّه نسخة (فهرست منتجب الدين) عن نسخة بخطّ والد الشيخ البهائي، وعليها حواش من البهائي(22). وقد رأى السيّد الطباطبائي(23) نسخة (خلاصة الأقوال في الرجال) للعلاّمة الحلّي التي قرأها المولى محمّد رضا المشهدي على الشيخ البهائي، مرّتين، وكتب له البهائي إجازةً، هذا نصّها: أمّا بعد الحمد والصلاة .. فقد استخرتُ الله سبحانه، وأجزتُ الأخ الأعزّ الفاضل التقيّ الذكيّ الزكيّ، تاج الأتقياء، وخلاصة الفضلاء، مولانا محمّد رضا المشهدي، الخادم أدام الله تعالى فضائله، أن يروي عنّي هذا الكتاب الشريف، بسندي المتّصل إلى مؤلّفه شيخنا الأعظم آية الله العلاّمة، أحلّه دار الكرامة. وذلك بعد ما صرف سلّمه الله جملةً من الأيّام في تصحيحه، واستكشاف مبهماته، وتحقيق مستوراته. الهامش (21) الروضة النضرة في علماء المائة الحادية عشرة: 220. (22) مصفّى المقال: 179. (23) ذكر سماحته أنّه رأى النسخة معروضة للبيع في طهران، فاستنسخ هذه الإجازة منها حينذاك، ولم يعرف عن مصير النسخة شيئاً، فحيّا الله السيّد على هذه الهمّة القعساء، ونأسفُ لمصير تُراثنا العزيز!!.
ص13 وكذلك أجزتُ له مُدَّتْ أيّام إفضاله أن يروي كتاب الفهرست، لشيخ الطائفة وسراج الاُمّة (قدس سره). وكتاب الرجال للشيخ الأفضل، ثقة الدين الحسن بن داود طاب ثراه. وفهرست النجاشي (رحمه الله). بطرقي المتّصلة بهم، فليرو ذلك لمن شاء وأحبّ، والمأمول أن لا ينساني من صالح الدعوات في مظانّ الإنابة. حرّره الفقير إلى الله تعالى محمّد المشتهر ببهاء الدين العامليّ، في قم المحروسة، سنة ألف وستّ، حامداً مصلّياً مسلّماً. وقد قرأ عليّ الأخ الأعزّ الفاضل المُشارُ إليه هذه الكتاب مرّةً ثانيةً، وكان الفراغ من قراءته في العُشر الثالث من الشهر الثاني، من السنة السادسة عشر بعد الألف. محمّد المشتهر ببهاء الدين العاملي، حامداً مصلّياً. وعلى النسخة بلاغات قراءة بخطّ البهائي، وحواش له على الخلاصة، ومعها (الرسالة الكرّية) للبهائي، بتاريخ 18 رجب سنة1006. أقول: الظاهر أنّ (محمّد رضا المشهدي) هو والد الميرزا محمّد المشهدي الذي نُترجم له، وذلك: 1 ـ لأنّ الطبقة تُعيّن ذلك، فلم نَعِرفْ في هذه الفترة شخصاً آخر بهذا الاسم، واللقب. 2 ـ إرتباط الأب والابن بالشيخ البهائي، كما يظهر من مقدّمة كتاب كنز الدقائق للابن. ومهما يكن، فإنّ ما ذكرنا في ترجمة الأب، يظهر منه: 1 ـ أنّ الوالد كان من أصحاب البهائي، وملازميه، وأنّ تلقيبه بالمشهدي
ص14 يقتضي سُكناه في مشهد الرضا (عليه السلام). 2 ـ أنّ الوالد كان (خادماً) وهذا يعني ـ على الأقرب ـ قيامه بخدمة الروضة الرضوية المقدسة، وأنّه كان يشتغل بذلك إلى جانب ما كان عليه من العلم والفضل. وسيأتي في ذكر أولاده أنّ منهم من كانت له مثل هذه الخدمة في تلك السُدّة الشريفة، ولعلّ التتبّع في أضابير إدارة الروضة الرضويّة، الجامعة لقوائم أسماء الذين خدموا هناك، يفيد بعض المعلومات حول هذه العائلة العلميّة، لكنّا فعلا بعيدون عن تناول ذلك، ونسأل الله التوفيق له. 3 ـ أنّه كان ذا مرتبة علميّة عالية، حيث يُعبّر عنه البهائي بـ«الأخ الأعزّ، الفاضل، التقي، الذكي، الزكي، تاج الأتقياء، وخلاصة الفضلاء، مولانا ...». بل إنّ تصدّيه لقراءة كتاب «الخلاصة» للعلاّمة، على الشيخ البهائي، مرّتين، وإجازة البهائي له بذلك وبسائر كتب الرجال، لَهُوَ دليل واضح على بالغ اهتمامه بالعلم، وخاصةً علم الرجال. ومن هنا يمكن القول بأنّ صاحب رياض العلماء، وكذلك شيخنا العلاّمة الطهراني لم يطلعنا على مثل هذه الإجازة، وإلاّ لذكراها في ترجمة الرجل، ولم يكتف شيخنا الطهراني في «مصفّى المقال» بذكر استنساخه لكتاب فهرست منتجب الدين، كما عرفت. على أنّ جميع ذلك لا يستدعي أن يُدْرَجَ اسم الرجل في (مصنّفي علم الرجال) حيث لم يُذكر له تأليف رجالي. إلاّ أنّ نقل صاحب الرياض عن المولى محمّد رضا المشهدي بعض المعلومات الرجاليّة، لابدّ أن يكون من كتاب قد ألّفه، وإن كان يحتمل نقلها عن خطّ البهائي، فلاحظ.
ص15 3 ـ أولاد المترجم له: تدلّ وثيقة الوقف التي كتبتها ابنةُ المترجَم له على جزء من تفسيره(24) على أنّ له «أولاداً» حيث جعلت تولية الوقف للأرشد والأصلح والأعلم من أولاده، كما تدلّ نفس الوثيقة على أنّهم كانوا مشتغلين بالعلم حيث فُرض فيهم «الأعلم» من الآخرين. وقد وقفنا على مَن يلي أسماؤهم من أولاده: 1 ـ إسماعيل: وقد ألّف المترجَم باسمه (شرح المنظومة الصرفيّة) المسمّى بالفوائد الشارحة، لمّا قرأ إسماعيل على أبيه تلك المنظومة، وذلك في سنة1090هـ في مشهد، كما سيأتي عند ذكر مؤلّفاته. ولم نعرف عن إسماعيل هذا شيئاً، ولم يذكره شيخنا الطهراني في الكواكب المنتثرة، فهو ممّا يُستدرك عليه. 2 ـ محمّد رضا: في مكتبة ملك بطهران نسخة مرقّمة792 تحتوي على رسالة باسم (ترجمة حديث الغمامة والوسادة) بالفارسية جاء في أوّلها ما ترجمته: هذه (رسالة مشتملة على حديثين يدلاّن على فضل السيّد إسماعيل الحميري، وشرح قصيدته، ومترجمها بشكل مختصر خادم مُحبّي علي بن أبي طالب (عليه السلام): محمّد رضا بن ميرزا الهامش (24) «التبيان السليماني» للمؤلّف، محفوظ في المكتبة الرضوية في مشهد، برقم9439.
ص16 محمّد بن محمّد رضا بن إسماعيل القمّي أصلا، أصلا، المشهدي مولداً ومسكناً. وتاريخها جمادى الآخرة سنة1123(25). وقد عنون شيخنا في الطبقات: للمولى محمّد رضا المشهدي، المدرّس في المشهد الرضوي في1135هـ ، وقال: ينقل عنه السيّد شمس الدين محمّد الرضوي في كتاب «وسيلة الرضوان» جملة من الكرامات، ووصفه بقوله «فضائل مآب العلائي» ويظهر منه أنّه كانت له خدمةٌ في الآستانة ]السُدّة الرضوية المقدّسة[ وأنّه كان نائب سَرْكشِيك ]نائب رئيس المُلاحظين[ أيضاً(26). 3 ـ الميرزا محمّد إبراهيم: ترجم شيخنا في الطبقات للميرزا محمّد إبراهيم بن الميرزا محمّد المشهدي الذي تملّك نسخةً من (الرجال الكبير) للميرزا الأسترابادي في سنة (1138) وقابلها وصحّها في تلك السنة، وهي سنة الطاعون في المدرسة السعدية في التربة الحيدريّة(27). أقول: والطبقة تُساعد على كونه ابن المؤلّف المترجم له. وقد وجدت في نسخة من كنز الدقائق برقم (1054) في مكتبة السيّد المرعشي على هامش (ص4) تعليقة منقولة من رجال الأسترابادي بعنوان «منه مُدّ ظلّه العالي». 4 ـ ابنته: وقد أوقفت ابنتُه جزءً من كتاب التفسير الفارسي المسمّى بالتبيان السليماني الهامش (25) فهرست مكتبة ملك ـ طهران 5/77 ـ 178. (26) الكواكب المنتثرة: 86. (27) الكواكب المنتثرة: 8.
ص17 ، لأبيها، على المستوطنين في المشهد الرضوي المقدّس، جاء ذلك على ظهر نُسخة كتبت سنة (1111) موقوفة في المكتبة الرضوية، برقم9439. 5 ـ أخوه: عنون شيخنا في الطبقات للمولى محمّد صالح بن المولى محمّد رضا المشهدي، وقال: رأيت بخطّه (قواعد العلاّمة) عند السيّد محمّد مهدي الصدر. ورأيت بخطّه مجموعةً من رسائل الآقا رضي القزويني صاحب «لسان الخواصّ» قد كتبها في سنة1100، عند الحاج السيّد نصر الله الأخوي، بطهران(28). ورأيت بعض تملّكاته بخطّه الجيّد، منها تملّك «شرح حكمة العين» بتاريخ جمادى الآخرة سنة1128(29). 6 ـ أوصافه: 1 ـ المشهدي: وصف وصف نفسه بالمشهدي في مقدّمة تفسيره، فقال: ... ميرزا محمّد المشهدي ابن محمّد رضا بن إسماعيل بن جمال الدين القمّي(30). وقد عرفت أنّ والده كان يُدْعى بالمشهدي أيضاً، كما أنّ ابنه (محمّد رضا) وصف نفسه بالمشهدي مولداً ومسكناً. وكلّ ذلك يدلّ على أنّ لهذه العائلة توطّناً في مشهد، والنسبة إلى هذه المدينة جاءتهم من السكنى بها. الهامش (28) الكواكب المنتثرة: 115. (29) الكواكب المنتثرة: 86. (30) كنز الدقائق.
ص18 كما أنّ جُلّ نشاطه العلميّ المتوفّر، قد نَجَزَ في مشهد، كما سنذكره عند سرد مؤلّفاته. ولذلك عَبَّرَ هو عن نفسه بالمشهدي مولداً ومسكناً(31). 2 ـ القمي: ذكر نفسه في هذا الكتاب ـ إنجاح المطالب ـ بدايةً ونهايةً، وكذلك في كاشف الغُمّة باسم: محمّد بن رضا القمي، وذكر نفسه في مواضع اُخر من كتبه باسم: محمّد ابن محمّد رضا بن إسماعيل بن جمال الدين القُمّي. وبما أنّه هو وأباه كانا يوصفان بالمشهدي، فإنّ وصف (القمي) لابدّ أن تكون لآبائه. وقد جاء التصريح في كلامه هو، وكلام إبنه محمّد رضا، بقولهما: «القمّي أصلا». ولعلّ والده «المولى محمّد رضا» هو الذي انتقل من قم إلى مشهد، فتلقّب بالمشهدي إضافة إلى القمي. ومن هنا فإنّ من المطمأنّ به كون ولادة المترجم له في مدينة مشهد، كما صرّح به هو في كتابه «سته ضروريه» بأنّه «المشهدي مولداً ومسكناً». فلا وجه لحصر وصفه في القمي(32). والسيّد الأمين عنونه بالقمّي، لكنّه عاد وعنونه بالقمي الأصل، المشهدي المولد والمسكن(33). الهامش (31) ستّه ضروريه ـ نسخة آستان قدس، رقم143. (32) لاحظ: هدية العارفين2/، وإيضاح المكنون 2/385. (33) أعيان الشيعة 45/328 رقم2392.
ص19 3 ـ الخيّاط: وصفته ابنته في وثيقة الوقف المسجّلة على جزء من تفسيره الفارسي المسمّى بالتبيان السليماني، فقالت: المرحوم مولانا ميرزا محمّد الشهير بخيّاط مؤلّف هذا الكتاب(34). 4 ـ الميرزا: تكرّر وصفه بذلك، فوصف هو نفسه به في كتبه، ووصفه الآخرون عند ترجمته، وحتّى المجلسي والخونساري في تقريظ كتابه. والكلمة فارسية تعني ـ تارةً ـ الكاتب لشخص آخر، ويُطلق ـ اُخرى ـ على المساعد في العمل، وأكثر ما يُراد به الهاشمي من ناحية اُمّه، أي من اُمٍّ عَلَوِيّة، وتُرادفُها كلمة «الشريف» في مصطلح بعض المؤلّفين في اللغة العربية. ولم نعرف وجه توصيفه بذلك. 5 ـ السَنابادي: قال شيخنا في الطبقات وصفَه بذلك الشيخ لُطف الله، الذي صحّح المترجم له نسخة (شرح شواهد ابن الناظم) وقابلها بنسخة خطّ المؤلّف وكتب في آخرها أنّه فرغ من التصحيح في (15 شهر رمضان 1087) ووهب النسخة للشيخ لطف الله، فكتب هذا في آخره بخطّه الثلث الجيّد ما صوّرته: هو حسبي وكفى، هذا ممّا وهبه لي المولى، الفاضل، الكامل، العلاّمة، الفهّامة، الموّيّد، المسدّد، مولانا محمّد، المشهدي، السنابادي دام عزّه وبقاؤه، وأنا داعيه ... لطف الله. الهامش (34) من النسخة المحفوظة بالمكتبة الرضوية في مشهد، رقم9439.
ص20 والنسخة عند السيّد محمّد الجزائري(35). 6 ـ سَمِيُّهُ: وللمترجم سميٌّ يُعبّر عنه بمير(36) محمّد المشهدي، وهو سيّد علوي وهو: معزّ الدين الأمير محمّد بن أبي الحسن الموسوي المشهدي، ذكر في بعض كتبه أنّه عرض عليه الحُمّى في سنة1043. وهو في سنّ الثمانين(37). فيكون متقدّماً على المؤلّف المترجم له. ولهذا السيّد مؤلّفات عديدة، كتالي: 1 ـ النجاة في يوم العرصات، في اُصول الدين. 2 ـ أنيس الصالحين، في الأعمال والأوراد. 3 ـ ثمرة العقبى. 4 ـ ذخيرة يوم الجزاء. 5 ـ عيون اللالئ. 6 ـ التقية، في المنطق، ألّفها باسم ولده تقيّ الدين سنة1001. 7 ـ واجبات عَلِيّة، بالفارسية، ألّفها سنة1004. 8 ـ الشمسية، في النحو، باسم ولده شمس الدين. 9 ـ الصدرية، في النحو، باسم ولده صدر الدين. الهامش (35) الكواكب المنتثرة: 194 و208. وسناباد: من قرى نَوْقان طُوس فيها قبر الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) معجم البلدان 3/259 وهي اليوم مركز مدينة مشهد المقدّسة. (36) يلاحظ الفرق بين (ميرزا) و (مير) فإنّ الثاني مخفّف عن (الأمير) وهو يوصف به بعض السادة العلويّين، بينما (ميرزا) يوصف به مَن كانت اُمّه علويّة النسب، فلاحظ. (37) الذريعة 24/60.
ص21 7 ـ عصره: ينحصر تُراث المترجَم له، المتوفّر، في ما ألّفه في الفترة بين 1074 ـ 1107. ففي سنة1074 ألّف هذا الكتاب الذي نقدّم له. وفي سنة1107 قرّظ الخونساري كتابه التفسير. وخلال هذه الفترة ألّف ما بأيدينا من مؤلّفاته ورسائله فبعد1074 حيث ألّف إنجاح المطالب في 29 شهر رمضان في مشهد. في 1075 ألّف كتاب «كاشف الغمّة» في 26 ربيع الأوّل. وفي 1085 ألّف رسالة الوجود، وتفسيره الفارسي المسمّى بالتبيان السليماني. وفي 1087 صحّح شرح شواهد ابن الناظم في 15 شهر رمضان وألّف شرح الزيارة الرجبيّة. وفي سنة 1090 ألّف الفوائد الشارحة لمشكلات المنظومة الصرفية الموسومة بالترصيف في مشهد، وشرح الصحيفة السجّادية في شهر شوّال. في سنة1094 فرغ من تأليف الجزء الأوّل من تفسيره. في سنة1097 يوم الغدير، فرغ من الجزء الثالث منه في مشهد. في سنة1103 فرغ من الجزء الرابع منه. كما قرّظه المجلسي في (1102). وفي سنة (1107) قرّظ المحقّق الخونساري كتابه التفسير. 8 ـ ولادته، ووفاته؟. ومن المؤسف أنّا لم نَعْثر على مجريات حياته فيما قبل هذه الفترة ولا بعدها. إلاّ أنّ من المعقول أن يُفرض أنّه كان في 1074 على مبلغ فائق من العلم،
ص22 حيث أقدم على شرح هذه المنظومة بهذا الشكل الجيّد، المُنْبىء عن مقدرة أدبية كبيرة، واستيعاب لفنون العلم وخباياه، ممّا لم يتسنّ لصغير في العمر. ولو فرضنا أنّ ابنه إسماعيل الذي دَرَسَ عنده المنظومة الصرفية في سنة1090 كان عمره 15 سنة على الأقلّ، فيكون من مواليد1075. ولو كان أبوه المؤلّف ابن 25 سنة عند ولادته لكانت ولادة الأب في 1050 على أكثر تقدير. وأمّا وفاته: فهي تتأخّر عن سنة1107 حتماً، حيث كتب المحقّق الخونساري تقريظ كتابه. وقد ذكر بعضهم أنّه فُقِدَ في فتنة الأفغان سنة1135 على مدينة إصفهان، عاصمة السلطان حسين الصفوي الحسيني، ودفن بها(38). وقد ذكر الخراساني في مَن دُفِن باصفهان من علماء مشهد خراسان، ما نصّه: الثالث والعشرون: محمّد بن محمّد رضا القمّي، صاحب تفسير كنز الدقائق في أربع مجلّدات(39). أقول: يبدو أنّ المؤلّف قد هاجر إلى إصفهان بعد إنجاز تأليفه لِقسم كبير من كتابه (كنز الدقائق) وحمل كتابه هذا معه، وعرضه على علماء وقته، وفي مقدّمتهم المجلسي فقرّظه سنة1102 والخونساري فقرّظه سنة1107، وبقي تلك الفترة في أصفهان، ولا يبعد أن يكون قد اتّصل خلالها بالسلطان سليمان (ت1105) وبعده بالسلطان حسين (1106 ـ 1135). ويشهدُ لذلك أنّه أهدى بعض مؤلّفاته إليهما، كما سيأتي. الهامش (38) فهرست مكتبة المشكاة 1/183 نقلا عن منتخب التواريخ. (39) منتخب التواريخ: 679.
ص23 وإذا لم يدلّ دليل على وفاته قبل 1135، فلا يبعدُ أن يكون قد بقي إلى هذه السنة التي اغتاله الهجوم الوحشي الذي شنّه أعداء الحقّ (الأفغان) على عاصمة التشيّع آنذاك، مدينة اصفهان، عاصمة الصفويّين. فليس مستبعداً أنّه قُتِلَ باعتباره واحداً من كبار العلماء المرتبطين بالبلاط، فانمحى أثره، مثل الكثير من رجال ذلك العصر في تلك البلدة. 9 ـ أساتذته ومعاصروه: وأمّا أساتذته فلم نعرف عنهم في بداية عمره وتحصيله شيئاً مطلقاً. وقد ذكر سيّد الروضات في ترجمته: أنّه من علماء زمن العلاّمتين السبزواري (ت1090) والمجلسي (ت1110) ومولانا الفيض الكاشاني (ت1091)(40). ولم يستبعد كونه من جملة تلاميذ الفيض، والآخذين منه، وإن لم يجد ذكره في شيء من الكتب والإجازات(41). أقول: ليس من المستبعد أن يكون قد أخذ من السبزواري حيث كان يسكن في مشهد، إلاّ أنّا لم نجد نصّاً بذلك. وأمّا المجلسي فكذلك، لا يبعد أن يكون قد حضر عنده بفرض وفوده إلى أصفهان، واتّصاله به، لأنّه عرض عليه كتابه فقرّظه في سنة1102، فإنّ ما احتواه التقريظ من عبارات المدح والثناء، يدلّ على اتّصال المؤلّف به لمدّة كثيرة، فإنّ المجلسي لا يكيلُ مثل ذلك جُزافاً، فلا يكتبه إلاّ بعد الاختبار والبحث. فلابدّ من فرض حضور المؤلّف لدى المجلسي منذ1102 وحتّى 1107، أو الهامش (40) روضات الجنّات 7/110. (41) روضات الجنّات 7/111.
ص24 إلى وفاة المجلسي في 1110؟!. فليس بعيداً عن الصواب ما ذكره الأمين(42) من تلمُّذه على المجلسي، وكذلك ما صنعه الطهراني(43) والقمي(44) من عَدِّهِ في تلامذته. وقد يُقال مثل ذلك بالنسبة إلى المحقّق الخونساري (ت1125) الذي قرّظ كتابه في 1107 وكالَ له عبارات المدح والثناء. ثمّ إنّ شيخنا الطهراني ذكر أنّ المترجم له «مُجازٌ» من المجلسي(45) وكذلك ذكر القمّي(46). وصرّح النوري بأنّه رأى الإجازة على ظهر تفسيره المسمّى بـ«كنز الدقائق» إلى جنب تقريظ المجلسي له(47). وقال الطهراني بأنّ الإجازة مذكورة على ظهر التفسير أيضاً وأنّها مؤرّخة بسنة1102(48). لكنّ المذكور في ظهر التفسير ليس إلاّ التقريظ المؤرّخ بذلك التأريخ، وليس فيه أي ذكر عن الإجازة بالرواية، وسنقف على نصّه الكامل. فهل كانت ـ إلى جنب كلمة التقريظ في النسخة التي رآها النوري ـ إجازة من المجلسي للمؤلّف لم نجدها في النسخ المتوفّرة؟. إنّ ذلك محتملٌ؟ فإنّ من البعيد أن لا يميّز النوري ـ وكذا الطهراني بين الهامش (42) أعيان الشيعة وانظر: البحار 1/28. (43) الذريعة 18/152. (44) الفوائد الرضوية: 618. (45) الذريعة 23/136. (46) الفوائد الرضوية: 618. (47) الفيض القدسي، مع البحار. (48) الذريعة 23/137.
ص25 التقريظ المجرّد، وبين الإجازة؟؟. وأمّا تلمّذه عند الفيض، فقد وجدنا بعد احتمال سيّد الروضات له قول الخراساني بذلك في ذكر علماء خراسان من العرفاء والصوفية ما نصّه: العاشر: جناب الشيخ ميرزا محمّد المشهدي الطوسي، صاحب تفسير كنز الحقائق، وبحر الدقائق ]![ ابن مولانا إسماعيل، كان من تلامذة المرحوم الفيض، ولم نعلم عن تاريخ ولادته ووفاته ومحلّ دفنه شيئاً(49). والظاهر أنّ الخراساني اختلط عليه اسم والد المؤلّف باسم جدّه كما اختلط عليه اسم كتابه، وسيأتي بيان ذلك. وكذلك فرضه شخصاً آخر غير مَن ذكر وفاته في اصفهان في فتنة الأفاغنة، وقال: إنّه مدفون بها(50) وقد نقلناه سابقاً. 10 ـ كلمات العلماء في الثناء عليه: يبدو أنّ المترجَم له قد احتلّ موقعاً رفيعاً عند مترجميه والمتعرّضين لذكره من معاصريه أو المتأخرّين عنه، وقد انعكسَ ذلك على كتب التراجم والفهرسة. وقد مقدّمة الكلمات ما كتبه العلاّمتان: المحدّث المجلسي، والمحقّق الخونساري في تقريظيهما لكتابه التفسير، وإليك نصّهما: الهامش (49) منتخب التواريخ: 641. (50) منتخب التواريخ: 679.
ص26 1 ـ تقريظ المجلسي: بسم الله الرحمن الرحيم لله دَرُّ المولى، الأولى، الفاضل، الكامل، المحقّق، المدقّق، البَدَل النحرير، كشّاف دقائق المعاني بفكره الثاقب، ومخرج جواهر الحقائق برأيه الصائب، أعني الخبير، الأسعد، الأرشد، مولانا ميرزا محمّد، مؤلّف هذا التفسير، لا زال مؤيّداً بتأييدات القدير، فلقد أحسن وأتقن وأفاد وأجاد، فسّر الآيات البيّنات بالآثار المرويّة عن الأئمة الأطياب، فامتاز من القشر اللُباب، وجمع بين السنّة والكتاب، وبذل جُهده في استخراج ما تعلّق بذلك من الأخبار، وضمّ إليها لطائف المعاني والأسرار، جزاه الله عن الإيمان وأهله خير جزاء المحسنين، وحشره مع الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجميعن. وكتب بيمناه الوازرة الدائرة أفقر العباد إلى عفوّ ربّه الغنيّ محمّد باقر بن محمّد تقي اُوتيا كتابيهما بيمينيهما وحُوسِبا حِساباً يسيراً، في يوم عيد الغدير المبارك سنة1102. والحمد لله أوّلا وآخراً، والصلاة على سيّد المرسلين محمّد وعترته والأكرمين الأطهرين(51). الهامش (51) جاءت صورة هذا التقريظ على بعض نسخ التفسير منها نسخة محفوظة بمكتبة المرعشي، برقم1054، واُخرى في دانشگاه طهران، وأثبتها سيّد الأعيان 45/329.
ص27 2 ـ تقريظ المحقّق الخونساريّ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب وجعله آية لمن اُوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب، والصلاة والسلام على نبيّه الاُمّي الذي أرسله بشواهد بيّناته، وبعثه في الاُميّين رسولا منهم يتلو عليهم آياته، وعلى آله الأئمّة الذين هم الراسخون في علم القرآن تفسيراً وتأويلا، ومرتّلوه حقّ الترتيل، والمفضّلون فيه على كثير ممّن خَلَقَ تفضيلا. أمّا بعد، فقد أيّد الله تعالى بفضله الكامل جناب المولى، العالم، العارف، الألمعي، الفاضل، مجمع فضائل الشِيَم، جامع جوامع العلوم والحِكَم، عالم معالم التنزيل وأنواره، عارف معارف التأويل وأسراره، حلاّل كلّ شبهة عارضة، كشّاف كلّ مسألة دقيقة غامضة، الذي أحرق بشواظ طبعه الوقّاد شوكَ الشكوك والشبهات، ونقد بلحاظ ذهنه النقّاد نقودَ الأحكام الشرعية المُستفادة من الآيات والروايات، أعني المكرّم بكرامة الله الأحد الصمد، مولانا ميرزا محمّد، أعانه الله في كلّ باب، وأثابه جزيل الثواب، إذ وفّقه لتأليف هذا الكتاب الكريم في تفسير القرآن وجمعه من التفاسير المعتبرة وسائر كُتب الأخبار المشتهرة، فهو كاسمه «كنز الدقائق وبحر الغرائب» الذي يُصاد بغوص النظر فيه أصداف درر الحقائق فنفَع الله به الطالبين، وجعله ذُخراً لمؤلّفه الفاضل يوم الدين. وأنا العبيد المفتقر إلى عفو ربّه الباري، جمال الدين محمّد بن حسين الخونساري، أعانهما الله يوم الحساب، واُوتيا فيه بيمينهما الكتاب.
ص28 وقد كتب ذلك في شهر محرّم الحرام من شهور سنة سبع ومائة بعد الألف(52). وإليك نماذج من كلمات المترجمين في حقّه: قال الحرّ العاملي: مولانا الميرزا محمّد، فاضل، معاصر(53). وقال سيّد الروضات: الفاضل، المحدّث المتبحّر، الثقة، الجليل، الإمامي، المولى «ميرزا محمّد»(54). وقال ـ أيضاً ـ: كان فاضلا، عالماً، عاملا، جامعاً، أديباً، محدّثاً، فقيهاً، مفسّراً، نبيهاً، موثّقاً، وجيهاً(55). وقال النوري: العالم، الجليل، والمفسّر، النبيل، المتبحّر، الفاضل، اللوذعي(56). وقال: رأيت على ظهر تفسيره مدحاً عظيماً وثناءً بليغاً من العلاّمة المجلسي عليه وعلى تفسيره(57). وقال المدرّس: عالم عامل، جامع، أديب، فاضل، بارع، فقيه، مفسّر، محدّث موثّق، من أعاظم علماء عصر المجلسي والمحقّق السبزواري والفيض الكاشاني(58). الهامش (52) جاء هذا التقريظ على بعض نسخ التفسير، ونقله في الأعيان 45/328. (53) أمل الآمل 2/272. (54) روضات الجنّات (4/214. (55) روضات الجنّات 7/110. (56) الفيض القدسي، مع البحار 105/100. (57) أيضاً: بتصرّف. (58) ريحانة الأدب 5/.
ص29 11 ـ مؤلّفاته: أسهم المؤلّف في دَعم التُراث بإنجاز مؤلّفات كثيرة، في الفنون التي شارك فيها، فجمع بذلك بين العلم والعمل، وإليك قائمة بأسماء مؤلّفاته، مع ما وقفنا عليه من خصوصياتها، مرتّبةً حسب سنوات تأليفها: 1 ـ إنجاح المطالب في الفوز بالمآرب، ألّفه سنة1074: هو شرح المنظومة المَحْبِيّة، التي نظمها محمّد بن محمّد بن محمود، أبو الوليد، محبّ الدين، الشهير بابن الشُحنة الحنفي (ت815). وهي اُرجوزة لطيفة في مائة بيت تحتوي على علوم البلاغة (المعاني، والبيان، والبديع)(59). وقد ذكره شيخنا الطهراني في الذريعة بعنوان أنّه: شرح منه لاُرجوزته(60) المئويّة في المعاني والبيان، فرغ من شرحها يوم السبت التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة 1074(61). الهامش (59) وهذه المنظومة قد حقّقتها وطبعتُها في مجلّة «تُراثنا» العامرة السنة الاُولى1406، العدد الرابع، ص209 ـ 217، باسم «الاُرجوزة اللطيفة» منسوبة إلى الميرزا محمّد المشهدي، استناداً إلى ما ذكره شيخ الذريعة في حرف الألف 2/496 برقم2444، وحرف الميم 23/137 رقم8378. وقد استدركنا في العدد (9) من «تُراثنا» ص20 ـ 21، وصحّحنا ذلك الخطأ، وأشرنا إلى نسخ المنظومة مطبوعها ومخطوطها، وأنّ الميرزا محمّد المشهدي شرح هذه المنظومة بكتابه «إنجاح المطالب» هذا الذي نتحدّث عنه، وللمنظومة شروح اُخرى ذكرناها في العدد (9) المذكور في مقال «تحقيق النصوص بين صعوبة المهمّة وخطورة الهفوات». (60) قد عرفت في التعليقة السابقة أنّ الارجوزة ليست له، وإنّما هي لابن الشحنة الحنفي، المتوفّى سنة815هـ ، فلاحظ. (61) الذريعة 2/364 و23/137.
ص30 وقد أكّد على أنّ ذلك هو الصحيح في اسمه، وأنّ تسميته بنجاح المطالب، كما فعله الحرّ(62) وسيّد الروضات(63) والقمّي(64) تصحيف منهم. وما ذكره شيخنا هو الصواب، وهو الموجود في النسخ التي وقفنا عليها من الكتاب، وهي: 1 ـ نسخة مكتبة السيّد آية الله المرعشي، برقم1587. وهي نسخة كاملة مكتوبة بخطّ النسخ الجيّد إلاّ أنّ عناوين الأبواب والفصول غير مكتوبة فيها. جاء في آخرها: «قد فرغ من تسويده ـ بتأييد الله وحُسن توفيقه ـ في عصر يوم السبت ثامن الشهر الثالث من السنة الرابعة من العُشر الثالث من المائة الثانية بعد الألف، المطابقة للعشرين من الحمل ـ ابن عنايت الله، محمّد صادق بيرجندي اللهمّ اغفر لهما». فتاريخ كتابتها هو: الثامن من ربيع الأوّل سنة1124. 2 ـ نسخة موقوفة بمكتبة الإمام الرضا (عليه السلام)، برقم3985. وهي أيضاً كاملة، لكنّ خطّها ليس بالجيّد، جاء في آخرها: «تم اين نسخة في يوم الخميس، ثالث شهر ذي القعدة الحرام، اللهمّ اغفر لكاتبه ولوالديه». وكما يُلاحظ فانّ الكاتب لم يذكر سنة التحرير. وقد أوقفها مالكها محمّد رضا بُخُورسوز سنة1137، وهي النسخة التي ذكر الهامش (62) أمل الآمل 2/272. (63) روضات الجنّات 7/111. (64) الفوائد الرضوية: 534.
ص31 صاحب الذريعة أنّه رآها(65). 3 ـ نسخة اُخرى بمكتبة الإمام الرضا (عليه السلام)، برقم4035، وهي مكتوبة بالخطّ الفارسي الدقيق، وهي ناقصة في الأصل، لكنّ مالكها عماد المحقّقين ـ مفهرس المكتبة الرضوية المباركة ـ أكمل نقصَها ـ بدايةً ونهايةً ـ بخطّه، من نسخة اُخرى، وكتب في آخرها قوله: «تمّ ما سَقَطَ من قلم كاتب النسخة، على يد الحقير الخاطيء الحاج ميرزا مهدي عماد المحقّقين، محقّق كتابخانه مباركه رضوية (عليه السلام) صبيحة يوم الثلاثاء الثاني عشر من شهر شوّال المكرّم سنة1346 من الهجرة، في خزانة المكتبة المباركة، ولله الحمد والمنّة. وهذه هي النسخة الاُخرى التي رآها صاحب الذريعة في الخزانة الرضوية(66). و (إنجاح المطالب) هو هذا الكتاب الذي نقدّم له، وقد حقّقناه اعتماداً على النسخ المذكورة، مضافاً إلى هذه المقدّمة والتخريجات والفهارس والحمد لله على توفيقه 2 ـ كاشف الغمّة في تاريخ الأئمّة (عليهم السلام): مختصر يحتوي على تواريخ المعصومين (عليهم السلام) مرتّباً على مقدمة وأربعة عشر مقالة، فرغَ المصنّف منها في مشهد، ليلة السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة1075. منه نسخة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي ـ في طهران برقم2000(67). ولم يذكره شيخنا في الذريعة، فهو ممّا يُستدرك عليها، وقد أعدّه الأخ الحاج الشيخ أحمد المحمودي دام علاه للنشر. الهامش (65) الذريعة 2/364. (66) الذريعة 2/364. (67) فهرست مكتبة المجلس المذكور ج9 ق2 ص704.
ص32 3 ـ تبيان سليماني ـ بالفارسية ـ: وهو تفسير للقرآن الكريم بما ورد من السنّة المطهّرة، وقد ذكر في مقدّمته ما ترجمته: أمّا بعد فإنّ الفقير الحقير، كثير التقصير أحقر عباد الله القدير ميرزا محمّد ابن رضا القمّي، أحسن الله أحوالهما لمّا كان عازماً ـ منذ مُدّة ـ أن يؤلّف تفسيراً باللغة الفارسيّة على طبق الأحاديث المرويّة عن الأئمّة (عليهم السلام) بطرقِ عُلماء الشيعة رضوان الله عليهم، فيضعه في سمط التحرير، وينظّمه في سلك التقرير، ولكنّه كان يتقاعَسُ عن ذلك لقصور بضاعته، وقصر يد فطنته، عن إنفاذ هذا العزم العظيم، وعن الفوز بهذه المرتبة الجسيمة. ... من عهد حكومة الملك سليمان الحسيني الموسوي الحيدري الصفوي بهادر خان خلّد الله ملكه وسلطانه ... وسمّى هذا الكتاب «تبيان سليماني» والله الموفّق والمعين. وقال في آخر هذا الجزء: تمّ الجزء الأوّل من التفسير الموسوم بالتبيان السليماني على يد مؤلّفه الفقير ميرزا محمّد بن رضا المشهدي في منتصف رجب المرجّب سنة1085. ويوجد منه جزءان في المكتبة الرضوية في مشهد: 1 ـ برقم9438 من ابتداء القرآن إلى نهاية سورة المائدة، وتاريخ كتابته1085، وهي نسخة المؤلّف. 2 ـ برقم9439 من الآية (95) من سورة التوبة، إلى الآية (44) من سورة العنكبوت، وتاريخ كتابتها سنة1111، وهي النسخة التي أوقفتها إبنة المؤلّف على المستوطنين في مشهد، وقد نقلنا سابقاً نصّ وقفيّتها. وقد ذكر المترجم في تفسير كنز الدقائق، في الآية71 من سورة البقرة اسم
ص33 تفسيره هذا وقال: في حديث طويل، وقد ذكرته بتمامه في تفسيرنا الموسوم بالتبيان، وعلى الله التكلان(68). ولم يذكر شيخنا في الذريعة هذا الكتاب، فهو ممّا يُستدرك عليها، وكذلك لم يذكره أحدٌ ممّن ترجم له إلاّ ما جاء في فهرس المكتبة الرضوية عند التعريف بالنُسخة. 4 ـ رسالة في الوجود ـ بالفارسيّة ـ ألّفها سنة1085 ظاهراً: قال الطهراني: ردّ فيها على المولى رجب علي (ت1065 ـ أو ـ 1080) في رسالته المشهورة في «الاشتراك اللفظيّ والمعنويّ في كلمة: الوجود». وذكر أنّ نسخة هذه الرسالة موجودة في نهاية نسخة من الكافي للكليني مؤرخة بسنة1085 عند السيّد محمّد علي الطباطبائي (الشهيد القاضي، إمام جمعة تبريز)(69). 5 ـ شرح الزيارة الرجبيّة ـ بالفارسية ـ ألّفه سنة1087: قال شيخنا الطهراني: فارسي ... ذكر أوّلا سندها إلى الشيخ الحسين بن روح النوبختي. وطريقته أن يذكر أوّلا الإعراب، ثمّ اللغة، ثمّ الترجمة، والمعنى. ألّفه في المشهد الرضوي سنة1087هـ . نسخة منه عند الشيخ نصر الله الشبستري، في تبريز تاريخ كتابتها سنة1097هـ(70). وقال شيخنا الطهراني في الطبقات: وله شرح الزيارة الجامعة الرجبيّة لسيّد الهامش (68) كنز الدقائق ـ طبعة المدرّسين ـ 1/276. (69) الذريعة 21/174 مع الرقم4484 وانظر 25/40. (70) الذريعة 13/145.
ص34 الشهداء (عليه السلام)، في كتب المولى محمّد علي الخونساري(71). 6 ـ شرح الصحيفة السجّادية ـ ألّفه سنة1090: قال شيخنا الطهراني: شرح الصحيفة، للميرزا محمّد بن محمّد رضا المشهدي، مؤلّف كنز الدقائق في تفسير القرآن، أوّله: الحمد لله الذي كتب في صحيفة بصائرنا محبّة أوليائه ... إلى آخره. شرع فيه أوّل شهر رمضان سنة1090، وفرغ منه في ثامن شوّال، كما جاء في آخرها. نسخة منه في مكتبة السيّد محمّد المحيط في طهران(72). ونسخة في مكتبة السيّد عيسى العطّار، في بغداد، وهي ناقصة وصل فيها إلى آخر دعائه (عليه السلام) إذا سأل العافية وشكرها(73). أقول: ونسخة منه في مكتبة السيّد محمّد المشكاة بطهران، برقم103(74). وذكر السيّد المرعشي أنّ عنده نسخة من الكتاب(75). وذكر شيخنا الطهراني: لعلّها بخطّ المؤلّف(76). وقد ذكرت له نسخ اُخرى في المكتبات التالية: 1 ـ في المكتبة الرضوية بالمشهد المقدّس، برقم1020. 2 ـ مكتبة السيّد المرعشي، برقم2522. الهامش (71) الكواكب المنتثرة: 208. (72) الكواكب المنتثرة: 208. (73) الذريعة 13/356. (74) فهرست كتابخانه إهدائي مشكاة 1/146. (75) الصحيفة السجّادية، المقدّمة طبعة الآخوندي1361هـ . (76) الذريعة 13/356.
ص35 3 ـ المكتبة المركزية لجامعة طهران، برقم37. 4 ـ مكتبة مجلس الشورى الإسلامي بطهران، برقم4744. قال المؤلّف في مقدّمتها: أمّا بعد، فيقول الفقير إلى الله الغنيّ ميرزا محمّد بن محمّد رضا المشهدي: هذه فوائد اتّفقت منّي على الصحيفة السجّادية، المُلَقّبة بزبور أهل البيت وإنجيل آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، كتبتها تذكرةً للخُلاّن والإخوان، وتبصرةً لذوي الأفهام. وفي نهايتها: قد وقع الفراغُ من تسويد هذه الأوراق يوم الجمعة ثامن شوّال، بعد الشروع فيه في أوّل رمضان المبارك، بعد مُضيّ ألف وتسعين سنة من الهجرة النبويّة، في مشهد ثامن الأئمّة على مُشرّفها ألفُ ألفِ سلام وتحيّة، على يد مؤلّفه الفقير المُفتاق إلى الله العزيز الغني، ميرزا محمّد رضا بن إسماعيل بن جمال الدين القمّي ... 7 ـ الفوائد الشارحة لمشكلات المنظومة الصوفيّة الموسومة بـ«الترصيف في نَظْم التصريف» ألّفها سنة (1090). والمنظومة اُرجوزة في خمسمائة بيت غير المقدّمة والخُطبة نَظَمها الشيخ عبدالرحمن بن عيسى بن مرشد الحنفي مفتي الحرم المكّي، نظمها سنة1000، وتوفّي هو سنة1037. شرحها المترجم لولده إسماعيل، لمّا قرأها عليه بمشهد سنة1090. قال ذلك شيخنا في الذريعة، ثمّ قال: أوّله: الحمد لمصرّف الاُمور، والصلاة على مَن أرسله لنظم الدهور، وآله الشفعاء يوم النُشور ... إلى آخره. فرغ منه ظهر يوم الثلاثاء خامس جُمادى الآخرة سنة1090 ويقرب من
ص36 عشرة آلاف بيت(77). قال: رأيته في مكتبة الحاج محمّد حسن كُبّة، بسامراء بعنوان «شرح الترصيف»(78). 8 ـ كنز الدقائق وبحر الغرائب، ألّفه سنة (1094 ـ 1103). تفسير للقرآن الكريم باللغة العربيّة، في أربع مجلّدات ضخام. يحتوي الأوّل على تفسير القرآن من أوّله إلى نهاية سورة المائدة. فرغ منه في جمادى الآخرة سنة1094 في مشهد. ويحتوي الثاني على تفسير سورة الأنعام إلى نهاية سورة الكهف، فرغ منه في مشهد، ولم نقف على تاريخ الانتهاء منه. ويحتوي الثالث على تفسير سورة مريم إلى نهاية سورة الملائكة، فرغ منه يوم الغدير سنة1097. ويحتوي الرابع على تفسير سورة يس، إلى نهاية القرآن، فرغ منه في ذي الحجّة سنة1103. قال المؤلّف في أوائله: أمّا بعد، فيقول الفقير إلى رحمة ربّه الغنيّ، ميرزا محمّد المشهدي ابن محمّد رضا ابن إسماعيل بن جمال الدين القمّي: إنّ أولى ما صرف في تحصيله كنوزُ الأعمار، وأُنفِقَت في نيله الهِمَمُ والأفكار «علمُ التفسير» ... وقد كنت فيما مضى قد رقمت تعليقات على التفسير المشهور للعلاّمة الزمخشري، وأجَلْتُ النظر فيه. ثمّ على الحاشية للعلامة النحرير، والفاضل المهرير، الشيخ الكاملي، بهاء الدين العاملي. ثمّ سنحَ لي أن اُؤلّف تفسيراً يحتوي على دقائق أسرار التنزيل، ونكات أبكار الهامش (77) البيت، في اصطلاح المؤلّفين القدماء عبارة عن كلّ سطر، تتألّف كلماته من خمسين حرفاً. (78) الذريعة 16/343، وانظر: 13/145 و4/169، والكواكب المنتثرة: 208.
ص37 التأويل، مع نقل ما روي في التفسير والتأويل عن الأئمّة الأطهار، والهُداة الأبرار ... حتّى وفّقني ربّي للشروع في ما قصدتُه، والإتيان بما أردتُه، ومن نيّتي أن اُسمّيه ـ بعد تمامه ـ بـ: كنز الدقائق وبحر الغرائب» ليُطابق اسمه ما احتواه، ولفظه معناه. اسمه: وهكذا نجد اسمه في بداية الكتاب ونهايته، كما ذكرنا، وهكذا ذكره شيخنا الطهراني(79) وجاء كذلك في تقريظ الخونساري(80) إلاّ أنّه وقع في بعض المواضع اختلاف في نقل اسمه، كما يلي: 1 ـ ذكره البغدادي باسم «كنز الدقائق وبحر الغرائب البطائق»(81) ولم أعرف لكلمة (البطائق) معنىً، وأظنّها مصحفة عن كلمة (... ليطابق) الواردة في كلام المصنّف، فظنّها جزءً من اسم الكتاب. 2 ـ ذكره الخراساني باسم: كنز الحقائق وبحر الغرائب(82). وجاء هذا في مواضع احتمالا(83). 3 ـ جاء في وثيقة الوقف لبنت المؤلّف باسم: كنز الغرائب وبحر الدقائق(84). 4 ـ ذكره بعضهم باسم: كنز العرفان(85). الهامش (79) الذريعة 18/3 ـ 154. (80) قد سبق ذكر التقريظ. (81) إيضاح المكنون 2/358 (82) منتخ التواريخ: 641. (83) لاحظ: الذريعة 18/152 والكواكب المنتثرة: 208. (84) على نسخة مخطوطة من كتاب للمؤلّف برقم9439 في الرضوية. (85) مقدّمة بحار الأنوار 1/28.
ص38 وصفه عند الأعلام: وقفنا على تقريظي العلاّمتين: المحدّث المجلسي، والمحقّق الخونساري، ووصفهما لهذا التفسير بالمدح العظيم والثناء البليغ(86). وقال سيّد الروضات: له كتاب كبير في التفسير بأحاديث أهل بيت العصمة ... لم يسبقه إلى وضعه أحدٌ من العلماء، قديماً وحديثاً، وذلك لأنّ تفسير نور الثقلين، وإن سبقه، إلاّ أنّه أسقط أسانيد الأخبار(87). وقال النوري: من أحسن التفاسير وأجمعها وأتمّها، وهو أنفع من الصافي وتفسير نور الثقلين(88). وقال الطهراني: وهذا التفسير مقصور على ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام)، نظير تفسير نور الثقلين، لكنّه أحسن منه بجهات: لذكره الأسانيد، وبيان ربط الآيات وذكر الإعراب(89). أقول: أمّا القول بأنّه أحسن التفاسير من حيث كون الأحاديث فيه مسندةً، فليس أمراً عامّاً في أحاديث الكتاب، ففيه الكثير من الأحاديث المرسلة، أو بحذف إسناده اعتماداً على المصادر التي ذكرها. ولا ريب أنّ تفسير «البرهان» للبحراني يفوقه في هذه الجهة بكثير، بالإضافة إلى أنّ المحدّث البحراني، متخصّص بفنّ الحديث، وله ممارسة جادّة فيه، وتشهدُ مؤلّفاته الحديثيّة المتنوّعة على ذلك. فالحقّ أنّه لا يُغني في هذا المجال عن مثل تفسير البرهان. الهامش (86) لاحظ: الفيض القدسي، مع البحار 108/100. (87) روضات الجنّات 7/110. (88) الفيض القدسي، مع البحار 108/100، الفوائد الرضوية: 618، الكواكب المنتثرة: 208. (89) الذريعة.
ص39 وأمّا سائر ما ذُكر من ميزات هذا التفسير، فهو وإن كان حاوياً لها إلاّ أنّ الغريب عدم ذكرهم ـ ولولا بالإشارة ـ اعتماده الكبير على مجمع البيان من تفاسيرنا وعلى تفاسير العامّة، مثل الزمخشري والبيضاوي، مع أنّ المؤلّف أفاد هذا ـ ولو من طَرْف خفيّ ـ في مقدّمته للكتاب، كما نقلنا. نعم، إنّ المؤلّف بفرض كونه واحداً من كبار اُدباء عصره وتضلُّعه في علوم العربية، كما تشهد له مؤلّفاته فيها ـ قد أبدى في ثنايا البحوث آراءه. وللوقوف على خصائص هذا التفسير لابُدّ من جولة واسعة في ربوعه، نسأل الله التوفيق لذلك في مناسبة اُخرى. طبعات الكتاب ونسخه: لهذا التفسير نسخ كثيرة جدّاً، وقد ذكرت في نشرة «تُراثنا» العامرة، قائمة بمواضع وجودها(90). كما طُبع الكتاب في سنة واحدة! طبعتين: إحداهما: طبعة مؤسّسة المدرّسين بقم، سنة1406، معتمدة على نُسخة واحدة فقط!. فمضافاً إلى القصور في التعريف بالكتاب والمؤلّف فيها، قد سقطت من الكتاب في هذه الطبعة مقاطع طويلة وقد تصل أحياناً إلى صفحة كاملة أو أكثر، وحذف منها أهم مميّزات الكتاب، وهم قسم كبير من الأحاديث المفسِّرة للآيات. والثانية: طبعة مؤسّسة وزارة الإرشاد، في طهران، سنة1406، وقد استدرك الهامش (90) تراثنا، العدد (4) السنة (الاُولى) ص158 ـ 160.
ص40 المحقّق فيها بعض نقائص الطبعة السابقة، فاعتمد فيها على أكثر من نسخة، وبذلك تمّ النقص الواقع في تلك الطبعة، وتوسّع في التعريف بالكتاب والمؤلّف، إلاّ أنّها مُنِيَتْ بسوء الإخراج، وفقدان التصحيح، فهي مليئة بالأخطاء المطبعيّة والفنيّة والتحقيقيّة، ممّا يَنُمُّ عن القصور والإهمال. ولعلّ الله يقيّض من المحقّقين اليقظين صاحب همّة عالية، ليُحيي هذا الأثر الكريم من تراثنا العزيز، بصورة تليق بشأنه. 9 ـ معاد وحشر جسماني ـ بالفارسية ـ: يحتوي على بيان حقيقة المعاد، وحشر الأرواح والأجساد، ومعنى الإيمان والكفر، وذكر فيه: أنّ أركان المعاد أربعة: خراب العالم الصغير ـ أي موت الإنسان ـ ثمّ تعميره وإحياؤه، وخراب العالم الكبير، ثمّ تعميره وإحياؤه. قال شيخنا الطهراني: يدلّ على تبحّره وفضله(91) وقال: ألّفه باسم السلطان سليمان الصفوي (ت1105). وتوجد نسخة منه في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي ـ طهران ـ برقم5673 في262 صفحة(92). وقال أيضاً: رأيته بكربلاء عند الميرزا محمّد الطهراني، ونسخة ناقصة الآخر ضمن مجموعة عند السيّد محمّد الجزائري(93). الهامش (91) الكواكب المنتثرة: 202. (92) الذريعة 21/174. (93) الكواكب المنتثرة: 202.
ص41 10 ـ التحفة الحسينيّة ـ بالفارسيّة ـ: قال شيخنا الطهراني: فارسي في آداب الصلاة ومقدّماتها، وتعقيباتها، ونوافلها الليليّة والنهارية، وآداب الوصيّة، وأحكام الأموات، وأعمال الاُسبوع والشهور والسنة، وآداب السفر، وأدعية الأعراض والأمراض ... ألّفه باسم سلطان حسين الصفويّ، ورتّبه على مقدّمة، وأبواب فيها سبعة فصول وخاتمة فيها ثلاث وعشرون فائدة. رأيتُ نسخةً منه عند السيّد محمّد الواعظ الخونساري الأصفهاني نزيل الكاظميّة(94). وقال القمّي: كتاب كبير في أعمال السنة بالفارسية(95). والظاهر أنّه يريد هذا الكتاب. 11 ـ سُلّم درجات الجنّة في معرفة فضائل أبي الأئمّة ـ بالفارسية ـ: ترجمة أربعين حديثاً. قال شيخنا في الذريعة: أهداه إلى السلطان حسين الصفوي، ورتّبه على مقدّمة وأربعين حديثاً، يذكر الحديث ثمّ يشرحه بعنوان «بيان». والنسخة ضمن مجموعة، رأيتها في كتب الشيخ قاسم محيي الدين في النجف، بخطّ محمّد أمين، تاريخ كتابتها1117(96). ونسخة منه في مكتبة ملك بطهران، برقم5920. الهامش (94) الذريعة 3/9 ـ 430، والكواكب المنتثرة: 208. (95) الفوائد الرضوية: 618. (96) الذريعة 12/220، والكواكب المنتثرة: 208.
ص42 12 ـ سته ضروريه ـ بالفارسية ـ: رسالة مختصرة في الإمامة، كتبها باسم السلطان حسين الصفوي. مخطوطة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد، برقم143، ولم يسجّل عليها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، لكنّ تاريخ وقفها على المكتبة سنة1145هـ(97). 13 ـ كتاب الصيد والذبائح: كذا سمّاه السيّد الأمين، وقال: استدلالي كبير(98). لكن القمّي سمّاه: رسالة في أحكام الصيد والذباحة(99). 14 ـ حاشية على الكشّاف للزمخشري(100). صرّح المؤلّف بتأليفه إيّاه في أوّل كتابه (كنز الدقائق)(101): 15 ـ حاشية على حاشية البهائيّ على تفسير البيضاوي(102). صرّح المؤلّف بتأليفه إيّاه في أوّل (كنز الدقائق) أيضاً. 16 ـ مراصد العصمة والضلالة: ذكره في كتابه (كاشف الغمّة) المتقدّم ذكره(103). الهامش (97) فهرست كتب خطّي كتابخانه مركزى آستانه قدس رضوي، رقم1365، وانظر: الكواكب المنتثرة: 208. (98) أعيان الشيعة 45/328. (99) الفوائد الرضوية: 618. (100) المصدران السابق والأسبق. (101) الذريعة 6/46. (102) أعيان الشيعة 45/328. (103) فهرست مكتبة المجلس ج9 ق2 ص704.
ص43 وأخيراً: على طريق التحقيق: قمنا بالمحاولات التالية: 1 ـ اعتمدنا النسخ المخطوطة الثلاث ـ التي مرّ ذكرها في عداد مؤلّفات المؤلّف. ورمزنا إلى نسخة مكتبة السيّد المرعشيّ بـ«ش». وإلى نسخة مشهد المرقّمة (3985) بـ«خ». وإلى نسخة مشهد المرقّمة (4035) بـ«ق». وبالإضافة إلى المتن المذكور في هذه النسخ، اعتمدنا في ضبطه على: المطبوع ضمن مجموعة من الأراجيز مع (عقود الجمان) للسيوطي ـ طبعة حجريّة في طهران سنة (1316) باهتمام الشيخ أحمد الشيرازي، وقد رمزنا إليها بـ«طد». والمطبوع ـ ضمن مجموعة مهمّات المتون ـ في القاهرة سنة (1368) بمطبعة الاستقامة، نشر المكتبة التجارية: وعبّرنا عنها بـ«المطبوعة المصريّة». 2 ـ قمنا بإخراج الكتاب: تنقيطاً، وضبطاً، بما يجعله صالحاً للاستخدام في المناهج الدراسيّة، مميّزاً بالوضوح والدقّة. 3 ـ حاولنا توضيح جوانب من الشواهد المذكورة في الكتاب تفتح أمام الطالب مجالا للمراجعة إلى المصادر المتكفلّة لشرحها. 4 ـ أعددنا للكتاب فهارس متنوّعة، تناسب موضوعه، تسهيلا لمراجعته. والحمد لله أوّلا وآخراً.
ص44 3 ـ متن الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم (وبه نستعين)(1) الحمد لله الذي ميّز الإنسان بإدراك المعاني، وعلّم البيان بإيراد التراكيب(2) والمباني. والصلاة على محمّد المؤيّد ببديع محسّنات المعاني والألفاظ، وعلى آله الأطهار الأبرار، وصحبه الأخيار الأيقاظ. أمّا بعدُ، فيقول المحتاج إلى الله الغنيّ، ميرزا(3) محمّد بن رضا، القمّي: هذه فوائد علّقتها على الاُرجوزة المنظومة في فنّ البلاغة لأنّها فائقة على سائر ما صُفّ في هذه الصناعة(4)، لكونها قليلة اللفظ، كثيرة المعاني، قريبةً إلى فهم المقاصد للأجانب والأداني، وسمّيتها بـ«إنجاح المطالب»، ومن الله الفوز بالمآرب. الهامش (1) ما بين القوسين لم يرد في «ش». (2) في «ش»: التركيب. (3) «ميرزا» ليس في «ش». (4) في «ش»: الصنعة.
ص45 قال الراجزُ:
1 ـ الحمدُ لله وصلّى اللهُ***على رسولِه الذي اصْطفاهُ
2 ـ محمّد وآلِه وسَلّما***وَبَعْدُ، قد أحْبَبْتُ أنْ أُنَظِّما(5)
3 ـ في عِلَمي البَيانِ والمعاني***اُرْجُوزةً لطيفةَ المعاني
4 ـ أبْياتُها عن مائة لم تَزِدِ***فقلتُ غيرَ آمِن من حَسَد
أقول: افتتح اُرجوزته ـ بعد التيمّن بالتسمية ـ بحمد الله سبحانه(6) أداءً لحقّ شيء ممّا يجب عليه من شكر نعمائه، التي نظم هذه الاُرجوزة أثر من آثارها. والحمد في اللغة هو الثناء على الجميل الاختياري، نعمةً كان أو غيرها، وفي العرف: فعل يُنبىءُ عن تعظيم المنعم، من حيث أنّه منعم، سواءً كان ذكراً باللسان ـ أي ثناءً ـ أو اعتقاداً بالجنان، أو عملا بالأركان. فبين المعنيين عموم وخصوص من وجه، بحسب الموردين والمتعلّقين. لله: اللام للاختصاص، حيث لا يصلح للملك، باعتبار الداخل، لا المدخول كما في نحو «الجلُّ للفرس». الهامش (5) كذا في النسخ: أن اُنظّما، بتشديد الظاء، وكان في المطبوعة المصريّة و (طد): أنّي أنظما. (6) علّق في «خ» هنا بقوله: هذه العبارة إيماءٌ إلى التوفيق بين الحديثين المرويين في كلّ من التسمية والتحميد، بأنّ الابتداء في حديث التسمية محمول على الحقيقي، وفي التحميد محمول على الإضافي، منه سلّمه الله.
ص46 والله: علم للذات الواجب الوجود، المستجمع(7) لجميع أسباب المحاسن(8) من صفات الكمال وسمات الجلال، فتعليق الحمد به مشعر بالعليّة، نحو (التكرمة للعالم) ولذا لم يقل: الحمد للخالق، أو الرازق، أو نحوهما، ممّا يوهم اختصاص الحمد بوصف دون وصف. وصلّى: بمعنى دعا، أي طلب الرحمة، وإذا اُسند إلى الله جرّد عن معنى الطلب، وقصد به معنى «رحم» مجازاً. على رسوله: وهو النبي الذي له دين وكتاب. اصطفاه: اختاره. محمّد: من الأعلام المنقولة من اسم المفعول، سمّي به إلهاماً من الله تعالى، وتفاؤلا بأنّه يكثر حمد الخلق له، لكثرة خصاله الحميدة. وآله: أصله «أهل» بدليل «اُهيل». وقال الكسائي: سمعت أعرابياً يقول: (آل واُويل، وأهل واُهَيل) فأصله الهمزة. وهم: علي، وفاطمة، والحسنان، ويطلق تغليباً على باقي الأئمّة (عليهم السلام). وسلّما: عطف تفسيري لقوله «صلّى» بدليل قوله: (إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي ياأيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً)(9). وبعد: من الظروف، ولها أربع حالات، باعتبار ما تضاف إليه: * ذكره: وإعرابها بدون التنوين. الهامش (7) في «ش» و «خ»: المستجمعة. (8) في «ش»: المحامد. (9) الآية 56 من سورة الأحزاب 33.
ص47 * وحذفه، مع تقدير لفظه: وإعرابها بدونه، أيضاً. * وحذفه، وعدم تقديره مطلقاً: وإعرابها مع التنوين. * وحذفه، وتقدير معناه: وبناؤها على الضمّ. والارجوزة في النظم، بمنزلة الرسالة في النثر. قال: مقدّمة(10). أقول: أي هذه مقدّمة في بيان معنى الفصاحة والبلاغة وما يتّصل بهما، مأخوذة من «مقدّمة الجيش» للجماعة المتقدّمة منها من (قدّم) بمعنى (تقدّم). قال:
5 ـ فَصاحَةٌ المُفْرِد في سَلامَتِهْ***من نَفْرة فيهِ ومن غَرابَتِهْ
6 ـ وكونِه مُخالِفَ(11) القياسِ***ثُمّ الفصيحُ من كلامِ الناسِ
7 ـ ما كانَ من تنافُر سَليما***ولم يَكُنْ تأليفُهُ سَقيما
8 ـ وهو من التَعْقيِد أيضاً خالِ***وإنْ يَكُنْ مطابقاً للحالِ
9 ـ فهو البَليغُ والذي يُؤَلِّفُهْ***وبالفصيحِ مَنْ يُعَبِّر نَصِفُه
أقول: الفصاحة ـ في الأصل ـ تُنْبِىءُ عن الإبانة والظهور، يُقال فصح الأعجمي الهامش (10) علّق في «خ» و «ق» هنا بما يلي: بكسر الدال، وفتحها ـ بتقدير كونها من قدّم المتعدّي ـ ضعيف، منه سلّمه الله. (11) في «ش»: «خلافة» بدل: مخالف.
ص48 وأفصح: إذا انطلق لسانه وخلُصت لغته من اللكنة، وجادت، فلم يلحن، وأفصح به: أي صرّح به. يوصف بها المفرد والكلام والمتكلّم، يقال: كلمة فصيحة، وكلام فصيح، وكاتب فصيح; في النثر، وقصيدة فصيحة، وشاعر فصيح; في النظم. والبلاغة: تنبىء عن الوصول والانتهاء، يوصف بها الكلام والمتكلّم، دون المفرد، يقال: كلام بليغ، ومتكلّم بليغ، ولم يُسمع: كلمة بليغة. ولمّا كانت الفصاحة في الاصطلاح عبارةً عن كون اللفظ جارياً على القوانين المستنبطة من استقراء كلامهم، كثير الاستعمال على ألسنة العرب الموثوق بعربيّتهم، والبلاغة عبارةً عن كون الكلام على وفق مقتضى الحال، وكان كلّ منهما صفةً للكلام والمتكلّم بمعنىً، والفصاحة صفةً للمفرد بمعنىً، مع اشتراك المفرد والكلام والمتكلّم في معنى مطلق الفصاحة، والكلام والمتكلّم في معنى مطلق البلاغة، أفرد(12) لكلّ منها تعريفاً يدلّ على امتيازه عن الآخر. فقوله: «فصاحة المفرد ـ إلى قوله: وكونه مخالف القياس» بيان لمعنى فصاحة المفرد. يعني: فصاحة المفرد عبارة عن سلامته من نفرة فيه ـ أي: من تنافر الحروف ـ ومن الغرابة، ومن كونه مخالف القياس اللغوي المستنبط من استقراء اللغة، حتّى لو وجد في الكلمة شيء من هذه الثلاثة لا تكون فصيحة. والتنافر: وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان، وعسر النطق بها، مثل ما في «الهعخع» بالخاء المعجمة، في قول أعرابي سئل عن ناقته؟: (تركتها ترعى الهامش (12) جواب لمّا وما عطف عليها في قوله: «لمّا كانت الفصاحة في الاصطلاح عبارةً ...» إلى آخره.
ص49 الهُعْخُعَ). والغرابة: كون الكلمة وحشيّةً غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال، كـ(تَكَأكَأتُمْ) و (افْرَنْقِعُوا) في قول عيسى بن عمر النحوي، حين سقط من الحمار، واجتمع الناس عليه: (ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكأكم على ذي جنّة، فافرنقعوا عنّي) أي: اجتمعتم، تنحّوا. كذا ذكره الجوهري في الصحاح. والمخالفة: كون الكلمة على خلاف القانون المستنبط من تتبّع لغة العرب، أعني مفردات ألفاظهم الموضوعة، أو ما هو في حكمها كوجوب الإعلال في نحو (قام) والإدغام في نحو (مدَّ). والكلمة المشتملة على مخالفة القياس نحو (الأجلل) بفكّ الإدغام في قوله:
الحَمْدُ لله العَلِيّ الأجْلَلِ***… … … …(13)
والقياس (الأجلّ) بالإدغام. وقوله: «ثم الفصيح ـ إلى قوله: وهو من التعقيد أيضاً خال»، إشارة إلى تعريف الكلام الفصيح. يعني: الكلام الفصيح ما كان سالماً من تنافر الكلمات، ولم يكن تأليفه سقيماً ـ أي ضعيفاً ـ وكان خالياً من التعقيد اللفظي والمعنوي. والتنافر: أن تكون الكلمات ثقيلةً على اللسان، كقوله: الهامش (13) من اُرجوزة لأبي النجم العجلي الفضل بن قدامة المتوفّى 130 من رُجّاز الإسلام. وبعد الشاهد:
الواسعِ الفَضْل الوهوبِ المُجْزِلِ***أعطى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخّلِ
اُنظر: جامع الشواهد 1/185 والوشاح 1/27 ـ 29.
ص50 … … … … … …***ولَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْب قَبْرٌ(14) وضعف التأليف: أن يكون تأليف أجزاء الكلام على خلاف القانون النحوي المشتهر بين معظم أصحابه، حتّى يمتنع عند الجمهور، كالإضمار قبل الذكر لفظاً ومعنىً، نحو: «ضرب غلامه زيداً». والتعقيد اللفظي: أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد منه، لخلل واقع في الترتيب، بأن لا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني، بسبب تقديم أو تأخير أو حذف أو غير ذلك ممّا يوجب صعوبة فهم المراد، وإن كان جارياً على القوانين، كقول الفرزدق في مدح خال هشام بن عبدالملك:
وَما مِثْلهُ في الناس إلاّ مُمَلَّكاً***أبُو اُمِّهِ حَيٌّ اُبُوهُ يُقارِبُهُ(15)
أي: ليس مثله في الناس حي يقاربه إلاّ مملكاً ـ اُعطي الملك والمال ـ أبو اُمّه أبوه، يعني هشاماً. والتعقيد المعنوي: أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المعنى المراد، لخلل واقع في انتقال الذهن من المعنى الأوّل المفهوم بحسب اللغة، إلى الثاني المقصود، وذلك يكون لإيراد(16) اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة، مع خفاء الهامش (14 عجز بيت، وصدره:
وقَبْرُ حَرْب بِمكان قَفْرِ***وَلَيْسَ … … … …
وهو يُنسب إلى الجنّ، قاله في رثاء رجل يُسمّى حرباً، انظر جامع الشواهد 3/162. (15) من قصيدة للفرزدق أبي فراس، همّام بن غالب التميمي المتوفّى سنة110 أو بعدها، يمدح بها إبراهيم بن هشام المخزومي خال الخليفة هشام بن عبدالملك الاُموي. اُنظر: جامع الشواهد 3/255 والوشاح 1/38. (16) كذا في «ق» وكان في «خ»: الإيراد. وفي «ش»: إيراد.
ص51 القرائن الدالّة على المقصود، كقول عبّاس بن الأحنف:
سَأطْلُبُ بُعْدَ الدارِ عَنْكُمْ لِتَقْربُوا***وَتسْكُبُ عَيْنايَ الدُمُوْعَ لِتَجْمُدا(17)
أي: لتسرّ. جعل جمود العين كنايةً عن السرور، والذهن لا ينتقل منه إليه، بل ينتقل(1.) إلى بخلها بالدموع حال(19) إرادة البكاء. وقوله: «وإن يكن ـ إلى قوله: ـ فهو البليغ»، إشارة إلى تعريف الكلام البليغ. يعني: إنّ الكلام البليغ هو الكلام الفصيح مع كونه مطابقاً لمقتضى الحال. والمراد بالحال: الأمر الداعي إلى التكلّم على وجه مخصوص، وذلك الوجه المخصوص هو (مقتضى الحال) مثلا: كون المخاطب منكراً للحكم حال تقتضي تأكيد الكلام، والتأكيد مقتضاها. ومعنى مطابقته له: أنّ الحال إن اقتضى(20) التأكيد كان الكلام مؤكّداً، وإن اقتضى الإطلاق كان عارياً عن التأكيد، وهكذا. قوله: «والذي يؤلّفه»، إشارةٌ إلى تعريف المتكلّم البليغ. يعني: إنّ الكلام الفصيح المطابق لمقتضى الحال كلام بليغ، ومن له ملكة التكلّم به متكلّم بليغ. وقوله: «وبالفصيح من يعبّر نصفه» إشارة إلى معنى المتكلّم الفصيح. الهامش (17) العبّاس بن الأحنف الأسود من بني حذيفة، عاصر الرشيد، وقيل: توفّي بعده، اُنظر جامع الشواهد 2/42 والوشاح 1/42. (18) ينتقل، ورد في «خ» فقط. (19) في «ق» حين. (20) في «ش»: «اقتضت» في الموضعين.
ص52 يعني: من يعبّر عن المعنى بالكلام(21) الفصيح نصفه ـ نحن، أيضاً ـ بالفصيح. ويحتمل أن يكون إشارةً إلى أنّ «الفصيح» قد يطلق على «البليغ». قال:
10 ـ والصِدْقُ أنْ يُطابِقَ الواقِعَ ما***نَقُول والكِذْبَ خِلافَهُ اعْلما(22)
أقول: صدق الخبر مطابقة حكمه للواقع ـ أي الخارج الذي يكون لنسبة الكلام الخبري ـ وكذبه عدم مطابقته للواقع. وقال النظام: صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر، ولو كان ذلك الاعتقاد خطأً، (وكذبه عدم مطابقته لاعتقاد المخبر، ولو كان خطأً)(23). وقال الجاحظ: صدق الخبر مطابقته للواقع، مع الاعتقاد بأنّه مطابق، وكذبه عدم مطابقته، مع الاعتقاد بأنّه غير مطابق، فاعلم. الهامش (21) علّق في «خ» و «ق» هنا بما نصّه: المراد بالكلام معناه اللغوي أي ما يتكلّم به، حتّى يدخل المتكلّم بالكلمة الفصيحة في التعريف، ولا يرد به شيء، والظاهر عدم جوازه إطلاق الفصيح إلاّ على من له ملكة التكلّم، فلا حاجة إلى التعميم، منه سلّمه الله تعالى. (22) علّق في «خ» و «ق» هنا بما نصّه: ويحتمل أن يكون إشارةً إلى كذب مذهبي النظّام والجاحظ، منه سلّمه الله تعالى. وفي المطبوعة المصرية و «طد» جاء الشطر الثاني هكذا: يقوله والكذب أن ذا يُعدما. (23) ما بين القوسين لم يرد في «ش».
ص53 الفَنُّ الأوّلُ عِلْمُ المَعانِي قال:
11 ـ وَعَرَبِيُّ اللَّفْظِ ذُو أحْوالِ***يأتي بِها مُطابِقاً لِلْحَالِ
12 ـ عِرْفانُها عِلْمٌ هُوَ المَعاني***مُنْحُصِرُ الأْبوابِ في ثَمَانِ
أقول: للفظ العربي أحوال، كالتأكيد، والتجريد، والحذف، والذكر، والتقديم، والتأخير، وغير ذلك، هي مقتضى الحال، معرفتها هو علم المعاني. فهو: علم يعرف به أحوال اللفظ العربي، التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال. واحترزنا بالقيد الأخير عن الأحوال التي ليست بهذه الصفة، كالإدغام، والرفع، والنصب، وما أشبه ذلك، ممّا لابدّ منه في تأدية أصل المعنى. وينحصر المقصود من علم المعاني في ثمانية أبواب: الأوّل: أحوال الإسناد الخبري. الثاني: أحوال المسند إليه. الثالث: أحوال المسند. الرابع: أحوال متعلّقات الفعل. الخامس: القصر.
ص54 السادس: الإنشاء. السابع: الفصل والوصل. الثامن: الإيجاز والإطناب والمساواة. البابُ الأوّلُ أحْوالُ الإِسْنادِ الخَبَريّ قال:
13 ـ إنْ قَصَدَ المُخْبِرُ نَفْسَ الحُكْمِ***فَسَمِّ ذا فائِدَةً، وَسَمِّ
14 ـ إنْ قَصَدَ الإعْلامَ بالعِلْمِ بِهِ***لازِمَها، ولِلْمَقامِ انْتَبِهِ
15 ـ إنْ ابْتدائيّاً فلا يُؤكَّدُ***أوْ طَلَبِيَّاً فَهُوَ فيهِ يُحْمَدُ
16 ـ وواجِبٌ بِحَسَبِ الإِنْكارِ***وَيَحْسُنُ التَبْدِيْلُ بالأغْيارِ
أقول: لا شكّ أنّ من بصدد الإخبار، إمّا أن يكون قصده بخبره إفادة المخاطب(24) الحكم، كقوله: (زيد قائم) لمن لا يعرف أنّه قائم. أو إفادة أنّه ـ أي من بصدد الإخبار ـ عالم بالحكم، كقولك: (حفظت التوراة) لمن حفظها، والمراد إفادة أنّك عالم بأنّه حفظها. ويُسمّى الحكم الذي قُصِدَ بالخبر إفادته، في الصورة الاُولى: (فائدة الخبر) وإليه أشار بقوله: (فسمِّ ذا فائدةً). الهامش (24) اُضيفت هنا كلمة «إمّا» ثانية في «خ» و «ق» دون «ش» ويظهر أنّها غير ضرورية لحصول مفادها بكلمة «إمّا» في السابق.
ص55 ويسمّى كون المخبر عالماً به، الذي قُصد إفادته بالخبر، في الصورة الثانية: (لازم فائدة الخبر) لأنّ الأوّل يمتنع بدونه، وهو بدون الأوّل لا يمتنع، كما هو حكم اللازم الأعمّ. وإليه أشار بقوله: وسم * إن قصد الإعلام بالعلم به * لازمها). قوله: (وللمقام انتبه). الحال والمقام متقارباً المفهوم، والتغاير بينهما اعتباري، فإنّ الأمر الداعي مقام باعتبار توهّم كونه محلاًّ لورود الكلام على خصوصيّة ما، وحال باعتبار توهّم كونه زماناً له. وأيضاً: المقام يعتبر إضافته إلى المقتضى ـ اسم المفعول ـ فيقال: مقام التأكيد، والإطلاق، والحذف، والإثبات. والحال إلى المقتضي ـ اسم الفاعل ـ فيقال: حال الإنكار، وحال خُلوّ الذهن. ومقامات الكلام متفاوتة، ولذا قال: (وللمقام انتبه)، فإنّ المخاطب الملقى إليه الكلام: إمّا أن يكون خالي الذهن من الحكم ونقيضه، والكلام الملقى إليه يسمّى «إبتدائياً» ولا يؤكّد أصلا، وإليه أشار بقوله: (إن ابتدائياً فلا يؤكّد). أو يكون معتقداً بنقيضه ومنكراً للحكم، فالكلام الملقى إليه يسمّى «إنكاريّاً» ويؤكّد بحسب الإنكار، وإليه أشار بقوله: (وواجب بحسب الإنكار). أو لا يكون معتقداً للحكم ولا لنقيضه، بل شاكّاً فيه، ويسمّى الكلام الملقى إليه «طلبيّاً» ويؤكّد استحساناً لا وجوباً، وإليه أشار بقوله: (أو طلبيّاً فهو فيه يحمد). قوله: (ويحسن التبديل بالأغيار) أي: يحسن تبديل مخاطب بغيره، مثلا
ص56 إذا كان المخاطب منكراً، يصحّ تبديله بخالي الذهن، وتنزيله منزلته، إذا كان معه شيء من الدلائل والشواهد إنّ تأمّله ارتدع عن الإنكار، كما تقول لمنكر الإسلام: «الإسلام حقّ» من غير تأكيد، لما معه من الدلائل الدالّة على نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّه لا يتأمّلها ليرتدع عن الإنكار.
17 ـ والفِعْلُ أوْ مَعْناهُ مَنْ أسْنَدَهُ***لِما لَهُ في ظاهِر ذا عِنْدَهُ
18 ـ حَقيقةٌ عقليّةٌ، وإنْ إلى***غِيْرِ مُلابِس مَجَازٌ اُوِّلا
أقول: الإسناد مطلقاً ـ سواءً كان خبرياً أو غير خبري ـ منه حقيقة عقليّة، ومنه مجاز عقلي. والحقيقة العقليّة: إسناد الفعل أو معناه، من المصدر، واسم الفاعل، والمفعول، والصفة المشبّهة، واسم التفضيل، والظرف. واحترز به عمّا لا يكون المسند فيه فعلا أو معناه، كقولنا: (الحيوان جسم) فإنّه ليس حقيقةً عقليّةً ولا مجازاً عقليّاً عند بعضهم، ومنهم الراجز. إلى(25) شيء الفعل أو معناه له(26) عن المتكلّم ـ أي بحسب اعتقاده ـ في الظاهر من حاله وكلامه. كقول المؤمن: (أنبت الله البقل) وقول الجاهل: (أنبت الربيع البقل). وإلى ذلك أشار بقوله: (والفعل أو معناه من أسنده * لما له في ظاهر ذا الهامش (25) الجارّ متعلّق بقوله «إسناد الفعل ...» في تعريف الحقيقة العقليّة. (26) «له» هنا وردت في «خ» فقط.
ص57 عنده * حقيقة عقليّة). والمجاز العقلي: هو إسناد الفعل أو معناه إلى غير ما هو له في الظاهر من حال المتكلّم، ملابس لما هو له في الجملة، بتأوّل ونصب قرينة من حاله على أنّه غير ما هو له، نحو قول المؤمن: (أنبت الربيع البقل). وأشار إليه بقوله: (وإن إلى * غير ملابس مجاز أُوِّلا) يعني: إن اُسند إلى غير ما هو له بتأوّل ملابس لما هو له فهو مجاز عقلي. البابُ الثاني أحوالُ المُسْنَدِ إليْهِ أي الاُمور العارضة له باعتبار أنّه مسند إليه، كحذفه، وذكره، وغير ذلك. قال:
19 ـ الحَذْفُ لِلصَوْنِ وللإِنْكارِ***والاحْتِرازِ أوْ للاخْتَبِاارِ
أقول: من الاُمور العارضة للمسند إليه أنّه قد يحذف، ولا يجوز ذلك إلاّ إذا صلح له المقام باعتبار القرينة وقد بيّن في النحو، ودعا إليه داع، والمراد هنا بيان الداعي. وقد يكون الداعي إليه إرادة صون المسند إليه عن اللسان، تعظيماً له. أو صون لسانك عنه، إهانةً له. وقد يكون إرادة تيسّر الإنكار عند الحاجة إليه، كقولك: (فاجر، فاسق) إذا عُلِمَ بالقرينة أنّ المراد زيد، ليتأتّى أن تقول: ما أردت زيداً، بل غيره. وقد يكون سبب الحذف كون ذكره عبثاً يحترز بالحذف عنه، إذا تعيّن بالقرينة
ص58 نحو:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل***… … … …(27)
للاحتراز عن العبث بذكره. وقد يكون الداعي إلى الحذف إرادة اختبار تنبّه السامع، هل يتنبّه بالقرينة أم لا؟ أو اختبار مقدار تنبّهه، هل يتنبّه بالقرائن الخفيّة أم لا؟ قال:
20 ـ والذِكْرُ للأصْلِ وللتَنْوِيْهِ***والبَسْطِ والضَعْفِ وللتَنْبِيهِ(28)
أقول: أمّا ذكر المسند إليه: فلأنّه الأصل، ولا مقتضي للعدول عنه. أو للتنويه والتهويل، إذا كان اسمه يدلّ على العظمة، نحو (الأمير قال كذا). أو بسط الكلام، حيث يكون إصغاء المخاطب مطلوباً للمتكلّم لعظمته وشرفه، نحو قوله تعالى: (هي عصاي)(29). أو الاحتياط، لضعف التعويل على القرينة. أو التنبيه على غباوة السامع، وأنّه لا يتنبّه للشيء بالقرينة. الهامش (27) لم يسمّ قائله، وذيله: سهر دائم وحزن طويل. اُنظر: جامع الشواهد 2/265. (28) جاء هذا البيت في المطبوعتين هكذا:
والذِكْرُ لِلتَعْظِيمِ والإِهاانَهْ***والبَسْطِ والتَنْبِيهِ والقَرِينَهْ
(29) من الآية 18 من سورة طه 20، وتمام الآية: أتوكّؤا عليها وأهُشُّ بها على غنمي، ولي فيها مآرب اُخرى.
ص59 قال:
21 ـ وَإنْ بإضْمار يَكُنْ مُعَرَّفا***فَلِلمَقاماتِ الثلاثَةِ اعْرفا(*)
22 ـ والأصْلُ في الخِطابِ للمُعَيَّنِ***والتَرْكُ فيهِ لِلعُمومِ البَيِّنِ
أقول: أمّا تعريف المسند إليه بالإضمار: فلأنّ المقام للتكلّم أو الخطاب أو الغيبة، بدون اسم الظاهر، لتقدّم ذكره، أو غير ذلك، نحو: أنا قمت، (أنت قمت)(30)، وزيد هو قائم. وأصل الخطاب أن يكون لمعيّن، واحداً كان أو كثيراً; لأنّ وضع المعارف(31) للمعيّن. وقد يترك الخطاب متناولا لغير المعيّن أيضاً، فيفيد العموم البيّن. قال:
23 ـ وَعَلَمِيَّةٌ فلِلإِحْضارِ***أوْ(32) قَصْدِ تَعْظِيم أوْ احْتِقارِ
أقول: علميّة المسند إليه ـ أي إيراده علماً ـ تكون: لإحضاره في ذهن السامع باسم مختصّ به، ولا يصلح لهذا سوى العلم من الهامش (*) كذا الصواب، وقد كان في النسخ: فللمقامات الثلاث فاعرفا. (30) ما بين القوسين ورد في «ش» فقط. (31) في «ق»: وضع الخطاب. (32) كذا في المصريّة، لكن في النسخ «و» بدل: أو.
ص60 المعارف، نحو: (الله أحد)(33). وقد يكون لقصد تعظيم المسند إليه، إذا دلّ العلم عليه، كما في الألقاب المادحة، نحو (علي رَكِبَ). وقد يكون لقصد احتقار المسند إليه، إذا دلّ العلم عليه، كما في الألقاب الذامّة، نحو (معاوية هرب). وقد يكون لغير ذلك، نحو الاستلذاذ بذكر اسمه، أو التبرّك به، أو التفاؤل به، أو التطيّر به، إلى غير ذلك من الاعتبارات المناسبة للمقام. قال:
24 ـ وَصِلةٌ للجَهْلِ والتَعْظِيمِ***لِلشَأْنِ والإِيمْاءِ والتَفْخِيْمِ
أقول: إيراد المسند إليه موصولا يكون: لعدم علم المتكلّم أو المخاطب أو كليهما بالأحوال المختصّة به سوى الصلة. فالأوّل نحو: الذي كان معنا أمس رجل فاضل. والثاني نحو: الذين في بلاد المشرق لا أعرفهم. والثالث نحو: الذين في بلاد الشرق لا نعرفهم. ويكون لتعظيم شأن الخبر، نحو قول الفرزدق:
إنّ الذي سَمَكَ السَماءَ بَنى لَنَا***بَيْتاً دَعائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ(34)
أورد المسند إليه ـ وهو اسم إنّ ـ موصولا، تعظيماً لشأن الخبر، وهو (بنى) بأنّه فعل من رفع السماء، وهذا بخلاف ما لو قال: إنّ الله، أو الرحمن، أو غير ذلك ... الهامش (33) من الآية 1 من سورة التوحيد 112، وتمامها: قل هو الله أحد. (34) من قصيدة يفخر بها على جرير، اُنظر: جامع الشواهد 1/251 والوشاح 1/112.
ص61 ولتعظيم شأن غير الخبر، نحو قوله تعالى: (الذين كذّبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين)(35). أورد (الذين كذّبوا ...) موصولا ـ وهو المسند إليه ـ لتعظيم شعيب، وهو غير الخبر، وهذا بخلاف ما لو قال: إنّ القوم الفلاني ... وقد يكون للإيماء إلى جنس الخبر المبنيّ عليه ]نحو قوله تعالى[: (إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي، سيدخلون جهنّم داخرين)(36). أورد المسند إليه ـ وهو الذين يستكبرون ـ موصولا، للإيماء إلى أنّ الخبر المبني عليه من جنس العقاب، فإذا ذكر ـ بعد ذلك الإيماء ـ الخبر ـ وهو (سيدخلون جهنّم) ـ كان أوقع وأمكن في النفس. وقد يكون للتفخيم والتهويل، نحو: (فغشيهم من اليمّ ما غشيهم)(37). فإنّ في هذا الإبهام من التفخيم ما لا يخفى. وقد يكون لغير ما ذكر من الاعتبارات. قال:
25 ـ وبِإشارَة(38) لذي فهْم بَطِيْ***في القُرْبِ والبُعْدِ أو التَوَسُّطِ
أقول: تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة يكون لمخاطب ذي فهم بطيء، حقيقة، أو ادّعاءً بأنّه لا يدرك غير المحسوس. الهامش (35) الآية 92 من سورة الأعراف 7. (36) الآية 60 من سورة غافر 40. (37) الآية 78 من سورة طه 20. (38) كذا في المطبوعتين و «ش» وفي سائر النسخ: وبالإشارة.
ص62 سواء كان اسم الإشارة موضوعاً للقريب، نحو «ذا» أو البعيد نحو «ذلك» أو التوسّط نحو «ذاك زيد». وقد يكون لغير ذلك من الاعتبارات، كتحقير المسند إليه بالقرب، نحو (أهذا الذي يذكر آلهتكم)(39). أو تعظيمه بالبعد، نحو: (الم * ذلك الكتاب)(40). قال:
26 ـ وَأَلْ لِعَهْد أوْ(41) حَقِيقة وَقَدْ***يُفيْدُ الاسْتِغْراقَ أوْ ما انْفَرَدْ(42)
أقول: «ألْ» التعريف يكون للعهد الخارجي، وللحقيقة، وقد يفيد الاستغراق، أو ما انفرد ـ أي صار فرداً من الحقيقة غير معيّن ـ وهو المسمّى بـ«العهد الذهني» عند المحقّقين. فإذا اُزيد الإشارة إلى أمر معيّن معهود في خارج الذهن بسبب قرينة، عرّف المسند إليه تعريف العهد الخارجي، نحو (ليس الذكر كالاُنثى)(43) و (جاء القاضي) إذا لم يكن في البلد إلاّ واحد معيّن. وإذا اُريد الإشارة إلى نفس الحقيقة، من دون اعتبار الفرد، عرّف تعريف الحقيقة، نحو: (الرجل خير من المرأة). وإذا اُريد شمول أفراد يتناولها اللفظ لغةً، عرّف تعريف الاستغراق الحقيقي الهامش (39) الآية36 من سورة الأنبياء21. (40) الآية1 و2 من سورة البقرة2. (41) كذا في المصريّة، وكان في نسخ «و» بدل: أو. (42) كذا في النسخ، والوزن يقتضي فصل همزة (انفرد) ولعلّها: لما انفرد. (43) الآية36 من سورة آل عمران3.
ص63 نحو (إنّ الإنسان لفي خسر)(44). أو أفارد يتناولها عرفاً، نحو: (جمع الأمير الصاغة) أي صاغة بلده، سمّي بالاستغراق العرفيّ. وإذا اُريد فردٌ من الحقيقة غير معيّن في الخارج والذهن، نحو قوله تعالى: (أخاف أن يأكله الذئب)(45) فهو تعريف العهد الذهنيّ، المشار إليه بقوله «أو ما انفرد»(46). قال:
27 ـ وبإضافة فلاخْتِصارِ***أوْ قَصْدِ(47) تَعْظِيْم أوْ احْتِقارِ(48)
أقول: قد يعرّف المسند إليه بإضافته إلى إحدى المعارف: لقصد الاختصار، نحو قول جعفر بن علبة الحارثيّ: الهامش (44) الآية2 من سورة العصر103. (45) الآية 13 من سورة يوسف12. (46) علّق في «خ» ما نصّه: أي ما يفيد ما انفرد، أي ما صار من فرد الحقيقة، بانضمام القرينة المفيدة أنّ الحقيقة مرادة لا من حيث هي، بل من حيث الوجود، ولكن لا في ضمن جميع الأفراد، بل بعضها، منه سلّمه الله تعالى. (47) كذا في المصرية، وكان في النسخ: «وقصد». (48) جاء الشطر الثاني في المطبوعتين هكذا:
…***نَعَمْ وللذَمِّ أو احْتِقارِ
ص64 هَوايَ مَعَ الرَكْبِ اليَمانِيْنَ مُصْعَدُ***جَنِيْبٌ وَجُثْماني بِمَكَّةَ مُوْثَقُ(49) والمسند إليه ـ هو اي ـ أي: مهويّ، أورده مضافاً، لأنّه اختُصر من «الذي أهواه» وما يؤدي مؤدّاه. وقد تكون الإضافة لتعظيم شأن المضاف المسند إليه، نحو: (عبد الخليفة ركب). أو شأن المضاف إليه المسند إليه نحو: (عبدي حضر) تعظيماً للمتكلّم بأنّ له عبداً ـ وهو المضاف إليه المسند إليه ـ . أو شأن غيرهما، نحو: (عبد السلطان عندي) (تعظيماً للمتكلّم بأنّ عبد السلطان عنده)(50) وهو غير المسند إليه، وغير المضاف إليه المسند إليه. وقد تكون الإضافة لقصد احتقار المسند إليه نحو: (ولد الحجّام حاضر). أو المضاف إليه المسند إليه، نحو: (ضارب زيد حاضر). أو غيرهما، نحو: (ولد الحجّام يجالس زيداً). قال:
28 ـ وَإنْ مُنَكَّراً فَلِلْتَحْقِيْرِ***وَالضِدّ والإِفْرادِ والتَكْثِيْرِ
أقول: إن كان المسند إليه منكّراً، فتنكيره لقصد تحقير، أو ضدّ التحقير ـ وهو التعظيم ـ يعني: إنّه بلغ في انحطاط الشأن أو ارتفاعه إلى حدٍّ لا يمكن أن يعرّف، الهامش (49) من قصيدة قالها الشاعر وهو في الحبس، والشاعر من مخضرمي الدولتين العباسيّة والاُموية، اُنظر أخباره في الوشاح 1/130 وجامع الشواهد 3/306. (50) ما بين القوسين لم يرد في «خ» و «ق».
ص65 نحو قول ابن أبي السمط:
لَهُ حاجِبٌ في كُلّ أمْر يَشِيْنُهُ***وَلَيْسَ لَهُ عَنْ طالِبِ العُرْفِ حاجِبُ(51)
تنكير (حاجب) الأوّل للتعظيم، أي: حاجب عظيم، والثاني للتحقير، أي: مانع حقير فكيف بالعظيم؟! ويكون التنكير للإفراد، أي: القصد إلى فرد غير معيّن ممّا يشمله اسم الجنس، نحو قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى)(52). وللتكثير، نحو قولهم: (إنّ له لإبلا). وللتقليل، نحو قوله تعالى: (رضوان من الله أكبر)(53)، وإليه أشار بقوله: (وضدّه) أي: ضدّ التكثير ـ وهو التقليل ـ في صدر البيت التالي. قال:
29 ـ وضِدّهِ، الوَصْفُ لِلتَبْيِيِن***والمَدْحِ والتَخْصِيْصِ والتعَيْينِ
أقول: إيراد الوصف للمسند إليه: (قد يكون للتبيين والكشف، نحو: الجسم الطويل العريض العميق، يحتاج إلى فراغ يشغله)(54). الهامش (51) من أبيات لابن أبي السمط، وقيل: إنّ اسمه مروان بن أبي حفصة وقيل: إنّه لأبي الطحّان حنظلة ابن الشرقي، فلاحظ الوشاح 1/133 وجامع الشواهد 2/423. (52) الآية20 من سورة يس36. (53) الآية72 من سورة التوبة9. (54) ما بين القوسين لم يرد في «خ».
ص66 وقد يكون للمدح. وقد يكون للتخصيص، وهو ـ في عرف هذا الفنّ ـ عبارة عن: تقليل الاشتراك في النكرات، ورفع الاحتمال في المعارف. وفي عرف النحاة يختصّ بالأوّل، ويسمّون الثاني «توضيحاً». والراجز لمّا جرى ـ هنا ـ على اصطلاح النحاة سمّى المعنى الثاني «تعييناً». مثال التخصيص (رجل عالم جاء). و (زيد العالم قال) مثال للتعيين إن لم يتعيّن قبل الوصف، وإلاّ، فمثال المدح. وقد يكون لغير ذلك من الاعتبارات، كالذمّ والترحّم، وغير ذلك. قال:
30 ـ وَكَوْنُهُ مُؤَكَّداً فَيَشْمَلُ(55)***لِدَفْعِ وَهِْ كَوْنِهِ لا يَشْمَلُ
أقول: تأكيد المسند إليه يكون: لدفع توهّم عدم الشمول، نحو: (جاءني القوم كلّهم أو أجمعون) لئلاّ يتوهّم أنّ بعضهم لم يجىء، إلاّ أنّك لم تعتدّ بهم، أو جعلت الفعل الواقع عن البعض كالواقع عن الكلّ، بناءً على أنّهم في حكم شخص واحد، كما يقال: (بنو تميم قتلوا زيداً) وإنّما قتله واحد منهم. وقد يكون لدفع توهّم السهو، نحو: (جاء زيد زيد)، لئلاّ يتوهّم أنّ الجائي عمرو، وإنّما ذكر زيد على سبيل السهو. وقد يكون لدفع توهّم التجوّز، أي: التكلّم بالمجاز، نحو: قطع اللّصّ الأمير الأمير، أو نفسه، أو عينه، لئلاّ يتوهّم أنّ إسناد القطع إلى الأمير مجازٌ، وإنّما الهامش (55) في المطبوعة: فيحصل.
ص67 القاطع بعض غلمانه. وإلى الوجهين الأخيرين أشار بقوله: (والسهو والتجوّز المباح) في البيت التالي: قال:
31 ـ والسَهْوِ والتَجَوُّزِ المُباحِ***ثُمَّ بَيانُهُ فَلِلإِيْضاحِ
أقول: تعقيب المسند إليه بعطف البيان يكون لإيضاحه باسم مختصّ به، نحو: (قدم صديقك خالدٌ). ولا يلزم كون الثاني أوضح; لجواز أن يحصل الإيضاح من اجتماعهما. وقد يكون ـ أيضاً ـ للمدح، كما ذكر صاحب الكشّاف إنّ: (البيت الحرام) في قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس)(56) عطف بيان، جيء به للمدح. وقوله في البيت التالي: (باسم به يختصّ) من تتمّة هذا البحث. قال:
32 ـ باسْم بِهِ يَخْتَصُّ، والإِبْدالُ***يَزِيْدُ تَقْرِيْراً لِما يُقالُ
أقول: إيراد البدل من المسند إليه يزيد تقريراً لما يُقال، أي للمسند إليه، نحو: (جاء أخوك زيد) حصل التقرير بالتكرير. قال:
33 ـ والعَطْفُ تَفْضِيْلٌ(57) مَعَ إقْتِرابِ***أوْ رَدُّ سامِع إلى الصَوابِ
ص68 أقول: عطف شيء على المسند إليه يكون: لتفصيل المسند إليه، مع اقتراب، أي اختصار، نحو (جاء زيد وعمرو) فإنّ فيه تفصيلا للفاعل من غير دلالة على تفصيل الفعل، إذ «الواو» إنّما هي للجمع المطلق، من غير تعرّض لتقدّم أو تأخّر أو معيّة. وقوله: (مع اقتراب)، إحتراز عن نحو: (جاءني زيد وجاءني عمرو) فإنّ فيه تفصيلا مع أنّه ليس من عطف المسند إليه، بل هو عطف الجملة. ويكون لتفصيل المسند، بأنّه حصل من أحد المذكورين أوّلا، ومن الآخر بعده متراخياً، أو غير متراخ، مع اقتراب أيضاً ـ واحترز به عن نحو: (جاءني زيد وعمرو بعده بيوم أو سنة) ـ نحو: (جاءني زيد فعمرو) لتفصيل المسند مع عدم التراخي، و: (جاءني زيد ثمّ عمرو) لتفصيل المسند مع التراخي. وقد يكون لردّ السامع من الخطأ في الحكم إلى الصواب فيه، نحو: (جاء زيد لا عمرو) لمن اعتقد أنّهما جاءاك معاً. قال:
34 ـ والفَصْلُ لِلتَخْصِيصِ، والتَقْديْمُ***فَلاِهْتِمام يَحْصَلُ(58) التَقْسِيْمُ
35 ـ كالاصْلِ، والتَمْكِيْنِ والتَفَأُّلِ***وقَدْ يُفِيْدُ الاخْتِصاصَ إنْ وَلِي
36 ـ نَفْياً وقَدْ على خِلافِ الظاهِرِ***يأتي، كأوْلى والْتِفات دائِرِ
أقول: تعقيب المسند إليه بضمير الفصل لتخصيص المسند إليه بالمسند، أي: لقصر الهامش (58) كذا في مطبوعة المتن، لكن كان في النسخ «حاصل» بدل يحصل، ولعلّ الأفضل: حصل.
ص69 المسند(59) عليه، نحو (زيد هو القائم) معناه: القيام مقصور على زيد لا يتجاوزه إلى عمرو ـ مثلا ـ . وإلى هذا أشار بقوله: والفصل للتخصيص. وتقديم المسند إليه على المسند لكون ذكره أهمّ، والأهمّ يقدّم، وتلك الأهميّة: إمّا أن تكون ناشئةً عن كون تقديمه الأصل; لأنّه المحكوم عليه في حالة لا يكون شيء مقتضياً للعدول عنه، فحينئذ يصير تقديمه أهمّ، نحو (زيد قائم). وإنّما قلنا: لا يكون شيء مقتضياً للعدول عنه؟. لأنّه لو كان ـ كما في الجملة الفعليّة، فإنّ كون المسند هو العامل يقتضي العدول عن تقديم المسند إليه ـ لم يكن تقديمه أهمّ، فلا يقدّم. أو تكون الأهميّة ناشئةً عن إرادة تمكين الخبر في ذهن السامع لأنّ في المبتدأ تشويقاً إلى الخبر، ومعلوم أنّ حصول الشيء بعد الشوق ألذّ وأوقع في النفس، كقول أبي العلاء المعرّي:
والذي حارَت البَرِيَّةُ فِيْهِ***حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمادِ(60)
أو تكون الأهميّة ناشئةً من إرادة التفاؤل بما صُدِّر به الكلام، إذا كان المسند إليه ممّا يتأتّى فيه ذلك، نحو: سعد في دارك. الهامش (59) في «ق»: المسند إليه عليه. (60) قبله:
بِانَ أمْرُ الإِلهِ واخْتلَفَ النا***سُ فَداع إلى الضَلالِ وهادِ
واسم الشاعر أحمد بن عبدالله التنوخيّ، يرثي بالقصيدة بعض العلماء ومطلعها:
غَيْرُ مُجْد في مِلّتي واعْتِقادي***نَوْحُ باك ولا تَرَنُّمُ شادِ
اُنظر: الوشاح 1/155 وجامع الشواهد 1/297.
ص70 إلى غير ذلك من الاعتبارات. وإلى ما ذكرنا مفصّلا أشار الراجز مجملا بقوله: (والتقديم ـ أي: تقديم المسند إليه ـ فلاهتمام يحصل التقسيم) أي: يكون لاهتمام حاصل من التقسيم(61) بأنّ التقديم إمّا لأنّه الأصل ولا مقتضي للعدول عنه، أو لتمكين الخبر في ذهن السامع، أو للتفاؤل، أو لغير ذلك. قوله: (وقد يفيد الاختصاص إن ولي * نفياً) إشارة إلى أنّه قد يفيد تقديم المسند إليه ـ بشرط أن يكون المسند إليه واقعاً بعد حرف نفي، والخبر جملة فعليّة ـ لتخصيصه بالمسند(62)، أي: قصر المسند عليه، نحو: (ما أنا قلت هذا) معناه: عدم قول هذا مقصور عليّ، لا يتجاوز عنّي إلى غيري، ولذا يلزم أن يكون غيره قائلا لهذا. هذا كلّه إذا خرج الكلام على وفق مقتضى الظاهر من الحال. وقد يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر من الحال، لاقتضاء الحال إيّاه، وإليه أشار بقوله: (وقد على خلاف الظاهر * يأتي، كأولى والتفات دائر) يعني: قد يأتي الكلام على خلاف مقتضى الظاهر من الحال; لاقتضاء الحال إيّاه، وذلك كالاُولى، والالتفات الدائر على ألسنة أرباب هذا الفنّ. أمّا قوله: (كأوْلى) فإشارة إلى أنّه قد يُتلقّى المخاطب بغير ما يترقّب; بسبب حمل كلامه على خلاف مراده; تنبيهاً على أنّ ذلك الغير هو الأولى بالقصد والإرادة; كقول القبعثرى للحجّاج ـ وقد قال الحجّاج له متوعّداً إيّاه: (لأحملنّك على الأدهم) أراد الحجّاج القيد ـ: (مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب) فأبرز وعيد الحجّاج في معرض الوعد، وتلقّاه بغير ما يترقّب; بأن حمل «الأدهم» في كلامه على الفرس الأدهم ـ أي: الذي غلب سواده حتّى ذهب البياض فيه وضمّ الهامش (61) ما بين القوسين لم يرد في «خ» ولا «ق». (62) كذا في «ق» وفي غيره: المسند.
ص71 إليه «الأشهب» أي: الذي غلب بياضه حتّى ذهب ما فيه من السواد ـ، ومراد الحجّاج إنّما هو القيد، فنبّه على أنّ الحمل على الفرس هو الأولى بأن يقصده. وقوله: (والتفات دائر) إشارة إلى ما يسمّيه علماء المعاني «التفاتاً» وهو: التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة، التي هي التكلّم والخطاب والغيبة، بعد (التعبير عن ذلك المعنى بطريق آخر منها، بشرط أن يكون التعبير)(63) الثاني على خلاف مقتضى الظاهر، ويكون مقتضى ظاهر سوق الكلام أن يعبّر بغير هذا الطريق. وذلك يكون في كلّ من التكلّم والخطاب والغيبة، أي كلّ منهما ينقل إلى الآخرين(64) فتصير الأقسام ستّة، حاصلة من ضرب الثلاثة في الاثنين: مثال الانتقال من التكلّم إلى الخطاب: (ما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه تُرجعون)(65) مكان: أرجع. وإلى الغيبة (إنّا أعطيناك الكوثر، فصلّ لربّك)(66) مكان: لنا. ومن الخطاب إلى التكلّم، قول الشاعر:
طَحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسانِ طَرُوْبُ***بُعَيْدُ الشَبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيْبُ(67)
الهامش (63) ما بين القوسين لم يرد في «ق». (64) كذا في «خ» وكان في «ش» و «ق»: كلّ منهما ينقل إلى الأخيرين. (65) الآية22 من سورة يس36. (66) الآية2 من سورة الكوثر108. (67) كتب في هامش «ق» على كلمة «مَشِيْبُ» قوله: أي زمان قرب الشيب وإقباله على الهجوم.
ص72 يُكَلِّفُني ـ مكانَ: يُكَلِّفُكَ ـ لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ وَلْيُها***وَعادَتْ عَواد بَيْنَنا وَخُطُوْبُ(68)
وإلى الغيبة: (حتّى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم)(*) مكان: بكم. ومن الغيبة إلى التكلّم: (والله الذي أرسل الرياح، فتثير سحاباً، فسقناه)(69) مكان: ساقه. وإلى الخطاب: (مالك يوم الدين إيّاك نعبد)(70) مكان: إيّاه. ووجه حسن الإلتفات أنّ الكلام إذا نُقل من اُسلوب إلى اُسلوب، كان أحسن تطريةً لنشاط السامع، وأكثر إيقاظاً للإصغاء إلى ذلك الكلام. البابُ الثالِثُ أحْوالُ المُسْنَدِ قال:
37 ـ لِما مَضى التَرْكُ مَعَ القَرينَهْ***والذِكْرُ أنْ يُفِيْدَنا تَعْيِيْنَهْ
أقول: ترك المسند مع القرينة الدالّة عليه يكون لقصد الاحتراز عن العبث، الهامش (68) هو لعلقمة الفحل بن عبدة التميمي، يمدح بها الحارث بن جبلة، وهو من المخضرمين. انظر القصيدة وأخبار الشاعر في الوشاح 1/190 ولاحظ جامع الشواهد 2/75. (*) من الآية22 من سورة يونس10. (69) الآية9 من سورة فاطر35. (70) الآية4 و5 من سورة الحمد1.
ص73 والاختصار، وغير ذلك من الاعتبارات التي سبق اعتبارها في المسند إليه. وإنّما قال في المسند إليه: «حذفه» وفي المسند: «تركه» رعاية للطيفة، وهي: أنّ المسند إليه أقوى ركن في الكلام وأعظمه، والاحتياج إليه فوق الاحتياج إلى المسند، فحيث لم يذكر في الكلام لفظاً فكأنّه اُتي به لفرط الاحتياج إليه، ثمّ أُسقط لغرض، بخلاف المسند; فإنّه ليس بهذه المثابة في الاحتياج، فيجوز أن يترك ولا يؤتى به لغرض، وذلك نحو قول ضابىء بن الحارث البرجمي:
وَمَنْ يَكُ أَمْسى بِالمدينة رحْلُهُ***فإِنّي وَقيَّارٌ بِها لَغَرِيْبُ(71)
فإنّ ياء المتكلّم إسمه، ولغريب خبره، وقيّار مسند إليه، والمسند محذوف للاختصار والاحتراز عن العبث، حيث تعيّن بالقرينة(72)، فذكره عبث. وقوله: والذكر أن يفيدنا تعيينه، يعني: أنّ ذكر المسند لأن يفيد الذكر تعيين المسند(73) فعلا، فيفيد التجدّد، أو اسماً: فيفيد الثبوت، كما أشار إليه فيما بعد. قال:
38 ـ وَكَوْنُهُ فِعْلا فَلِلتَقيُّدِ***بالوَقْتِ مَعْ إفادَةِ التَجَدُّدِ
39 ـ واسْماً فلانْعِدامِ ذا ومرفْرَداً***لأنَّ نَفْسَ الحُكْمِ فيهِ قُصِدا
أقول: كون المسند فعلا يكون لتقييده بالوقت، أي: بأحد الأزمنة الثلاثة التي هي الماضي والمستقبل والحال، على أخصر وجه، بخلاف الاسم نحو: (زيد قائم أمس الهامش (71) قاله الشاعر في السجن وقد حبسه عثمان بن عفّان الاُموي، اُنظر قصّته في الوشاح 1/203، ولاحظ جامع الشواهد 2/234. (72) كذا في «ق» وهو الصحيح، وكان في «ش» و «خ»: بلا قرينة. (73) كلمة «المسند» وردت في «ش» فقط.
ص74 أو الآن أو غداً) فإنّه يحتاج إلى إنضمام قرينة، وأمّا الفعل فأحد الأزمنة جزءٌ مفهومه، فهو بصيغته يدلّ عليه. مع إفادة التجدّد، الذي من لوازم الزمان، الذي هو جزء من مفهوم الفعل، وتجدّد الجزء وحدوثه يقتضي تجدّد الكلّ وحدوثه، وظاهر أنّ الزمان غير قارّ الذات لا تجتمع أجزاؤه(74) بعضها مع بعض، كقول طريف بن تميم:
أوَ كُلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبيْلَةٌ***بَعَثُوا إِليَّ عَرِيْفَهُمْ يَتَوسَّمُ(75)
أي: يتفرّس الوجوه ويتأمّلها، يحدث منه ذلك التوسُّم شيئاً فشيئاً، ويصدر منه النظر لحظةً فلحظةً. وكون(76) المسند اسماً فلانعدام ذا، أي التقييد المذكور وإفادة التجدّد، بل لإفادة الثبوت والدوام، لأعراض تتعلّق بذلك، كالمدح والذمّ وما أشبه ذلك ممّا يناسبه الدوام والثبات(77)، كقوله:
لا يَأْلَفُ الدِرْهَمُ المَضْرُوبُ صُرَّتَنا***لَكِنْ يُمُرُّ عليها وَهُو مُنْطَلِقُ(78)
يعني: إنّ الانطلاق ثابت له دائم، من غير اعتبار تجدّد. وكون المسند مفرداً لكون نفس الحكم فيه مقصوداً من غير اعتبار تقوّي الهامش (74) كذا في «ش» وكان في «ق»: أجزاؤها، وفي «خ» أجزاءٌ. (75) كان الشاعر لا يتقنّع لما يحضر أسواق الأدب في الجاهلية كسوق عُكاظ، فجاءه من يتفرّس وجهه، فقال ذلك. اُنظر: الوشاح 1/217 وجامع الشواهد 1/275. (76) كذا في «ق» وفي غيره: يكون. (77) في «خ»: الثبوت. (78) قائله النضر أو جؤية، وقد تمثّل حاتم الطائي بأبياته هذه، فانظر القصّة في الوشاح 1/219 وجامع الشواهد 2/358.
ص75 الحكم (أو كون المسند سببيّاً(79). لأنّه لو كان المراد تقوّي الحكم)(80) يؤتى فيه بالجملة الفعليّة، نحو: (زيد ضرب) حيث جعل(81) التقوّي بتكرّر الإسناد. وإن كان المراد كونه سببيّاً يؤتى فيه بالجملة، نحو: (زيد انطلق أبوه، أو أبوه منطلق). وإلى هذا أشار بقوله: (لأنّ نفس الحكم فيه قصدا). قال:
40 ـ والفِعْلُ بالمَفْعُولِ إِنْ تَقَيَّدا***وَنَحْوُِهُِ فليُفيدَ اَزْيَدا
أقول: تقييد الفعل ونحوه، من اسم الفاعل والمفعول وغير ذلك، بمفعول مطلق، أو به، أو فيه، أو له، أو معه، ونحوه: من الحال، والتمييز، والاستثناء، فليفيد أزيد ممّا أفاده بدون التقييد، وذلك الازدياد يوجب الغرابة الموجبة لقوّة فائدة الكلام. وقوله: (ونحوه) إمّا بالرفع عطف(82) على قوله: «والفعل»، أو بالجرّ عطف(83) على قوله: «بالمفعول». وترك التقييد يكون لمانع من إفادة الأزيد، كعدم العلم بالمقيّدات، أو عدم الهامش (79) علّق في «خ» هنا بما نصّه: والمراد بالمسند السببيّ جملة علّقت على مبتدإ بضمير لا يكون ذلك الضمير في تلك الجملة مسنداً إليه كالجملة التي وقعت مسنداً في قولك: (زيد أبوه منطلق) منه سلّمه الله تعالى. (80) ما بين القوسين لم يرد في «ش». (81) في بعض النسخ: حصل. (82) و (83) في «ق»: «عطفاً» في الموضعين.
ص76 الاحتياج إليها أو خوف انقضاء الفرصة، أو عدم إرادة أن يطلع السامع أو غيره من الحاضرين على زمان الفعل أو مكانه، ويشير إليه بصدر البيت التالي: قال:
41 ـ وَتَرْكُهُ لِمانِع مِنْهُ، وإنْ***بِالشَرْطِ لاعْتبار ما يَجيْءُ مِنْ
42 ـ أدااتِهِ والجَزْمُ أَصْلٌ في إذا***ـ لا إِنْ ـ ولَوْ ولا كذاكَ مَنْعٌ ذا
أقول: تقييد الفعل بالشرط، نحو: (اُكرمك إن تكرمني، وإن تكرمني اُكرمك) يكون لاعتبارات وحالات تستفاد من التقييد بأدوات الشرط، وقد فصّل ذلك في النحو، ولكن لابدّ من النظر هنا في بعض مباحثها، المتعلّقة «بإن، وإذا، ولو» المهملة في علم النحو. فنقول: «إن وإذا» مشتركان في أنّهما للشرط في الاستقبال، وعدم الجزم بلا وقوع الشرط فيهما، لكن يفترقان بأنّ أصل «إن» عدم الجزم بوقوع الشرط في اعتقاده المتكلّم، وأصل «إذا» الجزم بوقوعه في اعتقاده. و «لو» للشرط في الماضي مع القطع بانتفاء الشرط، فيلزم انتفاء الجزاء، كما تقول: (لو جئتني لأكرمتك)، معلّقاً الإكرام بالمجيء مع القطع بانتفائه، فيلزم انتفاء الإكرام. فقوله: «ولو» عطف على قوله: «إذا يعني: إنّ الجزم أصل في «إذا ولو» إلاّ أنّ بينهما فرقاً من جهة أنّ الأصل في «إذا» الجزم بالوقوع، وفي «لو» بالامتناع. وقوله: (ولا كذاك منع ذا) إشارة إلى ما ذكرنا من أنّه لا فرق بين «إن وإذا» في أنّ عدم وقوع الشرط فيهما غير مقطوع. وقوله: (والجزم أصل ...) إلى آخره، إشارة إلى أنّه قد يأتي على خلاف ذلك
ص77 لنكتة، كإبراز غير الحاصل في معرض الحاصل. قال:
43 ـ والوَصْفُ والتَعْريْفُ والتأخِيْرُ***وَعكْسُهُ يُعْرَفُ والتَنْكِيْرُ
أقول: نكتة التعريف والتأخير وعكسه ـ أي: التقديم ـ والتنكير، تعرف ممّا ذكر في أحوال المسند إليه: فتعريفه للإشارة إلى معيّن، نحو: (زيد القائم). وتنكيره لقصد الإفراد، نحو: (زيدٌ إنسان). وتأخيره لأنّه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه. وتقديمه إذا كان أهمّ. البابُ الرابعُ أحْوالُ مُتَعَلّقاتِ الفِعْلِ قال:
44 ـ ثُمَّ مَعَ المَفْعُولِ حالُ الفِعْلِ***كحالِهِ مَعْ فاعِل مِنْ أَجْلِ
45 ـ تَلَبُّس، لا كَوْن ذاكَ قَدْ جَرى***وإنْ يُرَدْ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرا
46 ـ النَفْيُ مُطْلَقاً أوِ الإِثْباتُ لَهْ***فَذَاكَ مثلُ لازِم في المَنْزِلَهْ
أقول: وليعلم أنّ كثيراً من الاعتبارات السابقة يجري في متعلّقات الفعل، لكن عقد هذا الباب لتفصيل بعض من ذلك، لاختصاصه بمزيد بحث عنه.
ص78 ولابدّ لذلك من تقديم مقدّمة وهي ما أشار إليه بقوله: (ثمّ مع المفعول ...). إلى آخره، يعني: إنّ حال الفعل مع المفعول كحاله مع الفاعل، من أجل أنّ الغرض من ذكره معل تلبّس، أي: إفادة تلبّس الفعل بالفاعل (لا كون ذاك قد جرى) أي: لا كون الفعل واقعاً مطلقاً من غير اعتبار تعلّقه بالفاعل أو المفعول، أي: إفادة وقوعه في نفسه من غير إرادة أن يعلم ممّن وقع أو على من وقع، إذ لو اُريد ذلك لقيل: (وقع الضرب، أو وجد، أو ثبت) من غير ذكر الفاعل أو المفعل; لكونه عبثاً. ثمّ أشار بقوله: (وإن يرد ...) إلى آخره، إلى أنّه إذا لم يذكر المفعول به مع الفعل المسند إلى فاعله، فالغرض: إن كان إثبات الفعل للفاعل أو نفيه عنه، من غير اعتبار تعلّقه بمن وقع عليه، نزّل الفعل المتعدّي منزلة اللازم، ولم يقدّر له مفعول، لأنّ المقدّر كالمذكور في أنّ السامع يفهم منه أنّ الغرض الإخبار بوقوع الفعل عن الفاعل باعتبار تعلّقه بمن وقع عليه. وإن كان الغرض تعلّقه بمن وقع عليه، لزم تقدير المفعول بحسب القرائن، والحذف ـ حينئذ ـ يكون لنكتة. وإلى القسم الأوّل أشار بقوله: (وإن يرد) يعني: إن اُريد النفي والإثبات له، أي للفاعل، من غير اعتبار تعلّقه بالمفعول، فذاك الفعل مثل لازم ـ أي: فعل لازم ـ في المنزلة، من غير تقدير المفعول له، وذلك نحو قوله تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)(84) والمعنى ـ والله أعلم ـ: لا يستوي الهامش (84) الآية9 من سورة الزمر39.
ص79 الذين وجد لهم حقيقة العلم والذين لم توجد لهم تلك الحقيقة. وإلى القسم(85) الثاني أشار بقوله في صدر البيت التالي أعني قوله: (من غير تقدير وإلاّ لزما) أي: إن لم يُرد الإثبات والنفي بدون التعلّق بالمفعول، بل اعتبر تعلّقه به، لزم تقدير المفعول. قال:
47 ـ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيْر وإلاّ لَزِما***والحَذْفُ لِلبَيانِ فِيْما اُبْهِما
48 ـ أوْ لِمَجيْىءِ الذِكْر أوْ لِرَدِّ***تَوَهُّمِ السامِعِ غَيْرَ القَصْدِ
49 ـ أوْ هُوَ لِلتَعْمِيْمِ أوْ لِلفاصِلَهْ***أوْ هُوَ لاسْتِهْجانِكَ المُقابَلَهْ
أقول: حذف المفعول يكون: للبيان بعد الإبهام، نحو: (لو شاء لهداكم أجمعين)(86) والمعنى: لو شاء هدايتكم، فإنّه لمّا قيل: «لو شاء» علم السامع أنّ هناك شيئاً عُلّقت المشيئة عليه، لكنّه مبهم، فإذا جيء بجواب الشرط صار مبيّناً، فصار أوقع في النفس. وقد يكون لمجيء الذكر، أي ذكر المفعول بعده، على وجه يتضمّن إيقاع الفعل على صريح لفظه، لا على الضمير العائد إليه، إظهاراً لكمال العناية بوقوعه عليه، حتّى كأنّه لا يرضى أن يوقعه على ضميره، وإن كان كنايةً عنه، كقوله:
قَدْ طَلَبْنا، فَلَمْ نَجِدْ لَكَ في السُؤْ***دَدِ والمَجْدِ والمَكارِمِ، مِثْلا(87)
الهامش (85) كلمة القسم في ش فقط. (86) الآية9 من سورة النحل16. (87) هو للبُحتري أبي عبادة من قصيدة يمدح بها المعتزّ بالله أوردها في الوشاح 1/286 واُنظر: جامع الشواهد 2/278 مطلعها: =
ص80 أي: قد طلبنا لك مثلا، إذ لو ذكره لكان المناسب: فلم نجده، فيفوت الغرض، أعني: إيقاع عدم الوجدان على صريح لفظ (المثل). وقد يكون لدفع توهّم إرادة غير المراد، ابتداءً، كقوله:
وَكَمْ ذُدْتَ عَنِّي من تَحَمُّلِ(88) حادث***وسَوْرَةِ أَيّام حَزَزْنَ إلى العَظْمِ(89)
أي قطعن اللحم إلى العظم، فحذف المفعول; إذ لو ذكر اللحم لربّما توهّم ـ قبل ذكر ما بعده، أي: ما بعد اللحم، أعني «إلى العظم» ـ أنّ القطع لم ينته(90) إلى العظم، وإنّما كان في بعض اللحم. وقد يكون للتعميم في المفعول، مع الاختصار، نحو قوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام)(91) أي: جميع عباده، وهذا التعميم، وإن أمكن أن يُستفاد من ذكر المفعول بصيغة العموم، لكن يفوت الاختصار. وقد يكون لرعاية الفاصلة، نحو قوله: (والضحى، والليل إذا سجى، ما ودّعك ربّك وما قلى)(92) أي: ما قلاك. وقد يكون لاستهجان ذكره، كقول عائشة: ما رأيت منه ـ أي: من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما رأى منّي، أي: العورة، وإليه أشار بقوله (أو لاستهجانك المقابلة) أي: المقابلة بذكر مفعولي الفعلين أعني: رأيت، ورأى. الهامش =
إنّ سَيْرَ الخَليط حِيْنَ اسْتَقَلاّ***كانَ عَوْناً لِلدَمْعِ لمّا اسْتَهَلاّ
(88) في خ: تحامل. (89) هو للبحتري من قصيدة، يمدح بها أبا الصقر إسماعيل بن بلبل الشيباني، مطلعها:
أعَنْ سَفَه يَوْمَ الاُبَيْرَقِ أمْ حِلْم***وُقُوْفٌ بِرَبْع أوْ بُكاءٌ على رَسْمِ
أوردها في الوشاح 1/273، واُنظر: جامع الشواهد 3/185. (90) في ق لم يسر. (91) الآية25 من سورة يونس10. (92) الآية3 من سورة الضحى93.
ص81 قال:
50 ـ وَقَدِّمِ المَفْعُولَ أَوْ شَبِيْهَهُ***رَدَّاً على مَنْ لَمْ يُصِبْ تَعْيِيْنَهُ
أقول: تقديم المفعول ونحوه ـ من الجارّ والمجرور، والظرف، والحال، ونحو ذلك ـ على الفعل، لردّ الخطِ في التعيين، كقولك: (زيداً عرفت) لمن اعتقد أنّك عرفت إنساناً، وأصاب في ذلك، واعتقد أنّه غير زيد، وأخطأ فيه. قال:
51 ـ وبَعْضَ مَعْمُول على بَعْض كَما***إِذا اهْتِمامٌ أوْ لاِصْل عُلِما
أقول: تقديم بعض معمولات الفعل على بعض: إمّا لأنّه أهمّ، نحو: (قتل الخارجيّ فلان) الأهمّ في تعلّق القتل هو الخارجي المقتول ليتخلّص الناس من شرّه. أو لأنّ تقديمه الأصل ولا مقتضي للعدول عنه، نحو: أعطيت زيداً درهماً، فإنّ المفعول الأوّل فيه أصله التقديم; لما فيه من معنى الفاعليّة، وهو أنّه عاط، أي آخذ للعطاء. البابُ الخامِسُ بابُ القَصْرِ قال:
52 ـ القَصْرُ نَوْعانِ حَقيقيٌّ وَذا***ضَرْبانِ والثاني إِضافيٌّ كَذا(93)
الهامش (93) كذا في المصرية، وفي سائر النسخ: الاضافيّ.
ص82 53 ـ كَقَصْرِكَ الوَصْف(94) على المَوصُوفِ***وعَكْسِه من نَوْعِهِ المَعْرُوفِ
أقول: القصر في اللغة: الحبس، وفي الاصطلاح: تخصيص شيء بشيء (بطريق مخصوص. وهو حقيقي وإضافي، لأنّ تخصيص شيء بشيء)(95): إمّا أن يكون بحسب الحقيقة، بأن لا يتجاوزه إلى غيره أصلا، وهو الحقيقي. أو بحسب الإضافة إلى شيء آخر، بأن لا يتجاوزه إلى ذلك الشيء وإن أمكن أن يتجاوزه إلى شيء آخر في الجملة، وهو ]الـ[ إضافي. وكلّ منهما نوعان: قصر الموصوف على الصفة وهو أن لا يتجاوز الموصوف من تلك الصفة إلى صفة اُخرى، لكن يجوز أن تكون تلك الصفة إلى صفة اُخرى، لكن يجوز أن تكون تلك الصفة لموصوف آخر. وقصر الصفة على الموصوف، وهو: أن لا تتجاوز الصفة عن ذلك الموصوف إلى موصوف آخر، لكن يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات اُخر. وقوله: (من نوعه المعروف) إشارة إلى قصر الموصوف على الصفة. قال:
54 ـ طُرُقُه النفيُ والاسْتثناهما***والعَطْفُ والتَقْدِيمُ ثُمَّ إنّما
55 ـ دلالة التقديمِ بالفَحْوى وما***عَداهُ بالوَضْعِ وأيْضاً مِثْلَما
56 ـ القَصْرُ بَيْنَ خَبَر ومُبْتدا***يكونُ بَيْنَ فاعِل وما بَدا
الهامش (94) كذا في النسخ، لكن في المصرية: فقصْرُ صفة، بدل (كقصرك الوصف). (95) ما بين القوسين ساقط من خ و ق.
ص83 57 ـ مِنْهُ فَمَعْلُومٌ وقَدْ يُنزَّلُ***مَنْزِلَةَ المَجْهُولِ أوْ ذا يُبْدَلُ
أقول: طرقه: أي، طرق القصر كثيرة، والمذكور هنا أربع: أحدها: النفي والاستثناء، كقولك: ما ضرب زيدٌ إلاّ عمراً. وثانيها: العطف، كقولك: ضرب زيد لا عمرو. ومنها: تقديم ما حقّه التأخير، نحو: (إيّاك نعبد)(96). ومنها: إنّما; كقولك: إنّما ضرب زيد. قوله: (دلالة التقديم بالفحوى وما * سواه(97) بالوضع) معناه: أنّ دلالة التقديم على القصر إنّما تكون بالفحوى، لا بالوضع، وما سواه إنّما يدلُّ عليه بالوضع. وأيضاً: كما يكون القصر بين الفاعل وبين ما بدا منه(98) أي: الفعل، كذلك يكون بين المبتدأ والخبر، نحو: ما زيد إلاّ قائم، وزيد شاعر لا كاتب، وغير ذلك. واعلم إنّ أصل الحكم الذي استعمل فيه «ما وإلاّ» أن يكون حكماً ممّا يجهله المخاطب وينكره; بخلاف «إنّما» فإنّ أصله أن يكون الحكم المستعمل هو فيه (حكماً ممّا يعلمه المخاطب ولا ينكره. فقوله: فمعلوم، أي: إذا كان أداة القصر «إنّما» فالحكم المستعمل هو فيه)(99) يجب أن يكون من شأنه أن يكون معلوماً، على عكس «ما وإلاّ». الهامش (96) الآية5 من سورة الحمد1. (97) كذا هنا، وتقدّم في المتن: وما عداه. (98) كذا الظاهر، وكان في النسخ: ما بدا لفاعل منه. (99) ما بين القوسين ساقط من ش.
ص84 قوله: (وقد ينزّل * منزلة المجهول) يعني: قد ينزّل الحكم المعلوم للمخاطب منزلة المجهول له، فيستعمل له «ما وإلاّ» لاعتبار مناسب، نحو: (وما محمّد إلاّ رسول)(100) أي: مقصور على الرسالة، لا يتعدّاها إلى التبرؤ من الهلاك، فالمخاطبون ـ وهم الصحابة ـ كانوا عالمين بكونه (مقصورا على الرسالة)(101) غير جامع بين الرسالة والتبرؤ عن الهلاك، لكنّهم لمّا كانوا يعدّون هلاكه أمراً عظيماً، نزّل(102) استعظامهم هلاكه منزلة إنكارهم إيّاه، فاستعمل له النفي وإلاّ، والاعتبار المناسب هو: الإشعار بعظم هذا الأمر في نفوسهم وشدّة حرصهم على بقائه عليه السلام. قوله: (أو ذا يبدل) إشارة إلى أنّه قد ينزّل المجهول منزلة المعلوم، فيستعمل له «إنّما» لاعتبار مناسب، وهو: ادّعاء الظهور، نحو قوله تعالى ـ حكايةً عن اليهود ـ: (إنّما نحن مصلحون)(103) ادّعوا أنّ كونهم مصلحين أمر ظاهر من شأنه أن لا يجهله المخاطب. الهامش (100) الآية144 من سورة آل عمران3. (101) ما بين القوسين من ق فقط. (102) كذا في ق، وفي ش: ينزل، وفي خ لزم. (103) الآية11 من سورة البقرة2.
ص85 البابُ السادِسُ بابُ الإِنْشاءِ قال:
58 ـ ويَقْتضي الإِنشا(104) إذا كانَ طَلَبْ***ما هُوَ غَيْرُ حاصِل والمُنْتَخَبْ(105)
59 ـ فِيْهِ التَمَنّي وَلَهُ المَوْضُوعُ***لَيْتَ وإنْ لَمْ يَكُن(106) الوُقُوعُ
60 ـ وَلَوْ وهَلْ مِثْلُ لَعَلَّ الداخِلَهْ***فِيْهِ والاسْتِفْهامُ والمَوْضُوعُ لَهْ
61 ـ هَلْ هَمزةٌ مَنْ ما وأيٌّ أيْنا***كَمْ كَيْفَ ايّانَ مَتى أَمْ أنّى
أقول: الإنشاء قد يطلق على نفس الكلام الذي ليس لنسبته خارج يطابقه أو لا يطابقه، وقد يقال على ما هو فعل المتكلّم، أعني: إلقاء مثل هذا الكلام، كما أنّ الإخبار كذلك. والأظهر أنّ المراد ـ ههنا ـ هو الثاني، بقرينة تقسيمه إلى الطلب وغير الطلب، وتقسيم الطلب إلى التمنّي، والاستفهام، وغيرهما. والمراد بها معانيها المصدريّة، بقرينة قوله: (وله الموضوع: ليت) لظهور أنّ «ليت» ـ مثلا ـ مستعمل لمعنى التمنّي، لا لقولنا: (ليت زيداً قائم). فالإنشاء: إن لم يكن طلباً، كأفعال المقاربة، وأفعال المدح والذمّ، وصيغ العقود، الهامش (104) كذا في النسخ وكان في المطبوعتين: يستدعي الانشاء. (105) كذا في المطبوعتين وكان في النسخ: ومنتخب. (106) كذا في خ و ق وكان في ش وطد: يمكن.
ص86 والقسم، وربّ، ونحو ذلك، فلا يبحث عنها، لقلّة المباحث (الإنشائية)(106م) المتعلّقة بها، ولأنّ ـ في الأصل ـ أكثرها أخبار نقلت إلى معنى الإنشاء. وإذا كان طلباً، يقتضي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب، لامتناع طلب الحاصل، فلو استعمل صيغ الطلب في مطلوب حاصل امتنع إجراؤها على معانيها الحقيقيّة، ويتولّد منها ـ بحسب القرائن ـ ما يناسب المقام. وأنواع الطلب كثيرة، والمنتخب منها ههنا: التمنّي: والموضوع له «ليت» وإن لم يكن ـ أي: لم يوجد ـ الوقوع لما يتمنّى به، نحو: ليت الشباب يعود. و «لو» و «هل» مثل «لعلّ» الداخلة في الطلب في كون منها داخلةً في الإنشاء الطلبيّ، مثل: (لو تأتيني فتحدّثني) بالنصب، (فإنّ النصب)(107) قرية على أنّ «لو» ليست على أصلها، إذ لا ينُصب المضارع بعدها بإضمار «أن»، وإنّما تضمر بعد الأشياء الستّة، والمناسب ههنا هو التمنّي. ومن المنتخب للإنشاء الطلبي ـ أيضاً ـ الاستفهام: واللفظ الموضوع له: هل وهمزة، ومن، وما، وأي، وأين، وكم، وكيف، وأيّان، ومتى، وأنّى. قال:
62 ـ فَهَلْ بِها يُطْلَبُ تَصْدِيقٌ وما***لا هَمْزةٌ تَصَوُّرٌ وهِيَ هُما
63 ـ وقَدْ للاسْتِبْطاءِ والتَقْرِيْرِ***وغَيْرِ ذا يكُونُ والتَحْقِيْرِ
أقول: يطلب بـ«هل» التصديق، أي: انقياد الذهن وإذعانه بوقوع نسبة تامّة الهامش (106م) كلمة الانشائية وردت في ق فقط. (107) ما بين القوسين من ش فقط.
ص87 بين الشيئين وتدخل في الجملة الفعليّة، نحو: هل قام زيد، وفي الاسميّة، نحو: هل عمرو قاعد. فإن طلب بها وجود الشيء في نفسه، نحو: (هل زيد موجود) تسمّى: «هل البسيطة». وإن طلب وجود الشيء لغيره، نحو: (هل زيدٌ قائم) تسمّى: «هل المركّبة». و «ما» ـ لا الهمزة ـ يطلب بها التصوّر فقط: فإن طلب بها تصوّر مسمّى الاسم ومدلول اللفظ، من غير اعتبار تحقّقه في الخارج، كقولك: ما الكلمة؟ تسمّى: «ما الشارحة للاسم». وإن طلب بها تصوّر مسمّى الاسم; باعتبار تحقّقه ووجوده في الخارج، نحو: ما الإنسان؟ أي: حقيقته الموجودة في الخارج، تسمّى «ما الحقيقة». قوله: (وهي هما) يعني: أنّ الهمزة تكون لطلب التصديق والتصوّر، كليهما. مثال طلب التصديق: أزيد قائم؟ وأقام زيد؟. ومثال طلب التصوّر ـ في طلب تصوّر المسند إليه ـ: (أدبس في الإناء أم عسل؟) عالماً بحصول شيء في الإناء، طالباً لتعيينه. وفي طلب تصوّر المسند: (أفي الخابية دبس أم في الزقّ؟) عالماً بكون الدبس في واحد من الخابية والزقّ، طالباً لتعيين ذلك. قوله: (وقد للاستبطاء) يعني: مطلق أداة الاستفهام قد يكون للاستبطاء، نحو: كم دعوتك؟. وقد يكون للتقرير، أي: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه، وإلجائه إليه نحو: (أليس الله بكاف عبده)(108). الهامش (108) الآية36 من سورة الزمر39.
ص88 وقد يكون لغير هذا، كالتعجّب، نحو: (ما لي لا أرى الهدهد)؟!(109). وقد يكون للتحقير، نحو: من هذا؟ استحقاراً بشأنه مع أنّك تعرفه. وغير ذلك من الاعتبارات المناسبة للمقام. قال:
64 ـ وَالأمْرُ وَهُوَ طَلَبُ اسْتِعْلاءِ***وقَدْ لأْنواع يكونُ جائي(110)
أقول: من أنواع الطلب: الأمر، وهو: طلب الفعل على سبيل الاستعلاء، (وقد يكون لمعان اُخر)(111). كالإباحة، نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين. والتهديد، نحو: (اعملوا ما شئتم)(112). والتعجيز، نحو: (فأتموا بسورة من مثله ...)(113). والتسخير، نحو: (... كونوا قردةً خاسئين)(114). وإلى ذلك أشار بقوله: وقد لأنواع: يكون جائي. قال:
65 ـ وَالنَهْيُ وهُوَ مِثْلُهُ بلا بِدا***والشَرْطُ بَعْدَها يَجُوزُ والنِدا
الهامش (109) الآية20 من سورة النمل27. (110) جاء هذا البيت هكذا في المطبوعتين وش، وجاء في غيرها:
والامر وهُو الطلب استِعْلاءاً***وقد لانواع يكونُ جاءا
(111) ما بين القوسين ورد في ق فقط. (112) الآية40 من سورة سورة فصلت41. (113) الآية23 من سورة البقرة2. (114) الآية65 من سورة البقرة2 و166 الأعراف7.
ص89 أقول: من أنواع الطلب النهي، وهو: طلب ترك الفعل على جهة الاستعلاء، وإليه أشار بقوله: (وهو مثله بلا بدا) يعني: أنّ النهي مثل الأمر في الجزء الأخير للمعنى(115) وهو قيد الاستعلاء، لا في الجزء الأوّل، فإنّ متعلّق الطلب في الأمر: الفعل، وفي النهى: تركه. وقوله: (والشرط بعدها يجوز) إشارةٌ إلى أنّه يجوز تقدير الشرط بعد الأربعة المذكورة سابقاً، وهي: التمنّي، والاستفهام، والأمر، والنهي وإيراد الجزاء عقبها(116) مجزوماً بـ«إن» المضمرة مع الشرط: كقولك في التمنّي: (ليت لي(117) مالا أُنفقه) أي: إن اُرزقه اُنفقه. وفي الاستفهام: (أين بيتك؟ أزرك) أي: إن تعرّفنيه أزرك. وفي الأمر: (أكرمني اُكرمك)، أي إن تكرمني، اُكرمك. وفي النهي: لا تشتم; يكن خيراً منك(118)، (أي: إن تشتم يكن خيراً منك)(119). قوله: (والندا) يعني: من أنواع الطلب النداء، وهو: طلب الإقبال بحرف نائب مناب (أدعو) لفظاً أو تقديراً، نحو: (يازيد)، بتقدير: أدعو زيدا. وقد تستعمل صيغته في غير معناه، (وهو طلب الإقبال)(120). الهامش (115) كذا في ق، والنصّ فيه محذوف من الجملة التالية إلى محلّ التعليق التالي، وكان في النسخ هنا: في جزء أخير المعنى. (116) إلى هنا سقط في ق وجاء موضعها قوله: الأوّل وهو الأربعة يجزم الفعل عقبها بإن، وفي ش بعدها، بدل عقبها. (117) كلمة لي وردت في ق فقط. (118) في ق: لك بدل منك. (119) كذا في ش وفي ق: إن لا تشتم يكون خيراً لك، وما بين القوسين ساقط من خ. (120) ما بين القوسين من ق فقط.
ص90 كالإغراء في قولك لمن أقبل يتظلّم: (يامظلوم) قصداً إلى إغرائه، وحثّه على زيادة التظلّم وبثّ الشكوى; لأنّ الإقبال حاصل. وكالاختصاص في قولهم: (أنا أفعل ـ ياأيّها الرجل ـ) فقولنا: أيّها الرجل، أصله تخصيص المنادى بطلب إقباله عليك، ثمّ جعل مجرّداً عن طلب الإقبال، ونقل إلى تخصيص مدلوله من بين أمثاله بما نُسِبَ إليه، إذ ليس المراد بـ«أي» صفة المخاطب، بل ما يدلّ عليه ضمير المتكلّم، فـ«أيّها» مضموم، و «الرجل» مرفوع، والمجموع في محلّ نصب على أنّه حال، والمعنى: أنا أفعل مخصّصاً(121) من بين الرجال. وإلى ذلك المفضّل أشار مجملا في صدر البيت التالي، بقوله: (وقد للاختصاص والإغراء * تجيء). قال:
66 ـ وقَدْ للاخْتِصاصِ والإِغْراءِ***تَجِيْءُ، ثُمَّ مَوْقِعَ الإِنْشاءِ
67 ـ قَدْ يَقَعُ الإِخْبارُ للتَفاؤُلِ***والحِرْصِ أوْ بِعَكْسِ ذا، تَأَمَّلِ
أقول: قد يقع الخبر موضع الإنشاء: إمّا للتفاؤل، بلفظ الماضي، دلالةً على أنّه كأنّه وقع، نحو: وفّقك الله للتقوى. أو لاظهار الحرص في وقوعه، فإنّ الطالب إذا عَظُمَ رغبته في شيء يكثر تصويره(122) إيّاه، فربّما يخيّل إليه حاصلا فيورده بلفظ الماضي، نحو: رزقني الله لقاءك. قوله: (أو بعكس ذا تأمّل) إشارة إلى أنّه قد يقع الإنشاء موضع الخبر، الهامش (121) كذا في خ وفي ق: تخصّصاً، وفي ش: متخصّصاً. (122) في ق تصوّره.
ص91 كقوله:
أسِيْئِيْ بنا أَوْ أَحْسِنْي لا مَلُومةً***لَدَيْنا ولا مَقْليَّةً إنْ تَقلَّتِ(123)
أي: إنّا راضون بما تفعلين في حقّنا، ولا نلومك، أسأت أو أحسنت، ولا نبغضك(124) إن أنت تقلّيت وغضبت علينا. وفي «تقلّت» التفات من الخطاب إلى الغيبة، احترازاً عن نسبة التقلّي إلى العشيقة المخاطبة. البَابُ السابِعُ مَبْحثُ الفَصْلِ والوَصْلِ والوصل: عطف بعض الجمل على بعض، (والفصل تركه)(125). قال:
68 ـ إنْ نُزِّلَتْ ثانيَةٌ من ماضِيَهْ***كَنَفْسِها أوْ نُزِّلَتْ كالعارِيَهْ(126)
69 ـ إفْصِلْ وإنْ تَوَسَّطَتْ فالوَصْلُ***لجامِع(127) أرْجَح ثُمَّ الفَصْلُ
70 ـ لِلْحالِ حَيْثُ أصْلُها(128) قَدْ سَلِما***أَصْلٌ وإنْ مُرَجِّحٌ تَحَتَّما
أقول: وجب الفصل، إذا أتت جملة بعد جملة، إن كانت الجملة الثانية نازلةً من الهامش (123) لم أعثر على قائله. (124) كذا في ش لكن في خ و ق: ينفضل. (125) ما بين القوسين في خ فقط. (126) جاء البيت في المصرية هكذا:
إنْ نُزّلَتْ تالِيةٌ من ثانيه***كَنَفسها أو نَزَلَتْ كالعاريه
(127) في المطبوعتين: بجامع. (128) في المصرية: بما لحال أصلها ...
ص92 الجملة الماضية ـ أي الاُولى ـ منزلة نفسها، أي: إن كان بينهما كمال الاتّصال، وذلك بأن تكون الجملة الثانية مؤكّدة للاُولى تأكيداً معنويّاً لدفع توهّم تجوّز أو غلط، نحو (... لا ريب فيه)(129) بالنسبة إلى (ذلك الكتاب ...)(130) إذا جُعل «ذلك الكتاب» جملةً مستقلّةً منفردة عن سابقه، و «لا ريب فيه» جملةً اُخرى مؤكّدةً لدفع ما يتوهّم من أنّه ـ أي: ذلك الكتاب ـ ممّا يرمى به جزافاً. أو بأن تكون الجملة الثانية بدلا من الاُولى، لأنّها غير وافية بتمام المراد، نحو: (أمدّكم بما تعلمون، أمدّكم بأنعام وبنين وجنّات وعيون)(131) فإنّ المراد التنبيه على نعم الله تعالى، والمقام يقتضي اعتناءً بشأنه، لكونه مطلوباً في نفسه، وذريعةً إلى غيره. إلى غير ذلك من الأسباب المقتضية لكمال الاتّصال. وأيضاً: يجب، إذا كانت الثانية نازلةً من الاُولى كالعارية، أي كان بينهما كمال الانقطاع، وذلك عند اختلافهما خبراً وإنشاءاً، لفظاً ومعنىً، (نحو قوله الشاعر:
وقال رَائِدهُمْ: اُرْسُوا نُزَاوِلُها***فَكُلُّ حَتْفِ امْرِىء يَجْري بِمِقْدارِ(132)
لم يعطف «نزاولها» على «ارسوا» لأنّه خبر لفظاً ومعنىً، و «ارسوا» إنشاءٌ لفظاً ومعنىً)(133). وإلى ما ذكرنا أشار بقوله: (إن نزِّلت ...) إلى آخره، يعني: إنّ نزّلت الجملة الثانية من الجملة الاُولى كنفسها، لأنّ بينهما كمال الاتّصال، أو نزّلت منها كالعارية الهامش (129) الآية2 من سورة البقرة2. (130) الآية2 من سورة البقرة2. (131) الآية131 من سورة الشعراء26. (132) هو للأخطل واسمه غياث بن الغوث التغلبي من حذّاق الشعراء في الوصف والمديح، اُنظر جامع الشواهد 3/160 والوشاح 2/8. (133) ما بين القوسين لم يرد في ش.
ص93 لأنّ بينهما كمال الانقطاع، افصل أنت وجوباً. قوله: (وإن توسّطت ...) إلى آخره، يعني: إنّ الوصل واجبٌ إذا لم يكن بينهما كمال الاتّصال ولا كمال الانقطاع، بل التوسّط بينهما إذا كان بينهما جامعٌ أرجح. والجامع بينهما يجب أن يكون باعتبار المسند إليهما كما في: (زيد قائم وعمرو ذاهب) إذا كان بينهما مناسبة كالاُخوّة والصداقة، ونحو ذلك، أو المسندين، نحو: (يشعر زيد ويكتب) للمناسبة الظاهرة بين الشعر والكتابة، وتقارنهما في خيال أصحابهما. وتفصيل الحال: إذا كان أصل الحال . أي: ما ينبغي أن يكون الحال عليه ـ سالماً من معارض، فإنّ الحال الأصل فيه أن يكون بغير واو، فإنّه بمنزلة النعت لصاحبه. ويترك ذلك الأصل إذا لم تشتمل(134) الجملة الواقعة حالا على رابطة غير العاطف، نحو: (جاء زيد وعمرو ذاهب) حتّى يرتبط الحال بصاحبها، وإلى هذا أشار بقوله: (ثمّ الفصل ...) إلى آخره، أي: الفصل أصل للحال حيث أصلها قد سلِم من معارض. قوله: (وإن مرجّح تحتّما) يعني: إن كان مرجّح لذلك الأصل تحتّم ذلك الأصل، وذلك إذا كانت الجملة الواقعة حالا فعليّة; فعلها مضارع مثبت، نحو: (جاء زيد يضحك) فإنّه لا يجوز الوصل أصلا، لأنّ الأصل ـ في الحال ـ الحال المفردة التي امتنع الوصل فيها، وهي تدلّ على حصول صفة لما جعلت الحال له، والمضارع المثبت كذلك، فيمتنع الواو فيه; كما في المفردة. الهامش (134) كذا في ش لكن في خ و ق: لم يشمل.
ص94 البابُ الثامِنُ مَبْحَثُ الإِيْجازِ والإِطْنابِ والمُساواةِ قال:
71 ـ تَوْفِيَةُ المَقْصُودِ بِالناقِصِ مِنْ***لَفْظ لَهُ الإِيجازُ والإِطْنابُ إنْ
72 ـ بِزائِد عَنْهُ(135) وضَرْبا الأوّل***قَصْرٌ وَحَذْفُ جُمْلة أوْ جُمَلِ
73 ـ أوْ جُزْءِ جُمْلة وما يَدُلُّ***عليهِ أنْواعٌ ومِنْهُ العَقْلُ
أقول: المقبول من طرق التعبير تأدية أصل المراد بلفظ مساو له، نحو: (ولا يحيق المكر السيء إلاّ بأهله)(136) ويسمّى: مساواةً. أو بلفظ ناقص عنه، واف، ويسمّى: إيجازاً، وهو ضربان: إيجاز قصر، وهو ما ليس بحذف، نحو: (ولكم في القصاص حياة)(137) فإنّ معناه كثير، ولفظه قليل، ولا حذف فيه. وإيجاز حذف، والمحذوف: إمّا جملة، نحو: (ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل)(138) أي: فعل ما فعل ليحقّ. الهامش (135) في ق: منه. (136) الآية43 من سورة فاطر35. (137) الآية179 من سورة البقرة2. (138) الآية8 من سورة الأنفال8.
ص95 أو أكثر من جملة واحدة، نحو: (أنا اُنبّئكم بتأويله، فأرسلون، يُوسف)(139) أي: فأرسلون إلى يوسف، لأستعبره الرؤيا، ففعلوا فأتاه وقال له: يايوسف. أو جزء جملة: إمّا عمدةً فيها، نحو ما مرّ في حذف المسند إليه والمسند، أو فضلةً، نحو: (واسأل القرية)(*) أي: أهل القرية. وقولنا في تعريف الايجاز: (واف) احتراز عن (الإخلال) فإنّه التعبير عن المعنى المراد بلفظ ناقص عنه، غير واف، كقوله:
والعَيْشُ خَيْرٌ في ظِلالِ النَوْكِ***مِمَّنْ عاشَ كَدّا(140)
وأصل المراد: إنّ العيش الناعم في ظلال النوك ـ وهو الحمق والجهالة ـ خير من العيش الشاقّ في ظلال العقل، ولفظه غير واف بذلك، فيكون مخلاًّ، فلا يكون مقبولا. وما يدلّ على الحذف أنواع: ومنه ـ أي ما يدلّ على الحذف ـ العقل، نحو: (وجاء ربّك)(141) فالعقل يدلّ على امتناع مجيء الربّ تعالى وتقدّس، ويدلّ على تعيين المراد ـ أيضاً ـ أي: أمره أو عذابه. والإطناب: تأدية المراد بلفظ زائد عليه; لفائدة. الهامش (139) الآية45 من سورة يوسف12. (*) من الآية82 من سورة يوسف12. (140) هو من قصيدة للحارث بن حلزّة اليشكري من شعراء الجاهلية وصاحب واحد من المعلّقات مطلعها
آذنتنا بِبَيْنِها أسماءٌ***رُبَّ ثاو يملُّ منهُ الثواءُ
اُنظر أخباره في الوشاح 2/58 وجامع الشواهد 3/96. (141) الآية22 من سورة الفجر89.
ص96 وقولنا: «لفائدة» احتراز عن «التطويل» فإنّه المشتمل على الزائد لا لفائدة، ولا يكون الزائد متعيّناً، نحو قوله:
وَقَدَّدَتِ الأَدِيْمَ لِراهِشَيْهِ***وأَلْفى قَوْلَها كِذْباً وَميْنا(142)
والكذب والمين واحد. قال:
74 ـ وَجاءَ لِلتَوْشِيْعِ بِالتَفْضِيْلِ***ثان والاعْتِراضِ والتَذْيِيْلِ
أقول: جاء ... ثان، أي «الإطناب» للتوشيع، والاعتراض، والتذييل: أمّا التوشيع، ففي اللغة: لفُّ القطن المندوف، وفي الاصطلاح: ما أشار إليه بقوله: (بالتفصيل)، وهو: أن يؤتى في عجز الكلام بمثنّى مفسّر باسمين، ثانيهما معطوف على الأوّل، نحو: يشيب ابن آدم ويشيب فيه خصلتان، الحرص وطول الأمل. وأمّا الاعتراض، فهو: أن يؤتى ـ في أثناء الكلام، أو بين كلامين متّصلين معنىً ـ بجملة، أو أكثر، لا محلّ لها من الإعراب، لنكتة سوى دفع الإيهام، كالتنزيه في قوله تعالى: (ويجعلون لله البنات ـ سبحانه ـ ولهم ما يشتهون)(143) والدعاء في قوله:
إنّ الثَمانِيْنَ ـ وَبُلِّغْتَها ـ***قَدْ اَحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمانْ(144)
الهامش (142) هو لعديّ بن زيد العبادي يخاطب النعمان بن المنذر ملك العرب، يحكي له قصّة جذيمة الأبرش مع الزبّاء حيث غدرت به في قصّة معروفة، اُنظر القصيدة والقصّة في الوشاح 2/61، ولاحظ: جامع الشواهد 3/166. (143) الآية57 من سورة النحل16. (144) هو من شعر عوف بن محلم الخزاعي، من اُدباء العلماء وظرفاء الشعراء، اُنظر أخباره وشعره هذا في الوشاح 2/98، وانظر: جامع الشواهد 1/247.
ص97 والتنبيه في قوله:
وَاعْلَمْ ـ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ـ***أنْ سَوفَ يأتي كُلُّ ما قُدِّرا(145)
وأمّا التذييلُ، فهو: تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها، للتوكيد كقوله
وَلَسْتَ بِمُستَبْق أخَاً لا تَلَمُّهُ***على شَعَث، أيُّ الرِجالِ المُهَذَّبُ(146)
أي: لست أنت بمستبق أخاً لا تلمنه(147) على شعث، أي تفرّق، وذميم خصال، فهذا الكلام يدلّ بمفهومه على نفي الكامل من الرجال، وقد أكّده بقوله: (أي الرجال المهذّب). الهامش (145) لم يسمّ قائله، اُنظر: جامع الشواهد 3/87. (146) من شعر النابغة الذبياني زياد بن معاوية يعتذر به إلى النعمان بن المنذر. اُنظر: جامع الشواهد 3/206. (147) كذا في «ش» وكان في «خ» و «ق»: تلمه.
ص98 الفَنُّ الثاني عِلْمُ البَيانِ قال:
75 ـ عِلْمُ البَيانَِ ما بِهِ يُعَرَّفُ***إيْرادُ ما طُرُقُهُ تَخْتَلِفُ
76 ـ في كَوْنِها واضِحةَ الدِلالَهْ***… … …
أقول: قدّمه على البديع للاحتياج إليه في تحصيل نفس البلاغة، وتعلّق البديع بالتوابع. وهو ما ـ أي علمٌ ـ يعرف به إيراد ما ـ أي معنىً ـ طرقه ـ أي التراكيب الدالّة عليه ـ تختلف في كونها واضحة الدلالة، أو خفيّة الدلالة عليه، يعني: يكون بعضها واضح الدلالة وبعضها خفيّ الدلالة عليه. والمراد: ملكة الاقتدار على إيراد ذلك المعنى بكلّ واحد من تلك التراكيب، فلو عرف واحد إيراد معنى قولنا: (زيد جواد) بطرق مختلفة، لم يكن بمجرّد ذلك عالماً بالبيان، ما لم يصر ذلك ملكةً له بالنسبة إلى كلّ معنىً دخل تحت قصده. قال:
… … … ***فَما بِهِ مِنْ لازِمِ المَوْضُوعِ لَهْ
77 ـ إمّا مَجازٌ مِنْهُ الاسْتِعارَهْ***تُبْنى على(148) التَشْبِيْهِ أوْ كِنايَهْ
الهامش (148) كذا في النسخ، لكن في المصرية: تُنْبِى عن.
ص99 أقول: اللفظ المراد به لازم ما وضع له: إن قامت قرينة على عدم إرادة ما وضع له فمجازٌ، وإلاّ فكناية. فإرادة ما وضع له مع اللازم جائز في الكناية، دون المجاز. ومن المجاز: الاستعارة المصرّحة التي تُبنى على التشبيه، أي: أصلها التشبيه نحو: (رأيت أسداً في الحمّام) أي: شجاعاً. فتعيّن التعرّض للتشبيه قبل التعرّض للمجاز، ولهذا قال:
78 ـ وَطَرَفا التَشْبِيْهِ حِسِّيّانِ***ولَوْ خَياليّاً وعَقْلِيّانِ
79 ـ وَمِنْهُ بِالوَهْمِ وبالوِجْدانِ(149)***وَفيْهِما يَخْتَلِفُ الجُزْءانِ
أقول: طرفا التشبيه، وهما: المشبّه والمشبّه به: إمّا حسّيان، والمراد بالحسّي: المدرك ـ هو، أو مادّته ـ بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، أعني: البصر، والسمع، والشمّ والذوق، واللمس: أمّا المدرك هو بإحداها: فكالخدّ والورد، في المبصرات. والصوت الضعيف والهمس، في المسموعات. والنكهة ـ وهي ريح الفمّ ـ والعنبر، في المشمومات. والريق والخمر، في المذوقات. الهامش (149) كذا في المطبوعتين و «ش» وفي سائر النسخ: ومنه ما بالوهم والوجدان.
ص100 والجلد الناعم والحرير، في الملموسات. وأمّا المدرك مادّته بإحداها، فكالخيالي الذي هو عبارة عن لمعدوم الذي فرض مجتمعاً من اُمور، كلّ واحد منها ممّا يدرك بالحسّ، كما في قوله:
وكأنَّ مُحْمَرَّ الشَقِيْقِ***إذا تَصَوَّبَ أوْ تَصَعَّدْ
أعْلامُ ياقُوت نُشِرْنَ على***رِماح مِنْ زَبَرْجَدْ(150)
فإنّ كُلاًّ ـ من: العلم والياقوت والرمح والزبرجد ـ محسوس، لكنّ المركّب ـ الذي هذه الاُمور مادّته ـ ليس بمحسوس، لأنّه ليس بموجود، والحسّ لا يدرك إلاّ ما هو موجود في المادّة، حاضر عند المدرك على هيئات مخصوصة. وإمّا عقليّان، والمراد بالعقلي: ما لا يكون هو ولا مادّته مدركاً بالحسّ الظاهر، كالعلم والحياة، ووجه الشبه كونهما جهتي إدراك إذ المراد بالعلم: الملكة. فدخل في العقلي ما يدرك بالوهم، والمراد به هنا: ما كان غير مدرك بإحدى الحواسّ الظاهرة، ولكنّه بحيث لو أُدرك لكان مدركاً بها، كما في قوله:
أَيَقْتُلُني والمشْرَفيُّ مُضاجِعي***ومَسْنُونَة زُرْق كأَنْيابِ أَغْوالِ(151)
ويدخل ما يدرك بالوجدان ـ أيضاً ـ وهو: ما يدرك بالقوى الباطنة، ويسمّى «وجدانيّات» كاللذّة، وهو: إدراك لما هو عند المدرك خير، من حيث هو كذلك (والالالم، وهو: إدراك لما هو عند المدرك شرّ، من حيث هو كذلك)(152). وقوله: (وفيهما يختلف الجزءآن) يعني: في الحسّي والعقلي يختلف الجزءآن، الهامش (150) الشعر للصنوبري أحمد بن محمّد، أبي بكر الضبّي الحلبي، من أئمّة الأدب والفصاحة والشعر، توفّي سنة334، اُنظر أخباره وشعره في الوشاح 2/122 وجامع الشواهد 3/180. (151) هو لامرئ القيس الكندي من قصيدة، مطلعها:
ألا عِمْ صَباحاً أيُّها الطَلَلُ البالِي***وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخالي
اُنظر القصيدة في الوشاح 2/125، وانظر: جامع الشواهد 1/170 و289. (152) ما بين القوسين لم يرد في «خ».
ص101 أي: المشبّه والمشبّه به، أي: يكون أحدهما حسيّاً والآخر عقليّاً، كالمنيّة والسبع، فإنّ المنيّة ـ أي: الموت ـ عقلي، لأنّه عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّاً، والسبع حسّي. والعطر وخلق كريم، في عكس المثال الأوّل. قال:
80 ـ وَوَجْهُهُ ما اشْتَركا فيهِ وَجا***ذا في حَقِيْقَتَيْهِما وَخارِجا
81 ـ ]وَصْفاً فَحِسّيٌّ وعَقْلِيٌّ وَذا***واحِدٌ أو في حُكْمِهِ أوْ لا كَذا[(153)
أقول: وجه الشبه ما ـ أي: المعنى الذي اشتركا ـ أي: قُصد اشتراك الطرفين ـ فيه، لا مطلق ما اشتركا فيه، فإنّ زيداً والأسد يشتركان في كثير من الأشياء، مع أنّها ليست وجه الشبه. وجاء وجه الشبه خارجاً عن حقيقة الطرفين، كما مرّ. وغير خارج: إمّا عين حقيقة الطرفين، كما في تشبيه ثوب بآخر في نوعهما، كما يقال: (هذا القميص مثل ذلك) في كونهما كتّاناً. أو جزء حقيقتهما المشترك: وهو الجنس، أو المختص: وهو الفصل. فالأوّل، كما إذا كان وجه الشبه ـ في المثال المذكور ـ كونهما ثوباً. والثاني، كما إذا كان وجه الشبه كونهما من القطن. الهامش (153) هذا البيت ورد في مطبوعتي المتن الإيرانية والمصرية، ولم يرد في شيء من مخطوطات الشرح، ولكنّه ضروري لإتمام الاُرجوزة مائة بيت، وإن كان غير مشروع في الشرح، فلاحظ.
ص102 قال:
82 ـ وَالكافُ أوْ كأنَّ أوْ كَمِثْلِ***أداتُهُ وقَدْ بِذِكْرِ فِعْلِ(154)
أقول: أداة التشبيه: الكاف، وكأنّ، ومثل، وقد يشبّه بذكر الفعل، كيشابهه ويماثله وما أشبهه. قال:
83 ـ وَغَرَضٌ مِنْهُ على المُشَبَّهِ***يَعُوْدُ أوْ على مُشَبَّه بِهِ(155)
أقول: الغرض من التشبيه ـ في الأغلب ـ يعود إلى المشبّه، وذلك بيان إمكانه إذا كان أمراً غريباً يمكن أن يخالف فيه، كما في قوله:
فَإنْ تَفُقِ الأنامَ وَأنْتَ مِنْهُمْ***فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ(156)
فإنّه لمّا ادّعى أنّ الممدوح فاق حتّى صار أصلا برأسه وجنساً بنفسه، وكان هذا في الظاهر كالممتنع، احتجّ لهذه الدعوى، وبين إمكانها بأن شبّه هذا الحال بحال المسك الذي هو من الدماء، ثمّ لا يُعدّ في الدماء، لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا توجد في الدم. وقد يعود الغرض منه إلى المشبّه به، كبيان الاهتمام به، كتشبيه الجائع وجهاً ـ كالبدر في الإشراق والاستدارة ـ بالرغيف. الهامش (154) كذا في المصرية، وكان في النسخ: الفعل. (155) كذا في المطبوعتين و «ش»، وكان في النسخ: المشبّه به. (156) للمتنبّي أحمد بن الحسن من قصيدة يرثي بها والدة سيف الدولة الحمداني، اُنظر: الوشاح 2/154 وجامع الشواهد 2/145.
ص103 قال:
84 ـ فباعْتبارِ كُلِّ رُكْن قَسِّما(157)***أنْواعَهُ، ثُمَّ المَجازَ فافْهَما
أقول: التشبيه كما يطلق على المعنى المصدري، كذلك يطلق على الكلام الذي يقع فيه التشبيه بهذا المعنى، كقولك: زيد كالأسد في الشجاعة، وبهذا الاعتبار يسمّى كلّ من طرفيه ـ أداته ووجهه ـ ركناً منه، فباعتبار كلّ ركن من أركانه قسِّم أنواعه: فباعتبار طرفيه أربة: لأنّهما إمّا مفردان، أو مركّبان، أو المشبّه مفرد والمشبّه به مركّب، أو بالعكس. وباعتبار وجهه: إمّا تمثيل إن كان وجه الشبه منتزعاً من عدّة اُمور، وإمّا غير تمثيل، وهو بخلافه. وأيضاً: إمّا مجمل لم يذكر وجه الشبه، أو مفصّل ذكر وجهه. وأيضاً: إمّا قريب مبتذل ينتقل من المشبّه إلى المشبّه به من غير تدقيق، وإمّا بعيد مثله غريب، بخلاف ذلك. وباعتبار الأداة: إمّا مؤكّد حذف أداته، أو مرسل، وهو بخلاف ذلك. وباعتبار الغرض ـ أيضاً ـ: إمّا مقبول، وهو الوافي بإفادة الغرض، أو مردود بخلافه. وتفصيل ذلك موكول إلى مطوّلات الفنّ. قال:
85 ـ مُفْرَدٌ أوْ مُرَكَّبٌ وَتارةً***يَكُونُ مُرْسَلا أوْ اسْتِعارَةً(158)
الهامش (157) كذا في النسخ، وفي المصرية: اقْسِما. (158) في «خ» و «ق»: واستعاره.
ص104 أقول: المجاز المطلق وهو اللفظ المراد به لازم ما وضع له، مع القرينة المانعة من إرادة ما وضع له، إن كانت العلاقة المصحّحة له غير التشبيه، يسمّى «مجازاً مرسلا»، ويكون مفرداً، نحو: (رعينا الغيث) أي: النبت الذي سبّبه الغيث. وإن كان العلاقة التشبيه: فإن كان التشبيه في المعاني التركيبية، كما يقال للمتردّد: (إنّي أراك تقدّم رجلا وتؤخّر اُخرى) شبّه صورة تردّده في ذلك الأمر بصورة تردّد من قام ليذهب، فتارةً يريد الذهاب فيقدّم رجلا، وتارةً لا يريد فيؤخّر اُخرى، فاستعمل في الصورة الاُولى الكلام الدالُّ بالمطابقة على الصورة الثانية، ووجه الشبه هو الإقدام تارةً والإحجام اُخرى، فهو «المجاز المركّب» وقد يسمّى «التمثيل على سبيل الاستعارة» وقد يسمّى «التمثيل» مطلقاً. وإن كان التشبيه في المعاني الإفراديّة، نحو: رأيت أسداً في الحمّام، يسمّى «استعارة مصرّحة» فافهم. وفي الاستعارة يجعل ذا ـ أي: المشبّه ـ ذاك ـ أي: المشبّه به ـ، وادّعي له ـ أي: للمشبّه ـ اسم المشبّه به، وإليه أشار بقوله ـ في صدر البيت التالي ـ: (بجعل ذا ذاك وادّعي له). قال:
86 ـ بجعل ذا ذاك وادُّعِيَ لَهْ(159)***وهي إنْ اسْمُ جِنْس اسْتُعِيْرَ لَهْ
87 ـ أصْلِيّةٌ أوْ لا فَتابِعِيّهْ(160)***وإنْ يَكُنْ ضِدّاً تَهَكميَّهْ
أقول: الاستعارة ـ باعتبار اللفظ المستعار ـ قسمان: الهامش (159) كذا في النسخ، وفي المطبوعة بمصر: بجعل ذا ذاك ادّعاءاً وله. (160) كذا في المصرية، وكان في النسخ: فتبعيّة.
ص105 لأنّ المستعار إن كان اسم جنس، فالاستعارة أصليّة (كأسد) إذا استعير للرجل الشجاع، (وقتل) إذا استعير للضرب الشديد. وإن لم يكن اللفظ المستعار اسم جنس فالاستعارة تبعيّة، وتلك تكون في الفعل، وما يُشتقُّ منه، والحرف، لأنّ الاستعارة في الأوّلين لمعنى المصدر بالإصالة ولهما بالتبع، وفي الثالث لمتعلّق معناه بالإصالة وله بالتبع. ومن أنواع الاستعارة: «الاستعارة التهكّميّة» وهي التي استعملت في ضدّ معناها الحقيقي أو نقيضه، لتنزيل التضادّ أو التناقض منزلة التناسب، بواسطة التهكّم. وهي تكون ـ أيضاً ـ أصليّة وتبعيّة، وإليه أشار بقوله: (وإن يكن ضدّاً تهكّميّة). فالأوّل، كقولك: (رأيت أسداً) وأنت تريد جباناً، على سبيل التهكّم. والثاني، كقوله: (فبشّرهم بعذاب أليم)(*) أي: أنذرهم، استعيرت البشارة ـ التي هي الإخبار بما يُظهر سروراً في المخبر به ـ للإنذار ـ الذي هو ضدّه ـ بإدخال الإنذار في جنس البشارة، على سبيل التهكّم. قال:
88 ـ وما بهِ لازمُ مَعْنىً وَهُوَ لا***مُمْتَنِعاً(161) كِنايةٌ فاقْسِمْ إلى
89 ـ إرادَةِ النِسْبَةِ أوْ نَفْسِ الصِفَهْ***أوْ غَيْرِ هذَيْنِ اجْتَهِدْ أنْ تَعْرِفَهْ
الهامش (*) الآية21 من سورة آل عمران3. (161) كذا في المطبوعتين و «ش» ولكن في النسخ: ممتنع.
ص106 أقول: اللفظ الذي اُريد به لازم معناه(162) ـ والحال أنّ معناه لا يكون ممتنعاً بحسب الإرادة معه ـ «كناية» وهي ثلاثة أقسام: أحدها: الكناية المطلوب بها نسبةٌ، أي: إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه، كقوله
إنَّ السَماحَةَ والمُرُوْءَةَ والنَدَى***في قُبَّة ضُرِبَتْ على ابْنِ الحَشْرَجِ(163)
كنّى عن إثبات هذه الصفات لابن الحشرج بأن جعلها في قبّة مضروبة عليه فأفاد إثبات الصفات المذكورة لابن الحشرج، لأنّه إذا أثبت الأمر في مكان الرجل فقد أثبت له. وثانيها: الكناية المطلوب بها صفة من الصفات، كطول القامة في قوله: (طويل نجاده) فإنّ طول النجاد يستلزم طول القامة. وثالثها: الكناية المطلوب بها غير نسبة ولا صفة، بل موصوف، مثل أن يتّفق في صفة من الصفات اختصاص بموصوف(164) فتذكر تلك الصفة ليتوصّل بها إلى ذلك الموصوف، كقوله:
الضارِبينَ بِكُلِّ أبْيَضَ مِخْذَم***والطاعِنِيْنَ مَجامِع الأضْغانِ(165)
الضغن: الحقد، ومجامع الأضغان: معنىً واحد كناية عن القلوب. وإلى الثالث أشار بقوله: (أو غير هذين اجتهد أن تعرفه). الهامش (162) في «خ» عن نسخة: ما وضع له، بدل «معناه». (163) هو لزيادة الأعجم بن سلمى، أبي اُمامة العَبدي مولاهم، يمدح عبدالله ابن الحَشْرَج، وشعره في الوشاح 3/268 وجامع الشواهد 1/250. (164) في «خ» و «ق»: بموصوف معيّن. (165) لم يُسمّ قائله، اُنظر شرحه في جامع الشواهد 1/191.
ص107 الفَنُّ الثالِثُ عِلْمُ البَدِيْعِ قال:
90 ـ عِلْمُ البَدِيْعِ تَحْسِيْنُ الكَلامِ***رِعايَةَ الوُضُوحِ والمَقامِ(166)
أقول: علم البديع هو: علم به يعرف وجوه تحسين الكلام، بعد رعاية مقتضى المقام الذي علم في المعاني، ورعاية وضوح الدلالة، الذي علم في البيان. وهذا إشارة إلى أنّ هذه الوجوه إنّما تُعدّ محسّنةً للكلام بعد رعاية الأمرين. قال:
91 ـ ضَرْبانِ لَفْضِيٌّ كَتَجْنِيْس وَرَدْ***وسَجْع أوْ قَلْب وَتَشْرِيْع وَرَدْ
أقول: الوجوه المحسنة للكلام، قسمان: الأوّل: اللفظيّ، أي: الراجع إلى تحسين اللفظ أوّلا وبالذات، وإن كان قد يفيد بعضها تحسين المعنى أيضاً. الهامش (166) هذا البيت ورد في جميع النسخ المطبوعة والمخطوطة هكذا:
علم البديعِ وَهْوَ تَحْسِيْنُ الكلامِ***بَعْدَ رِعايَةِ الوُضُوحِ والمقامِ
ولعلّ زيادة (وهو) و (بعد) إنّما هو للشرح والتوضيح، فلاحظ.
ص108 والثاني: المعنوي، وهو بعكس ذلك. ومن المحسنّات اللفظيّة: التجنيس; وهو تشابه في اللفظ، أي: في التلّفظ. فخرج التشابه في المعنى، نحو: أسدٌ وسبع. أو مجرّد العدد، نحو: ضرب وعلم. أو في مجرّد الوزن، نحو: ضرب وقتل. والتامّ منه: أن يتّفق اللفظان في أنواع الحروف، ويكون في المركّب، نحو قوله:
كُلُّكُمْ قَدْ أخَذَ الجامَ ولا جامَ لَنا***ما الذِيْ ضَرَّ مُدِيْرَ الكَأْسِ لَوْ جَامَلَنا(167)
(ومنها: ردّ العجز على الصدر، وهو في النثر: أن تجعل أحد اللفظين المكرّرين، أو المتجانسين، أو الملحقين بهما، في أوّل الفقرة، والآخر في آخرها، نحو: (وتخشى الناس والله أحقّ أن تخشاه)(168) مثال المكرّر. و (سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل) مثال المتجانسين. و (استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً)(169) مثال الملحقين بهما)(170). ومنها: السجع، وهو: توافق الفاصلتين من النثر على حرف واحد في الآخر، ويُطلق على نفس الكلمة الأخيرة من الفقرة، باعتبار توافقها للكلمة الأخيرة من الفقرة الاُخرى، والسجع ثلاثة أضرب: مطرف: إن اختلفت الفاصلتان في الوزن، نحو: (ما لكم لا ترجون لله وقاراً الهامش (167) لأبي الفتح البستي علي بن محمّد الكاتب الشاعر، اُنظر شعره وأخباره في الوشاح 3/138 و142 وجامع الشواهد 2/328. (168) الآية37 من سورة الأحزاب33. (169) من الآية10 من سورة نوح71. (170) ما بين القوسين، ابتداءاً من قوله: «ومنها: ردّ ...» إلى هنا ساقط من «خ» و «ق».
ص109 وقد خلقكم أطواراً)(171) فإنّ (الوقار) و (الأطوار) مختلفان وزناً. وترصيع: إن لم يختلف الوزنان، وكان جميع ما في إحدى القرينتين(172) من الألفاظ مثل ما يقابله من القرينة الاُخرى في الوزن، والتوافق على الأخير، نحو: (هو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه) فجميع ما في القرينة الثانية موافق لما يقابله من القرينة الاُولى. ومتواز: إن لم يكن جميع ما في القرينة ولا أكثر مثل ما يقابله من الاُخرى، نحو: (فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة)(173) لاختلاف (سرر) و (أكواب) في الوزن والتقفية(174). ومنها: «القلب» وهو: أن يكون الكلام بحيث لو عكسته وبدأت بالحرف الأخير إلى الأوّل، كان الحاصل بعينه هو هذا الكلام، كقوله:
مَوَدَّتُهُ تَدُوْمُ لِكُلِّ هَوْل***وَهَلْ كُلٌّ مَوَدَّتُهُ تَدُوْمُ(175)
ومنها: «التشريع» وهو: بناء البيت على قافيتين يصحّ المعنى عند الوقوف على كلّ منهما، كقوله:
ياخاطِبَ الدُنْيا الدَنِيَّةِ إنَّها***شِرْكُ الرَدَى، وَقَرارَةُ الأكْدارِ(176)
(فإن وقفت على (الردى) فالبيت من الضرب الثامن من الكامل)(177). الهامش (171) الآية14 من سورة نوح71. (172) في «خ»: الفقرتين. (173) الآية13 من سورة الغاشية88. (174) في «خ»: القافية. (175) للقاضي الاُرجاني من أبيات ذكرها في الوشاح 3/179، واُنظر: جامع الشواهد 3/49. (176) من أبيات للحريري في مقاماته ]اُنظر المقامة [واُنظر: الوشاح 3/182 وجامع الشواهد 3/323. (177) ما بين القوسين ساقط من «خ».
ص110 وإن وقفت على (الأكدار) فهو من الضرب الثاني منه. قال:
92 ـ والمَعْنَوِيُّ مِنْهُ كالتَسْهِيْمِ***والجَمْعِ والتَفْرِيْقِ والتَقْسِيْمِ
أقول: أمّا المحسِّنات المعنوية: فمنها: «التسهيم» يقال: برد مسهّم: إذا كان فيه خطوط مستوية، وهو: أن تجعل قبل العجز من الفقرة ما يدلّ عليه، إذا عرف الرويّ، نحو: (وما كان الله ليظلمهم * ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)(178). ومنها: «الجمع» وهو: أن يجمع بين اثنين أو أكثر في حكم، كقوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)(179). ومنها: «التفريق» وهو: إيقاع التباين بين أمرين من نوع في المدح، أو غيره، كقوله:
ما نَوالُ الغَمامِ وَقْتَ رَبِيْعِ***كَنوالِ الأمِيْرِ يَوْمَ سَخاءِ
فَنَوالُ الأمِيْرِ بَدْرَةُ عَيْنِ***وَنَوالُ الغَمامِ قَطْرَةُ ماءِ(180)
أوقع التباين بين النوالين. ومنها: «التقسيم» وهو: ذكر متعدّد، ثمّ إضافة ما لكلّ إليه على التعيين، كقوله:
وَلا يُقِيْمُ على ضَيْم يُرادُ بِهِ***إلا الأذَلاّنِ عِيْرُ الحَيّ والوَتَدُ
الهامش (178) الآية40 من سورة العنكبوت29. (179) الآية46 من سورة الكهف18. (180) لرشيد الدين الوطواط. اُنظر: جامع الشواهد 3/18.
ص111 هذا على الخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ***وذا يُشَجُّ فلا يَرْثي لَهُ أحَدٌ(181)
قال:
93 ـ والقَوْلِ بالمُوْجِبِ والتَجْرِيْدِ***والجِدِّ(182) والطِباقِ والتَأْكِيْدِ
أقول: من المحسِّنات المعنوية القول بالموجب، وهو ضربان: أحدهما: أن تقع صفة في كلام الغير كنايةً عن شيء (أُثبت له حكم فتثبتها لغيره من غير تعرّض لثبوت الحكم لذلك الغير وانتفائه عنه)(183)، نحو: (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ * ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين)(184). فالأعزّ صفة وقعت في كلام المنافقين كنايةً عن فريقهم، والأذلّ كناية عن المؤمنين، وقد أثبت المنافقون لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة، فأثبت الله تعالى في الردّ عليهم صفة العزّة لغير فريقهم، وهو الله ورسوله والمؤمنون، ولم يتعرّض لثبوت ذلك الحكم ـ الذي هو الإخراج ـ للموصوفين بالعزّة أعني الله ورسوله والمؤمنين، ولا لنفيه عنهم. والثاني: حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده (حال كون خلاف الهامش (اسم المتلّمس جرير بن عبد المسيح الضبعي، من شعراء الجاهلية. اُنظر أخباره وشعره في الوشاح 3/73، واُنظر: جامع الشواهد 3/201. (182) في مطبوعة المتن: والهزل، بدل «الجد». (183) كذا جاء ما بين القوسين في «ق» وهو ساقط من «خ» وكان في «ش» بدله قوله: أثبت لذلك الشيء حكم، فثبت تلك الصفة لغير ذلك الشيء في كلامك من غير تعرّض لثبوت ذلك الحكم أو نفيه لذلك الغير. (184) الآية8 من سورة المنافقين63.
ص112 مراده)(185) ممّا يحتمله ذلك اللفظ، بذكر متعلّق ذلك اللفظ، كقوله:
قُلْتُ: ثَقَّلْتُ إذْ أتَيْتُ مِراراً***قالَ: ثَقَّلْتَ كاهِلي بِالأيادِي(186)
فلفظ (ثقّلت) وقع في كلام الغير بمعنى: حمّلتك المؤنة، فحمله على تثقيل عاتقه بالأيادي. ومنها: «التجريد» وهو: أن ينتزع من أمر ذي صفة أمراً آخر مثله، لأجل المبالغة، وذلك لكمال تلك الصفة في ذلك الأمر، حتّى كأنّه بلغ من الإتّصاف بتلك الصفة إلى حيث يصحّ أن يُنتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة، نحو قولهم: (لئن سألت فلاناً لتسألنّ به البحر) بالغ في اتّصافه بالسماحة حتّى انتزع منه بحراً في السماحة(187). ومنها: «الجدّ» (وهو: الهزل(188) الذي يراد به الجد)(189) كقوله:
إذا ما تَمِيْمِيُّ أتاكَ مُفاخِراً***فَقُلْ عَدِّ(190) عَنْ ذا، كَيْفَ أكْلُكَ للضَبِّ(191)؟
ومنها «الطباق» وهو: الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة، وهو ضربان: الهامش (185) ما بين القوسين ساقط من «ق». (186) لمحمّد بن إبراهيم الأسدي وقيل لجارية بن الحجّاج، اُنظر، الوشاح 3/2 ـ 133 وجامع الشواهد 2/294. (187) السطران الأخيران مشوشان في نسخة «ش». (188) كذا، وكان في «ش»: الذلّ. (189) ما بين القوسين ساقط من «خ» و «ق». (190) كذا في «ش» وفي «خ» و «ق»: على «وعدّ» فعل من التعدّي، أو تجاوز عن ذا. (191) لأبي نؤاس الحسن بن هاني يفتخر بقحطان ويهجو بني تميم وأسد، اُنظر بقية الأبيات في الوشاح 3/125 ولاحظ: جامع الشواهد 1/93.
ص113 طباق الإيجاب، نحو: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود)(192). وطباق السلب، وهو: أن يُجمع بين فعلي مصدر واحد، أحدهما مثبت والآخر منفي، نحو: (ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا)(193). ومنها: «التأكيد» أي تأكيد المدح بما يشبه الذمّ، وهو ضربان: أحدهما: أن يستثني من صفة ذمٍّ منفيّة عن الشيء، صفة مدح لذلك الشيء بتقدير دخولها فيها، كقوله:
ولا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أنّ سُيُوفَهُمْ***بِهِنَّ فُلُوْلٌ من قِراعِ الكَتائِبِ(194)
والثاني: أن يُثبت لشيء صفة مدح، ويذكر عقيب إثبات صفة المدح لذلك الشيء أداة(195) الاستثناء، بعدها صفة مدح اُخرى لذلك الشيء، نحو: (أنا أفصح العرب، بيد أنّي من قريش). قال:
94 ـ وَالعَكْسِ وَالرُجُوعِ، وَالإِيْهامِ***واللَفِّ والنَشْرِ والاسْتِخْدامِ
أقول: من المحسّنات المعنوية: العكس، وهو: أن تقدّم في الكلام جزءاً، ثمّ تعكس فتقدّم ما أخّرت وتؤخّر ما قدّمت، نحو: عادات السادات، سادات العادات. الهامش (192) الآية من سورة الكهف18. (193) الآية6 و7 من سورة الروم30. (194) للنابغة الذبياني زياد بن معاوية في مدح عمرو الأعرج، اُنظر باقي الأبيات في ا لوشاح 3/111، ولاحظ: جامع الشواهد 3/199. (195) كذا الظاهر، وفي النسخ: إرادة.
ص114 ومنها: «الرجوع» وهو: العود إلى الكلام السابق بنقضه وإبطاله، لنكتة، كقوله:
قِفْ بالدِيارِ التي لَمْ يَعْفُها القِدَمُ***بلى، وغَيَّرَهاى الأرْواحُ والدِيَمُ(196)
والنكتة: إظهار التحيّر. ومنها: «الإيهام» وهو: أنْ يُطلق لفظ له معنيان، قريب وبعيد، ويراد البعيد اعتماداً على قرينة خفيّة، نحو قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد)(197) أراد بـ(الأيد) معناها البعيد وهو القدرة. ومنها: اللفّ والنشر» وهو: ذكر متعدّد، ثمّ ذكر ما لكلّ واحد من آحاد هذا المتعدّد من غير تعيين، ثقةً بأنّ السامع يردّه إليه، نحو: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار * لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله)(198). ومنها «الاستخدام» وهو: أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما، ثمّ يراد بضميره الآخر، كقوله:
إذا نَزَلَ السَماءُ بأرْضِ قَوْم***رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا(199)
أراد (بالسماء) الغيث، وبضميره في (رعيناه) النبت. أو يراد بأحد ضميرين أحد المعنيين، ويراد بالضمير الآخر معناه الآخر، الهامش (196) لزهير بن أبي سلمى في مدح هرم بن سنان، اُنظر: الوشاح 3/38 وجامع الشواهد 2/291. (197) الآية47 من سورة الذاريات51. (198) الآية73 من سورة القصص28. (199) هو لجرير بن عطيّة التميمي، وقيل لغيره، اُنظر: الوشاح 3/44. وجامع الشواهد 1/99.
ص115 كقوله:
فَسَقى الغَضا والسَاكِنِيْهِ وإنْ هُمُ***شَبُّوهُ بَيْنَ جَوانِحي وَضُلُوْعي(200)
أراد بأحد الضميرين، وهو المجرور في (الساكنيه): المكان الذي فيه شجرة الغضا، وبالآخر، وهو المنصوب في (شبّوه) النار الحاصلة من شجرة الغضا. قال:
95 ـ والسَوْقِ والتَوْجِيْهِ والتَوْفِيقِ***والبَحْثِ والتَعْلِيْلِ والتَعْلِيْقِ
أقول: ومن المحسّنات المعنوية: السوق، أي: سَوق المعلوم مساق غيره، لنكتة، كالتوبيخ، كقولها:
أيا شَجَرُ الخابُوْرِ ما لَكَ مُوْرِقاً***كأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ على ابنِ طَرِيْفِ(201)
ومنها: «التوجيه» ويسمّى «محتمل الضدّين» وهو: إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين، كالمدح والذمّ، كقول من قال الأعور: (ليت عينيه سواءٌ) يحتمل صحّة العين العوراء: فيكون دعاءاً له، والعكس: فيكون دعاءاً عليه. ومنها: «التوفيق» وهو: جمع أمرين فصاعداً، متباينين لا بالتضادّ، نحو: (الشمس والقمر بحسبان)(202). ومنها: «البحث» والأظهر أنّ مراده به استيفاء أقسام الشيء الذي يُطلق الهامش (200) هو للبحتري، اُنظر: جامع الشواهد 2/169. (201) هو من قول بنت طريف الخارجيّة واسمها ليلى أو فارعة وقيل غير ذلك شاعرة تجيد الرثاء، اُنظر الوشاح 3/126 وجامع الشواهد 1/283. (202 الآية5 من سورة الرحمن55.
ص116 عليه «التقسيم» كقوله تعالى: (يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل من يشاء عقيماً)(203). فإنّ الإنسان إمّا أن لا يكون له ولد، أو يكون له ولد ذكر، أو اُنثى، أو ذكر واُنثى، وقد استوفى في الآية جميع الأقسام. ومنها: «التعليل» المعروف بينهم بـ«حسن التعليل» وهو: أن يدّعي لوصف علّة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي، كقوله:
لَمْ تَحْكِ نائِلَكَ السَحابُ وإنّما***حُمَّتْ بهِ فَيُصِيْبُها الرُخَصاءُ(204)
ومنها: «التعليق» وهو تأكيد الحكم بما يشعر بالعلّية، نحو (العالم مستحقّ للإكرام) أي: من حيث أنّه عالم. الهامش (203) الآية50 من سورة الشورى42. (204) للمتنّبي، اُنظر: الوشاح 2/94 وجامع الشواهد 2/393.
ص117 خاتِمَةُ الفَنّ الثالِثِ في السَرقاتِ الشِعْرِيّةِ وما يتّصل بها مثل: الاقتباس، التضمين، والعقد، والحلّ، والتلميح(205). قال:
96 ـ السَرقاتُ ظاهِرٌ فالنَسْخُ***يُذَمُّ لا ان اسْتُطِيْبَ(206) المَسْخُ
97 ـ والسَلْخُ مِثْلُهُ، وغَيْرُ ظاهِرِ***كَوَضْعِ مَعْنىً في مَحَلِّ آخَرِ
أقول: «السرقة» اتّفاق قائل مع قائل آخر سابق عليه فيما جاز أن يدّعى فيه السبق والزيادة بين القائلين. فاتّفاق القائلين إن كان في الغرض على العموم ـ كالوصف بالشجاعة والسخاء ـ لا يسمّى سرقةً، وإن كان في وجه الدلالة كالتشبيه والمجاز والكناية، وكذكر هيئة تدلّ على الصفة، لاختصاصها بمن هي له، كوصف الجواد بالتهلّل عند ورود السائلين، ووصف البخيل بالعبوس مع سعة ذات اليد ـ فإن اشترك الناس في معرفته لا يسمّى سرقةً. (وإن لم يشترك، فكان ممّا جاز فيه دعوى التفاضل، فالاتّفاق فيه مع سابق يسمّى سرقةً)(207). الهامش (205) هذا السطر مذكور في «ش» قبل العنوان. (206) كذا في نسخنا ـ متناً وشرحاً ـ وكان في المطبوعة بمصر: (استطيع). (207) ما بين القوسين ساقط من «ق» وهو مشوّش في «خ».
ص118 والسرقة ظاهر، وغير ظاهر: أمّا الظاهر، فهو: أن يؤخذ المعنى كلّه مع اللفظ كلّه أو بعضه، أو وحده: فإن اُخذ مع اللفظ: كلّه من غير تغيير لنظمه(208) فهو مذموم، ويسمّى «نسخاً» وإليه أشار بقوله: (فالنسخ يُذمّ). وإن كان أخذ اللفظ كلّه مع تغيير النظم، أو اُخذ بعض اللفظ لا كلّه، يسمّى «مسخاً»، وهو اثن كان أبلغ، بواسطة حسن السبك أو غيره، فممدوح، وإلاّ فلا، وإليه أشار بقوله: (إن استُطيب(209) المسخ). وإن اُخذ المعنى وحده، يسمّى «سلخاً» وهو مثل المسخ، أي: إن كان أبلغ من الأوّل فممدوح، وإلاّ فلا. مثال الأوّل: ما يُحكى عن ابن زبير أنّه فعل بقول معن بن أوس:
إذا اَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أخاكَ وَجَدْتَهُ***على طَرَف الهِجْرانِ إنْ كانَ يَعْقِلُ
وَيَرْكَبُ حَدَّ السَيفِ مِنْ أنْ تَضِيْمَهُ***إذا لَمْ يكُنْ عَنْ شَفْرةِ السَيْفِ مَرْحَلُ(210)
فقد حُكي أنّ عبدالله بن زبير دخل على معاوية فأنشده هذين البيتين، فقال له معاوية: لقد شعرت بعدي ياأبا بكر! ولم يفارق عبدالله المجلس حتّى دخل معن ابن أوس المزني، فأنشده قصيدته التي أوّلها:
لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنّي لأوْجَلُ***عَلى أيِّنا تَغْدُو المِنَيَّةُ أوَّلُ(211)
حتّى أتمّها، وفيها هذان البيتان، فأقبل معاوية على عبدالله، فقال: الهامش (208) كذا في «ش» وكان في «خ»: نظمه، وفي «ق»: لنظم. (209) كذا وفي متن المصرية (استطيع) كما أشرنا. (210) ابن الزبير هو عبدالله بن الزبير، ومعن من الشعراء المجيدين من المخضرمين، اُنظر أخباره في الوشاح 3/192. (211) اُنظر الشعر وما بعده في جامع الشواهد 2/375، ولاحظ: الوشاح 3/192.
ص119 ألم تخبرني أنّهما لك؟!. فقال: اللفظ والمعنى له، وبعد: فهو أخي من الرضاعة وأنا أحقّ بشعره. ومثال المسخ الممدوح، قول بشّار:
مَنْ راقَبَ الناسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحاجَتِهِ***وَفازَ بِالطَيِّباتِ الفَاتِكُ اللَهِجُ(212)
أي: الشجاع القتّال الحريص على القتل. وقول سَلَم:
مَنْ راقَبَ الناسَ ماتَ هَمّاً***وَفازَ بِاللَذَّةِ الجَسُوْرُ(213)
أي: الشديدُ الجرأة. فبيت سلم أجود سبكاً، وأخصر لفظاً. ومثال السلخ: قول أبي تمّام:
هُوَ الصُنْعُ إنْ تَعْجَلْ فَخَيْرٌ وإنْ تَرِثْ***فَلَلْرَيْثُ في بَعْضِ المَواضعِ أنْفَعُ(214)
وقول أبي الطيِّب:
وَمِنَ الخَيْرِ بُطْوءُ سَيْبِكَ عَنِّي***أسْرَعُ السُحْبِ في المَسِيْرِ الجَهامُ(215)
أي: السحاب الذي لا ماء فيه. الهامش (212) هو لبشّار بن بُرد، اُنظر: جامع الشواهد 3/41 والوشاح 3/199. (213) هو لسلم الخاسر، سمّي خاسراً لأنّه باع قرآناً واشترى بثمنه طنبوراً. اُنظر: الوشاح 3/200 وجامع الشواهد 3/41. (214) لأبي تمّام الطائي، اُنظر: جامع الشواهد 3/305. (215) للمتنبّي أبي الطيّب من قصيدة يمدح بها الخراساني، اُنظر: الوشاح 3/207.
ص120 وأمّا غير الظاهر: فمنه: أن يُنقل المعنى إلى محلّ آخر، كقول البحتري:
سُلِبُوا ـ أي: ثِيابَهُمُ ـ وأشَرَقَتِ الدِماءِ عَلَيْهِمُ***ـ مُحْمَرَّةً ـ فكأنَّهُمْ لَمْ يُسْلَبُوْا(216)
لأنّ الدماء المشرقة كانت بمنزلة ثيابهم. وقول أبي الطيّب:
يَبُسَ النَجِيْعُ عَلَيْه ـ أي: علَى السَيْفِ ـ وَهُوَ مُجَرّدٌ***عَنْ غِمْدِهِ فَكَأنَّما هُوَ مُغْمَدُ(217)
لأنّ الدم اليابس بمنزلة الغمد له. فنقل المعنى من القتل والجرح (إلى السيف)(218). وإليه أشار بقوله: (كوضع معنىً في محلّ آخر). ومنه: أن يتشابه معنى البيت الأوّل، ومعنى البيت الثاني، كقول جرير:
فَلا يَمْنَعْكَ مِنْ إرَب لِحاهُمْ***سَواءٌ ذُو العِمامَةِ والخِمارِ(219)
يعني: إنّ الرجال منهم والنساء سواء في الضعف. وقول أبي الطيّب:
وَمَنْ في كَفِّهِ مِنْهُمْ قَناةٌ***كَمَنْ في كَفِّهِ مِنْهُمْ خِضابُ(220)
الهامش (216) من قصيدة يمدح بها إسحاق بن إبراهيم، اُنظر الوشاح 3/215 وجامع الشواهد 2/53. (217) من قصيدة يمدح بها شجاع بن محمّد الطائي، اُنظر: الوشاح 3/216 وجامع الشواهد 2/54. (218) ما بين القوسين من «ق» فقط. (219) اُنظر: جامع الشواهد 2/311 والوشاح 3/215. (220) اُنظر: جامع الشواهد 2/311 والوشاح 3/215.
ص121 وإليه أشار بقوله في صدر البيت التالي: (أو يتشابهان). ومنه: أن يكون المعنى الثاني أشمل من المعنى الأوّل، كقول جرير:
إذا غَضِبَتْ عَلَيْكِ بَنُو تَمِيْم***وَجَدْتِ الناسَ كُلَّهُمُ غِضابا(221)
لأنّهم يقومون مقام كلّ الناس. وقول أبي نؤاس:
لَيْسَ على الله بِمُسْتَنْكَر***أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ(222)
فإنّه يشملُ الناس وغيرهم، فهو أشمل من معنى بيت جرير، وإليه أشار بقوله ـ في صدر البيت التالي ـ: (أو ذا أشمل). قال:
98 ـ أوْ يَتَشابَهانِ أوْ ذا أشْمَلُ***ومنه قَلْبٌ واقْتِباسٌ يُنْقَلُ
أقول: ومن غير الظاهر: «القلب» وهو: أن يكون معنى الثاني نقيضَ معنى الأوّل، كقول الشاعر:
أجِدُ المَلامَةَ في هَواكَ لَذِيْذةً***حُبَّاً لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ(223)
وقول الآخر:
أأحِبُّهُ وأحِبُّ فيهِ مَلامَةً***إنَّ المَلامَةَ فيهِ مِنْ أعْدائِهِ(224)
الهامش (221) يخاطب امرأةً، اُنظر: باقي الأبيات من القصيدة في الوشاح 3/216، ولاحظ: جامع الشواهد 1/76. (222) من أبيات كتبها للرشيد، اُنظر الوشاح 3/217 وجامع الشواهد 1/77. (223) الشاعر هو أبو الشيص محمّد بن رزين أبو جعفر، عمّ دِعبل بن علي الخزاعي، اُنظر أخباره وشعره في الوشاح 3/217 وجامع الشواهد 1/32. (224) للمتنبّي أبي الطيّب قاله يمدح سيف الدولة الحمداني، اُنظر: 3/220 وجامع الشواهد 1/32.
ص122 وما يصدر من عدوّ المحبوب يكون مبغوضاً، وهذا نقيض معنى البيت الأوّل بهذا الاعتبار، وإن كان إيّاه باعتبار آخر. ومنه: «الاقتباس» وهو: أن يضمّن الكلام ـ نظماً أو نثراً ـ شيئاً من القرآن أو الحديث، على وجه لا يكون فيه إشعاراً بأنّه منه، كما يقال ـ في أثناء الكلام ـ: قال الله تعالى كذا، وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كذا، ونحو ذلك، فإنّه لا يكون اقتباساً، كقوله:
إنْ كُنْتِ أزْمَعْتِ على هَجْرِنا***مِنْ غَيْرِ ما جُرْم فَصَبْرٌ جَمِيْلْ
وإنْ تَبَدَّلْتِ بِنا غَيْرَنا***فَحَسْبُنا الله وَنِعْمَ الوَكِيْلْ(225)
قال:
99 ـ وَمِنْهُ تَضْمِيْنٌ وَتَلْمِيْحٌ وَحَلْ***وَمِنْهُ عَقْدٌ والتَأنُّقْ إنْ تَسُلْ(226)
100 ـ بَراعَةُ اسْتِهْلال انْتِقالُ***حُسْنُ اخْتِتام وانْتَهَى المَقالُ(227)
أقول: ومن غير الظاهر: «التضمين» وهو: أن يُضمن الشعر شيئاً من شعر الغير، بيتاً كان أو ما فوقه، أو مصراعاً أو ما دونه، مع التنبيه على أنّه من شعر الغير، إن لم يكن ذلك مشهوراً، كقوله:
على أنّي سَأُنْشِدُ عِنْدَ بَيْعِي***أضاعُوْني وَأيَّ فَتَىً أضاعُوْا(228)
الهامش (225) لأبي القاسم الكاتبي، اُنظر: جامع الشواهد 1/336 والوشاح 3/225. (226) علّق في «خ» بقوله: يقال: سلّ سيفه من غمده، أي: أخرجه، منه سلّمه الله تعالى وحفظه. (227) في المصريّة:
براعةُ اسْتِهْلال وانْتِقال***حَسْنُ الخِتامِ مُنْتَهى المَقال.
(228) هو للحريري صاحب المقامات ضمّن صدر بيت العُرجي عبدالله بن عمرو، اُنظر: جامع الشواهد 2/93 والوشاح 3/236 و240.
ص123 والمصراع الثاني للعُرجي، وتمامه: ليوم كريهة وسداد ثغر. ومنه: «التلميح» وهو: أن يشير في فحوى(229) الكلام إلى قصّة أو شعر أو مثل، من غير ذكره، كقوله:
فَوالله ما أَدْرِي أأحْلامُ نائِم***ألَّمْت بِنا أمْ كانَ في الرَكْبِ يُوْشَعُ(230)
(وصف الشاعر لُحوقه بالأحبّة المرتحلين، وطلوع شمس وجه الحبيب من جانب العشاء(231) في ظلمة الليل، ثمّ استعظم ذلك واستغربه وتجاهله، تحيّراً، وقال: أهذا حلمٌ أراه في النوم، أم كان فيما بين الركب يوشع (عليه السلام))(232) فردّ الشمس؟! فأشار إلى قصّة يوشع (عليه السلام) على ما روي من أنّه قاتل الجبّارين، في يوم الجمعة، فلمّا أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت، فلا يحلّ له قتالهم فيه، فدعا الله، فردّ الشمس، حتّى فرغ من قتالهم. ومنه: «الحلّ» فهو: أن ينثر نظم(233) وإنّما يكون مقبولا إذا كان سبكه لا يتقاصر عن سبك النظم، كقول بعض: (فإنّه لمّا اُقبحت(234) فعلاته، وحنظلت الهامش (229) في «ق»: محتوى. (230) لأبي تمّام الطائي من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثغري، اُنظرها في الوشاح 3/251. وإلى هنا ينتهي أصل نسخة «ق» وقد أكملها مالكها عماد المحقّقين من نسخة اُخرى كما أشرنا في التقديم. (231) في «خ»: الغشاء. (232) ما بين القوسين لم يورده مكمّل نسخة «ق». (233) كذا في النسخ، والأنسب: ينثر نظماً، فلاحظ. (234) في «ش»: قَبُحَتْ.
ص124 نخلاته، لم يزل سوء الظنّ يقتاده، ويصدِّق توهمّه الذي يعتاده) حلّ قول أبي الطيِّب:
إذا ساءَ فِعْلُ المَرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ***وَصَدَّقَ ما يَعْتادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ(235)
ومنه: «العقد» وهو: أن ينظم النثر على طريق الاقتباس، كقوله:
ما بالُ مَنْ أوَّلُهُ نُطْفَةٌ***وَجِيْفَةٌ آخِرُهُ يَفْخَرُ(236)
عقد قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما لابن آدم والفخر(237)؟! وإنّما أوّله نطفة، وآخره جيفة». واعلم أنّ بعضهم عدّ الاقتباس والتضمين والتلميح(238) والحلّ والعقد، ممّا يتّصل بالسرقات الشعريّة، والراجز عدّها منها، مع الإشارة إلى الاعتبار الأوّل في قوله: (السرقات الشعريّة وما يتّصل بها) تصحيحاً لكلا الاعتبارين. قوله: (والتأنّق إن تسلّ) أي: إن تخرج من بين الآنق وغير الآنق، والآنق: الأحسن، وتتبعه. والمراد بالآنق الأحسن: أن يكون أعذب لفظاً، وأحسن سبكاً، ويصحّ معنىً، وينبغي ذلك في ثلاثة مواضع: الأوّل: الابتداء، لأنّه أوّل ما يقرع السمع، فإن كان آنقاً أقبل السامع عليه، وإلاّ فلا. ومن التأنّق في الابتداء: «براعة الاستهلال» المشار إليه بقول الراجز وهو: كون الابتداء مناسباً للمقصود، كقول أبي محمّد الخازن: الهامش (235) من قصيدة يمدح بها كافوراً الأخشيدي، اُنظر: جامع الشواهد 1/72 ـ 73 والوشاح 3/248. (236) لأبي العتاهية إسماعيل بن القاسم، اُنظر: جامع الشواهد 3/8 والوشاح 3/247. (237) في «ش»: يفخر. (238) كلمة «التلميح» وردت في «ق» فقط، ولم يرد فيها: «العقد».
ص125 بُشْرى فَقَدْ أنْجَزَ الإِقْبالُ ما وَعَدا***وَكَوْكَبُ المَجْدِ في اُفْقِ العُلى صَعَدا(239)
في مطلع قصيدة يهنّىء بها الصاحب بولد بنت(240). والثاني «التخلّص» والمراد به (الانتقال ممّا افتتح به الكلام إلى المقصود المشار إليه بقول الراجز)(241): (انتقال) أي: الانتقال من الابتداء، فإن تأنّق فيه، وروعيت المناسبة، أقبل السامع إلى إصغاء ما بعده، وإلاّ فلا، كقوله:
يَقْولُ في قومس قومي وَقَدْ أخَذَتْ***منّا السُرى وُخطَى المُهْريّةِ القُوْدِ
أمْطَلَعَ الشَمْسِ تَبْغِيْ أنْ تُؤَمَّ بِنا***فَقُلْتُ: كَلاّ، وَلَكِنْ مَطْلَعَ الجُوْدِ(242)
والثالث: «الاختتام» المشار إليه بقول الراجز: (حسن اختتام) لأنّه آخر ما يعيه(243) السمع ويرتسم في النفس، فإن كان حسناً تلقّاه السمع، واستلذّه، وجبر ما وقع فيما سبقه من التقصير، وإلاّ كان الأمر على العكس، حتّى ربّما أنساه المحاسن الموردة فيما سبق، كقوله:
وإنّي جَدِيْرٌ ـ إذْ بَلَغْتُكَ ـ بِالمُنى***وأنْتَ بِما امّلْتُ مِنْكَ جَدِيْرُ
فإنْ تُوْلِني مِنْكَ الجَمِيلَ فأهْلُهُ***وإلاّ فإنّي عاذِرٌ وَشَكُوْرُ(244)
الهامش (239) الخازن أحد شعراء الصاحب بن عبّاد الوزير يهنّئه في هذا الشعر بميلاد سبط أبي الحسن عبّاد، اُنظر الشعر في الوشاح، كذلك ترجمة الشاعر في 3/1 ـ 242 وجامع الشواهد 1/304. (240) في «ش»: لا بنته. (241) ما بين القوسين في «ق» فقط. (242) هما لأبي تمام، في قصّة ذكرها في الوشاح 3/267. اُنظر: جامع الشواهد 3/373. (243) كذا الظاهر، وفي «ش» يعنيه، وفي «خ» و «ق»: يعيد. (244) من قصيدة لأبي نؤاس يمدح بها صاحب الخراج بمصر. اُنظرها في الوشاح 3/271 وجامع الشواهد 3/118.
ص126 وانتهى المقال، والحمد لله على كلّ حال. قد فرغ من تأليف «إنجاح المطالب في الفوز بالمآرب» أقلّ عباد الله وأذلّ خلق الله محمّد بن رضا القمّي، بلّغهما الله إلى آمالهما(245). يوم السبت، التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك، سنة ألف وأربع وسبعين مضين من الهجرة النبويّة، في مشهد ثامن الأئمّة علي بن موسى الرضا عليه التحيّة والثناء، وعلى الله التوكّل ومنه الاستعانة في كلّ الاُمور(246). الهامش (245) في «خ» إلى ما لهما. (246) وقد وفّقني الله لإتمام تحقيقه في مشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، في شهر رمضان المبارك من سنة ثلاث وأربعمائة وألف من الهجرة المقدّسة. والحمد لله أوّلا وآخراً. وكَتَبَ السيّد محمّد رضا الحُسينيّ الجلاليّ
ص127 فِهْرِسُ المَصادِر والمراجع 1 ـ أعيان الشيعة/للسيّد محسن الأمين العاملي/الطبعة الاُولى. 2 ـ أمل الآمل/للحرّ العاملي/تحقيق السيّد أحمد الحسيني/مطبعة الآداب، النجف. 3 ـ إيضاح المكنون/للبغدادي/طبع تركية. 4 ـ التبيان السليماني/للميرزا محمّد المشهدي ـ المؤلّف/مخطوط في المكتبة الرضوية ـ مشهد برقم (9439). 5 ـ تُراثنا/نشرة فصليّة تصدّرها مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) في قم السنة الاُولى (1406)/العدد الرابع. 6 ـ تحقيق النصوص بين صعوبة المهمّة وخطورة الهفوات/للسيّد محمّد رضا الحسيني طبع في نشرة «تُراثنا» السنة (3) العدد (9). 7 ـ تعليقة أمل الآمل/للأفندي/. 8 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة/للشيخ آغا بزرك الطهراني/الطبعة الاُولى. 9 ـ جامع الشواهد/للشيخ محمّد باقر الشريف الأردكاني/المطبعة المحمّدية ـ إصفهان منشورات الفيروزآبادي ـ قم. 10 ـ رياض العلماء/للمولى عبدالله الأفندي الاصفهاني تحقيق السيّد أحمد الحسيني/مطبعة الخيام ـ قم1401هـ . 11 ـ ريحانة الأدب/للمدرّس. 12 ـ روضات الجنّات/للسيّد محمّد باقر الموسوي الاصفهاني الشهير بالخونساري/نشر إسماعيليان ـ قم. 13 ـ الروضة النضرة في علماء المائة الحادية عشرة، للشيخ آغا بزرك الطهراني ـ مخطوط. 14 ـ ستّه ضروريه/للميرزا محمّد المشهدي ـ المؤلّف ـ مخطوطة في مكتبة آستان قدس برقم (143). 15 ـ الصحيفة السجّادية/تقديم آية الله الحجّة السيّد المرعشي/طبعة الآخوندي ـ طهران1361هـ . 16 ـ فهرست مكتبة آستان قدس رضوي في مشهد/سيّد علي أردلان/نشر المكتبة برقم1365.
ص128 17 ـ فهرست مكتبة آية الله المرعشي/قم تأليف السيّد أحمد الحسيني. 18 ـ فهرست مكتبة مجلس الشورى الإسلامي ـ طهران. 19 ـ فهرست مكتبة مشكاة ـ طهران. 20 ـ فهرست مكتبة ملك ـ طهران. 21 ـ الفوائد الرضويّة/للشيخ عبّاس القمّي. 22 ـ الفيض القدسي/للنوري الشيخ ميرزا حسين/طبع مع بحار الأنوار ـ الطبعة الحديثة ـ (ج108). ـ القرآن الكريم. 23 ـ كاشِف الغمّة/للميرزا محمّد المشهدي ـ المؤلّف ـ/مخطوط في مكتبة المجلس برقم (2000). 24 ـ كنز الدقائق وبحر الغرائب/للميرزا محمّد المشهدي/طبع مؤسّسة جامعة المدرّسين قم1406. وطبع مؤسّسة وزارة الثقافة طهران1406. 25 ـ الكواكب المنتثرة/للشيخ آغا بزرك الطهراني/مصوّرة عن خطّ المؤلّف عند السيّد الطباطبائي ـ قم. 26 ـ مجموع مهمّات المتون، طبع مصر. 27 ـ مصفّى المقال في مصنّفي علم الرجال/للشيخ آغا بزرك الطهراني مطبعة دولتي ـ طهران1378. 28 ـ معجم البلدان/للحموي/دار صادر ـ بيروت. 29 ـ مقامات الحريري. 30 ـ منتخب التواريخ/للخراساني ملاّ هاشم. 31 ـ المنظومة المحبّية/لابن الشُحنة الحنفي/طبع في نشرة (تُراثنا) السنة الاُولى1406، العدد الرابع. 32 ـ هدية العارفين/للبغدادي/طبع تركية. 33 ـ الوشاح شرح المختصر على تلخيص المفتاح، للشيخ محمّد الكرمي، منشورات بصيرتي ـ قم.
متفرقات الاُرجوزة الحجتيّة لابن الشحنة (ت815) محمّد بن محمّد زين الدين سمّاها بروكلمان 2/145 2م/177: الارجوزة ؟؟؟ سميزت في نسخة الظاهرية علوم اللغة374 إلى ابن محمّد ت890