آدَابُ المُتَعَلِّمِينَ
للشيخ الإمام المحقّق
أبي جعفر نصير الدين الطوسيّ
محمّد بن محمّد بن الحسن
المعروف بـ «الخواجه»
(597 ـ 672 هـ )
تحقيق
السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلالي
الحمدُ لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين
وعلى الأئمّة الأطهار المعصومين من آله الطيّبين
الإهْداء
إلى أوْلاديَ الأعزّاء من طَلَبة العلم في الحوزات العلمية:
كيْ يستهدوا في خُطُواتهم ـ على طريق الطلب ـ بأنوار هذا الكتاب.
فيرشُدوا، وينَالوا مُناهُم، بإذْن اللهِ مسبّب الأسباب.
وأخصّ بالوصيّة قرّتَي العَيْن، وثَمَرتي الفُؤاد، العزيزين:
السيّد محسن الحسيني الجلاليّ و السيّد محمّد تقي الحسيني الجلاليّ
أنْ يتّخذا هذا الكتابَ وِرْداً يلهجانِ به، ومنهجاً لا يَنْفكّانِ عن تطبيقه حتّى يَبْلُغا ما يُؤمَّلُ فيهما من النجاحِ، والفلاحِ، والفقاهة، والنباهة: في سبيل حراسة الإسْلام، وإقامة أعْمدة الدين.
وأسألُ اللهَ الكريمَ الوهّابَ، مُلِظّاً، مُلِحّاً:
أنْ يُبَلِّغَ تلك الأمانيَ، ويُحقّقَ هذهِ الآمالَ.
بدعاء
السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ
تحت هذا الشعار وتزامناً مع
«أسبوع الكتاب»
أقامت وزارة الإعلام والإرشاد الإسلامي في الجمهورية الإسلامية في إيران «المسابقة الكُبْرى لتحقيق النصوص»
سعياً في إحياء مُختارات من عُيون التراث المجيد، المذخور على مدى عصور الحضارة الإسلاميّة، وفي مختلف الميادين الثقافية هادفة إلى إثارة العناية بكتب التراث العزيز والتعرّف على القُدُرات المتميّزة لدى محقّقي النُصوص والمعنيّين بإحياء المخطوطات.
وقد انتُخِبَ هذا الكتاب «آداب المتعلّمين» بعنوان
«أفضل الأعمال المختارة»
وفاز محقّقه بالجائزة الأولى، وهي
«العُمْرة المباركة إلى بيت الله الحرام»
وقد حظي المحقّق بأدائها في شهر رمضان المبارك سنة (1415 هـ)
والحمدُ لله ربّ العالمين
ملاحظة:
اُعلنت النتائج في الصحف الايرانية الصادرة يوم (11/رجب/1415) المصادف (24/آذر/1373) بالتاريخ الهجري الشمسي.
مقدّمة التحقيق
1 ـ تقديم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وسيّد رسله محمّد، وعلى الأئمة السادة المعصومين من آله الطيّبين الطاهرين، وعلى الأوفياء المخلصين من أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبَعْدُ: فإنّ الحركةَ الثقافية المباركةَ التي بادرت بها قيادةُ الجمهورية الإسلامية في إيران، بعد انتصار الثورة الظافرة، بتعديل مناهج الدراسات في كلّ مراحل التعليم، وعلى جميع الأصعدة والمستويات، في المدارس والمعاهد والجامعات، في الوطن الكبير، لَمِنْ أهمّ الواجبات، وأقدس الحركات في سبيل الأهداف المنظورة للثورة الإسلامية المقدّسة.
فمن الحقّ ما سُمّيتْ به تلك الحركةُ المباركةُ «الثورة الثقافيّة» ذلك لأنّ الثقافة تُعدّ عَصَبَ حياة الاُمّة، والعمود الفِقْريّ في هيكل حضارتها المجيدة.
ومهما تجلّتْ أنوار الثورة الإسلاميّة وآثارها العظيمة في مختلف جوانب حياة الاُمّة من اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، فإنّ الجانب الثقافيّ لابُدّ أنْ يكون مركز الإشعاع، ومنبع الإرشاد والهداية.
وقد كانت المراكز والمعاهد مؤسَّسةً ـ في العهد المُباد ـ على أساس غير التقوى، ومبرمجةً من قبل أساتذة غربيّين، أو عملاء مستغربين، ضِراراً بالاُمّة، وتشويهاً لثقافتها، وهدماً لحضارتها، وتزييفاً لما لَها من قِيَم وأمجاد.
ولقد أوغل الاستعمار البغيضُ، وعملاؤه البُلَهاء في الحقد على الإسلام والاُمّة، فأنْشَبُوا أظْفار عَبَثِهم في أهمّ مرافق حياة الاُمّة، وهي الجامعات
والمؤسّسات الثقافية الكُبرى، حيث الآلاف من الشباب، من أبناء الاُمّة يقضون أعزّ أيّام العُمُر، واتخذوا التدابير للهيمنة عليهم، ليتّخذوا منهم أدوات طيّعةً، يَملأون عقولهم بالأفكار الغربيّة المضلّلة، ويدرّبونهم على المناهج المحرّفة عن الحقّ والعدل.
لكنّ قيادة الثورة العِملاقة، الحكيمة تداركَتْ هذا المرفق العظيم، فتحرّكَتْ للإشراف عليه. ولتطهّره من أدران دنس الماضي الفاسد، وتبعّد عن مناهجه تلك التدابير المغرضة، وتجعل منه قاعدةً صالحة لانبعاث الكوادر الكفوءة المؤمنة الخيّرة من الخِرّيجين، حاملي العلم والإيمان، ليكونوا وسائل صالحة لِرُقيّ البلد وازدهاره.
والحقُّ أنّ أجهزة الدولة، ومرافق التعليم ـ كلّها ـ بحاجة إلى مثل هذه الحركة المباركة، وعلى حدٍّ سواء في الحوزات العلميّة، كما هو في الجامعات والمدارس والدوائر وجميع المؤسّسات الثقافيّة والعلميّة.
لأنّ تنظيمَ التثقيف، وأدواته، وتوفيقها مع أهداف الثورة الإسلامية المقدّسة، ومناهج الإسلام المرسومة، هو واجب إسلاميّ هامّ، قبل أن يكونَ حاجةً اجتماعيّةً ملموسةً.
فإنّ الإسلامَ يؤكّد على ضمّ التربية إلى التعليم، سابقاً كلّ النُظم التربوية في ذلك:
فليس كافياً ـ في الإسلام ـ العِنايةُ بالعلم وحفظ قوانينه وتطبيقها ـ فقط! ـ من دون أنْ يتّسمَ الإنسانُ العالم بالأهْداف الصالحة، والطيّبة، والنِيّات المخلَصة لله.
ومن دون أنْ يتحلّى بالأخلاق الفاضلة والكريمة التي تزكّي نفسه عن الرذائل، والقبائح، والنيّات الخبيثة.
وقد ثبتَ أنّ العلم من غير انضباط تربويٍّ يؤدّي بالانسان المتعلّم إلى الزلَلِ، ويهوي به في المهالك، بل قد يجعل منه وَحْشاً ضارِياً يفتك بالآخرين، كما نجده
من عُلماء الغرب في عصرنا الحاضر، إذ أنّ التقدّمَ الصناعيَّ، والتكنولوجيا الحديثةَ، على ما لها من إبداعات علميّة خارقة، أدَّتْ إلى تطوير الأسلحة الفتّاكة والمدمّرة، التي ما اهْدت إلى البَشَر إلاّ رُعْباً ووحشة، ولم تَجْنِ الأرضُ منها إلاّ الدّمار، ولا الإنسانُ منها إلاّ القَلَق!
وأمّا المناهج العلميّة، وأدواتها الحديثة، فبالرغم من عمقها ويُسرها وسرعتها، فإنّها لم تُفِدْ إنسانَ العصر إلاّ المزيدَ من الخِبرات في أساليب الخِداع والاستغلال والظلم، والعدوان والتحريف والحرب.
والإسلامُ حدَّدَ للتعليم والتعلُّم آداباً، وقرّر مناهج تسهّل لكلّ من المعلّمين، والمتعلّمين، مهماتِهم، وتفتح أمامهم سبل الوصول إلى أفضل الأهداف المنشودة.
وهذه تعاليم الرسول الأكْرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الكرام من آله(عليهم السلام) تعدّ من أفضل البرامج التربويّة التي عرفتها البشريّة في مجال الحثّ على العلم والتعليم والتعلّم، والاحتفاظ بالعلم وكتابته وتدوينه وضبطه ونشره.
وهذه رواية مُسْندة إلى الإمام عليّ أمير المؤمنين 7 أسْندها إليه كلّ من الكلينيّ والخطيب، أنّه قالَ:
يا طالب العلم! إنّ العلم ذُو فَضائل كثيرة:
فرأسُهُ التواضُعُ.
وعَيْنُهُ البَراءةُ من الحَسَدِ.
واُذُنُهُ الفَهْمُ.
ولِسانُهُ الصِدْقُ.
وحِفْظهُ الفحْصُ.
وقلبُه حُسْنُ النيّة.
وعقلُه معرفةُ الأشياءِ والاُمور الواجبة.
ويدُهُ الرّحْمةُ.
ورِجْلُهُ زيارةُ العُلماءِ.
وهِمّتُهُ السّلامةُ.
وحِكمتُه الوَرَعُ.
ومستقرُّهُ النجاةُ.
وقائدُهُ العَافِيةُ.
ومركَبُهُ الوَفاءُ.
وسِلاحُهُ لِيْنُ الكلمة.
وسَيْفُهُ الرِضا.
وقوسُهُ المُداراةُ.
وجَيْشُهُ مُحاوَرةُ العُلماء.
ومَالُهُ الأدَبُ.
وذَخيرتُهُ اجْتنابُ الذُنُوبِ.
وزادُهُ المَعْروفُ.
وماؤُهُ المُوادَعةُ.
ودَلِيْلُه الهُدى.
ورَفيقهُ صُحْبَةُ الأخيار.
رواه الكليني في الكافي (1/38) باب النوادر من كتاب فضل العلم، الحديث(2). ورواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (1/142) رقم 46.
وهو من عجائب كلام الإمام(عليه السلام) ومن روائع بيانه، فإنّه جامع لكلّ آداب العلم.
وكأنّ كتابنا هذا «آداب المتعلّمين» شرحٌ لجمله، وتفصيل لمجمله.
وكمْ لأمير المؤمنين (عليه السلام) وللأئمة من أوْلاده (عليهم السلام) من منثور الكلام ومنظومه، من بدائع الحكَم الزاهرة، وغُرر الدُرَرِ الباهرة، ما يُعدّ ـ في مجال التربية والتعليم وآداب الطلب ـ من اُصول الفنّ وقواعده المحكمة الرصينة.
وقد استشهدنا بكثير منه في دَعْم ما جاء به المؤلّف، وأثبتناه في تعاليقنا على هذا الكتاب.
وعلماء المسلمين ـ رحمهم اللهُ ـ جمعوا تلك الآداب ووضّحوا تلك المناهج في كتب ومؤلّفات، تعالج موضوع التربية، وتحدّد معالمها الإسلاميّة.
ومن باب المثال ـ لا الحصر ـ نذكر:
1 ـ أدَب العلم:
للمحدّث الأقْدم، محمّد بن الحسن بن جُمْهور، أبي الحسن العَمّي، البصري.
ذكره النجاشيّ في فهرسته (ص337) رقم: 901.
2 ـ أُنس العالم وأدب المتعلّم:
للعالم المحدّث، محمّد بن أحمد بن عبد الله، أبي عبد الله الصفواني.
ذكره النجاشيّ في فهرسته (ص393) رقم: 1050، ونقل عنه ابن إدريس في السرائر (ج3، ص639 ـ 640)، المستطرفات (ص149 ـ 150).
3 ـ آداب المعلّمين:
لمحمّد بن سُحْنون المغربي (ت256).
وقد نُشرَ بمراجعة وتعليق محمّد العروسي المطوي في تونس، دار الكتب الشرقية سنة 1392 ـ 1972.
4 ـ جامع بيان العلم وفضله:
ليوسف بن عبد البرّ القرطبي المغربي (ت463).
المطبوع بمصر، في إدارة الطباعة المنيرية، وأعادت نشره دار الكتب العلمية ـ بيروت.
5 ـ أدب الإمْلاء والاسْتملاء:
لأبي سعد السمعانيّ، عبد الكريم بن محمّد (ت562) طبع في ليدن 1952م، وطبع في بيروت 1401 هـ .
6 ـ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع:
للخطيب البغدادي أحمد بن عليّ بن ثابت (ت463).
طبع بتحقيق الدكتور محمّد عجاج الخطيب، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1401 ـ 1981 في مجلّدين.
7 ـ مُنْية المُريد في أدب المفيد والمستفيد:
للشهيد الثاني، زين الدين بن علي بن أحمد الشاميّ العاملي (ت965).
طبع بتحقيق الشيخ رضا المختاري، مكتب الإعلام الإسلاميّ ـ قم 1409.
8 ـ تذكرة السامع والمتكلّم في أدب العالم والمتعلّم:
لمحمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني (ت733).
طبع بتحقيق السيّد محمّد هاشم الندويّ، حيدر آباد ـ الهند، دائرة المعارف العثمانية ـ 1354.
9 ـ تعليم المتعلّم طريق التعلّم:
لبرهان الدين الزرنوجي (ت بعد 593).
طبع مستقلا في مصر سنة (1311 و 1319) وفي كتاب «التعليم في رأي القابسي» لأحمد فؤاد الأهواني.
وفي هامش شرحه، بشركة المكتبة المصرية في مدينة جربون في جزيرة جاوة الأندونيسية.
وطبع بتحقيق وتقديم صلاح محمّد الخيمي ونذير حمدان، طبعة أولى بدار ابن كثير في دمشق سنة 1406.
10 ـ آدابُ العلماء والمتعلّمين:
للسيد الحسين بن القاسم بن محمّد من أئمة الزيدية في اليمن.
طبعته الدار اليمنية للنشر والتوزيع ـ صنعاء.
لاحظ التراث العربي في خزانة مخطوطات المكتبة المرعشية (1/24).
11 ـ محاسن الآداب في نظم منية المريد للشهيد(رحمه الله):
من نظم الشيخ عبد الرحيم بن محمّد علي التستري (ت1313) في (1250) بيتاً.
مخطوط، ونسخة بخطّ المؤلف في مكتبة السيّد المرعشي في قم برقم (4063).
12 ـ وطبع الدكتور أحمد فؤاد الأهواني مجموعة من رسائل العلماء في موضوع التربية والتعليم، في مصر سنة 1968.
أمّا ما ذكره العلماء ضمن مؤلّفاتهم، ممّا يرتبط بهذا الموضوع فكثير، مثل ما ذكره الماوردي في كتابه «أدب الدنيا والدين» فقد عقد فصلا واسعاً ممتعاً ذكر فيه «أدب العلم» في أكثر من خمسين صفحة (41 ـ 93).
وكتابه مطبوع بتحقيق مصطفى السقا، نشر دار الكتب العلمية ـ بيروت 1398 طبعة رابعة.
ومن أشهر المؤلّفات في هذا الموضوع كتاب:
«آداب المتعلّمين»
المشتهر نسبة تأليفه إلى المحقّق العظيم الخواجه نصير الدين الطوسيّ (ت672).
وهو هذا الكتاب الذي نُقدّم له، وسنفصّل الكلام عليه فيما يلي.
2 ـ موضوع الكتاب:
وضع هذا الكتاب خصّيصاً لذكر آداب الطلاّب الذين يتعلّمون، دونَ الأساتذة المعلّمين، فلذلك ينحصر ما جاء فيه بالناشئة، إلاّ ما ذكره المؤلّفُ استطراداً، أو من باب التمهيد، كالفصل الأوّل الذي احتوى على «ماهيّة العلم، وفضله» فإنّه لا تختصّ معرفتُه بالمتعلّمين، إلاّ أنّ معرفتهم له أكثر ضرورةً، لأنّه ممّا يزيدهم بصيرةً ، ويؤكّد عزمهم على الطلب.
نعم، إنّ ما جاء في هذا الكتاب من النصائح والآداب مفيد حتّى للمعلّمين، وللعُلماء المنتهين، إذ أنّ فيها ذِكْرى تنفعهم، وتجدّد قواهم، بل هُم أحْرَصُ على تطبيقها والعمل بها، بَعْدَ أنْ جرَّبوا مراحل الحياة العلميّة، وعرفوا صدق ما فيها،
وصواب مراميها، وصلاح أغراضها.
وتكادُ الشؤونُ المهمّةُ، الضروريةُ، وما للطالب حاجةٌ ماسَّةٌ إليه من الإرشادات والآداب مذكورةً هُنا، وباستيعاب تامّ.
فقد وفى كتابنا بجميع ذلك، مع الإيجاز الكبير في العبارة، حتى جاء في صفحات معدودة فقط.
بينما آداب المتعلّم استغرقتْ في كتاب «منية المريد» ثلاثاً وخمسين صفحة (223 ـ 276).
3 ـ اهتمام العلماء به:
لقد أبدى العلماءُ اهْتماماً بليغاً بهذا الكتاب، فهم يؤكّدون على دراسته، ومطالعته، ومحاولة تطبيقه، والعمل به، وقد كُنّا ـ أيّام الطَلَب ـ نسمع المشايخ الكبار يردّدون جُمَلا من عباراته، ويستدلّون بنصّه.
ولعلّ السَبَبَ الأوضحَ في اختياره والتأكيد عليه هو اختصار متنه، ووضوح عبارته، ممّا يُيسّرُ فهمه، ويسهّل حفظه على الناشئة، مضافاً إلى ما فيه من الجامعية والاستيعاب لأهمّ الاُصول الموضوعة، وضرورات التربية الصحيحة.
وممّا يمتازُ به هذا الكتاب الوجيز أنّه مشهور النسبة إلى المحقّق، الفيلسوف العظيم، الخواجه نصير الدين الطوسيّ، إمام علوم الفلسفة والأخلاق والكلام، في عصره.
ولعلّ لهذه النسبة ـ كذلك ـ أثراً في رواجه، والاعتناء الأكثر به من قِبل العلماء، منذ القديم.
فما أكثر نسخَه المخطوطة في خزائن الكتب؟!
كما عُنِيَ النّاسُ بطبعه، مُنْذُ ظُهورِ الآلة، وحتى اليوم:
فطُبع مع مجموعة «جامع المقدّمات» ـ وهي مجموعة رسائل المتون
الصغيرة، التي يبدأ بدراستها الطلاّب في الحوزة العلمية، وتحتوي على علوم: الصرف، والنحو، والمنطق، والأخلاق ـ وأقدم ما وقفتُ عليه من طبعاتها، طبعة سنة (1285 هـ).
وطُبع ضمن مجموعة أوّلها «شرح الباب الحادي عشر» لِلمقداد السيّوريّ، وأقدم ما وقفت عليه من طبعاتها، سنة (1294 هـ).
وطُبع في مجلّة «العرفان» الصيداويّة، في المجلّد (19) العدد (2) لشهر رمضان سنة (1348 هـ) بتحقيق الشيخ محسن شرارة العامليّ.
ذكره الاُستاذ مدرس رضوي في: أحوال وآثار نصير الدين الطوسي (ص535).
وطُبع في كتاب «آداب المتعلّمين» تحقيق أحمد عبد الغفور عطا (ص139 ـ 156) في بيروت سنة (1967).
ذكره الاُستاذ عبد الرحيم محمّد عليّ في كتاب «التربية الإسلامية ومصادرها».
وطَبع الدكتور يحيى الخشّاب نسخةً محقّقةً منه في مجلّة «معهد المخطوطات العربيّة» المجلّد (3) العدد (2) (ص267 ـ 284) لسنة (1376) في القاهرة.
وكان من اهتمام العلماء بهذا الكتاب الجليل، أنْ قامَ جمع منهم بترجمته إلى غير العربية، كما شرحه آخرون، وكذلك اعتنى بعض الاُدباء بنظمه في أراجيز، وإليك بعض ما وقفنا عليه من أعمال اتّخذت من هذا الكتاب محوراً:
1 ـ آداب التعليم; ترجمة له إلى الاُردو، لبعض فضلاء الهند، وهي مطبوعة في تلك البلاد.
2 ـ بيان الآداب; شرح له، للمولى محمّد مؤمن بن محمّد قاسم الجزائري، الشيرازي.
3 ـ تربية المتعلّمين; ترجمة له إلى الفارسيّة، للسيّد أبو الحسن بن مهدي اللكهنوي، طبعت سنة (1272).
4 ـ ترجمته إلى الفارسية; للسيّد أمير عادل الحسيني، ذكره الأفندي في رياض العلماء (3/56).
5 ـ ترجمته إلى الفارسية; للسيّد على الطبيب بن السيّد محمّد الحُسيني ـ جدّ آية الله السيّد شهاب الدين المرعشي (قدس سره) ـ .
6 ـ تذكرة الطالبين في نظم آداب المتعلّمين; بالفارسية، للسيّد الميرزا محمّد تقي أحمد آبادي، طبعت سنة (1317).
ولاحظ الذريعة إلى تصانيف الشيعة، لشيخنا العلامة الطهراني (1/15) و(3/175) و (4/39 و 63 و 73) وغيرها.
4 ـ نسبة الكتاب:
إنّ هذا الكتاب، في جميع نُسخه المخطوطة، وكذلك في طبعاته الكثيرة، والجهود المبذولة حوله، على كثرتها كذلك، منسوبٌ ـ في ذلك كلِّهِ ـ إلى المحقّق نصير الدين الطُوسيّ، ومن دون أيّ ترديد.
إلاّ أنّ المفهرس القدير الاُستاذ محمّد تقي دانش پژوه، كانَ أوّلَ من أبدى تشكيكاً في تلك النسبة، وذكر أنّ نصَّ هذا الكتاب، يتطابق مع ما ألّفه الشيخ بُرهان الدين الزرنوجي، الحنفي، المتوفّى ( بعد 593) والمعروف باسم «تعليم المتعلّم».
وأهمّ دليل أقامَهُ هو التشابُه الواضح بين العملين، حتى في عدد الفصول (الاثني عشر) وعناوينها، وأكثر عباراتها المهمّة.
فصار يعتقد: أنّ كتاب الزرنوجي قد وقع التصرُّف فيه بالاختصار والتحوير، ونسب إلى الطوسي!
ذكر ذلك في فهرست دانشكده أدبيات (ص8 ـ 9) و دانشكده حقوق (ص229).
أقول: أما كتاب الزرنوجي فقد ذكره خليفة باسم «تعليم المتعلّم طريق التعلّم» كما في كشف الظنون (1/425) ولاحظ بروكلمان (1/462).
وقد أشرنا إلى طبعاته فيما سبق، ومنه نسخة مخطوطة في مكتبة الجمعية الاستشراقية الألمانية، بمدينة هالة تاريخها سنة (998 هـ) كما في فهرس (المخطوطات العربية في تلك الجمعية) رقم (48).
ونسخة اُخرى في مكتبة مدرسة الشهيد مطهري (سابقاً: سپه سالار) في طهران عاصمة الجمهورية الإسلامية في إيران، لاحظ فهرست دانشكده أدبيات (ص9). ولاحظ معجم المطبوعات العربية والمعرّبة (عمود9).
وأمّا اتّحاده مع كتابنا «آداب المتعلّمين» فلا يمكن الالتزام به، بالرغم من الاعتزاز بالتفاتة الاُستاذ القدير دانش پژوه، وذلك:
لأنّ المؤلّف لكتابنا قد صرّح في مقدّمته بقوله: «فأردتُ أنْ اُبيّنَ طريق التعلّم على سبيل الاختصار، على ما رأيتُ في الكُتّاب، وسمعتُ من أساتيذي اُولي العلم ...» لاحظ الرسالة، الفقرة [1].
وقوله: «على سبيل الاختصار» لم يرد في كتاب الزرنوجي، فهذا دليل واضح على أنّ كتابنا ليس هو نصّ كتاب الزرنوجي.
وعمليّاً ـ أيضاً ـ : فإنّ هذا الكتاب لا يمثّل في نصّه إلاّ جزءاً صغيراً ممّا جاء في كتاب الزرنوجي، من جهة الحجم، وإن كان محتوياً على أهمّ ما جاء فيه من عناصر أساسيّة ترتبط بموضوعه، بل حتّى على عدد فصوله وعناوينها، كما ذكره الاُستاذ دانش پژوه.
فمؤلّف «آداب المتعلّمين» مع أنّه حذف من كتاب الزرنوجي جميع ما فيه من الأشعار، والحكايات، والتوضيحات، إلاّ ما شذّ، فهو مع ذلك قد أضاف عليه
بعض العناصر المهمّة، واستشهد بأحاديث لم يذكرها الزرنوجي.
كما أنّ بين الموجود في الكتابين من المنقولات والأحاديث، اختلافاً كبيراً، وواضحاً في بعض المواضع، ممّا يدلّ على اختلاف ثقافتَي المؤلّفَيْنِ.
ومع هذا، فإنّا لا نُنْكرُ تأثُّر مؤلِّف كتابنا، بعمل الزرنوجي، بل نعتقدُ أنّه سائر على نهجه، ومقتبس منه في موارد كثيرة.
إلاّ أنّ ذلك لا يدلُّ على اتّحاد الكتابين، بل غاية ما يمكن قولُه هو: كون كتابنا مختصراً مأخوذاً من الزرنوجي، مع تعديل وتنقيح وإضافات.
ولعلّ هذا هو ما أراد الاُستاذ القدير دانش پژوه إثباته.
أمّا من هو القائمُ بهذا العمل؟!
فبما أنّ كتابنا «آداب المتعلّمين» وبهذه الصورة الموجودة، لم يُنسب إلاّ إلى الشيخ نصير الدين الطوسيّ، ومن دون ترديد، وفي كلّ نُسَخهِ المخطوطة، والمطبوعة، والفهارس، وكتب التراجم.
وليس من المستبعد أنْ يكونَ الشيخُ قد اختصر عمل الزرنوجي، بعد أن استحسنه، فهذّبَهُ، ونقّحه، وكتبه بخطّه، فكانَ في مؤلّفاته.
فلا يكون ـ إذَنْ ـ إلاّ من عمله وتأليفه.
ولا نشكُّ في أنّ رواج كتاب «آداب المتعلّمين» دونَ كتاب الزرنوجي، لم يكن إلاّ من أجل ارتباطه بالشيخ نصير الدين الطوسيّ، وعمله فيه، بما يصحّح نسبته إليه.
فمن خلال ذلك انتشرت نسخه، وتُدُووِلَتْ وكان له وقع عظيم بين العلماء.
5 ـ عملنا في الكتاب:
ولمّا وَقَعَ اختيارُنا على تقديم هذا الكتاب، إحياءاً له، قمنا بما يلي:
1 ـ ضَبْط نصّه:
استناداً إلى مجموعة من النسخ المطبوعة، والمخطوطة قمنا باستخلاص النصّ الكامل، والمضبوط، منها، وهي:
1 ـ مخطوطة مكتبة الفاضل الخونساري ـ في مدينة خوانسار ـ :
في مجموعة قيّمة برقم (13) تحتوي على كتابنا، ثمّ كتاب (النافع ليوم الحشر) للمقداد السيّوري الحلّي، جاء في آخرها:
«فَرَغَ من تعليقه يوم الثلاثاء عند غروب الشمس، تاسع شهر صفر المبارك ختم بالخير والظفر، من شهور سنة أربع وخمسين وثمانمائة: العبدُ الفقيرُ إلى رحمة ربّه القدير: محمّد بن عليّ بن عليّ بن محمّد بن طيّ: غفر الله له ولوالديه...».
وقد قرأ الكاتب النسخة على والده (علي) فكتب الوالدُ ـ على هامش الموضع المذكور ـ إنهاءً، هذا نصّه:
«أنهاه الولدُ العزيزُ محمّدٌ وفّقه الله لكلّ خير، قراءةً وبحثاً وشرحاً، في مجالس آخرها سلخُ جُمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وثمانمائة، أحسن الله عاقبته».
وكتب العبدُ الفقير إلى الله
عليّ بن عليّ بن محمّد بن طيّ
غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين آمين
وقد ترجم شيخنا العلاّمة الطهراني، لكاتب النسخة (محمّد) في الضياء اللامع (ص128 ـ 129) وذكر هذه النسخة وهذا الإنهاء بعينه، كما ترجم لوالده
(عليّ) في ص93 ـ 94 ونسبه: الفعقاني العامليّ، وقال في الوالد: إنّه صاحب المسائل الفقهيّة المعروفة بـ«مسائل ابن طيّ» لاحظ الذريعة (20/331).
لكنّي أشك في اتّحاد كاتب آداب المتعلّمين والنافع، للاختلاف الواضح بين الخطين.
وقد رمزنا إلى هذه النسخة بالحرف (ف).
2 ـ مخطوطات مكتبة آية الله المرعشي (رحمه الله) في قم:
تحتفظ هذه المكتبة الزاخرة بنفائس التراث الإسلامي العظيم بنسخ عديدة من كتابنا هذا، تمّ التعريف بها في فهرسها الكبير الذي ألّفه العلامة المحقق السيد الحسيني حفظه الله، وقد ذكر أرقامها في كتابه «التراث العربي في خزانة مخطوطات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي» الجزء الأوّل (ص25 ـ 26).
وقد راجعناها وانتخبنا منها خمس نسخ، وهي:
1 ـ المرقّمة (4682) وتاريخها سنة (1012). وقد رمزنا إليها بالحرف (أ).
2 ـ المرقّمة (1145) وتاريخها سنة (1108). وقد رمزنا إليها بالحرف (ب).
3 ـ المرقّمة (8311) غير مؤرّخة. وقد رمزنا إليها بالحرف (د).
4 ـ المرقّمة (3635) وتاريخها سنة (1267). وقد رمزنا إليها بالحرف (ع).
5 ـ المرقّمة (6112) وتاريخها سنة (1076). وقد رمزنا إليها بالحرف (و).
ولم نفصّل الحديث عن النسخ اكتفاء بما أثبته أخونا سماحة السيّد الحسيني دام فضله في فهرست المكتبة.
ونقدّم هُنا شكرنا الجزيل إلى إدارة المكتبة العامرة وعلى رأسها فضيلة العلاّمة الدكتور السيّد محمود المرعشي، على إتاحته الفرصة لنا بمراجعة النسخ، وتسهيله أمر تصويرها، وهو جدير بكلّ تقدير وإكرام لسهره على رعاية التراث المجيد سيراً على خطى والده المقدّس، فبارك الله في هذا الخلف الكريم لذلك السلف العظيم.
3 ـ مطبوعة الدكتور يحيى الخشاب:
التي حقّقها وطبعها سنة (1376) في مجلة «معهد المخطوطات العربية» في القاهرة، كما ذكرنا.
واعتمد فيها على نسخة مخطوطة مؤرخة بسنة (1049) محفوظة في مكتبة جامعة القاهرة، برقم (26184).
وتقديراً للدكتور المحقّق وعمله، واعتزازاً بما كتبه في تمهيده، عن المؤلِّف والكتاب، فقد أوردنا نصّ هذا التمهيد بعد مقدّمتنا هذه، بعنوان «تمهيد حول المؤلّف والكِتاب».
وقد عنونّا ما نقلناه عن هذه النسخة بِعنوان «الخشاب».
4 ـ مخطوطات اُخرى:
ووقفنا على نسخ اُخرى للكتاب، لكنّها لا تتمتّع بشيء من الميّزات، بل تُشينها الأغلاط الفظيعة والكثيرة، إلاّ أنّا راجعناها ـ أحياناً ـ للتأكُّد ممّا أثبتناه.
وعبّرنا عنها بـ«بعض النسخ».
2 ـ مقابلته مع كتاب الزرنوجي:
قابلنا نصّ الكتاب بما ذكره الزرنوجي، نظراً إلى اتّحاد عبارتي الكتابين في مواضع كثيرة، وباعتباره أصلا لكتابنا، كما عرفنا.
كما نقلنا من الزرنوجي ما اخترناه من الفوائد المهمّة، والنصوص الحديثيّة، والآثار، وبعض الأشعار الجيّدة.
وعبّرنا عنه بـ«الزرنوجي».
3 ـ تخريج الأحاديث:
سعينا في مجال التخريج أنْ نذكر ما وقفنا عليه من مصادر متوفّرة للأحاديث الواردة، وبقدر الوسع.
4 ـ دعم مادّة الكتاب:
وحاولنا دعم ما جاء في الكتاب من مَوادّ تربوية، بالتوثيق، والاستشهاد بما وقفنا عليه من أحاديث ونصوص، وشعر منظوم، أخذناها من كتب مشاركة، تأكيداً على ما في الكتاب، وإفادة ممّا في تلك الكتب.
5 ـ تفسير الكلمات:
وعمدنا إلى ما كان من الألفاظ غير واضح، ففسّرناه أو ضبطناه بالحركات، ليستعين الطالبُ بذلك على فهم المادّة.
6 ـ تقسيم الكتاب:
وقد قسّمنا مجموع النصّ إلى فقرات مستقلّة ورقّمناها، وعنونّاها بعناوين حسب محتواها، لما في ذلك من إسهام في تسهيل حفظها، وضبطها على الخاطر.
كما أنّ ذلك يَسَّرَ أمْرَ فَهْرَسَة الكتاب، اعتماداً على تلك الأرقام، فكان مجموع الفقرات (60) فقرةً.
6 ـ كلمةُ شُكْر:
ونقدّم في الختام شكرنا:
إلى وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، على مساعيها القيّمة، بإبداع «اُسبوع الكتاب» في الوطن المقدّس، وإقامة مَعارض الكتب، وإنشاء المكتبات العامّة في
المساجد، والمدارس.
ومن أروع أعمالها الإعلان عن المباراة العلميّة في تحقيق مجموعة من رسائل التراث الإسلاميّ، وإحيائها، ذلك الذي دفعنا إلى إخراج هذا الكتاب بهذا الشكل، وتقديمه إلى المجتمع العلمي، في هذه الحُلّة.
وإلى مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، في قم، لالتزامها بتهيئة ما يلزم لتنشيط تلك المباراة، وتوفير أسباب نجاحها، بما في ذلك تهيئة النسخ للمحقّقين.
وفّقنا اللهُ لما فيه الخير والهدى وهو المُستعان والحمد لله ربّ العالمين.
حرّر في مدينة قم المقدّسة في الحادي عشر من ذي القعدة الحرام المصادف ليوم ميلاد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) سنة (1414 هـ).
وكتب
السيّد محمّد رضا الحسينيّ
الجلاليّ
تمهيد حول المؤلف والكتاب
بقلم الدكتور يحيى الخشّاب
اعتزازاً بما كتبه الدكتور يحيى الخشاب المصري عن المؤلّف والكتاب، في مقدّمة تحقيقه نثبت نصّه هنا:
الطوسيّ هو أبو جعفر، نصير الدين، محمّد بن محمّد بن حسن:
وُلِدَ في جَهْرُوْدِ قُم، سنة (597 هـ 1200 م).
واشتغل في صِباه بالتحصيل والتزوّد من الحكمة، وسافَرَ كثيراً ليتلقّى العلمَ على أهله، ثمّ أقام في طوس فترةً طويلةً حتى نُسبَ إليها.
والطوسيُّ من العلماء الذين اُوتوا دِقّةَ الحسّ ورَهَفَ الشُّعور.
وكان شيعيّاً.
وقد رأى ما يجري في عاصمة الخلافة «بغداد» من ضعف الخليفة، وانصرافه إلى لذّاته مع قيانهِ وجواريهِ!
ومن تناحُر رجال الخليفة، وحقد بعضهم على بعض، وسعاية بعضهم ببعض، وانصرافهم جميعاً عن شؤون الدين والدنيا، وكانت مقاليدهما في أيديهم!
ورأى الفِتنة بين السنّة والشيعة تصحو، وأحياء الشيعة تحترق، ومشاهدهم يمسّها التخريب، والخليفةُ ووُزراؤه يرون هذا فلا يحسّون بإدْبار الدنيا عنهم وعن دولتهم، ولا يحاولون درء الأذى عن الرعيّة، أو دفع الشرّ عن الدين.
وخرج الطوسيّ من بلاد الخليفة المستعصم بالله (640 ـ 651 هـ) (1242 ـ 1258م) عَلّهُ يستريح إلى بَلَد تُحتَرمُ فيه حريّةُ العقيدة ويأمن فيه الناسُ على
أموالهم وعقائدهم.
فسارَ إلى قهستان، حيث كان الإسماعيليةُ يحكمون.
فالتحقَ بخدمة علاء الدين، محمّد بن حسن، وتقرّب من محتشم (أي حاكم) قهستان: ناصر الدين عبد الرحيم ـ وكان حكّام قهستان يبذلون جهداً كبيراً في أنْ يزيّنوا بلاطهم بالعلماء والاُدباء.
ولكنّ الطوسيّ لم يجدْ لدى الإسماعيلية ما كان يبغي من الأمن والطُمأنينة، فقد وَجدَ نفسه بين قوم يحملونه على أنْ يذهبَ في الفكر مذهبَهم، ولم يكن يقدر على مواجهتهم بالحقّ الذي يراه.
وهكذا أحسَّ بأنّه استجار من الرمضاء بالنار.
وأدرك أنّ شرّاً قريباً يوشك أنْ يقع ببلاد المسلمين، واُولو الأمر عنه لاهُونَ!
والاُمّة الإسلاميّة ـ التي أسلمتْ قيادها للخليفة ووزرائه ـ لا تدري من أمرها شيئاً!
وهذا التراث الإسلاميّ العظيم ـ الذي يتمثّل في عشرات الاُلوف من الكتب والرسائل في شتّى العلوم والآداب، والذي يرعاهُ في تلكم الأيّام عشراتٌ من العلماء ـ كلّ هذا أصبحَ ولا حام له ولا راع ممّن بيدهم الأمر في العالم الإسلاميّ!
وتقدّمت جحافلُ المغول، في القرن السابع الهجري، مُكْتسحةً العالم الإسلاميّ الشرقي قُطْراً بعد قُطْر.
وكانت شُهْرة الطوسيّ، في علم النجوم والرَصَد، قد بلغت مسامع هُوْلاكُو، فأرادَ أنْ يكونَ هذا العالِمُ في حاشيته، ليستعينَ بخبرته في النجوم(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد استغلّ بعضُ الجهلة ـ من أعداء الحقّ والعلم ـ وجود الشيخ المحقّق الطوسيّ أسيراً لدى الجيش المغوليّ، للتهجّم عليه وعلى طائفة الشيعة الذي ينتمي إليها، واتّهامه، بزعم أنّ له يداً في غزو المغول للبلاد الإسلاميّة!
لكنّ عظمة الشيخ المحقّق الطوسي، وانجازاته العظيمة: باستنقاذ التراث الإسلامي من التلف وحفظه في خزانة الكتب في مراغة، واستنقاذه لعشرات العلماء من أبناء الطائفة السنيّة بالذات من أنْ يُقتلوا على أيدي المغول، وكذلك تأسيسه للرصد في مراغة، ورعايته للعلماء والمحقّقين، تفنّد تلك الاتّهامات الكاذبة، والمزاعم المغرضة. وقد دافع المنصفون بقوّة وصلابة عن الشيخ العظيم ومواقفه الموفّقة في خدمة العلم والعلماء والحضارة الإسلاميّة. ومنهم الدكتور مصطفى جواد في مقالته التي ألقاها في الذكرى المئوية السابعة لوفاته، والمنشورة في مجلة دانشكده ادبيات ـ طهران.
وكان الطوسيُّ يعرف ما سَيَحلُّ بالشرق الإسلاميّ من غارات المغول، وكان يعلمُ أنّ البناءَ الذي أقامه العباسيّون قد دَبَّ فيه الفناءُ، وأنّ أساسه قد تقوّضَ، ولا سبيل إلى بقائه.
وأدرك أنّه سيدفعُ كثيراً من الشرّ والبلاء عن المسلمين لو بقيَ بجانب ملك المغول الذي لا يعرف الشفقة، وأنّ بقاءه وتعاونه معه خيرٌ من فراره منه وتركه وحده يُفني البشرَ، ويقضي على الإسلام.
ويرى عبّاس إقبال في (تاريخه): أنّ الطوسيّ، علاوةً على مقامه العلميّ، قد أدّى للحضارة الإسلاميّة عملين عظيمين:
أوّلهما: أنّه بذل جُهداً كبيراً للمحافظة على الكتب النفيسة، والآثار، حتى لا يهلكها المغول، ممّا أتاح له أن يجمع مكتبة تحوي أربعمائة ألف مجلّد.
والثاني: أنّه استخدم نفوذه عند هولاكو، لينقذ من الهلاك كثيرين من أهل العلم والأدب(1).
* * *
ويُعَدُّ الطوسيُّ أعلمَ أهل زمانه وهو الذي أعاد للحضارة الإسلاميّة بهاءها، وقوّتها في أحلك الظروف السياسيّة وأقساها على القسم الشرقي من العالم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ مفصل إيران، المجلد الأول (ص502).
وانظر: المجدّدون في الإسلام، لعبد المتعال الصعيدي (ص259) وتاريخ التمدّن الإسلامي لجورجي زيدان المصري (2/245) ومقالة الدكتور مصطفى جواد في مجلة دانشكده ادبيات، السنة (3) العدد (4).
الإسلاميّ، وهو لهذا قد استحقّ لَقَبَ «اُستاذ البَشَر».
وله ما يقرب من ثلاثة ومائة كتاب ورسالة ومقالة، في موضوعات وفنون مختلفة، منها خمسة وعشرون كتاباً بالفارسيّة(1).
وقد فصّل البيان عن كتبه الاُستاذ الدكتور محمّد معين ذاكراً أسماءها، وهي: في الحكمة النظرية والعملية، والهيئة والنجوم، والرياضيّات، والعلوم الطبيعيّة، والعلوم الدينية، والعلوم المكنونة، وفنون الأدب، والتاريخ، والجغرافية، والتصوّف(2).
ولشهرته الذائعة الصيت في الزيج والرَصَد، طلب منكوقاآن من أخيه هولاكو أنْ يوفد إليه الطوسيَّ، حتى يؤسِّس مرصداً في بلاد المغول، ولكنّ هولاكو لم يُلَبِّ رغبة أخيه وأمر بإقامة المرصد في إيران.
وفي مَراغَة أنشأ الطوسيّ مرصداً عام (657 هـ ـ 1258 م) وقد أمَدَّه هولاكو، و أباقا من بعده، بعون ماليٍّ عظيم، منه أوقاف واسعة أتاحَتْ له أنْ يقتنيَ كثيراً من الكتب والآلات، كما مكّنتْهُ من الاستعانة بالعُلماء المتفرّغين، ليُتمَّ «زيج مَراغة».
وقد ضَمَّنَ كتابه «الزيج الإيلخانيّ» خلاصة ما بذله وصحبُه في هذا السبيل(3).
* * *
ومن رسائل الطوسي هذه الرسالة [آداب المتعلّمين] التي ننشرها اليوم.
وهي مخطوط، باللغة العربية، بمكتبة جامعة القاهرة، عدد أوراقه (35) 11×18، كتب بالخطّ النسخ المشكول، وتحت كثير من كلماته ترجمتها، أو شرح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع مقالين للاُستاذين حسين خطيبي، وذبيح الله صفا، في مجلة دانشكده ادبيات ـ طهران، السنة (3) العدد (4) ص 11 ـ 29 .
(2) مجلة دانشكده ادبيات ـ طهران، نفس العدد، (ص30 ـ 42).
وأوسع ما كتب عن الطوسي، كتاب «أحوال وآثار خواجه نصير الدين الطوسي» تأليف محمّد تقى مدرس رضوي، وقد طبع في طهران ـ بنياد فرهنگ إيران سنة 1354 هـ ، بالفارسية.(3) انظر مقال الاُستاذ آيدين صاييل اُستاذ تاريخ العلوم في جامعة أنقره، بالفارسية، في مجلة دانشكده ... المذكورة (ص58 ـ 72).
لها، بالفارسية، نمرة (26184).
ويبدو أنّ الناسخ لم يكن يُتقن العربيّة، فقد أكثر من الخطأ في الشكل، وفي الهجاء!
ولعلّها كانتْ فارسيّةً، وعُرّبَتْ(1).
والرسالة في اثني عشر فصلا:
الفصل الأول: في ماهيّة العلم، وفضله.
الفصل الثاني: في النيّة.
الفصل الثالث: في اختيار العلم، والاُستاذ، والشريك، والثبات.
الفصل الرابع: في الجِدّ، والمواظبة، والهمّة.
الفصل الخامس: في بداية السبق، وقَدَره، وترتيبه.
الفصل السادس: في التوكُّل.
الفصل السابع: في وقت التحصيل.
الفصل الثامن: في الشفقة، والنصيحة.
الفصل التاسع: في الاستفادة.
الفصل العاشر: في الوَرَع في التعلُّم.
الفصل الحادي عشر: في ما يورث الحفظ، وما يورث النسيان.
الفصل الثاني عشر: في ما يجلب الرزق، وما يمنع الرزق، وما يزيد في العمر، وما ينقص.
والطوسيّ في هذه الرسالة:
يتحدّثُ عن الذين أخطأوا طريق العلم، وتركوا شرائطه، فلم يتيسّر لهم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذا الاحتمال الذي ذكره ـ بأن يكونَ أصلُ الكتاب فارسيّاً ـ غريب جدّاً، إذْ مجرّدُ الوقوف على مخطوطة واحدة لا يكفى لإطلاق مثل هذا الحكم، ولا يبرّرهُ وجودُ الأغلاط، كما لا يخفى.
خصوصاً إذا لاحظنا موافقة كثير من عباراته، لما جاء في كتاب الزرنوجي، الذي لا يُشَكُّ في كونه مؤلَّفاً عَربياً!
التحصيل، مع اجتهادهم، ولم ينتفعوا بثمرات العلم، مع اشتغالهم به.
وهو يشرحُ قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «طَلَبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مُسْلم ومُسْلمة» ويبيّن المقصود من العلم.
ثمَّ يتحدّثُ عن وجوب التأنّي في اختيار الاُستاذ والتحرّي في اختيار شريك الدرس، والتمعُّن في اختيار مادّة الدرس.
ويتحدّثُ عن آداب الدرس، فيذكر أنّه لا يجوز للطالب أنْ يجلسَ قريباً من الاُستاذ بغير ضرورة، بل يجبُ أنْ يكونَ بينَهما قَدَرُ القوس، لأنّه أقرب إلى التعظيم.
ويشرحُ الحكمةَ التي تقول: «مَنْ جَدَّ وَجَدَ» ويَحُثُّ الطالب على المُثابرَة، والمُواظَبة، والمُطارَحة، والمُناظرَة.
ويدعو إلى التأمُّل قبل الكلام.
ويبيّنُ الطوسيُّ ما ينبغي على العالم من التفاني في علمه، والإعراض عن الحرص، وجمع المال عن طريق العلم، ويذكر أنّ العلماء في القرون الاُولى للإسلام كانوا يتعلّمون الحِرْفَةَ أوّلا، ثمّ يتعلّمون العلم، حتّى لا يطمعوا في أموال الناس.
ويشرحُ الرأي القائل بطلب العلم من المهد إلى اللحد، وبالاستفادة من تحصيله في كلّ وقت.
ويحثُّ الشباب على الإفادة من الشيوخ، فإنّهم يَبْلُغونَ الأوْجَ حين يتقدّمُ بهم العُمُر، وتتضاعَفُ الفائدةُ من الاستماع إليهم.
وهكذا نجدُ الطوسيَّ في رسالته هذه مؤدِّباً، يدعو إلى نشر العلم، وإلى خير الوسائل التي تؤدّي إلى يُسْر التحصيل، وآداب الدّرس.
انتهى كلام الدكتور الخشاب
سطور عن حياة الإمام المحقّق
محمّد بن محمّد بن الحسن
نصير الدين الطوسي الشهير بـ«الخواجه»
مولده ووالده:
ولد يوم السّبت، الحادي عشر من جمادى الاُولى، عند طلوع الشمس، سنة (سبع وتسعين وخمسمائة) للهجرة النبوية.
في ضواحي قم، في موضع يسمى جِهْرُود، أو طُوْس.
كان والده «وجيه الدين محمّد بن الحسن» من فضلاء الطائفة في عصره، أخذ علوم الشريعة: الفقه، والحديث، والكلام، من السيّد الإمام فضل الله الراوندي، الكاشاني.
مشايخه:
تربّى المحقّق الطوسي في كنف والده، فأخذ منه علمي الفقه والحديث، كما أخذ من خال أبيه الملقّب بنصير الدين المشتهر بالحديث، ومن خاله ـ هو ـ المعروف بنور الدين، وكان فيلسوفاً، فأخذ منه المنطق والحكمة.
وأخذ في مختلف البلاد التي هاجر إليها من:
مُعين الدين، سالم بن بدران، في الفقه واُصوله.
وأسْعد بن عبد القاهر.
وفَريد الدين النيسابوريّ، الحسن بن محمّد.
وكمال الدين المَوْصِليّ، موسى بن يونس، في الرياضيات والحكمة.
وقُطب الدين المصريّ إبراهيم بن عليّ، في الطبّ.
ومن غيرهم.
هجرته:
وهاجر إلى نيسابور، بوصيّة من والده، وكانت هي الحاضرة العلمية، التي تزخر بالعلماء والمحدّثين والأساتذة الكبار.
وهاجر إلى الريّ، وبغداد، والمَوْصِل، آخذاً من أعلامها.
ثمّ عاد إلى طوس، مسقط رأسه.
وهاجر إلى منطقة «قهستان» في غربيّ إيران سنة (625) بعد تدهور الأوضاع في المناطق الشرقيّة والوسطى في إيران، على أثر كثافة الهجوم المغولي وعبث عساكره، وكان حاكم المنطقة ناصر الدين عبد الرحيم يهوى العلم ويجلّ العلماء، فاستقرّ المحقّق الطوسيّ هناك.
وطار صيت المحقّق الطوسيّ في علوم الفلسفة والرياضيات، فطلب زعيم الإسماعيلية من الحاكم ناصر الدين إيفاده إليه، فارتحل المحقّق ـ على كُرْه ـ إلى قلاع الإسماعيلية، حتى استقرّ في قلعة (أَلَمُوْت) أعظمهما وأحصنها، فظلّ هناك طوال (28) سنة، قضاها على مَضَض، كما أعرب عنه في بعض مؤلّفاته، كخاتمة شرح الإشارات، وقد غزر انتاجه العلمي في تلك الظروف القاسية.
وواصلت الزحوف المغولية هجومها الوحشيّ، حتى سقطت القلاع ومنها (ألَمُوت» سنة (653) «فأصبح المحقّق الطوسي في قبضة هولاكو» حسب تعبير السيّد الأمين «ولم يَعُد يملك لنفسه الخيار في صحبته».
وفي سنة (656) لما بدأ الزحف المغولي على بغداد ـ عاصمة الحكم العباسي ـ أرسل المحقّق الطوسي كسفير يحاول إقناع الخليفة المغرور بالصلح مع الغزاة الدمويين، فلم يتعقّل الخليفة الموقف، ورفض الحلول المطروحة، فاكتسحت جيوش هولاكو بغداد فسقطت في (5/صفر/656).
وقام المحقّق الطوسيّ بدَوْر عظيم في هذه الحادثة الأليمة حيث حدّد من تعميقها، وقصّر من أمدها، وأوقف نزف الدماء في الحدود الممكنة، واستنقذ العشرات من نفوس العلماء والأشراف والفضلاء، وأنقذ الآلاف من كتب التراث التي تعرّضت للحريق والنهب، وحافظ على الآثار العمرانية من أن تطالها يد العدوان.
وهذه هي الحقيقة المشرّفة التي اعترف بها معاصرو المحقّق والذين شاهدوا الأحداث فأرّخوها، كابن القوطي مؤرّخ بغداد الذي كان فيها قبل الحوادث وعاشرها، ولازم المحقّق بعدها.
إلاّ أنّ شراذم من المزوّرين للتاريخ من أعداء العلم والدين والمستأجَرين الذين يخفّفون عن أسيادهم بوضع اللائمة على الآخرين! سوّدوا صحائف كتبهم باتّهام الإمام المحقّق الطوسي لمجرّد وجوده في يد المغول، وتحت سيطرة هولاكو بالذات، الذي استغلّه المحقّق ـ بفطنته ودرايته ـ للقيام بتخفيف الوطأة، ورفع الشدّة بالقدر الممكن.
وبعد ذلك استغلّ المحقّق نفوذه في البلاط، فتولّى إدارة شؤون الأوقاف في البلاد، فزار بغداد، والحلّة، وواسط للوقوف على أوضاعها عن كَثَب.
أكاديميّته:
ورجع إلى إيران، وأقنع المغول في إقامة أعظم أكاديميّة علمية في العالم ـ ذلك اليوم ـ تحتوي على «الرصد» والمدرسة، والمكتبة، فأسّسها سنة (657) وجمع فيها مَنْ تمكّن من علماء البلاد وحتى الفقهاء والاُدباء، لإنعاش العلم تحت كنفه.
واحتوت في مكتبتها على ما يربو على نصف مليون كتاب، جمعها المحقّق من التراث المبعثر، وممّا نهبه المغول من كافة البلاد التي غزوها من ما وراء النهر
إلى بغداد.
فكانت «مراغة» التي تعرف برصدها حتى اليوم، مركز هذه الأكاديمية العظيمة.
وفي سنة (665) سافر إلى خراسان، ورجع إلى مراغة في (667) وسافر إلى العراق سنة (672) فأصابه المرض في بغداد، فتوفّي يوم الغدير (18/ذي الحجة الحرام) من تلك السنة.
ودفن في الحرم الكاظمي الشريف، في مقابر قريش، في الجانب الغربي من تلك البقعة المباركة، وأوصى أن يكتب على قبره: }وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ{.
تلامذته:
تلمّذ عند المحقّق الطوسي عشرات من العلماء، وأشهرهم:
قطب الدين الشيرازي محمود بن مسعود، الفيلسوف المفسّر.
والعلامة الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهّر، الفقيه المحدّث الاُصوليّ الرجالي، الحكيم.
مؤلّفاته:
وخلّد المحقّق الطوسي ما يربو على (190) من المؤلّفات، بين كتاب كبير، ورسالة صغيرة، وتعليقة، وترجمة، وفائدة، ومقالة، وجواب مسألة، ورسالة خاصّة إلى أصحابه.
ومن أشهر مؤلّفاته المتداولة:
ـ تجريد الاعتقاد: أخصر متن يضمّ العقائد على رأي الشيعة الاثنى عشرية، بأتمّ شكل وأقواه، جامعاً للأدلّة والبراهين، ودفع التوهّمات والاعتراضات.
وله شروح عديدة واسعة من علماء الشيعة، وأهل السنّة.
ـ تلخيص المحصّل للفخر الرازي: نقدٌ وتهذيب وتنقيح له.
ـ شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا: وهو من أهمّ شروحه، وأعمقها.
ـ آداب المتعلّمين: وهو هذا الكتاب الذي نقدّم له.
- جواهر الفرائض :وهو كتاب في الإرث ،وهو الأثر الفقهيّ الوحيد المعهود للمحقق الطوسيّ،وله نسخٌ في مكتبة السيد المرعشيّ أقدمها برقم (49م).
مكانته:
وقد احتلّ المحقّق الطوسي بنبوغه وجدّه مكانةً سامية بين العلماء الذين وصفوه بـ«الإمام» «الأجل» «الأعظم» «الأفضل» «الفيلسوف» «الأكمل» «المحقّق» «نصير الحقّ والملّة والدين» «مفخر العلماء والأكابر» «سيّد الحكماء» «خاتم المحقّقين» «أفضل الحكماء والمتكلّمين» «فخر الحكماء» «سلطان العلماء» «وجيه الإسلام والمسلمين» «مولانا المعظّم» «اُستاذ البشر» «الخواجه»(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذه الكلمة فارسيّة، وتُلفظ «الخاجَهْ» وتعني: السيّد، الكبير، صاحب العظمة لاحظ كتاب صبح الأعشى (ج 6ص 13) وكتب الباحث اللغوي حبيب زيات المصري بحثاً قيّماً عن هذه الكلمة أصلها وتلفُّظها وتداولها التاريخي،نشر في مجلة الموسم البيروتيّة ،العدد (23-24) عام 1416(ص 283-287).
نماذج مصوّرة من المخطوطات المعتمدة
1 ـ بداية نسخة (ف) وهي في مكتبة الفاضل الخونساري برقم (13)
2 ـ نهاية نسخة (ف) وهي في مكتبة الفاضل الخونساري برقم (13)
3 ـ بداية نسخة (أ) وهي في المرعشية برقم (4682)
4 ـ نهاية نسخة (أ) ويليها في المجموعة بداية كتاب «الأربعين»
لوالد البهائي
5 ـ بداية نسخة (ب) وهي في المرعشيّة برقم (1145)
6 ـ نهاية نسخة (ب) وهي في المرعشيّة برقم (1145)
7 ـ بداية نسخة (د) وهي في المرعشيّة برقم (8311)
8 ـ نهاية نسخة (د) وهي في المرعشيّة برقم (8311)
9 ـ بداية نسخة (ع) وهي في المرعشيّة برقم (3635)
10 ـ نهاية نسخة (ع) وهي في المرعشيّة برقم (3635)
11 ـ بداية نسخة (و) وهي في المرعشيّة برقم (6112)
12 ـ نهاية نسخة (و) وهي في المرعشيّة برقم (6112)
13 ـ بداية بعض النسخ
14 ـ نهاية بعض النسخ
آدَابُ المُتَعَلِّمِين
(وبه نستعين)(1)
الحمدُ لله على آلائهِ، وأشكرهُ على نَعمائه، والصلاةُ على سيّد أنبيائه، وخير أوصيائه.
[1 ـ المقدّمة]
وبَعْدُ:
فكثيرٌ من طُلاّب العلم لا يتيسَّرُ لهم التحصيلُ ـ وإنِ اجتهدوا ـ ولا ينتفعُونَ من ثمراته ـ وإنِ اشتغلوا ـ لأنّهم أخْطأوا طريقَهُ، وتركُوا شرائطَهُ.
وكلُّ مَنْ أخطأ الطريقَ، ضَلَّ(2) فلا ينالُ المقْصُودَ.
فأردتُ أنْ اُبَيِّنَ طريقَ التعلُّم، على سَبيل الاخْتِصارِ، على ما رَأيْتُ في الكُتّابِ(3) وسَمعتُ من أساتيذي(4) اُولي العلم.
واللهُ الموفّقُ، والمعينُ.
فاُبيّنُ المقصودَ في فُصُول شَتّى:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ما بين القوسين من (ف، د، ع، و).
(2) زاد في غير (أ، ف، ب) هُنا كلمة: «وأضَلَّ».
(3) الكُتّابُ: مدرسة لتعليم الصبيان الكتابةَ والقِراءة، وتحفيظهم القرآن الكريم، جمعه: كتاتيب. وفي الزرنوجي: على ما رأيت في الكُتُب.
(4) قوله (أساتيذي) ليست في (ف).
الفصل الأول
في ماهيّة العلم وفضله
[2 ـ فرض العلم]
إعلم أنّهُ قالَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «طَلَبُ العلمِ فريضةٌ على كُلّ مُسْلم ومُسْلمة»(1).
والمرادُ من العلم ـ هاهُنا ـ : علمُ الحالِ، أي: المحتاجُ إليه في الحالِ، المُوْصِلُ إلى النَفْع في المَآلِ.
كما يُقالُ: «أفْضَلُ العلمِ علمُ الحال، وأفْضَلُ العَمَلِ حِفْظُ المَآلِ(2)».
فيفرضُ على الطالب ما يُصْلِحُ حالَهُ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جاء الحديث بهذا النصَّ في كتابنا، وفي الزرنوجي، وكذلك رواه الشيخ ابن فَهَد الحليّ في (عدّة الداعي ص63) مسنداً عن الإمام الرّضا(عليه السلام) مرفوعاً إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). وقال الشيخ أمين الإسلام الطبرسي في خطبة تفسير مجمع البيان ما نصّه: قد صحّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في ما رواه لنا الثقات بالأسانيد الصحيحة مرفوعاً إلى إمام الهدى وكهف الورى أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)عن آبائه سيّد عن سيّد وإمام عن إمام إلى أن يتّصل به عليه وآله السلام أنّه قال: ...الحديث ،لاحظ مجمع البيان (ج1 ص ).
وأرسله ابن الطبرسي في مشكاة الأنوار (ص 182) وكذلك أرسله الشيخ ابن أبي جُمهور الأحسائي في عوالي اللآلي (4/70 ح 36) ونقله عنه المجلسي في بحار الأنوار (1/177). لكن رواه الشيخ الطوسيّ في الأمالي (2/102 و 182) مسنداً عن الرّضا(عليه السلام)مرفوعاً ـ في ابتداء حديث طويل ـ من دون لفظ: «ومُسلمة». وللحديث عند العامة طرق كثيرة، ذكرها السخاوي في (المقاصد الحسنة ص5 ـ 277) وقال: «ومسلمة» ليس لها ذكر في شيء من طرقه. وانظر (الرحلة في طلب الحديث) للخطيب البغدادي، وجامع بيان العلم (1/7 ـ 10).(2) في (ف) حفظه، وفي (ب): حفظ الحال.
[3 ـ شَرَفُ العلم]
وشَرَفُ العلم لا يخفى على أحَد.
إذِ العلمُ هو المختَصُّ بالإنْسانِيّة(1) لاِنَّ جميع الخصال ـ سوى العلم ـ يشترك فيها الإنسانُ وسائر الحيوانات; كالشجاعة، والقُوَّة، والشَفَقَة، وغيرها.
[4 ـ العلمُ فضيلةٌ]
وبهِ أظْهَرَ اللهُ تعالى فَضْلَ آدَمَ(عليه السلام) على الملائكة، وأمَرَهُم بالسُّجودِ له(2).
[5 ـ السّعادة بالعلم]
وأيضاً: هو الوسيلةُ إلى السعادة الأبَديَّة، إنْ وَقَعَ العَمَلُ على مُقتضاهُ(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الخشاب، وبعض النسخ: بالانسان.
(2) أي في قوله تعالى: }وَعَلَّمَ آدَمَ الاَْسْمَاءَ كُلَّهَا ...{ ثمّ قال تعالى: }وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوْا لاِدَمَ فَسَجَدُوا ...{ من الآيتين (31 و 32) من سُورة البقرة (2).
(3) للتفصيل عن فضل العلم وشرفه راجع:
مقدمة «منية المريد» للشهيد الثاني، حيث عقد فصولا سبعة لاستيعاب ذلك، وخصّص الفصل الثالث لذكر ما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)من طريق الخاصة، فانظر (ص93 ـ 127) ولاحظ (108 ـ 119). و : «أدب الدُنيا والدين» للماوردي (ص41 ـ 43). وقال عليّ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): «أعزُّ العِزِّ العِلْمُ، لأنَّ به معرفةَ المعادِ والمعاشِ، وأذلُّ الذُلَّ الجهل، لأنّ صاحبه أصمّ، أبكم، أعمى، حَيْران». نزهة الناظر (ص33). وقال(عليه السلام): العلمُ زَيْنٌ فكُن للعلم مكْتَسِبا وكُنْ لهُ طالِباً ما عِشتَ مُقْتَبِسا اُرْكُنْ إليهِ وَثِقْ باللهِ واغْنَ بِهِ وكُنْ حليماً رزينَ العقلِ مُحْتَرِسا وكُنْ فَتًى ماسِكاً مَحْضَ التقى ورعا لِلدينِ مُغْتَنِماً لِلعلمِ مُفْتَرِسا فَمَنْ تَخَلَّقَ بالآدابِ ظَلَّ بها رئيسَ قَوْم إذا ما فارَقَ الرُؤَسا الديوان (ص72). وقال(عليه السلام): لو صِيْغَ من فِضَة نَفْسٌ على قَدَرِ لعادَ من فضلهِ لمّا صَفا ذَهَبا ما للفتى حَسَبٌ إلاّ إذا كَمُلَتْ أخلاقُهُ وحَوى الآدابَ والحَسَبا فاطْلُبْ فَدَيتُكَ عِلماً واكْتَسِبْ أدباً تَظْفَرْ بذاك به واسْتَعْجِلِ الطَلَبا الديوان (ص46). وقال الإمام أبو جعفر الباقر(عليه السلام): «تعلّموا العلم فإنّ تعلّمه حسنةٌ، وطلبته عبادةٌ، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبَذْلهُ لأهله قُرْبةٌ. والعلم مأواه الجنة، واُنْسٌ في الوحشة وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة، ودليل على السرّاء، وعون على الضرّاء، وزين عند الأخلاّء، وسلاح على الأعداء. يرفع الله به قوماً في الخير، ليجعلهم أئمةً يقتدى بفعالهم، وتقتصُّ آثارهم، ويصلّي عليهم كلُّ رطب ويابِس وحيتانُ البحر وهوامُّه وسباعُ البرّ وأنعامُه. نزهة الناظر (ص50).
[6 ـ أنواعٌ من العلم]
فالعلمُ الذي يُفْرَضُ على المكلَّفِ بعينه(1) يجبُ تحصيلُهُ، وجَبْرُهُ(2) عليه إنْ لَمْ يُحَصِّلْ.
والذي يكونُ الاحْتياجُ إليه في الأحْيانِ، فرضٌ(3) على سَبيل الكِفاية ; إذا قامَ به البعضُ سَقَطَ عن الباقينَ، وإنْ لم يكنْ في البَلَدِ مَنْ يقومُ بهِ، اشتركوا ـ جميعاً ـ بتحصيله، بالوجوب(4).
قيلَ: «إنّ علمَ ما نفعُ(5) على نفسه، في جميع الأحوال، بمنزلة الطعام، لابُدَّ لكلّ أحد من ذلك.
وَعلمُ ما نفعَ في الأحيانِ، بمنزلة الدواء، يُحتاجُ إليه في بعض الأوقات.
وَعلمُ النجوم بمنزلة المرض، فتعلُّمهُ حرامٌ ; لأنَّهُ يضرُّ ولا ينفعُ، إلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في نسخة (أ): نفسه، بدل «بعينه».
(2) كذا في الخشاب وأكثر النسخ، وفي (أ، ف، و، ع) والاُخرى: «وجُبِرَ».
(3) في الخشاب: فرضاً، وهو غلط، لأنّه خبر (الذي).
(4) في غير (ف) بتحصيله وللتفصيل عن أنواع العلم، راجع: منية المريد (ص379 ـ 383).
(5) كذا في أكثر النسخ وفي الزرنوجي (يقع) وفي (د) وبعض النسخ: ينفع، بدل «يقع» هنا وفي الجملة التالية.
قَدَر ما يُعْرَفُ به القِبْلةُ، وأوقاتُ الصلاة وغير ذلك، فإنّه ليس بحرام»(1).
[7 ـ ماهيّة العلم]
وأمّا تفسير(2) العلم: فهو صِفة يتجلّى بها ـ لمنْ قامت هي به ـ المذكورُ(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) علم النجوم ضرره وحرمته:
يُطلق علم النجوم تارةً على معرفة النجوم وأعدادها وحركاتها ومواقعها وأزمانها، فهذا من المعارف البشريّة العامّة المتداولة، إلاّ انّه لا يُفيد طالب العلم الديني شيئاً، إذ لا أثر لهُ في حياته ولا يترتّب على معرفته شيء خاص، فبذل الجهد فيه مضرٌّ له، من جهة تفويت الوقت عليه، عن تحصيل ما هو ضروري، أو أكثر أهميّة ونفعاً وأثراً في حياته العملية، وهذا معنى قول الماتن: يضر ولا ينفع. وعلى هذا فيكون الاستثناء في قوله: «إلاّ قدر ما يعرف ...» إلى آخره، متّصلا، إلاّ أن الحكم بحرمة هذا العلم شرعاً، لا دليل عليه ما لم يؤدّ إلى تقصير في أداء ما يجب على المكلّف معرفةً أو أداءً. وقد يُطلق علم النجوم على خصوص تعلّم ما يتداوله المعتقدون بتأثير الكواكب العلوية في الشؤون الكونية، وأنها الفاعلة للآثار من دون إرادة الصانع الجبار ـ تعالى الله عمّا يقول الجاهلون ـ فهذا محكوم بالحرمة لابتنائه على الكفر بالله أو الشرك أو التفويض أو تحديد قدرته تعالى، وكلّ ذلك مخالف للحقّ المدلول عليه في محلّه. وهذا يضرّ بطالب العلم عقيدة، ولا ينفعه علماً ولا عملا لابتنائه على اُمور غير واقعية بل على أحكام والتزامات تخمينية وتكهّنات أو أفكار خرافيّة أو نقول غير مؤكّدة ولا مضبوطة. وعلى هذا فالاستثناء في قوله: «إلاّ قدر ...» منقطع كما لا يخفى.(2) كذا في الزرنوجي وأكثر النسخ، لكن في الخشاب و (ف) ونسخ اُخرى: نفس، بدل «تفسير».
(3) ارتبكت النسخ في إثبات هذا التعريف:
ففي أكثرها والخشاب هكذا: «فهي صفة يتحلّى ...». وفي بعضها: «... يتحلّى بها مَنْ قامت به فَمخْصوصٌ بالمذكور». وفي نسخة: «... لا يتجلّى بها إلاّ لمن ...». وما أثبتناه من الزرنوجي و (ف، و)، ومعناه: أنّ العلم صِفةٌ تتّضح بها المعلوماتُ لمن وُجدت فيه.
[8 ـ العلم حُجّة على المتعلّم]
فينبغي لطالب العلم أنْ لا يغْفُلَ عن نفسه، وما ينفعُها، وما يضرُّها، في أوْلاها واُخراها ; فيَسْتجلبُ ما ينفعُها، ويجتنبُ عمّا يضرُّها ; لئلاّ يكونَ عقلُهُ وعلمُهُ حجَّةً عليهِ ; فتزدادُ عقوبتُهُ(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الزرنوجي ونسخ: «... عقوبة» وفي بعض النسخ: «فيزاد عقوبة».
الفصل الثاني : في النيَّة
[9 ـ لزوم النيّة]
لابُدّ لِطالِبِ العلم من النيَّة(1) في تَعَلُّمِ العلم، إذ النيّةُ هي الأصْلُ في جميع الأفعال، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما الأعمالُ بالنيّات، وإنّما لكُلّ امرئ ما نوى»(2).
فينبغي أنْ ينويَ المتعلّمُ بِطَلَبِ العلم: رضا اللهِ تعالى، وإزالَةَ الجَهْلِ عن نفسهِ، وعن سائر الجُهّالِ. وإحْياءَ الدينِ، وإبقاءَ الإسلامِ.
والأمر(3) بالمَعْرُوف، والنَّهْي عن المنكر، من نَفْسِهِ، ومتعلّقاته، ومن الغَيْر بِقَدَرِ الإمكان.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في هامش الخشاب «أطلُبُ العِلْمَ لوجوبهِ قُرْبةً إلى الله تعالى».
(2) هذا الحديث لم يذيّل بقوله: «وإنّما لكل امرئ ما نوى» في بعض النسخ وجُعل الذيل حديثاً مستقلا في نسخ اُخرى.
وقد رواه الشيخ الطوسيّ في تهذيب الأحكام (1/83) ح218 و (4/186) ح519 مذيّلا بلفظ: «... وَإنّما لكلّ امْرِئ مَا نَوَى» مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وفي الحديث (518) مع الذيل، ونقله عنه في وسائل الشيعة (6/5) ح7197، مذيّلا، وانظر الوسائل (1/48) ح88 و 89. ورواه ـ مذيّلا وغير مذيّل ـ ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللآلي (1/81) ح3 و (1/380) ح2 و (2/11) ح19 و (2/190) ح80. ورواه من العامّة: البخاري في الصحيح (1/2) باب بدء الوحي، ومسند أحمد (1/25) والبيهقي في السنن الكبرى (7/341) وابنُ عساكر في الأربعين البلدانية (46 ـ 47) وهو أوّل أحاديث الجامع الصغير، للسيوطي. وقال الزرنوجي: حديث صحيح.(3) في كثير من النسخ (بالأمر).
[10 ـ سِيْرةُ الطالب](1)
فينبغي لطالب العلم أنْ:
يَصْبِرَ في المشاقّ(2).
ويجتهد بقَدَر الوُسْع(3).
فلا يَصْرِفَ عُمُرَهُ في الدُنْيا الحقيرة.
ولا يُذِلَّ نفسَه بالطَمَع(4).
(ويجتنبُ الحِقدَ، والحَسَدَ)(5).
ويحترزَ عن التَكَبُّرِ(6).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أجمل المؤلّف في هذه الفقرة ما سيذكره في الفقرات التالية في فصول الكتاب، وسنشير إلى مواضع تفصيل كلّ ما يذكر.
(2) لاحظ الفقرة [48].
وروى ابن عبد البر عن الإمام زيد الشهيد (عليه السلام) أنه قال: «لا يُستطاع العلم براحة الجسم». جامع بيان العلم (1/91). وكتب في هامش نسخة (ف) من كتابنا هذين البيتين: أرى العلم في جوع وذلٍّ وعِفّة وبُعد عن الآباء والأهْلِ والوطنْ فلو كانَ كسبُ العلمِ أسهلَ حرفة لما كانَ ذو جَهْل على الأرضِ في الزمنْ لاحظ الصورة رقم (2) من نماذج مصوّرات الكتاب.(3) لاحظ الفقرات [23 ـ 27]
(4) لاحظ الفقرة [37].
(5) ما بين القوسين ورد في بعض النسخ، ولاحظ الفقرتين: [42 و 44].
(6) للتفصيل حول الأخلاق، لاحظ الفقرة [22] وتعاليقها، ولاحظ الفقرة [46 ]و [49].
الفصل الثالث : في اختيار العلم والاُستاذ والشريك والثبات
[11 ـ اختيار العلم]
ينبغي لطالب العلم أنْ يختارَ من كلّ علم أحْسَنَهُ(1) وما يحتاجُ إليه في اُمور دينه في الحالِ، ثُمَّ ما يحتاجُ إليه في المآلِ.
ويُقدّمَ علمَ التوحيدِ، ويَعْرِفَ اللهَ تعالى بالدليل(2).
[12 ـ اختيار العتيق]
ويختارَ العتيقَ دُوْنَ المحْدَثات.
قالوا: «عليكُم بِالعتيقِ(3) وإيّاكُم والمحدَثاتِ».
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال عليّ (عليه السلام): «خذوا من كلّ علم أحسنه، فإنّ النحل يأكلُ من كلّ زهر أزينَهُ، فيتولّد منه جوهران نفيسان: أحدهما فيه شفاء للناس، والآخر يُستضاء به».
معجم ألفاظ غرر الحكم (ص1342) رقم (1053). وقال (عليه السلام): «العلم أكثر من أن يُحاط به، فخذوا من كلّ علم أحسنَهُ». معجم ألفاظ غرر الحكم (ص234). ومن قول الإمام (عليه السلام) اقتبس الشاعر فيما أنشدنيه سماحة العلاّمة المجاهد السيّد بدر الدين الحوثي الحسني اليماني دام عُلاه، فقال: ما حوى العلم جميعاً أحدٌ لا، ولو دارسَهُ ألْفَ سَنَهْ إنّما العِلمُ بَعيدٌ غورُهُ «فخذوا من كلّ علم أحْسَنَهْ» ولاحظ ما يأتي في التعليق على الفقرة [50] الهامش (4).(2) للتوسّع في هذه الفقرة راجع منية المريد (ص366 و 379 و 385) وانظر هنا الفقرة [20] في الاعتماد على الاستاذ في اختيار العلم.
(3) جاءت هذه الجملة ضمن كلام لبعضهم، في جامع بيان العلم (2/193).
فإنّه أسند إلى مَنْ قال: «ستجدون أقواماً يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإيّاكم والتبدّع، وإيّاكم والتنطُع، وعليكم بالعتيق». فالظاهر أنّ المراد بالعتيق هي المعارف والعلوم القديمة، التي وقع الاتفاق على ضرورتها وفائدتها علماً وعملا، دون ما لا نفعَ فيه سوى الترف العلمي، والنُزهة الفكرية، وما لا دخل له في تمرين أو مقدميّة لعلم، ومن ذلك ممّا تُدووِل في العصور المتأخّرة من الجدليات والفرضيّات، أو الصناعات المسمّاة بالعقليّة، التي لا تمسّ حياة الانسان من قريب أو بعيد، وليس لها مجال في التطبيق ولا أثر عمليّ، ولا ثمرة في الدين أو الدنيا. ومن ذلك ما اُقحم في علم الاُصول من المباحث البعيدة عن واقع العلوم المنقولة وفرض آراء ونظريّات لا يوافق عليها العرف ولا العقلاء، ويرفضها حتى أصحاب الفنون أنفسهم، فكم من بحث لغوي يرفضه اللغويون وكم من رأي فلسفي لا يرضاه الفلاسفة، وقد أتعب المتأخرون، والجدد المتعلّمون أنفسهم في اقتحامها بلا طائل يعود على العلم وطلابه سوى التطويل، وتوغّلوا في صياغة المصطلحات التي لا تعود على الدراسات سوى التعقيد، وليس الغرض منها سوى عرض العضلات بزيادة القال والقيل. بينما علوم شريفة من صميم الشريعة، كالحديث وفقهه وشرحه، وآيات الأحكام وتفسيرها، واللغة ومتونها، متروكة مهملة لا يرعاها إلاّ القلائل. وينسحبُ مثلُ هذا الكلام على المؤلّفات التي يغلب على الجديد منها الهُراء والفضول وكبر الحجم، وزيادة المجلّدات، وكأنّ الاهتمام بالوزن والكمّ فقط، وهذا على خلاف المؤلّفات القديمة المبتنية على تصغير الأحجام وبذل غاية الاهتمام بالكيف والعمق والإحكام، فقد كانوا يزنون العلم بالمؤدى وما يُفيد في مجال الأعمال، لا كما آل إليه الأمر من وزن العلم بالأرطال. ثمّ إنّ انتهاج هذه السيرة الجديدة في العلوم تدريساً وتأليفاً وتفكيراً هو المؤدي إلى ما وصل إليه الطلاّب من الحيرة في الانتخاب، أو اليأس من الاستيعاب، لكثرة الاحتمالات والآراء وكثرة المؤلّفات في كلّ موضوع وباب، ولا يمكن التخلّص من هذه الحالة المتردّية إلاّ باللجوء إلى الاُصول في كلّ شيء من نصٍّ أو فكر أو رأي أو كتاب، حتى يختصر الزمان ونسبق حوادثه التي تجتاحُ الكونَ والإنسان. والله الموفّق وهو المستعان.
[13 ـ اختيار المتون]
ويختارُ المُتُونَ.
كما قيلَ: «عليكُم بالمُتُوْنِ».
[14 ـ اختيار الاُستاذ]
وأما اخْتيارُ الاُسْتاذ، فينبغي أَنْ يختارَ الأعْلَمَ، والأوْرَعَ، والأسَنَّ.
وينبغي أنْ يُشاوِرَ في طَلَب أيّ عِلْم يُرادُ في المشي إلى تحصيله(1).
وإذا وَصَلَ(2) المتعلّمُ إلى بِلاد يُريدُ أنْ يتعلّمَ فيها، فلْيكُنْ ألاّ يَعْجَلَ في الاخْتلاطِ مَعَ العُلماء، وأنْ يَصْبِرَ شَهْرَيْنِ، حتّى كانَ اخْتيارُهُ لِلاُستاذ لَمْ يُؤَدِّ إلى تركِهِ والرجُوعِ إلى الآخَر، فلا يُبارَكْ له!
[15 ـ الثَبات على ما يختار]
فينبغي أنْ يَثْبُتَ ويَصْبِرَ:
على اُسْتاذ.
وعلى كِتاب، حتّى لا يكون ـ بتركِهِ ـ أبْتَرَ.
وعلى فَنٍّ، حتّى لا يشتغلَ بفَنٍّ آخَرَ قَبْلَ أنْ يصيرَ ماهِراً فيه.
وعلى بَلَد، حتّى لا يَنْتَقِلَ إلى بَلَد آخَر، من غَيْر ضَرُورة(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روى الماوردي في أدب الدنيا والدين (ص291) قال: قال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «الاستشارةُ عينُ الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه».
وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «المشورةُ حِصنٌ من الندامة، وأمان من الملامة» نزهة الناظر (ص3). وقال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «نعم المؤازرة المشاورةُ، وبئس الاستعداد الاستبداد» ورواهما في أدب الدنيا والدين (ص289). وروى الزرنوجي (ص14): قال جعفر الصادق (عليه السلام) لسفيان الثوري: «شاوِرْ في أمْرِك مَعَ الذين يخشونَ اللهَ تعالى». ولاحظ الفقرة [20] في الاعتماد على الاُستاذ في اختيار العلم.(2) كذا في أكثر النسخ وفي بعضها: دَخَلَ.
(3) عن الرحلة إلى البلاد وفوائدها، راجع كتاب: الرحلة إلى طلب الحديث، للخطيب البغدادي.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تغرَّبْ عن الأوطانِ في طلب العُلى وسافِرْ ففي الأسفار خَمْسُ فوائدِ تَفرُّجُ هَمٍّ واكْتِسابُ معيشة وعلمٌ، وآدابٌ وصحبة ماجِدِ وهو في الديوان (ص61).
فإنّ ذلك كلَّه يُفَرّقُ الاُمورَ المُقَرِّبة إلى التحصيل، ويُشْغل القَلْبَ، ويُضَيّعُ الأوقات.
[16 ـ اختيار الشريك]
وأما اخْتيار الشريك، فينبغي أن يختارَ الُمجِدَّ، والوَرِعَ(1) وصاحبَ الطبعِ المستقيمِ.
ويفرّ ويحترزُ(2) من الكسْلانِ، والمُعَطَّلِ، ومِكْثارِ الكلامِ، والمُفْسِدِ، والفتّانِ.
كما قيل ـ في الحكمة الفارسيّة ـ نَظْماً:
يارِ بَدْ بدْتَرْ بُوَدْ أزْ مارِ بَدْ تا تَوَانِيْ مِيْگُرِيْزْ أزْ يارِ بَدْ
مارِ بَدْ تَنْها تُو را بَرْ جانْ زَنَدْ يارِ بَدْ بَرْ جانُ وبَرْ إيمانْ زَنَدْ(3)
وقيل:
فاعْتَبِرِ الأرْضَ بأسْمائِها(4) واعْتَبِرِ الصاحبَ بالصاحِبِ(5)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في النسخ والزرنوجي، وفي الخشاب وبعض النسخ: المتورّع.
(2) في (ب، د): يفرّ وفي سائر النسخ: (يحترز) وقد جمع بينهما في (ع).
(3) وقد نظمتُ معنى البيتين بالعربية، فقلتُ:
لئنْ كانَ خلُّ السوء أعتى مضرَّةً من الحيّة السوداء فاهْجُرْهُ بالبَيْنِ فإنْ كانَتْ السوداء للجسم سمُّها فضرّ صديق السوء للجسم والدِيْنِ وقد أثبت الخشاب معنى البيتين نثراً في المتن، وذكر الشعر الفارسي في الهامش. أمّا الزرنوجي فقد أورد الشعر هكذا: يارِ بَدْ بَدْتَرْ بُوَد أزْ مارِ بَدْ بحقِّ ذاتِ پاكِ اللهُ الصَمَدْ يارِ بَدْ آرَدْ تو را سُويِ جَحِيمْ يارِ نيكُو گِيْرْ تا يابي نَعِيْمْ(4) كذا في الزرنوجي والنسخ، لكن في الخشاب: بإنمائِها.
(5) جاء في الزرنوجي، قبل هذا البيت، قوله:
إنْ كُنْتَ تبغي العِلْمَ من أهْلِهِ أوْ شاهداً يُخْبِرُ عن غائبِ ولاحظ نهاية الفقرة [33] ففيه كلام حول الشخص الذي يُنتخب للمذاكرة. وأنشد الماوردي، لأبي بكر الخوارزمي: لا تَصْحَب الكسلان في حالاته كم صالح بفساد آخَرَ يفسدُ عدوى البليد إلى الجليد سريعة والجَمْرُ يُوضَعُ في الرمادِ فيخمُدُ أدب الدنيا والدين (ص112). وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): فلا تَصْحَبْ أخا الجهل وإيّاكَ وإيّاهُ فكم من جاهل أرْدى حليماً حينَ آخاهُ يُقاسُ المَرْءُ بالمَرْءِ إذا ما هو ماشاهُ ولِلقَلْبِ على القَلْبِ دليلٌ حين يَلْقاهُ وللشيء من الشيءِ مقاييسٌ وأَشْباهُ وهو في الديوان (ص122) ورواه القُضاعي في دستور معالم الحكم (ص157).
[17 ـ تعظيم العلم وأهله]
وينبغي أنْ يُعَظّمَ العلمَ وأهْلَهُ بالقَلْبِ غايةَ التعظيم.
قيل: «الحُرْمَةُ خَيْرٌ من الطاعَةِ».
حتّى لَمْ يأخُذ الكتابَ، ولَمْ يُطالِعْ، ولَمْ يَقْرأ الدَرْسَ، إلاّ مَعَ الطَهارة(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا سيّما الكتب المحتوية على النصوص المقدّسة، كالقرآن الكريم، وتفاسيره، فإنّ ما يؤدّي إلى الاستهانة بها حرام.
وكذلك كتب الحديث الشريف والسُنّة المطهرة، بل يلزم تعظيمها كما نقل عن العلاّمة الفاضل الدربنديّ أنّه كان يُوْلي كتب الحديث الشريف تعظيماً بالغاً، حتى كانَ إذا أخذ بيده كتاب «تهذيب الأحكام» للشيخ الطوسي: قبّلَهُ ووضعه على رأسه، كما يُصْنَعُ بالقرآن الكريم، ويقول: «إنّ كتُب الحديث لها عَظَمةُ القرآن». لاحظ: المنتقى النفيس من درر القواميس (ص158). وأمّا الكون على الطهارة فقد رووا فيه عن مالك بن أنس، أنه قال: كانَ جعفر بن محمّد [(عليه السلام)] لا يحدّثُ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ وهو طاهر. جامع بيان العلم (2/199).
[18 ـ أَدَبُ الكِتابة]
وينبغي أنْ يُجَوِّدَ كتابة الكتاب(1)،
ولا يُقَرْمِطَ(2) ويترك الحاشية(3) إلاّ عند الضرورة، لاِنّهُ إنْ عاشَ نَدِمَ، وإنْ ماتَ شُتِمَ (4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روى الخطيبُ والسمعانيّ، مسنداً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال: «الخطّ الحسنُ يزيدُ الحقَّ وضوحاً» الجامع لأخلاق الراوي (ج1، ص399) رقم 532، وأدب الإملاء والاستملاء (ص166)، وفيه: «وضحاً» بدل «وضوحاً» وفي هذا المصدر كلام عن آداب الكتابة.
وانظر: تدوين السُنّة الشريفة (ص101) فقد أوردنا له تخريجاً أوسع. وأسند الخطيبُ إلى أبي عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ قال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب [(عليه السلام)]: «الخطّ علامة، فكلّما كانَ أبْيَنَ كانَ أحْسَنَ». الجامع لأخلاق الراوي (ج1، ص400) رقم 535. وقال (عليه السلام): «الخطّ لسان اليد». معجم ألفاظ غرر الحكم (خطط).(2) قال ابن منظور: قَرْمَطَ في خَطْوِه: إذا قارب ما بين قَدَمَيْهِ ... والقرمَطَةُ في الخطّ: دقّة الكتابة وتداني الحروف، وقرمَطَ الكاتبُ إذا قارب بين كتابته. لسان العرب (9/252) مادّة (قرمط).
فالنّهي عن القرمطة، بمعنى عدم الكتابة الدقيقة، التي يصعب قراءتها عند الحاجة. وأما ما ورد من الأمر بالقرمطة فيما رواه الخطيب عن عليّ أميرالمؤمنين(عليه السلام)أنّه قال لكاتبه عُبَيْد الله بن أبي رافع: «ألِقْ دِواتَك، وأطِلْ سِنَّ قَلمِكَ، وأفْرِجْ بين السّطور، وقَرْمِطْ بينَ الحروف». الجامع لأخلاق الراوي (1/403) رقم 540. وأرسله في لسان العرب (قَرْمَطَ) وفيه: «فَرِّجْ ما بين السّطور وقرْمط ما بين الحروف». فالمراد التقريب بين حروف الكلمة الواحدة، فإنّ الفصل الكثير بينها مؤدٍّ إلى الوهم والتصحيف، كما لا يخفى.(3) المقصود من «ترك الحاشية» عدم كتابة شيء على هوامش الكتاب، بعنوان التوضيح أو التعليق، فإنّ فِعْل الطالب المتعلّم ذلك، يؤدّي إلى تشويه الكتاب، مَعَ أن ما يكتبه ليس بالجودة والقوّة اللازمة، بحيث يُرْتضى ـ حتى من قبله هو ـ بعدَ هذه المرحلة.
فالأولى اجتناب ذلك، والكتابة في دفتر منفصل.(4) ومن آداب الكتابة :تركها بعد العصر، وقد روي:« من أكرمَ حبيبتيه فلايكتبْ بعد العصر » رواه السخاوي في المقاصد الحسنة،وقال : ليس في المرفوع .
أقول : ذكر المولى صدرالمتألّهين في تفسيره (1 / 358) في الحديث :( من أحب ّ كريمتاه لايكتبنّ بالعصر» كذا فيه :«كريمتاه» بالألف ويمكن تخريجه على اسنعمال المثنى بالألف دائماً كما هي لغة ، لكنّ احتمال التحريف وارد، والمشهور عندنا: « من أحب ّ كريمتيه فلا يقرأ بعد العصر». وقال في تذكرة الموضوعات (ص 162): أوصى أحمد أن لا ينظر بعده - أي بعد العصر - في كتاب، وعن الشافعيّ: الورّاق إنّما بأكل من دية عينيه.
[19 ـ أَدَبُ السماع]
وينبغي أنْ يستمع العِلْمَ بالتعظيم والحرمة، لا بالاسْتهزاء.
[20 ـ الاعتماد على الاُستاذ]
ولا يختارُ نَوْعاً من العِلْم بنفسِهِ، بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اُسْتاذِهِ، لأنَّ الاُسْتاذَ قد حَصَلَ له التجاربُ في ذلك عند التحصيل، وعَرَفَ ما ينبغي لكُلّ واحد، وما يليقُ بطبيعتِهِ(1).
[21 ـ التأدُّبُ مَعَ الاُستاذ]
وينبغي لِطالبِ العلم أنْ لا يجلسَ قريباً من الاُستاذ عند السبق، بغير (عذر إلاّ للضّرورة)(2)، بَلْ ينبغي أنْ يكونَ بينَهُ وبينَ الاُستاذِ قَدَرُ القوسِ، لاِنَّهُ أقربُ إلى التعظيم(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ الفقرة [15] وما نقلنا في هامشها.
(2) ما بين القوسين من (ف) وفي النسخ: بغير ضرورة.
(3) ذكر الزرنوجي ما يرتبط بهذه الفقرة في بداية الفقرة [19] فقال: ومن تعظيم العلم: تعظيمُ المعلّم.
قال علي (عليه السلام): «أنا عَبدُ مَنْ علّمني حرفاً واحداً، إنْ شاءَ باع، وإنْ شاءَ أعْتَقَ، وإنْ شاء اسْترقّ». ولم أقف على هذا الحديث في غير هذا الكتاب، إلاّ أنّ المشهور على ألْسِنة المشايخ رحمهم الله يتداولونه مرسلا عنه (عليه السلام) أنّه كان يقول: «مَن علّمني حرفاً فقد صيّرني عبداً». وأرسل الشهيد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَنْ علَّمَ أحداً مسألةً ملك رِقَّهُ». قيل له: أيبيعه ويشتريه ؟ قال: [لا] بل يأمُرُهُ وينهاه». منية المريد (ص243) ونقله محقّقه عن إجازة ابن أبي جمهور الأحسائي، بلفظ: قال سيّدُ العالمين: «مَنْ علّمَ ...» وفيه وردت كلمة [لا] التي وضعناها بين المعقوفين. نقل ذلك عن بحار الأنوار (ج108، ص16). وبالنسبة إلى تعظيم الاُستاذ المعلّم: روى الخطيب بسنده إلى محمّد بن سلام الجمحي قال: قال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «من حقّ العالم عليك: أنْ تُسَلِّمَ على القوم عامَّةً، وتخصّه دونَهم بالتحيّة. وأنْ تجلس أمامه. ولا تُشيرَنَّ عنده بيدك. ولا تغمِزَنّ بعينيك. ولا تقولَنَّ «قال فلانٌ» خلافاً لقوله. ولا تغتابنَّ عنده أحَداً. ولا تسارّ في مجلسه. ولا تأخذ ثوبَه. ولا تلحَّ عليه إذا كَسَلَ. ولا تعرض من طول صُحبته، فإنّما هو بمنزلة النخلة تنتظرُ متى يسقطُ عليك منها شيءٌ. وإنّ المؤمنَ العالم لأعظمُ أجْراً من الصائم، القائم، الغازي في سبيل الله. وإذا مات العالِمُ انثلَمَتْ في الإسلام ثُلمةٌ لا يَسُدُّها شيء إلى يوم القيامة». الجامع لأخلاق الراوي (1/300 ـ 301) رقم 350. ورواه القاضي القضاعي في دستور معالم الحكم في بداية الباب السابع (ص107 ـ 108) بتقديم وتأخير في بعض الفقرات. ورواه من أصحابنا البرقي في المحاسن (ص233) في كتاب مصابيح الظلم، باب (19) حقّ العالم، الحديث (185) بسنده عن الصادق (عليه السلام) قال: كان عليٌّ(عليه السلام)يقول: «إنّ من حقّ العالم أنْ...». ورواه الكليني في الكافي (1/29) كتاب فضل العلم، باب حقّ العالم، إلى قوله: «في سبيل الله». وأرسله باختلاف في منية المريد (ص234). وأسند ابنُ عبد البرّ إلى سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)قال: «إنّ من حقّ العالم: أنْ لا تُكثر عليه بالسؤال. ولا تعنّتْه في الجواب. وأن لا تلحَّ عليه إذا كسل. ولا تأخذ بثوبه إذا نهضَ. ولا تُفْشِينَّ له سرّاً. ولا تغتابنَّ عنده أحداً. ولا تطلبنَّ عَثْرتَهُ. وإنْ زلَّ قبلتَ معذرتَه. وعليك أنْ توقّرَهُ وتعظّمَه لله، مادام يحفَظُ أمر الله. ولا تجلس أمامه. وإنْ كانتْ له حاجةٌ سبقْتَ القومَ إلى خدمته». جامع بيان العلم (ج1، ص129). وفي (رسالة الحقوق) المرويّة عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): «وحقُّ سائِسِك بالعلم: التعظيمُ له، والتوقيرُ لمجلسه، وحُسْنُ الاستماع إليه، والإقبالُ عليه. وأنْ لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيبَ أحداً يسألُه عن شيء، حتى يكون هو الذي يُجيبُ، ولا تُحدِّث في مجلسه أحداً، ولا تغتابَ عندَه أحداً. وأنْ تدفعَ عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبَه وتُظْهِرَ مناقبه. ولا تجالسَ له عدوّاً، ولا تُعادي له وليّاً. فإذا فعلتَ ذلك شَهِدَتْ لك ملائكةُ الله جلَّ وعَزَّ بأنّكَ قصدتَهُ وتعلمتَ علمه لله جلّ اسمُه، لا للناسِ». رسالة الحقوق، الفقرة (السادسة عشرة) وانظر شرح رسالة الحقوق، للقبانجي (1/409 ـ 438). وأخبرني بعض طُلاّب العلم من أهل اليمن، أنّ استاذَه المغفور له، صديقنا العلاّمة السيّد يحيى بن عبد الله راوية، كان يتلو عليه هذه الأبيات غير منسوبة: إصْبِرْ على مُرِّ الجفا من معلّم فإنّ رسوب العلم في نفراتِهِ فَمَنْ لَم يذُقْ مُرَّ التعلّم ساعةً تجرّع مُرَّ الجهل طول حياتِهِ ومن فاتَهُ التعليم وَقْتَ شبابهِ فكَبِّر عليه معلِناً لوفاتِهِ حياةُ الفَتى ـ واللهِ ـ بِالعِلم والتقى إذا لم يكونا، لا اعْتبارَ بذاتِهِ
[22 ـ أخلاق الطالب]
وينبغي لطالب العلم أنْ يحتَرِزَ عَن الأخْلاق الذَميمة، فإنّها كِلابٌ معنويّةٌ، وقال رسولُ الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تدخُلُ الملائِكةُ بيتاً فيهِ كَلْبٌ أوْ صُوْرَةٌ»(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحديث بهذا اللفظ مذكور في مسند أحمد (1/83) والجامع الصغير للسيوطي (2/200).
ورواه ابن أبي جمهور الأحسائي في الفصل العاشر من عوالي اللآلي (ج1، ص261) بدون: «أو صورة». وأرسل الفاضل المقداد السيّوريّ في «كنز العرفان في فقه القرآن» (2/309) حديثاً طويلا في صدره: أنّ جبرئيل نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «إنّا معشر الملائكة لا ندخل بيتاً فيه صورةٌ ولا كلبٌ ...» الحديث. والمراد من إيراد الحديث ليس هو ظاهره، بل ـ كما ذكره بعض شرّاح العوالي ـ : المراد بالملائكة: المعارف الإلهيّة، والمراد بالبيت: القلب، والمراد بالكلب: الصفات الذميمة. فالمعنى: أنّ العلم لا يستقرّ في قلب مَنْ تملّكتْ من قلبهِ الأخلاقُ الذميمة. وقد ذكر المؤلّف بعضَ الصفات الذميمة والأخلاق السيّئة في الفقرة [10 ]و [49]. وأفضل كتاب يُفيد الطالب والعالم هو كتاب «أدب الدنيا والدين» للماوردي، فإنّه عظيم الفائدة، غنيّ المادّة، قويّ العبارة، وواضح الدلالة. وقد حثّ الرسول والأئمة (عليهم السلام)، الناس كافةً على امتلاك الأخلاق الحسنة والكريمة، وإليك بعض ما روى في ذلك: ممّا روي واشتهر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «إنّما بُعِثتُ لاُتمِّمَ مكارم الأخلاق» رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق ومعاليها (ص1) وهو أوّل أحاديثه. وروى الخطيب عن الحسين بن عليّ (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله يحبّ معاليَ الأخلاق وأشرافها، ويكْرَهُ سفسافها». الجامع لأخلاق الراوي (1/137). ورواه الخرائطي عن سهل بن سعد الساعدي في مكارم الأخلاق (ص1) بدون: وأشرافها. وقال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «إنّ الله تعالى جعل مكارم الأخلاق ومحاسنها وصلا بينه وبينكم، فحسب الرجل أنْ يتّصل من الله تعالى بخُلُق منها». ذكره في أدب الدنيا والدين (ص226). وقال (عليه السلام): «تعلّموا العلم، وتزيّنوا معه بالوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلّمون منه، ولمن تعلّمونه، ولا تكونوا جبابرةَ العلماء ; فيذهب باطلكم حقّكم» وفي لفظ: «... فلا يقوم علمكم بجهلكم». جامع بيان العلم (1/141). وعن عليّ (عليه السلام)، قال: «إذا تعلّمتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك وباطل، فتمجّهُ القلوب» رواه ابن عبد البرّ في جامعه (1/141)، ورواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (1/232). وقال (عليه السلام): «إذا ضحكَ العالم ضحكةً مجَّ من العِلْمِ مَجَّةً» رواه الماوردي في أدب الدنيا والدين (ص302). وممّا قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) منظوماً: إنّ المكارمَ أخلاقٌ مُطهّرةٌ فالدينُ أوّلها والعقل ثانيها والعلمُ ثالثُها والحلمُ رابعُها والجود خامسُها والفضل ساديها والبِرُّ سابعها والصبر ثامنُها والشكرُ تاسعها والليْنُ باقيها والنفس تعلم أنّي لا اُصادِقُها ولستُ أرشُدُ إلاّ حينَ أعْصيها وهو في الديوان (ص123) ورواه في أدب الدنيا والدين (ص30) باختلاف وزيادة. وقال(عليه السلام) ـ وهو أجدر بطالب العلم أن يكون عليه ـ : ومحترس عن نفسه خوف ذِلة تكون عليه حُجّةً هِيَ ماهِيَا فقلّصَ بُرديْهِ وأفضى بِقلبهِ إلى البرّ والتقوى فنال الأمانِيَا وجانب أسباب السفاهَةِ والخنا عَفافاً وتنزيهاً فأصبح عالِيَا وصانَ عن الفحشاء نفساً كريمةً أبَتْ هِمّةً إلاّ العُلى والمعالِيَا تراه إذا ما طاشَ ذوالجهل والصِبا حليماً وَقُوراً صائن النفسِ هادِيَا له حِلْمُ كهل في صرامة حازِم وفي العينِ إنْ أبصرتَ أبصرت ساهِيَا يَروق صفاءُ الماءِ منه بوجهِهِ فأصبحَ منه الماء في الوجهِ صافِيَا ومن فضله يرعى ذِماماً لجارِهِ ويحفظ منه العَهْدَ إذ ظلَّ راعِيَا صبوراً على صرف الليالي وَدَرْئها كتوماً لأسرار الضمير مُدارِيَا له هِمّةٌ تعلو على كلّ هِمّة كما قد علا البدرُ النجومَ الدراريَا وهو في الديوان (ص128 ـ 129).
الفصل الرابع : في الجدّ والمواظبة والهِمَّة
[23 ـ الجدّ في الطَلَب]
ثمَّ لابُدَّ لطالب العِلْمِ من الجدّ، والمواظبة والملازَمة.
قيل: «مَنْ طَلَبَ شيئاً وَجَدَّ وَجَدَ، ومَنْ قَرَعَ باباً وَلَجَّ وَلَجَ»(1).
وقيلَ: «بقَدْرِ ما تتعنّى(2) تنالُ ما تَتَمنَّى»(3).
وقيلَ: «يُحتاجُ في التعلُّم إلى جِدّ الثلاثة:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الماوردي: روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «بالصّبر يتوقّعُ الفرَجُ، ومَنْ يُدْمِنْ قرْعَ البَابَ يَلجْ» أدب الدنيا والدين (ص279).
وفي المنقول من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «اطلب تجد» معجم الفاظ غرر الحكم (ص641).(2) كذا في بعض النسخ والزرنوجي، وكان في (ف) ونسخ اُخرى والخشاب: سعى.
(3) قال أبو الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) لبعض ولده: «... وإيّاك والضجر والكسل، فإنّهما يمنعانك حظك من الدنيا والآخرة» عن كتاب الحسن بن محبوب السراد في مستطرفات السرائر (ص80).
وفي حديث وصيّة النبي لعليّ (عليهم السلام): «يا علي ... لا تمزَحْ فيذهبُ بهاؤك، ولا تكذب فيذهب نورك وإيّاك وخصلتين: الضجر، والكسل، فإنْ ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤدّ حقّاً» كتاب من لا يحضره الفقيه (4/352، ح5762). وروى القضاعي قول أمير المؤمنين (عليه السلام): إصْبِرْ على مضض الإدْلاج بالسَحَرِ وفي الرواح إلى الحاجات والبُكَرِ لا تَيْئَسَنَّ ولا تُحْزِنْكَ مَطْلَبةٌ فالنُجْحُ يَتْلَفُ بين العَجْزِ والضَجَرِ إنّي رأيتُ وفي الأيّام تجربَةٌ للصَبْرِ عاقبةً محمودَةَ الأثَرِ وقلَّ مَنْ جَدَّ في أمْر يُطالبُهُ واسْتَصْحَبَ الصَبْرَ إلاّ فازَ بالظَفَرِ دستور معالم الحكم (ص8 ـ 159). ونقل الماوردي البيت الثاني فقط في أدب الدنيا والدين (ص64) وهو عنده: لا تعجَزنّ ولا تَدْخلك مضجرةٌ * فالنجحُ يهلك ...
المتعلّم، والاُستاذ، والأب ـ إنْ كانَ في الحياة ـ »(1).
[24 ـ المواظبة على الطَلَب]
ولابُدَّ لطالب العلمِ من المواظَبةِ على الدرس. والتكرارِ في أوّل الليل وآخره، فإنَّ ما بينَ العشائين، ووَقْتَ السحر، وَقْتٌ مبارَكٌ.
وقيلَ: «مَنْ أسْهَرَ نفسه بالليل فقد فَرَّحَ قلبه بالنهار».
ويغتنم أيّامَ الحداثة، وعُنفوان الشباب(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الزرنوجي: واُنْشِدْتُ ـ وقيل: إنّه لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ـ :
ألا لا تَنالُ العِلْمَ إلاّ بِسِتّة سأُنبيك عن مجموعها بِبَيانِ ذكاءٌ وحِرْصٌ واصْطِبارٌ وبُلْغَةٌ وإرشادُ اُسْتاذ وطُوْلُ زَمانِ وقال(عليه السلام): لو كانَ هذا العلمُ يحصَلُ بالمُنى لما كانَ يبقى في البريَة جاهلُ إجْهَدْ ولا تكسَلْ ولا تكُ غافلا فندامة العُقْبى لمن يتكاسلُ وهو في الديوان (ص97). قال الشاعر ـ وهو من شواهد العربيّة ـ : اُطْلُبْ ولا تضجَر من مَطْلَبِ فآفةُ الطالبِ أنْ يضْجرا أما ترى الحَبْلَ بِتكرارهِ في الصَخْرة الصمّاء قَد أثّرا مغني اللبيب لابن هشام (ص519) الشاهد (741) و (ص763) الشاهد (999) وقال المعلّق: لم يذكر قائله، وقد أهمله السيوطي. وقال الإمام موسى الكاظم(عليه السلام): «من ترك التماس المعالي لانقطاع رجائه فيها لم ينَلْ جسيماً. ومن تعاطى ما ليس من أهله، فاتَهُ ما هو من أهله، وقعد به ما يرجوه من أمَلهِ. ومن أبْطَرَتْهُ النعمةُ وقره زوالها». نزهة الناظر (ص60).(2) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قَلْبُ الحَدَثِ كالأراضي الخالية، ما اُلْقيَ فيها من شيء قبِلَتْهُ».
رواه الماوردي في أدب الدنيا والدين (ص57) وقال: وإنّما كانَ كذلك لأنّ الصغيرَ أفْرَغُ قلباً، وأقلُّ شُغْلا، وأيْسَرُ تَبذُّلا، وأكْثَرُ تواضُعاً. وقال الإمام (عليه السلام) شعراً: حَرِّضْ بَنيك على الآداب في الصِغَرِ كَيْما تقِرَّ به عَيْناكَ في الكِبَرِ وإنّما كامِلُ الآدابِ يجمَعُها في عُنفوان الصِبا كالنقش في الحَجَرِ هيَ الكُنوزُ التي تَنْمُو ذخائِرُها ولا يُخافُ عليها حادِثُ الغِيَرِ الناسُ إثْنانِ ذُو علم ومُسْتمعٌ واع وسائرهُمْ كاللَّغْوِ والعُكَرِ وهو في الديوان (ص68). وروى ابن عبد البرّ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مَنْ تعلّم العلم وهو شاب، كانَ كَوَشْم في حَجَر، ومن تعلّم العلم بعدما يدخل في السِنّ، كانَ كالكِتاب على ظهر الماء». جامع بيان العلم (1/82). وروى عن أبي عبيد الله نِفْطوَيْه(رحمه الله)، أنّه أنشدَ لنفسه: جامع بيان العلم (1/4 ـ 85). أرانيَ أنسى ما تعلّمتُ في الكِبَرْ ولستُ بناس ما تعلّمتُ في الصِغَرْ وما العلم إلاّ بالتعلُّم في الصِبا وما الحلم إلاّ بالتحلُّم في الكِبَرْ ولو فُلِقَ القلبُ المعلَّم في الصِبا لاُلْفيَ فيه العلمُ كالنقش في الحَجَرْ وللسيد محمد صالح القزويني(المتوفى عام 1375هـ)وهومن كبار خطباء كربلاء المقدسة وشعرائها العلماء: العلم زينتكم يامعشر البشر به رقيت العلى فارقوا على اثرى انى طلبت العلى جدا ومجتهدا الابجهدى سارقى هالة القمر تزينوا بفنون العلم فى الصغر العلم فى الصغر كالنقش فى الحجر نصيحة هامّة:وقد أثار الشيخ ابن إدريس نُكْتةً مهمّة، فيها نصيحةٌ هامّة للمُحدَثين من طلاب العلم الذين يشتغلون بالتحصيل وهم أحداث يافعون، لكنّهم بفضل ما مهّدَه لهم الأوّلون من وسائل التحصيل وأسباب الوصول إلى أفضل النتائج بأسهل سبيل، قد يستدركون على مَنْ سبقَ من الأساتذة والعلماء والمحقّقين ما لم ينتبه إليه أحدهم، أو زلّت فيه أقلامهم، أو سَهَتْ عنه أعيُنهم، أو غفلت عنه أذهانهُم، فليس له أن يتبجّحَ ويغترّ، أو يظنّ أن حظّه من العلم أوفر، فقال الشيخ ابن إدريس في ذلك ما نصّه: ولا ينبغي ـ لمن استدرك على مَنْ سَلَفَ، وسبق إلى بعض الأشياء ـ أنْ يرى لنفسه الفضل عليهم، لأنّهم إنّما زلّوا ـ حيث زلّوا! ـ لأجل أنّهم كدّوا أفكارهم، وشغلوا زمانهم في غيره، ثمّ صاروا إلى الشيء الذي زلّوا فيه بقلوب قد كلّتْ، ونفوس قد سَئِمتْ، وأوقات ضيّقة. ومن يأتي بعدَهم فقد استفاد منهم ما استخرجوه، ووقف على ما أظهروه، من غير كدٍّ ولا كُلْفة، وحصلتْ له بذلك رياضةٌ، واكتسب قوّةً. فليس بِعَجَب ـ إذا صار إلى حيثُ زَلّ فيه مَنْ تقدَّمَ، وهو موفورُ القِوى، متّسعُ الزمان، لم يلحقه مَلَلٌ، ولا خامرَهُ ضَجَرٌ ـ أنْ يلحظ ما لم يلحظوه، ويتأمّلَ ما لم يتأمّلوه! ولذلك زاد المتأخِّرون على المتقدّمين. ولهذا كثرت العلوم بكثرة الرجال، واتّصال الزمان، وامتداد الآجال. فربّما لم يُشبع القول المتقدّم في المسألة، على ما أورده المتأخِّرون، وإنْ كان ـ بحمد الله ـ بهم يُقتدى، وعلى أمثلتهم يُحتذى. غفر الله لهم، ولنا، ولجميع المؤمنين، آمين ربّ العالمين. السرائر، لابن إدريس (3/652 ـ 653) ومستطرفات السرائر (ص166 ـ 167).
ولا يُجْهِدْ نَفْسَهُ جُهْداً يُضْعِفُ النَفْسَ، وينقطعُ عن العَمَلِ، بل يستعملُ الرِفْقَ في ذلك ; فإنّ الرِفْقَ أصْلٌ عظيمٌ في جميع الأشياء(1).
[25 ـ الهِمّة العالية]
ولابُدّ لطالِب العلم من الهِمّة العالية في العلم، فإنّ المَرْءَ يطير بِهمَّتِهِ كالطيْرِ يطيرُ بجناحَيْهِ.
فلابُدَّ أنْ تكونَ هِمَّتُهُ على حِفْظِ جميع الكُتُبِ ليُحصِّلَ البَعْضَ.
فأمّا إذا كانَتْ له هِمَّةٌ، ولم يكنْ له جِدٌّ، أو كانَ له جدٌّ ولم تكُنْ له هِمَّةٌ عاليةٌ، لا يحصل له إلاّ القليلُ من العلم.
[26 ـ المثابَرة والدقّة]
وينبغي أنْ يَبْعَثَ نَفْسَهُ على التَحْصيلِ والجِدِّ والمُواظَبةِ، بِالتأمُّلِ في فضائِلِ العُلوم ودَقائِقها وحَقائِقها(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وروى عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «الرفْقُ رأسُ الحكمة» رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق (ص91) رقم 423.
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «عليكم بالرفق، فإنّه ما خالط شيئاً إلاّ زانَهُ، ولا فارقه إلاّ شانَه». أرسله في نزهة الناظر (ص4) و (ص14). وقال عليّ (عليه السلام) من وصيّته لابنه الحسين الشهيد (عليه السلام): «يا بُنيّ، رأس العلم الرفق، وآفته الخرق» رواها نزهة الناظر (ص28).(2) كلمة «وحقائقها» وردت في بعض النسخ دون بعض.
فإنَّ العلم يَبْقى، وغيرُه يَفْنى(1) فإنَّه حَياةٌ أَبَدِيّةٌ.
قيل: «العالِمونَ (لا يموتون) وإنْ ماتُوا فَهُمْ أحْياءٌ»(2).
وكفى بِلَذّةِ العلم داعِياً ـ لِلعاقِلِ ـ إلى تَحْصيلهِ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أضاف الزرنوجي هُنا:
كما قال أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام): رَضِيْنا قِسْمة الجبّار فينا لنا علمٌ وللأعداء مالُ فإنّ المالَ يفنى عن قريب وإنّ العلمَ يبقى لا يُزالُ وهو في الديوان (ص85).(2) كذا جاء القول في كتابنا، وما بين القوسين من (ف، و) فقط، وزاد الخشاب في أوّله: «المؤمنون ...» ولم يذكره الزرنوجي، إلاّ أنّه نقل بمعناه شعراً، فقال:
أنشدنا ظهير الدين المرغيناني شعراً، فقال: الجاهِلونَ فموتى قبلَ موتهمُ والعالِمونَ وإنْ ماتوا فأحْياءُ وفي حديث كميل بن زياد النخعي المشهور عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، المشهور في تفضيل العلم على المال، قال: «العلم خير من المال: لأنّ المال تحرسُه، والعلمُ يحرسُكَ، والمالُ تُفنيه النفقةُ، والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكومٌ عليه. مات خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر ...». رواه ابن عبد البرّ في جامعه (1/57) وقال: من قول عليّ (عليه السلام) هذا أخذ سابقُ البربري قوله: موتُ التقيّ حياةٌ لا انقطاع لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء أقول: ومن الشعر الشهير النسبة إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: ما الفضل إلاّ لأهل العلم أنّهم على الهُدى لمن استهدى أدِلاّءُ وقَدْرُ كلّ امْرِئ ما كان يُحسِنُهُ وللرِجال على الأفعال أسْماءُ وضِدّ كلّ امْرِئ ما كانَ يجهلُه والجاهلونَ لأهل العلم أعْداءُ فَفُزْ بِعلم ولا تطلب به بَدَلا فالناسُ مَوْتَى وأهل العلم أحْياءُ وهو في الديوان (ص16) ونقله ابن عبد البِرّ في جامعه (1/48) إلاّ البيت الأخير.
[27 ـ الكَسَلْ وأسبابُه وعلاجُه]
وقد يتولّدُ الكَسَلُ من كثرة البَلْغَمِ والرطوبات(1).
وطريق تقليلهِ تقليلُ الطعام، وذلك: لاِنّ النسيانَ من كثرة البَلْغَمِ، وكثرةُ البَلْغَمِ من كَثْرة شُرْبِ الماءِ، وكَثْرةُ شُرْبِ الماءِ من كَثْرة الأكْلِ(2).
والخبزُ اليابِسُ يقطع البَلْغَمَ والرّطوبة.
وكذا أ كْلُ الزبيبِ، ولا يُكْثر الأكْلَ منه، حتّى لا يَحْتاجَ إلى شُرْب الماءِ، فيزيدُ البَلْغمُ.
والسِواكُ يُقَلِّلُ البَلْغَمَ، ويزيدُ في الحفظ، والفَصاحَةِ.
وكذا القَيْءُ يُقلّلُ البَلْغَمَ والرطوبات.
وطريقُ تقليلِ الأكلِ:
التأمُّلُ في منافعِ قلّة الأكلِ، وهي: الصحِّةُ، والعفّةُ، وغيرُهما.
والتأمُلُ في مَضارِّ كثْرةُ الأكْلِ، وهي: الأمراضُ وكلالةُ الطَبْعِ، وقلّة الفِطنة(3).
وقيل: «البِطْنَةُ تُذهب الفِطْنَةَ»(4).
وينبغي أنْ يأكُلَ الأطعمةَ الدسْمةَ(5)، ويُقَدِّمَ ـ في الأكْلِ ـ الألطفَ، والأشهى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ الفقرة [53].
(2) قال الزرنوجي هُنا:
قيل: «اتّفقَ سبعونَ نبيّاً على أنّ كثرة النِسيان من كثرة البلغم».(3) قوله (وقلة الفطنة) لم يرد في (ب، و، ع).
(4) قال الماوردي: قد روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إيّاكم والبطنةَ، فإنّها مفسدةٌ للدين، مُورِثةٌ للسُقْمِ، مَكْسلةٌ عن العبادة».
أدب الدنيا والدين (ص335). وقال عليّ (عليه السلام): «إنْ كُنْتَ بَطِناً، فَعُدَّ نفسك زَمِناً». أدب الدنيا والدين (ص335).(5) الظاهر أن أثر الأطعمة الدسمة في تقليل الأكل من جهة أنّها تصدمُ الآكل فيمتنع من الأكل الأكثر، ويحصل بذلك المطلوب.
وقد يُتصوّرُ أنْ أكل الأطعمة الدسمة يقتضي شرب الماء، وقد ذكر الماتن في بداية هذه الفقرة أن كثرة شرب الماء يؤدي إلى كثرة البلغم وهو موجب للنسيان! فيُقال: إنّما الغرضُ هنا الإرشاد إلى طريق لتقليل الأكل، وذلك يحصل بتناول الطعام الدسم، فلو عارض ذلك عند شخص يغلب عليه البلغم، فلابدّ له من أنْ يلتجئ إلى طريقة اُخرى لتقليل الأكل، فلاحظ.
وأنْ لا يَسْعى في الأكْلِ والنوم إلاّ لغرض الطاعات، كالصلاة، والصوم، وغيرهما.
الفصل الخامس : في بِدايةِ السبقِ(1) وقَدَرِهِ وتَرْتيبِهِ
[28 ـ وَقْتُ الشروع]
ينبغي أنْ تكونَ بدايةُ السَبْق يومَ الأربعاء، كما قالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من شيء بُدِئَ في يوم الأربعاء إلاّ وقد تمَّ»(2).
قيل: كلُّ عمل من أَعمالِ الخير لابُدّ أنْ يوقَعَ يَوْمَ الأربعاءِ(3)، وهذا، لأنّ يومَ الأربعاء يومٌ خُلِقَ فيهِ النُورُ(4). وهو يومٌ نحْسٌ فى حقِّ الكُفّارِ، فيكونُ مُبارَكاً للمؤمِنينَ(5).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السَبْقُ: مصدر (سَبَقَ) قال الراغب في المفردات: أصله التقدّم في السَيْرِ، ثم يتجوّز به في غيره من التقدُّم، ويُستعارُ لإحراز الفضل والتبريز.
أقول: والمرادُ هنا «الدَرْسُ» ولعلّه من أجل كون الدرس منشأً لإحراز الفضل والرّفعة، تسميةً للسبَب باسم المسبَّب.(2) قال الشيخ الشهيد الثاني: «وروي في يوم الأربعاء خبر ...» فأورد هذا الحديث، لاحظ منية المريد (ص266).
وقال الزرنوجي: «كان اُستاذنا شيخ الإسلام برهان الدين يروي في ذلك حديثاً فيستدلّ به، ويقول: ...» وأورد هذا الحديث. وقال الزرنوجي ـ أيضاً ـ : وهكذا كان يفعل أبو حنيفة، وكان يروي هذا الحديث عن اُستاذه الشيخ الإمام الأجلّ قوام الدين أحمد بن عبد الرشيد.(3) كذا في النسخ إلاّ (أ) وبعض النسخ، فلم يرد من أوّل السطر إلى هنا فيهما.
(4) جاء في الحديث (1854) من رياض الصالحين للنووي: «خلق النور يوم الأربعاء» انظر كنوز الباحثين، نور: (ص798) ويوم: (845).
وقد روى ابن طاوس عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) حديثاً فيه: «أما الأربعاء فيوم خلقت فيه النار ...» لاحظ الدروع الواقية (ص58) وانظر الهامش التالي.(5) روى ابن طاوس في الدروع الواقية (ص58) الفصل (8) عن الإمام الصادق (عليه السلام) انّه سئل عن سبب الصوم يوم الأربعاء في وسط الشهر ؟ فقال: «لأنّه لم يعذّب قومٌ قطّ إلاّ في أربعاء في وسط الشهر، فنردّ عنا نحسه».
وروى عن كتاب «علل الشريعة» للحسين بن عليّ بن شيبان القزويني، عن الإمام الرضا (عليه السلام)قال: «الأربعاء يوم نحس مستمرّ، لأنّه أوّل الأيام وآخر الأيام التي قال الله عزّوجلّ: }سَبْعَ لَيَال وَثَمَانِيَةَ أَيَّام حُسُوْماً{[الحاقّة 96 ـ آية 7]. وروى صدره ابن عدي في الكامل (1/238) في ترجمة «ابراهيم بن أبي حية، أبو اسماعيل المكّي». وروى الزمخشري في «ربيع الأبرار» (10/83) حديثاً نصّه: «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس». وظاهر هذه الأخبار كون نحوسة الأربعاء عامّاً للمؤمن وغيره، وأنّ ورود العذاب فيه على غير المؤمنين علامة لنحوسته العامّة، وهذا يُنافي كونه مباركاً! ويبدو لي ـ في الخروج عن هذا الدخل ـ أمران: الأوّل: أنّ النحوسة العامّة إنّما هي في خصوص أربعاء وسط الشهر وآخره كما هو صريح الأخبار، فإنّها قيدت بذلك. وقد ورد في حديث من مسانيد الرضا (عليه السلام) مرفوع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)فيه أنّ رجلا قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء وتطيُّرنا منه، وثقله، وأيُّ يوم هو ؟ فقال (عليه السلام): آخر أربعاء في الشهور، وهو المحاق، وهويوم قتلِ قابيل هابيل أخاه، ويوم الأربعاء اُلقي ابراهيم (عليه السلام) في النار ... إلى آخر الحديث وهو طويل، ذكر فيه أربعاً وعشرين حادثةً وقعت في يوم الأربعاء. أورد الحديث الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (1/240) ح1 ووزّع فقراته في علل الشرائع (ص493) باب 244 ح1 وغيرها، وفي الخصال (ص318 ـ 319) ح102 و 103 وغيرها. وفي البحار عن العيون والعلل (10/75) ح1. الثاني: أنّ نحوسة الأربعاء إنّما تندفع عن المؤمن بإقدامه على الأعمال الصالحة، ولذا أضاف الإمام بعد حكمه على الأربعاء بأنّه خلقت فيه النار، فقال: «والصومُ جُنّة» أي ندفع بالصوم نحوسة هذا اليوم، فيكون الابتداء بالدرس فيه جُنّة يدفع بها ما في هذا اليوم، ويرد به نحسه، كما يُرد بالصوم.
[29 ـ مقدار الدرس وتكراره]
وأمّا قَدَرُ السَبْقِ في الابتداء:
فينبغي أنْ يكونَ قَدَرُ السبقِ للمُبْتَدِئِ قَدَرَ ما يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بالإعادَةِ مرّتينِ، بالرِفْقِ والتَدْريجِ.
فأمّا إذا طالَ السبقُ في الابتداءِ، واحْتاجَ إلى الإعادة عشر مرّات، فهو في
الانتهاء ـ أيضاً ـ كذلك، لأنّه يعتاد ذلك، ولا يتركُ تلك العادةَ إلاّ بجُهد كثير.
وقد قيلَ: «الدَرْسُ(1) حَرْفٌ، والتكرارُ ألْفٌ».
[30 ـ الشروع بالمتون الصغار]
وينبغي أنْ يبتدئَ بشيء يكونُ أقربَ إلى فهمه.
والأساتيذُ كانوا يختارونَ للمبتدئ صِغارَ المُتونِ المبسوطةِ(2)، لاِنّها أقْربُ إلى الفهم، والضَبْطِ.
[31 ـ كتابةُ الدرس]
وينبغي أنْ يُعَلّقَ(3) السبق، بعدَ الضَبْطِ والإعادة كثيراً.
ولا يكتب المتعلّمُ شيئاً لا يفهمُهُ، فإنّه يورِثُ كلالةَ الطبْعِ، ويُذْهِبُ الفِطْنةَ، ويضيّعُ أوقاته.
[32 ـ فهم الدرس]
وينبغي أنْ يجتهدَ في الفهم عن الاُستاذ، أو بالتأمُّلِ، والتفكُّرِ، وكثرة التكْرار، فإنّه إذا قَلَّ السبقُ وكَثُرَ التكْرار والتأمُّل ; يُدْركُ ويُفْهَمُ.
وقيل: «حِفْظُ حرفينِ خَيْرٌ من سماع وَرَقين(4) (وفَهْمُ حرفينِ خَيْرٌ من حِفْظ ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الخشاب و (ب، د): السبق، بدل «الدرس».
(2) في أكثر النسخ: «صغارات المبسوط»، وفي (ع) المبسوطة، وما أثبتناه تلفيق من عدّة نسخ، والمراد: المتون الصغيرة الواضحة العبارة، لما فيها من البسط والتفصيل.
(3) كذا في الزرنوجي وبعض النسخ، وفي بعضها: يتعلّق، وفي آخر: يعوّل، وفي الخشاب: يعقل وفي (ف، و) يتعقّل.
والتعليق: الكتابة على الهوامش، ومنه سُمّي (خطّ التعليق)، وقد يُطلق على مُطلق كتابة الشيء واستنساخه، ونقله، وأطلقه بعض المؤلّفين كذلك على كتابة ما ألّفوه.(4) في الزرنوجي: وِقْريْنِ، بدل «ورقين».
وِقْرين)(1)».
وإذا تَهاوَنَ في الفَهْمِ، ولم يجتَهِدْ مرّةً أو مرّتينِ، يَعْتادُ ذلِكَ، فلا يَفهَمُ الكلامَ اليسير(2).
فينبغي أنْ لا يَتَهاوَنَ، بل يَجْتَهِدَ، ويَدْعُوَ اللهَ تعالى، ويَتَضَرَّعَ إليه، فإنَّهُ يُجيبُ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ما بين القوسين ورد في الزرنوجي ونسخة (أ، و، د، ع) لكن في هذه: ورقين هنا.
وقد أثبتنا (ورقين) في الموضع الأوّل، و (وِقرين) في الموضع الثاني، لِحاظاً للسجْع، فإنّه مع اختلاف الكلمتين أبْدَعُ. وقد جاء القول في (ب) كما أثبتناه. والوِقْر: الحِمْل الثقيل. وقد ورد التأكيد في الأحاديث الشريفة على معنى تقديم الفهم على مجرّد الرواية والجمع: منها قول الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): «خَبَرٌ تدريه خَيْرٌ من ألْف ترويه». وقوله (عليه السلام): «عليكم بالدرايات لا بالروايات». وقال (عليه السلام): «رواة الكتاب كثير، ورعاته قليلٌ، فكم من مستنسخ للحديث مُسْتَغِشّ للكتاب، والعلماء تجزيهم الدراية، والجهّال تجزيهم الرواية». رواها الشيخ ابن إدريس الحليّ في مستطرفات السرائر (ص149 ـ 150) نقلا عن كتاب (اُنس العالم) للصفواني، وروى الخطيب البغداديّ بإسناده عن عليّ بن موسى الرضا عن أبيه عن جدّه عن آبائه(عليهما السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال :« كونوا دراةً ولاتكونوا رواةً، حديثٌ تعرفون فقهه خيرٌ من ألف حديث تروونه » كتاب نصيحة أهل الحديث للخطيب (ص 4-125). وفى حلية الأولياء لأبي نعيم (ج ص ) : عن ابن مسعود مرفوعاً :« كونوا للعلم رعاةً ولاتكونوا رواةً » لاحظ فيض القدير (5/57)الحديث 6434. وروى الماوردي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: «هِمَّةُ السفهاء الرواية وهِمّةُ العُلماء الرعاية».أدب الدنيا والدين (ص65). وانظر جامع بيان العلم، لابن عبد البرّ (2/127 وما بعدها) وخاصة الصفحات (131 ـ 132) فقد نقل أشعاراً منظومة منها قول عمّار الكلبي: إنّ الرواةَ على جهل بما حملوا مثل الجمال عليها يُحمل الودعُ لا الودع ينفعه حمل الجمال له ولا الجمال بحمل الودع تنتفعُ(2) راجع للتفصيل عن (الفهم) بحثاً ممتعاً في أدب الدنيا والدين للماوردي (ص59 ـ 75)، وممّا جاء فيه (ص79) أنشد المبرّد لبعضهم:
فسَلِ الفقيهَ تكُن فقيهاً مثله لا خيرَ في علم بغير تدَبُّرِ وإذا تعسَّرتِ الاُمورُ فأرْجِها وعليك بالأمر الذي لم يَعْسُرِ
مَنْ دَعاهُ، ولا يُخَيِّبُ مَنْ رَجاهُ.
[33 ـ المُباحثةُ والمُذاكَرة]
ولابُدَّ لطالب العلم من المطارحَة(1) والمناظَرةِ.
فينبغي أنْ يكونَ بالإنصافِ، والتأنّي، والتأمُّلِ.
فيحترز عن الشَغَبِ(2) والغَضَبِ، فإنَّ المناظرةَ والمذاكرةَ مشاوَرةٌ، والمشاوَرةُ إنّما تكونُ لاستخراج الصوابِ، وذلك إنّما يحصل بالتأمُّل والإنْصافِ، ولا يحصل ذلك بالغَضَب، والشَغَبِ(3).
وفائدة المطارحة(4) والمُناظرة أقوى من فائدة مجرّد التكرار، لأنّ فيه تكراراً مع زيادة.
قيل: «مُطارحةُ ساعة خيرٌ من تكرار شَهْر»(5) لكن إذا كانَ مَعَ مُنْصِف، سليم ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الزرنوجي: المذاكرة والمناظرة والمطارحة، بدل ما في كتابنا. وتتناوب هذه الكلمات في المواضع الآتية حسب اختلاف النسخ والمراد منها واحد.
(2) في بعض النسخ: التعسُّف، بدل «الشغب».
(3) أضاف الخشاب هنا: والمشقّة.
(4) في نسخة (أ): المباحثة، بدل «المطارحة».
(5) قد أكّد الأئمة (عليهم السلام) على المذاكرة في أحاديث كثيرة، منها:
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال: «تذاكروا، وتلاقوا وتحدّثوا، فإنّ الحديث جلاءٌ للقلوب، إنّ القلوب لترين كما يرين السيفُ، جلاؤها الحديث». رواه الكليني في الكافي (1/41) كتاب فضل العلم، الحديث قبل الأخير من الباب (10) سؤال العالم وتذاكره. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا اجتمع المسلمان فتذاكرا غفر الله لأبَشّهما بِصاحبه». رواه ابن منظور في لسان العرب (6/266) طبع صادر، مادة (بشش). وعنه (عليه السلام) قال: «تزاوروا، وتذاكروا الحديث، فإنّكم إن لم تفعلوا يَدْرُسْ علمُكم». رواه في جامع بيان العلم (1/101) وانظر تدوين السنّة الشريفة (ص564) فقد خرجناه عن مصادر اُخرى. وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «رحم اللهُ عبداً أحْيا العلم» قيل: وما إحياؤه: قال: «أنْ يذاكر به أهل الدين والورع». رواه الكليني في الكافي (1/50) كتاب فضل العلم، الباب (10). وقال الباقر (عليه السلام): «تذاكر العلم دراسة، والدِراسَةُ صلاةٌ حَسَنةٌ». رواه الكليني في الكافي (1/50) كتاب فضل العلم، الحديث الأخير من الباب (10) سؤال العالم وتذاكره. وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «القلوبُ تُرْبٌ، والعلم غرسُها، والمذاكرة ماؤها، فإذا انقطع عن التُرْبِ ماؤها جَفَّ غرسها». رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2/419). وقال الصادق (عليه السلام): «دراسة العلم لِقاح المعرفة» رواه الحلواني في نزهة الناظر (ص56).
الطبْع.
وإيّاك والمذاكرة مع مُتَعنِّت، غير مُسْتَقيمِ الطبع، فإنّ الطبيعةَ مُسْتَرِقَةٌ(1)والأخلاقَ متعدّيَةٌ، والمجاورة مؤثرةٌ(2).
[34 ـ التأمُّل والتدقيق]
وينبغي لطالب العلمِ أنْ يكونَ متأمِّلا ـ في جميع الأوقات ـ في دقائِق العلُومِ، ويَعْتادَ ذلكَ، فإنّما يُدْرِكُ الدقائقَ بالتأمُّل.
ولهذا قيل: «تأمَّلْ تُدْرِكْ»(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الزرنوجي : مسرقة ، وفي بعض النسخ : مسرية .
(2) لاحظ الفقرة [16] وتعليقاتها، حول اختيار الصاحب والشريك.
(3) في الخشاب: «بالتأمُلِ يُدْرَكُ».
أقول: وكذلك ما يذكره المؤلّفون من قولهم: «فافْهم» وقد اشتهر عند الطلبة أنّ ذلك إشارة إلى بعض الإشكالات الدقيقة، وكانَ بعض الظرفاء يقول: «إنّه أمر بالمحال»! وممّا نسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: إذا المُشْكِلاتُ تصدّيْنَ لي كشفتُ حقائقها بِالنَظَرْ فإنْ برقتْ في مَخِيْل الصواب عمياءَ لا يجتليها البَصَرْ مُقنَّعةً بغيوب الاُمور وَضعتُ عليها صحيح الفِكَرْ لساناً كشقشقة الأرحبيّ أو كالحسام اليماني الذَكَرْ وقلباً إذا اسْتَنْطَقَتْهُ الفنو نُ أبرَّ عليها بواه دُرَرْ ولستُ بإمَّعة في الرجا لِ يُسائل هذا وذا ما الخَبَرْ ولكنّني مِذْرَبُ الأصغرَيْـ ـن اُبيّنُ مَعْ ما مضى، ما غَبَرْ نقله ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/113) وقال: قال أبو علي: (المخيل) السحابُ يُخال فيه المطر، والشقشقة ما يخرجه الفحل من فيه عند هياجه، ومنه قيل ـ لخطباء الرجال ـ: شقاشق. وعن ابن مسعود: الإمّعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه غيره ،وروا ه الرضي في خصائص الأئمة(ص 47-48)باختلاف.
ولابُدَّ من التأمُّل قَبْلَ الكلامِ، حتّى يكونَ صَواباً، فإنَّ الكلامَ كالسَّهْمِ، فلابُدّ من تقويمهِ(1) بالتأمُّلِ قبلَ الكلام، حتّى يكونَ ذِكرهُ مُصيباً(2).
في (اُصول الفقه): هذا أصْلٌ كبير، وهو: أنْ يكونَ كلامُ الفقيهِ لمُناظِره(3) ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في نسخة (أ) تعوّد وفي نسخة: تقديمه بدل «تقويمه».
(2) قد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) حديث كثير عن الكلام وخطورته، نورد بعضه:
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللسان مِعيارٌ: أطاشَهُ الجهلُ، وأرجَحَهُ العقلُ». رواه الماوردي في أدب الدين (ص265). وقال (عليه السلام): «إذا أراد الله صلاح عبد، ألْهمهُ قلّة الكلام، وقلّة الطعام وقلّة المنام». معجم غرر الحكم (ص1329) رقم (872). وقال (عليه السلام) شعراً: إنّ القليل من الكلام بأهْلهِ حَسَنٌ وإنّ كثيرهُ ممقوتُ ما زلّ ذو صَمْت وما منْ مُكْثر إلاّ يزلُّ وما يُعاب صَمُوتُ إنْ شُبّهَ النُطقُ المبينُ بفضّة فالصّمتُ دُرٌّ زانَهُ ياقوتُ وهو في الديوان (ص59). وسيأتي في الفقرة [59] بيان مذامّ الإكثار من الكلام، وما ورد فيه من الحديث فلاحظ التعليقة (45 و 48) هناك. وممّا قيل في الصمت والكلام: الصمتُ زيْنٌ والسكوتُ سلامةٌ وإذا نطقتَ فلا تكن مِكثارا فلئنْ ندمتَ على سكوتك مرَّةً فلتندمنَّ على الكلامِ مِرارا(3) كذا الصواب ظاهراً ، وفي أكثر النسخ ( المناظر ) وفي ( ف ، ب ، و ) ( المناظرة ) والمراد : أنّ الكلام مع المناظر لابدّ أن يكون بعد التأمّل والدقّة .
بالتأمُّل.
[35 ـ الاسْتِفادَةُ]
ويكون مُسْتفيداً في جميع الأحْوالِ والأوْقاتِ، ومن جميع الأشْخاصِ.
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الحكمة(1) ضالّةُ المؤمِنِ أينما وَجَدَها أخذها»(2).
وقيل: «خُذْ ما صَفا، ودَعْ ما كَدر».
وليسَ لِصحيحِ البَدَنِ والعَقْلِ عُذْرٌ في تَرْك التعَلُّمِ.
[36 ـ الشكْرُ والدعاء]
وللمتعلّم أنْ يشتغلَ بِالشكر، باللسانِ، والأرْكانِ:
بأنْ يرى الفَهْمَ والعلمَ من الله.
ويُراعيَ الفُقراءَ بالمالَ وغيره.
ويَطْلُبَ من الله التوفيقَ والهدايةَ، فإنّ اللهَ تعالى هاد لمن(3) اسْتَهْداهُ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اُضيف هنا قوله: « ـ أي العلم ـ » في الخشاب فقط، وكأنّه إدراج من كاتبه، لتفسير الحديث. وقد ورد في هامش (ب).
(2) نقل هذا الحديث الراغب الاصفهاني في محاضراته (15/51) إلاّ أنّه قال: «قيّدَها» بدل «أخذها».
ورواه المناوي في كنوز الحقائق (1/121) بدون ذيله: «أينما ... إلى آخر الحديث». وورد قوله: «الحكمة ضالَّة المؤمن» في الحكمة (80) من الحكم التي جمعها الرضي من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة، مذيّلا بقوله: «... فَخُذ الحِكمةَ ولو من أهل النفاق». فراجع نهج البلاغة (ص481) رقم 80 من الحكم. ومن كلامه (عليه السلام): «الحكمة ضالَّةُ كُلّ مؤمن، فخذوها ولو من أفواه المُنافقين». وقوله (عليه السلام): «خذ الحكمة أنّى كانت، فإنّ الحكمة ضالّةُ كلّ مؤمن». رواهما الآمدي في غرر الحكم، فراجع: معجم ألفاظ غرر الحكم (ص253 و 629).(3) في أكثر النسخ «هادي مَن».
}وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ{(1) ويهديهِ إلى صراط مُسْتقيم.
[37 ـ علوّ الهمّة بنبذ الطمعِ والبخلِ]
وينبغي لطالب العلم أنْ يكونَ ذا هِمَّة عالية:
لا يطمعُ في أموال الناس.
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إيّاكَ والطَمَعَ; فإنَّهُ فَقْرٌ حاضِرٌ»(2).
ولا يَبْخَلُ بما عندَهُ من المال، بَلْ يُنْفِقُ على نفسه وعلى غيره(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اقتباس من الآية (3) من سورة الطلاق: (65).
(2) كذا رواه الزرنوجي، والماوردي في أدب الدنيا والدين (ص314) قال: روي أنّ رجلا قال: يا رسول الله، أوصني ؟ قال: «عليك باليأس ممّا في أيدي الناس، وإيّاك ...».
ورواه في كنوز الحقائق (1/91) وفيه: الفقر الحاضر. ومن حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ أكرم الناسِ مَنْ اقتنى اليأس ولزم القنوعَ والورعَ، وبرِئ من الحرص والطمع، فإنّ الطمعَ والحِرصَ الفقرُ الحاضر، وإنّ اليأسَ والقناعة الغنى الظاهر». رواه في غرر الحكم ودرر الكلم، راجع معجم ألفاظه (ص1313) رقم (701). وقال الإمام زين العابدين (عليه السلام): «ترك طلب الحوائج إلى الناس هو الغِنى الحاضر». رواه في نزهة الناظر (ص43).(3) ومن الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله:
لا تخضعنَّ لمخلوق على طمَع فإنّ ذلك وَهْنٌ منك في الدينِ واسترزِقِ الله ممّا في خزائنهِ فإنّما الأمرُ بين الكاف والنونِ إنّ الذي أنتَ ترجوهُ وتأمُلُهُ من البرية مسكينُ ابنُ مسكينِ ما أحْسنَ الجود في الدنيا وفي الدين وأقبح البخل في مَنْ صيغ من طينِ وهو في الديوان (ص114). وقال (عليه السلام): دَعِ الحِرْصَ على الدنيا وفي العَيْش فلا تَطْمَعْ ولا تجمع من المال فلا تدري لمَنْ تجمَعْ ولا تدري أفي أر ضك أمْ في غيرها تُصْرَعْ فإنَّ الرزقَ مقسومٌ وسوءُ الظَنِّ لا يَنفعْ فقيرٌ كلُّ من يَطْمَعْ غنىٌّ كلُّ من يَقْنَعْ وهو في الديوان (ص77). وقال (عليه السلام) في ذمّ البخل: إذا اجتمعَ الآفات فالبخلُ شرُّها وشرٌ من البُخل المواعيدُ والمَطْلُ ولا خيرَ في وَعْد إذا كان كاذباً ولا خيرَ في قول إذا لم يكُنْ فِعْلُ وإنْ كُنتَ ذا عَقْل ولم تكُ عالِماً فأنْتَ كذي رِجْل وليس له نَعْلُ ألا إنّما الإنسانُ غِمْدٌ لعقلهِ ولا خيرَ في غِمْد إذا لم يكنْ نصْلُ وهو في الديوان (ص93).
قال النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «الناسُ كلُّهم في الفَقْرِ مَخافَة الفقرِ»(1).
وكانوا في الزمان الأوّل يتعلّمونَ الحِرْفَةَ، ثُمَّ يتعلّمونَ العِلْمَ، حتّى لا يطمعُوا في أموال الناس(2).
وفي الحكمة: «مَن استغْنى بِمال الناس، افْتَقَرَ».
والعالِمُ إذا كانَ طامِعاً، لا تَبْقى له(3) حُرْمة العِلمِ، فلا يقول بالحقَّ(4).
[38 ـ التقدير للتكرار]
وينبغي لطالب العِلْمِ أنْ يُعِدَّ وَيُقَدِّرَ لنفسهِ تقديراً في التكرار، فإنّه لا يستقرُّ قلبه(5) حتّى يَبْلُغَ ذلك المبْلَغ.
وينبغي أنْ يُكَرِّرَ سبق الأمْسِ خمسَ مرّات، وسبق اليوم. الذي قبل الأمْسِ أرْبَعَ مرّات، وسبق الذي قبلَهُ ثلاثاً، والذي قبلَهُ اثْنتينِ، والذي قبلَهُ واحدةً.
فهذا أدْعى إلى الحفظ(6).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه الزرنوجي كذلك، ولم نقف على تخريج له.
(2) راجع للتفصيل حول احتراف السلف من أهل العلم، الجامع لأخلاق الراوي (1/142 ـ 145) الأحاديث (47 ـ 52). وانظر أدب الدنيا والدين للماوردي (ص91 ـ 92).
(3) في (أ): لا يرعى، بدل (لا تبقى له).
(4) في (ف) وبعض النسخ: فلا يقول الحق، والجملة ساقطة من (ع).
(5) في (أ): نفسه، بدل «قلبه».
(6) اُضيف هُنا في (ع) وبعض النسخ: «والتكرار» ولم يوردها الزرنوجي.
[39 ـ المخافَتةُ والإجْهارُ عند التكرار]
وينبغي أنْ لا يعتادَ المخافتةَ(1) في التكرار، لأنّ الدرسَ والتكرارَ لابُدّ أنْ يكونا بقوّة ونِشاط.
[ولا يشتغلُ في حال نُعاس، أو غَضَب، أو جُوع، أو عَطَش، ونحو ذلك](2).
ولا يَجْهَرُ جَهْراً، ولا يُجْهِدُ نَفْسَهُ(3) لئِلاّ (يَتَنَفّرَ و)(4) ينقطع عن التكرار.
فخَيْرُ الاُمُورِ أوْسَطُهَا(5).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الخشاب: المخافة، وفي آخر: المخالفة.
(2) ما بين المعقوفين ورد في (ع) فقط.
(3) كذا في الزرنوجي، وارتبكت النسخ في إثبات هذه الجُملة بشكل غريب:
ففي الخشاب: «ولا يجتهد بهذا الجهد نفسه» ومثله في نسخة (أ) إلاّ أنّ فيها: «ولا يجهد ...» بدل «لا يجتهد ...» وفي بعض النسخ: «ولا يجتهد جهداً نفسه» وفي آخر: «ولا يجتهد جهداً ليجهد نفسه». وقوله (ولا يجهر جهراً) ساقط من (ف). وما ذكرناه هو الصواب، لأنّه أنسب لمقابلة المخافتة المذكورة في صدر الفقرة.(4) هذه الكلمة من (ف، و).
(5) هذه الجملة من الأحاديث الأربعين المعروفة بـ «سلسلة الإبريز» المنقولة بالسند العزيز، من رواية (14) أباً من المسلسلات بالآباء [راجع: شرح البداية للشهيد الثاني (ص130)].
وهو الحديث (36) منها، ونصّها مطبوع في: لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار، للسيد مجد الدين (3/328 ـ 332) وأثبته كما في المتن وقد طبعها مشروحة مخرجة السيّد محمّد جواد الحسيني الجلالي باسم (سلسلة الإبريز بالسند العزيز) فلاحظ (ص59) و (ص103) وفيهما: «أوساطها» ونقل في هامشه عن بعض النسخ: «أوسطها». وله تخريج عن الشعب للبيهقي، فلاحظ الجامع الصغير (2/69) وكنوز الحقائق بهامشه (1/124). والأربعون الابريزية هذه مشهورة اتّصلت بها الاجازات، فلاحظ: فهرس الفهارس والأثبات للكتاني (ص948) وذكر له شرحاً باسم: القول الوجيز في شرح سلسلة الابريز، للعلامة النمازي الَيمني المتوفى سنة (675) وقال: موجود بالمكتبة التيمورية بمصر (انظر عدد 280 من قسم المجاميع). قال الكتاني: وقد سبق لي أن خرّجت متون الأحاديث المذكورة بسند واحد مسلسل بالأشراف منى إلى سيّدنا عليّ [(عليه السلام)] وحفظها عني جماعة من الأصحاب بالمشرق والمغرب. وهي أربعون حديثاً، قصيرة الألفاظ، كثيرة المعاني، تكلم عليها الشيخ السخاوي في «شرح الألفية» وغيره. اُنظر: فهرس الفهارس (ص978). ورواه الماوردي في أدب الدين والدنيا (ص28) بلفظ: «أوساطها». وورد في الحديث أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن الشُهْرتَيْنِ: الثياب الحسنة التي يُنظر إليه بها، والدنيئة الرثّة التي يُنظر إليه بها، وقال: «أمراً بين الأمرين، وخير الاُمور أوساطها». نقله الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي والسامع (1/603) رقم 192. وأسند الكليني عن الإمام أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) أنّه: لَقِيَ الرشيدَ ـ حين قدومه المدينة ـ على بَغْلة، فاعترض عليه في ذلك! فقال(عليه السلام): «تطأطأتْ عن سُمُوّ الخَيْلِ، وتجاوزتْ قَمَأ العِيْر، وخيرُ الاُمور أوسطها» رواه في الكافي (6/540) وأرسله في الدُرّة الباهِرة (ص37) وفيه: خيلاء الخيل، وارتفعتْ عن ذلّ العِيْر. وأرسله ابن أبي جمهور في عوالي اللآلئ (1/296) الحديث 199. وروى الماوردي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «خير الاُمور النَمَطُ الأوسطُ، إليه يرجع العالي، وبه يلحق التالي» أدب الدنيا والدين (ص28). وقال الشاعر: عليك بأوْساط الاُمور فإنّها نجاةٌ ولا تركبْ ذلولا ولا صَعْبا وأنشد السيّد العلاّمة مجد الدين المؤيّدي الحسني ـ شيخنا في الإجازة ـ، قوله: عليك بأوساط الاُمور فإنّها سَبيلٌ إلى نيل المراد قويمُ ولا تكُ إمّا مُفْرِطاً أو مُفرّطاً كِلا طرفَيْ قصدِ الاُمور ذميمُ في لوامع الأنوار (ج1، ص26).
[40 ـ المداومة على الطلب]
ولابُدّ له من المداومة في العلم، من أوّل التحصيل إلى آخر العُمُر(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حول «وقت التحصيل» لاحظ: الفصل السابع، من كتابنا.
الفصل السادس : في التَوَكُّلِ
[41 ـ اقتصاد الطالب]
لابُدَّ لطالب العلم من التوكُّلِ في طلب العلمِ، ولا يهتمّ لاُمور الرِزْق، ولا يشغل قلبَه بذلك(1) ويصبر(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الخشاب: «ولا يهمّ لاُمور الرزق، ولا قلبه بذلك».
(2) روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «مَنْ طلب العلم تكفّلَ الله برزقه».
رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (1/154). والآثار العامة الواردة في القناعة تشمل طلاّب العلم بطريق الأولويّة، فمنها: ما عن الحسن المثنّى عن أبيه الإمام الحسن السبط عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الدُنيا دُول، فما كان منها لكَ أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوّتك، ومَنْ انقطع رجاؤه ممّا فاتَ استراحَ بدنُه، ومَنْ رضي بما رزقهُ الله تعالى قرّت عينُه». رواه الماوردي في أدب الدنيا والدين (ص225). وقال عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام): «الصَبْر مطيّةٌ لا تَكْبُو والقناعةُ سَيْفٌ لا يَنْبُو». رواه الماوردي في أدب الدنيا والدين (ص276). وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من الكلام المنظوم عدّة مقاطع، منها قوله(عليه السلام): أفادتني القناعةُ كلَّ عِزٍّ وأيُّ غِنًى أعَزُّ من القناعَهْ فصيّرها لنفسك رأسَ مال وصَيّر بعدها التقوى بضاعَهْ تَحُزْ رِبْحاً وتَغْنى عن بخيل وتَنْعَمُ في الجنان بِصَبْر ساعَهْ وهو في الديوان (ص76) ورواه الماوردي (ص224) وفيه: «تحرَّز حين تغنى» في الشطر الأوّل من البيت الأخير. وقوله (عليه السلام): إذا أظْمأتْكَ أكُفُّ الرجال كَفَتْكَ القناعَةُ شَبْعاً ورَيّا فكُنْ رجُلا رِجْلُهُ في الثرى وهامةُ هِمّتهِ في الثُريّا أبيّاً لنائِلِ ذي ثروَة تراهُ لِما في يديْهِ أبِيّا فإنَّ إراقةَ ماء الحياة لدونَ إراقة ماء المَحيّا وهو في الديوان (ص127). وقال (عليه السلام): صُنِ النفس واحملها على ما يزينُها تَعِشْ سالماً والقول فيك جميلُ ولا تُرِيَنَّ الناسَ إلاّ تحمُّلا نبا بِكَ دَهْرٌ أو جَفاكَ خليلُ وإنْ ضاقَ رِزْقٌ اليومِ فاصْبِرْ إلى غَد عسى نكباتُ الدَهْرِ عنك تَزُولُ يَعِزُّ غَنِيُّ النفس إنْ قَلَّ مالُهُ ويغنى غنيُّ المالِ وهو ذليلُ وهو في الديوان (ص92). وقوله (عليه السلام): ألا فاصْبِرْ على الحَدَث الجليل ودَاوِ جَواك بالصَبْر الجميلِ ولا تَجْزَعْ وإنْ أعْسَرْتَ يوماً فقد أيْسَرْت في الزمن الطويلِ ولا تيأسْ فإنَّ اليأسَ كُفْرٌ لعلَّ اللهَ يُغني من قليلِ ولا تَظْنُنْ بربّك غَيْرُ خَيْر فإنَّ الله أولى بالجميلِ وإنَّ العُسْرَ يتبعُهُ يَسارٌ وقول الله أصْدَقُ كُلِّ قيلِ وهو في الديوان (ص88). وقال (عليه السلام): رضينا قِسمة الجبّار فينا لنا علمٌ وللجُهّالِ مالُ فإنَّ المالَ يفنى عن قريب وإنَّ العلم باق لا يُزالُ وهو في الديوان (ص85). وممّا أنشأتُ من الشعر وهو من نظمي سنة ورودي إلى النجف الأشرف (1384) مخاطباً للنفس: أبعد ضمان الله للعلم رزق من أتاه حثيثاً تطلبين ألا اقعدي فإن كان رزقاً ساقه الله رحمةً أتاكِ ولم يحتج إلى الضَرْبِ باليدِ
لأنَّ طلبَ العلم أمْرٌ عظيم، وفي تَعَب تحصيله أجْرٌ قوِيّ، وهو أفضلُ من قراءة القرآن(1) عند أكثر العُلماء(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في (ف، ج، ع) وبعض النسخ: الغزا، وفي آخر: الغذاء، وفي الزرنوجي: الغزوات، بدل «قراءة القرآن».
(2) زاد في (ب): والفقهاء، وقد دلّتْ آثار عديدة على أفضلية العلم من مجرّد التلاوة، والصلاة، ويمكن الاستشهاد لذلك بما دلّ على أنّ «تفكّر ساعة أفضل من عبادة ألف سنة» ونحو ذلك.
فلاحظ مستطرفات السرائر (ص21) الحديث الأول. وجامع بيان العلم (1/21 ـ 27) و (ص50 ـ 52).
فمن صَبَر على ذلك وَجَدَ لذّته تفوق سائر لذّات الدُنيا.
ولذا كانَ محمّد بنُ الحسن(1) ـ إذا سَهَرَ اللياليَ وانحلَّ له المشكلاتُ ـ يقول: «أَيْنَ أبناءُ المُلوكِ من هذه اللذّاتِ».
[42 ـ انحصار الاشتغال بالعلوم]
وينبغي أنْ لا يشتغل بشيء(2).
ولا يُعْرِضَ عن الفقه، والتفسير، والحديث، وعلم القرآن(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في النسخ، والزرنوجي، والظاهر أنّ المراد به «الشيباني» صاحب أبي حنيفة، لكن في بعضها: أضاف «الطوسي رحمة الله عليه».
وكأنّه نَظَرَ إلى أنّ مؤلّف الكتاب يتحدّث عن نفسه! والظاهر أنّ هذه العبارة منقولة عن أصلها عند الزرنوجي، ولا ينافي ذلك أن يكون القائم بأمر الاختصار هو المحقّق الطوسيّ، كما لا يخفى.(2) أي لا يشغل نفسه بالعلاقات والارتباطات غير العلميّة، بل يحصر علاقاته بالاُمور التحصيلية، حتى لا تفوته فُرَصُ التحصيل.
(3) ذكر هذه العلوم باعتبار لزوم الارتباط بها دائماً وعلى طول مدّة التحصيل، لأهميّتها الأساسيّة بين علوم الإسلام فهي مصادره الأساسيّة.
وإلاّ، فالعلوم جميعها يجب الاشتغال بها ومعرفتها، وقد ذكر المؤلّف في الفقرة [11 ]وجوب الاهتمام بعلم التوحيد. وراجع للتفصيل عن العلوم الواجب تعلّمها، منية المريد، وخاصة الخاتمة (ص365).
الفصل السابع : في وقت التحصيل
[43 ـ وقت الطلب واستغلاله]
قيل: «وَقْتُ الطلبِ: من المَهْدِ إلى اللحْدِ»(1).
وأفضل أوقاته: شَرْخُ الشباب(2) ووقتُ السَحَرِ، وما بين العشاءين(3).
وينبغي أنْ يستغرق جميع أوقاته.
[44 ـ التنوّع لدفع المَلَل]
فإذا مَلَّ من علم اشتغلَ بعلم آخر(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وفي الأثر المعروف: «اطلبوا العلم من المَهْدِ إلى اللَحْدِ».
(2) الشَرْخ من الشباب: أوّله ونَضْرتُه.
وفي الخشاب: شَرْخ سِنّ الشباب.(3) أي ما بين الصلاتين: المغرب والعشاء، فإنّ دأبهم كان على التفريق بينهما والاشتغال في ذلك الوقت بالدرس والبحث والطلب.
(4) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «روّحوا أنفسكم ببديع الحكمة، فإنّها تكلّ كما تكلّ الأبدان».
رواه الكليني في الكافي (1/48) كتاب فضل العلم، الحديث الأول من باب (17) النوادر. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «روّحوا القلوبَ، وابتغُوا لها طُرَف الحكمة، فإنّها تَمَلُّ كما تمَلُّ الأبدان». رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2/183) والقرطبي في جامع بيان العلم (1/105). وروى الرازي في جامع الأحاديث رقم (74): «تذاكروا وتلاقوا وتحدّثوا فإنّ الحديث جلاء المؤمن، إنّ القلوب لتدثر كما يدثر السيف جلاه». وقد مرّ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث قوله: «... إنّ القلوب لترينُ كما يرين السيف جلاؤها الحديث». رواه في الكافي (1/41) كتاب فضل العلم، الحديث قبل الأخير من باب (10) سؤال العالم وتذاكره. وقال علي (عليه السلام): «إنّ للقلوب شهوةً وإقبالا وإدباراً، فأتوها من قِبَلِ شهوتها وإقبالها، فإنّ القلبَ إذا اُكرهَ عَمِيَ». رواه في نزهة الناظر (ص20).
وكانَ محمّدُ بنُ الحسنِ لا ينامُ الليلَ، وكانَ يضَعُ عندَهُ دفاتِرَ، فكانَ إذا مَلَّ من نوع ينظُر في نوع آخَر.
[45 ـ مدافعة النوم]
وكان يَضَعُ عندَهُ الماءُ، ويُزيلُ نومَهُ بالماءِ، وكانَ يقولُ: «النَوْمُ من الحَرارة»(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أضاف في الزرنوجي على هذا القول: «... فلابُدَّ من دفعه بالماء البارد».
والمراد بالماء ترطيب العينين، وتبريد الوجه به، لا شربه، كما هو واضح. فإنّ شربه يزيد الرطوبة، والبلغم، ويكسّل! كما مرّ في الفقرة [27].
الفصل الثامن : في الشَفَقةِ والنَصيحة
[46 ـ طلب الكمال]
ينبغي أنْ يكونَ صاحبُ العِلْم مُشفقاً، ناصحاً، غير حاسِد، فالحَسَدُ يَضُرُّ ولا ينفع(1)
بل، يسعى بنيّة تحصيل الكمال(2).
[47 ـ شَفَقَةُ المُعَلِّم]
وينبغي أنْ تكونَ هِمَّةُ المُعَلِّم أنْ يصيرَ المتعلّم في قرنِهِ(3) عالماً(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحَسَدُ من الأخلاق المذمُومة، وقد تضافرت أحاديث الأئمة في بيان قُبحه ومضارّه، والتأكيد على دناءة الحسود ورذالته:
قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): «الحسود لا ينال شرفاً، والحقود يموتُ كمداً، واللئيم يأكُلُ مالَهُ الأعداء }وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً{. رواه في نزهة الناظر (ص44). وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «آفة الدين: العُجْب، والحَسَدُ، والفخر». رواه في نزهة الناظر (ص52). وقال الإمام عليّ الهادي (عليه السلام): «الحَسَدُ ماحِقُ الحَسَناتِ، والزَهْوُ جالب المقْتِ، والعُجْبُ صارِفٌ عن طَلَبِ العلم، وداع إلى التخبُّطِ في الجهل، والبُخْلُ أذمّ الأخلاق، والطَمَعُ سجيَّةٌ سَيّئة». رواه في نزهة الناظر (ص70). وقال الهادي (عليه السلام): «إيّاك والحَسَدَ، فإنّهُ يبينُ فيك ولا يبين في عدوّك». رواه في نزهة الناظر (ص71).(2) قال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «الكمالُ كلُّ الكمالِ: التفقّهُ في الدين، والصَبْر على النائبة، وتقدير المعيشة». رواه الكليني في الكافي (1/32).
(3) كذا في أكثر النسخ «قرنه» ولعلّ المراد: زمانه وعصره، وفي (أ) وفي نسخ اُخرى (قوّته).
(4) عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «إنّ الذي يعلّم العلم منكم، له مثل أجر الذي يتعلّمه، وله الفضلُ عليه، فتعلّموا العلم من حَمَلة العلم، وعلّموه إخوانكم كما علّمكم العلماء».
أسنده الحسن بن محبوب في «المشيخة» ونقله الحلي في مستطرفات السرائر (ص85) رقم 31.
ويُشْفِقَ على تلاميذهِ.
. . . . بحيث فاق علماء العالم(1).
[48 ـ ترك النزاع والمخاصمة]
وينبغي لطالب العلم أنْ لا يُنازعَ أحَداً، ولا يُخاصِمَهُ، لاِنّهُ يُضَيّعُ أوقاتَهُ.
فالُمحْسِنُ سيُجْزَى بإحْسانِهِ، والمُسيءُ ستكفِيهِ مَساءتُهُ(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في أكثر النسخ: «فاق على ...» وهذه الجملة غير واضحة في كتابنا، ولم ترد في الزرنوجي، لكنّه ذكر حكاية عن البرهان والد الشهيد الصدر حسام الدين والسعيد الصدر تاج الدين، أنّه كان يقدّم تدريس الغرباء على تدريس ولديه المذكورين، فببركة شفقته على الغرباء «فاق ابناهُ أكثر فقهاء أهل الأرض في ذلك العصر في الفقه».
لاحظ تعليم المتعلّم (ص36). وكأنّ في كتابنا سقطاً، فلذا وضعنا في بداية هذه الجملة نقاطاً ثلاثةً. واعلم أنّ كتابنا هذا خاصٌّ بآداب المتعلّمين كما تدلّ عليه ترجمته، دونَ المعلّمين، وإنّما ذكرت هذه الفقرة المرتبطة بشؤون المعلّم، استطراداً. وللمعلّم آدابٌ، ذكرها مفصّلة الشيخ الشهيد الثاني في منية المريد، في أقسام ثلاثة: آدابه في نفسه، ومع طَلَبَتِهِ، وفي مجلس الدرس، فراجعها (ص177 ـ 221).(2) كذا في الخشاب، وفي الزرنوجي: «مساويه».
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): وذي سَفَه يُخاطبني بِجَهْل فأكرهُ أنْ أكونَ له مُجيبَا يَزِيدُ سفاهةً وأَزِيْدُ حِلْماً كعُود زادَ بالإحْراقِ طيبَا وهو في الديوان (ص38). وقال (عليه السلام): إنْ كُنْتَ تطلبُ رُتبة الأشرافِ فعليك بالإحسان والإنصافِ وإذا اعتدى أحدٌ عليك فَخَلِّهِ والدَهْرَ فهو له مكاف كافِ وهو في الديوان (ص80). وقال الزرنوجي ـ في هذا الموضع ـ : أنْشَدَ سُلطان الشريعة الهَمداني: دَعِ المَرْءَ لا تَجْزِهْ على سوء فِعْلِهِ سيكفيهِ ما فيه وما هو فاعِلُهْ قيلَ: «مَنْ أرادَ أنْ يُرْغِمَ أنْفَ عَدُوّهِ فليكرّر هذا الشعر».
قيلَ: «عليكَ أنْ تشتغلَ بمصالح نَفْسك، لا بِقَهْرِ عَدُوِّكَ ; فإذا قُمْتَ بمصالحِ نَفْسِكَ تَضمَّنَ ذلك(1) قَهْرَ عَدُوِّكَ»(2).
وإيّاك والمعاداةَ، فإنّها تفضحُكَ، وتُضَيّعُ أوقاتَكَ.
وعليكَ بِالتحمُّلِ، لا سيّما من السُفَهاء(3).
[49 ـ الابتعاد عن سُوء الظنّ]
وإيّاك أنْ تَظُنَّ بالمؤمِنِ سُوءاً، فإنَّهُ منشأُ العَداوة.
ولا يحلُّ ذلك، لقولهِ(صلى الله عليه وآله وسلم): «ظُنُّوا بالمُؤْمنينَ خَيْراً»(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الخشاب: «تَضْمَنُ بذلك».
(2) قال الزرنوجي: واُنشدتُ:
إذا شِئْتَ أنْ تلقى عدوّكَ راغِماً وتقتُلَهُ غَمّاً وتُحرِقَهُ هَمَّا فَرُمْ للعُلى وازْدَدْ من العلم إنَّهُ مَنِ ازْدادَ عِلماً زادَ حاسِدَهُ غَمَّا وفي باب عَدَمِ الاعتناء بالأعداء والحاسدين، أمثال منظومة، منها قول بعض الزعماء: أوَ كُلّما طَنَّ الذُبابُ طردْتُهُ إنّ الذُبابَ إذَنْ عليَّ كريمُ وقال آخر: وما كلُّ كلب نابِح يَسْتَفِزُّني وما كلَّما طَنَّ الذُبابُ اُراعُ وقال ثالثٌ: لو كلُّ كلب عَوى ألْقَمْتُه حَجَرا لأصْبَحَ الصَخْرُ مِثقالا بدِينارِ وقال رابعٌ: إذا نَطق السفيهُ فلا تُجِبْهُ فخيرٌ من إجابتهِ السكوتُ(3) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «تعلّموا العِلمَ، وتعلّموا الحِلمَ، فإنّ العلمَ خليلُ المؤمنِ، والحلمُ وزيرُه، والعقل دليلُه، والرفقُ أخوه، والعمل رفيقهُ، والبرُّ والدُه، والصبر أميرُ جنودِه».
رواه في نزهة الناظر (ص29) وروى نحوه باختصار عن الإمام الصادق(عليه السلام)(ص59).(4) قال الخشاب: رواه في الفتوحات الربانيّة (7/21) وفيه: «بالمؤمن».
واعلم أنّ الأحاديثَ عن المعصومين (عليهم السلام) في باب سُوء الظنّ والنهي عنه، والأمر به، وكذلكَ في باب حُسْن الظنّ والأمر به، والنهي عنه، كثيرة وظاهرها المُعارضة والمُضادّة! فالآمرة بحُسْن الظَنّ: منها ما في المتن من حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). ومنها: قول الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «مَنْ حَسَّنَ ظنَّهُ روّح قلبه». رواه في نزهة الناظر (ص54). ومنها: قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «خُذْ من حُسْنِ الظنّ بطَرَف تُروِّجُ به أمركَ، وتروّحُ به قلبك». رواه في نزهة الناظر (ص53). وقال البرقي في «باب محبة المسلمين والاهتمام بهم» من المحاسن: في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تظننَّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً، وأنت تجد لها في الخير محملا». رواه عن المحاسن في السرائر باب المستطرفات (3/642) ونقله في الوسائل (12/302) باب 161 من أبواب العشرة، ح3 عن الكافي (2/269) ح3. ومِن الدافعة على سوء الظنّ: قول الإمام الصادق (عليه السلام): «احتَرِسُوا من الناسِ بِسُوءِ الظنِّ». رواه في نزهة الناظر (ص30). وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الحزْمُ سُوْءُ الظَنِّ». رواه في نزهة الناظر (ص54). وابن الرازي في جامع الأحاديث. ونقل الحلواني صاحب النزهة عن البرادي، أنّه قال: قيل للمقيت الجُرجاني: ما هذه المضادة ؟ فقال: يُريدون بسوء الظن: أنْ لا تستتمَّ إلى كلّ أحَد فتؤدّي سرّك وأمانتك. ويُريد بحسن الظنّ: أنْ لا تسيء ظنَّك بأحَد أظهر لك نصْحاً وقال لك جميلا، وصحَّ عندك باطنه. وهو مثل قولهم: «احْمِلْ أمر أخيك على أحْسنِهِ حتّى يبدو لك ما يغلبك عليه». نقله في نزهة الناظر (ص54). أقول: بل الأولى حملُ ذلك على اختلاف الزمان وأهله صَلاحاً وفساداً، كما تدلّ عليه أخبارٌ شريفة، والحديث يفسّر بعضه بعضاً، وهي: ما روي في حِكَمِ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنّه قال: «إذا استولى الصلاحُ على الزمانِ وأهلهِ، ثُمَّ أساء رجلٌ الظنَّ بِرَجُل ـ لم تظهر منه خِزيةٌ ـ فقد ظَلَمَ. وإذا استولى الفسادُ على الزمانِ وأهله، ثُمَّ أحْسَنَ رَجُلٌ الظنّ بِرَجُل فقد غُرِّرَ». رواه الرضيّ في نهج البلاغة، الحكمة (114). وما عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «إذا ساءَ الزمانُ وساء أهلُه، فسوءُ الظنّ من حُسْنِ الفِطَنِ». وما رُوي عن الإمام أبي الحسن الهادي (عليه السلام): «إذا كانَ زَمانٌ ـ العدلُ فيه أغلبُ من السُوء ـ فليسَ لأحَد أنْ يُظنَّ بأَحَد سُوءاً، حتّى يَبْدو ذلكَ منه. وإنْ كانَ زَمانٌ ـ فيه السُوءُ أغْلَبُ من العَدْل ـ فليسَ لاِحَد أَنْ يظُنَّ بأحَد خَيْراً، حتّى يبدو ذلك منه». رواه في نزهة الناظر (ص71).
وإنّما يَنْشَأُ ذَلِكَ من خُبْثِ النِيّةِ(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في أكثر النسخ والزرنوجي، وأضاف فيه: «... وسوء السريرة» وفي بعض النسخ: «من خُبث النفس».
الفصل التاسع : في الاسْتِفادة
[50 ـ الاستفادة وطريقها]
فينبغي لطالب العلم أنْ يكونَ مستفيداً في كلِّ وَقْت، حتّى يَحصلَ له الفضْلُ.
وطريق الاستفادة: أنْ يكون مَعَهُ ـ في كُلّ وَقْت ـ مَحْبَرةٌ، حتّى يكتبَ ما يسمع من الفوائد(1).
قيلَ: «ما حُفِظَ فَرَّ، وما كُتِبَ قَرَّ»(2).
وقيل: «العلمُ ما يُؤْخَذُ من أفواه الرجال» ؟(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ في كتابنا هذا، الفقرة [55] في الفصل العاشر القادم.
ونقل عن بعضهم قوله: «إظهار المحبرة عزٌّ» وأشار بعضهم إلى المحابر وقال: «هذه سُرُج الإسلام» وقال آخر: «لولا المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر». وقد جاء ذكر «الحِبْر» و «الدواة» في الحديث الشريف في مقام الترغيب على الكتابة والتدوين، بوفرة، وقد جمعنا طَرَفاً من ذلك في كتابنا: «تدوين السنّة الشريفة» فليراجع.(2) هذا أثر منقول عن السلف، لاحظ تدوين السنّة الشريفة (ص381).
وقد أكّد المعصومون (عليهم السلام) على كتابة العِلْم وتدوينه وحثّوا على تقييده وحفظه في الكتب، إلى حدّ التواتُر فعن النبي والوصيّ (عليهما السلام) أنهما قالا: «قيّدوا العلم بالكتاب». وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «القلب يتّكل على الكتابة». وعنه (عليه السلام)، قال: «اكتبوا فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا». وقد شرحنا هذا الحديث، شرحاً عميقاً في تدوين السنّة الشريفة (ص376). ثمّ إنّ سائر علماء الإسلام أكّدوا على أنّ الكتاب والكتابة لهما أثر بارز في حفظ المعلومات: قال ابن المبارك: «لولا الكتاب ما حفظنا». وقال الشافعي: «اعلموا ـ رحمكم الله ـ إنّ هذا العلمَ ينِدُّ كما تنِدُّ الإبلُ، فاجعلوا الكتب له حماةً، والأقلام عليه رُعاةً». وقد جمعنا ما يرتبط بالتدوين والكتابة، والمقارنة بينها وبين الحفظ بشكل موسّع، وموثّقاً في كتابنا «تدوين السنّة الشريفة» فراجعه، وخاصة الصفحات (365 ـ 390).(3) أتصوّر أنّ المؤلّف ذكر قولهم: «العلمُ ما يُؤخَذُ من أفواه الرجال» اعتراضاً على ما ذكره من لزوم كتابة ما يسمع! نظراً إلى أنّ العلم في هذا القول يعتمد على الأقوال الشفهيّة!
وأجابَ بقوله: «لأنّهم ...» أي إنّما ذكروا ذلك القول، لأنّ العُلماء إنّما ينطقون بالأفضل، بعد انتخابه من محفوظاتهم التي هي ـ بدورها ـ أفضل مَسْموعاتهم، وهذا لا يُنافي لزوم كتابة ما يُسمع من أقوالهم، حفاظاً عليها من النسيان والضياع.
لاِنّهم يحفَظونَ أحْسَنَ ما يَسْمعونَ، ويقولونَ أحْسَنَ ما يحفَظونَ(1).
ووصّى شَخْصٌ ابْنَهُ بأنْ يحْفَظَ كلَّ يوم شِقْصاً(2) من العِلم، فإنّهُ يَسيرٌ، وعن قَرِيْب يَصِيْرُ كَثيراً(3).
[51 ـ اغتنام الوقت والشيوخ]
والعُمُرُ قصيرٌ، والعلمُ كثيرٌ، فينبغي أنْ لا يُضيّعَ الطالبُ له الأوقاتَ، والساعاتِ، ويغتَنِمَ اللياليَ والخَلواتِ(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عن عملهم هذا لاحظ هذه الآثار:
روى الراغب الاصفهاني، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قالت الحكمةُ: مَنْ أرادني فليعمل بأحْسَنَ ما عَلِمَ، ثم تلا: }الَّذِيْنَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ{». مقدّمة جامع التفاسير (ص95). وروى الخطيب عن ابن عبّاس قوله: العِلمُ كثيرٌ، ولن تَعِيَهُ قلوبكم، ولكن ابتغوا أحسنَهُ، ألم تسمع قوله تعالى: }الَّذِيْنَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ * اُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ هَدَاهُمُ اللهُ وَاُولَئِكَ هُمْ اُولُوا الألْبَابِ{ [الآية 18 من سورة الزمر]. رواه في تقييد العلم (ص141). وكان يقول بعضهم لبنيه: «اُكتب أحْسَنَ ما تسمعُ، واحْفَظْ أحْسَنَ ما تكتبُ، وحَدِّث بأحْسَنَ ما تحفَظْ». نقله في تقييد العلم (ص141) ونقله في هامشه عن مصادر عديدة. وراجع حول اختيار الأحسن ما علّقناه على الفقرة [11].(2) الشِقْصُ: الطائفة من الشيء.
وفي الخشاب: «شيئاً» بدل «شقصاً» وقد جمع بينهما في بعض النسخ، ولاحظ الهامش التالي.(3) نقل الزرنوجي أنّ هذه الوصيّة وصّى بها الصدرُ الشهيدُ حسام الدين ابنه شمس الدين: أنْ يحفَظَ كلّ يوم يسيراً من العلم والحكمة ... إلى آخر المنقول هنا.
(4) روى الزرنوجي ـ هنا ـ عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) أنّه قال: «إذا كُنْتُ في أمْر، فكُنْ فيه».
وقد وردت عن الأئمة (عليهم السلام) حول (الوقت) أحاديث شريفة ترشد إلى وجوب اغتنامه والاعتزاز به وعدم التفريط به، والمحافظة عليه، فلنتزوّد من فُرات معينها: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ أوقاتَك أجزاءُ عمرك فلا تُنفِدْ لك وقتاً إلاّ فيما يُنجيك». وقال: «في كلّ وقت فوتٌ» و «في كلّ وقت عملٌ». وقال: «إنّ ماضيَ عمرك أجَلٌ، وآتيه أمَلٌ، والوقت عَمَلٌ». وقال: «أوقات الدنيا ـ وإن طالَتْ ـ قصيرةٌ». وقال: «إنّ ماضِيَ يومِكَ مُنْتقلٌ، وباقيَهُ مُتّهَمٌ، فاغْتَنِمْ وَقْتَكَ بالعمل». وقال: «ماضي يومِكَ فائِتٌ، وآتيهِ مُتَّهَمٌ، ووقتُكَ مُغْتَنَمٌ، فبادِرْ فيهِ فُرْصَةَ الإمْكانِ، وإيّاكَ أنْ تثِقَ بالزمانِ». فراجع معجم ألفاظ غرر الحكم، مادة «وقت». وقال (عليه السلام) في خطبة له: «أيّها الناس: إنّ الأيّامَ صحائفُ آجالكم، فضمّنوها أحْسَنَ أعمالكم، فلو رأيتم قصيرَ ما بقيَ من آجالكم لزهدتم في طويل ما تعتذرون من آمالكم!». رواها في نزهة الناظر (ص19). وقالوا: «الوَقْتُ سَيْفٌ، إنْ لم تَقطُعْهُ قَطعَكَ». نقله في مَنازل السائرين (ص399). وكان أحد مَشايخنا يَستحثّنا على الطلبِ، ويُنْشِدُنا: ما فاتَ مَضى وما سَيأتيكَ فأيْنْ ؟ قُمْ فاغتنمِ الفُرْصَةَ بين العَدَمَيْنْ ما مضى فاتَ والمؤمّلُ غيبٌ، فلكَ الساعةُ التي أنتَ فيها
قيل: «الليلُ طَوِيْلٌ ; فلا تُقَصِّرْهُ بمنامِكَ، والنهارُ مُضيءٌ ; فلا تكَدّرْهُ بآثامِكَ»(1).
وينبغي لطالبِ العلم أنْ يَغْتَنِمَ الشُيوخَ، ويَسْتَفِيْدَ منهم(2).
ولا يتحسَّرُ لِكُلِّ ما فاتَ(3) بل يَغْتَنِمُ ما حَصَلَ له في الحالِ والاستِقْبال.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقل الزرنوجي هذا القول عن يحيى بن معاذ الرازي.
(2) قال أبو غالب الزراري، أحمد بن محمّد بن محمّد بن سليمان ـ في رسالته إلى حفيده، يوصيه ـ : واصْحب مشايخ أصحابك مَنْ تتزيّنُ بصُحْبته بين الناس.
وإنْ صحبتَ أحَداً من أتْرابكَ، فلا تَدَعْ صُحْبةَ المشايخ مع ذلك. اُنظر: رسالة أبي غالب الزراري (ص154) الفقرة [10/ج].(3) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الإشتغال بالفائت يُضيّع الوقت».
وقال (عليه السلام): «لا تُشغل قلبك الهمَّ على ما فات فيُشغلك عمّا هو آت». رواه في معجم غرر الحكم (ص1206) و (ص1236). وقيل: «الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييعٌ للوقت الحاضر». نقله في منازل السائرين (ص399).
[52 ـ تحمّل المشاق في سبيل الطلب]
ولابُدَّ لطالبِ العلم من تحمُّل المشاق والمَذَلّةِ في طلب العلم(1).
والَتمَلُّقُ(2) مذمومٌ إلاّ في طلب العلم(3) فإنّه لابُدَّ له من تملُّق الاُستاذ والشركاء وغيرهم، للاستفادة منهم.
وقيل: «العِلْمُ عِزٌّ لا ذُلَّ فيه، ولا يُدْرَكُ إلاّ بذُلٍّ لا عِزَّ فيه»(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ لم يصبر على مَضَض التعلُّم بقيَ في ذُلّ الجهل».
رواه في غرر الحكم «5/411) اُنظر معجم ألفاظه (8971). وأنشد الشيخ الشهيد الثاني شعر الحماسة: دَبَبْتَ للمجد والساعون قد بَلَغُوا جهد النفوس وألْقَوْا دُونَهُ الأُزرا وكابَدُوا المجدَ حتّى مَلَّ أكثرهم وفاز بالمجد مَنْ وافى ومَنْ صَبَرا لا تحسبِ المجدَ تمْراً أنْتَ آكلُهُ لن تبلغَ المجد حتّى تَلْعَقَ الصَبِرا في منية المريد (ص250) ونقل محقّقهُ في هامشه عن الحماسة أنه لرجل من بني أسد، وخرّجه عن مصادر كثيرة.(2) الَتمَلُّق: مصدر تَمَلَّقَهُ، وتَمَلَّقَ له: إذا تودَّدَ إليه وتذلَّلَ له، وليّنَ كلامَهُ ليستميلَه، وهو «المَلَقُ» أيضاً.
(3) روى عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «ليس من أخلاق المؤمن التَمَلُّقُ، إلاّ في طلب العلم».
ورواه ابن الأشعث فيما أسنده من الجعفريات (وهي الأحاديث المسندة عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)) مرفوعاً، لاحظ الاشعثيات (ص235) وزاد بعد قوله «التملّق»: «... ولا الحسد». ورواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (ج1، ص320) رقم 391 بسنده إلى رواية الجعفريات هذه. ونقل عن البيهقي في شعب الايمان (1/259) ولاحظ جامع بيان العلم (ص131) وأدب الدنيا والدين (ص75) وفيه: المَلَقُ. وبحار الأنوار (2/45) وكنوز الحقائق (2/165).(4) إقرأ عن التملُّقِ في التعلّم، فصلا مفيداً، في أدب الدنيا والدين (ص75 ـ 80).
الفصل العاشر : في الوَرَعِ في التَعَلُّمِ
[53 ـ التزام الورع فعلا، وتركاً]
رُويَ حديث في هذا البابِ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
«مَنْ لم يَتَوَرَّعْ في تعلُّمهِ ابْتلاهُ اللهُ بأحَدِ ثلاثةِ أشْياء:
إمّا يُميتُهُ في شَبابهِ.
أوْ يُوقِعُهُ في الرساتيق(1).
أوْ يبتليهِ بخدمة السُلْطان»(2).
فمهما كانَ طالبُ العِلمُ أوْرَعَ، كانَ علمُهُ أنْفَعَ، والتعلُّمُ له أيْسَرَ، وفوائدُهُ أَكْثَرَ.
ومن الوَرَع:
أنْ يحترزَ عن الشبع، وكثرةِ النَوْمِ، وكثرةِ الكلام فيما لا يَنْفَعُ(3).
وأنْ يَحْتَرِزَ عن أكْلِ طعام السُوْقِ، إنْ أمْكَنَ، لأنَّ طعامَ السُّوقِ أقربُ إلى النجاسة والخباثة(4) وأبْعَدُ عن ذكر الله تعالى، وأقْرَبُ إلى الغَفْلة.
ولاِنَّ أبْصارَ الفُقَراءِ تَقَعُ عليه، ولا يقدرونَ على الشراء، فيتأذّون بذلك، فتذهبُ بركَتُهُ.
وينبغي أنْ يحترزَ عن الغِيْبَةِ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرَساتِيْقُ: القُرَى وما يحيط بها من الأراضي الزراعيّة. جمع رُسْتاق، معرّب كلمة «رُوستا» الفارسيّة.
(2) جاء الحديث في كتاب «الاثنا عشرية في المواعظ العددية» للعاملي (ص86) بلفظ: «مَنْ لم يَتَورّعْ في دين الله ...» وانظر: جامع الأخبار (الباب 100) (ص163) وميزان الحكمة (4/128).
(3) عن كثرة الكلام ومضارّها راجع الفقرة [59] وتعاليقها.
(4) كذا في الزرنوجي وبعض النسخ، وفي أكثر النسخ والخشاب: «الخيانة».
وعن مُجالسة المِكْثار(1) فإنّ مَنْ يُكْثر الكلامَ يَسْرِقُ عُمُرَكَ، ويُضيّعُ أوْقاتَكَ.
ومن الوَرَع:
أنْ يجتنبَ من أهل الفَسادِ والتَعْطيلِ، فإنَّ المجاورةَ مؤثّرةٌ، لا مَحالةَ(2).
وأنْ يَجْلسَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلةَ، في حالِ التكرار والمطالعة، ويكونَ مستنّاً بسُنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويَغْتَنِمَ دعوةَ أهلِ الخَيْرِ، ويحترز عن دَعْوة المظلوم، ويطلب الهمَّةَ والاستدعاء (من الصالحين)(3).
[54 ـ رعاية الآداب والسنن]
فينبغي أنْ لا يَتَهاوَنَ برعايةِ الآدابِ والسُنَنِ، فإنَّ «مَنْ تَهاوَنَ بالآداب، حُرِمَ السُنَنَ، ومَنْ تهاوَنَ بالسُنَنِ حُرِمَ الفرائضَ، ومَنْ تَهاوَنَ بالفرائض حُرِمَ الآخِرَةَ».
وقال بعضهم: هذا حديثٌ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
(وينبغي أنْ يُكْثِرَ الصَلاة)(4) ويُصلّيَ صلاةَ الخاشعينَ، فإنّ ذلِكَ عَوْنٌ على التحصيل والتعلّم.
[55 ـ استصحاب آلات الكتابة والمُطالعة]
وينبغي أنْ يستصحبَ دفتراً على كُلّ حال لِيُطالعه.
وقيل: «من لم يكن الدفْتَرُ في كُمِّهِ(5) لم تثبت الحكمةُ في قلبه».
وينبغي أنْ يكونَ في الدفْتَرِ بياضٌ، ويَسْتَصْحِبَ المحبَرَةَ ليكتبَ ما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المِكْثار: الشخص الكثير التكلّم، يطلق على المذكّر والمؤنّث.
(2) لاحظ الفقرة [16] و [33] حول اختيار الشريك والمُذاكر.
(3) ما بين القوسين، لم يرد في الخشاب ولا الزرنوجي.
(4) ما بين القوسين، ليس في الخشاب.
(5) الكُمُّ: مخرج اليد ومدخلها من الثوب، وكانت الأكمامُ عِراضاً تستوعب مثل الدفتر فيحفظونه فيها.
يسمعُ(1).
كما قال النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لهِلال بن يَسار ـ حينَ قَرَّرَ له العلمَ والحكمةَ ـ : «هَلْ معك محبرة؟»(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قارن بما مرّ في الفقرة [50].
(2) أورده كذلك الزرنوجي في تعليم المتعلّم (ص38) في فصل الاستفادة، وهو الفصل التاسع في كتابنا فلاحظ الفقرة [50].
الفصل الحادي عشر : في ما يُورث الحفظ وما يورث النِسْيان
[56 ـ أسباب الحفظ]
وأقوى أسْباب الحفظ:(1)
1 ـ الجِدُّ.
2 ـ والمُواظَبَةُ.
3 ـ وتقليلُ الغذاءِ.
4 ـ وصلاةُ الليلِ، بالخُضوع والخُشوع.
5 ـ وقراءةُ القُرآن من أسْباب الحفظ(2).
قيلَ: «ليسَ شيءٌ أزْيدَ للحفظ من قراءة القرآن لا سيّما آية الكرسيّ».
وقراءةُ القرآن نَظَراً أفضلُ، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أفْضَلُ أعمال اُمّتي قراءة القرآن نظراً»(3).
6 ـ وتكثيرُ الصلاةِ على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد ذكروا للحفظ تحصيلا وتقوية أسباباً وعلاجات عديدة وأدعية وأوراداً تجدها في أبوابها، وقد اقتصر كلّ مؤلّف على ما عنَّ له، ولئلاّ يطول الكتاب لم نتتبع الموارد لاستيعاب ذلك، وكذا لم نحاول توثيق ما جاء في كتابنا هذا كلّه، بل ذكرنا ما وقفنا على مصدره في عرض عملنا المتواضع هذا، ومن الله نستمدّ التوفيق.
وراجع كلمة «الحفظ» في فهرس المصطلحات في كتابنا هذا لتقف على ما ذكره المؤلّف عن ذلك في سائر الفقرات.(2) من الأحاديث التي أسندها الإمامُ عليُّ الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ثلاثة يزدن في الحفظ، ويَذْهبن بالبلغَم: قراءة القرآن، والعَسَل، واللُبان».
صحيفة الرضا (عليه السلام)، الحديث (127) ورواه الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام)(2/38) الحديث 111.(3) رواه السيوطي في الجامع الصغير (1/51) بلفظ: «أفضل عبادة أمّتي ... الحديث».
7 ـ والسِواكُ(1).
8 ـ وشرب العَسَل(2).
9 ـ وأكل الكُنْدُر(3) مع السُكَّر.
10 ـ وأكل إحْدى وعِشْرين زَبيبة حَمْراء ـ كلّ يوم ـ على الرِيْق(4) يُورِثُ الحِفْظ، ويَشْفي كثيراً من الأمراض والأسقام(5).
11 ـ وكلّ ما يُقلّل البَلْغَمَ والرطوباتِ يزيدُ في الحِفظ(6).
وكلّ ما يزيدُ في البلغم يُورث النسيان(7).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ طبّ الإمام الكاظم (عليه السلام) (ص51) رقم (9).
(2) في الحديث عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «من لعق لعقةَ عَسَل على الريق: يقطع البلغم .. ويصفّي الذهن، ويجوّد الحفظ إذا كان مع اللُبانِ الذَكَرِ».
لاحظ طبّ الإمام الكاظم (عليه السلام) (ص289).(3) الكُنْدُر: صَمْغُ شجرة شائكة ورقُها كالآسِ، ويُسمَّى البَسْتج، وسُمّي في الروايات بـ «اللُبان» انظر طبّ الإمام الكاظم (عليه السلام) (ص319).
لاحظ الحديث المنقول عن صحيفة الرضا (عليه السلام) في الهامش (2) والمنقول عن الإمام الكاظم (عليه السلام)في الهامش (5) من هذه الفقرة.(4) الرِيْقُ: لُعاب الفَم، والمراد من قولهم «على الريق» قبل أنْ يأكُلَ شيئاً بعد الإفاقة من النوم صباحاً.
(5) في حديث الإمام عليّ الرضا (عليه السلام) مرفوعاً إلى الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)انّه قال: «مَنْ أكَلَ إحدى وعشرين زبيبة حمراء على الريق، لم يجد في جسده شيئاً يكرهه».
رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (2/41) ح133، ونقله البيهقي في المحاسن والمساوي (ص296) ضمن نصائح طبيّة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). وفيما اُسند عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إلى عليّ (عليه السلام)، قال: «مَنْ يُصْبحْ بِواحدة وعشرين زبيبة حمراء لم يُصِبْهُ إلاّ مرض الموت». رواه ابن الأشعث في الجعفريات (ص243).(6) نقل السيّد صديق حسن خان القنّوجي الهندي، عن الحكماء أنّ «الحفظ يستدعي مزيد يبوسة في الدماغ».
راجع الحطّة (ص47) وانظر تدوين السنّة الشريفة (ص386).(7) وراجع ما ذكره المؤلّف عن (البلغم) في هذا الكتاب مكرّراً.
وقد روى الخطيب بسنده عن إبراهيم بن المختار عن عبد الله بن جعفر، قال: جاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فشكا إليه النسيان ؟! فقال (عليه السلام): «عليك بألبان البقر، فإنّه يشجّع القلب ويذهب بالنسيان». في الجامع لأخلاق الراوي (2/395).
[57 ـ أسباب النِسْيان]
وأمّا ما يُورِثُ النِسْيانَ(1):
1 ـ فالمَعاصي(2).
2 ـ وكثرة الهُموم والأحْزان في اُمور الدّنيا(3).
3 ـ وكثرة الاشتغال والعلائق.
وقد ذكرنا(4) أنّه لا ينبغي للعاقل أنْ يهتمَّ باُمور(5) الدنيا لأنّه يضرّ، ولا ينفعُ.
وهموم الدنيا لا تخلو عن الظُلمة في القلب، وهموم الآخرة لا تخلو عن النور في القلب، وتحصيل العلوم ينفي الهَمَّ والحُزْنَ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكروا الموجبات للنسيان في مواضع خاصة، ومنها: عند ذكر خواصّ الأغذية، وبعض الأعمال المكروهة شرعاً، ولم نتصدّ كذلك لاستيعابها، وإنّما نعرِضُ في الهوامش ما وقفنا عليه عَرَضاً.
(2) أضاف في الخشاب ونسخة (أ) هنا كلمة «كثيراً».
وقد نظم الشافعيُّ هذا المعنى شعراً، فقال: شكَوْتُ إلى وكيع سُوءَ حِفظي فأومأ بي إلى ترك المعاصي وقال بأنّ حِفْظَ الشيءِ فضلٌ وفضل الله لا يُؤْتاهُ عاصِ وفي الديوان: وقال بأنَّ حفظ الشيءِ نُورٌ ونُورُ الله لا يُهْدَى لعاصِ نقله الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2/388) وهو في ديوان الشافعي (ص54).(3) من المناسب أنْ نورد ما رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «تفرَّغوا من هموم الدُنيا ما استطعتُم، فإنّه مَنْ أقبل على الله عزّوجلّ بقلبه، جعل الله قلوب العباد منقادةً إليه بِالبرّ والرحمة، وكانَ إليه بكلّ خير أسرع».
رواه في نزهة الناظر (ص6). وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إطرحْ عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين». معجم ألفاظ غرر الحكم (ص1237) مادة (همم).(4) لاحظ الفقرة [41]، وانظر: وكلمة (الدنيا) في فهرس المصطلحات.
(5) كان في بعض النُسخ: «يهمّ لاُمور ...» وما أثبتناه الأصوب.
4 ـ وأكل الكُزْبُرة(1).
5 ـ والتفّاح الحامِض.
6 ـ والنظر إلى المَصْلُوب.
7 ـ وقراءة لَوْح القُبور.
8 ـ والمُرُور بَيْنَ قطار الجمل.
9 ـ وإلقاء القَمْل الحيّ على الأرض.
10 ـ والحِجامة على نُقْرَة القَفا(2).
كلُّ ذلك يُورِثُ النِسْيانَ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أضاف في الزرنوجي: «... الرطبة».
وقد روى الصدوق مسنداً إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «تسعةُ أشياء يُورِثْنَ النسيانَ: 1 ـ أكل التفاح الحامِض. 2 ـ وأكل الكزبرة. 3 ـ والجُبن. 4 ـ وسُؤر الفارة. 5 ـ وقراءة كتابة القُبور. 6 ـ والمشيُ بين امْرَأتينِ. 7 ـ وطرح القَمْلة. 8 ـ والحجامة في النُقرة. 9 ـ والبول في الماء الراكد». رواه في الخصال (ص423) الحديث (23)، وفي كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه (4/361) في حديث وصيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ (عليه السلام). ورواه في الخصال (ص422) الحديث (22) موقوفاً على أبي الحسن الكاظم (عليه السلام)، فلاحظ طبّ الإمام الكاظم (عليه السلام) (ص376). وروى الكليني بسنده عن أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) قال: «أكل التُفّاح، والكزبرة، يورث النسيان». الكافي (6/6 ـ 367). واقرأ عن الحفظ وأسبابه، وما يزيده: الجامع لأخلاق الراوي للخطيب (ج2، ص385 ـ 398).(2) في كنوز الحقائق (1/120): «الحجامة في نقرة الرأس تورث النسيان» (عن الفردوس للديلمي).
وانظر الهامش السابق الرقم (8) في الحديث.
الفصل الثاني عشر : في ما يجلب الرزقَ، وما يمنع الرزقَ
وما يزيد في العُمُر، وما ينقص
ثمَّ لابُدَّ لطالب العلم من القُوْت(1) ومعرفة ما يزيد فيه، وما يزيدُ في العمر وينقص، والصحّة، ليكونَ فارِغَ البالِ(2) في طَلَب العلم.
وفي كلّ ذلكَ صَنّفوا كُتُباً(3).
فأوردتُ البعضَ هاهنا على الاختصار:
[58 ـ ما يُنْقِصُ الرِزْقَ](4)
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يزيدُ الرزق، ولا يرُدّ القَدَرَ إلاّ الدُعاء، ولا يزيدُ العُمُرَ إلاّ البرَّ (فإنَّ الرجُلَ ليحرم الرزق بالذنب يُصيبُه)(5)»(6).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كذا في عدّة نسخ وفي (ف، ب، ع): القُوَّة.
(2) كذا في بعض النسخ، وفي الباقي: «فراغ البال» وفي الزرنوجي: «ليتفرغ لطلب العلم» بدل «ليكون ... العلم».
(3) كذا في الزرنوجي، وفي أكثر النسخ: كتاباً.
(4) فيما يرتبط بهذا الفصل والفقرتين [58 و 59] من اُمور الرزق وأسباب زيادته، وموجبات نقصانه، ألّف الشيخ محمّد الكلباسي كتاباً حافلا باسم «السعة والرزق» استوعب فيه الآثار الواردة في ذلك.
وقد عقد «المقصد الأول» لذكر موجبات الفقر، وعدّد منها (97) أمراً (ص8 ـ 39). وعقد «المقصد الثاني» لذكر اُمور تنفي الفقر، وعدّد (43) أمراً (ص41 ـ 64). وعقد «المقصد الثالث» لذكر موجبات السعة وجالبات الرزق، وعدّد منها (53) أمراً. هذا كلّه فيما يرتبط بالأفعال، ثمّ ذكر فصولا فيما يرتبط بالأقوال، والتروك، وهو كتاب قيّم في بابه، مفيد للطلاّب الكرام.(5) ما بين القوسين لم يَرد في أكثر النسخ.
(6) رواه الزرنوجي مبتدأ بلفظ: «لا يردّ القدر ... إلى آخرالحديث» وكذا في الجامع الصغير (2/204) وكنوز الحقائق (2/177).
ورواه كذلك من أصحابنا الحلواني في نزهة الناظر (ص6) والشهيد الأوّل في الدرّة الباهرة (ص18) وعنهما المجلسي في البحار (77/168).
1 ـ فيثبتُ بهذا الحديثِ أنَّ ارتكابَ الذَنْبِ سَبَبُ حِرْمان الرزق(1) خصوصاً الكذبُ، [فإنّه](2) يُورث الفقر، وقد وَرَدَ فيه حديثٌ خاصٌّ لذلك(3).
2 ـ وكذا الصُبْحة(4) تمنع الرزق.
3 ـ وكذا كثرة النوم.
4 ـ ثمَّ النوم عُرْياناً.
5 ـ والبولُ عُرْياناً.
6 ـ والأكْل(5) جُنُباً.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «إنّ روح القُدس نَفَثَ في رُوْعِيَ: أنّ نَفْساً لَنْ تموتَ حتّى تستوفي رزقها، فاتّقوا الله، وأجْمِلُوا في الطَلَبِ، ولا يحملنّكُم إبْطاءُ الرزق على أنْ تطلبوه بمعاصي الله تعالى، فإنّ الله عزّوجلّ لا يُدرَك ما عنده إلاّ بطاعته».
أدب الدنيا والدين (ص314).(2) زيادةٌ منّا، يقتضيها تصحيح الجملة.
(3) روى الصدوق في «ثواب الأعمال» بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إنّ الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها رزقه ... الحديث نقله في السعة والرزق (ص32 ـ 33).
(4) الصُبْحة: نَوم الصَباح.
قال السِيْد البطليوسي: يقال: «ينام فلانٌ الصُبْحَة» إذا كان ينام ارتفاعَ النهار، وفي الحديث: «الصُبْحةُ تمنع الرزقَ» وهو ضدّ قوله: «بورك لاُمّتي في بكورها». الفرق بين الحروف الخمسة (ص447) وخرج محققه الحديث الأول: «الصبحة ...» من مسند ابن حنبل (1/73) وفي النهاية لابن الأثير (2/250): انّه نهى عن «الصبحة» وهي النوم أوّل النهار، لأنّه وقت الذكر، ثمّ وقت طلب الكسب. وقد ورد في هذه النومة مذامّ في الحديث الشريف: روى عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «نومَةُ الصُبْحة: مَعْجزةٌ، منفخَةٌ، مَكْسَلةٌ، مَوْرَمةٌ، مَفْشلةٌ، مَنْساةٌ للحاجة». رواه الماوردي في أدب الدين والدنيا (ص341). وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «اتّقوا الصُبْحَة فإنّها مَجْفَرةٌ، مَنْتَنَةٌ لِلجرْم». رواه في لسان العرب (14/359) مادّة (جرم).(5) أضاف في بعض النسخ هنا: «والشرب».
7 ـ ومتّكئاً على جَنْب.
8 ـ والتَهاوُن بِسقاط المائدة(1).
9 ـ وحَرْق قشر البَصَل والثوم.
10 ـ وكَنْس البيت في الليل.
11 ـ وترك القُمامة(2) في البيت.
12 ـ والمشي قدّامَ المشايخ.
13 ـ ونداء الأبَويْنِ باسْمهما.
14 ـ والخلال بكلّ خَشَبَة(3).
15 ـ وغسل اليدينِ بالطين والترابِ.
16 ـ والجلوس على العتبة.
17 ـ والاتّكاء على أحَدِ زوجي الباب(4).
18 ـ والتَوَضُّؤِ في المَبْرَز(5).
19 ـ وخياطة الثوب على بدنهِ(6).
20 ـ وتجفيف الوجه بالثوب.
21 ـ وترك بيت العنكبوت في البيت.
22 ـ والتهاوُنُ بالصلاة.
23 ـ وإسْراع الخروج من المسجد(7).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتب في هامش نسخة (أ) هنا: أي تحقير حتات الخبز.
(2) القُمامة: الكُناسة، وهي الزبالة، يعني ما يُجمع من الكنس ليُطرحَ.
(3) كتب في (أ) كلمة «مجوّف» فوق «خشبة»! ؟
(4) في نسخة (أ): «ألواحي الباب» بدل «زوجي الباب».
(5) المَبْرَزْ: محلّ البِراز ـ يعني الغائط ـ وهو مجمعه.
(6) في الخشاب: على جسده.
(7) أضاف في بعض النسخ والزرنوجي: «... بعد صلاة الفجر» وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الجلوس في المسجد من بعد طلوع الفجر إلى حين طلوع الشمس للاشتغال بِذكْرِ الله سبحانه أسرعُ في تيسير الرزق من الضرب في أقطار الأرض».
معجم ألفاظ غرر الحكم (ص1270) رقم (110).
24 ـ والإبكار(1) في الذهاب إلى السوق.
25 ـ والإبطاءُ في الرجوع منه(2).
26 ـ وشراء كسرات الخبز من الفُقراء والسائلين(3).
27 ـ ودعاء الشرّ على الوالِدَيْنِ(4).
28 ـ وترك تخمير(5) الأواني.
29 ـ وإطْفاء السراج بالنَفَس.
كلُّ ذلك يُورِثُ الفقر، عُرِفَ بالآثار(6).
30 ـ وكذا الكِتابةُ بقَلَم مَعْقود(7).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في بعض النسخ والخشاب: «الابتكار».
(2) كلمة «منه» لم ترد في الخشاب، والمراد الرجوع من السوق.
(3) في نسخة (أ): «والمساكين» بدل «والسائلين».
وفي الزرنوجي: من الفقراء السُؤّال.(4) كذا في النسخ، إلاّ أنّ في نسخة (أ، ف) على الوالد، وفي الزرنوجي: على الولد! وفي (و، ف) السوء، بدل (الشر).
وانظر الرقم (32) في هذه القائمة لمانعات الرزق.(5) التخمير: الستر، والمراد عدم تغطية الأواني بل تركها مكشوفة. وفي (أ) كتب «خمر» ثم شطبها وكتب «غسل» بدلها، وفي بعض النسخ «تجهيز» وهو تصحيف.
(6) جاء ذكر كثير من الاُمور المذكورة مجموعاً في روايات:
منها رواية (جامع الأخبار) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «عشرون خصلةً تورث الفقر ...» وذكرها وفيها كثير ممّا في كتابنا، فلاحظ: جامع الأخبار (ص343، رقم951). ومنها ما ذكره المجلسي مرسلا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الفقر من خمسة وعشرين شيئاً ...» وذكرها ومنها مجموعة ممّا هنا، فلاحظ السعة والرزق (ص35) فقد أوردها وغيرها. ولاحظ الأبواب الخاصة بذلك في كتب الحديث، وراجع مادة (فقر) من سفينة البحار، والمعاجم الحديثية.(7) المراد بالقلم ما هو من عود القصب، إذا كانت معه واحدة من العُقَد التي فيه.
31 ـ والامْتشاط بمشط متكَسّر.
32 ـ وترك الدعاء للوالدَيْن.
33 ـ والتَعَمُّمُ(1) قاعداً.
34 ـ والتَسَرْوُلُ(2) قائماً.
35 ـ والبُخْلُ(3).
36 ـ والتقتير(4).
37 ـ والإسراف(5).
38 ـ والكَسَل، والتواني(6).
39 ـ والسؤال(7).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي لبس العمامة على الرأس.
(2) أي لبس السروال.
(3) في حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):
«البُخْلُ فقر». و «البخيلُ متعجّلُ الفقر». وقال: «البخلُ أحَدُ الفقرين». لاحظ معجم ألفاظ غرر الحكم (ص7 ـ 879) مادة (فقر).(4) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أفقر الناس من قتّر على نفسه مع الغنى والسعة».
المصدر السابق.(5) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «سببُ الفقر الإسرافُ».
وقال (عليه السلام): «من أسْرفَ في طلب الدنيا مات فقيراً». المصدر السابق.(6) «والتواني» لم يرد في الخشاب.
وإنّما عطفناه على الكسل، لارتباطهما، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من التواني يتولّد الكسلُ». معجم ألفاظ غرر الحكم (وني).(7) هذا في الخشاب، ولم يرد في سائر النسخ.
وقد قالَ الإمامُ عليّ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): «المسألة مفتاح الفقر». وقالَ: «من الواجب على الفقير أنْ لا يبذل ـ من غير اضطرار ـ سؤاله». وقالَ: «السؤالُ يُضعف لسان المتكلّم ... ويَمْحقُ الرزقَ». معجم ألفاظ غرر الحكم (ص1269) رقم (105).
40 ـ والتهاوُنُ في الاُمور.
[59 ـ ما يزيد في الرزق]
1 ـ وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اسْتنزلوا الرزق بالصَدَقةِ»(1).
2 ـ والشكر(2).
3 ـ والبُكُور(3) مُبارَكٌ، يزيدُ في جميع النِعَم خصوصاً في الرزق.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه في قرب الاسناد مسنداً مرفوعاً عن أهل البيت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)رقم (414 ص118) وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (2/35) رقم 75 وهو من مسند الطائي من رواة الصحيفة، فلاحظ.
وقد رواه من العامة في الجامع الصغير (1/41). وهو موقوف على عليّ (عليه السلام) في غرر الحكم (رزق) وهو في نهج البلاغة (رقم 137) من قصار الحكم (ص494).(2) هذا في (أ) والخشاب، ولم يرد في نسخ اُخرى.
وقد قال الله تعالى: }لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ{. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ شكر اسْتَحقَّ الزيادةَ». و «مَنْ شكرَ دامتْ نعمتُه». و «من شكرَ اللهَ زادَهُ». و «من شكرَ بِجِنانه اسْتحقّ المزيدَ قبل أنْ يَظْهرَ على لسانهِ». وقال: «اُشكُرْ تُزَدْ». و «شُكْرُ الإلهِ يُدِرّ النِعَمَ». و «الشُكْرُ زيادةٌ». و «ثمرةُ الشُكْر زيادةُ النِعَمِ». و «كافِلُ المزيد الشُكْرُ». و «أحقُّ الناس بزيادة النِعمة أشكَرُهم لما اُعطيَ منها». راجع معجم ألفاظ غرر الحكم، مادة «شكر». وقال الإمام الحسين السبط الشهيد (عليه السلام): «شكرك لنعمة سالفة يقتضي نعمةً آنفةً». نزهة الناظر (ص38)(3) البُكُور: الخروج إلى العمل بُكْرة، أي أوّل النهار.
4 ـ و«حُسْنُ الخطّ(1) من مفاتيح الرزق».
5 ـ وبسط الوجه(2).
6 ـ وطيب الكلام يزيد في الرزق.
وعن الحسن بن عليّ(عليهما السلام):
7 ـ «تركُ الزِنى
8 ـ وكنسُ الفِنَا
9 ـ وغسلُ الإنَا
مَجْلبةٌ للغِنى»(3).
10 ـ وأقوى الأسباب الجالبة للرزق: إقامة الصلاةِ بالتعظيم والخشوع.
11 ـ وقراءة سورة }الواقعة{(4) خصوصاً بالليل، ووقت العشاء(5).
«وسورة }يس{(6) و }تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ{(7) وقت الصُبْح»(8).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في نسخة (أ): الخُلُق، بدل « الخطّ». وقد رواه المجلسي كما في المتن حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بحار الأنوار (76/ 318).
وعلّق صديقنا الفاضل السيد الحسن من آل الحسن المجدّد دام مجدهُ هنا بما يلي: ببالي حديث عن الإمام علي (عليه السلام)نصّه: «عليكم بحسن الخطّ فانّه من مفاتيح الرزق». وقد وَرَدَ أنّ حُسْنَ الخلق من أسباب زيادة الرزق: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «حُسْنُ الأخلاق يُدِرُّ الأرزاقَ». وقال: «مَنْ ساء خلقُه ضاقَ رزقُه، ومَنْ كرُم خلقُه اتّسعَ رزقُه». معجم ألفاظ غرر الحكم (رزق).(2) هذا المورد لم يذكر إلاّ في بعض النسخ والزرنوجي.
(3) لم نجد للحديث تخريجاً.
وقد أبقينا كلمتي «الفنا والإنا» على القصر، رعايةً للسجع وهي لغة قريش في تخفيف الهمزة.(4) هي سورة (56) من القرآن الكريم.
(5) في الزرنوجي: «وقت النوم» بدل: «وقت العشاء».
(6) هي السورة (36) من القرآن المجيد.
(7) هي السورة (67) من القرآن العظيم، وتسمّى بسورة «المُلْك».
(8) جاء بدل ما بين القوسين في بعض النسخ والزرنوجي، ما نصّه: «وقراءة سورة }المُلْك{ و }المزّمِّل{و }وَاللَّيْلِ إذا يَغْشَى{ و }أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ{».
وسورة المزمّل هي السورة (73) وسورة الليل رقمها (92) وسورة }أَلَمْ نَشْرَحْ{برقم (94) وتسمّى }الشَرْحُ{ و }الانْشِراحُ{.
12 ـ وحضور المسجد قبل الأذان.
13 ـ والمُداومة على الطهارة.
14 ـ وأداء سُنَّة الفجْر، والوتر، في البيت.
15 ـ وأنْ لا يتكلّم بكلام الدُنيا بعد الوِتر.
16 ـ ولا يُكثر مجالسة النِساء، إلاّ عند الحاجة(1).
17 ـ وأنْ لا يتكلّم بكلام لغْو (غير مفيد لدينه ودنياه)(2).
قيل: «مَنِ اشْتَغَلَ بما لا يعنيه، يفوته ما يعنيه»(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أقلل محادثة النساء، يكمل لك السناءُ».
وقال (عليه السلام): «لا تكثر الخلوة بالنساء فيمللْنك». وهذان الموردان (15 و 16) لم يردا إلاّ في الزرنوجي وبعض النسخ.(2) ما بين القوسين من الزرنوجي.
(3) هذا من الحكم المروية عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، لاحظ معجم ألفاظ غرر الحكم (عني).
وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصَمْتُ حكمٌ وقليل فاعله، ومَنْ كان كلامه فيما لا يعنيه كثرت خطاياه». نزهة الناظر (ص7). ومن الحديث المشهور قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من حُسْن اِسْلام المرء تركه ما لا يعنيه» وقد أسنده الرامهرمزي عن الزهري عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، في المحدّث الفاصل (ص206) رقم (90). وفي حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الكثير ممّا يدور حول هذا المعنى، اليك منه: قال (عليه السلام): «مَن اطرح ما يعنيه وقَعَ إلى ما لا يعنيه». وقال: «طوبى لمن قصر همَّته على ما يعنيه، وجعل كلّ جِدّه فيما يُنجيه». وقال: «كفى بالمرء غفلةً أنْ يصرف همّته فيما لا يعنيه». وقال: «دَعِ الخوضَ فيما لا يعنيك تكرم». وقال: «أكْبَرُ الكُلْفة تعنّيك فيما لا يعنيك». وقال: «بترك ما لا يعنيك يتمّ لك العقلُ». وقال: «دَعِ الكلام فيما لا يعنيك، وفي غير موضعه، فرُبّ كلمة سلبتْ نعمةً ولفظة أتَتْ على مُهْجَة». وقال: «وقوعُك فيما لا يعنيك جهلٌ مُضِرّ». وقال: «إقْصِرْ هِمَّتكَ على ما يلزمك ولا تخض فيما لا يعنيك». أخذنا كلّ هذه الحكم من معجم ألفاظ غرر الحكم، مادّة (عني).
(قال بوذرجُمِهْر: «إذا رأيتَ الرجُلَ يكثُر كلامُه، فاسْتَيْقنْ بجنونه»)(1).
قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «إذا تمَّ العَقْلُ نَقَصَ الكلامُ»(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جاء ما بين القوسين في الزرنوجي وبعض النسخ، وخلت منه نسخ اُخرى.
(2) هذه هي الحكمة رقم (71) من الحكم التي أوردها الشريف الرضي في نهج البلاغة (ص480). وهو منقول في غرر الحكم أيضاً.
وقال (عليه السلام): «الكلام كالدواء قليله ينفع وكثيره قاتل». وقال (عليه السلام): «إيّاك وكثرة الكلام فإنّه يكثر الزلل ويورث الملل». وقال: «كثرة الكلام تملّ السمع» «... تملّ الاخوان». وقال: «إياك والهذرَ، فمن كثر كلامه كثرت آثامه». نقلنا هذه الحكم من معجم ألفاظ غرر الحكم، مادة (كلم). ومما روي عنه (عليه السلام) من الشعر، قوله: إنّ القليل من الكلام بأهلهِ حَسَنٌ وإنَّ كثيرَهُ مَمْقُوتُ ما زَلَّ ذو صَمْت وما من مُكْثر إلاّ يزلّ وما يُعابُ صَمُوتُ إنْ شُبِّهَ النُطْقُ المبينُ بِفِضة فالصَمْتُ دُرٌّ زانَهُ ياقوتُ وهو في الديوان (ص59)، وقد نقلناه سابقاً عند الفقرة [34] في الفصل الخامس. وفي الحديث الشريف: «السكوت ذهبٌ والكلام فضّة» أورده الرازي في جامع الأحاديث رقم (206). هذا، ولكنّ هذه المقارنة بين الكلام والسكوت، فيما إذا كان الكلام فيما لا يعني المتكلّم، ولم يكن من الحقّ، ولم يستتبع خيْراً، أو فضيلة، أو كانت فيه مضرّة، واستتبع شرّاً، وكانت فيه آفَةٌ! وفي الحديث الشريف أيضاً: «السكوتُ خيرٌ من إملاء الشرّ وإملاء الخير خيرٌ من السكوتِ». رواه الرازي في جامع الأحاديث رقم (205). أمّا إذا تساويا، ولم يرجح أحدهما بمرجّح كجلب نفع أو دفع ضرر، فإنّ الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين (عليه السلام) «فضّل الكلام على السكوت» لما سُئل عن الكلام والسكوت، أيُّهما أفضل ؟ فقال(عليه السلام): «لكلّ واحد منهما آفات، وإذا سلما من الآفات، فالكلام أفضل من السكوت: لأنّ الله عزّوجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، وإنّما بعثهم بالكلام. ولا اسْتُحِقّت الجنّةُ بالسكوت. ولا استُوجبَتْ ولايةُ الله بالسكوت. ولا تُوُقِّيت النارُ بالسكوت. ولا يُجْنَبُ سخطُ الله بالسكوت. إنّما كلّه بالكلام. وما كنتُ لأعدلَ القَمَرَ بالشمس. إنّك تصفُ فضل السكوتِ بالكلام، ولستَ تصفُ فَضْلَ الكلامِ بالسكوتِ». الاحتجاج للطبرسي(ص315)ولاحظ جهاد الإمام السجاد (ص62 ـ 63). وقد مرّ تعليق على الكلام وذم كثرته ومدح قلته في الفصل الخامس الفقرة [34 ]الهامش (19) وانظر موضعه من المتن.
[60 ـ ما يزيدُ في العُمُر]
وممّا يَزيدُ في العُمُر:
1 ـ تَرْكُ الأذى(1).
2 ـ وتوقير الشيوخ.
3 ـ وصلة الرحم(2).
4 ـ وأنْ يحترز عن قطع الأشجار الرطبة، إلاّ عند الضرورة.
5 ـ وإسباغ الوضوء.
6 ـ وحفظ الصحّة.
ولابُدّ أنْ يتعلّمَ شيئاً من الطِبّ، ويتبرّك بالآثار الواردة في الطبّ، التي جمعها(3) الشيخ الإمام أبو العباس المستغفري، في كتابه المسمَّى «طبّ ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «كثرة اصطناع المعروف تزيد في العمر وتنشُر الذِكْر».
وقال (عليه السلام): «الذكر الجميلُ أحَدُ العُمْرَيْنِ». راجع معجم ألفاظ غرر الحكم (عمر).(2) عن عاصم بن ضمرة عن عليّ (عليه السلام) أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «مَنْ سَرَّهُ أنْ يُمَدَّ له في عُمرهِ، ويوسَّعَ له في رزقه، فلْيَتّقِ الله، وليَصِلْ رَحِمَهُ».
رواه في مكارم الأخلاق ومعاليها (ص51) رقم 257. والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة المؤكّدة على صلة الرحم كثيرة جدّاً، لا يخلو منها كتاب.(3) كذا الصواب، وفي النسخ ـ كلها ـ : الذي جَمَعهُ.
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)» يجدُه مَنْ يَطلبُهُ(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتاب «طبّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)» تأليف جعفر بن محمّد النسفي الشهير بالمستغفري المتوفى سنة (432).
أدرجه المجلسي في موسوعة بحار الأنوار. وطبع قديماً وحديثاً عدّة طبعات، وأخيراً في النجف الأشرف بالمطبعة الحيدرية سنة 1385 بتقديم السيّد محمّد مهدي الموسوي الخرسان، وأعادت طبعه دار الرضيّ في قم سنة 1402 هـ . وفي تراثنا القديم: طبُّ الإمام الرضا (عليه السلام)، المعروف باسم «الرسالة الذهبية» المنسوب تأليفه إلى الإمام أبي الحسن عليّ الرضا (عليه السلام)، والذي رواه أبو محمّد العمّي، الحسن بن محمّد بن جمهور البصري، من رواة الإمام، وقد ذكره أصحاب الفهارس في ترجمته. وقد طبع بالاسم الأول، بالمطبعة الحيدرية في النجف الأشرف 1385 بتقديم السيّد محمّد مهدي الموسوي الخرسان. وطبع بالاسم الثاني، بمطبعة الخيام، في قم 1402 هـ بتحقيق الشيخ محمّد مهدي نجف. وطبّ الأئمة (عليهم السلام)، للمحدّثين الأقدمين الأخوين ابنا بِسطام مطبوع أيضاً. وقد ألّف الاُستاذ شاكر شبع (أبو جهاد) كتاباً حافلا باسم «طبّ الإمام الكاظم (عليه السلام)» أبدع في تنظيمه وإخراجه وطبع في المؤتمر العالمي السنوي للإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد المقدّسة سنة 1411 هـ برقم (34). وبهذا انتهينا من التعليق على هذا الكتاب الجليل ومن الله التوفيق. }وآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{
نهايات بعض النسخ
جاء في نهاية نسخة (و) المرقّمة (6112) في المكتبة المرعشية، ما نصّه:
قد فرغت من تسويده في يوم الخميس عشرين ذي الحجة سنة ست وسبعين وألف في دار المؤمنين «قم».
وأنا العبد الضعيف ابن ملاّ أحمد المرحوم: محمّد أمين الليماني الجيلاني، عفي عنهما.
وجاء في آخر نسخة الفاضل الخونساري، ما نصّه:
«الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه وآله الطاهرين، تمّ الكتاب بعون الملك الوهّاب».
وفي آخر نسخة (ع) المرقّمة (3635) في المكتبة المرعشية:
فرغ من تسويد «آداب المتعلمين» في شهر رمضان المبارك من شهور سنة (1267).
وجاء في نهاية نسخة الخشاب، ما نصّه:
«والله العالم
تمّتْ الرسالةُ الشريفةُ المسمّاةُ بآداب المتعلّمين، لشيخ الملّة والدين خواجه نصير الدين الطوسي رحمة الله عليه.
في يد المذنب العاصي الفقير المحتاج لرحمة الله الملك الباقي محمّد إبراهيم الفاني.
في سلخ شهر رجب المرجّب في سَنَة (1049)».
وجاء في نهاية نسخة (أ) ما نصّه:
«واللهُ العالم
تمّتْ الرسالة الشريفةُ المسمّاة بآداب المتعلّمين، بعون ربّ العالمين، وبعنايته، وصلّى الله على سيّد المرسلين وعترته الطيّبين الطاهرين، برحمتك يا أرحم الراحمين».
وفي نهاية بعض النسخ ما نصّه:
«تمّتْ، بعون الله وحسن توفيقه، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين».
ونقول في نهاية هذه النسخة المحقّقة:
«الحمدُ لله الذي وفّقنا من فضله لمراجعة هذه الرسالة والعمل فيها بالتحقيق لنصّها، والتخريج لأحاديثها، والتعليق عليها، والاستدراك لمطالبها، ومقابلتها الدقيقة مع النسخ العديدة بما في ذلك أصلها الذي ألّفه الزرنوجي، وإخراجها بهذا الشكل المتكامل، مع المقدّمة الضافية، والفهارس الوافية.
وقد وفّقني الله جلّ ذكره ـ من قبلُ ـ لمطالعتها مكرّراً، والاستفادة ممّا فيها من النصائح القيّمة.
وأسأله تعالى أنْ يوفّق طلاّبنا الأعزّاء للاستفادة منها والتزوّد من إرشاداتها، راجياً منهم الدعاء لي، ولمؤلّفها وتغمّده الله جلّ ذكره بوافر فضله ورحمته.
ثمّ أشكرهُ جزيلا على ما أولاني من برّه وفضله وإحسانه حيث حبّبَ إليّ العلم وهداني إليه، وسهّل لي أمره وأعانَني عليه، ويسّر لي سبيله ووفّقني له.
راجياً من فضله وبرّه أنْ يتغمّدَ والدينا ومشايخنا وأساتذتنا ومن علّمنا خيراً أو تعلّم منّا علماً بالرحمة والغفران وأن يشركهم في ثواب أعمالنا وصالح دعواتنا، وأن يشركنا في صالح دعائهم.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد رسوله وأمينه، وعلى الأئمّة من آله المعصومين خيرة الله من خلقه.
وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربّ العالمين.
حُرّر في الرابع والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة (1414) في قم المقدّسة.
وكتب
السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلالي
المَصادِرُ والمَراجع
1 ـ الاثنا عشرية في المواعظ العددية، للعاملي.
2 ـ الاحتجاج على أهل اللجاج، للطبرسىّ أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، تحقيق السيد محمد باقر الخرسان ـ النجف الأشرف ـ مطبعة النعمان 1386 هـ.
3 ـ أحوال وآثار خواجه نصير الدين طوسي، للسيد محمّد تقي مدرس رضوي، بنياد فرهنك إيران 1354 هـ.
4 ـ أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني، أبي سعد عبد الكريم بن محمّد بن منصور (ت562) دار الكتب ـ بيروت 1401 هـ.
5 ـ أدب الدنيا والدين، للماوردي علي بن محمد بن حبيب البصري (ت450)، تحقيق الاُستاذ مصطفى السقا ـ مصر، أعادته دار الكتب العلمية ـ بيروت.
6 ـ الأربعين البلدانيّة، لابن عساكر عليّ بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي (ت571)، تحقيق محمد مطيع الحافظ، دار الفكر ـ دمشق مركز الماجد للثقافة والتراث، دبي ـ 1413 هـ .
7 ـ الأشعثيات، مجموع ما أسنده محمّد بن محمّد بن الأشعث، أبو علي، من أحاديث الجعفريات، أمر بطبعه السيد الامام البروجردي (رحمه الله)، چاپخانه اسلامية طهران، وأعادت تصويره مكتبة نينوى الحديثة ـ طهران.
8 ـ أمالي الطوسي، للشيخ محمّد بن الحسن أبي جعفر الطوسي (ت460)، تقديم السيّد محمّد صادق بحر العلوم، نشر المكتبة الأهلية ـ بغداد 1384 هـ.
9 ـ أُنس العالم، للصفواني.
نقل قطعة منه الشيخ ابن إدريس الحلّي في «مستطرفات السرائر» وهو برقم (19) في المطبوع مستقلا (ص149 ـ 150) وهو مطبوع أيضاً في الجزء الثالث من السرائر (ص639 ـ 640).
10 ـ بحار الأنوار، للشيخ محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي الاصبهاني (ت1110)، الطبعة الحديثة طهران، وأُعيد في بيروت.
11 ـ تاريخ الأدب العربي، لبروكلمان الألماني، ترجمة النجار وزميليه، دار المعارف ـ مصر 1977 م.
12 ـ تاريخ التمدن الإسلامي، لجورجي زيدان.
13 ـ تدوين السنّة الشريفة، للسيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي (محقق الكتاب) نشر مكتب الإعلام الإسلامي (دفتر تبليغات) قم 1413 هـ.
14 - تذكرة الموضوعات لمحمد طاهر بن علي الهندي الفتني (ت 986) طبع أمين دمج - بيروت . 15 ـ التراث العربي في خزانة مكتبة آية الله المرعشي ـ قم، إيران. للسيد أحمد الحسيني، نشر مكتبة السيّد المرعشي ـ قم 1414 هـ.
16 - تفسير القرآن الكريم لصدر المتألّهين محمّد بن إبراهيم الشيرازي انتشارات بيدار - قم الجمهوريّة الإسلاميّة 1366هـ .
17 ـ تقييد العلم، للخطيب البغدادي أحمد بن علي بن ثابت (ت463)، تحقيق وتقديم الدكتور يوسف العشّ، الطبعة الاُولى 1949م، نشر دار إحياء السنّة النبويّة، طبعة ثانية 1395هـ ـ 1975م.
18 ـ تهذيب الأحكام، للشيخ الطوسي محمّد بن الحسن (ت460)، تحقيق السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية ـ النجف، واعادته في طهران في (10) مجلّدات.
19 ـ جامع الأحاديث، للرازي القمي جعفر بن أحمد بن علي (ق4)، نسخة مخطوطة حقّقها ورقّمها السيّد حسن آل الحسن المجدد دام ظله وهي موجودة
عنده.
20 ـ جامع الأخبار، للشيخ محمّد بن محمّد السبزواري (ق7)، تحقيق علاء آل جعفر، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، بيروت 1413 هـ.
21 ـ جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البرّ القرطبي، يوسف (ت463)، الطبعة الاُولى بتصحيح إدارة الطباعة المنيرية ـ مصر، أعادته دار الكتب العلمية ـ بيروت.
22 ـ الجامع الصغير، لجلال الدين السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (ت911)، طبعة عبد الحميد أحمد الحنفي، وبهامشه كنوز الحقائق للمناوي ـ مصر.
23 ـ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي أحمد بن علي (ت463)، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1412 هـ.
24 ـ الجعفريات، مسند الامام جعفر الصادق (عليه السلام)، برواية محمّد بن محمّد بن الأشعث الكوفي (طبع باسم الأشعثيات) مع قرب الإسناد للحميري، في قم ـ وأعادته مكتبة نينوى ـ طهران.
25 ـ جهاد الامام السجاد (عليه السلام)، للسيد محمّد رضا الحسيني الجلالي (محقّق الكتاب) قم المقدّسة ـ الجمهورية الإسلامية في إيران 1413 هـ.
26 ـ الحِطة في ذكر الكتب الستة، للسيد صديق حسن خان القنوچي (ت1307)، تحقيق علي حسن الحلبي، دار عمّار ـ الأردن، عمّان 1408 هـ.
27 ـ الخصال، للشيخ الصدوق القمي، محمّد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي (ت381)، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية ـ قم المقدّسة 1403 هـ، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري.
28 ـ الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة، للشهيد الأول محمّد بن مكي
العاملي الجزيني (ت786) نشر مؤسسة طبع الروضة الرضوية المقدّسة (الآستانة) مشهد ـ إيران 1405 هـ رقم (19).
29 ـ الدروع الواقية، للسيد علي بن موسى بن جعفر ابن طاوس الحلّي (ت664) تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ـ قم 1414 هـ.
30 ـ دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشِيم، للقاضي القضاعي محمّد بن سلامة الشافعي صاحب الشهاب (ت454) نشره لأوّل مرّة الاُستاذ جميل العظم في مصر سنة (1332 هـ) في مكتبة الرافعي، وأعادته دار الكتاب العربي ـ بيروت 1401 هـ.
31 ـ ديوان الامام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، شرح الدكتور يوسف فرحات، دار الكتاب العربي ـ بيروت 1411 هـ.
32 ـ ديوان الشافعي، محمّد بن إدريس إمام المذهب الشافعي (ت204)، جمع محمّد عفيف الزعبي ـ بيروت.
33 ـ الذريعة الى تصانيف الشيعة، للعلامة الطهراني الشيخ محمّد محسن الشهير بآقا بزرك الطهراني (ت1389)، الطبعة الاُولى في طهران والنجف وقم وبيروت.
34 ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، للزمخشري محمود بن عمر، انتشارات الشريف الرضيّ ـ قم 1411 هـ.
35 ـ الرحلة إلى طلب الحديث، للخطيب البغدادي أحمد بن علي (ت463)، تحقيق الدكتور نور الدين عِتر.
36 ـ رسالة أبي غالب الزُراري الى ابن ابنه في ذكر آل أعين، للشيخ أحمد بن محمّد بن محمّد بن سليمان أبي غالب الزراري (ت368)، تحقيق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي (محقق الكتاب) نشر مركز الأبحاث والدراسات التابع لمكتب الإعلامي الإسلامي (تبليغات) ـ قم 1411 هـ.
37 ـ رسالة الحقوق، المرويّة عن الامام زين العابدين عليّ بن الحسين السجاد (عليه السلام)، المطبوعة مع كتاب من لا يحضره الفقيه، للصدوق.
38 ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء، للأفندي، المولى عبد الله الاصفهاني (ق12)، تحقيق السيد أحمد الحسيني، منشورات مكتبة السيّد المرعشي ـ قم 1401 هـ.
39 ـ السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، للشيخ ابن إدريس محمّد بن منصور بن أحمد (ت598)، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم 1411 هـ.
40 ـ السعة والرزق، للشيخ محمّد الكلباسي الحائري، مطبعة الآداب ـ النجف 1389 هـ، أعادته دار الكتاب ـ قم.
41 ـ سلسلة الإبريز بالسند العزيز، تأليف أبي محمد الحسن بن عليّ بن أبي طالب الحسيني البلخي (ت532)، تقديم السيد محمد حسين الحسيني الجلالي، علّق عليه وخرّج أحاديثه محمّد جواد الحسيني الجلالي، نشر مكتبة المرعشي ـ قم 1413 هـ.
42 ـ سنن البيهقي، لأحمد علي بن الحسين (ت458) دار الفكر ـ بيروت.
43 ـ شرح رسالة الحقوق، للسيّد حسن السيّد علي القبانچي، طبع النجف، وأعادته مؤسسة إسماعيليان ـ قم 1406 هـ.
44 ـ شرح البداية في علم الدراية، للشيخ الشهيد الثاني زين الدين بن عليّ الجبعي العاملي (ت965)، ضبط نصّه السيّد محمّد رضا الحسيني الجلالي (محقّق الكتاب)، منشورات الفيروز آبادي ـ قم 1414 هـ.
45 ـ صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل (ت261) دار إحياء التراث العربي ـ بيروت. مصوّرة عن اليونينيّة.
46 ـ صحيفة الامام الرضا (عليه السلام)، مسند الامام أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، رواية الطائي، تحقيق الشيخ محمّد مهدي نجف، نشر المؤتمر العالمي
للإمام الرضا (عليه السلام) ـ مشهدالمقدّسة1406.
47 ـ طبّ الإمام الكاظم (عليه السلام)، لشاكر شبع، نشر المركز العالمي للإمام الرضا(عليه السلام) ـ مشهد المقدّسة رقم (34) 1411 هـ.
48 ـ الضياء اللاّمع في أعلام القرن التاسع من طبقات أعلام الشيعة، للشيخ آقا بزرك الطهراني (ت1389)، تحقيق علي نقي المنزوي ـ دانشكاه طهران ـ 1362 ش.
49 ـ عدّة الداعي ونجاح الساعي، للشيخ ابن فهد الحلي أحمد بن محمد الأسدي (ت841)، تحقيق الموحدي القمي ـ نشر مكتبة الوجداني ـ قم.
50 ـ علل الشرائع، للشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي (ت381)، طبع قم ـ إيران.
51 ـ عوالي اللآلي العزيزية، للشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي محمد بن علي بن إبراهيم (ق10)، تحقيق الشيخ مجتبى العراقي، قم 1405 هـ.
52 ـ عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للشيخ الصدوق محمّد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي (ت381).
53 ـ فهرست كتابهاى خطى دانشكده ادبيات، لمحمّد تقى دانش پژوه.
54 ـ فهرست كتابهاى خطى دانشكده حقوق، لمحمّد تقى دانش پژوه.
55 ـ الفرق بين الحروف الخمسة، لابن السِيْد البطليوسي عبد الله بن محمد أبي محمّد الأندلسي (ت521)، تحقيق الدكتور علي زوين، مطبعة العاني ـ بغداد 1985 م.
56 ـ فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، تأليف: عبد الحيّ ابن عبد الكبير الكتاني، باعتناء الدكتور إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي ـ بيروت، الطبعة الثانية 1402 هـ.
57 ـ فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الجمعية الاستشراقية
الألمانية، بمدينة هالة.
58 ـ الكافي، للشيخ الكليني محمّد بن يعقوب أبي جعفر الرازي (ت329) صحّحه وقابله علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية ـ طهران 1402 هـ.
59 ـ الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي الحافظ، دار الفكر ـ دمشق.
60 ـ كتاب مَنْ لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق محمّد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي (ت381)، حقّقه وعلّق عليه السيّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية ـ الآخوندي ـ النجف، وأعادته في طهران 1390 هـ.
61 ـ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة مصطفى بن عبد الله (ت1017) دار الفكر ـ بيروت 1402 عن الطبعة الاُولى في تركيا.
62 ـ كنز العرفان في فقه القرآن، للشيخ المقداد السيوري الحلي (ت826) المكتبة المرتضوية ـ طهران 1384 هـ.
63 ـ كنوز الباحثين، الفهارس التفصيلية لكتاب رياض الصالحين للنووي (ت676) صنعة أحمد راتب عرموش، دار الفكر ـ دمشق 1413 هـ.
64 ـ كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق، للمناوي عبد الرؤوف، مطبوع في هامش الجامع الصغير للسيوطي، طبع الحنفي ـ مصر.
65 ـ لسان العرب، للشيخ ابن منظور جمال الدين محمّد بن مكرم الأنصاري (ت711) طبعة بولاق، وطبع دار صادر بيروت.
66 ـ لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار ...، للسيد مجد الدين بن محمّد بن منصور المؤيدي، مكتبة التراث الإسلامي ـ صعدة، اليمن الشمالي ط اُولى 1414 هـ.
67 ـ المجدّدون في الإسلام، للدكتور عبد المتعال الصعيدي.
68 ـ مجلة دانشكده ادبيات، جامعة طهران ـ طهران.
69 ـ المحاسن، للشيخ البرقي، أحمد بن محمد بن خالد (ق3)، عُني بنشره
وتصحيحه السيّد جلال الدين الحسيني المشتهر بالمحدّث، نشر دار الكتب الإسلامية ـ قم.
70 ـ المحاسن والمساوي، للبيهقي إبراهيم بن أحمد ـ دار صادر بيروت 1390 هـ.
71 ـ المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي الحسن بن عبد الرحمن (ت360)، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، دار الفكر ـ بيروت 1391 هـ.
72 ـ مستطرفات السرائر، للشيخ ابن إدريس الحلّي محمد بن منصور بن أحمد (ت598)، تحقيق مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) ـ قم 1408 هـ.
73 ـ مسند أحمد، لأحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني (ت241) طبع الميمنية في مصر في ستة مجلّدات، واُعيد بالاُفست مكرّراً.
74 ـ معجم ألفاظ غرر الحكم ودرر الكلم، للشيخ مصطفى درايتي، نشر مركز الأبحاث والدراسات التابع لمركز الإعلام الإسلامي (تبليغات) ـ قم 1413هـ.
75 ـ معجم المطبوعات العربية والمعرّبة، ليوسف اليان سركيس، اُوفست المكتبة المرعشية ـ قم.
76 ـ منازل السائرين، لأبي إسماعيل عبد الله الأنصاري، تحقيق وتعليق الشيخ محسن بيدار فر، انتشارات بيدار ـ قم 1413 هـ.
77 ـ منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، للشيخ الشهيد الثاني، زين الدين بن عليّ العاملي الجباعي (ت965)، تحقيق الشيخ رضا مختاري، نشر مركز الإعلام الإسلامي ـ قم 1409 هـ.
78 ـ المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، للسخاوي.
79 ـ مقدّمة جامع التفاسير، للراغب الاصبهاني.
80 ـ مكارم الأخلاق ومعاليها، للخرائطي محمد بن جعفر السامريّ (ق4)،
راجعه أبو محمد عبد الله بن حجاج، نشر مكتبة السلام العالمية ـ القاهرة.
81 ـ المنتقى النفيس من درر القواميس، انتخاب وعرض السيد محمد رضا الحسيني الجلالي (محقق الكتاب) من «القواميس في الرجال والدراية» للفاضل الدربندي (ت1286) ـ طبع في نشرة «تراثنا» الصادرة في مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)لإحياء التراث ـ قم العدد الثالث من السنة (6) 1411 هـ.
82 ـ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، للشيخ الحلواني، الحسين بن محمّد بن الحسن (ق5)، مطبعة سعيد، مشهد ـ إيران 1404 هـ.
83 ـ ميزان الحكمة، للشيخ محمّدي الريّ شهري، الطبعة الاُولى، مركز الإعلام الإسلامي ـ دفتر تبليغات إسلامي، قم.
84 ـ نهج البلاغة المختار من كلام الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، جمع الشريف الرضيّ محمّد بن الحسين الموسوي (ت406)، ضبط الدكتور صبحي الصالح، الطبعة الاُولى دار الكتاب اللبناني ـ بيروت 1387 هـ.
85 ـ وسائل الشيعة الى أحكام الشريعة، للشيخ الحرّ العاملي محمّد بن الحسن (ت1104)، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم.
}سُبْحَانَ رَبّك رَبّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ{
}وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ{
}والحمد لله ربّ العالمين{