الأجوبة السديده عن أسئلة السيّدة الرشيدة

السؤال الأوّل:

1ً - لماذا نصب الرسول صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين خليفةً بعده، وهو يعلم أنّ الناس - في ذلك الوقت - لا يحبّونه، وسوف يقتلونه، ويذهب الإسلام؟ ألم يكن من الأفضل أن ينصب صلى الله عليه وآله مَن هو أقلّ علماً أو منزلة من عليّ عليه السلام، ومَن كان مرغوباً فيه عند الناس ومقبولاً من الاُمّة للحكومة، ويبقى الإمام علي عليه السلام وزيراً للدولة ومرشداً روحيّاً ترجع إليه الاُمّة في مسائل الدين، مع إعطائه الصلاحية في تنصيب وعزل الرئيس.

2ً - علماً أنّه يُقال: إنّ الرسول صلى الله عليه وآله لم يصرّح بأنّ عليّاً عليه السلام خليفة له - بمعنى الحكومة - إلّا في حديث الدار، مع أنّ الرسول صلى الله عليه وآله لم يكن حينئذٍ يملك بيده أيّ منصب ومقام؟! فلابدّ أن يكون المراد من قوله صلى الله عليه وآله يومذاك: «هو وصيّي ووزيري ...» هو مقام المرشد والمشرف الروحي على الاُمة، لا غير.

الجواب عن السؤال الأوّل حول الإمامة:

وهو سؤال عن أمرين :

الأمر الأوّل: عن السبب في تعيين الإمامة في علي عليه السلام.

المفروض في هذا الأمر:

أوّلاً: أنّ الرسول صلى الله عليه وآله هو الذي عيّن عليّاً عليه السلام للإمامة والخلافة من بعده.

وثانياً: أنّ الرسول صلى الله عليه وآله إنّما فعل ذلك مراعاةً لمصلحة الأعلميّة والأفضليّة التي كانت محرزةً في عليّ عليه السلام.

وثالثاً: أنّ المتراءى من الأحداث، والمتوقّع ممّا كان معلوماً للنبيّ صلى الله عليه وآله أنّ الناس لم يرغبوا في عليّ عليه السلام بل كانوا يرغبون في غيره فلهذا الواقع، لم يكن من المصلحة بل لم يكن صحيحاً أن يُنصب عليّ عليه السلام لهذا المنصب، بل الواجب أن يكون وليّاً مرشداً.

والإجابة على هذا السؤال، يبتني على المناقشة في هذه الفروض ، فنقول:

أما المفروض الأوّل: إنّ الإمامة - في المنظار الإمامي - ليس إلّا مسؤولية إلهية يضعها اللَّه تعالى حيث يشاء، تماماً كما هي النبوّة، واختلافهما إنّما هو في أمر الوحي، فالنبي هو الذي يوحى إليه والإمام لم يوح إليه مباشرةً. وهذه الدعوى مشروحة في بحث الإمامة من علم الكلام، وليس للرسول في أمر الإمامة - أصلها ولا تحديد الإمام - إلّا وظيفة التبليغ والإعلام والإشارة والإشادة، وإذا كانت الإمامة أصلاً، ولم تكن حكماً فرعيّاً، فالمصلحة التي تلحظ فيها لابدّ أن تكون عامّة وكلّية، ولا ينظر فيها إلى المناسبات والأحداث الخاصّة زمانياً أو مكانياً، أو لاُناسٍ محدّدين، ذوي أهداف خاصّة ومزايا معيّنة، وإنّما تلاحظ فيها المصالح السارية في كلّ عصر ومصر وفي كلّ مجتمع واُمّة. ومن الواضح عقليّاً أنّ الأصلح للإمامة هو الأعلم بالدين، والأتقى للَّه، والأخشى في اللَّه، والأفضل من جميع الجهات الخيّرة، وإذا لم يخضع الناس لأحكام العقل هذه، واختاروا من ليس فيه هذه الصفات كلّها أو بعضها، فليس النقص في جهة الإمام ولا في جهة اللَّه المشرّع والمقرّر.

وبهذا ظهر أنّ المصلحة التي نسبت إلى النبيّ صلى الله عليه وآله في المفروض الثاني، إنّما هي مصلحة مفروضة في أصل الإمامة حيث أنّ تولّي المفضول على الفاضل قبيح عقلاً، وعرفاً وظلمٌ، ونقضٌ للغرض الذي من أجله شرّعت الإمامة. وليس مجرّد رغبة من الرسول، حتّى يكون بيده تبديله وتغييره مراعاةً للمصلحة الوقتيّة ورغبة عامّة الناس.

وأمّا المفروض الثالث: ففيه أمران:

الأوّل: أنّ فرض كون الناس - في ذلك العهد - لم يرغبوا في عليّ عليه السلام ورغبوا في غيره. ليس صحيحاً، إطلاقاً. بل الأحداث دلّت على أنّ «شرذمة» قد تآمرت وأظهرت أمراً عمّموه بالإرهاب والتظليل، وعميت على الناس الاُمور، ولم يتبيّنوا إلّا بعد سيطرة المتآمرين، وتهديدهم. وإلّا، فأكثر الناس لم يكونوا يتوقّعون للخلافة غير عليّ عليه السلام وخاصّة من الفضلاء وأصحاب السوابق من الصحابة والأعيان من المسلمين، سواء أهل المدينة أو خارجها، لكن السلطة المتآمرة إستخدمت القوّة في مواجهتهم، كما فعلوا بمالك بن نويرة. فلم يجد الإمام عليّ عليه السلام إلّا المحافظة على الكيان والسكوت عن الحقّ، فلم يحاولوا الإثارة، سوى بالكلام لتثبيت الحقّ والمحافظة على أعيان رجاله. ويدلّ على بطلان الفرض المذكور: أنّ عليّاً عليه السلام كان موضع تجليل الناس عامّة، وباباً لمراجعاتهم إلى الرسول صلى الله عليه وآله كما هو مسجّل في السيرة، وكما أنّ الرسول قد بيّن للناس في كلّ موضع ومطلع ومرجع، ومن خلال الأحاديث والخطب، مؤكّداً على مرجعية عليّ عليه السلام إلى جانب القرآن الذي لا بديل له، فكذلك دلّت على أنّ عليّاً عليه السلام لا بديل عنه في الخلافة، كحديث الثقلين وحديث «عليّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ» و «عليّ مع القرآن» و «حديث الثقلين» وغير ذلك.

الثاني: أنّ الفصل بين الحكم ومنصب المرجعية الدينية، أمر غير وارد في الإسلام، والدليل على ذلك هو إدارة الرسولّ صلى الله عليه وآله للحكم في عصره، حيث كان هو الحاكم الولي للأمر، وكان الآخرون يصدرون من رأيه وحكمه في الولاية والقضاء وسائر المناصب. فلم يعرف الناس حاكماً إلّا وهو الولي للأمر والقائم بما يلزم لإدارة البلد، ولم يتصوّروا حاكماً غير ذلك، ولذلك كان الخلفاء يدّعون لأنفسهم العلم، ويسعون في إبداء أنفسهم عالمين بكلّ شي‏ء، ويقومون بالتشريع والتدخّل حتّى في ما لا يعرفون، ويمنعون غيرهم من الإفتاء بما يخالفهم، كما فعلوا - كلّهم - في مسألة (تدوين السنّة الشريفة)(1) وكما فعل عمر وعثمان ومعاوية في موارد كثيرة في الفقه(2). ولو جرى الأمر على هذا لم يبق للإسلام رسم ولا اسم، ولأنقلبت إلى الجاهلية الاُولى، لأنّ بني اُميّة سعوا في التدخّل في العقائد أيضاً، فهم أشاعوا فكرة الجبر، والتجسيم، وغير ذلك ممّا هو مخالف للإسلام لكنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي تمكّن بحنكته السياسية، وبقدرته الإيمانية، أن يقف أمام ذلك المدّ، ويخفّف من سرعته، ويقلب ظهر المجنّ على اُولئك المعتدين الغاصبين المتغلّبين، فيمنعهم من الوصول إلى أهدافهم التي هي إبادة الإسلام وتحريفه بشكل عميق، فكان أن فرض نفسه على الخلفاء الاُول حتّى أصبحوا لا يستغنون عن الرجوع إليه، إلى أن أصدروا تصريحات كبيرة ينّوهون به مثل قول عمر: «لولا علي لهلك عمر» و «لا أبقاني اللَّه لمعضلة ليس لها أبو حسن» وأمثال ذلك. وكذلك إستخدم الإمام اُسلوب الوجود في الساحة ولو على الهوامش، والتبعية، لنفسه أو لأقربائه مثل ابن عبّاس، كي لا تخلو الساحة للأعداء بكلّها، ومن خلال المراقبة للتصرّفات والمعارضة لها أو تصحيحها أو إظهار بطلانها، وبيان الحقّ الإسلامي فيها، ؟؟؟ يؤدّي واجبهم الرسالي والإمامي بالشكل الممكن. حتّى أدّى بالناس إلى معرفة الإمام ووجوب نصبه بالتعيين ولو بعد حين، كما حصل بعد عثمان. وهكذا قام الأئمّة المعصومون من بعده في مواجهة الخلافة والخلفاء المتتالين، وفي مقابل الحكّام والأحكام وكذلك أصحابهم وأتباعهم على طول الزمان إلى يومنا هذا. فاستمرار الحقّ وظهوره والإعلان عنه، إنّما هو كان على أثر الحنكة السياسية التي إستعملها الإمام عليّ‏عليه السلام ونفّذها أولاده وشيعته على طول التاريخ، وكذلك تضحياتهم وشيعتهم. فلم يكن الناس ليصلوا إلى معرفة الحقّ لولا تلك السياسة الحكيمة ولا تلك التضحيات الكبيرة. ولأنقلبوا كلّهم إلى اُمّة بعيدة عن الحقّ، كما هو الحال في العامّة اليوم، ولكان حكّامهم وأئمّتهم وعلماؤهم، كما هم اليوم، من دون أن يكون للحقّ ممثّل ينطق عنه، ولا تراث سجّل فيه، ولا من يتبعه، ولا تقوم على اُولئك العامّة ولا على جميع الخلق «حجّة للَّه» قائمة.

فالأمر الثاني من المفروض الثالث باطلٌ؛ لأنّ منصب الإرشاد لم ينفصل عن الولاية المطلقة التي هي الإمامة، ولو كان المقصود أن يُعطى عليّ عليه السلام ولاية الدين، وتترك ولاية الدنيا للخلفاء. وفي هذا:

1ً - مخالفة لإجماع المسلمين الذين عرّفوا الإمامة: بالولاية العامّة على اُمور الدين والدنيا. ولم يفصل أحد من المسلمين بين اُمور الدين، واُمور الدنيا، في كونها بيد الإمام الوالي على الناس، وهكذا كانت السيرة للخلفاء والحكّام والأئمّة. فطرح هكذا فرض خروج عن مصطلح الإسلام وقوانينه.

2ً - إنّ هذه المقولة هي من محدثات العلمانية الغربية التي تسرّبت إلى أفكار المنتمين إليهم، وهدفهم فصل الدين عن السياسة، وعزل العلماء عن الحياة العملية لتكون الساحة مفسوحة لأصحاب السلطات والحكّام يمرحون ويسرحون بلا معارضة قويّه كالتي يقودها رجال الدين الذين لهم نفوذٌ في الناس. ولذلك نجدهم لا يعطون لرجل الدين حقّاً في أن يكون مثل أي شخص آخر من الاُمّة في تولّي أي منصب سياسي أو يتصدّى لعمل حكومي، إلّا ويكيلون عليه التّهم والإفتراءات لإخراجه من الساحة. وليس هذا لكونه غير لائق، بل خوفاً من التزامه الديني الذي يضيّق عليهم خناق التفلّت والإباحية. إنّ الحكّام على الخلافة في فترة ما بعد النبي، كانوا يعلمون بعدم إمكان الحكم على الاُمّة مع الفصل بين الدين والدنيا ولا يرون لأحد حقّاً عليهم حتّى بعنوان المرشد الديني، وإذا كان لا يقبلون عليّاً عليه السلام حاكماً فهم لا يقبلونه مرشداً أيضاً.

وإذا كان يقبلونه مرشداً، فلماذا لا يكون إماماً وحاكماً مطلقاً. إنّ هذا الفرض، لا يمكن الإلتزام به في المنطق الإسلامي للحكم والدولة حتّى في عصرنا الحاضر، فضلاً عن ذلك العصر.

وأمّا الأمر الثاني فس السؤال الأوّل: هل ورد النصّ على إمامته عليه السلام.

يحتوي على نقطتين:

النقطة الاُولى: أنّ النبي لم يصرّح لعلي بالخلافة إلّا في قصّة الدار.

النقطة الثانية: إنّ تصريح الرسول في قصّة الدار لا تدلّ على الحكم والولاية عليه، لأنّ الرسول يومذاك لم يملك شيئاً من ذلك حتّى يمكنه إعطاؤه لأحد، فإذن لابدّ أن يعطي لعلي ما يملكه من الإرشاد والدعوة لا غير.

والنتيجة أنّه لم يثبت نصٌّ يدلّ على خلافة عليّ عليه السلام للرسول صلى الله عليه وآله.

والجواب:

أمّا النقطة الاُولى: فبما أنّ الإمامة منصب إلهي تختصّ بمن عيّنه اللَّه تعالى لذلك، ووضع له المقوّمات والمؤهّلات، فلابدّ من النظر في من توجد ؟ حتّى يكون هو المعيّن. والنصّ واحد من الطرق التي يتعرّف بها على الإمام فهناك الدليل العقلي المدرك للمؤهّلات والذي يحسّ بوجوده في الذين يستأهلون. والتعيين الإلهي من خلال القرآن. ووجود الإمام وإبرازه لقابلياته. وتكون إرشادات الرسول صلى الله عليه وآله واحداً من الطرق إلى ذلك.

وقد أقامت الإمامية الأدلّة من كلّ نوع على ذلك بما ملأت كتب الإمامة الكثيرة. مع وجود إرشادات الرسول صلى الله عليه وآله على كثرتها ووجود النصوص الصريحة الواضحة على الإمامة والخلافة لعلي وأهل البيت من أوضحها: «حديث الثقلين» المحتوي على لفظ «أنّي مخلّف» والذي يحتوي على تأكيدات عديدة تحدّد المراد منه بخصوص الخلافة والحكم، ووجوب الإتّباع والتولّي والإطاعة. ومع هذا نقول: إنّ إرشادات النبيّ صلى الله عليه وآله لم تنحصر في ما هو «نصّ صريح» على مراده، بل إنّ أكثر ما ورد إنّما هو بالكناية والإشارة، على عادة محاورات العرب وقطابهم، والذي كانوا يستفيدون منه للدلالة على المرادات بشكل أوسع وأفضل حتّى قالوا «الكنايةُ أبلغ من التصريح» تلك المقولة التي كانت إحدى أوجه إعجاز القرآن عندهم، وقد ورد في الحديث الشريف أنّ القرآن اُنزل ب «إيّاك أعني واسمعي ياجارة» ممّا يدلّ على أنّ استعمال اُسلوب الكناية والإرشاد الدلالي بذلك هو أشيع وأقوى تأثيراً.

فلماذا يحاول أن يخصّص أمر الإمامة، بالنصّ الصريح مع أنّ الدلالات على إختصاص علي عليه السلام بالإمامة - بغير التصريح، بل بالإشارة - كثيرة جدّاً وواضحة. والعلماء يعتمدون الأقلّ من ذلك بكثير في الوضوح، في مقام الفتوى والأحكام الشرعية التي ينسبونها إلى اللَّه ورسوله، فإعتمادها في غير ذلك وارد.

وأمّا النقطة الثانية، ففي حديث الدار:

فأوّلاً: فرض أنّ الرسول صلى الله عليه وآله لم يملك يومذاك منصباً ولا حكماً، هذا فرض غير صحيح، لأنّ حديث الدار إنّما كان بعد البعثة بالنبوّة، وهو المنصب الأعظم الذي اُعطي له، وفيه كلّ ما يلزم له من الولاية الإلهية وما يتبعها، ولم يكن مجرّد مرشد ديني وهو نبي اللَّه ورسوله؟ وأساساً إنّ الرسالة، وكذلك الإمامة، لا يمكن تفريغها من الحكم والولاية والسلطة، كما لم يتصوّر ذلك أي أحد من أصحاب الديانات السماوية، وحتّى الكفّار والحكّام المعاصرين للرسل إنّما كانوا يعرفون ملازمة دعوى النبوّة لدعوى السلطة، فكانوا يجدون الأنبياء والرسل مزاحمين لحكمهم ومزعزعين لسلطانهم وهكذا يجد الحكّام اليوم تحرّك العلماء، حركات خطيرة على الحكم والسلطة، ولذلك يواجهونهم بأشدّ ما بإمكانهم من عمليات القمع والإبادة والقتل.

وثانياً: إنّ حديث الدار يحتوي على تنصيب الإمام عليّ عليه السلام للخلافة والوزارة من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وهذا يعني أنّ عليّاًعليه السلام سيقوم بما سيكون للنبي من يوم الدار إلى حين الوفاة، ومن المعلوم - الذي لا ينكر - أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد حكم وكانت له السلطة الفعلية وكان صاحب الدولة والحاكم الأوّل فيها، فتكون جميع هذه الإمكانات لعليّ عليه السلام من بعده، فلا يمكن أن يقال: إنّ الذي أعطاه لعلي من بعده هو مجرّد أمر الإرشاد.

هذا مع ما سبق من أنّ منصب الإرشاد الديني في المصطلح الإسلامي، يلازم منصب الحكم والولاية والسلطة، ولا يجوز التفريق بينهما.

السؤال الثاني:

يمكن أن نعتبر المجموعة من الصحابة الذين بايعوا أبا بكر في السقيفة، معذورين في عملهم ذلك، بإعتبار أنّهم كانوا يعلمون أنّهم إذا بايعوا الإمام عليّاًعليه السلام فإنّه لا يتمّ له الأمر، فيقتل، ويذهب الإسلام ويعود الشرك. فهم التزموا بأنّ وجود الإسلام - ولو الظاهريّ - في يد الخلفاء أبي بكر وعمر - خيرٌ من القضاء على الإسلام واستيلاء أعدائه مثل أبي سفيان وأصحابه.

الجواب عن السؤال الثاني موقف الصحابة من الخلافة والإمامة؟

يمكن أن نقسّم السؤال إلى أمرين:

الأوّل: موقف الصحابة من الخلافة والخليفة.

الثاني: موقفهم من الإمامة والإمام.

ونحن بقطع النظر عن معنى الصحابيّ، والالتزام بما هو المعروف بأنّ الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وآله وعاشوا معه أحداث السيرة هم كلّهم صحابة، لابدّ من احترامهم وتقدير مواقفهم، نقول:

أمّا موقف الصحابة من الإمامة والإمام، فلابدّ أن يكون على أساس واقع الإمامة، وقد سبق أنّها منصب إلهي، وليس موكولاً إلى غيره، من نبيٍّ أو غيره، فاللَّه هو الذي قرّر وجود مثل هذا المنصب، وعين من يقوم بأمره، وحدّد عدد الأئمّة القائمين بذلك منذ بداية عهد الإمامة إلى يوم القيامة، كما دلّت عليه النصوص المتواترة لدى المسلمين، وهم «إثنا عشر إماماً».

وليس للرسول صلى الله عليه وآله في هذا المنصب إلّا التبليغ والإعلان والتأييد، دون التحديد والتغيير والزيادة أو النقصان، وقد بلغ ما اُنزل إليه من اللَّه تعالى في المواقع المعلومة والمشاهد المعلنة.

فكيف يكون للصحابة خيارٌ في ذلك، بل ليس لهم إلّا اتّباع أوامر اللَّه والرسول في هذا الأمر وتطبيقه بحذافيره من دون تغيير أو تبديل أو زيادة.

هذا أوّلاً.

وأمّا ثانياً: فإنّ اللَّه تعالى إنّما يفعل الاُمور ويحدّدها لمصالح واقعية يعلمها، سواء أخبرنا بها أم لا؟ وليس لأحد تجاوز ما أراده اللَّه وحدّده؛ بحجّة المصالح والمفاسد التي يراها هو، مخالفاً لأحكام اللَّه وإرادته، وبما أنّ الإمامة منصب خطير ومهمّ، ومشروط بشروط مهمّة صعبة، كالعصمة وغيرها، فليس العارف بمن يقوم بشأنها إلّا اللَّه، وحسب المصالح المهمّة التي يراها، وبما أنّ الإمامة منصب دائم منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وإلى يوم القيامة، فلابدّ أن تكون المصلحة فيها كذلك دائمةً مستمرّةً وعامّةً واسعةً تشمل كلّ الاُمّة ومناطق وجودها سعة، وعلى طول التاريخ، ولا يعرف مثل هذه المصلحة الشاملة الواسعة المديدة الخالدة، سوى اللَّه تعالى الذي فرض هذا المنصب وحدّده وعيّن له القائمين به. هذا حسب موازيننا في الإمامة.

فكيف يسوغ للصحابيّ أن يعتمد مصلحةً وقتيةً يراها، ويعرض عن إمامة عليّ عليه السلام المعيّنة من قبل اللَّه والمؤيّدة من قبل الرسول، والمؤكّدة بالأدلّة والبراهين، وطبقاً للمصالح تلك! فيعرض عنها لمجرّد مصلحةٍ يراها؟.

بينما الصحابة وهم الحجّة المعتمدة لدى المسلمين باعتبار ما اكتسبوه من جوار النبيّ صلى الله عليه وآله وصحبته من شرف وقدسيّة لابدّ أن يكونوا ألزم بما قاله النبيّ‏صلى الله عليه وآله وأعرف وأتقى للَّه في مخالفة ما قال وفعل وأراد، عن اللَّه تعالى.

ثمّ إنّ الإمام عليّاً عليه السلام هو واحدٌ من أقدم الصحابة إسلاماً، وألصقهم برسول‏اللَّه صلى الله عليه وآله وأقربهم إليه، وأعرفهم بمصالح الاُمور ومفاسدها، فلا تخفى عليه المصالح الوقتية والمفاسد الحياتية، فلماذا وقف من الخلفاء موقفاً غير موقف الصحابة وقد اشتهر في مسلّمات التاريخ أنّه عليه السلام طالب بالخلافة والإمامة، وقاطع الخلفاء، ونادى بحقّه، واستنصر الصحابة أنفسهم إتماماً للحجّة عليهم.

ألا تنبّه الإمام عليه السلام بأنّ وجود الحكم والإمامة بيد أبي بكر خير من إمامته، لأنّ إمامته تؤدّي إلى ذهاب الإسلام؟!

والعجب أن يفرض ما حدّده اللَّه تعالى وعيّنه وأكّد عليه الرسول صلى الله عليه وآله موجباً لذهاب الإسلام، ولم ينتبه لذلك سوى بعض الصحابة.

ثمّ لماذا لا تطرح آراء الصحابة الآخرين الذين وقفوا مع عليّ عليه السلام وأعلنوا باستحقاقه الإمامة، نصّاً ولياقة، وعارضوا أبا بكر في جلوسه مجلسه، وهم اثنا عشر صحابياً من كبار الصحابة ومقدّميهم (3).

فهل كانوا جاهلين بتلك المصلحة؟ أو يُخفونها، وهي خطيرة؟!.

ومن مجموع ما ذكرنا تبيّن أنّ المصلحة المذكورة ليست إلّا فرضاً غلطاً، لم يكن مطروحاً على الساحة إطلاقاً، بل الذي حصل إنّما هو الغدر! واللجوء إلى التهديد والإرعاب! وتكتّل القوم على أساس عنصريّ وعشائري، ممّا جعل الصحابة وغيرهم من المسلمين، ينظرون إلى عليّ وفعله، فكان الإمام عليه السلام هو الذي لم يمدّ يده إلى السيف والقتال به حفاظاً على أصل الدين الذي قام بسيفه أوّلاً، كيلا يتفرّط أمره بيده ثانياً، وكلّ ذلك بعين اللَّه وبوصاية من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وحفاظاً على المؤمنين الأتقياء الذين يهابون اللَّه ويأتمرون بأمر رسوله، ولا يجتهدون في مقابل ما ورد من النصوص.

فلم تستقرّ اُمور الخلافة لأبي بكر إلّا بعد أن أقدم عليّ عليه السلام يرفع المقاطعة، وخرج إلى الساحة وحضر في الجمعة والجماعة، ليؤدّي دوراً أهمّ ألا وهو الصيانة لأصل قواعد الدين من الإنحراف، ولئلّا يتعمّق ويتجذّر أكثر ممّا حصل، ولتبقى جذور الحقّ سالمة حتّى تنبت وتعرّق؟ فصبر وفي العين قذى وفي الحلق شجاً.

وأمّا موقف الصحابة من الخلافة والخلفاء: فمع وضوحه ممّا سبق، نقول: إنّ البيعة لأبي بكر هي خارج إطار الحقّ، إذ لم يؤمروا بذلك، بل هي فاسدة بعد بيعتهم العامّة في يوم غدير خُمّ لعليّ عليه السلام بالإمامة، وبأمر من اللَّه وبعمل وبإشراف من الرسول صلى الله عليه وآله فهذا من أوضح مفاسد الاجتهاد في مقابل النصّ.

هذا مع أن نسبة هذا الفعل إلى الصحابة، غير صحيح تاريخيّاً إذ لم يكن بين من بايع أبا بكر في السقيفة غير عدد ضئيل بالنسبة إلى مجموعهم، فأكثرهم كانوا معسكرين في جُرْف المدينة تحت لواء اُسامة بن زيد، الذي ولّاه الرسول صلى الله عليه وآله عليهم ليخرجوا لغزاة الشام. وليس في من بايع أبا بكر إلّا عمر وعبيدة، وعدد ممّن لا يعرف بفضل ولا سابقة في التاريخ الإسلامي. بينما كبار الصحابة وفضلائهم عارضوا أبا بكر وبيعته وأظهروا خلافهم عليهم، وواجهوه بأقوى الأدلّة ولم يوافقوه إلّا بعد سكوت عليّ عليه السلام عنه. وهذا هو المتوقّع من الصحابة الكرام، الذين دافعوا عن كيان الإسلام، ووقفوا مع النبيّ صلى الله عليه وآله أيّام الشدّة والعسرة، وضحّوا بالأنفس والأولاد والأموال في سبيل اللَّه، ونصروه وعزّروه وجاهدوا له، يتوقّع منهم أن لا يهملوا أمر الخلافة التي أكّد عليها الرسول صلى الله عليه وآله بما لم يؤكّد على غيرها.

السؤال الثالث:

كيف يقوم الدليل العقلي على أنّ القرآن هو منزل من اللَّه تعالى، وينفي أن يكون من صنع الملائكة أو الجنّ الصالحين.

نعم إنّ العقل ينفي أن يكون القرآن من شخص الرسول صلى الله عليه وآله لكونه اُمّياً، لم يدرس ولم يتعلّم من أحد. ولكنّه لم يقم على أنّ القرآن منزل من اللَّه تعالى دليل عقلي.

الجواب عن السؤال الثالث

يحتوي السؤال على نقاط:

1 - إنّ القرآن الكريم، ليس من صُنْع الرسول صلى الله عليه وآله لأنّه كان اُمّياً لم يدرس ولم يتعلّم عند أحد، فالعقل يمنع أن يكون القرآن منه.

2 - احتمال أن يكون القرآن من صُنْع الجنّ الصالحين أو الملائكة.

3 - لم يدلّ العقل على أنّ القرآن منزل من اللَّه تعالى.

أمّا النقطة الاُولى: فالقرآن ليس من صنع الرسول صلى الله عليه وآله والدليل على ذلك ليست هي الاُمّية فقط، لأنّ مَن لم يكن اُمّياً، حتّى لو كان من كبار العلماء، لم يتمكّن من الإتيان بمثله. فالاُمّية ليست هي الدليل الوحيد على ذلك، بل هي - لو ثبتت بهذا المعنى - ملزمة للآخرين الذين كانوا يثيرون الشُبَهَ ضدّ القرآن، بأنّه «علّمه بعض الأعجمين». بل الدليل على ذلك هو إعجاز القرآن - الذي ثبت بالعيان - فَعَجَزَ عن معارضته جميع بني الإنسان حتّى العلماء العظام من أهل الأديان.

ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله نفسه أعلن عن عدم كونه منه، وهذا الإقرار منه أدلّ على نفيه، من دون حاجةٍ إلى مثبت أو قافٍ، لنفوذه عليه بلا ريب، وهو الصادق الأمين قبل البعثة بالنبوّة، ولو ادّعاه لم يكن لأحدٍ أن يكذّبه. هذا كلّه، مع أنّ الاُمّية بمعنى عدم معرفة الكتابة والقراءة، ممّا لم تثبت للنبي صلى الله عليه وآله ولعلّ في نسبتها إليه إساءةٌ بمقامه الشريف، الذي يفرض عليه أن يكون أكمل الناس، والكتابة كمال بلا ريب حتّى عند أهل الجاهلية الذين كانوا يسمّون من يعرفها بالكامل، فكيف لا يكون النبيّ صلى الله عليه وآله عارفاً بها؟! والاُمّية، نسبة إلى «اُمّ القرى» وهي مكّة المكرّمة، كما أنّ عدم قيامه بالكتابة، وعدم قراءته للكتاب، لا يستلزم عدم معرفته صلى الله عليه وآله لهما، فإنّه أعمّ. وقد دلّت حوادث من السيرة على مزاولته صلى الله عليه وآله لهما بعد البعثة.

وأمّا النقطة الثانية: فإحتمال أن يكون القرآن من صنع الملائكة أو الجنّ الصالحين. فلا ريب أنّ الصلاح الثابت لهم يمنع أن يقوم هؤلاء بأمرٍ من غير اللَّه، «بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ ...».

مع أنّ الإعجاز الثابت للقرآن يعمّ تحديه كلّ المخلوقات التي يمكنها صنع الكلمات والجمع، ولذلك قال تعالى: «ولو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ...».

فكلّ من هو غير اللَّه، ينتفي عنه الإتيان بمثل هذا القرآن، ولذلك عمّم القرآن نفسه التحدّي به فقال: «قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» فكيف بالجنّ وحدهم؟.

مع أنّ مثل هذه الدعوى رَجْمٌ بالغيب، وممّا لا يثبته دليل، وليس له في عالم الوجود مثيلٌ، والقرأن بنصاعة نصّه، وروعة بيانه، وعمق برهانه، وكمال هديه، أرفع من أن ينسب إلى هذه الخرافات. وبعد ثبوت حجّيته، فهو المنادي بوضوح العبارة أنّه من اللَّه منزل، وإلى نبيّه مرسل، نزل به الروح الأمين، شديد القوى، على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله.

وأمّا النقطة الثالثة: فالعقل إنّما يُثبت الكلّيات، ولا يتنزّل إلى المفردات، مثلاً: العقل لا يثبت أنّ زيداً ولده والداه، ولا دليل له على ذلك ولا طريق، ولكنّه يثبت أنّ زيداً لابدّ أن يولد من والدين من اُمّ وأب، وبما أنّ أحداً لم يدّع ولادة زيد سوى أبويه، وأنّ أقاربه يشهدون ويقرّون بذلك، ولم يعارضهما أحد، وأنّ زيداً نفسه يُصرّح وينادي بذلك، فالعقل لا ينفي هذا الموجود من نسب زيد. وإذا انحصرت الطرق في ذلك، أقرّ العقلاء به، أمّا أن يكون هناك دليل عقليّ - مثل النقيضان لا يجتمعان - على أنّ زيداً هو مولود من كلّ من الأب المعيّن والاُمّ المعيّنة، فليس من شأن العقل ذلك، ولا طريق له إليه. والقرآن، وهو هذا النصّ الخاصّ، المعجزة التي يعجز عن الإتيان بمثله أي أحد من البشر أو الجنّ أو الملائكة، لابدّ أن يكون له مصدر فوق هؤلاء، وهو - أي القرآن - ينادي أنّه من اللَّه ووحيه، والرسول الذي جاء به وصدع ببيانه ونشره وجاهد في حفظه وتثبيته وكتابته، لم يدّع أنّه من صنعه، بل نسبه إلى اللَّه تعالى ووحيه.

فلم تبقَ دعوى اُخرى تعارض هذه النسبة، أو تنافيها، فلابدّ للعقلاء أن يعترفوا بها ويسلّموا لها. وهذا هو الدليل العرفي والعقلائي على إثبات الجزئيات، التي لا طريق للعقل إلى دركها.

السؤال الرابع:

هل يقدر اللَّه تعالى على فعل القبيح كالظلم وما أشبه وإنّما يترك القبيح باختيار فعل الحسن؟ أو أنّ اللَّه لا يقدر على القبيح كفعل الظلم، وخلق شريك له تعالى.

فعلى الفرض الأوّل: فقدرته على القبيح تستلزم أن تكون ذاته - تعالى - مشتملة على قابلية القبيح والشرّ، حتّى لو لم يقم به إختياراً منه، ووجه اللزوم وجوب السنخية بين المعلول الصادر مع العلّة الفاعلية.

وعلى الفرض الثاني: يستلزم عجز اللَّه - تعالى - فهو غير قادر على الجمع بين المتناقضين، أو على الانتحار، أو غير ذلك من القبائح، لعدم وجود مادّة الشرّ في ذاته، لأنّه خيرٌ محضٌ وحسنٌ بالذات.

فما هو الصواب؟

الجواب عن السؤال الرابع:

إنّ اللَّه تعالى قادر على كلّ شي‏ء لا يعجزه شي‏ء في الأرض ولا في السماء، إلّا أنّ شرط تعلّق القدرة بشي‏ء هو إمكان الشي‏ء، فالممتنع بذاته - كشريك الباري - لا يصحّ تعلّق القدرة به، كاجتماع النقيضين، وليس عدم القدرة عليه إلّا من باب السالبة بانتفاء الموضوع، ولا يٌقال في مثل ذلك أنّ اللَّه ليس بقادر.

والقبيح من الممكنات، فالقدرةُ الإلهيّة تتعلّق به، كما أنّ غيره تعالى قادر عليها، فقدرته تعالى مسلّمةٌ بطريق الأولويّة القطعيٌة، إلّا أنّ عدم تحقّق القبيح منه تعالى ليس من أجل عدم القدرة، بل لجهة اُخرى، وهي امتناع القبيح عليه تعالى؛ وذلك لأنّ صدوره منه ووقوعه منه يتوقّف على الإرادة، وإرادته تعالى لأمر إنّما يكون لوجود حكمةٍ مقتضيةٍ في الشي‏ء، ولا مصلحة في القبيح تدعو إلى فعله، فلا يكون له تعالى داعٍ إلى فعله.

ثمّ إنّ تحقّق القبيح إنّما يكون ممّن له حاجةٌ إليه أو رغبةٌ فيه، وعلم اللَّه تعالى بما فيه من القبح والمفسدة صارف له تعالى عن الإقدام عليه، وإذا لم يكن للفاعل داعٍ إلى الفعل لم يصدر منه، كما إذا كان له صارفٌ عنه امتنع صدوره منه، إذ الممكن يمتنع بذلك.

فعدم صدور القبيح منه ليس للعجز عنه، بل القدرة عليه حاصلة، وإنّما لم يصدر منه لأنّ صدوره مبنيٌّ على الجهل أو الحاجة وهما محالات على اللَّه تعالى.

ثمّ إنّ مجرّد القدرة على القبيح لا يستلزم محذور اشتمال ذاته تعالى على قابليّة القبيح، بناء على وجوب السنخيّة بين القادر والمقدور.

فإنّ السنخيّة اللازمة إنّما هي بين المعلول الصادر من الفاعل، وهذا إنّما يتحقّق من الفاعل المتلبّس بالفعل، فالمحال عليه صدور الفعل، لا القدرة عليه فالقبيحُ مقدور للَّه تعالى فليس عاجزاًعنه، لكن لا يفعله لامتناع فعله لما ذكرنا من عدم الداعي، ووجود الصارف، لا للعجز وعدم القدرة.

ومن هنا ظهر بطلان قول النظّام من المعتزلة بعدم قدرة اللَّه على القبيح، مستدلاً بأنّه لو كان قادراً لصدر عنه، ولو صدر لكان فاعله جاهلاً محتاجاً وهو محال على اللَّه، لثبوت كونه عالماً غنيّاً، وإذا استحال عليه ذلك، استحال تعلّق قدرته به.

فالجواب :

أوّلاً: أنّ مجرّ القدرة لا يستلزم صدور الفعل ،كما هو واضح.

وثانياً:أنّ ما ذكر من المحال عليه تعالى، إنّما هو في تحقّق القبيح منه وصدوره منه، لا في قدرته تعالى وشمولها للقبيح.

وكذلك ظهر بطلان قول الأشعريّ بتحقّق القبيح منه، واستدلاله بثبوت قدرته تعالى عليه.

فجوابه أنّ مجرّد القدرة لا تكفي لتحقّق المقدور ما تتعلّق الإرادة ويثبت الداعي، وقد عرفت انتفاؤهما عن اللَّه تعالى قدّس ذاته.

السؤال الخامس:

هل العلماء أقدر على جذب النساء إلى الدين، بإعتبارها تمثّل نصف المجتمع أو أكثر - من الرسول صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام الذين وردت عنهم أحاديث تحتوي على ذمّ المرأة واستصغارها والتهوين من شأنها، ممّا ينفّرها عن الدين والرسالة. فنحن لم نجد في كلمات العلماء المعاصرين، وخاصّة الإمام الخميني، كلمة واحدة في ذمّ النساء، بل لم نسمع سوى المدح والتكريم والتبجيل والتشجيع. بينما الروايات المنقولة فيها الكثير من قبيل «شاوروهنّ وخالفوهنّ» و «لا تعلّموهنّ الكتابة» و «المرأة شرّ كلّها و شرّ ما فيها أنّها لابدّ منها».

فكيف نجمع بين تلك المواقف، وبين هذه النصوص؟.

الجواب عن السؤال الخامس:

المرأة، لم يكن لها منزلة عند عامّة الحضارات البشرية إلّا كمتاع وسلعة، يتمتّع بها في الملذّات، وتستعبد للأعمال وتتبادل كسلع أحياناً، وتهان وتظلم بأحقر من الحيوان، وكتاب (قصّة الحضارة) يدوّن الكثير من هذه التصرّفات المشينة، وخاصّة في الجاهلية العربية التي نزل فيها الإسلام، فأحدث ثورة عظيمة في هذا الجانب حيث ساوى بينها وبين الرجل في الخطاب والحقوق، مع الصيانة التامّة لشأنها، والرعاية الكاملة لوضعها الخاصّ كاُنثى، وهو ما بُيّن في باب التشريع الإسلامي. وقد قام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بأداء الحقّ المشروع لها بأفضل شكل، وكذلك الأئمّة الأطهار عليهم السلام فكانت تصرّفاتهم كتصريحاتهم في تكريم المرأة والتأكيد على حقّها وتعظيم شأنها وما على الرجل تجاهها. ولو جمعت النصوص التي وردت عنهم في ذلك لأدّت إلى القطع واليقين بأنّ الأحاديث المرويّة ممّا في ظواهر تنقيص المرأة أو التحذير منها، إنّما هي أحاديث لابدّ من تأويلها وحملها على غير ظواهرها، أو هي واردة مشيرة إلى مجموعة خاصّة من النساء، تعدّت أطوار المرأة الصالحة، فقدت ما لها من إحترام وحقوق. وعموماً فإنّ فقه الحديث وتفسيره يبتني على اُصول علمية وقواعد مقرّرة، منها ظروف صدور الحديث ومناسباته وأسبابه. فكثير ممّا روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إنّما كان في ظروف حرب الجمل، حيث كانت عائشة حاملة للواء الناكثين ودخلت في حرب ضروس ضحّت بالآلاف من المسلمين، ضدّ حكومة الإمام عليه السلام الشرعية، فكان أحد أساليب تفريق الناس عنها، بذكر صفات الأشرار من النساء، والسيّئات الطالحات منها، وتحذير الناس من اتّباعهنّ، وتخويفهم عنهنّ. ولم يتمكّن الإمام عليه السلام من الوصول إلى هدفه إلّا باُسلوب التعميم لئلّا يكون قد مسّ حرمة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله التي هتكتها عائشة بخروجها، وهتكها الذين صانوا حرائرهم وخرجوا بحرم الرسول تقود الجيوش. إنّ الموقف الحرج الذي ابتلي به الإمام عليه السلام ومحافظة منه لحرمة الرسول وتكريماً لعينه التي من أجلها الف عين تكرم، لم يدعه يصرّح باسم عائشة، ولا خصّص حديثه بها حتّى لا تمسّ حرمة الرسول صلى الله عليه وآله ولئلّا يستغلّ ذلك أعداؤه بدعوى تجاسره على زوجة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله.

ولا ريب أنّ مثل هذا التعميم لا يشمل جميع النساء، بل يخصّ صاحبة الفتنة، ومن مثلها من الشريرات، ثمّ إنّ من قواعد فقه الحديث، أنّه إنّما ينصرف إلى محلّ الابتلاء ومورد النزاع، ولا يؤخذ بإطلاقه إذا كان في المقام ما ينصرف إليه. ولا ريب أنّ مثل هذه التعميمات، لا يمكن الالتزام بعمومها لجنس المرأة، لما نجد في العيان والواقع من وجود المؤمنات الصالحات الخيّرات القانتات العابدات، اللاتي ذكرهنّ القرآن بخير، وضربن في تاريخ الإسلام بأروع الأمثلة، حتّى كان فيها مثل سيّدة نساء العالمين عليها السلام ومثل المجاهدة الكبرى زينب عليها السلام والعالمات المجتهدات. فهنّ لا يشملهنّ ذلك العموم قطعاً، فالحديث إنّما هو منصرف إلى غير المؤمنات، من النساء الشريرات والفاسدات وغير الملتزمات. وإنّما ما يقوم به الإمام الخميني العظيم، وغيره من علماء العصر، فهو الحقّ الذي جاء به الإسلام من تكريم المرأة وتجليلها ورفع مكانتها ودعم مستواها، وتشجيعها على الخير.

ولابدّ من الإعلان عن حقيقةٍ واقعةٍ - وإن صعب على الكثيرين هضمها بسهولة وقبولها بيسرٍ - هي أنّ المرأة مخلوقةٌ قد مُلئِت إثارةً بالنسبة إلى الرجل، فقد جعل اللَّه فيها - في كلّ جزءٍ من جسمها وما تملك من صوتٍ ولحنٍ ورشاقةٍ - ما يُثير الرجل ويُهيّجه ويجذبه إليها، وهذه الخاصّة التي ملّكها اللَّه للمرأة، يجعلها موجوداً مؤثّراً في المجتمع من وجهين:

1 - وجه الضرورة والأهميّة، باعتبارها نصف المجتمع، والعنصر الأساسي في تكوين الأجيال القادمة من البشر، فبدونها لا يمكن استمرار الوجود البشري تعاقب الأجيال، وتناسل الأفراد، كما هو واضح.

2 - وجه التأثير على الرجل وتهييجه والتلاعُب برغباته وشهواته وتبديل حياته، حسب إرادتها وأهوائها، إنْ خيراً أو شرّاً، ولقد شاع المثل: «إنّ وراء كلّ عظيم امرأة» وهو أمرٌ صادقٌ يبتني على هذا الوجه، من وجهي تأثير المرأة على المجتمع.

كما أنّ كثيراً من مشاكل الحضارات ومآسيها، تدور على شخصيٌات تسويٌة، ومنها حضارة القرن الحاضر التي يتمثّل فيه الفساد الجنسي بأظهر أشكاله وأطواره.

ولا نريد في هذا، وضع الإثم والعتب على المرأة فقط، بل قد - وفي كثير من الأحيان كذلك - يكون الرجل هو الذي يجرّها إلى ما لا تريد من صور العبث والخلاف والفساد والشذوذ، لكن وجودها - بالتالي - ضروريٌّ لتشكّل هذه الحقيقة وتكوّنها، بل هي عنصر أساسي من عناصرها.

وعلى هذا، تكون المرأة عنصراً هامّاً ومؤثّراً في الحياة بكلّ أطوارها وأشكالها، وهذا أمرٌ لا يمكن إنكاره، كما أنّ كون دورها أكثر إثارة وتهييجاً لما في خلقتها وطبيعتها، أيضاً أمرٌ لا ينكر.

ومن هنا نجد التشريع الإسلامي تجاهها مليئاً بالحكمة، حيث جعل منها - كلّها - عورةً يجب سترها وصيانتها من مطامع المحارم الأجانب، ومن الأقارب المرتابين، حتّى صوتها وخيالها وملامحها إذا كانت في موضع الريبة والخطأ.

هذا التشريع، إنّما هو قبل كلّ شي‏ء لصيانتها وحفظها هي من ملاحقة أصحاب الريبة في القلوب، ومتّبعي الشهوات من المرضى، والمستغلّين من الرجال، قبل أن يكون لمصلحة المجتمع ككلّ من التسيّب والانفلات.

وإذا جعلت المرأة في موضعها الصالح المناسب، لتقوم بدورها الطبيعي وبالشكل المحترم والموقّر، والمتّسم بالإخلاص والصلاح والكمال والوفاء والأدب والحبّ، فإنّها ستسوفي حقّها وكرامتها في الحياة، وتفي بواجبها الاُمومي والاُنثوي وكعضوٍ يمثّل نصف المجتمع.

أمّا إذا خرجت عن حدودها الصالحة، وتفلتت، وانسابت، فإنّ من الواضح تفلّت من يتّصل بها، ويراها، وتجرّ معها مجموعةً إلى هاوية الفساد والشرّ والبلاء، وتؤثّر أثراً معكوساً في المجتمع، ممّا تملكه من عوامل الإثارة، كما ذكرنا؛ إذ مثل المرأة في هذا، مثل جميع المخلوقات المثيرة التي لها حدّان، حدّ مفيد، وحدّ مفسد.

فالمال - مثلاً - هو نعمةٌ من نعم اللَّه فهو مرغوبٌ فيه، وعليه يدور سعي الإنسان في الدنيا، وهو جميلٌ وموجبٌ للراحة واللذّة، ولكن إذا أخذ من حلّه وبطرقه المشروعة، ووضع في موضعه العقلائي وتصرّف فيه بشكلٍ مقبولٍ ومعقولٍ ومطلوبٍ. أمّا إذا جُمع من طرقٍ غير مشروعةٍ، وصُرف في مواضع غير صالحةٍ، فإنّه يصبح نقمةً على صاحبه وعلى المجتمع، ويؤدّي إلى الهرج والمرج والفساد، ولذلك سمّاه اللَّه تعالى «فتنةً» لأنّه أداة خلقت لامتحان الإنسان على وجه الأرض، ليظهر به الصالح من الفاسد.

وكذلك المرأة إذا جاء التعبير عنها في بعض الروايات بالفتنة، فإنّها مثيرةٌ في نفسها، لكن كما يمكن أن يُراد منها الصلاح والخير وكونها من نعم اللَّه وعطائه ومننه، فهي لابدّ أن تُحفظ وتُستر كي لا تُصبح أداةً للفساد والشرّ وملعبةً بيد أصحاب الشهوات، لأنّها بذلك تنقلب إلى نقمةٍ وشرٍّ وعذابٍ على عكس ما خلقت لأجله وما أراد اللَّه لها أن تكون.

ولكن لو نظرنا إلى المجتمعات التي وجدت في التاريخ، والحضارات كلّها من السابق إلى اللاحق، فإنّا نجدها قد أساءت الاستفادة من نعم اللَّه كلّها، وخصوصاً المرأة، وقد جعلوها - دائماً - أداةً للشهوة واللعب والفساد؛ ولهذا كانت «مثاراً» للشرور، وليس ذلك إلّا لما في طبيعتها من الإثارة والجمال والجاذبيّة، التي أساء البشر الاستفادة منها كلّها.

ولم تخلص المرأة من هذه الإساءات والاستغلال إلّا في ظلال الشرائع السماويّة التي أحاطتها بكلّ أشكال القدس والحماية والستر والرعاية، ورسمت لها الحقوق الإنسانيّة الكاملة.

فإذا ورد في النصوص أنّ المرأة «شرّ» فإنّما هو بالنظر إلى موضعها عند الناس والبشر بعيداً عن قوانين الدين والشريعة، وما انقلبت إليه في عاداتها وأخلاقها ونظرتها إلى الحياة، ونظرة الناس إليها كأداةٍ للفساد والشرّ، وهذا ما لا يُنكر حصوله ووجوده حتّى في المجتمعات المتحضّرة اليوم، التي تدّعي المدنيّة، وتُنادي بحقوق المرأة، بحيث أنّ مجموعةً من نساء أوروپا عرفوا هذه الاُلعوبة ورُحن يُنادين بإيقاف هذا المدّ المُخزي، باستخدامها في سبيل الأغراض الفاسدة، كأداةٍ وآلةٍ، ممّا يبعّدها عن مقامها الطبيعيّ كإنسانةٍ.

فالحديث الذي يقول: «المرأةُ شرّ كلّها» إنّما يعني أنّها بوجودها العام واُنوثتها ولطافتها في كلّ أجزاء بدنها وحتّى صوتها وتصرّفاتها فهي مثيرةٌ (للشرّ) لأنّها قابلةٌ لأن يُساء الاستفادة منها، حسب الغالب في الحياة الدنيوية المبتنية على الشهوات والملذّات، يؤكّد هذا قوله: «وشرّ ما فيها أنّها لابدّ منها» وهذا هو أخطر حالة أنّ الإنسان لا يمكن أن يحذفها من وجوده لأنّها مخلوقة، كضرورة حياتيّة، لابدّ منها على الخطورة التي لها، ولا يعني الحديث إطلاقاً كونها مخلوقة شرّاً، وإلّا كيف يكون الشرّ لابدّ منه، فهذه اللّابدّية والضرورة بالرغم من كونها فطرةً إلهيّةً تعمّ جميع البشر حتّى الصالحين من الأنبياء والأئمّة والصدّيقين، فهم يزاولونها، بل ومن المرغوب إليه عندهم، ألاترى قول الرسول صلى الله عليه وآله: «أحبّ من دُنياكم ثلاثاً الطيبُ والنساءُ وقرّةُ عيني في الصلاة» .

فمع مقام النبوّة العظيم فإنّ النساء ممّا أعلن عن حبّه لهنّ، ومن الواضح أنّ الأنبياء منزّهون عن إرادة الباطل فضلاً عن حبّهم له، فلا يمكن أن نتصوّر أنّ الرسول صلى الله عليه وآله يقصد الحبّ الدنيويّ والشهوة الحيوانيّة من هذا الحديث الشريف، بل ليس إلّا الحبّ الإلهيّ، ألاترى وجود «الصلاة» ضمن المحبوبات التي عدّدها؟ فمن غير المعقول أنْ تكون لغير اللَّه تعالى، وكذا سائر محبوباته ومطلوباته.

وقد نبّه سبحانه وتعالى إلى هذه الحقيقة بقوله: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَ تِ مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ ذَ لِكَ مَتَعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ‏و حُسْنُ الْمََابِ » (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ:3/14).

فالناس هم جميع البشر - الأُنثى والذكر - قد أغرتهم ملذّات الدنيا فأحبّوا ما تشتهيه أنفسهم، حبّاً حيوانيّاً ورغبة بشريّة، كلٌّ حسب رغبته وما يتلذّذ به، فالرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والبعض بالبنين، وآخر بالمال ،أو بالحرث، أو بالخيل، وما أشبه، ولكنّ كلّ ذلك متاعُ الحياة الدنيا، وهو من فطرة اللَّه تعالى وخلقه، لكنّ الاستمتاع به لابدّ أنْ يكون في إطار المقرّر من قبل الشريعة المؤكّدة بتقرير العقل السليم، والوجدان السالم، ليتوافق مع الفطرة الالهيّة السليمة التي فطر الناس عليها.

مضافاً إلى أنّ من المستحيل أن يحكم على المرأة كبشر من الناس مكلّفة ومختارة بكونها شرّاً على نحو الإطلاق، بينما هي موجودةٌ والوجود خيرٌ محضٌ، وبينما نجد في النساء المثاليات مَن لم يبلغ شأوهنّ كثيرٌ من الرجال، وبينما نجد في الرجال من هو مبدأ للشرور ومنتهىً لها.

وهل يمكن أن يغفل أحدٌ عن أنّ أكثر الشرّ وأغلبه إنّما هو من الرجل وسطوه ورغبته وزهوه وفعله وظلمه وفساده في الأرض؟؟.

وإذا نظرنا الى النصوص والأحاديث - في الأحكام والأخلاق والمواعظ والنصائح والإرشادات - نجدها إنّما تخاطب الرجال حتّى في ما تشترك معه فيها النساء، وليس ذلك إلّا لكون الرجل هو محور التصرّف والقائم بالأمور في الحالات العامّة في مختلف شؤون الحياة، وهذا مما لاينكره أحد.

وليس في التحدّث عن المرأة أدنى دلالة على نفى الحديث عن الرجل وتنزيهه عن الشرّ، بل هو - مبدأ الشرّ ومنشؤه ومسيّره - كما قلنا سابقاً.

فالمرأةُ مخلوقةٌ نعمةً وخيراً وضرورةً بشريّةً، لابدّ منها لاستمرار الحياة والتناسل، وهي سكنٌ يركن إليها الرجل ويجد عندها الرأفة والرحمة، إذا سارت على الفطرة، واتّبعت قوانين الشرع. ولكنّها «شرٌّ كلّها» من الرأس إلى أخمص القدم، ومثارٌ للشهوة والريبة والفساد، وهي شرٌّ كذلك لا يمكن الخلاص منه، إذا حادت عن طريق الهدى والصلاح، وهذا هو الغالب على وضعها في جميع الحضارات وعلى طول العصور، حيث استغلّ الرجل ما فيها من إثارات في سبيل لم تخلق له، ولا يُناسب كرامتها ولا يليق بها كإنسانةٍ، بينما هدفت الشرائع الإلهيّة لتخليصها من استغلالها واستخدامها آلةً ووسيلةً واُلعوبةً للأغراض غير الإنسانيّة، كما هو الرجل الذي ورد التحذير منه بأكثر من ذلك.

وفي استعمال كلمة الشرّ في الحديث تحذيرٌ واضحٌ للمؤمنين والمؤمنات من الوقوع في أحابيل المفسدين والمفسدات ودعاياتهم المضلّلة التي يستخدمون المرأة فيها كوسيلة للتغرير والإغواء كما هو بالنسبة إلى الرجل تماماً.

والمؤمنة الواعية، لا تنفر من الحقّ الذي ورد عن الأئمّة حول المرأة الشرّيرة والفاسدة، بل تعتبر بذلك وتسعى أن ترفع مستواها الديني والخُلُقي كي تبتعد عن تلك الصفات وتتحلّى بما يضادّها من الخير والبرّ والعمل الصالح، وكذلك الرجل المؤمن.

وبالنسبة إلى حديث «لاتعلّموهنّ الكتابة» فلنا رأيٌ، لم نجده لأحد من قبل، وهو أنّ الكتابة لايراد بها «الخطّ» وإنّما المراد المكاتبة التي كانت بين المملوك ومولاه، بأن يشتري المملوك نفسه من مولاه على أن يعمل لنفسه، ثمّ يوفّي ثمنّه من عمل، فيكون حرّاً بعد أداء الثمن.

فالإمام عليه السلام نهى أن يستعمل المولى عملية المكاتبة مع النساء الإماء، حذراً من أن يلجأن إلى العمل خارج إطار حماية المولى، فيقعن في ما لاتحمد عُقباه في ذلك العصر.

نعم ميّز الإسلام المرأة بقضايا وأحكام وشروط حتّى تبقى بعيدة عن الاعتداء أو التحيّل عليها لما في تكوينها الاُنثوي من الرقّة والضعف والعطف والانفعاليّة، والجاذبيّة والجمال والروعة، وما إلى ذلك من عوامل الإثارة والحبّ. وقد أثبت التاريخ أنّ المرأة مهما كانت مالكة للإمكانات الكبيرة والواسعة، فإنّها تبقى تلك التي لابدّ أن تحترم وتراعي وتبعد عن مواقع الخطر والأعمال الشاقّة. وأنّ الرجل مهما كان طاغياً ومقتدراً، فإنّه بحاجةٍ إلى المرأة ووجودها بما فيها من أُنوثةٍ وجمالٍ وعاطفةٍ وإحساسٍ، وما تمتلكه من روحٍ وحبٍّ وحنانٍ وإخلاصٍ .حرّر في الثامن من جُمادى‏ الاُولى‏ عام 1422ه في قم المقدّسة.

وكتب السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي.

...................) Anotates (.................

1) لقد فصّلنا الحديث عن ذلك في كتاب مستقلّ بهذا العنوان وهو مطبوع.

2) راجع النصّ والإجتهاد للسيّد شرف الدين رحمه الله.

3) ذكرهم البرقي في آخر رجاله، والصدوق في الخصال (العدد12) باختلاف.