الأجوبة الجلاليّة للأسئلة الحلوانية

 

ج1 ـ إنّ «التوراة» و «الإنجيل» اُطلقا في الإسلام، كتاباً وسنّةً، على الكتابين الذين جاء بهما النبيّان موسى وعيسى (عليهما السلام)وهناك مقاطع كثيرة ينقلها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذا الأئمّة المعصومون (عليهم السلام) باعتبارها نصوصاً مترجمة هي «التوراة والإنجيل» اللذان هما كتابان إلاهيان نزّلا على النبيّين. وقد صرّح القرآن والنبي والأئمّة (عليهم السلام) بأنّ ما بأيدي اليهود والنصارى ليس هما التوراة والإنجيل الحقيقيّين، وأنّهم قد حرّفوا الكتابين الإلهيين، ولذلك لم نجد فيما يسمّى بـ«التوراة» العهد القديم و «الإنجيل» العهد الجديد، شيئاً من الحقائق المنقولة بطريق أهل البيت (عليهم السلام). وقد اعترف مؤرّخو اليهود والنصارى بحدوث عدّة تحوّلات وتحويرات في الكتابين. وعلى هذا الأساس، فلا يمكن الاعتماد على هذه الكتب المسمّاة اليوم بـ«التوراة» و «الإنجيل». وأمّا قوله تعالى: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه)فهو دعوة إلى العمل بما أنزله الله في الإنجيل الصحيح، غير المحرّف لا بهذا الموجود اليوم. وقد دلّت أحاديث على عدم الفرق في الأحكام الأساسيّة الموجودة في الإنجيل غير المحرّف عمّا هو في القرآن، مضافاً إلى

احتوائه على البشارة بنبوّة سيّدنا محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا عمل به المسيحي ـ أو اليهودي ـ فلابدّ أنّه يعتنق الإسلام ويعترف برسالته. وأمّا العمل بهذا الإنجيل المتداول في أيدي النصارى واليهود، فلا يكون مجزياً، لأنّه محرّف، كما أنّه ليس فيه تشريع ولا إعتقاد صائب بل يحتوي على مجرد تواريخ وقصص وبعض المواعظ الأخلاقية. والله المستعان.

 

ج2 ـ الأديان السماوية واحدة، هذا صحيح جاءت به الآيات القرآنيّة والأحاديث، لكن المفروض أنّ المسيحيّة ـ وكذا اليهودية ـ لم تبق على تلك الاُسس والتشريعات التي جاء بها كلّ من النبي عيسى والنبي موسى (عليهما السلام). فلذلك لا يمكن اعتبار الالتزام بما عند المسيحيين اليوم ديناً سماوياً، وكذلك اليهود. وامّا الالتزام بالأخلاق الطيّبة، والأعمال الصحيحة الموافقة للعقل والكرامة الإنسانيّة، فذلك عَمَلٌ صائبٌ وحسنٌ، والله أكّد على التخلّق الأخلاق الحسنة على لسان أنبيائه العظام، ومدح الرسول الأعظم بالخلق العظيم، كما أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بحلّ من كان على مثل ذلك من المشركين، وقال: إنّما بعثت لاُتمّم مكارم الأخلاق، فالمتخلّق بها له مكانة عند الله والدين، لا يمكن أن يعاقب على ذلك أبداً، بل لابدّ أن يُثاب ويحترم من أجل ذلك. لكن أمر العقيدة والعمل شيء آخر، فلو بلغ الحقّ إنساناً فلم يتّبعه، وعانده، فلا تفيده الأخلاق الطيّبة، ما دام هو يعاند ويرفض اتّباع الحقّ مع معرفته، فهذا يكشف عن تغلغل اُمّ الرذائل في ذات نفسه، ويستحقّ العقاب. امّا من لم يعرف الحقّ ولم يبلغه، فلا يُعاقب على جهله بذلك، ولابدّ أن يُعذر في ذلك. لكن الروايات الكثيرة تدلّ على أنّ من يعرف الحسن من القبيح ويتّصف بالأخلاق الفاضلة ليس بعيداً عن الإسلام الذي هو دين الفطرة، ولابدّ أنّه يهتدي بلفتة ربّانية في يوم من الأيّام. كما لا يخفى عليكم أنّ من واجبنا نحن المسلمين المعتقدين أن نرشد أمثال هؤلاء إلى الحقّ الواضح والهدى بطريقة صحيحة. وكان الله في عون كلّ مخلص أمين

 

ج3 ـ إن كان المراد بالأديان، هي ما تلتزمه المسيحيّة واليهوديّة في عصرنا الحاضر، وهي المحرّفة التي تعتمد على الإنجيل والتوراة المحرّفة. فنقول: نعم، إنّ القرآن جاء ناسخاً لها ومبطلا لها وأوضح دليل على ذلك أنّ الدين الإلهي السماوي لابدّ أن يكون حاوياً لمنهج عقيدة، وشريعة حياة متكاملة، والقرآن قد جاء بذلك كلّه، ومحتواه موافق للفطرة الإنسانيّة السليمة، والعقل الإنساني السليم، كما ثبت بالأدلّة المفصّلة في الكتب. امّا هذه الأديان، فكما يعرف

ــ[2]ــ

الجميع لا تحتوي على شيء من ذلك، إلاّ مجرد نصائح وأدعية وتواريخ، لا شأن لها بحياة الفرد ولا إصلاح المجتمع. والمتديّن بهذه الديانات لا يمتّ إلى الإسلام بشيء، بل هو بعيد عن الحقّ كليّاً. وأمّا لو اُريد بالأديان ـ المسيحيّة واليهوديّة ـ الحقّة التي جاء بها موسى وعيسى (عليهما السلام)، فلو التزم بهما أحد لكان على حقّ، لو لم يبلغه الإسلام ولم يؤمن به، لكن عرفت أنّ الديانات الحقّة تلك تحتوي ضمن

ص5 تعاليمها على نبوّة سيّدنا رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلابدّ أن يعترف المتديّنون اليهود والمسيحيّون بذلك ويعتنقوا الإسلام الذي جاء مكمّلا لدين موسى وعيسى ومصدّقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل وجميع الأنبياء والرسل، لا يفرّق بين أحد منهم. والله ولي التوفيق.

 

ج4 ـ أفضل الطرق إلى هداية الآخرين إلى الإسلام هو التزامك بالإسلام بصورة دقيقة وصحيحة وعمليّة فلو رآك الآخرون طيّباً صالحاً صادقاً وفيّاً محبّاً لله ولرسوله ولأوليائه وللناس، طاهر اليد والقلب والعين، نظيفاً عفيفاً، فلابدّ أنّهم يحبّونك ويحبّون الدين الذي تنتمي إليه، وهذا معنى قول الإمام الصادق (عليه السلام): كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم. ثمّ الدعوة إلى الله بالعقل والحكمة والتدبير والهدوء والموعظة الحسنة بلسان مرح وصفاء وخُلُق كريم لا بالعنت والغضب والدفع والكراهية. والمطلوب منهم أوّلا الإنصاف والتعقّل والالتزام بقناعة، إذ لولا القناعة فانّ إمكان الانزجار واقع، ومع القناعة والتأكّد لا تزول العقيدة مهما بلغ الأمر بالمعتقد.

ص6 ولابدّ من تركيز الحبّ لله والدين في قرارة نفوسهم، لا مجرد الإنتماء الظاهري، فليس الدين بحاجة إلى مزيد من الملتزمين بقدر ما الملتزمون بحاجة إلى الدين. ثمّ عليك أن تكشف محاسن الإسلام في عقيدته وشريعته وخلقه وتاريخه، وتعرّض الفروق بين الإسلام والمسلمين حتّى لا تكون ردّة فعل عندهم لما يواجهون ما عليه الاُمّة الإسلامية من تأخّر وجهل وتوضّح انّ هؤلاء لم يلتزموا بالدين الإسلامي، وان حملوا شعاره واسمه كواجهة وعليك بمراجعة كتب الأخلاق عندنا وهي كثيرة ولا أدري ما منها مترجم إلى الفرنسية. والإسلام كلّف كلّ إنسان مسلم بالدعوة إلى الله وكلّف الشاهد للحقّ أن يبلغ الغائب بالحقيقة كي يسعد الناس جميعاً في ظلّ هذا الدين القيّم.

 

ج5 ـ أخي، إنّ الشريعة الإسلامية، تعتمد في أحكامها على نصوص القرآن الكريم ثمّ السنّة المطهّرة، ثمّ آراء الفقهاء المجتهدين المعتمدة على الاُصول الثابتة العلميّة وهناك مسلّمات فقهيّة لا يمكن لأحد تجاوزها مثل (وجوب الصلاة) تعتبر ضرورية وليس لأحد إنكارها وهناك مسائل اُخرى يتوصّل إليها الفقيه حسب جهده الذي يبذله ويجتهد في سعيه للوصول إليه من خلال المصادر العلميّة. فإذا التزمنا حسب الطرق الصحيحة تقليد أحد من الفقهاء المعترف بهم، فلا يؤمن العمل على وفق فتواه، ويعتبر ذلك طريقاً لبراءة ذمّة المكلّف عن ما يجب عليه تجاه ربّه. والحجاب واحد من الواجبات الإلهيّة التي دلّت عليه آية من القرآن ودلّت عليه السنّة بوضوح، فليس لنا المناقشة في ذلك إذا كنّا معتقدين بالقرآن والسنّة. لكن بنظري إنّ الحجاب أمر ضروري لإصلاح العلاقات الإجتماعية، لأنّ الشهوة الجنسيّة أمر طبيعي عند الإنسان، والمرأة مخلوقة مثيرة للشهوة الجنسيّة حسب تركيبتها الإلهيّة، لما في جسمها من نعومة وظرافة وجمال خلقها على ذلك لتكون محلا للرغبة والتناسل

والرجل كما يقال نَهِمٌ في مجال الشهوة، لا يشبع من الاُنثى فإذا عرضت المرأة جمسها لكلّ ناظر، وكلّ جسمها مثار للشهوة ومفاتن ومحاسن، فلابدّ أن يعرّض الرجل للإثارة ويحرّك عنده مثل تلك الشهوة وفي هذا التحريك والتعريض مجال للقاء غير الشرعي أو الإعتداء أو الاضطراب النفسي لدى أحد الطرفين أو كليهما. والذي اعتقده أنّ المرأة تستر مفاتنها ـ وكذا الرجل إذا كان مثيراً ـ وبكون اللباس والثياب بشكل لا يثير الناظرين، وهذا سواء عند

ــ[3]ــ

المرأة والرجل. وقد قرّر الإسلام للثياب قواعد مقرّرة وأحكاماً وتشريعات لابدّ أن يكون المؤمن ملتزماً بها سواء كان رجلا أو امرأة. ـ كالشارب والعباءة ونحوها ـ يلتزم بها كلّ شعب في بيئته، وهي كلّها جيدة، والحجاب أشكال معيّن بل كلّ ما يستر البدن والمفاتن من البروز والظهور والإثارة هو المطلوب فلا يحرّم التزيّن وإظهار الزينة لما في ذلك من المرغبات المثيرة للجنس المخالف.

وكذلك الأمر بالنسبة للحرير والذهب، فإذا ثبت بالفتوى حرمة ذلك فانّا نلتزم به، لنثبت قناعتنا بالدين واتّباعنا له يتركنا بعض الأشياء التي ترغّب نفوسنا فيها وإنّما هي ليس ظرورية لنا. وقد لا نفهم لماذا؟ إلاّ أنّ عنوان التبعيّة للدين والإلتزام بأوامر النبي والأئمّة (عليهم السلام) تفرض علينا أن تتنازل عن ما نرغب فيه لأجل أوامرهم، وقد ثبت لنا بالعلم أنّ كثيراً ممّا كنّا لا نفهمه قد أوضح العلم الحديث صحّة ما جاء الإسلام فيه.

 

ج6 ـ نعم الجَلْد والرَجْم يتحقّان في الدولة الإسلامية بعد ثبوت الجريمة الموجبة لهما من خلال المحاكم القضائية المعيّنة من قبل المجتهد، وحسب الطرق المقرّرة من الفقه الإسلامي، التي وضعت لاجتثاث الجريمة المؤدّية إلى تفكّك العوائل في المجتمع الإسلامي الكريم.

 

ج7 ـ نعم يمكن التزوّج من غير المحجّبة، التي لم تقتنع بحكم الحجاب، وليس من الواجب عليك إجبارها أو إكراهها على ذلك، بل عليك إقناعها بالحكمة والموعظة الحسنة والحجاب هو واجب على المرأة، ولا ينفسخ عقد الزواج ولا يحرّمه السفور، وعلى الزوج النصيحة والموعظة بالحسنى،

 

ج8 الموسيقى الهادئة أفتى بعض المراجع بجواز سماعها، لأنّ المحرّم عنده الموسيقى التي يستعملها أهل اللهو والطرب ج9 ـ السيّد الخوئي يحتاط في نجاسة أهل الكتاب احتياطاً وجوبياً، فلك أن تقلّد غيره في هذه المسألة من المتجهدين الأحياء، إذا ثبت لك اجتهاده وأعلميّته. ج10 ـ إذا كنت تحرّج إلى المصافحة مع الأجنبية بحيث لا يمكن لك التخلّص من ذلك، ولو بلبس الكفوف، أو نحو ذلك، فلابدّ من الابتعاد عن الموارد التي تؤدّي إلى الحرج مهما أمكن وتوضيح الحقيقة لمن تطلب منك المصافحة بأنّ الإسلام يمنع من الاتّصال الجسدي بغير المحارم رعايةً للحشمة والتأكيد عليها، إن لم يكن في ذلك ضرر آخر.

ــ[4]ــ

الكوفة والنجف

النجف، المدينة المقدّسة، التي تقع في ظهر الكوفة، والتي اكتسبت قدسيّتها عن موقع قبر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، أصبحت امتداداً لتلك الحاضرة، فما أشرفت الكوفة على الإنحطاط والاضمحلال في حضارتها المادّية والمعنوية، إلاّ، وبزغت النجف كقاعدة علميّة تستمدّ قوّتها من تاريخ الكوفة، وتستجمع رفات حضارة تلك المدينة الكبيرة. فالكوفة منذ تأسيسها سنة (17) للهجرة، أخذت في الازدهار، واتّخذت شكلها الحضاري المتكامل عندما هاجر إليها الإمام علي (عليه السلام) وجعلها عاصمة للخلافة الإسلامية. ووجود الإمام في هذه المدينة، ووجود العشرات من الصحابة معه، والمئات من الأتباع بعده، وبعد استشهاد الإمام سنة (40) للهجرة، وإنتقال العاصمة تبعاً للسلطة، إلى دمشق، لم تفقد الكوفة ثقلها الحضاري كقاعدة فكرية وسياسيّة، لكن ما استهدف معاوية وولاته أركان هذه القاعدة، إنقطعت خيوط الشبكة، وإنفلت عقدها، وتفرّقت حلقاتها، لكن ظلّت الكوفة تحتفظ بروحها المتمثّلة في الجماعة الذين يكنّون في أعماقهم طموحات الآباء، فتتابعت الأحداث في زوايا المدينة، في الأيّام المتتالية، وحافظت على طول الخطّ بنهضتها الثقافية، وزاد نشاطها بشكل ملحوظ، في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) المتوفّى سنة (148)، حيث كانت تزخر بمئات العلماء من المحدّثين والفقهاء واللغويين وأصبحت مدرسة مستقلّة، لها ميزاتها التي تنافس المدارس الاُخرى، وخاصة (أهل بغداد) التي أصبحت منذ سنة (145) عاصمة الخلافة العبّاسية، وبفعل ذلك كانت تستقطب كبار العلماء والمفكرين من جميع الأقطار. وبالرغم من ثقل بغداد الحضاري والسياسي، لكونها مركز الخلافة الفعلي، والجهود المبذولة في سبيل تركيزها، فانّ الكوفة لم تفقد مركزيّتها، وخاصةً في الإطار الشيعي وليس بمنكر ما كسبته بغداد من مكانة مرموقة منذ تأسيسها سنة (145) وما حصل لها من اتّجاه كبير إليها من مختلف طبقات الاُمّة، ومنهم الشيعة فقد شهدت إجتماعاً عظيماً هناك في موكب نعش الإمام الكاظم (عليه السلام) المتوفّى سنة (183)، وكان لدفنه وحفيده الإمام الجواد (عليهما السلام)الأثر الفعّال في مركزيّة بغداد، ومن بعد ذلك، إستقرار النيابة الخاصّة للإمام المهدي المنتظر، في فترة الغيبة الصغرى وسامراء (260 ـ 329) في بغداد، إضافةً إلى موقعها الجغرافي حيث كانت ملتقى الطرق بين الكوفة وسامراء وحلوان في طريق ايران، وتلمع بين الشخصيات الكبيرة من العلماء الشيعة في بغداد، أسماء: ابن الزبير، علي بن محمّد القرشي، المعروف بابن الكوفي، تلميذ الحبري، وأبي غالب الزراري، وأبي المفضّل الشيباني ومحمّد بن يعقوب الكليني صاحب الكافي، والغضائري وإبنه علي بن الحسين، العارفان ؟؟؟ يقول الوشّاء: انّي أدركت في هذا المسجد ـ الجامع بالكوفة ـ تسع مائة شيخ كلّ يقول «حدّثني جعفر بن محمّد»(1) الهامش (1) رجال النجاشي (ص).

ص2 بأخبار الرجال، والشيخ المفيد، الشهير بابن المعلّم، والمرزباني شيخ الاُدباء، والشريفان الرضي والمرتضى، والنجاشي، العارف بأحوال الرجال، وأخيراً شيخ الطائفة الطوسي ومع هؤلاء كثير من الشيوخ والأساتذة، والرواة والتلامذة، ممّا يمكن معرفة أحوالهم بمراجعة ما كتب في تاريخ بغداد. واحتلّوا في بغداد مراكز هامّة، وأسهموا في دفع عجلة الحضارة إسهاماً كبيراً، ممّا ليس هذا محلّ التعرّض له، إلاّ أنّ الحركة العلميّة وهي التي تهمّنا كانت إحدى تلك المظاهر، الشيخ الطوسي حصل على كرسي الكلام من الخليفة العبّاسي، وهو يدلّ على عظمة بالغة، وقد يكون هذا وأمثاله ممّا جرّ عليهم ويلات الأزمات الطائفيّة التي تكرّرت، وفي واحدة منها تعرّضت دار الشيخ ومكتبته للحريق، فاضطرّ على اثرها للإنتقال إلى النجف سنة (448). وهاجر الشيخ ـ ولابدّ أنّ معه ثلّة من تلامذته ـ ليجدّد من معالم الكوفة ما دثر وآل إلى الخراب بعد هجران طال أكثر من قرن ونصف. فالكوفة في أوائل القرن الرابع سنة (300) كانت لا تزال معمورة بأهلها، وتدلّنا نصوص على وجود حركة فيها، حيث عيّن نائب الإمام، وكيلا فيها يقوم بأعمال الناس، وهو أبو جعفر محمّد بن علي، الشلمغاني، العالم الذي إنحرف في اُخريات أيّامه كما جاء ذلك في

ــ[5]ــ

نصّ رواه أبو غالب الزاري(1). ويعرّفنا الزراري نفسه في رسالته، على ما آلت إليه الكوفة، بعد هجوم القرامطة عليها ويتكلّم عن خرابها، واضمحلال بيوتها العلميّة(2). ونجد الكوفة في هذه الفترة، ومدرستها الكبرى، تنطوي على نفسها، وتكاد يغمرها النسيان لبعدها عن مراكز الحضارة المستجدّة في عالم الإسلام، لولا ما كانت عليه الأرض من خصوبة التربة، وذكريات التاريخ والرجال، وقدسيّة احتفّ بها مسجدها الجامع، ومرد الإمام (عليه السلام)، لبادت كما بادت مدينة الحيرة الكبيرة بجوارها. وبالرغم من كلّ ذلك فانّا نجد، في هذه الفترة المظلمة من تاريخها، عدّة من كبار العلماء يقيمون فيها، مثل: محدّث الكوفة، محمّد بن علي الشريف العلوي، أبو عبدالله المتوفّى سنة (445)، الذي ألّف كتاباً في «فضل الكوفة وفضل أهلها». وزيد بن جعفر الشريف أبو محمّد العلوي المحمّدي، له كتاب الدعاء. وزيد بن ناصر الشريف النقيب العلوي الحسني أبو الحسن، شيخ محمّد بن أحمد بن شهريار الخازن. ومحمّد بن الحسن بن علي بن حمزة الحسني العلوي الاقساسي الكوفي. ومحمّد بن محمّد بن عمر العلوي، نقيب العلويين بالكوفة مات بها سنة (403).

الهامش (1) الغيبة للشيخ الطوسي (ص183). (2) رسالة أبي غالب الزراري، بتحقيقنا، الفقرة (31) و (36) والغيبة للطوسي (ص186).

ص3 والقرائن تدلّ على أنّ النجف أيضاً كان فيها نوع من مزاولة علميّة في تلك الفترة، على أثر تواجد كثير من الصالحين فيها، للتشرّف بجوار الحضرة المقدّسة، وكذا القيام بأمر الخزانة، ولابدّ أن تتكوّن بعد إلتقاء هؤلاء نواة حركة، لكن ممّا لا شكّ فيه انّ ذلك لم يتكوّن كمدرسة مستقلّة، إلاّ بعد أن هاجر إليها الشيخ الطوسي بأهله وتلامذته، وزاول الحركة العلميّة، لا كعمل ثانوي وجانبي، بل بهدف تأسيس الجامعة النجفيّة، امتداداً لمدرسة الكوفة، وإحياءً لمعالمها الثقافية. ولقد قدّر لمدرسة النجف أن تدوم، ولولا قطع زمنيّة قصيرة تخلّلت، وانتقلت حوزة العلم خلالها إلى الحلّة، فكربلاء، إلاّ انّها تكاد تكون متّصلة الحلقات. واليوم، ومنذ أكثر من ألف سنة، لا تزال هذه المدرسة قائمة على اُصولها التي أسّسها الشيخ الطوسي، والتي بنيت على اطلال مدرسة الكوفة العريقة. والحبري المتوفّى سنة (281) من كبار رجال مدرسة الكوفة الكثيرين، الذين غمرتهم زحمة الأسماء والعناوين والأحداث التي تزدحم في كتاب «الكوفة» الكبير، الذي لو قدر له أن يسجل لكان سجلا كبيراً يحوي آلاف الصفحات. نقدّمه اليوم في هذا الكتاب، شخصية مرموقة من مدرسة الكوفة، ونحن نقوم بطلب العلم في مدرسة النجف، فانّا نجد رابطاً يشدّنا إليه، ويدفعنا على إحياء ذكره، وتجديد أثره، عسى أن يكون تعريفاً بمكانة المدرستين المترابطتين برباط قوي، من الحضارة والتاريخ والعقيدة. والله هو المستعان، هو نعم المولى، ونعم الوكيل.

السيّد محمّد رضا الحسيني